|
فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
*فتاة حاملة لكتاب الله وملتزمة والحمد لله ، وقد تم طلب يدها أكثر
من مرة ومن أشخاص معروف عليهم الصلاح وإن لم يكونوا ملتزمين مثل التزامها
، ولكنها رفضتهم كلهم لأنها تشترط في خطبتها أن يكون حاملاً لكتاب
الله وإن كان جزءاً من القرآن فما رأي سماحتكم في هذا الشرط ؟ وهل
تؤثم على رفضها لمن خطبها إن لم يكن هذا الشرط من الشروط اللازمة المفروضة
؟
**هي ليست آثمة بهذا ، وإنما هي تريد الأفضل والأكمل ، وتريد أن تحترز
لدينها وأن تقترن بمن يشد أزرها ويحمي ظهرها ويقف وراءها لدفعها قدماً
إلى الأمام في سبيل الخير فلذلك تشترط النوعية الفاضلة التي تجمع هذه
الصفات النبيلة ، وهي ليست آثمة ، ونسأل الله لها أن يهيئ لها من أمرها
رشدا ، وأن يمن عليها بزوج صالح يحفظ كتاب الله ويعمل به ويطبقه ويحرص
على تعلم علومه واكتساب معارفه ، ونسأل الله سبحانه وتعالى لها كل
ما فيه الخير .
*ارتفاع الصوت باستعمال المكبرات أثناء الإقامة
والصلاة حيث يرتفع صوت الإقامة على الأذان داخل المسجد ثم ترتج جنبات
المسجد أثناء التكبير والقراءة حيث يفقد المصلي رهبة المقام والخشوع
وتدبر القرآن ثم ما إن يسلم الإمام حيث يلتفت المصلين مستخدماً مكبر
الصوت في الدعاء ومشوشاً على المستدركين ، نرجو التفصيل ؟
**استعمال المكبر وغيره يجب أن يكون وسطاً بين وسطي الإفراط والتفريط
، استعمال المكبر ليس هو مطلوباً لذاته ، وإنما هو مطلوب في وقتنا
هذا مع الحاجة ، الناس كانوا يصلون بغير مكبر ، كان يؤمر الإمام من
غير أن يقرأ في مكبر ومن غير أن يكبر في المكبر ، وإنما كانت هذه الأصوات
في ذلك الوقت تصل إلى حيث يصعب أن تصل الآن مع الضجيج الكثير ومع ارتفاع
الأصوات من الآلات الكثيرة من السيارات ومن الآلات الكهربائية التي
تشتغل وتهدر هديرا ، فلذلك احتاج الناس إلى استعمال هذه المكبرات ،
ولكن ليس معنى ذلك أن يفرط في استخدامها حتى يؤل الأمر إلى إزعاج المصلين
وإلى إفقاد المصلي لذة الخشوع والمناجاة لله سبحانه وتعالى وإلى التشويش
على المصلين الآخرين الذين يصلون بعدما يفرغ الإمام من الصلاة كالمستدركين
وغيرهم فإن هؤلاء يجب أن تراعى صلاتهم وأن لا يشوش عليهم ، ومثل هذه
الأمر كلها من الواجب اتقاؤها ، والله تعالى أعلم .
*إذا رن هاتف الإمام أثناء الصلاة ؟
**الإمام مطالب بأن يحترز من أول الأمر ، وأن يكون أشد احترازاً من
غيره ، كل أحد مطالب أن يحترز ، وأنا قلت أكثر من مرة بأن الناس لا
يبالون وهم يدخلون في المساجد أن يتركوا هواتفهم تشتغل وترن حتى ولو
كان المصلون داخل الصلاة وتزعج المصلين ، تتعالى أصوات الهواتف من
جنبات المسجد حتى أحياناً ما تكون هذه الهواتف شبيهة بالنواقيس والعياذ
بالله ، ويؤدي ذلك إلى كثير من اللبس على المصلين ، فعلى كل أحد أن
يحترز ، وأنا قلت من باب سد الذرائع بأنه يجب عليه إن أهمل هاتفه أن
يغلقه ولكنه اشتغل في صلاته وباشتغاله عن صلاته عليه أن يستأنف الصلاة
هذا كما ذكرت من باب سد الذرائع ولا أعني أنه بمجرد أن يرن الهاتف
تكون صلاته باطلة ، فالإمام يجب عليه أن يكون أشد احترازاً من غيره
.
*في بعض الكتب الفقهية يقول العلماء (والمذهب كذا ) فهل هذا ترجيح
؟
**هذا بيان المعمول به في المذهب ، ولا يعني ذلك أن قائل ذلك مرجح
، فإن كان هو أهلاً للاجتهاد له أن يرجح ما رآه أرجح بالأدلة وأن يترك
المعمول به في المذهب .
*مهنة المحاماة هل كانت في عهد الرسول صلى الله
عليه وسلّم ، وما هي ضوابطها ؟
**المحاماة ما كانت لا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم ولا في عهد
السلف ، وإنما هذه أمور حدثت فيما بعد ، ولا بد من تؤطر في الإطار
الشرعي ، فالمحامي يمنع شرعاً أن يدافع عن باطل ، أو أن يسعى لإحقاق
باطل وإزهاق حق ، إذ لا يجوز لأحد أن يعين ظالماً على ظلمه ، وقول
النبي صلى الله عليه وسلّم ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) لا يعني
ذلك بأن ينصره بتأييده على ظلمه ، وإنما ينصره بزحزحته عن هذا الظلم
وإبعاده عن الظلم حتى يكون بذلك منصوراً أي مُجنباً أن يقع في عقاب
الله سبحانه وتعالى .
فالمحاماة يجب أن تؤطر في الإطار الشرعي بحيث يكون فيها الدفاع عن
الحق عن المظلوم ولا يكون فيها الدفاع عن الباطل أي عن الظالم .
فتاوى لسماحة الشيخ
العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
مكانة اللغة العربية وخطر اللحن والخطأ فيها 2ـ2
أحمد الكندي : من الأمور التي تساعد في علاج
مشكلة الضعف اللغوي إعداد الدراسات التي تحدد مكمن الضعف
ـ التركيز في تربية النشء يحفظ الهوية ويقويها
ويثبتها لتبقى حصنا منيعا تتكسر أمام شاطئه الأمواج
ـ إقامة ندوات ودورات تعليمية في اللغة العربية لتقوية أداء الطلاب
والمتعلمين
ـ العناية بمؤسسات تعليم اللغة العربية ودعمها لتخرج لنا كفاءات قادرة
على الاضطلاع بمهمة التعليم المتقن للغة
ـ القيام بخطوات جادة في تعريب العلوم لتصبح
العربية لغة العلم وتعود كما كانت من قبل.
أجرى الحوار : مبارك بن عبدالله العامري
تتجلى أهمية العربية في أنها المفتاح إلى الثقافة الإسلامية والعربية
، ذلك أنها تتيح لمتعلمها الإطلاع على كم حضاري وفكري لأمّة تربّعت
على عرش الدنيا عدّة قرون،وخلّفت إرثاً حضارياً ضخما في مختلف الفنون
وشتى العلوم وتعاني اللغة العربية اليوم من أخطاء كثيرة وذلك من خلال
التحدث بها والكتابة وحول ذلك نواصل ما توقفنا إليه في الحلقة السابقة
من هذا اللقاء مع الدكتور أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي أستاذ مساعد
بقسم العلوم الإسلامية كلية التربية جامعة السلطان قابوس ....
بعد التعرف على الأسباب
هناك بعض المشاكل تعاني منها اللغة العربية مثل اللحن وضعف اللغة وغيرها،
كيف يمكن علاج ذلك ؟
إن علاج مشكلة الضعف اللغوي عموما وشيوع اللحن
والخطأ خصوصا يحتاج إلى معالجة كل الأسباب بعد التعرف عليها وتحديد
مدى تأثيرها وهذه الخطوة الأولى للعلاج. ويأتي التحذير من الهجمة العدوانية
على اللغة والدين عبر الغزو الفكري والتنبيه لمدى خطر ذلك ومن ثم التصدي
لهذه الهجمة وإعداد الدراسات التي تساعد في هذه المعالجة، والتركيز
في تربية النشء على ما يحفظ الهوية ويقويها ويثبتها لتبقى حصنا منيعا
تتكسر أمام شاطئه الأمواج، وتسقط بصلابة صفاته القذائف وتنتهي، وضمن
العناية بهذا النشء يتم غرس التعلق بلغته، وتحبيبه إليه ليتعشق لغته
وآدابها وعلومها، وفيها يحبب إلى حفظ الأشعار وتطبيق علوم اللغة، ويشوق
إلى البيان القرآني باستمرار، فإذا استمر ذلك رأينا جيلا يحب لغته
ويعشقها، ويتعلق قلبه بها، فينطلق في دراستها، لا يثنيه عنها شيء.
إعطاء اللغة العربية مكانتها الحضارية، والسعي لتكون لغة العلم والتكنولوجيا
، وتفعيل اللغة الفصيحة السليمة داخل المؤسسات العامة والخاصة، وأن
تكون هي اللغة الأم داخل هذه المؤسسات.
اعتماد اختبار الكفاءة للغة العربية كتابة ونطقا لدى كل مؤسسات التعليم
العام والعالي سيدفع الطلبة في المدارس وأولياء الأمور داخل الأسر
إلى العناية باللغة، هذا مع إبراز اللغة ومكانتها وضرورتها في المدارس
والجامعات ولدى أولياء الأمور في الأسر، وكذلك إقامة الندوات والدورات
التعليمية المستمرة لتقوية أداء الطلاب والمتعلمين، وتشجيع ظهور معاهد
اللغة العربية لتقدم برامج التنمية والتقوية اللغوية.
اعتبار اللغة العربية اللغة الأم في كل المؤسسات العامة والخاصة مما
يعزز مكانتها والعناية باستعمال اللغة السليمة الفصيحة وتوظيف المستشارين
والمدربين والمراجعين اللغويين ليساعدوا في ذلك، ومنح الموظفين دورات
في اللغة العربية وإتقان استعمالها.
اعتبار إجادة اللغة وسلامة نطقها شرطا لا يمكن تجاوزه في بعض الأعمال
التي لها أثر بالغ وخطير في بث سلامة اللغة كالإعلام خاصة للمذيعين
ومقدمي البرامج، وأن يلتزموا باللغة الفصحى، ومثلهم خطباء المساجد
والوعاظ والمحاضرون.
العناية بمؤسسات تعليم اللغة العربية ودعمها لتخرج لنا كفاءات قادرة
على الاضطلاع بمهمة التعليم المتقن للغة، وليكون لها دور تحبيب اللغة
للطلاب وتشويقهم لها، ويشارك ذلك العناية بمناهج اللغة وتقديمها بطريقة
محببة مشوقة.
القيام بخطوات جادة في تعريب العلوم لتصبح العربية لغة العلم ولتعود
العربية في المشاركة في النهضة العلمية الحضارية كما كانت من قبل.
نشر الدراسات المعرفة بالأخطاء الشائعة وأنواع اللحن، وإقامة الندوات
والمؤتمرات العلمية لبيان ذلك، وانصباب عناية اللغويين في الكشف عن
الأخطاء الشائعة والتنبيه عليها، أضف إلى ذلك التعريف بهذه الأخطاء
في المدارس والمعاهد والجامعات، وكذلك قيام وسائل الإعلام بإبراز هذه
الأخطاء وعرضها لتعريف الناس بها.
ولنكون منهجين في العلاج يمكننا تدارك ذلك بعلاج هذه المشكلة لدى الطلاب
بالاستعانة بالدراسات التي أعدت في علاج أخطاء التعلم في علاج مشكلة
الأخطاء الشائعة وكذلك الدراسات المتخصصة في أخطاء النطق والإملاء،
وضمن البرنامج العلاجي نضع الهدف العام والأهداف الفرعية، فإذا كان
الهدف العام هو علاج الأخطاء الشائعة، فيتفرع عنه أهداف فرعية كبيان
مفهوم الخطاء الشائع وأنواعه إملاء كان أم نطقا، وتحديد أسبابه خاصة
لدى الطلاب كجانب إجرائي، وضمن ذلك نستخدم طرق تشخيص لهذه الأخطاء
مبرزين نواحي القوة، ومحددين نقاط الضعف ومن ثم نضع أنشطة تدريبية
علاجية.
