|
فتاوى وأحكام
*هل يجوز للطالبة أن تكتب قرآناً إذا كان ذلك لأجل الامتحانات وهي
في حالة الحيض؟
**لا تكتب قرآناً كما أنها لا تقرأه، ويجب اتخاذ احتياطات لامتحانات
الطالبات في مادة القرآن في غير أيام الحيض. والله أعلم.
*هل يجوز لي أن أعلم أختي الصلاة وأنا في حالة
الدورة الشهرية ؟
**نعم إلا قراءة القرآن فإن المرأة عندما تكون
في حالة الدورة الشهرية لا تقرأ القرآن ولكن ترشدها إلى ما تقرأه وتعلمها
بقية ألفاظ الصلاة، ولا حرج في ذلك والله أعلم .
*هل يجوز للمرأة أن تقرأ القرآن عن ظهر قلب في أيام حيضها دون أن تمسك
المصحف وإن كانت قد شاركت في مسابقة تحفيظ القرآن فهل يجوز لها في
موعد المسابقة أن تذهب لتسميع ما حفظت مع العلم أنها حائض ؟
**في حالة الحيض لا تجوز قراءة القرآن سوى من خلال النظر في المصحف
أو القراءة على ظهر قلب فان ذلك كله مما ينافي قدسية القرآن إذ الحائض
والنفساء والجنب لا يجوز لهم أن يقرأوا القرآن كما جاء ذلك في الحديث
عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم .
*هل يجوز للمرأة الحائض أن تقرأ الأحاديث وبعض الأدعية التي تكون من
القرآن الكريم ؟
**ليس لها أن تتم آية من القرآن وأما قراءة الأحاديث فلا حرج فيها
، وأما أن تقرأ آية كاملة من آيات الله تعالى فلا ،والله تعالى أعلم
.
*هل يصح للحائض أن تقرأ القرآن الكريم عن ظهر قلب ؟
**منعت الحائض من قراءة القرآن إن كانت تنطق به ، أما أن تكيفه في
قلبها فغير ممنوع ، أي لا يمنع تكييف القرآن بالقلب وإنما يمنع النطق
به كما يمنع مس المصحف بالنسبة إليها .
*أنا طالبة في إحدى مدارس القرآن الكريم وفي
الفترة القادمة فترة امتحان لتسميع الأجزاء تحرير وشفهي ، في حالة
من يتعذر عليها قراءة القرآن بسبب عذر شرعي فهل لها أن تقدم على الامتحان
الشفهي ؟
**في الامتحان الشفهي ألا تقرأ القرآن ؟ فإذا كانت تقرأ القرآن وهي
ممنوعة من قراءة القرآن فكيف تقرأه إذاً ، هي ممنوعة من قراءة القرآن،
والامتحان الشفوي هو قراءة لكتاب الله .
* إذا تيمم الجنب للصلاة فهل يجوز له قراءة القرآن ولمس المصحف الشريف؟
** اختلف في التيمم هل هو رافع للحدث أو مبيح للصلاة فقط، والراجح
الثاني والأولى أن ينوي بتيممه استباحة الصلاة وقراءة القرآن ولمس
المصحف، والله أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
من دقائق العربية
الحركة ودورها في التفسير
اللغة العربية لغة حساسة،راقية ، إذا تغيرت الحركة فيها تغير المعنى
كله
* من خصائص ( العربية ) التعبير بالكلمة الواحدة عن معان ودلالات متعددة
في عدة سياقات
* للحركة علاقة مهمة بإضاءة جوانب التركيب وتزويد التفسير بجليل المعاني
وسامي المفاهيم
* المسلم الناضج الحصيف الذي يدرك مهمته لا يسكت إذا وجد مدخلا لهداية
الناس إلى الطريق الأقوم
لا يفتأ القرآن الكريم يُعْطِي ويُثْرِى، فلا
يشبع منه العلماء، وإنما يََعُبَّون منه، ويَنْهَلُون، وفى كل يوم
عن جديد فيه يكشفون، ويتيهون بأنهم إليه ينتسبون.
لغة حساسة
ومن هنا فإن اللغة العربية لغة حساسة،ولغة راقية ، إذا تغيرت الحركة
فيها تغير المعنى كله، وقد تأتي الكلمة نفسها دون تغيير، ولكن السياق
يبرز تغير المعنى، وتباين الدلالة ، فعلى سبيل المثال كلمة(مُحْتَلّ)،تكون
مرة اسم فاعل يفعل الفعل،وتارة اسم مفعول يقع عليه الفعل،انظر إلى
هاتين الكلمتين (المحتل) في هذه العبارة:(هذا هو البلد المحتلُّ الظالم
لهذا البلد المحتَلِّ المظلوم)، نحن لم نغير في أية حركة لكلمة (المحتلّ)
ومع ذلك فالأولى اسم فاعل والثانية اسم مفعول، وكذلك كلمة (مختار)
،يمكن أن تشغل خمسة معان، وهي بذلك الضبط دون تغييرفي شيء منها ،فلو
قلنا:أنا المختار لك لتكون ضمن فريق العمل معي ، فأنا عندئذ الذي اخترتك،ف(مختار)هنا
اسم فاعل،فأنت المختار عندئذ لدينا،فال(مختار) عندئذ اسم مفعول وقع
عليه الاختيار،كما نقول:صلِّ على النبي المختار(صلى الله عليه وسلم)؛
لأن الله ـ سبحانه ـ قد اختاره، فهو مختار،ف(مختار) هنا اسم مفعول،
أما إذا قلنا:( هنا مختار الطلاب للدخول في الكلية) فقد أصبحت الكلمة
اسم مكان،أي هنا مكان اختيار الطلاب الذين نمتحنهم ليدرسوا في الكلية،أما
إذا قلنا :(مختار الطلاب بعد صلاة الظهر)،فقد تحول الاسم من اسم المكان
إلى اسم الزمان ،أي زمان اختيارهم في هذا الوقت،لكن إذا قلنا :(لقدِ
اختارَتْكَ الكلية مختارا دقيقا،فقد تحولت الكلمة إلى مصدر ميمي ،وهو
المصدر المبدوء بميم زائدة،أي اختارتك اختيارا دقيقا، فكلمة واحدة
وبضبط واحد تحولت في عدة تراكيب إلى عدة معان،(اسم فاعل واسم مفعول
واسم زمان واسم مكان ومصدر ميمي )،وهو من دقائق العربية ، وخصائصها
ومنحى من مناحي رقيها وتحضرها، أن تعبر بالكلمة الواحدة في عدة سياقات
لغوية كثيرة عن معان ودلالات متعددة ،بل أكثر من ذلك،فقد نستعمل الكلمة
في معان متعددة باستعمال النبر والتنغيم لا ننظر إلى الضبط ،فمثلا
كلمة( ولد)،يمكن عن طريق نطقها بنبر عالٍ أو نبر منخفض هادئ أن يتغير
المعنى ،فلو قلنا مثلا :(ياولد)،فنحن ننادي على الولد بدليل أنه يقول
:نعم ياأبي،أو يأتي بسرعة يتساءل عن مضمون النداء لينفذه، ولكن لو
قلنا بنبر هادئ في سياق الاستحسان ـ ونحن نشاهد مباراة رياضية وأعجبنا
من أحد لعبةـ:( ياولد ياولد يا ولد)، فهو أسلوب تعجب واستحسان لا نداء
بدليل أنه لا يأتي، بل لا يسمع كلامنا أصلا ،أما إذا خرجت الكلمة بنبر
عال صاخب، وتقطيب جبين، وعبوس وجه، وتقريب الحاجبين، وانتفاخ الأوداج
(ياولد) ـ فهو أسلوب إنكار وعتاب، وتأنيب وسخط ، وطلب للكف من المتكلم
للمخاطب عن فعل لا يريده،فهو يزجره وينهاه بذلك اللفظ ،وهذا كذلك من
دلائل تسامي اللغة، وامتلاكها لطرائق تعبير كثيرة، وهنا نلتمس وجها
آخر من وجوه العربية، وهو الفارق اللفظي الكبير في الحركة وما يفعله
من كشف للنص، وتفسير له،وطرح للمراد منه،وشرح لجوانبه، وهو الفارق
بين (يَمْسِك)و(يُمَسِّك) الأولى بفتح الياء وكسر السين مخففة، والثانية
بضم الياء، وتضعيف السين ، وهوفارق كبير للغاية،فإذا قلنا:مَسَك فلان
فلان بكذا فمعناه أنه أخذه بنفسه،وتعلق واعتصم ، وأما قولنا:مَسَكَ
فلانٌ الثوبَ (عديناه إلى المفعول) ـ فمعناه طيَّبَه بالمِسْك،أي وضع
عليه رائحة ذكية فواحة،، وأما قولنا (مَسَّك) بتضعيف السين فمعناه
جعل الآخرين يقتدرون على الإمساك،بعد أن لم يكونوا يقدرون، فمسَّكْت
الولدَ بفؤاد المعنى أي أوضحته له فصار يفهمه بعد أن لم يكن في وُسْعِهِ
فهمُه،فصار بتمسيكي إياه يمسكه،وهو معنًى راقٍ؛ ولذلك إذا انطلقنا
من هذا الفهم السامي إلى القرآن لنرى ما فعلته الحركة (الفتحة والشدة)
في التفسير وإضاءة الفهم وكشف مدلول الكلام ـ فنجد قول الله ـ جل جلاله
ـ:" والذين يُمَسِّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر
المصلحين" سورة الأعراف 170، وهنا نقف لنتأمل هذا المعنى القرآني
الكريم حيث إن المسلم ليس أنانيا ولا مغلِقا دارَه ، ومُسْدِلا ستارَه
على نفسه ،بل لا بد له من دور اجتماعي كبير، ومسؤولية فردية شخصية
بين يدي الله ـ تعالى ـ،فلا يقبل منه ـ وهو المتبع لرسول الله ـ صلى
الله عليه وسلم ـ أن يكتفي بالعبادة، وينعم بها من غير أن يورثها غيره،
ولا يقبل منه أن يرى منكرا دون أن يكون له يدٌ في تغييره وتقويمه ،ولا
يقبل منه صمت في مكان يتحتم فيه الكلام، ويتوجب فيه الإنكار،فإذا رأى
ظلما دفعه عن المظلوم،وإذا رأى موقفا لله فيه كلمة قالها بأدب، ولم
يصمت، فالساكت عن الحق شيطان أخرس؛ ولذلك لا بُدَّ له من عمل، ووظيفة،
ورسالة، فلا يكتفي بأن يمسك الكتاب وينعم بفهمه وحده، بعد أن عَرَّفَه
الله جلال الطاعة، وسمو الوصل، ورِقَّة العبادة، وتذوقها، وأحَبَّها
،فهو يسعى لتعليمها الناس، وتبصيرهم بها وبمتطلباتها،فهو يمَسِّك غيره
،والفعل (مسَّك) بتشديد السين، متعدٍّ إلى مفعول، ولكن القرآن حذفه؛
وذلك لتذهب النفس في تصوره كل مذهب،فالمسلم الناضج الواعي الحصيف الذي
يدرك مهمته، ويحسن فَهْمَ رسالتِه لا يسكت إذا وجد مدخلا لهداية الناس
إلى الطريق ،وتبصيرهم بسلامة السبيل، كبارا وصغارا، شبابا وشيبا ،رجالا
ونساء، مقيمين ووافدين، بيضا وسودا،عربا أم غير عرب، مثقفين وغير مثقفين،
ما داموا يجهلون القضية والفهم، ولا يلمون بفحوى الخطاب ، فهو لا يفتأ
يتكلم، ويبيِّن، ويشرح، ويوضح، وأجره على الله، لا ينتظر مدحا، ولا
يهاب قدحا ،ولا ينتظر من أحد من الخلق جزاء، وإنما يلتمس منهم دعاء،ومن
ربِّه قربا وصفاء ، ويذوب بين يدي ربه حياءً وبكاءً ، ويطلب إليه ـ
سبحانهـ قبولا واصطفاء،فهو مشغول بدعوته، مهموم ببني جِلدته ،(يُمَسِّكُ
بالكتاب) فالحذف للمفعول أدخل كل شيء في الحياة،فهو من صميم عمل الداعية،
وذكر المفعول لا يؤدي أداءه،وهو محذوف؛لأنه أطلق العمل، وفتح السبل
