اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا..حقيقته..دوره..تأثيره
لماذا يخشاه السياسيون والإعلاميون؟ متى نرى اللوبي العربي؟
قال الدكتور ريتشارد روب رئيس قسم التاريخ
والعلوم السياسية في جامعة بورديو الاميركية: ان سياسة الولايات
المتحدة في الشرق الأوسط تقوم على مجموعة من الثوابت لا علاقة لها
مطلقا بالاشخاص الذين يديرون دفة السلطة من البيت الابيض. واضاف
الدكتور روب الذي زار السلطنة مؤخرا ضمن وفد من الجامعة بدعوة من
كلية البيان الجامعية في محاضرة له بعنوان (السياسة الخارجية الاميركية
في الشرق الاوسط بين الثبات والتغير) القاها في ديسمبر الماضي في
قاعة المحاضرات في جامع السلطان قابوس الاكبر في بوشر: ان احد اهم
تلك الثوابت هو الحفاظ على أمن اسرائيل.
وكان الباحثان جون ميرشمير وستيفن ولت من جامعتي شيكاغو وهارفارد
قد نشرا في 2007 كتابهما المثير للجدل (اللوبي الاسرائيلي والسياسة
الخارجية الاميركية) لتنبيه حسب ادعائهما الرأي العام الاميركي الى
خطورة الوضع الحالي لتلك السياسة بسبب وقوعها اسيرة لمصالح اسرائيل
في الشرق الأوسط مما قد يعرض المصالح الاميركية للخطر. وقبل ذلك
(1985) نشر السيناتور فيندلي (قادرون على الكلام: الشعب والمؤسسات
يواجهون اللوبي الاسرائيلي) قالت الواشنطن بوست : إن المؤلف اراد
ان يحذر الاميركيين من ان التأثير الاسرائيلي في الولايات المتحدة
قوي جدا ، خاصة على مواقع صنع القرار.
وفي اكتوبر الماضي جرى رسميا في بروكسل افتتاح مكتب للمؤتمر اليهودي
الاوروبي ليكون وسيلة دائمة للتواصل بين اسرائيل ومؤسسات الاتحاد
الاوروبي. وعلم ان الاتحاد الاوروبي رصد موازنة سنوية تبلغ خمسين
مليون يورو لهذا المكتب بغية تغطية رواتب موظفيه ودعما للانشطة التي
سينفذها.
ان الحديث عن اللوبي اليهودي في اوروبا ليس بالأمر الجديد فقد اشار
اليه الرئيس الاميركي بنجامين فرانكلين في عام 1789 في خطاب له لافتا
الانتباه الى تكاثر اليهود في الولايات المتحدة ومحذرا شعبه من ان
لا يصيبهم ما اصاب الاوروبيين لان دولهم تساهلت مع اليهود الذين
سعوا للقضاء على تقاليد اهلها ومعتقداتهم كما اذلوا اهلها واخضعوهم
لمشيئتهم ولا حقوا خيرة ابنائها وامسكوا بزمام حياتهم ومستقبلها.
يرى بعض الباحثين ان جهود انشاء جماعات الضغط اليهودي في اوروبا
بدأت مبكرا وكانت أولى الثمار في عام 1791 عندما اقرت الجمعية الوطنية
الفرنسية في 27 سبتمبر من ذلك العام قانونا ساوى بين اليهود والفرنسيين
سواء داخل فرنسا او في المستعمرات: وكان نابليون اول من فكر عمليا
بإقامة دولة يهودية تابعة له على ارض فلسطين طمعا باموال اليهود
لتعبئة حملاته العسكرية. وطلب من اليهود الفرنسيين عقد مجلس لحاخاماتهم
في سان هدريان لاقرار انشاء دولة لهم ليتمكن من السيطرة على طريق
التجارة مع الشرق. كما ان الوجود السياسي والاقتصادي المنظم لليهود
في بريطانيا أتاح لهم ان يلعبوا دورا في دعم وتطوير الصناعة الحربية
البريطانية في اوائل القرن العشرين وهو الامر الذي انعكست أثاره
واضحة في السياسة البريطانية منذ ذلك الحين وحتى الوقت الحاضر.
وعرض تلفزيون البي بي سي ـ القناة الرابعة في نوفمبر الماضي برنامجا
خاصا عن الموضوع أثار ردود فعل كثيرة خاصة بعد صدور قرار قضائي بملاحقة
ليفني وزيرة الخارجية الاسرائيلية السابقة على خلفية العدوان الصهيوني
على غزة. الا ان براون رئيس الوزراء البريطاني سارع بالاعتذار مع
الوعود بتغيير القانون.
اعتاد المحافظون من انصار اسرائيل ان يقيموا سنويا وليمة غداء في
احد فنادق العاصمة لندن يلقي فيها زعيم حزب المحافظين كلمة بالمناسبة
محاطا بعدد من وزراء حكومة الظل وكبار اعضاء الحزب ومناصريهم، في
حين يحرص اعضاء البرلمان من المحافظين على ان لا يفوتوا مثل هذه
المناسبة. اقيمت الوليمة في هذه السنة في يونيو الماضي وبحضور ديفيد
كاميرون زعيم حزب المحافظين ووزير خارجية حكومة الظل وليم هيغ. وكان
العدوان الاسرائيلي على غزة هو الحدث الابرز في السنة السابقة ،
الا ان كاميرون وفي كلمته لم يشر الى تلك المجزرة انما دافع بشراسة
ممتدحا جهود اسرائيل (الحثيثة لحماية ارواح الابرياء) حسب زعمه.
ان هذا الموقف مثير للدهشة لانه لو ان القوات البريطانية ارتكبت
عشر الجرائم التي يقترفها الجيش الاسرائيلي ضد الفلسطينيين العزل
لقامت الدنيا ولم تعقد في بريطانيا. ان السؤال الذي يتبادر الى الاذهان
هو ما الذي دفع كاميرون الى التصرف بهذا الشكل في وليمة اصدقاء اسرائيل
من المحافظين (ويشار اليها اختصارا بالانجليزية سي اف اي (CFI) التي
اقيمت في فندق دورتشستر.
وما قواعد السلوك السياسي البريطاني التي تجيز لزعيم المحافظين وقيادات
حزبه ونوابهم في البرلمان حضور تلك الوليمة بعد شهور قليلة من مذبحة
غزة؟ وما الاخلاقيات الصحفية التي تجعل من هذه المناسبات تمر مرور
الكرام دون متابعة او تعليق؟ هل يوجد لوبي اسرائيلي في بريطانيا
وما الدور الذي يقوم به هذا اللوبي وما تأثيره؟.
لا توجد دراسة مستفيضة (على غرار كتاب ميرشيمر وولت حول اللوبي الاسرائيلي
في الولايات المتحدة) في بريطانيا. في عام 2002 نشرت مجلة النيوستيتمان
مقالة بعنوان (مؤامرة يهودية) اشارت فيها الى مناسبات تعرض فيها
بعض الصحفيين الى ضغوط او اتهامات بمعادة السامية ، الا ان المقالة
استنتجت ان اللوبي الصهيوني موجود الا ان تأثيره قليل او معدوم.
ومع ذلك فقد تعرضت المجلة للانتقاد واتهمت بانها معادية للسامية
وقامت مجموعة تسمي نفسها (العمل ضد أعداء السامية) باقتحام مكاتب
المجلة ومطالبتها بكتابة اعتذار. واضطر رئيس التحرير بيتر ويلبي
الى تقديم الاعتذار. ومنذ تلك الواقعة لم تجرؤ اية جهة صحفية الى
معاودة الكرة.