ويتم التعرف على الأخطاء من خلال المقابلة والحوار مع الطالب، وعبر
ملاحظة الطالب في أدائه لما يكلف به، وملاحظة الأخطاء المتكررة فى
أعماله تحريريا وشفهيا، وكذلك بفحص ملف إنجاز الطالب، واستخدام أسئلة
شفهية وتحريرية عن الأخطاء الشائعة لتعريفه بها.
أما عملية العلاج فيمكن تنويع طرقه وأساليبه، فمنها تضمين المناهج
الدراسية مشكلة الأخطاء الشائعة وإشراك هذه المناهج في العلاج، وكذلك
استعمال الكتب الدراسية البديلة وفيها يصحح أخطاءه بصورة فردية عن
طريق الإطلاع على كتب أخرى غير الكتاب المدرسى ، أو باستعمال كتيبات
تدريب في كيفية تطبيق النحو والإملاء واستعمالهما، ويمكن أيضا من خلاله
أن يصحح الطالب أخطاءه بحل التمارين والتدريبات. أو باستعمال بطاقات
توضيحية تتضمن معلومات قصيرة تبين الأخطاء الشائعة وتصحيحها، ويلحق
بذلك الاستعانة بمجلات الحائط والمطويات، والعلاج باستعمال إحدى تقنيات
التدريس مثل البرامج وأجهزة العرض وأشرطة الكاسيت والفيديو والأقراص
المدمجة والعلاج بواسطة التدريس الفردي، وفيها يدرس ويصحح الطالب أخطاءه
من خلال تعلمه وحله أسئلة تشابه ما أخطأ فيها ومثل ذلك العلاج بواسطة
حصص التقوية، وهذه الحصص إما خاصة لعلاج الضعف اللغوي والأخطاء الشائعة
ويمكن أن يقوم فيها معلم أو أكثر بالتدريس لعدد من التلاميذ الذين
يشتركون فى هذه المشكلة. ومثل ذلك الاستعانة بالطلاب أنفسهم في مجموعات
متعاونة يقسم الطلاب لمجموعات محدودة يتولى فيها أحدهم المساعدة في
حل المشكلة،ويمكن العلاج أيضا بواسطة إعادة التدريس وذلك للدروس التي
يرى فيها عدم استفادتهم منها أو هم في حاجة لإعادتها لعلاج مشكلتهم
وتصحيح أخطائهم.
السعي للانفتاح والتمازج
** وننتقل ضمن حوارنا هذا إلى مسألة مهمة هي ما مدى أهمية وضرورة التعليم
باللغة العربية؟ وما أثر ذلك في إنتاج المتعلم وإبداعه؟
وهذا سؤال مهم ينبغي فيه لفت نظر المعتنين بتطوير التعليم والارتقاء
به، وإذا كان التواصل مع الغير أضحى ضرورة، والمزج بين مصادر الثقافة
العربية ومصادر الثقافات الأجنبية أصبح لا مناص منه، وهذا الذي أحوج
الدارس إلى تعلم إحدى اللغات الأجنبية ، وإتقانها نطقا وكتابة لتكون
سندا له في الاطلاع على الثقافات الأجنبية ، فإن هناك قضية خطيرة
غابت عن كثير من هؤلاء الدارسين، وهو أن يسعى بذلك الانفتاح والتمازج
لإثراء فكر أمته ولغتها ، وهذا لن يكون إلا من خلال الانتماء للثقافة
الأم من جانب فيكون مشدودا إلى أمته ومقوماتها الحضارية من جهة، ومن
جهة أخرى ما ينبثق عن ذلك التمازج من فائدة فيضيف إلى أمته ما يثريها
ويزيدها عمقا ونضوجا، ولذلك كانت دعوة مجمع اللغة العربية ، التي نادى
بها في تعريب مصطلحات العلوم الطبية والهندسية وغيرها من العلوم ،
ولربما أخذت بعض الدول العربية بهذا التوجه فأثبت نجاحا فيها ، فإذا
ما اعتمد ذلك ليثري مصطلحات لغتنا بطريقة وآلية منهجية في تلقي المفردة
أو المصطلح وتعريبه وفق الآليات الموجودة أصلا في اللغة فإن ذلك بلا
شك يثري لغتنا العربية ويمدها برصيد ضخم من المصطلحات المعربة في شتى
مجالات المعرفة ، وتلقائيا يكسب اللغة مزيد قدرة على قابلية التطور
والاستيعاب، وليس مستغربا على العربية هذه القابلية وهي التي أمدت
اللغات العالمية بكثير من المفردات، وهذا ما شهد به المنصفون من الغرب.
وقد ذكر جورج سارتون في كتابه المدخل إلى تاريخ العلوم طرفا من ذلك؛
إذ أورده على سبيل الدفاع في باب (العلوم البحتة في الحضارة العربية
والإسلامية) فقال: (كانت اللغة العربية في منتصف القرن الثامن حتى
نهاية القرن الحادي عشر الميلادي لغة العلم الارتقائية للجنس البشري؛
حتى إنه كان يستوجب على من أراد أن يلمّ بثقافة عصره، وبأحدث صوره
أن يتعلم اللغة العربية).. بل وقال: (كتبت أعظم المؤلفات قيمة، وأكثرها
أصالة، وأغزرها مادة باللغة العربية خلال العصور الوسطى)، وهناك جملة
من المصطلحات العربية في اللغة الانجليزية، يقول: لوسيان سيديو في
كتابه (تاريخ العرب): (ولقد حاولنا أن نقلل من شأن العرب، ولكن الحقيقة
ناصعة؛ يشع نورها من جميع الأرجاء؛ وليس من مفر أمامنا إلا أن نرد
لهم ما يستحقون من عدل إن عاجلاً أو آجلاً.. وقال أيضا: "خلال
العصر الذهبي للحضارة الإسلامية تكونت مجموعة من أكبر المعارف الثقافية
في التاريخ، وظهرت منتجات ومصنوعات متعددة، واختراعات ثمينة؛ تشهد
بالنشاط الذهني المدهش في هذا العصر؛ وجميع ذلك تأثرت به أوروبا؛ بحيث
ينبغي القول بأن العرب كانوا أساتذتها في جميع فروع المعرفة".
ومن الشهادات التقديرية التي منحها الغربيون للحضارة الإسلامية كذلك
شهادة يرونلت في كتابه (تكوين الإنسانية) حيث قال: "العلم أعظم
ما قدمته الحضارة الإسلامية إلى العالم الحديث عامة، والجدير بالذكر
أنه لا توجد ناحية من نواحي النمو الحضاري إلا ويظهر للإنسان فيها
أثر الحضارة والثقافة العربية، وأن أعظم مؤثر هو الدين الإسلامي؛ الذي
كان المحرك للتطبيق العلمي على الحياة.
ولا أريد أن أطيل في شهادات المنصفين من علماء الغرب الذين شهدوا بأثر
وفضل العرب ولغتهم على الحضارة البشرية، وإنما أوردت بما يقيم الحجة
على من ينتسبون لهذه الحضارة وهم يسعون لإضعافها والنيل منها.
إننا نؤمن ليس بقدرة العربية فقط على استيعاب العلم ومصطلحاته بل والانطلاق
لتكون لغة العلم التي تشكل بحرا متدفقا ونهرا متجددا من العطاء للعلم
والحضارة، وهذا أمر مهم للعرب أن يعوه.
وهكذا يجمع العربي مع استفادته من إنتاج العالم من حوله ويوظف ذلك
ضمن إطار ثقافته في بعث أمته ليكون لها دور ، والحفاظ على هويتنا بمزيد
من الحكمة في التجاوب مع معطيات الحضارة الإنسانية وفكرها بفهم ودراسة
واعيين ، وعليه فلا إشكال عندئذ في التعاطي أخذا أو رفضا ، قبولا
أو نقدا ، وهذا سيحدث في الأمة ذاتية واستقلالا وسيعزز قدرتها الداخلية
على الإنتاج والعطاء، ويجنبها مزلق كونها مجرد ظل تابع متلق مستهلك.
ويرتبط بما تقدم بيانه مسألة ظهور الإبداع بالارتباط باللغة وتوظيف
كل أمة لغتها، والذي يلمحه المرء أن ذلك ربما يكون في العربية أجلى
وأوضح، فالمتأمل في تكرار يعقلون في فاصلة الآيتين حين يقول الله تعالى
فى قرآنه (إنا أنزلناه قرآناً عربيًّا لعلكم تعقلون ) ، وحين يقول
جل شأنه (إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون ) ، نجد التنبيه إلى
إعمال العقل وتوظيف القرآن معنى ولفظا في التفكير والاستفادة العقلية؛
فلعل التعبير بقوله تعالى لعلكم تعقلون يؤكد ما تعارف عليه الناس حديثا
من أن اللغة لها علاقة بالتفكير والإبداع .
إن ما سبق ذكره من أهمية استعمال اللغة العربية كلغة العلم يحتاج لتحقيقه
إلى كوادر تعليمية واعية ، تضطلع بدورها في تخطيط البرامج العلمية
ووضع الخطط التنفيذية الجادة التي تمكن من تحقيق ما نصبوا إليه ونحتاجه،
وهذا السعي لتعريب العلوم، وإنتاج المصطلح العربى - لا يعني إلغاء
المصطلح الأجنبي بل بموازاته ، ويبقى المصطلح الأجنبي لا يسقط من
أي مادة علمية طالما نحن في حاجة إليه وهو موجود كلكما دعت الضرورة
وكلما أحسسنا احتياجا إليه.
وقد اقترح الدكتور عبد الله الطنطاوي أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة
مقترحات عملية يمكننا اجمالها فيما يأتي:
أن يكون الإعداد والتأسيس لمشروع التعليم باللغة العربية من خلال مستويين
:
أولا : إعداد مادة قرائية تراثية تزيد من تعريف الطالب بدور الموروث
العربى فى التأسيس والتأصيل للثقافة الغربية التي فتحت علينا أبوابها
الآن من كل جانب، وبالتالي الكشف عن الدور العربي في اللغات الأوروبية
وذلك يتم من خلال:
1 - ترشيح قراءة نصوص مختارة من التراث العلمى العربى ، طبية كانت
أو فلكية أو رياضية أو هندسية وغير ذلك، ومثلها نصوص من بقية المجالات
، مع كشف طبيعة توظيف اللغة كأداة للنبوغ في أي منها فقد سبق للعربية
أن استوعبت كل هذه العلوم ، ولم تعجز يوما عن توفير المصطلح العلمى
المناسب لكل علم.
2 - الوقوف على نصوص نثرية منتقاة تبرز مراحل الإشراق فى الكتابة
العربية المنثورة وذلك بقراءة دقيقة لأقسام النثر العلمى والفلسفى
والتاريخي ، ونصوص الرحالة والجغرافيين والمؤرخين وغيرهم.
3 - انتقاء نصوص شعرية مختارة تكشف حركات الثبات والتجديد التي شهدتها
مراحل تطور الحياة العربية مع إبراز صيغ التجديد في المدارس الفنية
ودراسة الاتجاهات المتميزة التي كشفتها القصيدة العربية عبر حركتها
على مدار توالى عصور التاريخ الأدبي على اختلاف ما شهدته مقاييس حياتها
العلمية .
4 - قراءات خاصة فى مناهج المؤرخين والفلاسفة وتأمل أطروحات رجال
الفكر العربي ليساعد على كشف خصوصية الحضارة العربية وتفوقها وكذلك
قدرتها على العطاء لكل ثقافات الدنيا من حولها وحسن الأخذ منها من
جانب آخر .