للداعية أن يعدل كلَّ معوج، ويقوِّم كل مائل،ولا يخاف في الله لومة
لائم،ففي الحديث الشريف : (لا يمنعن أحدَكم هيبةُ الناس أن يقول بحق
إذا علمه)،فأمْرُ الدعوةِ في باله، لا ينساه، وإن نسي نصيبه وحظه من
لُقْمَةٍ يتبلَّغ بها، أو مالٍ له يحصِّله، أو حظٍّ له يتركه، والعجيب
أن الآية قالت: (يمسِّكون بالكتاب) ولم تقل:( يمسكون الكتاب) ، وكأنَّ
الممسك قد أمسى عاشقا للقرآن، ولهانَ به، يعيش له ،رابطا مصيره به،ذائدا
عنه ، ناشرا إياه، متحملا لكل ابتلاء في سبيل إفهامه للخلق، وبيانه
للناس، فهو دائم الحمل له، مستمر الحديث عنه، كأنه يرفعه في كل موطن،
ويبرزه في كل موقف، يلهج لسانه به، وبقيمه وضوابطه، وتعاليمه وقوانينه،
ونواميسه؛ ذلك لأنه يعيش له، ويسعى لبيانه، ويحيا لتبيانه، فلشدَّة
حرصه، وحدبه على الناس، ومحبته لهم ـ يحمله دوما: نطقا، وعملا، وفهما،
وتطبيقا،وسلوكا، ومعاملة، وأخلاقا، وشرحا ،فهو بحق لا يستريح حتى يرى
الناس كلَّ الناس قد دانوا لله بالولاء، ولرسوله بالحب والانتماء،
وللإسلام بالفضل والنعماء ، لا يرقأ له جفن، ولا يطمئن له قلب، ولا
يهدأ له بال ن ولا يقر له قرار حتى يرى الجميع يسجد لله صاحب الجلال
، الكبير المتعالي ، ويقتدون بسيد الخلق وصاحب المعالي والشيم وكريم
الخِلال،والذي اتصف بكل كمال ،ـ صلى الله عليه وسلمـ،لكن هؤلاء الممسِّكين
غيرَهم لا ينسون أنفسهم،فهم يأخذون الزاد لرب المعاد، ويوم التناد
،قالت الآية: (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة) فهم يدركون أن
تمسيك الناس بالكتاب يتطلب زادا واتصالا؛ ومن ثم فهم يُقيمون الصلاة
، عارفين أنها وقود العمل وسر استمراره،وإقامتها تعني الكثير، فهم
لا يصلون فقط ، لكنهم يقيمون الصلاة، فهي يالنسبة لهم إقامة معوج،
وتقويم مائل ،وإصلاح فاسد،وتعديل حياة، ومنهج وجود، لله الواحد المعبود،
ومن هنا فهم حريصون أشد ما يكون الحرص، عازمون أشد ما يكون العزم على
إقامتها بحقها، ومستحقها،فالهدف بالنسبة لهم معلوم، والوسيلة موجودة،
ومن ثم فالغاية موفورة، والمقصد واضح، وكما تقول الحكمة:"إذا
ما وضح الهدف سهل السبيل"، فهم أناس كرام على مولاهم، عزاز على
ربهم، بصَّرهم به، وهداهم إليه،وقرَّبهم منه،وحببهم فيه،وأخذ بأيديهم
إليه، فعملوا لجلاله، وشرفوا بالمهمة بين يديه، فهم يجدون في منتهى
الذلة له منتهى العزة لهم، وصادق البكاء له هو السبب في كل ارتقاء
منه ، والنحيب بين يديه مظنة التقريب، والدموع دليل الخشوع،وتمام الاعتراف
له بالمِنَّة سبب في دخول الجنة، والإنسانية الحقة في العبودية الحقة،وأدركوا
أن كمال الخلق في كمال السجود للحق،فاستحقوا فضلا منه أن ينعموا بقوله
في نهاية الآية: (إنا لا نضيع أجر المصلحين) فتكلم ـ سبحانه ـ بنون
العظمة التي تناسب قدرهم عنده، وحبه لهم ، وبأسلوب التوكيد (إنا )
الذي ير يح أفئدة أهل الدعوة، ويُبْكِي أعينهم شوقا إليه، وذوبا في
لقائه، وافتراش الجبهة بين يديه، وسكب العبرات الغوالي بانكسار قلب،
ودموع عين، وفرحة فؤاد، وسعادة نفس، إنه الله ـ جل في علاه ـ صاحب
الفضل في النفس والنفيس، والفتيل والقطمير، والشهيق والزفير،إنه تعالى
الله ـ لا يضيع أجرهم، ولا يبدد ثوابهم ، ولا يحرمهم جهدهم،ولا يمحق
أعمالهم ،وإنما يثمِّن جهدهم، ويعطيهم سؤلهم، ولا يترهم أعمالهم، إنه
تفضلا منه ـ وهو هاديهم ـ يقول:"إنا لا نضيع أجر المصلحين"،
فسماهم مصلحين رغم هدايته إياهم، وتبصيره لهم، وامتنانه عليهم، ومع
ذلك لم يضيع لهم الأعمال، ولكن حفظها لهم في المآل، يضاعف لهم الأجر،
ويزيدهم من فضله، فهو الحنان المنان، وهو واهب المنن العظام،فوصفهم
بالمصلحين لا الصالحين،فالصالح صالح في نفسه، أما المصلح فهو من أدرك
مهمته وأتقن رسالته فهو يقوم بها، لا يشغله عنها شاغل ،ولا يأخذه حظ
من الحياة، مشغول بالله ، ماش في هداه ،مقر بنُعماه،عامل ليوم يلقاه
، جل ربنا في علاه.
كشف المعنى وإيضاح الدلالة
تظهر الآيات الكريمات أن لها إسهاما ودورا كبيرا في إضاءة جوانب التركيب
،وتزويد التفسير بجليل المعاني وسامي المفاهيم، يقول الله تعالىـ:(
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمةُ الله هي العليا والله عزيز حكيم(
الملاحظ في هذه الآية أن الفعل "جعل" يتعدى إلى مفعولين
أصلهما المبتدأ والخبر، وهما هنا (كلمة الذين كفروا) والمفعول الثاني
: (السفلى)، بمعنى أنه ـ سبحانه ـ صيّرها وغيَّرها من "عليا"
في أنظار القوم إلى دنيا وسفلى، وهذا الجعل وذلك التغيير لا يمكن أن
يكون إلا من الله ـ عز في علاه ـ ، فمهما بَدَتْ صولة الباطل وعلا
صوته وارتفع ضجيجه، فقد قضت الحكمة الإلهية أن كلمة الله جل جلاله
ـ بأنه تعلو، ولا يعلى على كلمته، ولا يرتفع فوق صوت الحق صوت آخر
، والكلمة هنا بمعنى الصَّوْلَة ، والقدْر، والمكانة والحُكمْ، والصَِّيت
والسمعة، وهذا شأن عَقَدِىّ لابد من تغلغله في النفس، وتعمُّقه في
الفؤاد ، وتجذُّره في النفس؛ ولهذا فإنه يلزم على أهل الحق أَلاَّ
يضطربوا أمام الباطل مهما انتفش، ولا يقلقون منه مهما انتعش، فإنها
سحابة صيف عن قليل تُقْشَعُ، وضباب خفيف يزول بطلوع الشمس وإشراق النهار
، فالحق أبلج، ولكنَّ الباطل لجلج ، والباطل ساعة لكنَّ الحقَّ إلى
قيام الساعة، وكلمة "السفلى" هنا هي أفعل تفضيل مؤنث، ومذكَّرُهُ
الأسفل، فهي ليست سافلة فقط ، وإنما هي في مستنقع السُّفول الآسن،
وفي عمق التدني الراكد، فهي في سابع أرض، وإنْ بدا على السطح أنها
ظاهرة، وعليا في سابع سماء.
نقول: فلانه أصغر من أختها، لكن فلانه الأخرى هي الصُّغْرَى، أي لا
أصغر منها في جنس أخواتها؛ لأن أفعل التفضيل المعرف "بأل"
يعني أنه وصل القمة في الصفة التي سيق لها؛ ومن ثم فلا تأتي بعده (مِنْ)
التي تبين وجود مقابل مشترك معه في الصفة غير أن المفضّْل المتقدم
فاقه في تلك الصفة؛ فكلمة الذين كفروا لا أسفل منها ولا أدنى ، فهي
في الوحل قابعة، وفي الطين راتعة، بل متمكنة في تَسَفُّلها وتدنِّيها،
وهذا ما تحكيه معطيات الألفاظ في الآية، وكذلك هو ما يؤكده الواقع،
وهو خير دليل يراه المرء الراصد للظالمين والكافرين ومن لفَّ لفَّهُمْ،
وسار على ظلام دربهم.
لكنَّ العجيب في الآية ، أنها قالت بعد ذلك: "وكلمة الله هي العليا"
فلو أن الواو كانت عاطفة لكان اللفظ منصوبا ، (وكلمةَ)، لكن الواو
هنا لها توجيهان: الأول أنها استئنافية ابتدائية بعدها معنى جديد وإحساس
مخالف، ومنظومة متباينة عما قبلها ، والثاني: أنها لعطف الجمل حيث
تعطف جملة كاملة هي ( كلمة الله هي العليا) على جملة سابقة هي (كلمة
الذين كفروا السفلى)، ومن ثم فالضمة في (كلمةُ) تعنى أنها لم تتصل
بما قبلها لفظا، وإن كانت ترتبط الجملتان في المعنى الكلى التقابلي
الذي يكشف عن طبيعة الكلمتين وماهيتهما، فهذه الضمة التي تظهر أمامنا
على أنها حركة إنما هي منظومة عقدية قوية تتغلغل في فؤاد المؤمن، ويمتلئ
بها قَلْبُهُ الذي ينطوي على أن كلمة الله (وهى كلمة وقدرته وقوله
ودينه ومشيئته) هي عليا ابتداءً لا بجعل جاعل، ولا يمكن لها في أي
لُحَيْظَه في الحياة أن تنزل عن قَدْرها السامي، ويجب أن يُعْتَقَدَ
هذا، ولو بدا أنَّ الدَّين غيرُ محكَّم، أو أن شعائر الله غير قائمة،
لكنّ قلوب الناس تعشق الأوامر وتنفذها، وترى طاعة الله واجبة، وأن
كلمته نافذة، فالضمة قامت بدور كبير في تعميق قضية المشيئة الإلهية
والإحاطة الكاملة بالكون ومَنْ فيه، وتجد ذلك ـ إضافة إلى ما أحدثته
الضمة ـ حاصلا من وجود ضمير الفصل (هي) الذي لم يوجد في الجملة السابقة،
فكأنه تأكيد بعد تأكيد في أنها وحدها هى العليا لو تخلَّى عنها أهلها،
وتركوا نُصرتها، ولكنَّ ذلك ـ بفضل من الله ـ لا يكون فإنه لله عباداً
وقفوا أنفسهم وأنفاسهم لنصرة دينه، والذود عن حياض قرآنه وشرعه، فهم
يضيعون أرواحهم رخيصة على أكفهم حُبًّا لربهم، وإجلالاَ لشرعة ،وتقديسا
لدينه، لكنْ لو افْتُرِض جدلا تَخَليهم عن نصرة الكلمة فهى كلمة منصورة
ابتداء، وعزيزةٌ أصلا ، وشامخة طيلة هذه الحياة، واستعمال أفعل التفضيل
المعرف "بأل" يَشِي بذلك ويؤكده، فلا أعلى منها ولا أرقى
ولا أسمى ولا أشمخ، فهي "عليا" على مدى الحياة وفي كل مرحلة
فيها وصُقْع وركن دون أن يُعليها أحد، لكنْ يبقى أن أقول : إن الذي
يرتكن إليها ويعمل لها ـ هو الذي يرتفع ويسمو، وتعلو مكانته لأنه يأخذ
شيئا من أوصافها، قال ـ تعالى ـ: (وإنه لذكر لك ولقومك) ويقول ـ سبحانه
ـ :"ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم
مشكوراً"، فالعامل بها يرتفع، والمتنكب طريقها ينخفض، ولا تقوم
لها قائمة، قال ـ تعالى ـ: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى
وأضل سبيلا " وقال ـ جل جلاله ــ :( ومن أعرض عن ذكري فإن له
معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى..(الآية .