ان توجيه الاتهام الى اسرائيل يعني التعرض للاتهام بمعادة السامية
وهي تهمة يحاول الجميع تفاديها. علاوة على ذلك فإن معظم الصحف البريطانية
(مثلا النيوز انترناشينال ومجموعتي التلغراف والإكسبريس) تساند اسرائيل
وهي لا تفسح المجال مطلقا لتوجيه النقد على صفحاتها الى السياسة
الخارجية الاسرائيلية او تأثيرها. بالاضافة الى ذلك فإن منتقدي اسرائيل
يتعرضون الى حملات منظمة من الشجب والاتهامات. ونتيجة لذلك تتجنب
كبرى وسائل الاعلام البريطانية الحديث عن التأثير الاسرائيلي. على
سبيل المثال لا توجد أية اشارة الى اللوبي الاسرائيلي في كتاب حكم
بريطانيا: فشل ومستقبل الديمقراطية البريطانية لمؤلفه اندرو مار
وكذلك الحال في كتابي المحافظين لمؤلفه الآن كلارك وحزب المحافظين
منذ بيل حتى ميجر لمؤلفه روبرت بليك. وتجاهلت التقارير والبيانات
في بريطانيا الاشارة الى اللوبي الاسرائيلي (على سبيل المثال قاعدة
البيانات الصحفية ليكسيس نيكيس فيها 154 اشارة فقط وردت في الصحف
البريطانية عن اصدقاء اسرائيل من المحافظين الاولى في 22 سبتمبر
1985 ، بينما هنالك وللفترة ذاتها 1083 اشارة الى جمعية منتجي السجائر
و2895 اشارة الى جمعية الخمور الاسكتلندية. وهنالك 2239 مقالة عن
مايكل اشكروفت وهو من كبار ممولي حزب المحافظين. يقول بيتر اوبورن
الذي اعد حلقة برنامج (تقارير) حول اللوبي الاسرائيلي وقدمتها البي
بي سي من شاشة قناتها الرابعة هو معرفة سر هذا التجاهل وهل ان للوبي
الاسرائيلي تأثيرا على الحكومة البريطانية. وخلال الاعداد لاحظنا
والحديث لبيتر اوبورن ، ان العديد من الاشخاص لا يريدون الحديث عن
اللوبي الاسرائيلي لذلك شعرنا وفي بعض الاحيان اننا لن نستطيع انهاء
العمل. وقال لنا الكثيرون ان مجرد حديثنا عن ذلك الامر يعني خسارتنا
للكثير. وقال رئيس تحرير احدى الصحف: ان اللوبي الاسرائيلي هو اللوبي
الوحيد الذي لا اجرؤ الكتابة عنه في البداية ابدى العديد رغبتهم
في المشاركة ، نواب في البرلمان وصحفيون من البي بي سي وموظفون من
كبرى المؤسسات الخيرية ، الا انهم تراجعوا بعد عدة ايام واعتذروا
، اما بعد التشاور مع بعض اصدقائهم او بعد التفكير بالعواقب.
على سبيل المثال جوناثان ويمبلي رئيس منظمة (عين على الرقابة) الذي
كان قد نشر مقالا قويا على موقع المنظمة حول دور اللوبي الاسرائيلي
في البي بي سي، وادى الى تعرض الصحفي جيرمي بووين من البي بي سي
الى المسائلة من قبل مجلس إدارة الشبكة حول موقفه المعادي من اسرائيل.
في البداية اظهر ديمبلي حماسه للمشاركة معنا الا انه عاد واعتذر.
وتبين لنا بعد ذلك ان ديمبلي تعرض لضغط من الاتحاد الصهيوني ومحامي
الاتحاد جوناثان تيرنر حيث قال المحامي: ان ديمبلي غير مؤهل بسبب
مواقفه لتقديم برنامج (اي سؤال) من البي بي سي وحتى اولئك الذين
اعترضوا على قرار البي بي سي بعدم عرض نداء لجنة الاغاثة الدولية
حول حرب غزة فإنهم رفضوا المشاركة بحجة انهم غير مؤهلين للاشتراك
في البرنامج. وقال اوبورن ان لجنة الاغاثة الدولية والعفو الدولية
واوكسفام والكرستيان أيد وصندوق انقاذ الطفولة والوكالة الكاثوليكية
(وهي منظمات دولية) رفضت المشاركة في البرنامج بحجة حساسية الموضوع.
واضاف اوبورن ان احد نواب المحافظين في البرلمان اصيب بالرعب عندما
عرف عن الموضوع ورفض الحديث معنا الا بعد ان رفعنا حتى بطاريات هواتفنا
النقالة لضمان عدم تسجيل ما يقول. الاستثناءات قليلة.
قال مايكل ميتس عضو لجنة الامن والاستخبارات في البرلمان والوزير
السابق لايرلندا الشمالية ان اللوبي الاسرائيلي هو اللوبي الاقوى
في السياسة البريطانية وان اعمال هذا اللوبي سرية وتطول المواقع
الحساسة في الدولة لذلك ترى تأثيره قويا وحتى اورلا جورين الصحفية
التي تعرضت الى اتهامات عديدة من الحكومة الاسرائيلية بانها معادية
للسامية (وهي التهمة التي يخشاها الكثيرون) رفضت الحديث مع البرنامج
بأي شكل من الاشكال. كانت جورين مراسلة البي بي سي في الشرق الاوسط
في 2004 ، وارسلت يومها تقريرا عن انتحاري فلسطيني ادعت اسرائيل
انها القت القبض عليه قبل تفجير نفسه ، وقالت جورين في نهاية التقرير
(تلك هي الصورة التي تريد اسرائيل ان يراها العالم) (اي ان الشاب
الفسلطيني قد استغلته اسرائيل لاغراض دعائية) بعدها ارسل ناتان شاراناسكي
وكان يومها وزيرا في الحكومة الاسرائيلية رسالة رسمية الى البي بي
سي اتهم الصحفية بمعاداة السامية والمحطة بإزدواجية المعايير. وعندما
كرمت جورين في السنة التالية بوسام الاستحقاق قال شاراناسكي معلقا
من المؤسف ان موضوعا هاما مثل معادة السامية لم يؤخذ بالاعتبار عند
منح هذا الوسام خاصة في بريطانيا التي تشهد تزايدا في الحوادث المعادية
للسامية. وخانت الشجاعة مايكل انكرام الرئيس السابق لحزب المحافظين
وزير خارجية حكومة الظل قائلا: ان الاتهامات وجهت اليه بمعاداة السامية
لانه اتصل بحماس وحزب الله.
يبدو ان ثقافة الصمت التي تحيط بهذه القضية تسمح لنظريات المؤامرة
ومن ورائها المعادة للسامية بالانتشار.
اللوبي الاسرائيلي في البرلمان البريطاني
طرح ديفيد أميس من حزب المحافظين سؤالا مؤخرا في احدى جلسات مجلس
العموم حول اجراءات الحكومة البريطانية لتحسين علاقاتها مع اسرائيل
واجابه ايفان لويس وزير الدولة للشئون الخارجية قائلا: ان اسرائيل
حليف قوي لبريطانيا وبين الجانبين مصالح متبادلة على مختلف الأصعدة.
وسنعمل على تعزيز العلاقة مع اسرائيل. الا ان معرفة خلفية الرجلين
ستبرر حماستهما للموضوع فالأول هو سكرتير (اصدقاء اسرائيل من المحافظين)
التي وصفها المؤرخ المحافظ روبرت رودس جيمس بانها اكبر جمعية في
غرب اوروبا تدافع عن اسرائيل. والثاني كان نائبا لرئيس اصدقاء اسرائيل
من العمال. الا ان علاقة الرجلين باللوبي الاسرائيلي غير موثقة في
سجلات البرلمان وهي غير معروفة للناخب العادي.
ان العديد من مناصب شئون الدفاع والسياسة الخارجية الحساسة في مجلس
العموم يحتلها اعضاء من منظمتي اصدقاء اسرائيل من المحافظين والعمال.