5 - قراءة خاصة فى كتاب قديم يحسن انتقاؤه بدقة وروية ، وتأمل الخطى
المنهجية التي حكمت توجهات العقلية العربية في عصور التأليف الموسوعي
، على غرار ما عرفته كتابات الجاحظ أو ابن خلدون وغيرهما كثير .
6 - قراءات موجهة تكشف طبيعة تداخل مصادر الفكر بين الشعراء والمفكرين
على غرار التعريف بالحماسيات مثلا ، أو تحليل دور الشعراء في تطوير
حركة النقد العربي من خلال قراءات خاصة لنصوص نقدية منتقاة يتوفر لها
منطق السهولة وعنصر التشويق في آن واحد.
ثانيا ضرورة الانفتاح على الثقافة والفكر المعاصر من خلال حركة الترجمة
لتضيف الجديد إلى فكرنا ، وتعمق وضوح المفاهيم والرؤى عندنا ولكن
مع اشتراط أن تكون الترجمة علما وفنا تتجاوز مرحلة نقل الكلمة من لغة
إلى أخرى بل لتصبح الترجمة تحيط بكل ما حول الكلمة من معان مباشرة
أو غير مباشرة، وهذا مطلب ضروري وملح يقتضى الوعي بأسرار اللغة المنقول
إليها أو منها على السواء .
وقد أطال الدكتور الطنطاوي في حركة الترجمة وضرورة ممنهجتها وضوابطها
ودور المؤسسات الدينية والقومية والوطنية في توجيه الترجمة وأهمية
ضوابطها والانطلاق بها لترفد ثقافة الأمة وتنطلق بإنتاجيتها مع الحفاظ
على قيمها وثوابتها.
ولتوجيه التعليم بالعربية الوجهة السليمة لابد من وجود فلسفة لهذا
التعليم تقوم على المحاور الآتية:
1 - العمل على الإضافة والابتكار كما صنع القدماء فأضافوا وشاركوا
وابتكروا وكان ما ترجموه من فكر قد حثهم على المزيد من الإنتاج المعرفي
الكاشف عن هوية الأمة وعبقرية أقطابها الكبار
2 - إعادة النظر في تدريس اللغة العربية لكل المثقفين فى جميع التخصصات
العلمية صقلا للسان وإقامة الجملة وتأصيل الوعي بمدركاتها وما تحمله
من دلالات ، إذ من غير المنطقي أو المقبول جهل المثقف بلغته الأم
وإجادته غيرها مع أنه محسوب عليها .
3 - هناك نقاط التقاء يجب أن تتم بين المجامع العربية لتكوين موقف
أكثر وضوحا وجلاء في تعريب مصطلحات العلوم وأهمية توحيد الصياغة بين
هذه المجامع على مستوى الأقطار العربية.
4 - الاستعانة بأحدث صور التكنولوجيا في النهوض بمقومات العربية وإعادة
توظيفها فى خدمة العلم والثقافة خاصة إنها معروفة بتراثها وعمق معانيها
وكثرة مجازاتها وتعدد صور الاشتقاق بما يؤدي إلى مزيد من الثراء اللغوي
وقدرة لاستقبال أي مصطلح علمي واستيعابه.
5 ـ يظل تاريخ لغتنا ـ باعتبارها لغة العلوم أيضا لثمانية قرون ـ
شاهدا لها لا عليها ،بما يجعلنا شديدي الحرص عليها وعلى تطويرها
لتساير تغير الحياة ، ولتظل اللغة بوتقة جامعة لكل ما ننتجه ونبدعه
، وتزداد ثراء بالتأكيد إذا ما اقتحمت عالم الترجمة نقلا منها أو
نقلا إليها على السواء.
أعلى
من شمائل المصطفى
(واخفض جناحك للمؤمنين)
إن التواضع خلق رفيع،إذا ما اتصف به المؤمن فكيف
بهذا الخلق الرفيع يتأدب به سيد الخلق أجمعين وإمام المتقين فانه لا
محالة يصبح نجما يهتدى به بل شمس يستضاء بها.
فخفض الجناح للمؤمنين والتواضع لهم يؤلف القلوب ويملكها بالمحبة لا
سيما إذا كان من عظيم القوم لأتباعه وجنوده والمنتمين إليه، فكان إذا
جلس صلوات الله وسلامه عليه بين أصحابه كان كأحدهم فيأتي قاصده فلا
يعرفه فيقول : أيكم محمد؟ وإذا سار مع أصحابه كان كأحدهم، لا يتعالى
ولا يترفع، ولا يعطي لنفسه امتيازاً إلا ما تقتضيه طبيعة القيادة والأمر
والنهي.
فخاطبه ربه {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
}الشعراء215.
فمن تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده عن كل مظاهر الكبر والاستعلاء؛
أنه يعود المريض، ويتبع الجنازة ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار،
قال أنس: لقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه ليف.
وروى عنه أصحابه أنه صلى الله عليه وسلم كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه،
ويعمل في بيته كما كان أحدكم يعمل في بيته، وقالت عنه عائشة أم المؤمنين
رضي الله عنها: كان بشرا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.
وروى الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صافح
الرجل لم ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه
عن وجهه حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه، ولم ير مقدما ركبتيه
بين يدي جليس له.
وقيل Yن التواضع منزلة من منازل (إياك نعبد...) وقد وصف الله المؤمنين
المتواضعين بقوله {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً
}الفرقان63 أي سكينة ووقارا متواضعين غير متكبرين فهؤلاء الذين سبق
ذكرهم هم من اقتدى بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فلنلن جانبنا ليستقيم حالنا وتصلح حياتنا ولنبتعد عن الكبر لكي لا
يتحقق فينا قول الله عز وجل {فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ
فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ }النحل 29 وقال تعالى
{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم
مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ
}الزمر60 وقد أخبر الله أن أهل الكبر والتجبر هم الذين طبع الله على
قلوبهم فقال تعالى {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ
آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ
جَبَّارٍ }غافر35 .
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه
مثقال ذرة من كبر) ومن أراد الرفعة والعلو فليلن جانبه وليتواضع فمن
تواضع لله رفعه، ولنمتثل لأمر الله عز وجل ((ولا تصعر خدك للناس))
ولنمضي في حياة ملؤها التواضع ولنترفع عن الكبر وقد قيل لا يتكبر إلا
كل وضيع، ولا يتواضع إلا كل رفيع.
إعداد: سلطان بن سيف بن سعيد اليحيائي
sultanbszw@hotmail.com
أعلى
النيرات المنيرات
عميرة وعنقود وعنقودة وأم عياش وغفيرة
عميرة
هي عميرة و(يقال) عمرة بنت السعدي و(اسمه) عمرو بن وقدان بن عبد شمس
بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي وقد ذكر البلاذري
أن اسمه السعدي لأنه استرضع في بني سعد بن بكر.
أسلمت عميرة قديما بمكة وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجرت
مع زوجها: مالك بن زمعة بن قيس بن عامر بن لؤي(وهو أخ لسودة بنت زمعة
أم المؤمنين رضي الله عنها) هاجرا إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية..
ثم عادا مع من عاد من المهاجرين فقدموا على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو في خيبر بعد صلح الحديبية.
عنقود
هي عنقود جارية حبشية لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وتكنى أم صبيح
, روى عنها ابنها صبيح الحديث إنها قالت: (كان اسمي (عنبة) فسماني
رسول الله صلى الله عليه وسلم (عنقود).
عنقودة
ولعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها جارية أخرى ثانية اسمها عنقودة
فقد ذكر أنها روت حديث إرسال معاذ بن جبل لليمن فقالت: (لما أراد النبي
صلى الله عليه وسلم أن يبعث معاذا الى اليمن صلى صلاة الغداة ثم أقبل
إلينا بوجهه فقال: (يا معشر المهاجرين والأنصار, من ينتدب إلى اليمن؟
فقال: أبو بكر. أنا يا رسول الله. فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه
وسلم ثم قال: من ينتدب إلى اليمن؟ فقال معاذ: أنا يا رسول الله, فقال:
أنت لها وهي لك وتجهز وشيعه النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون).
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي عاد معاذ ليلا وطرق
باب عائشة.
أم عياش
هي أم عياش(خادم رسول الله) وقيل: (مولاة رقية بنت رسول الله صلى الله
عليه وسلم). وقد كانت خادما لرسول الله صلى الله عليه وسلم , بعثها
مع ابنته رقية رضي الله عنها حينما تزوجت من عثمان بن عفان, وقد روت
الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم منه قولها: (كنت أوضئ رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأنا قائمة وهو قاعد)...الحديث.
وقولها أيضا: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفي شاربه ــ وبه
ــ ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب حتى مات) الحديث.
وأيضا: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما تزوج عثمان أم
كلثوم إلا بوحي من السماء). الحديث.
كما أخرج لها حديث قولها عن عثمان بن عفان:
(كنت أمغث لعثمان الزبيب غدوة فيشربه عشية. وأنبذه عشية فيشربه غدوة.
فسألني ذات يوم فقال: (تخلطين فيه شيئا؟قلت:أجل,قال : فلا تعودي).
غفيرة
هي غفيرة بنت رباح أخت بلال بن رباح (مؤذن رسول الله صلى الله عليه
وسلم) وأخيه خالد. وقد ذكر ابن عبد البر أن خالد بن رباح له صحبة ,
ثم قال: (ولا أعلم له رواية).
إعداد/أم الزبرجد.
أعلى
قطرات وتؤهات
ـ ليس المهم أن تعرف كيف تحب؛ فالحب يهبه الله
لك على حسب وعاء قلبك.. لكن المهم أن تعرف كيف تحافظ على قلب من تحب.
ـ قد تقسو عليك الآلام وتلفك الهموم والأسقام..
لكنك في ذات الوقت تنعم بالقرب من رب الأنام.
ـ كثرة إشعال النار تحرق القلب فتموت فيه كل أنوار الحب.. ولا يبقى
إلا الرماد.
ـ فن الوقوف على الجراح فن نادر العملة.
ـ كثرة السهام تنزف دماء القلب حتى يجف منه ري الإخاء.
ـ لا تحزن من طول الابتلاء، فمع كل ابتلاء ارتقاء ما أحسنت الصبر،
وزادُك في درب الشوك هو الدعاء.
ـ ما أصعب البحث عن حياة نورية تامة مع البشر، بيضاء طاهرة، لا أغلال
ولا كدر، تعينك في طريق الخير وتجلو عنك الخطر، فسبحان من صنع القلوب
التي لا ترقى إلا بانصهارها على التمحيص والتطهير لتكون من أهل الظفر.
ـ إذا أثقلك نزيف الجراح.. فأطلق الروح وجه الصباح،
تناجي الرحيم لتنعم حينا بروْح وراح.
ـ قد تحتمل آلام الكيان، ولا تحتمل آلام الروح ما اعتادت الرفرفة في
فضاء الواجدين.
ـ في كل حين قل لبيك؛ لتذوب على نار شوقها، حينها تكون لك ألف روح
تضرّع في المحاريب.. بقرب الأعظم الحبيب.
ـ إذا سالت دماء التشفي من الأنياب، وأغلق الحب ألف باب، ورفع القلم
وجف الكتاب، فلذ بالواحد الوهاب.. يرشدك إلى الصواب.
ـ لست على استعداد أن أكسر محبرتي، فمحبرتي تتلألأ فيها الأنوار، ولست
على استعداد أن أحطم أجنحتي، فأجنحتي من نور تحلق في فضاء النور، ولست
على استعداد أن أكسر قلمي أو أثنيه للباطل، فحروفي من نور، لكنني على
ألف استعداد أن أهاجر باحثا عن موطن النور عندما يضيق الوطن في طريق
الباحثين.