فالله أكبر، والحمد دوما لله الذي أورد في كتابه هذه الآية على تلك
الشاكلة مرفوعة غير معطوفة بالنصب على ما قبلها ، فالحركة اليسيرة
أعطتنا هذه القضايا الخطيرة، والمنظومة العقدية الكاملة.
،وصلى الله وسلم وبارك على نبيه ومصطفاه ومن على هديه سار، وأثره اقتفاه،
اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام وحبِّ القرآن، واتباع الرسول ـ عليه
الصلاة والسلام ـ ، وعلى تعليمك لنا لغة كتابك،اللهم زدنا منها غرفا
لنزداد منك قربا، وعلمنا منها ما جهلنا؛ لنرتقي منك باعا، ونقترب منك
كل يوم ذراعا، ونأتي إليك هرولة وسراعا،اللهم زِدْ لغةَ كتابك في قلوب
الناس مهابة،وحببها إليهم ، ويَسِّرْ تعليمها عليهم؛ ليعرفوا جلالك،
ويدركوا كمالك، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتُحَصَّلُ الخيراتُ،
وتُرْفع الدعوات، وتُنَزَّل النعم والفيوضات،وتقضى الحاجات
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة ـ كلية دارالعلوم
جمهورية مصرالعربية
أعلى
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الشيخ حمود بن حميد الصوافي
إن من الواجباتِ الدينيةِ التي أوجبَها اللهُ سبحانه وتعالى الأمرَ
بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ، فالمعروفُ اسمٌ جامعٌ لما يحبّه اللهُ
ويرضاه، والمنكرُ اسمٌ جامعٌ لما يكرهُه اللهُ سبحانه وتعالى وينهى
عنه، فيجبُ على كلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ قادرٍ علمَ بالمعروفِ فرآه
متروكاً أن يأمرَ به، أو علمَ بالمنكرِ فرآه مرتكباً أن ينهى عنه،
يقولُ عزَّ من قائلٍ:
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
وقد جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقرونا بالإيمان بالله عز
وجل في قوله سبحانه : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم صفات المؤمنين
كما أن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من أكبر صفات المنافقين يقول
عز من قائل: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ
أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ)، ويقول سبحانه: ( (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب النصر والتمكين في
الأرض يقول سبحانه: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ
حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ
وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ
إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا
الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ
وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) " والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر من أعظم أسباب النجاة من العذاب يقول عز من قائل: (فَلَمَّا
نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ
السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا
كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ
قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين)َ (166).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة شرعها الله سبحانه وتعالى
لمصلحة عبادة وعمارة أرضه فإذا تعطلت هذه الشعيرة تعطل أكبر عامل للإصلاح
وأكبر أداة للتهذيب والتقويم وإذا تعطلت هذه الشعيرة بين أفراد المجتمع
فسد المجتمع وحينئذ يأخذ الله العامة بجريمة الخاصة فيعذبهم جميعا
يقول عز من قائل: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا
مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تفسيرها: أمر الله المؤمنين
ألا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم العذاب. وقد ورد أن الله لا
يأخذ العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون
على أن ينكروه فلم ينكروا فحينئذ يعذب الله العامة والخاصة. عن النعمان
بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "مثل القائم في
حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها
وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا من الماء
مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من
فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا
ونجوا جميعا " وروي عن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي
بكر الصديق رضي الله عنه أنه قام خطيبا فقال: يا أيها الناس إنكم تقرأون
هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ
جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، (كَانُوا
لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)
.
وإنكم تضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه يوشك الله أن يعمهم بعقابه "
يشير الخليفة الراشد إلى ضرورة إنكار المنكر لئلا يتفاقم الأمر وينتشر
الإثم فيصعب التغلب عليه فيعم الفساد (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ
بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (المائدة:78) ، (وَالْعَصْرِ(1)
إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)
.
أن إنكار المنكر واجب على كل مسلم كل على قدر استطاعته فمن استطاع
تغيير المنكر بيده وجب عليه أن يغيره بيده ومن لم يستطع تغيير المنكر
بيده فعليه أن ينكر ذلك بلسانه ومن لم يستطع إنكار المنكر باللسان
فعليه أن ينكر ذلك بقلبه فإنكار القلب أمر ضروري لا يعذر منه أحد فهو
فرض عين على كل مسلم ومن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان
منه عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع
فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال:" ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته
حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم
خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو
مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء
ذلك من الإيمان حبة خردل " .
أعلى
العلاقة بين العقل والقلب والجسد
ـ إن القلب يتلقى الحق من العقل، ويدرك خطاب
الله لعباده، ويعقل رسالة الرسل، فيصل الحق والخير من جهة العقل وأوامره
ومعلوماته.
وإذا لم يكن الإنسان قد أعطى عقله حقه من التفكير والتعرف على الحقائق،
أو فعل أشياء تحول دون ثبات الحقائق في العقل؛ فإنه يتولد فيه أوهام
تحرك القلب وتوجد فيه رغبات باطلة وشهوات خسيسة، ويندفع من هذه الرغبة
إلى أعمالٍ باطلة أو شريرة.
أمثلة ذلك: الذي يشرب الخمر ويراها لذة، ويزني ويراه لذة، ويرتشي ويراها
مصلحة، ويقتل ويراها منفعة، وفي المقابل: الذي يصلي ويراه مصلحة رغم
أنه تعب، ويقوم الليل رغم أنه تعب وسهر، ويصوم ويراه منفعة، رغم أنه
جوع وعطش وضعف، ويتصدق بماله ويراه مصلحة رغم أنه يقلل ماله، فالأول
نظر إلى اللذة القريبة، ونسي الأسى والألم الذي يتلوها في الآخرة،
والثاني نظر إلى اللذة الكبيرة البعيدة الدائمة الأخروية، وتناسى الألم
القريب الخفيف.
صراع القلب بين الحق والوهم:
ـ وقد يكون في عقل الإنسان وقلبه جوانب من الحق والخير وجوانب من الباطل
والشر، فيقع صراع في القلب بين نداء العقل وما يحمله من حقائق، وبين
نداء الأوهام والباطل في القلب، ويدخل الشيطان ليزين هذه الأوهام ويقوي
خاطرها في النفس ويحببها ويدفع إليها أيضاً.
وبقدر ما يكون عند الإنسان نور من نور الفكر ونور القلب ونور العمل
بقدر ما يكون قوياً في دفع الباطل ورده، قال تعالى: ? يهدي الله لنوره
من يشاء ?، وقال: ? ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ? [النور:40]،
وبقدر ما يكون النور خافتاً أو الظلمة غالبة؛ بقدر ما يغلب الشيطان
وتسيطر الأوهام، ورفاقُ السوءِ يصرفون الإنسان أيضاً عن طريق النور
إلى الظلمة: ? اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ
الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ? [البقرة: 257].
وقد نبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى اختلاف القلوب وتفاوت حظها
من النور، ونبه إلى حالة الصراع التي تكون في بعض القلوب، فيكون فيها
مدد للخير ومدد للشر، قد يغلب هذا وقد يغلب هذا، فعن أبي سعيد الخدري
( قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " القلوب أربعةٌ؛
قلبٌ أجْرَدُ(1) فيه مثل السراج يزهرُ، وقلبٌ أغلفُ(2) مربوطٌ على
غلافه، وقلبٌ منكوسٌ(3)، وقلبٌ مُصَفَّحٌ(4)، فأما القلب الأجرد فقلب
المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلفُ فقلب الكافر، وأما القلب
المنكوس فقلب المنافق، عرفَ ثم أنكرَ، وأما القلب المصفح فقلب فيه
إيمان ونفاق، فمَثَل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدّها الماء الطيب،
ومثل النفاق فيه كمثل القُرحةِ يمدها القيح والدمُ، فأي المدتين غلبتْ
على الأخرى غلبتْ عليه "(5).
وأكثر حال قلوب المسلمين اليوم أنها قلوب مصفحة، عافاهم الله وأصلحهم،
فتجد الكثير منهم يتقلب بين طاعة وصفاء في ساعة، وبين معصية وشهوة
في ساعة، وقد تجد عند بعضهم ساعات الطاعة أكثر، وقد تجد عند بعضهم
ساعات الشهوة والمعصية أكثر.
وما دام في القلب صراع بين الخير والشر، والعفة والشهوة؛ فهو في حالة
تقلُّب، تجده في حال طيب ساعة، وفي حال دنيء ساعة أخرى، لذلك علمنا
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نطلب من الله أن يمنع تقلب القلب
إلى الشر، وأن يثبت لنا حالة القلب بما يتفق مع دين الله وشرعه ومرضاته،
فكان من دعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " اللهم يا مقلب القلوب
ثبت قلبي على دينك "(6).
علاقة القلب بالجسد، وانحراف القلب في غياب العقل والغفلة عن استعماله:
ـ جسد الإنسان هو آلة منفِّذَة، يندفع إلى الأعمال بدافع قلبي من رغبة
داخلية باطنية في القلب، والقلب يتلقى أوامره من جهة العقل، الذي هو
محلُّ إدراك الخطاب والتكليف.
لكن على الرغم من ذلك؛ فكثيراً ما تدخل الرغبة القلبية الباطلة نحو
الشهوة والمَفسدة والمعصية نتيجة فِعل الجسد، وذلك كأن يزني الإنسان
فيجد لذة في الزنا، فيحب الزنا ويرغب فيه، ويسرق فيجد لذة في كثرة
المال، فيرغب قلبه بالاستزادة من المال عبر السرقة، أو يشرب الخمر
وينتشي بغياب عقله فيرغب قلبه في شرب الخمر، فإذا تكونت الرغبة في
القلب ولم يكن قد استعمل عقله من قبل، ثم استعمله وعرف الحق، فوجد
بعقله أن هذه الأمور مفاسد، وقلبه يميل إليها ويرغب بها، فيحصل هنا
صراع بين ما يدعو إليه العقلُ، وبين ما يدعو إليه القلبُ الذي تحركت
فيه الشهوة والرغبة مع غياب العقل، فقد يبقى في صراع بين الطرفين حتى
يجزم ويعزم ويحدد اختياره بصدق، ويجاهد رغبته القلبية في سبيل اتباع
داعية العقل.
وبناء على هذه القاعدة فإن الرغبات القلبية ـ من حيث الواقع ـ ليست
دائماً تبدأ من العقل، وإن كان هذا هو الأصل، ولكنها قد تبدأ بسبب
الجسد وأعماله ومعاصيه مع الغفلة.