على سبيل المثال مايك غيبز رئيس لجنة اختيار الشئون الخارجية هو
نائب رئيس سابق لجمعية اصدقاء اسرائيل من العمال. كما ان كيم هولز
رئيس لجنة الامن والاستخبارات كان في السابق رئيسا لجمعية اصدقاء
اسرائيل من العمال. وجيمس اربوتنوت رئيس لجنة اختيار الدفاع هو ايضا
رئيس جمعية اصدقاء اسرائيل من المحافظين في البرلمان. ولا توجد ضوابط
برلمانية تمنع الانخراط في صفوف مثل هذه المجاميع، الا ان الناخبين
لا يعرفون شيئا عن هذه العلاقات.
اذا جاءت حكومة محافظة بعد الانتخابات القادمة فإن نفوذ اللوبي الاسرائيلي
سيزداد ويعتقد البعض ان خمسين بالمائة على الاقل من حكومة الظل المحافظة
اعضاء في جمعية اصدقاء اسرائيل من المحافظين خاصة البارزين مثل ديفيد
كاميرون وجورج اوزبورن ومايكل جوف ووليام فوكس وكريس جريلنغ، ولو
ان حزب المحافظين اقام مثل هذه العلاقة مع اي بلد آخر لقامت الدنيا
عليه ولتصدرت القضية صدر جميع الصحف وتناقلتها وسائل الاعلام الاخرى
بشكل دائم حتى يرفع الحزب يده عنها ويتنصل منها. الا ان ذلك لم يحدث
ابدا بالرغم من ان اسرائيل تثير الكثير من الجدل فهي تحتل اراضي
من دول مجاورة وجنودها متهمون من قبل منظمات حقوق الانسان الدولية
بارتكابهم جرائم حرب.
قال هارولد مكميلان رئيس الوزراء البريطاني الاسبق مرة : ان هنالك
ثلاث جهات لا يستطيع المرء العاقل تحديها مباشرة وهي الكنيسة الكاثوليكية
ولواء الحرس واتحاد عمال المناجم. ويعتقد البعض ان لو اطلق مكميلان
تصريحه اليوم لاضاف حتما اصدقاء اسرائيل من المحافظين للقائمة. يجب
الاقرار ان اصدقاء اسرائيل من المحافظين هي من اقوى جماعات الضغط
في البرلمان حيث ان ثمانين بالمائة من نواب المحافظين اعضاء فيها.
وغالبا ما يكون زعيم المحافظين موجودا في نشاطات هذه المجموعة ،
بينما يتعرض وزير خارجية حكومة الظل ومساعدوه الى ضغط متواصل من
اصدقاء اسرائيل من المحافظين. ان رئيس السي اف اي (اصدقاء اسرائيل
من المحافظين) ستيوارت بولاك وجه معروف في البرلمان البريطاني ولدى
جميع اعضاء حزب المحافظين. اما روبرت هالفون المدير السياسي للسي
اف اي ومرشح المحافظين عن مدينة هارلو فهو يعتبر العقل المدبر للحركة
والشخصان معروفان لدى نواب البرلمان المحافظين ويقول احد نواب المحافظين
انه وقبل انتخابات 2005 البرلمانية التقى بستيوارت بولاك في احدى
المناسبات الذي دافع بقوة عن اسرائيل وفي النهاية سأله ان كان يحتاج
الى بعض المال. وبعد اسبوعين وصله شيكان من مكتب المحافظين في دائرته
الانتخابية والشيكان موقعان من رجال اعمال لهم علاقة وثيقة بالسي
اف اي ويقول النائب انه لا يعرف عنهما شيئا مطلقا. وقال نائب ثان
انه زار سيتوارت بولاك وان الاخير دقق في مواقفه من اسرائيل وخلال
اسبوعين وصله شيك من رجل اعمال لم يره مطلقا.
عند دراسة التبرعات التي قدمت الى مرشحي المحافظين قبل انتخابات
2005 سنلاحظ ان مجموعة من المتبرعين الذين لهم علاقات قوية مع الجماعات
المؤيدة لإسرائيل ، خاصة السي اف اي قدموا تبرعات تراوحت بين 2000
الى 5000 جنيه استرليني شخصيا او من خلال شركاتهم الى بعض المرشحين.
ضمت القائمة تريفور بيرز رجل الاعمال المعروف وهو مسجل في بيكوم
(مركز البحوث والاتصالات الاسرائيلي البريطاني) وكذلك مع السي اف
اي ، وهو من الذين تبرعوا لكاميرون في السابق.
ويرد في القائمة ايضا اللورد شتاينبرغ نائب رئيس السي اف اي وهو
عراب بولاك في البرلمان. وهناك ايضا مايكل لويس وهو رجل اعمال من
جنوب افريقيا ونائب رئيس البيكوم وكان في السابق عضوا في السي اف
اي ، وكذلك بضعة اسماء هامة على قائمة السي اف اي.
ان طريقة التبرع (مبالغ متوسطة الحجم الى مكاتب المرشحين غالبا عبر
شركات) يعني ان العلاقة بالسي اف اي او اية جماعة مؤيدة لاسرائيل
غير واضحة. ربما لم يلتق المتبرعون بالمرشحين الا انهم سعداء بالتبرع.
وان جميع المرشحين فازوا بالمقاعد او كانوا قريبين من ذلك. ومن الغريب
في الامر ان الدوائر التي لم يفز فيها مرشحو المحافظين كانت التبرعات
تأتي مباشرة من السي اف اي وكانت الفي جنيه استرليني. ومن الاسماء
التي حظيت بالتبرعات في انتخابات 2005 ايد فيزي وزير الثقافة والاعلام
والرياضة في حكومة الظل وغريغ هاندز وزير المالية في حكومة الظل
ومايكل جوف وزير التربية وبروكس نيومارك وزير الشئون الخارجية في
حكومة الظل وكذلك شاليش فارا نائب زعيم المعارضة في البرلمان وجرانت
شابي وزير الاسكان في حكومة الظل وآدم هولواي العضو في البرلمان.
وسافر معظم هؤلاء في الرحلة التي نظمها السي اف اي الى اسرائيل في
2006. وكان الجميع مؤيدين لاسرائيل في خطبهم في البرلمان ولم يجرؤ
احد منهم على انتقاد اسرائيل علنا. ويعتقد ان بعض اعضاء السي اف
اي يستهدفون اعضاء البرلمان الذين ينتقدون اسرائيل. على سبيل المثال
حصلت جوان كاش المنافسة المحافظة للعمالية كيرن بوك المعروفة بانتقادها
لاسرائيل على مبالغ وصلت الى عشرين الف جنيه استرليني من الصعب القول
ان هذه التبرعات قانونية تماما الا انها بالتأكيد تمثل انتهاكا للمبادئ
السبعة الخاصة بالحياة العامة التي وضعها البرلمان والتي تنص على
ان موظفي الخدمة العامة يجب ان لا يضعوا انفسهم تحت أية التزامات
مالية او غيرها لافراد او مؤسسات خارجية الهدف منها التأثير على
ادائهم لواجباتهم الرسمية. خلال السنوات الثلاث الماضية نظم السي
اف اي اكثر من ثلاثين رحلة مجانية لمرشحي البرلمان من المحافظين
الى اسرائيل واحيانا سافرت زوجاتهم معهم. وسنحت للمرشحين فرصة اللقاء
مع بعض القادة السياسيين والامنيين في اسرائيل ، واحيانا نظمت لهم
لقاءات مع سياسيين ورجال اعمال فلسطينيين. ويعمد السي اف اي الى
نشر بعض الاشادات لهؤلاء النواب باسرائيل في مجلته الخاصة وكأنما
يقول للآخرين ان هؤلاء انصارنا الجدد. في الاشهر التي تلت الرحلة
التي نظمت في عام 2007 استلم عشرة مرشحين تبرعات لدوائرهم الانتخابية
من اعضاء بارزين في السي اف اي. وضمت قائمة مستلمي هذه التبرعات
اسماء بارزة مثل مارجوت جيمس نائبة زعيم حزب المحافظين واندرو جريفيس
الذين قال من الصعب التفاوض مع اشخاص يحاولون قتل اصدقائكم وعوائلكم
والناس الذين تحبون ، والذي استلم ثلاثة تبرعات واحد منها من رئيس
السي اف اي ريتشارد هارينغتون.