أم عاصم الدهمانية
أعلى
هيا بنا لنصلي(4-4)
فوائد الصلاة
صلاة الفجر
في هذا الموضوع من ( هيا بنا لنصلي) تكلمنا سابقاً عن فوائد الصلاة
واليوم نواصل هذا الموضوع ،فصلاة الفجر لها فوائد عظيمة ، حيث أثبتت
الدراسات لدى العلماء أن صلاة الفجر تقي الإنسان من أمراض القلب ومن
السكتات المفاجئة، فالنوم الطويل من أحد أهم الأسباب التي تؤدي إلى
أمراض القلب، فالمسلم عندما يستيقظ لصلاة الفجر يمنح جسمه النشاط والحيوية
مما يجعل الدم يندفع لأجزاء الجسم بعد فترة نوم، والذهاب للمسجد يجعل
الصلاة أكثر فائدة لأن الإنسان سيمشي ويتحرك في ذلك الوقت المبكر من
اليوم مما يؤدي إلى تنشيط دورته الدموية وتقوية قلبه.
فقد جاء في دراسة حديثة لجمعية أطباء القلب في الأردن أن المسلم الذي
يقطع نومه للقيام لصلاة الفجر يومياً وخصوصاً في المسجد يحقق صيانة
متقدمة وراقية لقلبه وشرايينه، لأن أداء صلاة الفجر في موعدها المحدد
كل يوم خير وسيلة للوقاية والعلاج من أمراض القلب وتصلب الشرايين بما
في ذلك احتشاء عضلة القلب المسببة للجلطة القلبية،وتصلب الشرايين المسببة
للجلطة الدماغية، والسبب الذي جاء في نتائج تلك الدراسة أن تلك الأمراض
يكون سببها الرئيسي النوم الطويل لعدة ساعات متواصلة سواء في النهار
أو الليل، لأن الإنسان إذا نام طويلاً تقل نبضات قلبه لدرجة قليلة
جداً لا تتجاوز 50 نبضة في الدقيقة، وعندما يقل النبض فإن جريان الدم
في الأوعية الدموية والشرايين والأوردة يكون ببطء شديد مما يتسبب بترسب
الأملاح والدهنيات على جدران هذه الأوردة والشرايين، وخاصة الشريان
التاجي مما يؤدي إلى انسداده ونتيجة لذلك يصاب الإنسان بتصلب الشرايين
وانسدادها فيؤدي إلى ضعف عضلة القلب وانسداد الأوردة والشرايين الناقلة
للدم من القلب وإليه، وبذلك تحدث الجلطة القلبية، أو يؤدي إلى انسداد
الشرايين الناقلة للدم من الدماغ وإليه مما يسبب السكتة الدماغية المميتة
في أغلب الأحيان، وقد شدد الأطباء في نتائج الدراسة إلى ضرورة الامتناع
عن النوم لفترات طويلة بحيث لا تزيد ساعات النوم عن أربع ساعات حيث
يجب النهوض وأداء جهد حركي لمدة لا تقل عن 15 دقيقة، وهذا الأمر يوفره
القيام لصلاة قيام الليل، وصلاة الفجر التي من الأفضل أن تكون في المسجد.
إذن صلاة الفجر تحمي من أمراض القلب والشرايين مثلها مثل صلاة العصر
ولكن بطريقة مختلفة، مما يجعلنا نفهم لما شدد الإسلام على ضرورة أداء
تلكما الصلاتين في وقتهما.
اكتشافات جديدة ومذهلة في فائدة الصلاة:
لقد أدى التطور المذهل الذي شهده العالم في السنوات الأخيرة إلى ازدياد
أعداد الأجهزة الكهربائية والإلكترونية في البيوت وفي كل مكان نذهب
إليه، وبسبب كثرة استخدام هذه الأجهزة فقد تضاعفت أبراج محطات تقويتها،
كمحطات تقوية الاتصالات والبث التلفزيوني والإذاعي و محطات استقبال
بث الأقمار الاصطناعية، وبذلك ازدادت الإشعاعات الكهرومغناطيسية الصادرة
عنها،
فالإنسان معرض بشكل يومي للتعرض لتلك الإشعاعات الصادرة من أبراج التقوية
أو الصادرة من الأجهزة كالتلفزيون والمحمول والحاسوب وغيرها.
وقد كان في الماضي لا تشكل هذه الإشعاعات تهديداً ذا أهمية للإنسان،
لأنها كانت تنبعث بكميات محدودة وضئيلة، أما اليوم ومع هذا الكم الهائل
من الأجهزة ومن محطات تقويتها زادت من انبعاث هذه الإشعاعات الكهرومغناطيسة،
مما أدى إلى ازدياد الأمراض ومن ضمنها الصداع المزمن والتوتر والانفعالات
غير السوية والرغبة بالانتحار وتأثر جهاز المناعة وهشاشة العظام والعجز
الجنسي وزيادة حساسية العين والجهاز التنفسي واضطرابات القلب والأعصاب
والتهاب المفاصل وأعراض الشيخوخة المبكرة والسرطانات وغيرها من الأمراض
التي لا حصر لها.
وقد قام فريق مصري بقيادة الدكتور محمد ضياء الدين حامد أستاذ العلوم
البيولوجية ورئيس قسم تشعيع الأغذية في مركز تكنولوجيا الإشعاع بدراسة
بينت أن أفضل طريقة للتخلص من تلك الإشعاعات والشحنات التي يمتصها
الجسم كل يوم هو أن يجعل الإنسان جبهته تلامس الأرض عدة مرات في اليوم،
لأن الأرض سالبة والشحنات موجبة ولذلك فإن عند ملامسة الجسم للأرض
يتم تفريغ كل هذه الشحنات من الجسم إلى الأرض، وهذه الطريقة هي نفس
طريقة مد سلك في أسطح المباني إلى الأرض لتفريغ الصواعق، بما يعرف
بمانعة الصواعق إذا ما أصيبت بها هذه المباني.
وقد توصل الدكتور مع فريقه إلى الطريقة المثلى لتفريغ تلك الشحنات
بأن يتم ملامسة الأرض باتجاه مركز الأرض، وكما نعلم نحن المسلمين ويعلم
جميع العلماء في العالم أن مكة المكرمة هي مركز الأرض، بل إنها مركز
الكون كله، وقد أثبتت كل الأبحاث العلمية والجغرافية أن الكعبة المشرفة
هي مركز اليابسة في الكرة الأرضية.
ولذلك فإن أفضل طريقة لتفريغ تلك الشحنات هي الطريقة التي يتبعها المسلمون
في الصلاة، وهي السجود لله الواحد الأحد، متجهين إلى الكعبة المشرفة.
فقد اكتشف الدكتور محمد ضياء الدين أن الإنسان في السجود يقل محوره
الطولي وبالتالي يقل تأثير الشحنات عليه ثم تبدأ عملية التفريغ عن
طريق اتصال جبهته بالأرض، فعند السجود يصبح الجسم أقصر ما يكون، ولا
يحدث التفريغ إلا عندما يكون الجسم قصيراً، لأنه عندما يكون الإنسان
واقفاً يمتص المزيد من تلك الأشعة، وعند السجود يكون أكبر جزء من أعضاء
الإنسان ملامساً للأرض، وهي: الجبهة والأنف واليدين (الكفين) والرجلين
(الأصابع) والركبتين، وهي الطريقة التي علمنا إياها رسولنا الكريم
للسجود الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، واكتشف أنه كلما
كان الجسم ملامساً للأرض وفي اتجاه الكعبة، كان التفريغ أقوى وأفضل.
وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال لرجلٍ طلب مرافقته
إلى الجنة: " أعني على نفسك بكثرة السجود".
وقال أيضاً لبلال يأمره للأذان: "قم يا بلال، أرحنا بالصلاة".
وقال أيضاً عليه أفضل الصلاة والسلام: "جعلت قرة عيني في الصلاة".
وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن
الله مع الصابرين" 153 البقرة، فالصلاة تعين على الصبر على الشدائد.
وقد ذُكر السجود في القرآن الكريم 92 مرة في 32 آية، وهناك مواضع للسجود
في القرآن الكريم، عدد هذه المواضع 15 موضع يجب السجود فيها عند التلاوة
بما يعرف بسجود التلاوة.
الخاتمة:
مما تقدم يتبن لنا أن فريضة الصلاة تعد من أعظم النعم التي أنعمها
الله تعالى على عباده، وقد جعلها الإسلام هي الحد الفاصل بين الكفر
والإيمان للإنسان سواء رجل أو امرأة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"، قال البهيقي:"
ليس من العبادات بعد الإيمان الرافع للكفر عبادة سماها الله عز وجل
إيماناً، وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تركها كفراً إلا الصلاة".
وقال الإمام أحمد:"فكل مستخف بالصلاة، مستهين بها، فهو مستخف
بالإسلام مستهين به، وإنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة،
ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة، فاعرف يا عبد الله،
واحذر أن تلقى الله ولا قدر للإسلام عندك، فإن قدر الإسلام في قلبك،
كقدر الصلاة في قلبك".
ولعظمة شأن الصلاة فقد فرضت من سبع سماوات ولم تفرض في الأرض كما فرضت
باقي العبادات، وأول ما فرضت فرضها الله تعالى خمسين صلاة، ولكن رأفة
بنا وبحالنا خفضها سبحانه وتعالى إلى خمس صلوات، ولكن جعلها الله تعالى
خمساً في الفعل، خمسين في الميزان، وبذلك يكتب لنا أجر أعمالٍ لم نعملها،
والذي يفوت صلاة واحدة كأنما فوت عشر صلوات.
والصلاة ركن من أركان الإسلام بل إنها هي الركن الأعظم بعد الشهادتين،
وقد كانت آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سكرات
الموت قائلاً: "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم".
وقد شببهها عليه أفضل الصلاة والسلام بالنهر الجاري الذي إذا اغتسلنا
منه خمس مرات في اليوم، هل يبقى من أوساخنا شيء؟ طبعاً لا، إذن الصلاة
أيضاً تنقي الإنسان من الذنوب والآثام التي قد يقترفها في يومه، ما
لم يفعل الكبائر، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا قام بها العبد على
أتم ما تكون، وبذلك فإن العبد إذا أراد أن يفعل الكبائر فإن صلاته
ستنهاه.
ولأن الصلاة كما قلت سابقاً تعد من أكبر النعم التي أنعمها الله تعالى
على عباده،لذلك فإن المسلم الذي لا يصلي يعتبر جاحداً لأنعم الله تعالى،
فحتى الصلاة وهي أقل ما يمكن تقديمه لله تعالى لنشكره على نعمه الكثيرة
التي أنعمها علينا تعتبر هي بنفسها نعمة وأكبر النعم، ولذلك أوجب الله
تعالى لتارك الصلاة العذاب الشديد، لجحوده تلك النعم، أعاذنا الله
وإياكم من التهاون بالصلاة أو تركها، وليكن دعاؤنا كل يوم كما جاء
على لسان أبينا إبراهيم عليه السلام الآية الكريمة:" رب اجعلني
مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء" 40 إبراهيم.
عزة بنت محمد الكمياني
azza2002@live.com
أعلى
أمُّ الخبائثِ
الشيخ : حمود بن حميد الصوافي
من رحمةِ اللهِ تعالى بالإنسانِ أنْ حرمَ عليه
كلَّ ما يضرُّ بعقلِه، وكلَّ ما يضرُّ بجسدِه، وكلَّ ما يضرُّ بمالِه،
وكلَّ ما يضرُّ بعرضِه، وقد حرمَ اللهُ سبحانه وتعالى الخمرَ لفنونِ
أضرارِها المتنوعةِ المتعددةِ التي تتناولُ العقلَ والجسدَ والمالَ
والولدَ والعرضَ والشرفَ والأسرةَ والمجتمع، فهي أمُّ الخبائثِ، وجماعُ
الإثمِ، ومفتاحُ الشرورِ، والداعيةُ إلى الفجورِ، تقطعُ الصِّلاتِ،
وتثيرُ العداوةَ والبغضاءَ، وتفضي إلى سفكِ الدماءِ واستباحةِ الحرماتِ،
عواقبُها وخيمةٌ، وعقوبتُها أليمةٌ، والقلوبُ المحبةُ لها سقيمةٌ،
والبليّةُ بها داهيةٌ عظيمةٌ، فكم سلبت من نعمةٍ، وكم جلبت من نقمةٍ،
وكم خربت من دارٍ، وكم أذهبت من عقارٍ، وكم من عقلٍ صحيحٍ نقلته من
حالةِ العدلِ والتفكيرِ، وحسنِ التدبيرِ إلى حالةِ الجنونِ والخيالِ
والفسادِ الكبيرِ.