ـ والقلب عليه مدار الخير أو الشر في نفس الإنسان، قال ـ صلى الله
عليه وسلم ـ : " ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ
كلُّه، وإذا فسدتْ فسدَ الجسد كله، ألا وهي القلب "(7).
ومعظم صلاح القلب راجع إلى تحديد مرادك وهدفك من هذه الحياة، فإن كنت
تريد خيراً فالقلب صالح، يستجيب لنداء الخير والحق، وإن كنت تريد الفساد
والشهوة والشر فالقلب فاسد، يستجيب للشر.
وعندما يغلب الخير في القلب، ولا يبقى للشر جذور ولا دواعي، يزول الصراع
في القلب والنفس، فتطمئن وتركن إلى الله وإلى أحكام الله، فيكون الإنسان
قد تحقق بذلك في العبودية، وقال تعالى: ? يا أيتها النفس المطمئنة
ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ?، ومِن أعظم
ما يعين على الوصول إلى حالةِ الطمأنينةِ هذه ذكرُ الله، قال تعالى:
? ألا بذكر الله تطمئن القلوب ?.
آلية عمل القلب حتى يصل إلى الأعمال الصالحة:
ـ الصفات القلبية السليمة مطلوبة لذاتها، ومطلوبة لتدفع ولتؤدي إلى
قيام الجوارح بالأعمال الصالحة، وحتى يكون عمل القلب سليماً، وحتى
يصل الإنسان إلى العمل الصالح فإنه يمر القلب بمراحل: أولاها: أن يؤمن
القلب ويقر بالحقائق والمعارف والعقائد السليمة التي أدركها العقل،
وثانيتها: أن يتذكرها ويتفكر فيها ولا يغفل عنها، لينتبه إلى ما تقتضيه
من رغبات في القلب وأعمال على الجوارح، وثالثتها: أن يرغب بالسير على
وفق تلك الحقائق، ورابعتها: أن يتولد من هذه الرغبة إرادة جازمة تُحرِّك
الجسد إلى العمل بما يتفق مع تلك الحقائق التي آمن بها ورغب بما تقتضيه.
ولا يكفي أن يعرف الإنسانُ الحقَّ ويميل إليه، ثم يتركه، بل لا بد
أن تكون إرادة القلب متوجهة إلى العمل بهذا الحق والخير، والسعي إليه،
فتوجد الإرادة الدافعة إلى قبول هذا الحق ثم العمل به.
ثم إذا وجد في نفسه معارضة للحق، فلا بد أن يُجبِر نفسه ويخالف نفسه
ويجاهدها، ويحملها على الحق ويردها إليه.
ولا بد مع ذلك من معالجة الأمراض القلبية والنفسية التي تمنع هذا القلب
من الرغبة الصحيحة والإرادة الصحيحة، ومعالجة الرغبات الباطلة التي
تعارض الرغبة بالحق والخير.
فتتلخص واجبات القلب ـ بعد إدراك الحق ومعرفته ـ في هذه الأمور: خاطر
سليم، وتذكر له، ورغبة موافقة للحق، وإرادة جازمة لما يقتضيه الحق،
ومجاهدة للرغبات المنحرفة، ومعالجة للأمراض القلبية، فإذا فعل الإنسان
ذلك وجدت الصفات السليمة في القلب، وظهرت بناءاً عليها أعمال صالحة
على الجوارح.
ومن جمع هذه الأمور فقد زكى قلبه.
محمد زاهد جول
كاتب وباحث تركي في قضايا الفكر الإسلامي
mohdzahidgol@hotmail.com
أعلى
تأملات وخواطر في مسند الإمام الربيع
فرض التيمم والعذر الذي يوجبه
إعداد/ سالم بن سعيد البوسعيدي
ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت:
سافرنا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بعض أسفاره حتى إذا
كنا بالبيداء انقطع عقد لي فأقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
على التماسه فأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتوا إلى
أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقالوا : ألا ترى ما صنعت ابنتك بالناس؟
أقامتهم على غير ماء. فجاء أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فوجده واضعا رأسه على فخذي وقد نام فقال: قد حبست رسول الله صلى الله
عليه وسلم والناس على ماء ولا ماء معهم . قالت عائشة: فعاتبني أبو
بكر وقال ما شاء الله أن يقول فجعل يطعن بيده في خاصرتي فمنعت نفسي
من الحركة لمكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فنام رسول
الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم.
قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا القلادة تحته.
ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه سئل عن التيمم قال: (جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا ) . قال
جابر: وهذه الرواية تمنع من التيمم بغير تراب. قال الربيع: والمسجد
ما استقرت عليه مساجد المصلي وهي سبعة أعضاء: القدمان والركبتان واليدان
والجبهة.
ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لأبي ذر ( الصعيد الطيب يكفي ولو إلى سنين فإذا وجدت الماء
فامسس به جلدك).
ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال لأبي ذر: ( التيمم يكفيك إن لم تجد الماء عشر سنين)
ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن عمار بن ياسر قال: اجتنبت
فتمعكت في التراب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أما يكفيك
هكذا) فمسح وجهه ويديه إلى الرسغين).
ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن عمار بن ياسر- رضي الله
عنهم- قال: تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربنا ضربة للوجه
وضربة لليدين.
الشرح :
من الأسباب المبيحة للتيمم:عدم وجود الماء
- يوضح الخبر سبب فرض التيمم أو حادثة فرضه، حين كان الرسول في سفر
ففقدت عائشة زوجه عقد لها فأقام الناس يبحثون عنه، وباتوا ليلتهم وأصبحوا
وليس معهم ماء فنزلت آية التيمم "فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا
طيبا" تخفيفا من الله لهم وللأمة من بعدهم، لقد كانت تلك الحادثة
رحمة للمسلمين في كل مكان و زمان ، كما يوضح الخبر أن عدم وجود الماء
أحد الأسباب المبيحة للتيمم
التيمم من خصائص أمة الرسول
- من خصائص رسول الله وأمته أن جعلت له الأرض مسجدا يصلي حيثما شاء
فيها، كما جعل له التراب طهورا يرفع الحدث والنجاسة كما الماء، والتيمم
يجوز بكل ما علا الأرض من تراب أو رمل أو غيرهما
جوازه بوجود أسبابه
- التيمم جائز لصاحبه إذا لم يجد ماء أو كان به جرح يضره الماء أو
بَعُدَ الماء بحيث لو طلبه خرج وقت الصلاة، ويجوز للمسلم أن يتيمم
(للصلاة بدلا من الوضوء أو لرفع الجنابة بدلا من الغسل) ولو ظل سنينا
على ذلك حتى يجد الماء فإن وجده لم يجز له التيمم، إنما ينصح الرسول
من وجد الماء بعد فقده أن يمرره على جلده
كيفية التيمم
- يوضح الحديث أن التيمم هو مسح الوجه واليدين بالتراب بنية الطهارة
للصلاة أو لرفع الجنابة، فيستحضر النية ثم يضرب بكفيه الأرض فيمسح
بهما وجهه ثم يضرب ضربة ثانية فيمسح بها كفيه إلى الرسغين
* هذا الدرس يوضح بعض أحكام التيمم فيبين أن سبب مشروعيته أن الرسول
بات في سفر على غير ماء فأنزل الله آية التيمم و بين اختصاص هذه الأمة
به وأنه يكون بكل ما علا الأرض وبين أن جوازه غير محدد بزمان بل بوجود
أسبابه فمتى وجد الماء أو رفع مرضه لم يعد جائزا، ثم بين كيفيته وأنه
هو مسح الوجه واليدين بالتراب بنية الطهارة
الفوائد:
- من الأسباب المبيحة للتيمم:عدم وجود الماء
- التيمم من خصائص أمة الرسول
- مدة جوازه مقدرة بوجود أسبابه
- التيمم ضربتان في الأرض أحداهما لمسح الوجه والأخرى للكفين
أعلى
قضاء حوائج العباد و تيسيرها من مطالب الشرع
القاهرة من إيهاب حمدي:
حثت الشريعة الإسلامية على قضاء حوائج العباد
أو تيسيرها إذا كانت حاجة الآخرين عند الفرد و يستطيع القيام بها و
فحضت الشرعية على عدم التعنت فيها ، و على العكس تماماً كثيراً ما
نجد منتشراً الآن في المصالح الحكومية ودواوين الدولة التعنت و البيروقراطية
التي تؤدي لتعطيل المصالح و تأخيرها مما قد ينتج عنه ضياع حقوق بعض
الأفراد، هذا فضلاً عن المعاملة السيئة من بعض الموظفين تجاه المواطنين
و الغلظة في التعامل .
النبي يحض
و في الحديث الشريف الذي يحض فيه النبي صلى الله عليه و سلم على قضاء
حوائج الناس يقول صلى الله عليه وسلم( أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس
، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم ، أو يكشف عنه
كربه أو يقضي عنه ديناً أو يطرد عنه جوعاً ، ولأن أمشي مع أخ في حاجه
أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد - مسجد المدينة - شهراً ومن كف
غضبه ستر الله عورته ، ومن كتم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ، ملأ
الله قلبه رجاءً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تهيأ له
أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام ) صححه الألباني الأحاديث الصحيحة
رقم (906)
و في شرح الحديث يقول المناوي في فيض القدير: أفضل الأعمال: أي من
أفضلها أي بعد الفرائض كما ذكره في الحديث المار، والمراد الأعمال
التي يفعلها المؤمن مع إخوانه أن تدخل أي إدخالك على أخيك المؤمن أي
أخيك في الإيمان وإن لم يكن من النسب، سروراً أي سبباً لانشراح صدره
من جهة الدين والدنيا، أو تقضي تؤدي عنه ديناً لزمه أداؤه لما فيه
من تفريج الكرب وإزالة الذل، أو تطعمه ولو خبزاً فما فوقه من نحو اللحم
أفضل، وإنما خص الخبز لعموم تيسر وجوده حتى لا يبقى للمرء عذر في ترك
الإفضال على الإخوان، والأفضل إطعامه ما يشتهيه.
وفي صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: " من نفَّس عن مؤمن كربة نفَّس الله عنه
كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا
والآخرة والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه .
نماذج مضيئة
و لنا في سلف الأمة و صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم خير مثال
في السعي لقضاء حوائج الناس و تيسيرها عليهم طمعاً في المثوبة فهذا
الصديق أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يحلب للحي أغنامهم ، فلما
استُخلف قالت جارية منهم : الآن لا يحلبها ، فقال أبو بكر : بلى وإني
لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله .
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد بعض
الأرامل فيسقي لهن الماء بالليل ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة فدخل
إليها طلحة نهارا فإذا عجوزا عمياء مقعدة ، فسألها : ما يصنع هذا الرجل
عندك؟ قالت : هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني ، يأتيني بما يصلحني ويخرج
عني الأذى فقال طلحة : ثكلتك أمك يا طلحة ، عثرات عمر تتبع؟!
دعوة للتيسير و القضاء
من جانبه يدعو الدكتور مصطفى مراد ـ الأستاذ بكلية الدعوة جامعة الأزهر
ـ إلى التيسير مشيراً إلى أن الإسلام يدعو للتيسير و يرفض التعسير
في كل الأحوال ، مؤكداً أن ما يحدث من قيام بعض الموظفين بتعقيد مصالح
الناس و عدم إنجازها يكون سبباً فى انتشار الرشوة الوساطة المحرمة
كما يؤدي إلى انتشار الكذب و التزوير و الغش و الأخلاق السيئة و الكراهية
بين الناس .
مؤكداً أن ذلك يسبب أيضا تأخر الأمة الإسلامية عن مقام الريادة متسائلاً
كم من أمور مفيدة تعطلت و كم من أفكار ثمينة ضاعت بسبب توقيع أو ختم
أو صورة أو دمغة تحت مسمى الروتين .