وهذه التبرعات لا ترسل جزافا، على سبيل المثال استلم وليم هيغ وفي
الفترة بعد اختياره وزيرا لخارجية حكومة الظل تبرعات من السي اف
اي وصلت الى عشرات الآلاف من الجنيهات الاسترلينية. الا ان اعضاء
البرلمان المحافظين لا يحبذون الحديث علنا عن تبرعات السي اف اي
وتأثيره على الحزب. لذلك فإن مايكل ميتس قال لأوبورن لن يتحدث معك
احد قبل الانتخابات.
ان دعم المحافظين للحركة الصهيونية يعود الى الاجتماع الذي عقد بين
رئيس الوزراء المحافظ بلفور وحاييم وايزمن في عام 1905 يومها اقنع
وايزمن بلفور باهداف الحركة ، خاصة انشاء دولة اسرائيل. واتصل وايزمن
ايضا بتشرتشل في الوقت نفسه. ونتذكر الهجوم العنيف الذي شنه تشرتشل
في مايو 1939 حكومة تشمبرلين بسبب قرار الحكومة وقف هجرة اليهود
الى فلسطين. قال تشرتشل لنواب البرلمان ان اسرائيل ستكون بلدا لليهود
خارج فلسطين للاعداد الكبيرة من اليهود المضطهدين والتعساء والمشردين
والذين لا تقارن رغبتهم الكبيرة والراسخة في العودة لوطنهم عند اي
شعب آخر. اما السي اف اي فقد ظهرت للوجود في عام 1974 على يد النائب
المحافظ مايكل فيدلر ومنذ ذلك الحين تحول السي اف اي الى لوبي شديد
التأثير في بريطانيا. وفي عام 1984 اصبحت مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء
رئيسة ايضا لفرع السي اف اي في دائرتها الانتخابية فينتشلي.
لا يستطيع اي لوبي ان يضمن ان رئيس حزب المحافظين وكبار رجالات الحزب
اضافة الى مجموعة كبيرة من نواب الحزب في البرلمان سيكونون حاضرين
في شكل متواصل في الوليمة السنوية. ان معظم اعضاء حكومة الظل ومن
بينهم زعيم المعارضة ووزير الخارجية والدفاع في تلك الحكومة اعضاء
في السي اف اي ، علاوة على ذلك فإن معظم قيادي الخط الثاني من المعارضة
هم اعضاء ايضا في تلك المنظمة. ويبدو ان تأثير السي اف اي على سياسة
الحزب واضحة جدا ويمكن الاشارة في هذا الصدد الى مثال واحد يرتبط
بوليام هيغ وزير الخارجية في حكومة الظل والذي استلم مبالغ كثيرة
من السي اف اي وحدث بعد اشهر خلاف بين هيغ وتلك المنظمة بعدها تعرض
هيغ الى تهديد مباشر من اللورد كالمز وهو عضو في السي اف اي ومن
كبار ممولي حزب المحافظين بقطع التمويل له وذلك لان الاول استخدم
كلمة القوة غير المتوازنة في الاشارة الى العدوان الاسرائيلي على
لبنان ، كما نشرت صحيفة السبكتيكر (المشاهد) رسالة نقد شديدة لهيغ.
على اثرها عقد ستيوارت بولاك اجتماعا مع ديفيد كاميرون قدم الاخير
تعهدا بعدم استخدام هذه التعابير ثانية. وقالت مصادر في حزب المحافظين
ان السي اف اي لعب دورا فاعلا في الموقف المعارض لحزب المحافظين
من قرار الامم المتحدة الخاص بتقرير جولدستون المتعلق بالعدوان الاسرائيلي
على غزة. قالت تلك المصادر ان هيغ اقنع بالجلوس مع كاميرون وأندرو
فيلدمان وهو من انصار السي اف اي المؤثرين ونشرت مجلة السي اف اي
تصريحا للمجتمعين جاء فيه اذا لم يعاد صياغة التقرير للإشارة الى
دور حماس في اشعال الحرب فإننا ندعو الحكومة البريطانية الى رفض
القرار.
ومن اجل معرفة حجم تأثير السي اف اي على حزب المحافظين من الافضل
مقارنة دوره بدور مجلس الشرق الأوسط في الحزب (ويرمز له بالانجليزية
سي ام اي سي) الذي يركز على الشرق الأوسط بأكمله في سياسة الحزب
ويحاول ايجاد التوازن في تلك السياسة في مواجهة السي اف اي. يقول
المجلس في موقعه انه يحاول سنويا ارسال وفود الى ايران والدول العربية
واسرائيل. ويقول المجلس: ان اكثر من نصف نواب المحافظين في البرلمان
اعضاء فيه. ويرأس المجلس وزير دولة في حكومة الظل لكن امامه الكثير
حتى يصبح ندا حقيقيا للسي اف اي. خلال الخمس والثلاثين سنة الماضية
(وهي عمر السي اف اي) كان موقف حزب المحافظين سواء في الحكومة او
المعارضة ، مؤيدا وبقوة لاسرائيل، ولا يداني (السي اف اي) اي تجمع
آخر في التأثير على حزب المحافظين.
اما اصدقاء اسرائيل من العمال (واختصارا ال اف اي) فقد واجه ظروفا
قد تبدو مختلفة قليلا ، خاصة وان حزب العمال قدم دعما ملحوظا للفلسطينيين
في حرب 1967، بالاضافة الى موقف الحزب التقليدي من السياسة الاميركية.