وقد كان العربُ في جاهليتِهم مولعينَ بشربِها والمنادمةِ عليها، فلما
جاءَ الإسلامُ نجحَ في محاربتِها والقضاءِ عليها حيثُ أخذَهم بمنهجٍ
تربويٍّ صحيحٍ، وتدرجَ معهم في تحريمِها، فأخبرَهم أولاً بأن إثمَها
أكبرُ من نفعِها، ثم نهاهم عن الصلاةِ وهم سكارى، ثم حرمَها عليهم
تحريما قطعيا بقولِه عزَّ من قائلٍ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ
مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ
اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ) (المائدة: 90
- 91)، ففي هاتينِ الآيتينِ أكَّدَ اللهُ سبحانه وتعالى تحريمَ الخمرِ
والميسرِ ـ وهو القمارُ ـ تأكيدًا بليغًا؛ إذ قرنَهما بالأنصابِ والأزلامِ،
وسماهما رجسًا، والرجسُ هو الخبيثُ الذي تستقذرُهُ القلوبُ السليمةُ،
وهو لا يطلقُ بالقرآنِ إلا على ما اشتدَّ خبثُه وقبحُه، وجعلَهما من
عملِ الشيطانِ، وعملُه الفحشاءُ والمنكرُ، لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا
النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ
خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ
بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
) البقرة: 168 - 169، وأمرَ باجتنابِهما، وجعلَ هذا الاجتنابَ سبيلاً
إلى الفلاحِ، وبينَ من أضرارِهما الاجتماعيةِ تقطيعَ الصلاتِ، وإيقاعُ
العداوةِ والبغضاءِ بسببِ الخمرِ معروفٌ من قديمِ الزمانِ وحديثِه؛
لأنَّ الإنسانَ إذا شربَ الخمرَ وسكرَ هاذى وافترى وسبَّ وضربَ، فتحصلُ
بذلك العداوةُ والبغضاءُ، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه
وسلّمَ قالَ لأشجِّ عبدِ القيسِ: "ما هذه الشجّةُ التي أرى في
وجهِكَ؟"، قالَ: يا رسولَ اللهِ إن رجلاً من قومي شربَ الخمرَ
فسكرَ فضربني، فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّمَ: "هكذا
تفعلُ الخمرُ بشاربِها، قاتلَ اللهُ الخمرَ"، وبينَ من أضرارِهما
الروحيةِ الصدَّ عن الواجباتِ الدينيةِ من ذكرِ اللهِ والصلاةِ، فشاربُ
الخمرِ بعيد عن الصلاحِ والصلاةِ، ولو حافظَ على صلاتِه لنهتْه عن
ارتكابِ المنكراتِ،( اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ
الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)
العنكبوت: 45)، ولكنهم في غفلتِهم ساهون، ألسنتُهم لاغيةٌ، وقلوبُهم
لاهيةٌ (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ
اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ
هُمُ الْخَاسِرُونَ) المجادلة: 19، ثمَّ طلبَ الانتهاءَ عنهما بأبلغِ
عبارةٍ، إيذانًا بأن الأمرَ في الزجرِ والتحذيرِ، وكشفِ ما فيهما من
مفاسدَ قد بلغَ الغايةَ، وأنَّ الأعذارَ قد انقطعت بالكليةِ، لمّا
سمعَ الصحابةُ ـ رضوانُ اللهِ عليهم ـ هذا البيانَ الحاسمَ كان جوابُهم:
قد انتهينا يا رب، قد انتهينا يا رب، ورُوِيَ أنَّ جماعةً من الأنصارِ
كانوا جلوسًا في بيتِ أبي طلحةَ على شرْبٍ، فسمعوا صوتًا عليًا، فقال
أبو طلحةَ: قمْ يا أنسُ فانظرْ، فنظرَ ثمَّ رجعَ، فقالَ: هذا منادي
رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ ينادي بتحريمِ الخمرِ، وكانت الكاساتُ
في أيديهم، فأخذوا يضربون بها الحيطانَ، ويقولون سمعًا وطاعةً للهِ
ورسولِه، ثم ذهبوا إلى السوقِ وفيها ظروفُ الخمرِ، فجعلوا يضربونها
بالسكاكينِ حتى سالت في الأزقةِ، وعن أنسِ بنِ مالكٍ قال: كنتُ أسقي
أبا دجانةَ وأبا طلحةَ وأبيَّ بنَ كعبٍ شرابًا من فضيخِ التمرِ، فجاءهم
آتٍ، فقالَ: إنَّ الخمرَ قد حُرِّمت، فقالَ أبو طلحةَ: يا أنسُ قمْ
إلى هذه الجرارِ فاكسرْها، فقالَ أنسٌ: فقمتُ إلى مهراسٍ لنا، فضربتها
بأسفله حتى انكسرت.
وقد جاءت الأحاديثُ الكثيرةُ عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ
في تحريمِ الخمرِ والتحذيرِ منها والوعيدِ عليها، فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ
قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ: "مَن شربَ الخمرَ
في الدنيا، ثمَّ لم يتبْ منها حرمَها في الآخرةِ"، وجاء عن النبيِّ
صلى اللهُ عليه وسلمَ : "مَن ماتَ وهو يشربُ الخمرَ كان حقاً
على اللهِ أن يسقيَه من طينةِ الخبالِ"، وهي عصارةُ أهلِ النارِ
وقيحُهم وصديدُهم، وعن عبداللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ قالَ: سألتُ رسولَ
اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ عن الخمرِ فقالَ: "أكبرُ الكبائرِ
وأمُّ الفواحشِ، مَن شربَ الخمرَ تركَ الصلاةَ، ووقعَ على أمِّه وخالتِه
وعمتِه"، وعن عبادةَ بنِ الصامتِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى
اللهُ عليه وسلمَ : "ليستحلنَّ آخرُ أمّتي الخمرَ بأسماءٍ يسمونها
بها"، والخمرُ هو ما خامرَ العقلَ، فـ"كلُّ مسكرٍ خمرٌ،
وكلُّ خمرٍ حرامٌ"، و"ما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ".
إنَّ الإسلامَ إذا حرمَ شيئًا حرمَ كلَّ ما يكونُ ذريعةً إليه، ومن
هنا حرّمَ الإسلامُ بيعَ الخمرِ وإهداءَها والانتفاعَ بثمنِها، فيحرمُ
على المسلمِ أن يتجرَ بالخمرِ ولو مع غيرِ المسلمين، كما يحرمُ عليه
استيرادُها، وإصدارُ رخَصٍ لبيعِها، والاشتراكُ مع من يتجرُ بها بأيِّ
وسيلة كانت، فعن ابنِ عباسٍ قالَ: أهدى رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم راويتيْ خمرٍ فقالَ له رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ:
"أمَا علمتَ أنَّ اللهَ حرّمَها؟"، قالَ: لا، فسارَّ إنسانًا،
فقالَ له رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ: "بمَ سارَرْتَه؟"،
فقالَ له: أمرتُه أن يبيعَها، فقالَ له رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه
وسلمَ: "إنَّ الذي حرمَ شربَها حرمَ بيعَها"، ففتح المزادتين،
وهما الراويتانِ، حتى ذهبَ ما فيهما، وعن جابرٍ قالَ: خطبَ رسولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلمَ عامَ الفتحِ فقالَ: "إنَّ اللهَ ورسولَه
حرمَا بيعَ الخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنامِ"، وجاءَ عن النبيِّ
صلى اللهُ عليه وسلمَ أنه قالَ: "لعنَ اللهُ الخمرَ، وشاربَها
وساقيَها، وعاصرَها ومعتصرَها، وحاملَها والمحمولَة إليه، وبائعَها
وشاريَها، وآكلَ ثمنِها".
أعلى
خطورة الذنوب والحذر منها
من أعظم أسباب التزكية: ترك المعاصي، ذلك أن
وجود أي معصية عند الإنسان يحول بينه وبين الصفاء والنقاء والتزكية،
ويجعله مقيدًا، قال تعالى: ( وأحاطت به خطيئته ) فالخطيئة قد تحيط
بالإنسان وتقيده وتقيد حاله وتأسره على حالة غير مرضية.
والمعصية تفتح للشيطان سبيلاً للإفساد والإضلال،
قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى
الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ
) (آل عمران: 155)، فبعض المعاصي التي يكسبها الإنسان تكون سببًا في
مزيد من الزلل والعصيان وسوء الحال، ويسلط الله الشيطان بسببها على
العاصي، فيجد الشيطان طريقًا إلى مزيد من الإغواء والإفساد.
ويقول الله تعالى: ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم )، فما
يقدم الإنسان من الذنوب سبب في المصائب، ومن أعظم المصائب أن يُترك
الإنسان ليقع في الذنوب فلا يُحفظ منها.
ومن سلك طريق الزيغ والانحراف تركه الله لنفسه وزيغه فازداد زيغًا
وعصيانًا ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ، ويؤكد النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ هذا المعنى بقوله: " الحسنة تنادي أختي أختي، والسيئة
تنادي أختي أختي "، أي إن الإنسان إذا عمل طاعة فإنها تدفعه إلى
طاعة أخرى، وإذا عمل سيئة جرته إلى سيئة أخرى.
وعلى المسلم أن لا يستسهل المعصية ولو كانت صغيرة، ولا يستخف بها،
فإن ذلك تجرؤ على مخالفة الله، وهذا التجرؤ يقود الإنسان إلى مزيد
من المخالفة، إذ إن المعصية تجعل الإنسان في محل غضب الله وسخطه وإبعاده،
قال الله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون )، فذلك
يجعله أكثر تهاونًا بالمعصية وأبعد عن الطاعة.
بل قد تهلك المعصية صاحبها وتكون سببًا في فتنته عن دينه، قال تعالى:
( وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا
مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ
لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا
لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
) (الأنعام: 70)، وقال تعالى: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ
عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ) (النور: 63).
إن المسلم حينما يرتكب معصية صغيرة أو كبيرة فإنه إما أن يكون مستهينًا
بحكم الله، وذلك يوشك أن يكفر به، وإما أن يكون غافلاً قد غيَّب الحقائق
الإيمانية عندما رضي بالمعصية وعَمِلَها، وقد نبه النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ على ذلك فقال: " لاَ يَزْنِي الْعَبْدُ حِينَ يَزْنِي
وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ،
وَلاَ يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَقْتُلُ وَهْوَ
مُؤْمِنٌ "، وليس مقصود الحديث نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة،
فهناك أدلة كثيرة تدل على أن المسلم يبقى مؤمناً رغم معصيته، ولكن
المقصود أن المعصية لا تقع من الإنسان إلا في حالة ضعف الإيمان أو
غيابه، ودليل ذلك قوله في الحديث: " حين يزني " " حين
يسرق "، فلم ينف عنه الإيمان جملة، وإنما نفاه في لحظات المعصية،
وقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذا الحديث ما
يدل على أن معناه غياب الإيمان أو الغياب عن حقائق الإيمان حالة المعصية
فقد قال عِكْرِمَةُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الإِيمَانُ
مِنْهُ ؟ قَالَ هَكَذَا ـ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا
ـ فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ
"، وبيان ذلك أن العاصي لو تَذَكَّر بعضَ عقائدِه كاعتقاده بأن
الله موجود وأنه سميع وبصير، واستحضر ذلك وكان يقيناً عنده؛ لو تذكر
ذلك لما عصى، ولاستحيا من الله وتأدب بين يديه، فلَمّا غَفِلَ عن الله
أو عن هذه الحقائق أو لم تكن عنده يقيناً لضعفٍ في إيمانه؛ وقع في
المعصية.