و يضيف الدكتور أن الله تعالى قد توعد بالعذاب كل من يعطل مصالح الناس
و يعسر أمورهم أو يحول دون قضاء حوائجهم أو يتسبب في تعبهم و أذيتهم
حيث يقول صلى الله عليه و سلم (للهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق
عليهم فشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به ) صحيح
مسلم .
فكيف يكون عقاب من كان السبب الرئيسي في غم كثير من العباد بتعقيد
مصالحهم و عدم قضاء حوائجهم و تيسيرها .
و طالب دكتور مصطفى الموظفين و القائمين على مصالح الناس أن يتقوا
الله في إخوانهم و أن يكونوا عوناً لهم على قضاء مصالحهم و أن يكونوا
رحماء بهم و أن يحبوا لهم ما يحبونه لأنفسهم و يصونوا أموالهم و أعراضهم
و يشرعوا في قضاء حوائجهم و تيسريها .
وكالة الانباء العربية
أعلى
إبداع المرأة في القرآن والسنة
يتمكن الإنسان بالتفكير من إنتاج البديل وفهم
المتاح منها، كما يتمكن من الاختيار وإدراك عواقب الأمور. وهذا يجعله
مستحقا للثواب والعقاب بشكل عادل، لأنه يملك الأدوات والقدرة على التفكير
من أجل الاختيار، وليس هذا خاصا بجنس دون آخر، فالرجل يفكر، والمرأة
تفكر، وقد أودع الله تعالى في كل منهم الأدوات والوسائل التي تمكنه
من إنجاز عملية التفكير من الحواس والدماغ والذاكرة والقدرة على الربط.
والتفكير صفة إنسانية لا تختص بالرجال دون النساء، غير أنا الواقع
ينطق بعكس ذلك، فالمرأة أبعد ما يكون عن الإبداع في مجتمعاتنا، وهذا
ليس لنقص في قدرتها ولكن لأن الواقع نفسه هو الذي يفرض عليها ذلك،
وهذا الواقع لا يستبعد أن تكون المرأة نفسها ساهمت فيه، على الأقل
بمطاوعتها وانقيادها لما يراد لها.
من أجل الإنصاف لا بد من التحقق أن المرأة فعلا قادرة على الإبداع
ذاتيا، ثم بعد ذلك تتحقق من الوقائع المفروضة عليها فالأبحاث العلمية
لا تدل على وجود فروق حقيقة في التفكير عند المرأة والرجل، ولا في
طرق اكتساب المعرفة فإذا كانت قدرات المرأة لا عيب فيها، فلا يبقى
ألا النظر في تأثير المرأة نفسها، وتأثير الدين والمجتمع عليها. أما
بالنسبة للدين فهو يعتبر المرأة مثل الرجل تماما من حيث التفكير والإبداع،
وإنها ليست ناقصة عقل كما هو دارج ومفهوم خطأ. وهذا يعني أن المعوقات
محصورة في المرأة نفسها والمجتمع. ولا شك أن واقع المرأة يفرض عليها
قيودا من حيث الوظيفة التي وجدت من أجلها وهي الأمومة. وكذلك ما يطرأ
عليها من تغيرات جسديه كثيرة تعوقها عن الانخراط في عملية الإبداع،
كما أن المجتمع فرض قيودا كثيرة وصارمة بهدف الحفاظ على المرأة، وخوفا
من إلحاق الأذى بغيرها. وقد سجل لنا القرآن الكريم
والسنة المطهرة نماذج عظيمة تدل على قدرة المرأة على التفكير والإبداع
إذا ما أتيح لها المكان وهذه النماذج ما هي إلا أمثلة واقعية تعكس
حاله عامة تتمثل في قدرة المرأة على التفكير والعطاء بصفتها إنسانا
يتميز بخاصية التفكير، وليس حالات شاذة كما يحلو للبعض أن يصفها بها،
في محاولة يائسة لتعميق نقص العقل بالمرأة ومن هذه النماذج السيدة
مريم بنت عمران عندما أرسل الله إليها ملكا في صورة بشر فتفاجأت به
عندما دخل عليها في المكان المعزول الذي اتخذته بعيدا عن أعين الناس،
لكنها تماسكت وواجهت الموقف وتعوذت بالله، ثم ذكرته بتقواه، أي من
جهة نظره إلى الأثر الفعال الذي يمكن أن يصدر عنه بصفته تقيا يخاف
الله فتتجنب بذلك الضرر الذي يمكن أن يلحقه بها. وهذا ما ينبغي أن
تتمرن عليه كل أمرأة مسلمة في موجهة للرجال أن تذكرهم بالله وتقواه
أن لمست منهم شرا، ولا تخاف ولا تطرب، فتأخذ بالصراخ
والعويل وغيره من التصرفات الغريزية الاخرى. (قالت إني أعوذ بالرحمن
منك أن كنت تقيا)(سورة مريم) كما أنا مريم البتول ناقشت الملك بطريقة
عقلية، وحصرت الاحتمالات التي يمكن أن يكون لها ولد، ونفتها عن نفسها.
ومع صعوبة هذا الموقف فقد تمالكت نفسها، وضبطت عواطفها وتحكمت فيها،
على الرغم من كل ما يقال بأن المرأة تغلب عليها العاطفة.
وهناك نماذج أخري عن أم سلمه رضي الله عنها عندما أخذ الرسول صلي الله
عليه
وسلم برأيها يوم الحديبية بشأن أصحابه حينما أمتنع عن الحلق و التقصير،
فأشارت عليه بأن يحلق رأسه و يخرج للناس، فكان أن تبعه الناس كلهم
بعدما امتنعوا عن الاستجابة لأمره ثم أشارت عليه أن يعجل بسفر بهم
فافعل ولا يعترضوا. فبدل من الدخول في جد ومحاولات للقناع دخل الرسول
صلى الله عليه وسلم في العمل مباشرة بناء على رأي أم سلمه.
هذه نماذج من إبداعات المرأة من القرآن والسنة تظهر قدرة المرأة على
التفكير
والإبداع وتغير مجرى الأحداث. كما أنه يبين قدرة المراءة على التحكم
في عواطفها من ما يؤهلها للقيام بما يوكل إليها على أتم وجه.
أم فارس
أعلى
أوجاع
ـ سأبقى طيرا مهاجرا من عش إلى عش يبحث عن دفء
الوطن، "وطن الإخاء"، وبين حين وآخر تلهبه أشعة الشمس، شمس
الابتلاء الحارقة لتذيب ثلوج الصقيع عن أجنحته.
ـ "أخي" على ألفها صلبت آمالي، وكم
من جثمان أرجحته رياح الأسف.
ـ لا يمكنني الحياة من غير جناح؛ ففي الفضاء
الرحيب استروح ساعة بعد ساعة بعيدا عن تناحر البشر.
ـ تحول لون زهرات الفل إلى اللون البني، فعندما
مالت القلوب تسلطت عليه حرقة الشمس لتحرق لونه، وتبخر أريجه.
ـ سأظل أحتفظ بقنديلي المكسر، وعندما تدلهم الليالي
وينفد الزيت أتهالك على تربة الانكسار، انصهر في نجوى ليتلألأ دمعي
زيتا؛ فأواصل الطريق.
ـ إن كان الله معك فلا تأسف على شيء؛ فكل شيء
دون مقصد الله هو الأسف.
ـ أيسر الدروب الابتعاد عن القلوب.
ـ اعتدت في طريقي على الحجارة، من فوقي ومن تحتي،
وعن يميني وشمالي، ومنها ما احتك ببعض فأنار ليالي الحالكات، ومنها
ما تشقق فخرج منه الماء يوم شحت قطرة المطر؛ فهل الحجارة أرحم من الإنسانية
حينا؟!
ـ أعيتني ألوان القلوب فما أسرع ما تبهت، ومهما
سقيتها بالدمع تظل باهته!
ـ علمتني النخلة كيف أشمخ رغم الألم، وأظل في
عطاء ما دام مقصدي الله تعالى.
ـ أنزف وأنا أردم حفر القلوب؛ حتى لا تقع في
هوة فساد ذات البين، وما أصعب الصفاء إن لم يتفجر نبع الإيمان في القلوب
يسقي تربتها لينبت زهرات بيضاء.
ـ الدنيا لا تعدل كف رماد، وهم يتناحرون على
كف الرماد؛ بعثره رياح الموت؛ وهم ما زالوا يتناحرون!!
ـ ماذا نملك إن لم نترك عذب الذكرى، تؤذيني طعنات
القلب؛ فأقلب وجه الدنيا؛ فلا أرى إلا منازل القبور؛ فأعود باكية،
وأواصل مسيري وأنا انشر العفو.
ـ تأملت الورد يحضه الكأس ثم يتخلى عنه رويدا
رويدا ليواجه الحياة؛ فإذا ما شعر بالزهو وتفاخر تساقط ورقة ورقة على
أرض الحقيقة، والكأس يبكيه أسفا حتى تبيض عيناه من الحزن فيتبع موكبه.
ـ زرع الألم ليس كنزعه بالاعتذار؛ فهو كالمسمار
يترك ثقبا في جدار القلب؛ حتى يردمه الاحتساب.
أم عاصم الدهمانية
أعلى
ذوو الأرحام
يسأل البعض منا كيف تكون صلة الأرحام؟ نقول:
تكون صلة الأرحام: بزيارتهم, ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم, ومساعدة
الفقراء منهم بالمال, والتودد إليهم, والعطف عليهم, وقضاء حوائجهم,
ونصحهم, وتعليمهم أمور دينهم, ومحبتهم,وإن كانوا بعيدين يوصلون بالرسائل
وبالتحدث معهم عبر وسائل الاتصال, هذا في الدنيا, وأما من مات من القرابات,
فصلتهم تكون بالاستغفار لهم, والدعاء لهم وتنفيذ وصاياهم وغير ذلك
مما يخفف عنهم أو يدخل سرورا عليهم.
في حقيقة الأمر هناك ثمرات كثيرة لصلة الرحم إليكم بعضا منها:
1 . إن صلة الرحم تجعل البركة في العمر؛ لأنها سبب للتوفيق والطاعة؛
وعمارة الوقت بما ينفع في الآخرة, وصيانته عن الضياع, وعن المعصية,
فيبقى للإنسان بعد موته الذكر الجميل والثناء الحسن, فكأنه لم يمت.
2. وصلة الرحم سبب أيضا في توسيع الأرزاق ودفع ميتة السوء. قال ـ صلى
الله عليه وسلم ـ: " من سره أن يمد له في عمره, ويوسع له في رزقه,
ويدفع له ميتة السوء؛ فليتق الله, وليصل رحمه".
3. وصلة الرحم تدفع البلاء والمكروه, روي عن أنس رضي الله عنه عن النبي
ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمعه يقول:" إن الصدقة وصلة الرحم يزيد
الله بهما في العمر, ويدفع بهما ميتة السوء, ويدفع بهما المكروه والمحذور"
4. وصلة الرحم من أحب الأعمال إلى الله تعالى, وهي كذلك تعمِّر الديار,
وتجعل فيها البركة والخير, وتنمي الأموال, عن ابن عباس رضي الله عنهما,
قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إن الله ليعمِّر
بالقوم الديار, ويثمِّر _ أي ينمي _ لهم الأموال وما نظر إليهم منذ
خلقهم بغضا لهم, قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: بصلتهم أرحامهم"
ومعنى الحديث أن الناس إذا وصلوا أرحامهم, زرع الله بينهم المحبة والتآلف,
ووسع عليهم الرزق؛ فعاشوا متعاونين, وإخوة متكاتفين, محفوظين من خراب
البيوت الذي سببه التقاطع والتدابر, والخصومات والتناثر.