تأسس ال اف اي في عام 1957 اثناء تجمع عام لمناسبة انعقاد مؤتمر
الحزب في ذلك العام وجاء في وصف التجمع انه لوبي يتخذ من البرلمان
مقرا له ويعمل في داخل حزب العمال لتقديم الدعم لدولة اسرائيل. ويرتبط
ال اف اي بعلاقة قوية مع حزب العمال الاسرائيلي ، ويعتقد البعض ان
بعض قيادي حزب العمال البريطاني مثلا فيليب جولد درب العديد من السياسيين
الاسرائيليين في الاستراتيجيات الانتخابية. ان لوبي المحافظين ولوبي
العمال يتعاونان بشكل كبير مع السفارة الاسرائيلية في لندن واحيانا
يتلقيان الدعم من الاطراف نفسها ، مثلا رجلي الاعمال فيكتور بلانك
وتريفور تشين ، الا انهما يعملان بشكل منفصل وفق اجندة خاصة بكل
واحد منهما. لقد نظم ال اف آي رحلات الى اسرائيل لنوابه اكثر من
اية جهة ثانية. فمنذ عام 2001 نظم ال اف اي اكثر من ستين رحلة الى
اسرائيل لنوابه. وتشكل الرحلات التي نظمها اللوبيان (العمال والمحافظين)
اكثر من 13% من الرحلات التي قام بها النواب او النواب المرشحون
وهي مدفوعة التكاليف. وهذا الرقم يزيد على عدد الرحلات التي نظمت
للنواب الى اوروبا او اميركا او افريقيا. وحتى في الولايات المتحدة
حيث ان نفوذ اللوبي الاسرائيلي قوي جدا الا ان الرحلات التي نظمت
لاعضاء الكونجرس تقل عن عدد رحلات زملائهم البريطانيين. ويعقد ال
اف اي لقاءات كثيرة مع ديفيد ميليباند وزير الخارجية البريطاني وبقية
المسئولين في الوزارة للدفاع عن مصالح اسرائيل. ويعتقد بعض النواب
العماليين ان ال اف اي هو السبيل الامثل لعضو البرلمان الشاب لتحقيق
النجاح. وغالبا ما يصبح رئيس التجمع وزيرا في المستقبل. على سبيل
المثال جيمس بيرنيل وجيم ميرفي وزيري الدولة لشئون اسكتلندا كان
رئيسين للتجمع. وكان ايفان لويس وزير الشئون الخارجية للشرق الاوسط
نائبا لرئيس ال اف اي. وكان اول عمل قام به توني بلير عندما اصبح
عضوا في البرلمان هو الالتحاق باصدقاء اسرائيل من العمال. وبقى قريبا
من اللوبي طوال حياته السياسية ودأب على حضور انشطة التجمع بشكل
منتظم. اما جون مندلسون وهو رئيس سابق للتجمع فقد اصبح المسئول الاول
عن جمع التبرعات في حملة جوردون براون رئيس الوزراء الحالي وقال
في 2007 متحدثا عن الدور الذي لعبه توني بلير في تحويل موقف حزب
العمال تجاه اسرائيل: لقد هاجم بلير الروح المعادية لاسرائيل التي
كانت موجودة في حزب العمال. لقد اصبحت الصهيونية طاغية في الحزب
وبلير سيداوم على حضور لقاءات ال اف اي. لقد نجح بلير في جعل حزب
العمال اكثر جذبا للتبرعات من اصدقاء اسرائيل في حزب العمال. وكان
مفتاح النجاح في ذلك هو مايكل ليفي الذي التقى بلير في عام 1994
في حفل عشاء اقامه جيدون مير الرجل الثاني في السفارة الاسرائيلية
في لندن. وكان بلير قد عاد لتوه من رحلة له الى اسرائيل. وسرعان
ما شعر الرجلان بأهمية العلاقة بينهما. في مطلع 1995 اصبح بلير زعيما
للمعارضة وكان لا يمر اسبوع دون ان يلتقي ليفي مرة او مرتين. كان
ليفي يجمع تبرعات لصندوق يعرف بصندوق رئيس حزب العمال ، وتصل المبالغ
الى مليوني جنيه استرليني، وهو رقم لم يحلم به اي زعيم عمالي في
السابق. قال بلير انه لم يعرف بمصادر تمويله بالرغم من علاقته القوية
بليفي ولقائه مع بعض المتبرعين. لكن الجميع يعرف ان المتبرعين كانوا
من جماعات مؤيدة لاسرائيل (مثلا تيفور تشين وايمانويل كاي). ولعب
ليفي دورا حاسما باقناع المتبرعين ان حزب العمال قد تغير. قال بلير
لليفي انه عازم على دخول الانتخابات القادمة دون الاعتماد ماليا
على الاتحادات العمالية. وبدلا عن ذلك اعتمد بلير على مجموعة من
المتبرعين بعضهم من المؤيدين لاسرائيل. وقال ليفي ان موضوع اسرائيل
كان في المرتبة الثانية (بعد جمع التبرعات) في احاديثه مع بلير.
ويقال ان ليفي نجح في جمع خمسة عشر مليون جنيه استرليني لبلير قبل
ان يتوقف دور ليفي مع فضيحة الالقاب الشرفية التي منحت للبعض لقاء
مبالغ مالية.
* اللوبي الاسرائيلي والإعلام البريطاني
يعتقد الكثير من مؤيدي اسرائيل انهم أقلية محاصرة في بريطانيا ،
وهم يعتقدون ايضا ان الاعلام البريطاني معاد لهم وانه (اي الاعلام)
يحاول دائما تشويه صورة الدولة اليهودية. الا ان الحقائق على الارض
تكشف زيف هذه الاعتقادات. حيث ان اغلبية وسائل الاعلام في بريطانيا
مؤيدة لاسرائيل. ان روبرت مردوخ يسيطر على 30 ـ 40% من وسائل الصحف
البريطانية وهو لا يتوانى في اعلان تأييده لاسرائيل. وبالاضافة الى
مجموعة مردوخ هنالك مجموعة التلغراف الاعلامية وصحف الأكسبريس وهي
تؤيد اسرائيل ايضا. في عام 2001 اضطر سام كيلي الصحفي في التايمز
الى الاستقالة بسبب الضغوط التي تعرض لها على يد جماعات الضغط الاسرائيلي.
قال كيلي: ان محرر الشئون الخارجية في التايمز وعددا من مديري الحلقة
الادارية الوسطى كانوا يصابون بالذعر كلما تقدمت مجموعة داعمة لاسرائيل
بشكوى. ويضطر هؤلاء الى الوقوف مع اصحاب الشكوى ضد المراسل. لذلك
طلبوا منا عدم الحديث عن الاغتيالات الاسرائيلية للقيادات الفلسطينية.
يعتقد اوبورن (وربما لانه يعمل مع البي بي سي) ان هناك مؤسستين اعلاميتين
كانتا منصفتين عند الحديث عن الشرق الأوسط وتضع وجهة النظر الفلسطينية
في كفة متوازنة مع وجهة النظر الاسرائيلية ، وهما البي بي سي والجارديان
، وهاتان المؤسستان (حسب رأي اوبورن) تعرضتا الى ضغوط هائلة من الحكومة
الاسرائيلية وجماعات الضغط كان للجارديان دور لا يستهان به في قيام
اسرائيل بالمقارنة مع الصحف البريطانية الاخرى. فقد لعب رئيس تحريرها
تشارلز بريستويتش سكوت دورا بارزا في اعلان بلفور 1917 حيث قدم حاييم
وايزمن الى كبار مسئولي الحكومة البريطانية. الا ان الصحيفة وجدت
نفسها اليوم وسط اتهامات لها بمعاداة الصهيونية والسامية. وخلال
العقد السابق خاضت الجارديان مواجهة مع الحكومة الاسرائيلية ممثلة
بالمتحدث الصحفي لها داني سيمان. قال سيمان في 2002 انه اجبر الجارديان
على تغيير المراسلة سوزان غولدنبيرغ. قال سيمان: لقد قاطعنا الصحيفة
ويبدو ان مجلس الإدارة فهم الرسالة وغير الطاقم.
والمعروف ان سيمان يستخدم اساليب ابتزاز مثل عدم منح تأشيرات الزيارة
او تأخيرها بالنسبة للمراسلين الذين يعتقد انه مناوئون لاسرائيل.
وثارت قضية اخرى امام الجارديان في عام 2006 عندما نشرت مقالة لمراسلها
كريس مكجريل قارن فيها اسرائيل بالنظام العنصري في جنوب افريقيا.
وشن اللوبي الاسرائيلي بمساعدة السفارة الاسرائيلية في لندن هجوما
ضاريا على الصحيفة وعقد السفير الاسرائيلي اجتماعا طارئا في منزله
مع رئيس البيكوم بويو زابلوفيدتش ورئيس مجلس المساعدين هنري جرونوالد
ورئيس السي اي تي (وهي منظمة يهودية في بريطانيا) جيرالد رونسون
واللورد جانير من ال اف اي لوضع خطة للرد على الصحيفة. وذهب رونسون
وجرونوالد لزيارة الآن روزبردجير (رئيس تحرير الجارديان) في مكتبه
لابلاغه امتعاض المجتمعين. يقول روزبردجير ان رونسون حتى لم يفكر
بخلع معطفه وقال مباشرة (بعد ان تلفظ بكلامات نابية) انا مع حرية
الصحافة الا ان هناك خطا يجب عدم تجاوزه وانتم تجاوزتم ذلك الخط
وعليك ان توقفهم. واضاف ان الجارديان مسئولة عن هجمات معادية للسامية.