ـ وقد حذرنا الله من أن يستدرجنا الشيطان من الصغائر إلى الكبائر،
فإذا استطاع الشيطان أن يغلبنا في الصغائر فقد أفسد في قلوبنا، وإذا
أفسد قلوبنا استطاع أن يفسد أكثر، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلا
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ
أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ ? [النور: 21].
والإنسان إذا وقع في معصية فقد لا يستطيع الخروج منها، فبابها صار
مفتوحًا يخرجه عن الاستقامة، كما روى النواس بن سمعان الأنصاري ( عن
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " ضرب الله مثلاً صراطًا
مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سواران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب
سُتورٌ مُرْخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط
جميعًا، ولا تَعْوَجُّوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد يفتح
شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط
الإسلام، والسواران حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله
تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله عز وجل، والداعي فوق
الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم ".
لأجل ما ذكرنا كانت قضية ترك المعاصي ينبغي أن تُعطى اهتمامًا كبيرًا،
فيحرص العبد على التخلي عن ذنوبه وعيوبه وفساد أخلاقه أكثر من حرصه
على التحلي بالعمل الصالح والخلق الحسن، مع وجوب الحرص على الأمرين.
فلو أن أحدًا ما لديه معصية صغيرة، فأيهما أفضل أن يحرص على ترك المعصية
أم على قيام الليل؟ الأولى والأوجب تركُ المعصية، وذلك أعظم بركة من
قيامه الليل، على أنه إذا حرص على قيام الليل فإن قيامه يعينه على
ترك المعصية بإذن الله.
ـ ووجود الذنب عند الإنسان يجعل منه ملوثًا، ومثل الإنسان في ذلك كمثل
كأس امتلأ بالماء فلو وضعت فيه نقطة بول واحدة، أليست تنجسه، صحيح
أن نجاسته لست مثل نجاسة كأس امتلأ كله بالبول، لكنهما في النتيجة
نجسان، ولا يمكن أن تطلق على أي منهما اسم الطهارة، والإنسان ما دام
عنده عيب واحد أو ذنب واحد؛ فهو يحتاج إلى تزكية وتطهير، وذنبه يلوِّثُ
حاله ويؤثر فيه ويعكر حاله، وقد يفسد أمره كله.
وإذا ترك المسلم المعاصي وجد إقبالاً على الطاعة والعبادة، قال النبي
ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " اتق المحارم تكن أعبد الناس "،
فيفهم من هذا الحديث أنه إذا ابتعد الإنسان عن كل ما نهى الله عنه؛
سيكون أقرب إلى الله، وسيجد نفسه عابدًا، بل سيكون أعبد الناس، أي
أكثرهم عبادة، وسيجد إقبالاً تلقائياً على الله وعلى طاعته.
وقد فهم بعض السلف هذا المعنى فقالوا: ( إذا أردت أن تقوم الليل وتصوم
النهار فلم تستطع فانظر في ذنوبك؛ فإنما هي التي قيدتك ).
ونجد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شدد على ترك المعصية أكثر من
تشديده على فعل الطاعات، حيث قال: " ما أمرتكم به فأتوا منه ما
استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا "، فعلَّق فعل الأمر على الاستطاعة،
ولم يعلق ترك النهي على الاستطاعة، فالمفترض أن لا يكون المسلم على
حالة لا يستطيع معها ترك معصيته.
محمد زاهد جول
كاتب وباحث تركي في قضايا الفكر الإسلامي
mohdzahidgol@hotmail.com
أعلى
مواقف من أخلاق العرب
في الإسـلام
المحبة نحو الآخرين
إعداد : ناصر بن محمد الزيدي
الشعور بالمحبة نحو الآخرين أصل من أصول مكارم الأخلاق في الإسلام
، ومجالات ذلك كثيرة جدا كالتعاون وإرادة الخير للناس، ومشاركتهم الوجـدانية
في السـراء والضـراء ، وأن يحـب لهم مـثلما يحـب لنفسه، وأن يعاملهم
بمثل الذي يحب أن يعاملوه به.
وإن خـروج الإنسان، وانـطلاقه عـن دائرة الأنانية، النفسية الضيقة
إلى دائرة أعـم وأشمل، وخـروج الإنسان من إطار محـبته لنـفسه، إلى
محـبة الآخـرين الـذين هـم في الـدائرة الأعـم والأشـمل ، إنما هـو
ارتقاء خـلقي كـريم .
ومن شأن الشـعـور بالمحـبة نحـو الآخـرين، السـلامة من كـثير من الأمـراض
الخلقـية الخبيثـة ، كالحـسد والبغـضـاء، والشحـناء والغـيبة والنميمة
والأثـرة، وإرادة الشـر والضـر بالناس، والظـلم والعدوان، وغير ذلك
من الرذائـل.
إن شعور الإنسان بمحبته للناس، اتجاه كريم نحو الارتباط بالجماعة،
والاندماج فيها، ومشاركتها في السـراء والضراء، وانطلاق من مواقع الأنانية
الضيقة ، فهي الوجه السمح، بالجميل المشرق للقلوب والنفوس.
ما أجمل الحياة المبنية على المحبة والألفة، إنها لتسعد صاحبها قبل
أن تسـعـد الآخرين، فالمحـبة جـنة ورافـة الظـلال، تنعـم بها القـلوب
الكـبيرة التي تحملها، وتجعل القلوب تطمئن إلى ما فيه سعادتها في الدنيا
والآخرة.
فالذين يحبون الخير للناس، يعيشون في سعادة نفـسية مستمرة، ضمائرهم
رضية، ونفوسهم مطمئـنة ، ولذلك جعل الإسـلام هـذه المحبة عنصرا من
عناصر الإيمان، أو ثمرة من ثمراته، فقد ثبت في الصحيح أن الرسـول صلى
الله عـليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفـسه).ن
تسعـد الآخـرين ، فالمحـبة جـنة ناعـمة ورافتة الظـلال ، تنعـم بها
القـلوب الكبيرة التي تحملهاأن
ومعلوم أن الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه،
حتى يكون عنده شعور نحـو أخـيه بالمحـبة ومعـنى الحـديث يمكن أن يكون
أسـاسا عاما ، للأخـلاق الاجـتماعـية كلها، إذ إن الفضائل الخلقية
الاجـتماعية كلها يشـتمل عـليها هـذا المنـبع الرئيسي: أن يحب المرء
لأخـيه ما يحـبه لنفسه.
قال الله تبارك وتعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا
الله لعلكم ترحمون) سورة الحجرات 10 .
وروى مسـلم عـن أبي هـريـرة رضي الله عـنه قال: قال رسـول الله صلى
الله عـليه وسـلم : ( والـذي نـفسي بيـده ، لا تـدخـلوا الجـنة حتى
تـؤمـنوا ، ولا تـؤمـنوا حـى تحـابوا ، ألا أدلكـم عـلى شـيء إن فـعـلتموه
تحـاببتـم ؟. أفـشوا السـلام بينكـم).
فجـعـل الرسـول ـ صلى الله عـليه وسـلم ـ في هـذا الحـديث التحابب
من عـناصـر الإيمـان ، أو ثمـرة من ثـمراته ، التي لا بـد أن تظهـر
متى كان الإيمان صحيحا ، فـقال : ( لا تـؤمـنوا حتى تحـابـوا ) أي
: فإذا لم يـوجـد بين المسلمين تـبادل المحـبة والمودة ، لم يكـن الإيمان
في قـلوبهـم مستـكملا عـناصـره، وبـذلك لا يكونون مـؤمنين حقا، ولا
يكونون مؤهلين لدخول الجنة.
فـتبادل المحـبة بـين المسـلمين ، قاعـدة من قـواعـد الإيمان أو أثر
من آثاره القـلبية ، كما أنها أساس عـام، من أسس مكارم الأخلاق الاجتماعية.
ويتجلى ارتباط محـبة الناس لبعضهم البعض، وتوثيق عـراه بالإيمان ،
يظهـر حـين يتفـاعـل الإيمان في حقيقته، ويصير ظاهرة من ظواهر خـلق
حـب الحــق ، والاعـتراف به ، والاذعـان له ، وأن هـذا الإيمان يسـتلـزم
حـتما محـبة الخـالق المنعـم ، ومن محـبـة الخالق المنعم، تأتي محبة
المخلوق، فالله أمر بمحبة عـباده وبمـودتهـم ، فـمن صـدق في حـبه لله
أحـب بحـبه الخـير لكـل الناس ، وبهـذا نـلاحـظ الـترابـط الـوثـيق
، بـين الإيـمان بالله ، وتـوجـيه حـب الـقـلوب إلـيه من جـهة ، وبين
الإيمان ومحـبة المـؤمنين لبعـضهـم البعـض من جهـة أخـرى.
فالخـلق الأصـلي الـذي يعامل به المـؤمن جميع عـباد الله ، هو خـلوق
المحـبة، وبخـلق المحـبة يـريـد المـؤمن للناس جـميعا ، أن يكـونوا
مـؤمنين ، وأن يكـونوا مسـلمين، لأنـه يـعـلم أن هـذا هـو سـبيل الـسـعادة
الخـالـدة ، وهـو يحـب لكـل عـباد الله أن يكـونوا سـعـداء ، وأن يشـاركـوه
في النعـيم المقـيم ، الـذي أعـده الله للمؤمنين.
إن المؤمن ينظـر أصـلا ، إلى جـميع عـباد الله نظـرة واحـدة ، ويـرى
أن كل فـرد منهـم عضـو من أعـضاء هـذه الوحـدة الجـماعـية الكـبرى
، وحـينما يفـسـد عـضو من الأعـضاء فسادا كليا يتعـذر إصـلاحـه ، ويمسي
فساده منطـقـة خـطـر ينتشـر منها الفساد إلى الأعـضاء الصحيحة ، فإن
دافـع المحـبة لجـمـاعـة عـباد الله تـدعـوه ، إلى أن يحـمي هـذه الجـماعـة
من خـطـر وبـاء العـضو الفاسد.
وهـذه المحـبة تـدعـوه ، إلى أن يقـتلـع هـذا العـضـو إذا دعـت الضـرورة
إلى ذلك ، وأن يفصل فـصلا نهـائـيا من جسـم الجماعـة ، خشـية عـليها
، وصـيانة لها ، لا كـراهـية لـذات العـضو من حـيث هـو عـضو ، ولكـن
لما يسـببه هـذا العـضو من العـدوى عـلى الآخـرين ، فإن المؤمن أحـب
ما يحـب لـنفـسه أن يشـفى ذلك العضـو من مـرضـه ووبائه ، وينضـم سـليما
إلى الجماعـة الصالحة السليمة.
والمؤمن الحـقيقي ، الـذي يـؤمـن بالله ربا ، وبالإسـلام ديـنا ، لا
يكـون أنـانيا في الـدين ، فهـو لا يـريـد أن يحـتكـر الجـنة لـفنسه
، ولا يقـول : أنا عـبـد الله المخـتار من دون سـائر الناس ، وأن الجـنة
خـلـقـت لي وحـدي ، أو خـلقـت لسـلالة من الناس بأعـيانهـم ، يـدعـون
أنهـم أبناء الله وأحـباؤه ، فـمن اعـتقـد ذلك ، فـما عـلـم ، ولا
فهـم ما يـدعـو إليه الإيمـان الخـالص ، ولا يعـلم ما يـدعـو إليه
كتاب الله العـزيز : ( القـرآن الكـريم ) : إن الجـنة لـكل من آمـن
بالله واليـوم الآخـر ، والمـلائكـة والكـتاب والـنبيين ، واتبـع الطـريق
المستقـيـم ، وآتى المال عـلى حـبه ، ذوي القـربى واليـتامى ، والمساكين
وابن السبيل ، والسائـلين وفي الرقـاب ، وأقام الصـلاة وآتى الـزكاة
، والمـوفـون بعـهـدهـم إذا عـاهـدوا ، والصابـرين في البأسـاء والضـراء
وحـين البأس ، أولـئك الـذين صـدقـوا وأولـئك هـم المتـقـون .