5. وصلة الأرحام تضاعف الثواب, وتكفر الذنوب وتشهد لصاحبها بالإيمان,
وقد جاءت الروايات الكثيرة ما تثبت صحة ذلك.
أخي القارئ : إذا كانت هناك ثمار لصلة الرحم فبالطبع هناك أضرار:
1. منها: استحقاق اللعن من الله تعالى, وعمى القلب والبصيرة, والعذاب
الأليم في الدنيا والآخرة. قال تعالى: " فهل عسيتم إن توليتم
في الأرض أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله
فأصمهم وأعمى أبصارهم".
2 . ومنها أن قاطع الرحمن مقطوع عن الله أي بعيد عن إحسانه وتوفيقه
وعطاياه.
3 . ومن ذلك أن الله تعالى يعجل العقوبة في الدنيا بالإضافة لعذاب
الآخرة, عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ:" ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا
مع ما يدخر _ يكنز _ له في الآخرة, من البغي _ الظلم _ وقطيعة الرحم"
4 . الله تعالى لا يقبل عملا لقاطع الرحم. عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول :" إن أعمال
بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة, فلا يقبل عمل قاطع رحم"
إعداد : خلفان بن سالم البوسعيدي
أعلى
(وبالوالدين إحسانا)
هذا أمر من الله تعالى , وإن شئت سمّيته وصية من الله تعالى لكل أبنائنا
وبناتنا تجاه آبائهم وأمهاتهم فكثيراً ما نسمع هذه الآية المباركة
من كتاب الله تعالى فالمعروف أن الوالدين يُضحيان من أجل الأولاد بكل
غالٍ ونفيس، ولكن من الأولاد من ينسى سريعاً هذا الحُب وهذا العطاء
والحنان والرعاية، فيجحد حق والديه,فتجده يسيء إلى الوالدين بلا أدنى
شفقة أو رحمة أو إحسان،مع أن الله تعالى هو الذي أمره ووصاه بذلك,
قال تعالى :
( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ
كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ
لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا
) الإسراء 23
والوصية هنا لكل من يرى في نفسه أنه مُقصّر مع والديه نوصيه بالبعد
عن العقوق,لأنه من أكبر الكبائر ففي الصحيحين من حديث أبى بكرة رضي
الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ألا أُنَبِّئُكم بأكبر
الكبائر (ثلاثاً) قلنا: بلى يا رسول الله، قال:(الإشراك بالله، وعقوق
الوالدين، ألا وشهادة الزور، أو قول الزور) وكان متكئاً فجلس فمازال
يكررها حتى قلنا: ليته سكت )
ونحذر الأبناء من العقوق فهو سبب من أسباب الحرمان من الجنة والطرد
من رحمة الله التى وسعت كل شئ، قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا
ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة) قيل: من هم يا رسول الله ؟! قال:
(العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث ).
نتدبر جميعاً قول الرسول:( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة))
خابوا وخسروا ورب الكعبة هؤلاء هم الذين طردوا من رحمة الله تعالى،
التي وسعت كل شيء، وأول المطرودين: العاق لوالديه, نسأل الله السلامة
.
فيا من منَّ الله عليكم الآن بنعمة الآباء والأمهات، وأنتم لا تدركون
قدر هذه النعمة، ولن تشعروا بها إلا إذا فقدتم الوالدين، أسأل الله
أن يبارك فى أعمار آبائنا وأمهاتنا ، اللهم آمين . والعقوق لا ينفع
معه أى عمل، سواء صلاة أو زكاة أو حجاً أو صياماً، عن أبى أمامة أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفاً ولا
عدلاً: العاق لوالديه , والمنان , والمكذب .
ولنعلم جيداً أن العقوق دَينُ لا بد من قضائه فى الدنيا قبل الآخرة،
فكما تدين تُدان، فإن بذلت البر لوالديك سَخَّرَ الله أبناءك لبرك،
وإن عققت والديك سَلَّط الله أبناءك لعقوقك، ستجنى ثمرة العقوق في
الدنيا قبل الآخرة.
ما أشقاها والله من حياة: حياة العقوق، وما أطيبها وأروحها وأسعدها
وألذها من حياة
آلا وهى حياة البرّ بالوالدين. يكفى أن تعلم أن الله تعالى قد قرن
بر الوالدين والإحسان إليهما بتوحيده قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ
تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وقال تعالى:
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاثة، لا يقبل
الله واحدة بدون قرينتها. أما الأولى فهي قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ .فمن أطاع الله ولم يطع الرسول فلن يُقبل منه.
وأما الثانية فهي قول الله: وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ
.فمن أقام الصلاة وضيع الزكاة لن يقبل منه.
وأما الثالثة فهي قول الله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ
. فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لن يقبل منه.
حياة البر ما أروعها من حياة، إنها حياة السعادة والطمأنينة، إنها
حياة الأمن والأمان، يالها من لذة, فيها ستشعر بانشراح الصدر، ستشعر
بالسعادة في كل الخُطا، بل سيوسع الله عليك رزقك، بل سيبارك الله لك
في عمرك،.
البِرُّ سبب دخول الجنة: بر الوالدين من أعظم القربات إلى رب الأرض
والسماوات.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه
وسلم فقلت يا رسول الله: أى العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال(الصلاة
على وقتها) قلت: ثم أي؟ قال: (ثم بر الوالدين) قلت: ثم أي؟ قال:(الجهاد
في سبيل الله)
نقول لكل والد كريم: ابنك أمانة، اجتهد لا تُضيّع ولدك فسوف تُسأل
عنه. قال تعالى: ياأيها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ
غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ
مَا يُؤْمَرُونَ ( التحريم: 6 )
فنسأل الله تعالى أن يوفّق الوالدين لتربية أبنائهم وأن يوفّق الأبناء
للقيام بواجبهم مع آبائهم اللهم آمين: والحمد لله رب العالمين .
إبراهيم السيد العربي
أعلى
قرآنا عربيا...
جوانب التشريعات القرآنية
عدالة التطبيق
أيها القراء الأكارم:
ما يدل على إعجاز التشريع القرآني وحكمته ووسطية هذا الدين وروعة هذا
التوازن.
إن نظرة الاسلام للأغنياء على سموها واعتدالها وكونها بعيدة عن التشفي
والحسد لا تتعارض في حال من الاحوال مع نظرة الاسلام للفقراء, فالفقراء
والاغنياء هم جميعا أبناؤه وبناته والمدافعون عنه.
أبي الاسلام لا أبا لي سواه*إذا افتخروا بقيس أو تميم
بنوه بجهادهم, حتى يظل صرحا شامخا يهابه الأعداء لذا فتشريعاته لهم
سواء.
لذلك وجدنا عناية الاسلام بالفقراء عناية مركزة ليس من حيث حاجاتهم
المادية فحسب بل من حيث المحافظة على كراماتهم واستقرار نفوسهم واستقلال
شخصياتهم, فالزكاة التي يعطونها ليست منة بها عليهم وليست طوقا يطوق
أعناقهم ويسلبهم أذواقهم, يهزهم ولا يعزهم, إنما هي حق لله, يعطاه
أولئك الفقراء, وهم مرفوعو الرأس, أعزاء النفوس.
لقد حرم الاسلام المن والأذى في صدقة التطوع, بل جعل ذلك مما يبطل
الصدقات: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى).
فما بالكم بالزكاة المفروضة؟
ومن أجل أن لا يحمل الفقير منة وأن تتجنب نفسه الحسرة والأنة, كانت
الدولة تجمع هذه الزكاة بواسطة السعاة وهؤلاء السعاة يأخذونها من الاغنياء
ويعطونها للفقراء.
هذا من الناحية النفسية والفكرية, لا يشعر الغني بأنه متفضل بالعطاء
ولا يشعر الفقير بحرج في الأخذ.
أما من الناحية المادية, فما أحكم وأروع هذا التشريع, لقد حرص الاسلام
على أن يجنب الفقير ثقل المن , فيعطى دون أن يكدره شيء.
فأولا: هناك نظرة الى أوضاع الفقراء فهم ليسوا سواء , فهناك التاجر
والصانع, وهناك العزيز في قومه الذي أصابته جائحة لا بد أن نأخذ بعين
الاعتبار هذه الحقيقة وهي أن الناس يختلفون.
وثانيا: لا بد أن يعطى أولئك كفايتهم وأقل ذلك أن يعطوا كفاية سنة
واحدة على أن بعض الفقهاء رأوا أن يعطوا ما يكفيهم العمر كله.
وأما ثالثا: فإن هذا التشريع يعمل على تحويل هذه الفئات كي تصير فئات
معطية فلا يكفي أن نعطي أولئك الفقراء ما يسد رمقهم ويشبع بطونهم,
بل يجب أن نهيئ لهم ما يناسبهم من وسائل الانتاج وما يتلاءم مع قدرتهم
وأوضاعهم وأحوالهم.
تلكم هي فطرة الاسلام وهذه هي تشريعاته وأين هذا مما نجد اليوم؟!
وهذه بعض الدول النامية تعطي بعض الدول الدائرة في فلكها من القمح
والدقيق ما يكفيها أسبوعا واحدا فحسب فإذا انتهى الاسبوع جاءت شحنة
أخرى لأسبوع آخر, وهكذا, ولكم أن تتصوروا ما هي الأبعاد النفسية والفكرية
لمثل هذا العمل؟!
إعداد/علي بن عوض الشيباني.
أعلى
معيشة الضنك
إعداد : حمد بن عبدالله الحوسني
أخي القارئ من العقوبات التي يعاقب الله تعالى
بها بعض العباد على معاصيهم ؛ معيشة الضنك في الدنيا والعذاب في الآخرة،
قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة
أعمى). قال بعض العلماء، بتصرف: "وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر،
ولا ريب أنه من المعيشة الضنك، والآية تتناول ما هو أعم منه وإن كانت
نكرة في سياق الإثبات؛ فإن عمومها من حيث المعنى؛ فإنه -سبحانه- رتب
معيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، فالمعرض عنه له من ضنك معيشة بحسب
إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم؛ ففي قلبه من الوحشة والذل
والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه،
وإنما يواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة، وإن لم
ينضم إلى ذلك سكر الخمر؛ فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر؛ فإنه
يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا كان
في عسكر الأموات؛ فمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله
على رسوله -صلى الله عليه وسلم- في دنياه وفي البرزخ ويوم معاده).
وهنا أذكر تلك القصة التي سمعتها من أحد المحاضرين وأذكرها مختصرة
وعلى حسب ما علق بالذاكرة، وهو أنه كان هنالك رجل غني معرض عن الله،
وقد كان بسبب إعراضه عن الله وبسبب عصيانه قد كره حياته، وحاول البحث
عن السعادة بالانهماك في الاستمتاع بالدنيا وتلبية شهوات النفس لكنه
لم يجدها فيما كان يفعل من أمور، فلم ينفعه شيء، فقرر عندها بأن الحل
هو أن يتخلص من حياته، فبينما هو قد أراد شنق نفسه إذا بطارق يطرق
الباب، فذهب فإذا أحدهم يدعوه للصلاة، وبعد أخذ ورد وافق على ذلك،
ثم تاب ورجع إلى الله، وعاش في جنة الطاعة، فذهب عنه ما كان يجد من
ضنك الحياة وظلمتها.