وتقدمت لجنة صحة التقارير عن الشرق الاوسط في اميركا (كاميرا اختصارا)
(وهي منظمة مناصرة لاسرائيل ) بشكوى الى لجنة الشكاوى الصحفية قالت
فيها: ان مقالة مكجريل استندت الى اتهامات ملفقة. الا ان الشكوى
رفضت، ويقول روزبروجير: إن الجارديان ليست الوحيدة التي تتعرض لمثل
هذه الضغوط فقد اخبره العديد من العاملين في الاعلام ان من الافضل
لهم ان يتجنبوا مواجهة الجماعات الاسرائيلية وقال بعض الاعلاميين
في البي بي سي انه لا يكاد يمر اسبوع دون شكوى تقدم ضد تغطيتهم لاخبار
الشرق الاوسط (وتحيزهم للفلسطينيين). ويقول اوبورن ان رفض (البي
بي سي) بث اعلان لهيئات خيرية لمساعدة غزة قد كلف المحطة خسائر مادية
كبيرة واضطرت الي بي سي الى اصدار تقرير القت باللائمة فيه على مراسلها
في الشرق الاوسط جيريمي باوين، كما انها رفضت البوح بتقرير آخر وضعه
بالكولم بوين حول تغطيتها لاخبار الشرق الاوسط. وقال بين برادشو
وزير الثقافة وكان قد عمل سابقا في البي بي سي: اخشى أن البي بي
سي ستتعرض الى ضغوط اسرائيلية بين الحين والحين، ان لاسرائيل سمعة
سيئة مع المحطة تعود اوليات التقرير الذي وضعته البي بي سي الى ربيع
2003 عندما تدهورت العلاقة بين المحطة والحكومة الاسرائيلية. والاخيرة
وضعت قيودا على منح تأشيرات السفر لصحفيي البي بي سي كما منعتهم
من مقابلة كبار مسؤولي الحكومة بعد عرض فيلم وثائقي حول اسلحة اسرائيل
النووية بعنوان (اسلحة اسرائيل السرية) والذي عرض على قناة البي
بي سي الدولية. وقال المتحدث الصحفي باسم الحكومة الاسرائيلية داني
سيمان: ان الفيلم هو اسوأ من الدعاية النازية. وبعد زيارة شارون
رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق لبريطانيا في يوليو 2003 منع مراسلو
البي بي سي من حضور مؤتمره الصحفي. وبلغ الضغط الاسرائيلي (سواء
من الحكومة الاسرائيلية او اللوبي الاسرائيلي في بريطانيا) ذروته
في خريف ذلك العام اضطر معه ريتشارد بروك رئيس الهيئة الى التحرك.
لذلك طلب من مالكولم بوين وكان مسؤولا بارزا سابقا في الهيئة كتابة
تقرير حول تغطية البي بي سي لاخبار الشرق الاوسط خلال السنوات الاربع
الماضية. وقررت المحكمة العليا ان القناة غير مضطرة لنشر التقرير
والذي قال مناصرو اسرائيل وفي ابريل من عام 2009 حقق اللوبي الاسرائيلي
نجاحاً ملحوظا ضد البي بي سي عندما وجهت ادارة المحطة انتقادا لمراسلها
في الشرق الاوسط جيريمي باوين لعدم التزامه بمعايير الدقة في تقاريره
التي يرسلها من المنطقة. وطالب بعض المنتقدين بطرد باوين من العمل
وان ما حدث يثبت بالدليل القاطع انحياز المحطة ضد اسرائيل. الا ان
التقرير الذي كتبته ادارة المحطة حول الواقعة يثبت بالدليل الجازم
وحسب قول اوبورن جبن الادارة في مواجهة اللوبي الاسرائيلي. بدأت
الواقعة عندما كتبت باوين مقالة بمناسبة مرور اربعين سنة على حرب
1967 بين العرب واسرائيل ونشرت على موقع البي بي سي في الانترنت،
الا ان المقالة لم تعجب جوناثان تيرنر من الاتحاد الصهيوني وجلعاد
ايني من منظمة كاميرا التي سبق الاشارة اليها. وقال الرجلان ان المقالة
متحيزة في (24) فقرة من فقراتها وقالا ايضا ان باوين كان منحازاً
ايضا في اربع فقرات من تغطية له لمستعمرة هارهو ما الاستيطانية المثيرة
للجدل. الا ان شكوى الرجلين رفضت من قبل قسم الشكاوى في البي بي
سي لذلك لجأ تيرنر وايني الى هيئة ادارة المحطة. وعقدت الهيئة اجتماعاً
برئاسة ديفيد ليديميت (الذي قال عنه جوناثان ديمبلي انه لا يملك
خبرة لحساسيات اخبار الشرق الاوسط) وقالت هيئة الادارة في تقريرها:
ان باوين خرق قواعد الدقة والحيادية. وكان ذلك انتصاراً للولبي الاسرائيلي
فطالب الاتحاد الصهيوني بطرد باوين من العمل لأن تقاريره وتغطيته
لاخبار الشرق الاوسط زادت من معاداة السامية داخل بريطانيا. واستغلت
كاميرا الموقف لتطالب البي بي سي باتخاذ الاجراءات المناسبة لتغير
مسار المحطة المنحاز ضد اسرائيل. يقول ديمبلي: ان هذه الواقعة اثرت
كثيرا على مصداقية البي بي سي. وأعلن الصحفيون في البي بي سي عن
خيبة أملهم من قرار الادارة حيث قال تشارلز بيكيث وهو محرر سابق
في قسم الاخبار لقد تعرضت البي بي سي الى ضغوط كبيرة وأرادت ان تظهر
لقسمنا حجم ذلك الضغط. الا ان الغريب في الامر أن باوين نفسه نشر
في الحادي والثلاثين من مايو 2007 مقالة بعنوان (ارث اسرائيل المدمر)
(أي قبل اسبوع من نشر مقالته في موقع البي بي سي) في الجويش كرونيكل
وشملت على الفقرات ذاتها المثيرة للجدل.
اعتادت البي بي سي على نشر اعلانات الاغاثة حتى تلك التي قد تثير
حساسية سياسية، مثلا في عام 1982 في غزو اسرائيل للبنان، وساهمت
في جمع ملايين الدولارات لمساعدة المناطق المنكوبة. الا انه في يناير
2009 رفض مارك تومبسون المدير العام للبي بي سي نشر الاعلان الخاص
باغاثة غزة مدعيا ان ذلك يضر بحيادية المحطة. وكان للقرار تأثيرات
سيئة، فالجهات الخيرية التي تبنت الاعلان قالت انها لم تجمع سوى
سبعة ملايين ونصف المليون جنيه استرليني من التبرعات (وهو نصف المبلغ
المتوقع). كما ان قرار تومبسون القى بظلال قاتمة حول قدرة الجهات
الخيرية في ايصال مساعداتها الى المحتاجين. وقال تشارلز بيكيت: ان
رفض البي بي سي يعود الى الخوف من اللوبي الاسرائيلي، ومنها البيكوم
الذي تأسس في عام 2001 ويعتبر اقوى جماعات الضغط الاسرائيلي في بريطانيا،
وهو يشابه في تأثيره تأثير الايباك في الولايات المتحدة ويقوده الملياردير
الفنلندي بويو زابلوفيدتش، تاجر السلاح السابق، وقدم هذا الرجل تبرعات
كثيرة خلال السنوات الثلاث الماضية تجاوزت المليوني جنيه استرليني.