من أجـل ذلك فهـو يـدعـو جـميع الناس لاغـتنام هـذا المجـد العـظـيم
والأجـر الكـبير الـذي لا ينـقـطع، وهـو شـديد الحـرص، عـلى أن يشـاركه
في الجـنة كل عـبـاد الله ، فالجـنة تتسـع بفـضل الله ، لـكل من يـؤمن
بالله واليوم الآخـر ، من عـباده المؤمنينن الصادقـين.
والله سـبحانه وتعالى يحـب لعـباده الكـمال، ولا يحب لعـباده النقص
، وهـذا ما تقـتضيه المحـبة الحـكـيـمة ، فالله يحـب لهـم الإيـمان
ويكـر لهـم الكـفـر، ويحب لهـم أن يعـملوا صـالحـا، فـمن آمن وعـمل
صـالحا كان من أحـباب الله الصالحين .
وحـب الرسـول صلى الله عـليه وسـلم من حـب الله ، لأن الله أمـر بحـبه
كما أمـر باتباعـه ، فـمن صـدق في حـبه لله فـلا بـد أن يحتب من اصـطـفاه
الله وأحـبه ، واختاره رسولا ، يبلغ عـنه رسالته إلى الناس كافـة ،
فـقال الله تبارك وتعالى في كتابه العـزيـز : ( قـل إن كـنتـم تحـبون
الله فاتبعـوني يحـببكـم الله ، ويغـفـر ذنوبكـم، والله غـفـور رحـيم
0 قـل أطـيعـوا الله والرسول ، فإن تـولوا فإن الله لا يحب الكـافـرين)
سورة آل عـمران 31/32 .
وقال الشاعـر يمـدح أحـد الملوك :
صفوح عـن الأجـرام حتى كأنه
من العـفو لم يعـرف من الناس مجرما
وليس يبالي أن يكون به الأذى
إذا ما الأذى لم يـغــش بالـكـره مسـلما
فما الإسـلام الـذي جاء به محمد ـ صلى الله عـليه وسلم ـ إلا الـدين
الواحد الخالد جاء به في صورته الأخيرة، وهو امتداد لرسالة الله، ولعهـد
الله منـذ أوجـد الله البشرية الأولى، يضم جناحيه عـلى ما مضى، ويأخـذ
بيد البشرية فيما سيأتي، ويوجـد بين العـهـد القـديم ( التوراة) والعهـد
الجـديد ( الإنجيل) ، ويضيف ما أراده الله من الخير والصلاح للبشرية
في مستقـبلها الطويل، ويجمع الله بذلك بين البشر كلهم إخوة متعرفين
متحابين متعاونين متناصحين، لا متنافـرين متناحرين، يأكل كل واحـد
منهم لحم أخيه ميتا ، وإنما يلتقون عـلى عهـد الله ودين الله .
للحـديث بقـية إن شـاء الله ..
أعلى
تفسير القرآن عند علماء عمان
إعداد د. ناصر بن محمد الحجري
الشيخ العلامة القاضي الفقيه خميس بن سعيد بن علي الشقصي
1ـ4
إنَّ ممَّا أنعَمَ اللهُ عز وجل بهِ على هذه
الأمة أنْ قيض لها علماء أجلاء رهنوا أنفسهم وحياتهم لخدمة دينه، وحفظه
من الضياع، وبيان مسايرته لتطور الناس عبر العصور، فدرسوا القرآن الكريم
والسنة النبوية الشريفة، واستنبطوا واجتهدوا وأصَّلوا الأصول وحرَّروا
الفروع.
ومن المعلوم أنَّ علم التفسير هو من أسمى العلوم الشرعيَّة قدراً،
وأعظمها نفعاً لاتصاله بآيات القرآن الكريم، الذي جعله الله عز وجل
فيه نظام الحياة الإنسانية وقوامها، ووسيلة السعادة في الدنيا والآخرة،
لذلك حرص العلماء على العناية به في مؤلفاتهم، ومن علماء عمان الذي
عنوا بهذا العلِم: الشيخ العلامة القاضي الفقيه خميس بن سعيد بن علي
الشقصي، أصله من مدينة نزوى التاريخيَّة، واستوطن مدينة الرستاق المشهورة،
ولذلك يُنْسب إليها، فيقال: الرستاقي.
وقد نشأ منذ صغره محباً للعلم طالباً له، فتعلم القرآن الكريم، ومبادئ
اللغة العربية، والعلوم الدينية على يد علماء الرستاق، التي كانت مركزاً
لتلقي العلم والمعرفة، كما لا يستبعد رحيل الشيخ الشقصي إلى مدينة
نزوى حاضرة العلم والعلماء آنذاك، للاستفادة من مدارسها وعلمائها،
ولم تذكر لنا المصادر العمانية شيئاً عن شيوخه، إلا أنَّ بعض يرى أنَّ
الشيخ مسعود بن رمضان النَّبهاني كان من شيوخه؛ لأنَّه كان مفتي أهل
زمانه في العصر الذي عاش فيه الشيخ الشقصي.
وللمكانة العلميَّة المرموقة التي وصل إليها
الشيخ الشقصي، فقد تخرج علي يديه ثُلَّة من عُلَمَاءِ عُمَان آنذاك،
كالإمامِ ناصر بن مرشد اليعربي، والإمام سلطان بن سيف اليعربي، والشيخ
عبدالله بن محمد النزوي، وغيرهم من العلماء.
ويُعَدُّ الشيخ خميس الشقصي من كِبَارِ علماء عُمَان في القرن الحادي
عشر الهجري، وأحد الفقهاء الذين حفظوا لنا التراث العُمَاني، وكان
قدوة العلماء في زمانه، وركناً من أركان الدولة العمانيَّة، وقاضياً
من قضاتها. كما تبرز مكانته جليَّة في ثناءِ العُلمَاءِ عليهِ وعلى
كتابهِ الموسوعي المشهور:"منهج الطالبين وبلاغ الراغبين"،
فقد قال فيه أحد العلماء:"وإذا سألتم عن العلماء الذين هم من
أهل عمان، أولهم: محمد بن عمر بن احمد، والشيخ مسعود بن رمضان، والشيخ
القائم بالحجة، العالم بالمحجَّة خميس بن سعيد الرستاقي، فهؤلاء عليهم
المدار، وأهل الدرجة العلياء"، واعتبره الشيخ أحمد بن سعود السيابي
أنَّه صاحب مدرسة فكرية مستقلة؛ لأنَّه جمع بين المدرسة النزوانيَّة
والمدرسة الرستاقيَّة، ليُخْرِجَ لنا المدرسة الشقصيَّة، وقال عن كتابه
"منهج الطالبين":",إذا شئت التروي فعليك بقاموس الشريعة
ومنهج الطالبين". لأنَّ الشيخ الشقصي أودع فيه عُصَارةَ فكرهِ،
ومَا توصَّلَ إليهِ من آثارِ السَّابقين، والعديد من الأقوال المبثوثة
في كتب التراث الفقهي العماني، كما أنَّ له بعض الرسائل القيّمة التي
وجهها إلى علماء المغرب، ورسائل وجهها إلى بعض علماء عمان ذكر فيها
بعض المسائل المهمة التي قصد من خلالها عمليَّة الإصلاح، ونشر العلم
والمعرفة.
يُعْتَبَر كتاب "منهج الطالبين وبلاغ الراغبين" للشيخِ الشقصي
من الموسوعاتِ المهمَّة التي أثرت المكتبة العمانيَّة، لأنَّ مؤلفه
قدَّم لنا حصيلةَ معارفهِ المتنوعة، وجَمَعَ فيه أقوالَ العُلمَاء
وآراءهم، وناقش الكثير من العلوم المختلفة كعلم تفسير القرآن الكريم
واللغة العربيَّة والفقه والعقيدة والتاريخ والفلسفة وغيرها من العلوم،
وكأنه أرد أنْ يجعل منه موسوعةً علميَّةً واسعةَ العُلومِ والمَعَارِف.
حيث نجده يقول في سبب تأليفه لهذا الكتاب:"فإنّي لما رأيتُ العِلْم
قد قلَّ طالبه، وتقاصر أكثر النَّاس عن الرغبة فيه، وكلَّت الهمم عن
الوصول إلى مقامات السلف الماضين، وعجزت عن درك مقاصد السابقين، استعملت
خاطري في تصنيف كتابٍ أجمعُ فيه مَعَالمَ الشريعة، وأنظم فيه شتات
الفقه، وأبين أصله وفروعه، وأجعل مسائله مشروحة مجموعة متجاورة متتابعة
مشروعة ..."، إلى أنْ قال:"وجعلته في عشرين جزءاً يحتوي
على ضروبٍ من عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، وفنونٍ من العِلْمِ مَجْمُوعَة".
ومن خلال ما ذكرنا من مقدمة كتابه "منهج الطالبين" نلاحظ
أنَّ الشيخ الشقصي لم يقتصر في كتابهِ على الفقه فقط، وإنَّما تناولَ
العديدَ من المعارفِ المختلفةِ، والتي من ضمنها تفسير آيات القرآن
الكريم، وبيان ما تضمنته من دلالاتٍ وفوائد، حيث نجده يطيل النَّفَسْ
عند تفسيرهِ لآياتِ الأحكام، ويقف عند آيات العقيدة، ويحرص على تفسير
الآيات المتعلقة بالسلوك والأخلاق ليقوم بهمة الإصلاح التي كان يسعى
إليها من خلال دروسهِ ومؤلفاته.
فهو لم يقتصر في كتابه على الفقه الإسلامي بمعناه الاصطلاحي بل تجاوز
ذلك إلى الحديث عن الفقه بمعناه العام، الذي هو سجل للواقع، وصورة
للمجتمع بما يحويه من متابعةٍ تفصيليَّةٍ لوقائعِ الحياةِ اليوميةِ
للفردِ المسلمِ والمجتمعِ على حدٍ سواء، وتقصٍ لعلاقتهِ المختلفةِ
لصبغها بأحكامِ الشَّرعِ الحنيفِ وفقِ المنهج الذي رسمهُ القرآن. ومن
أمثلة الآثار التفسيريَّة التي نجدها في كتاب "منهج الطالبين"
للشيخ الشقصي:
ـ ما ذكره في تفسير قوله تعالى:(إنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب)،
أي عقل، ومن حرم العقل فقد حرم العلم، والعقل هو العلم، والعلم هو
العقل،؛ لأنَّ من علم شيئاً عقله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لكل
شيء دعامة وآلة، وآلة المؤمن ودعامته العقل، والعقل أول حجة لله على
العبد". واسم العقل مشتق من عقال البعير؛ لئلا ينفر، وكذلك العقل:
يمنع الإنسان ويعقله عن شهواتهِ كما يمنع العقال البعير عن الشرود".
ـ وفي تفسير قوله تعالى:(إنَّ الذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل
لهم الرحمن وُدَّا)، يقول:"أي: يوجد في قلوبهم وداً فيودونه بأنواع
الأذكار وأطوار القربات، فلا يتركون من أعمال القلب ما لا يبصرون به،
ولا يودون لأنفسهم إلا بقطع العوائد المألوفات، إلى أنْ يحصل بها ود
من الله تعالى، فينقلب حديثها نطقاً وحكمةً، وحركاتها ارتقاء درج؛
فيودونه بالحقائق الإيمانيَّة والأسرار الشرعيَّة والأنوار الدينيَّة
إلى أنْ يظهر على الروح آثار الود، فينظر المعاد كشفاً، وما أعدَّ
الله فيه من أنواع التنعيم لأوليائه والعذاب لأعدائه فيزداد اشتياقهم
إلى طلب الرجعة إلى الله تعالى ولقائه ويزهدون في جميع العلائق والمألوفات
غير الله تعالى، فإذا توجه القلب على الود إلى الله تعالى، نظر في
أسرار عجائب صنع الله تعالى، والتفكر في ذلك..."، إلى آخر ما
ذكره في تفسير هذه الآية.