(ومما علينا أن ننتبه له أنه لا تقر العين،ولا يهدأ القلب،ولا تطمئن
النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حق،وكل معبود سواه باطل؛فمن قرت
عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا
حسرات. والله إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن بالله وعمل صالحا، كما
قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة
ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون). فضمن لأهل الإيمان والعمل
الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة والحسنى يوم القيامة؛ فلهم
أطيب الحياتين؛ فهم أحياء في الدارين. ونظير هذا قوله -تعالى-: (للذين
أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين).ونظيرها
قوله:(وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل
مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله).ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة،
وحصلوا على الحياة الطيبة في الدارين؛ فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه
ولذته وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه ونوره وسعته وعافيته من ترك الشهوات
المحرمة والشبهات الباطلة، هو النعيم على الحقيقة، ولا نسبة لنعيم
البدن إليه.
فقد كان يقول بعض من ذاق هذه اللذة: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما
نحن عليه لجالدونا عليه بالسيوف. وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات
أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر:
إن في الدنيا جنة هي في الدنيا كالجنة في الآخرة؛ فمن دخلها دخل تلك
الجنة، ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وقد أشار النبي -صلى الله
عليه وسلم- إلى هذه الجنة بقوله: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"،
قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: "حِلَق الذكر"، وفي رواية:
"حلق العلم"، وقال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض
الجنة".
قال أحدهم: ولا تظن أن قوله -تعالى-: (إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار
لفي جحيم) مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة
-أي في الدنيا والبرزخ والآخرة-، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة،
وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب، وسلامة الصدر، ومعرفة الرب
-تبارك وتعالى- ومحبته، والعمل على موافقته؟وهل العيش في الحقيقة إلا
عيش القلب السليم؟وقد أثنى الله على خليله -عليه السلام- بسلامة قلبه
فقال: (وإن من شيعته لإبراهيم. إذ جاء ربه بقلب سليم). وقال حاكيا
عنه أنه قال: (يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم).
قال بعض العلماء، بتصرف: " والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك
والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة؛ فسلم من كل
آفة تبعده من الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض
أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطعه عن الله؛
فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ، وفي
جنة يوم المعاد.
ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد،
وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض
التجريد والإخلاص. وهذه الخمسة حجب عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع
كثيرة تتضمن أفرادا لا تنحصر، ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلى
أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم؛ فليس العبد أحوج إلى شيء منه
إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع له منها؛ فإن الصراط المستقيم يتضمن
علوما وإرادات وأعمالا وتروكا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت؛ فتفاصيل
الصراط المستقيم قد يعلمها العبد، وقد لا يعلمها، وقد يكون ما لا يعلمه
أكثر مما يعلمه، وما يعلمه قد تريده نفسه وقد لا تريده، كسلا وتهاونا،
أو لقيام مانع وغير ذلك، وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله، وما يفعله
قد يقوم فيه بشروط الإخلاص وقد لا يقوم، وما يقوم فيه بشروط الإخلاص
قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم، وما يقوم فيه بالمتابعة قد
يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه، وهذا كله واقع سار في الخلق؛ فمستقل
ومستكثر؛ وليس في طباع العبد الهداية إلى ذلك، بل متى وكل إلى طباعه
حيل بينه وبين ذلك كله، وهذا هو الإركاس الذي أركس الله به المنافقين
بذنوبهم، فأعادهم إلى طباعهم وما خلقت عليه نفوسهم من الجهل والظلم،
والرب -تبارك وتعالى- على صراط مستقيم في قضائه وقدره، وأمر ونهيه؛
فيهدي من يشاء إلى صراط مستقيم بفضله ورحمته، وجعله الهداية حيث تصلح،
ويصرف من يشاء عن صراطه المستقيم بعدله وحكمته لعدم صلاحية المحل،
وذلك موجب صراطه المستقيم الذي هو عليه.
ونصب لعباده من أمره صراطا مستقيما دعاهم جميعا إليه حجة منه وعدلا،
وهدى من شاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا، ولم يخرج بهذا العدل وهذا
الفضل عن صراطه المستقيم الذي هو عليه؛ ثم صرف عنه من صرف عنه في الدنيا،
وأقام عليه من أقامه في الدنيا، وجعل نور المؤمنين به وبرسوله وما
جاء به الذي كان في قلوبهم في الدنيا نورا ظاهرا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم
في ظلمة الحشر، وحفظ عليهم نورهم كما حفظ عليهم الإيمان به حتى لقوه،
وأطفأ نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه، كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا،
ونصب للمؤمنين حوضا يشربون منه بإزاء شربهم من شرعه في الدنيا، وحرم
من الشرب منه هناك من حرم الشرب من شرعه ودينه ههنا. فانظر إلى الآخرة
كأنها رأي عين، وتأمل حكمة الله -سبحانه- في الدارين تعلم حينئذ علما
يقينا لاشك فيه أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها، وأن منازل
الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان
والعمل الصالح وضدهما").
قضية مصير
وهناك آثار أخرى للمعاصي، وفيما ذكرت كفاية لمن أراد لنفسه الخير والهداية.
ولكن مما يجب علينا أن ننتبه له أن القضية ليست قضية هينة، إنما هي
قضية خطيرة؛ لأنها قضية مصير دائم، "فالله -سبحانه وتعالى- بين
مصير الناس يوم القيامة بقوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق
وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. والذين كسبوا
السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما
أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)،
وقوله: (إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم. يصلونها يوم الدين.
وما هم عنها بغائبين).
فلينظر الإنسان أي المصيرين يريد لنفسه: أيريد أن يكون مصيره مصير
الفجار الذين يصلون الجحيم، وما هم عنها بغائبين؟ أو يختار لنفسه أن
يكون مصيره مصير الأبرار الذين ينقلبون إلى النعيم، يتبوؤونه أبد الآبدين؟
فالمصير معقود بالمسير؛ فإن الجزاء مرتبط بالعمل، فمن عمل صالحا وجد
خيرا، ومن أساء فعمل السوء وارتكب العصيان وجد شرا. فإن مات العبد
على معصية كبيرة من غير توبة فذلك المعروف بسوء الخاتمة -والعياذ بالله
تعالى-، حيث يهجم على هذا العاصي ملك الموت وهو غير مطهر لنفسه من
ذنبه، فيكون في أهل النار -والعياذ بالله منها ومما يقرب إليها-.
والإنسان عليه ألا يغتر بما يجده في هذه الحياة الدنيا من فضل الله
عليه، ونعمه التي يغدقها عليه، إذ ذلك كله قد يكون استدراجا له، والآخرة
عند ربك للمتقين: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين).
وذكر الله يستوجب التوبة والرجوع والأوبة إليه، والإقلاع من معاصيه،
والمسارعة إلى طاعاته، وإيثار طاعته على طاعة أي أحد من الناس، فإن
جميع الناس لن يغنوا عن أحد من الله شيئا إن أعرض عن طاعته".
المصادر:
1) كتاب "الداء والدواء" لابن القيم
2) خطبة عن التوبة للشيخ عبد الله المعمري
3) كتاب "الدين الحياة" لخميس العدوي(جمع فيها محاضرات لسماحة
الشيخ أحمد الخليلي)
أعلى
من ذخائر المكتبة العمانية
تحدثت في الحلقات الماضية عن النتاج العماني
الفقهي ، وفي هذا الحلقة - وقبل أن أدخل في الحديث عن التاريخ العماني
- أتحدث عن بعض جهود العمانيين المستقلة في السيرة الزكية للمصطفى
- صلى الله عليه وسلم - :
وقد كانت وقائع السيرة النبوية روايات يرويها الصحابة - رضوان الله
عليهم - إلى من بعدهم ، وقد اختص بعضهم بتتبع دقائق السيرة وتفاصيلها
، ثم تناقل التابعون هذه الأخبار ، ودونوها في صحائف عندهم ، وقد اختص
بعضهم بالعناية التامة بها ، أمثال : أبان بن عثمان بن عفان - رضي
الله عنه ( 32هـ - 105هـ ) ، وعروة بن الزبير بن العوام ( 23هـ - 93هـ
) ، ومن صغار التابعين عبدالله بن أبي بكر الأنصاري ( ت : 135هـ )
، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ( 50هـ - 124هـ ) الذي جمع شيئًا من
السنة في عهد عمر بن عبدالعزيز بأمره ، وعصام بن عمر بن قتادة الأنصاري
( ت : 129هـ ) ، ثم انتقلت العناية بالسيرة إلى من بعدهم ، حتى أفردوها
بالتصنيف ، ومن أشهر أوائل المصنفين في السيرة محمد بن إسحاق بن يسار
( ت : 152 هـ ) ، وقد ألف ابن إسحاق كتابه " المغازي " من
أحاديث وروايات سمعها بنفسه في المدينة ومصر ، ثم تطور التأليف في
السيرة ، فأفردت بعض نواحيها بالتأليف خاصة ، كـ " دلائل النبوة
" للأصباني ، و " الشمائل المحمدية " للترمذي ، و "
زاد المعاد " لابن قيم الجوزية ، و " الشفاء " للقاضي
عياض ، و يمكن أن نستنبط السيرة النبوية من مصادرها الأصلية ومنها
: القرآن الكريم ، وهو مصدر أساسي نستمد منه ملامح السيرة النبوية
، فقد تعرض القرآن الكريم لنشأته " ألم يجدك يتيمًا فئاوى * ووجدك
ضالاً فهدى " ، كما تعرض لأخلاقه الكريمة العالية " وإنك
لعلى خلق عظيم " ، وقد تحدث القرآن عما لقيه عليه الصلاة والسلام
من أذى وتعنت في سبيل دعوته ، كما ذكر ما كان من المشركين ينعتونه
به من السحر والجنون صدًا عن دين الله - عز وجل - ، وقد تعرض القرآن
لهجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما تعرض لأهم المعارك الحربية
التي خاضها بعد هجرته ، فتحدث عن معركة بدر ، وأحد ، والأحزاب ، وصلح
الحديبية ، وفتح مكة ، وغزوة حنين ، وتحدث عن بعض معجزاته ، كمعجزة
الإسراء والمعراج ، وبالجملة فقد تحدث عن كثير من وقائع سيرة الرسول
- صلى الله عليه وسلم - ، ولما كان الكتاب الكريم أوثق كتاب على وجه
الأرض ، وكان من الثبوت المتواتر بما لا يفكر إنسان عاقل في التشكيك
بنصوصه وثبوتها التاريخي ، فإن ما تعرض له من وقائع السيرة يعتبر أصح
مصدر للسيرة على الإطلاق ، ولكن من الملاحظ أن القرآن لم يتعرض لتفاصيل
الوقائع النبوية ، وإنما تعرض لها إجمالاً ، فهو حين يتحدث عن معركة
لا يتحدث عن أسبابها ، ولا عن عدد المسلمين والمشركين فيها ، ولا عن
عدد القتلى والأسرى من المشركين ، وإنما يتحدث عن دروس المعركة ، وما
فيها من عبر وعظات ، وهذا شأن القرآن في كل ما أورده من قصص عن الأنبياء
السابقين والأمم الماضية ، ولذلك فنحن لا نستطيع أن نكتفي بنصوص القرآن
المتعلقة بالسيرة النبوية لنخرج منها بصورة متكاملة عن حياة الرسول
- صلى الله عليه وسلم - والمصدر الثاني السنة النبوية الصحيحة التي
تضمنتها كتب أئمة الحديث المعترف بصدقهم والثقة بهم في العالم الإسلامي
هي : مسند الإمام الربيع ، وصحيح البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي
، والترمذي ، وابن ماجه ، ويضاف إليها : موطأ الإمام مالك ، ومسند
الإمام أحمد ، فهذه الكتب تعد في الذروة العليا من الصحة والثقة والتحقيق
، ومن هذه الكتب التي حوت القسم الأكبر من حياة النبي - صلى الله عليه
وسلم - ، ووقائعه وحروبه وأعماله ، نستطيع أن نكوِّن فكرة شاملة -
وإن كانت غير متكاملة أحيانًا - عن سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم
- ومما يزيد الثقة بها والاطمئنان إليها أنها رويت بالسند المتصل إلى
الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم الذين عاشروا الرسول ولازموه ، ونصر
الله بهم دينه ، وقد رباهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عينه
، فكانوا أكمل أجيال التاريخ استقامة أخلاق وقوة إيمان ، وصدق حديث
، وسمو أرواح وكمال عقول ، فكل ما رووه لنا عن الرسول بالسند الصحيح
المتصل يجب أن نقبله كحقيقة تاريخية لا يخالجنا الشك فيها ، وكذلك
أيضًا من مصادر السيرة النبوية الشعر العربي الإسلامي المعاصر لعهد
الرسالة ، فمما لا شك فيه أن المشركين قد هاجموا الرسول ودعوته على
ألسنة شعرائهم ، مما اضطر المسلمين إلى الرد عليهم على ألسنة شعرائهم
، كحسان بن ثابت ، وعبدالله بن رواحة ، وغيرهما ، وقد تضمنت كتب الأدب
، وكتب السيرة التي صنفت فيما بعد قسطًا كبيرًا من هذه الأشعار التي
نستطيع أن نستنتج منها حقائق كثيرة عن البيئة التي كان يعيش فيها الرسول
- صلى الله عليه وسلم - ، والتي ترعرعت فيها دعوة الإسلام أول قيامها
.