وارسل هذه السنة ثلاثين ممثلا من البيكوم لحضور مؤتمر الايباك في
الولايات المتحدة مما يدلل على طموحات البيكوم الكبيرة. الا ان هذا
الرجل غير معروف تماماً سواء لدى السياسيين او الجالية اليهودية
بسبب ميله للعزلة، على النقيض من زوجته التي لها علاقات كثيرة مع
المشاهير وتهتم بجمع القطع الفنية وكون والد زابلو فيدتش (شلومو)
ثروته من شركته لانتاج السلاح (شلوموسيستمز) التي زودت الجيش الاسرائيلي
بالمدفعية خلال هجوم غزة الا ان الابن نقل ثروته من السلاح الى العقارات
وهو يملك اليوم اربعين بالمائة من مدينة لاس فيجاس. الا ان الشيء
المهم هو ان زابلوفيدتش يملك عقارات في المستعمرات الاستيطانية الاسرائيلية
في الضفة الغربية. ويملك اسهماً ايضا في مركز تجاري في معالية ادوميم
وهي مستعمرة استيطانية حيوية في ضمان بقاء القدس بأيدي اسرائيل،
ولهذا اطلق ناتنياهو حملته الانتخابية في عام 2005 من تلك المستعمرة
ويومها قال ان انطلاق حملتي من هذا المكان ذو مغزى كبير لأن القدس
في خطر. ويقول زابلوفيدتش ان اسرائيل تتعرض لحيف كبير بسبب الدعاية
الفلسطينية التي يصدقها الليبراليون الاوروبيون بسهولة وهو يأمل
في انشاء لوبي على غرار الايباك، الا ان الآخرين على ما يبدو لا
يريدون ذلك. ومع ذلك فأن دوره في مجموعة اصدقاء اسرائيل المحافظين
كبير جدا بسبب تبرعاته العالية. كما ان له علاقات جيدة مع ديفيد
كاميرون والذي يتوقع الجميع ان يصبح رئيس وزراء بريطانيا القادم.
في سبتمبر 2005 وبينما كان كاميرون يشرف على الحملة الانتخابية لحزبه
التقى بزابلو فيدتش وقد اعجب الاخير بأفكار كاميرون وتبرع لحملة
المحافظين الانتخابية بمبلغ 000ر15 جنيه استرليني ولضمان عدم مخالفة
القوانين البريطانية بالانتخابات، ارسل زابلوفيدتش المبلغ بواسطة
احدى شركاته البريطانية (تاماريس للاستثمارات العقارية).
وبالرغم من ان البيكوم والسي اف أي لا يفكران بالاندماج الا ان التنسيق
بينها متقدم جدا. ان العديد من قيادات البيكوم تلعب ادواراً مهمة
في السي اف أي على سبيل المثال تريفو ربيرز ومايكل لويس وزابلو فيدتش
يقدمون دعما متواصلاً للطرفين. كما ان كاميرون استلم عشرين الف جنيه
استرليني من تريفور بيرز في حملته للفوز برئاسة حزب المحافظين. ويؤدي
البيكوم دوراً شبيهاً لدور جماعات الضغط البرلمانية، مع الاعلام
والاعلاميين، مثلا تنظيم زيارات مجانية لهم الى اسرائيل وتنظيم لقاءات
لهم مع كبار المسؤولين في اسرائيل وبريطانيا. كما ان البيكوم يوفر
للصحفيين ايجازات صحيفة يومية مع اقتراحات للقاءات الودية. وفي بعض
المناسبات، مثلاً العدوان الصهيوني على غزة، يدخل البيكوم واعضاؤه
في حالة الانذار. في الايام الاولى من انشائه تعرض البيكوم الى انتقادات
واسعة من اليهود في بريطانيا لمحدودية نشاطه، وفي نفس العام حلت
لورنا فيتزمونز وهي نائبة عمالية سابقة وغير يهودية محل دانيال شيك
الدبلوماسي الاسرائيلي واستطاعت لورنا وبمعونة فريق من المحترفين
وعلاقاتها الواسعة مع الحكومة الحالية في رسم سياسة جديدة لنصرة
اسرائيل تستند على القيم المشتركة والتهديد الذي تتعرض اليه اسرائيل
من جيرانها بديلاً عن سياسة الاتهامات بمعاداة السامية او الصهيونية.
هنالك سؤال مهم هو هل على الصحفيين قبول الرحلات المجانية من منظمة
تمثل جانبا في الصراع القائم في الشرق الاوسط؟ وهل عليهم اذا قاموا
بذلك ان يشيروا الى هذا الامر في المقالات التي تكتب بعد الرحلة
يبدو ان عددا قليلا فقط من بين عشرات الصحفيين الذي يزورون اسرائيل
على نفقة البيكوم يشيرون الى الاخير في مقالاتهم مما يعطي الانطباع
ان الزيارات تتم بنفس محايدة لغرض الكشف عن الحقائق، بينما في الواقع
هي رحلات منظمة بشكل جيد. بعد شهرين من انتهاء العدوان الاسرائيلي
على غزة نظم البيكوم رحلة لمجموعة من الصحفيين الى تل ابيب للقاء
مع بعض المحللين العسكريين الاسرائيليين. وكان البيكوم يريد من وراء
الرحلة ان يركز الصحفيون على الخطر الايراني. كتبت الصانداي تايمز
عن وجهات نظر القادة العسكريين في اسرائيل. في حين كتبت نيوز إف
ذي ورلد عن طموحات ايران النووية. وكتب مراسل الميرور مقالين حول
لقاءاته مع الاسرائيليين. ولم تشر الى الجهة الممولة للرحلة سوى
الصانداي تايمز. يقول زابلو فيدتش ان البيكوم منظمة غير ربحية بريطانية
توفر المعلومات والانشطة الرامية لتوضيح الملابسات التي بالقضايا
التي تواجه اسرائيل والشرق الاوسط، مع الترويج لسياسة تؤيد حل الدولتين.
هنالك عدد كبير من الصحفيين والسياسيين واساتذة الجامعات والمحللين
لهم علاقات جيدة مع البيكوم.
وعندما ندرس العلاقات البريطانية الاسرائيلية نلاحظ وجود انطباع
بعد عام 1997 بين كبار مسؤولي الحكومة البريطانية ان مصلحة البلدين
متطابقة. على سبيل المثال لم تطلب حكومة بلير من اسرائيل ايقاف عدوانها
على لبنان في صيف 2006. الا ان فكرة تطابق السياسة الخارجية للبلدين
حديثة. فبينما لعبت بريطانيا دورا مهما في انشاء دولة اسرائيل، الا
ان بريطانيا لم تخش ولفترة طويلة بعد الحرب العالمية الثانية من
توجيه النقد لاسرائيل. على سبيل المثال طالب وزير الخارجية البريطاني
السيراليك دوجلاس هيوم (من حكومة المحافظين) في اكتوبر 1970 بتطبيق
قرار مجلس الامن 242 وانسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلتها بعد
حرب 1967. الا ان تاتشر كانت مؤيدة قوية لاسرائيل وكانت عضوة في
اتحاد الصداقة البريطانية الاسرائيلية وعضو مؤسس لاصدقاء اسرائيل
في حزب المحافظين. زارت تاتشر اسرائيل مرتين قبل ان تدخل البرلمان
وهي اول رئيس وزراء بريطاني يزور اسرائيل في عام 1986، الا ان تاتشر
كانت تنتقد اسرائيل بين الحين والحين، ولو على استحياء، كما فعلت
بعدما ضربت اسرائيل مفاعل تموز العراقي في عام 1981.
واليوم اختفى العديد من الكلمات من قاموس السياسيين، حتى تلك البسيطة
(مثل تلك التي قالها وليم هيغ في 2006 حول استخدام اسرائيل للقوة
المفرطة) بعد عدوان 1982 على لبنان انضمت تاتشر مع بقية الدول الاوروبية
في فرض حظر على الاسلحة لاسرائيل والذي استمر حتى عام 1994. ويمكن
مقارنة هذه المواقف مع موقف بريطانيا من عدوان اسرائيل على لبنان
في 2006. وزادت وتيرة صادرات الاسلحة البريطانية لاسرائيل بعد ذلك.