ـ وفي قوله تعالى:(فسئلوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمون)، يقول الشيخ
الشقصي:"أي: فتعلموا وتفهموا في الحلال والحرام، وأبصروا ما تصيبون
تمييز الأمور: بعضها من بعض، ثم حينئذ يسع العالم أنْ يفتي ويجتهد
رأيه فيما يسع..."، إلى آخر ما ذكره في تفسير الآية.
ـ وعند تفسيره لقوله تعالى:(يأيها الذين آمنوا
كونوا قوامين بالقسط شهداء لله)، يقول الشيخ الشقصي:"فقد أمر
الله المؤمنين بالقيام بالقسط أمراً عامَّاً لهم جميعاً. والقسط الذي
أمرهم بالقيام به لا يخلو من أن يكون قسطاً معلوماً بعينه، فتكون الإشارة
دالة عليه دون غيره، أو لا تكون الإشارة وقعت على قسطٍ معلومٍ بعينه،
فإنْ صحَّ أنَّ هذه الإشارة: إلى الجنس فقد وجب علينا بكل ما وقع عليه
اسم قسط".
ويقول في موضعٍ آخر عند تفسير هذه الآية:"فقد أمر عباده المؤمنين
أنْ يقوموا بالقسط في السراء والضراء، على الأولياء والأقرباء والأنفس
والآباء، فجرى حكم القسط عليهم، ولم يرخص في ذلك لأحدٍ من العالمين.
وأيضاً، إنَّه جعل القيام بالقسط فرضاً يجب على الكفاية ولم يوجبه
على الخاصة دون العامة؛ لأنه تعالى دعاهم باسم المؤمنين، والمؤمنون
يدخل فيهم الخاص والعام، ولم يجب لأحدٍ من أهل الإسلام أن يرى مقاماً
لله في مقال لبدعة اتكالاً على غيره، والله أعلم".
وقال بعد ذلك:"ولم يجعل الأمر في تسمية القسط في الدين مردوداً
إلى الاجتهاد من المتعبدين، وتختلف فيه آراؤه وتتحكم فيه أهواؤهم،
فما رأوه حسناً في عقولهم فعلوه، وما رأوه قبيحاً في أنفسهم اجتنبوه،
بل دعاهم إلى فعله ما ارتضاه لهم حسن أم قبيح عندهم".
ـ ويقول في قوله تعالى:(ثمَّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا
فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات):"فالظالم
لنفسه: هو الذي يرتكب الذنوب والمعاصي ويتوب ويطلب المعاش من أمور
الدنيا ومن وجوه الحلال. والمقتصد: الذي لا يأتي شيئاً من المعاصي
إلا أنَّه يتعرض بالشيء من الدنيا لمعاشه، والسابقون بالخيرات: الزهاد
والعبَّاد المنقطعون إلى الله الذين لا يتعرضون بشيء من المعاش من
أمور الدنيا".
ـ وفي قوله تعالى:(يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا)، يقول:"فالوفاء
بالنذر واجب على من نذر بنذر في طاعة الله تعالى، وأمَّا النذر بفعل
شيء يعصي الله فيه، فالواجب عليه أنْ لا يفي به وعليه التوبة من إرادته
بفعل ذلك؛ لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بما يسخطه من الأعمال، والنذر
لا يكون إلا قربة لله تعالى".
ـ وفي قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم
وافعلوا الخير)، يقول الشيخ الشقصي:"ففي التأويل أنَّ الخير هاهنا
النوافل والوسائل، وقال:(اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)، أي: اتقوه
في جميع ما نهى عنه، وابتغوا إليه الوسيلة بأداء اللوازم، وقيل: اتقوه
فيما أمركم به ونهاكم عنه، وابتغوا إليه الوسيلة، أي: الوسائل والفضائل،
والتطوع: ما يتبرع به الإنسان من نفسه مما لا يلزمه، قال الله تعالى:(ومن
تطوع خيراً فإنَّ الله شاكر عليم)، أي: يجازي بالأعمال، والشكر هاهنا
الجزاء".
ـ وعند تفسيره لقوله تعالى:(فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا
جدال في الحج)، ينقل عن ابن عباس قوله في تفسير الفسوق، فيقول:"قال
ابن عباس: الفسوق هو المنابزة بالألقاب، كأن يقول الرجل لأخيه: يا
ظالم، أو يا فاسق، والجدال: أنْ تماري صاحبك حتى تغضبه، وروى أبو هريرة
أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم:"من حج لله عز وجل فلم يرفث ولم
يفسق رجع كهيئة يوم ولدته أمه".
ومن خلال ما سبق يتبين لنا أنَّ الشيخ الشقصي اعتنى بتفسير القرآن
الكريم في كتابه "منهج الطالبين"، ولم يقتصر على الفقه الإسلامي؛
لأنَّه نظر إلى الفقه بمعناه العام، فاحتوى كتابه على مادة علمية غزيرة
يعطي صورة حية لشمولية الفقه، إذ لم يقتصر المؤلف على الأحكام النظرية،
بل تعدى ليشمل الجوانب الفكرية والعلمية، تناول من خلالها العديد من
الآيات القرآنية، فشرع في تفسيرها بكل ما أوتي من ملكة علمية ليستخرج
منها الدروس والعبر، وليبرز ما تضمنته من الدلالات والفوائد، وكأنَّ
الشقصي كان يحس بأنَّ التعرض لكتاب الله لا ينبغي أن يكون مقتصراً
على جانب واحد من جوانبه الكثيرة، لذلك حاول أن يعوض قدر الإمكان ما
استغرق منه الجانب الفقهي، فساق في كتابه ـمن حين لآخرـ بعض النفحات
التفسيرية العامة.
يتبع .....
أعلى
قرآنا عربيا...
نماذج من التفسير العلمي
علم الفلك
أيها القراء الأكارم:
ما دمنا قد تكلمنا عن خلق الانسان والمطر الذي تحيا به الأرض,ويحيا
به الانسان, يحسن بنا أن نتكلم عما في الآيات الكريمة من اشارة الى
السماوات ذلكم العالم العلوي.
قال تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على
العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى...).
(النظرة العلمية لهذه الآية: انه كلما نظر الانسان الى نجوم السماء
وكواكبها يراها متماسكة وثابتة في مواضعها وهي سابحة في أفلاكها طبقا
لنظام بديع لا يحيد عنه أبدا وقد فسر العلم هذه القوة الكونية التي
تحفظ السماء والأرض والكون من التفكك وتصونه من الاضطراب والخلل بأنها
قوة الجاذبية التي اكتشفها عالم رياضيات انجليزي هو (نيوتن) في أوائل
القرن السابع عشر عندما لاحظ يوما تفاحة سقطت عن شجرتها على الأرض
فأخذ يفكر في أسباب سقوطها هي وغيرها من الاجسام التي تقع تلقائيا
على الأرض وهداه تفكيره العميق الى الوصول الى استنباط نظرية الجاذبية
واستطاع أن يضع لها قوانين دقيقة أثبتت صحتها بالتجارب العلمية ووضع
بما لا يقبل الشك ان هناك علاقة بين كتل الأجسام المتجاذبة وبين المسافات
التي بينها وقد ساعد قانون الجاذبية علماء الفلك على فهم الكثير من
الحقائق الكونية التي كانت مجهولة تماما من قبل).
ويؤخذ من الآية حقيقة علمية أخرى وهي ان الشمس والقمر غير مستقرين
فهما يجريان لأجل مقدر لهما ويؤكد هذه الحقيقة قوله تعالى: (والشمس
تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم*والقمر قدرناه منازل حتى
عاد كالعرجون القديم*لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق
النهار وكل في فلك يسبحون).
(كان المعتقد قديما أن الشمس ثابتة فجاء بعض علماء المسيحيين وقالوا
إن الشمس تتحرك وحكمت عليهم الكنيسة بالاعدام لأن كلامهم كفر في نظر
الكنيسة وتقدمت الأجيال وآخر ما توصل اليه العلم الحديث أن الشمس تجري
بحركة دورية لولبية).
يقول الدكتور منصور محمد حسب النبي عن آية يس في جريان الشمس:
(هذه الآية الكريمة تمثل اعجازا علميا رائعا للقرآن فالفعل (تجري)
ينطبق في أعين الناس والمفسرين الذين لم يعيشوا عصر العلم على حركة
الشمس الظاهرية اليومية من المشرق الى المغرب ولكن الحقيقة أن الفعل
(تجري) يعبر عن حركة واقعية أثبتها العلم الحديث للشمس التي اتضح أنها
تنتقل في الفضاء وتجر معها بالجاذبية كواكبها التي تدور حولها والفعل
يدل ليس فقط على حركة انتقالية ذاتية للشمس ولكن يدل ايضا على عظم
تلك الحركة لأن الجري طبعا يدل على السرعة في المشي أو السير.
ولقد تمكن العلماء من تحديد سرعة هذه الحركة للشمس ومعها النظام الشمسي
بحوالي تسعة عشر كيلوا مترا في الثانية في الفضاء الكوني نحو نقطة
في كوكبة هرقل مجاورة لنجم يدعى (فيجا) في الافرنجية (والنسر الواقع)
في العربية . وهذه النقطة تدعى علميا مستقر الشمس وهكذا يثبت علميا
باستخدام أحدث آلات الرصد ومقاييس الطيف بأن للشمس جريا حقيقيا في
الفضاء محدد المقدار والاتجاه مما يثبت بالدليل القاطع أن القرآن الكريم
من عندالله وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله , إذ كيف يتسنى
لمحمد النبي الأمي أن يأتي بكل هذه الحقائق وهو مجرد من كل وسائل العلم
ومنذ أربعة عشر قرنا من الزمان إلا إذا كان القرىن وحيا من الله سبحانه
وتعالى خالق الشمس).
ومما ينفي مقصود الآية بجريان الشمس تلك الحركة الظاهرية التي نراها
قوله تعالى: (والشمس وضحاها*والقمر إذا تلاها*والنهار اذا جلاها*والليل
إذا يغشاها).
(ويتلخص معنى الآيات في أن النهار هو الذي يظهر الشمس وأن الليل هو
الذي يخفيها , فأي دقة في التعبير أكثر احكاما من هذه؟ فما هو ثابت
أن حركة الشمس اليومية من الشرق الى الغرب انما هو حركة ظاهرية سببها
دوران الأرض لا تحرك الشمس فالشمس بالنسبة لنا ثابتة لا تتحرك إذ هي
لا تدور حول الأرض وبذلك فإن الليل والنهار لا ينتجان من دورانها حولنا
حسب ما كان القدماء يعتقدون وإنما دوران الأرض حول نفسها هو الذي ينتج
عنه أن يتعرض إحدى نصفيها لضوء الشمس فيصير نهارا ويبتعد النصف الآخر
عن مدى الضوء فيصير ليلا فدوران الرض إذن هو الذي يظهر الشمس فيكون
النهار وهو الذي يخفيها فيكون الليل وهذا هو نص القرآن فلو كان من
عند بشر كما يدعون لقال إن الشمس هي التي تسبب النهار بظهورها لا أن
النهار هو الذي يظهرها ولقال انها تختفي فتسبب الليل لا أن الليل هو
الذي يخفيها).
ويقول سبحانه: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم).
(لا بد أن ينزل القمر منازل مختلفة من أن ينتقل من مكان لآخر وبذلك
فالقرآن يعلل أوجه القمر بأن سببها هو انتقال القمر في امكنة مختلفة
بالنسة للأرض وهو في انتقاله يتغير مظهره فيزيد حتى يصير بدرا ثم يعود
فيتناقص تدريجيا حتى اذا كان في آخر منازله دق واستقوس وصار هلالا
وهذا يطابق ما وصل اليه العلم أخيرا وهو أن سبب ظهور القمر بأوجه مختلفة
هو دورانه حول الأرض مع مواجهته لها بوجه واحد).
إعداد/علي بن عوض الشيباني.
أعلى
|