لقد شكل وصول بلير الى سدة الحكم في عام 1997 نقطة تحول في العلاقات
البريطانية الاسرائيلية. واقترب بلير في سياساته من السياسات الاميركية
والاخيرة مؤيدة لاسرائيل. ويمكن التغير على حق النقض (الفيتو) الذي
تملكه الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن ومنها بريطانيا. استخدمت
الولايات المتحدة الفيتو في مجلس الأمن اربعين مرة منذ عام 1972
في قرارات تتعلق باسرائيل. تناولت القرارات قضايا المستعمرات الاستيطانية
ومدينة القدس والعمليات العسكرية الاسرائيلية. وبالنسبة لاسرائيل
وفلسطين انقسمت الدول دائمة العضوية الى فريقين الاول يمثل الولايات
المتحدة التي ايدت في سياستها اسرائيل دائما على عكس بقية الدول.
بين عام 1972 وعام 1997 صوّبت بريطانيا وفرنسا مثلما صوبت الصين
والاتحاد السوفييتي (روسيا) وضد الولايات المتحدة في 80% من القرارات
الخاصة بالشرق الأوسط. لقد غيرت حكومة العمال السياسة البريطانية
تجاه اسرائيل فمنذ 2003 واصلت فرنسا تصويتها في مجلس الأمن بأسلوب
يشابه روسيا والصين، الا ان بريطانيا امتنعت عن التصويت في جميع
قرارات مجلس الأمن الخاصة بالشرق الاوسط التي استخدمت الولايات المتحدة
الفيتو ضدها.
* تزايد أهمية اللوبي الاسرائيلي:
قال السير ريتشارد دالتون وهو سفير سابق لبريطانيا في طهران وقنصل
سابق في القدس: عندما كنت دبلوماسيا شاباً في السبعينيات كانت بريطانيا
تنطلق في سياساتها من مصلحتها الخاصة والآن الاحظ التحول في هذه
السياسة نتيجة لتأثير اللوبي الاسرائيلي. واضاف ان المؤلم في الامر
ان زملائي وانا لسنا من انصار أي طرف وما يهمنا هو مصلحة بريطانيا.
الا ان اللوبي الاسرائيلي نجح في تضييق الخيارات امام السياسيين
البريطانيين بحيث لا يبقى امامهم سوى الخيارات التي تصب في مصلحة
اللوبي. واضاف دالتون ان السياسيين بدأوا يخافون من الاعلان عن ارائهم
وهذا يعني ان اسرائيل لن تتعرض الى الانتقادات العلنية والدليل ما
حدث بعد العدوان الاسرائيلي على لبنان في عام 2006 حيث قرر اللوبي
الاسرائيلي مقاطعة أي سياسي ينتقد العدوان. وقال دالتون ان عمله
في القنصلية البريطانية في القدس في نهاية التسعينيات كان محدداً
باملاءات اللوبي الاسرائيلي في بريطانيا ويمكن ملاحظة تأثير اللوبي
الاسرائيلي في مواقع متعددة مثلا التأثير على اعضاء البرلمان والتبرعات
السياسية وتوفير المعلومات مع دفاع جيد عن اسرائيل. ويتمتع اللوبي
بعلاقات ممتازة مع القيادات السياسية في بريطانيا وهو لا يتردد في
استغلال تلك العلاقات وتلك الشخصيات وفي الاوقات المناسبة، مثلا
العدوان الاخير على لبنان وتقرير جولدستون حول جرائم الجيش الاسرائيلي
في غزة. علاوة على هذه التأثيرات هنالك وجود اوسع للوبي الاسرائيلي.
ان اصدقاء اسرائيل من الحزبين في البرلمان قد رسخت اقدامها في السياسة
البريطانية. ان وجودهما في مؤتمرات الحزبين اصبح من المسلمات ، كما
ان ولاءهما اصبح جزءا لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية في وستمنستر،
وتلعب تبرعاتهما دوراً بارزاً في تمويل الاحزاب ومرشحيهم, ويخشى
السياسيون اليوم انتقاد السياسة الخارجية لاسرائيل خوفاً من تعرضهم
لضغوط كبيرة في بريطانيا. كما ان الرأي العام يخضع الى مراقبة شديدة
عند الحديث عن اسرائيل وهذه المراقبة تأخذ شكلين الهجوم المباشر
على يد الاعلام الموالي لاسرائيل (كما حدث مع الجارديان والبي بي
سي) والثاني هو اغراء الصحفيين او ابتزازهم. البعض يعتقد أن وجود
اللوبي الاسرائيلي امر اعتيادي وان بريطانيا فيها جماعات ضغط متعددة
وبعضها ينشط بشكل بارز في البرلمان، الا ان بعض المحللين يعتقدون
ما يعيب على اللولبي الاسرائيلي هو عدم الشفافية، خاصة مسألة التبرعات
السياسية والرحلات المجانية التي تنظم للسياسيين ورجال الاعلام.
ان التركيبة المالية للسي اف أي غامضة جداً، فهو لا يعلن عن موازنته
وهوية المتبرعين وارباحه السنوية. كما ان السي إف أي مسجل في بريطانيا
كجمعية ذات مسؤولية محدودة، بالرغم من انه يضم في عضويته العديد
من نواب البرلمان واعضاء في حزب المحافظين. هذه الصفة مكنته من قبول
التبرعات حتى من الاجانب وهو ايضا غير ملزم بالكشف عن هوية هؤلاء
المتبرعين، وهو بذلك لا يخالف قانون الانتخابات البريطاني الذي لا
يسمح بتمويل الاحزاب السياسية او اعضاء البرلمان من اطراف خارجية.
ولكن لماذا الحديث الآن عن اللوبي الاسرائيلي، أولا في الولايات
المتحدة، ثم في بريطانيا. هل الهدف فعلاً هو للتخدير من الضرر الذي
يسببه هذا اللوبي للاميركيين والبريطانيين، ام ان الهدف هو لاظهار
قوة هذا اللوبي وتمكنه وبالتالي على كل اميركي او بريطاني ان ينشغل
بنفسه لأنه في جميع الاحوال لن يقوى على شيء. وهل ترانا سنسمع احاديث
اخرى عن (لوبيات) اسرائيلية في دول اخرى، مثلا فرنسا والمانيا وربما
روسيا والصين وبلدان اخرى قريبة جدا. كما ان الحديث عن اللوبي السياسي
لا يعني ان الحقول الثانية بمنأى عن التأثير الاسرائيلي. يعرف المهتمون
بشكسبير والادب الشكسبيري ان شايلوك كان والى فترة قريبة هو شخصية
اليهودي البخيل ومصاص الدماء، الا انه وبقدرة قادر اصبح بطلا قومياً
ضحى بنفسه وماله من اجل قومه في مواجهة نظام مدينة البندقية الايطالية
غير الديمقراطي والمعادي للسامية. هذا بعض من تأثير اللوبي الاسرائيلي
في الادب ويعرف المهتمون بشعر التروبادور الاسباني وكذلك برواية
البيكارو الاسبانية، ان ادب العرب في الاندلس (الموشحات وحكايات
الشطار والعيارين) كان مصدراً مقبولاً لتلك الاشكال الادبية الا
انه من جديد وبقدرة قادر جاء المصدر من مكان بعيد، من الادب العبري
في شرق البحر الابيض المتوسط (للمزيد من التفاصيل يرجى مراجعة كتابه
النفخ في الرماد للدكتور عبدالواحد لؤلؤة).
متى سيكون للعرب لوبيهم الذي يقدم قضاياهم ويدافع عنها، والعرب ينفقون
في لندن سنويا عدة مليارات وهم يتسكعون في الصيف في شوارع لندن بين
اسواقها ومطاعمها وحاناتها. لدينا من (الفلوس) الكثير نستطيع ان
نشتري بها ما نريد، لكن هل توجد النوايا؟
محمد نجيب السعد*
* باحث ومترجم عراقي
أعلى
|
|
|
الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|