هذا وقد تجمع السيرة النبوية عدة مزايا تجعل دراستها متعة روحية وعقلية
وتاريخية ، كما تجعل هذه الدراسة ضرورية لعلماء الشريعة والدعاء إلى
الله والمهتمين بالإصلاح الاجتماعي ؛ ليضمنوا إبلاغ الشريعة إلى الناس
بأسلوب يجعلهم يرون فيها المعتصم الذي يلوذون به عند اضطراب السبل
واشتداد العواصف ؛ ولتتفتح أمام الدعاة قلوب الناس وأفئدتهم ، ويكون
الإصلاح الذي يدعو إليه المصلحون ، أقرب نجاحًا وأكثر سدادًا ، هذا
ولا يزال العلماء يؤلفون في سيرة الرسول - عليه الصلاة والسلام - بأسلوب
حديث يتقبله ذوق أبناء العصر ، وقد ساهم العلماء العمانيون في ذلك
، فكان من جهودهم المستقلة في السيرة النبوية :
1- رسالة مختصرة في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ أبو عبد
العزيز إبراهيم بن سعيد بن محسن العبري ( ت : 1395هـ / 1975م ) : تقع
في خمس وعشرين صفحة .
2- جوهر التاريخ المحمدي ( مفقود ) ؛ سالم بن حمود بن شامس بن خميس
السيابي ( ت : 1414هـ / 1993م ) : في سيرة الرسول الأعظم - صلى الله
عليه وسلم - .
3- ضياء الفجر في وقعة بدر ( مفقود ) ؛ سالم بن حمود بن شامس بن خميس
السيابي ( ت : 1414هـ / 1993م ) .
4- عنوان الوفا في سيرة المصطفى ( مخطوط ) ؛ سالم بن حمود بن شامس
بن خميس السيابي ( ت : 1414هـ / 1993م ) : في السيرة النبوية .
إعداد : يحيى بن أحمد بن علي بني عرابة
أعلى
مواقف من أخلاق العرب في الإسلام
صاحب الحلة
إعداد : ناصر بن محمد الزيدي
ذكـر عـمـرو بن العـلاء فقال : جلس النعـمان
بن المـنـذ ر وعـلـيه حـلة مرصـعـة بالـدر ، لم يـر مثلها قـبل ذلك
اليوم ، وأذن للعـرب في الـدخـول عـليه ، وكان فـيهم أوس بن حارثـة
، سـيـد من سـادات العـرب في الجاهلية ، فجـعـلت العـرب تنـظـر إلى
تلك الحلة بإعـجاب ، وكل منهـم يقـول لصاحبه ، ما رأيت مـثل هـذه الحـلـة
قط ، ولا سـمعـت أن أحـدا من الملوك قـد رعـلى مثلها ، وأوس بن حارثـة
مطـرق ، لا ينظـر إليها ، فقال له النعـمان بن المـنـذ ر: ما أرى كل
من دخـل عـلي إلا استحسن هـذه الحلة ، وتعـجـب من حسـنها ، وتحـدث
مـع صاحـبه في أمرها إلا أنت ، ما رأيتك استحسـنتها ولا نظـرتها يا
أوس؟0
قال أوس : أسـعـد الله الملك ، إنما تستحسن الحلة ، إذا كانت في يـد
التاجـر، وأما إذا كانت عـلى الملك ، وأشـرق فـيها وجهه ، فـنـظـري
مقـصورعـليه لاعـليها، فاسـترجـح الملك عـقـل أوس بن حارثـة .
فـلما عـزموا عـلى الانصـراف ، قال لهم الملك النعـمان بن المـنـذر
: اجـتمعـوا إلي في غـد ، فإني ملـبس هـذه الحلة ، لسـيد العـرب مـنـكـم
، فانصرف العـرب عـنه وكل يـزعـم أنه لا بس الحـلة ، وأنه أهـل لها
دون سـائر العـرب.
فـلما اصبحـوا تزيـنوا بأفخـر الملابس ، وتقـلـدوا بأحسن السيوف ،
وركـبوا أجـود الخـيل ، وحضـروا إلى الملك النعـمان بن المـنـذ ر،
وتأخـر عـنهـم أوس بن حارثـة ، فقال له أصحابه ، مالك لا تـغـد و مـع
الناس ، إلى مجلس الملك النعـمان ، فـلعـلك تكـون صاحـب الحـلـة ؟.
فقال أوس بن حارثـة : إن كـنـت سـيـد قـومي ، فما أنا بسـيـد العـرب
عـنـد نفسي ، وإن حضـرت ولم آخـذها ، انصـرفت منقـوصا ، وإن كـنـت
المطـلوب لها فـسيعـرف مـكاني ، فأمسـكوا عـنه.
ونظـر الملك النعـمان بن المـنـذر في وجـوه الـقـوم ، فـلم يـر أوس
بن حارثـة فاسـتدعى بعـض خاصـته ، وقال : اذهـب لـتعـرف خـبر أوس بن
حارثة ، فـمضى رسـول الملك النعـمان بن المـنـذر ، واسـتخـبر بعـض
أصحابه ، فأخـبره بمقالتـه ، فعاد إلى الملك النعـمان ، فأخـبره بـذلك
، فـبعـث الملك النعـمان إليه رسـولا وقال : احضـر آمـنا مما خـفـت
عـليه ، فحـضـر أوس بن حارثـة ، بثـيابه التي حضـر بها بالأمس ، وكانت
العـرب قـد اسـتبشـرت بتأخـره ، خـوفا من أن يكـون هـو الآخـذ للحـلـة
، وقـد تحـقـق خـوفهـم ، كـما تحـقـق ظـن أوس بن حـارثـة.
فـلما حضر أوس بن حارثـة ، وأحـذ مجلسه ، قال الملك النعـمان بن المـنـذر
: إن لم أكـن أرك قـد غـيرت ثـيابك ، في يومـك هـذا ، فالبس هـذه الحلة
لتتجـمل بها ، ثـم خـلعـها الملك النعـمان وألبسه إياها ، فاشـتد ذلك
عـلى العـرب وحسـدوه ، وقالوا : لا حيلة لنا فـيها ، إلا أن نـرغـب
إلى الشـعـراء أن يهجـوه ، بقـبيح الفـعـل وسـوء السـيرة ، فإنه لا
يخـفـض رفـعـته إلا الشـعـر ، فجـمعـوا فـيما بـيـنهـم خـمسمائة ناقـة
، وأتوا بها إلى رجـل يقال له جـرول : ( هـو الشاعـر الحطـيئة : جـرول
بن أوس بن مالك العـبسي ، أبو مليـكة ت 45 هـ /665 م شـاعـر مخضـرم
، وكان هجـاء عـنيفا ، سـجـنه أمـير المؤمنين عـمر بن الخـطاب رضي
الله عـنه في المـدينة لهجـائه الـزبـرقان بن بـدر التميمي ) .
وقالوا لجـرول : خـذ هـذه النـوق المـائـة وأهـج لـنا أوس بن حارثـة0
وكان الشـاعـر الحـطيئة يـومـئـذ أشـعـر العـرب ، وأهجـى العـرب وأقـواهــم
، فقال لهـم : يا قـوم كـيف أهجـو رجـلا حسيبا لا يـنكـربيـته ، كـريما
لا ينـقـطع عـطاؤه ، فـيـصـلا لا يطـعـن عـلى رأيه ، شـجاعا لا يضـام
نـزيله ، محـسـنا لا أرى في بيتي شـيئا إلا من فـضـله وكـرمـه وإحـسانه
.
فـسـمع بـذلك بـشــر بن أبي خـا زم : بـشــر بن أبي خـازم الأسـدي
شـاعـر جاهلي فحـل ت 22 قـبل الهـجـرة .وكان شـاعـرا رغـب في البـدل
وأخـذ الإبـل المـائـة فـهجـاه ، وذكـر أمـه سـعـدى ، فـسـمع بـذلك
أوس بن حارثـة ، فـوجـه في طـلبه ، فهـرب وتـرك الإبـل ، فأتـوا بها
إلى أوس بن حارثـة ، فأخـذها وشـد في طـلـبه ، وجـعـل بـشــر بن أبي
خـازم ، يطـوف في أحـياء العـرب ، يلتـمـس عـزيـزا يجـيره عـلى أوس
بن حارثـة ، وكل من قصـده يقــول : قـد أجـرتك إلا مـن أوس بن حارثة
، فإني لا أقـدر أن أجـير عـليه .
وكان أوس بن حارثة ، قـد بـث عـليه العـيون ، فـرآه بعـض من كان يـرصـده
فـقـبض عـليه ، وأتى به إلى أوس بن حارثـة ، فـلـما مـثـل بـين يـديه
قال له : ويـلك أتـذكـر أمي بتـلك المنقـصـة ، وليس في عـصـرنا مثـلها
؟ قال : قـد كان ذلك أيها الأمـير؟ فـقال : والله لأقـتلـنـك قـتلة
تحيا بها سـعـدى ، يعـني أمـه .
ثـم دخـل أوس بن حارثـة إلى أمه سـعـدى ، وقال : قـد أتيـتك بالشاعـر
الـذي هـجاك ، وقـد آليت لأقـتلنه قـتلة تحـيين بها ، قالت : يا بني
أو خـير من ذلك ؟ قال : وما هـو؟ قالت : إنه لم يجـد ناصـرا مـنك ،
ولا مجـيرا عـليك ، وإنا قـوم لانـرى في اصـطناع المعـروف من بأس ،
فـبـحـقي عـليك إلا أطـلـقـته ، ورددت عـليه إبله ، وأعـطـيته من مالك
مثـل ذلك ، ومن مالي مثله ، وأرجـعه إلى أهله سالما فإنهـم أيسـوا
مـنه.
فخـرج له أوس بن حارثـة وقال : ما تقـول إني فاعـل بـك قال بشـر بن
أبي خـازم : تقـتـلـني لا محالة قال : أوس بن حارثـة أفـتـستحـق ذلك
؟ .قال خـازم : نعــم ؟ قال أوس بن حارثـة : إن سـعـدى التي هـجـوتها
قـد أشا رت بـكـذا وكـذا ، وأمـر بحـل كتافـه ، وقال له : انصـرف إلى
أهلك سـالما ، وخـذ ما أمرت لك به .
فـرفـع بشـر بن أبي خـازم يـده إلى السماء وقال : اللهـم أنت الشاهـد
عـلى ألا أعـود إلى شـعـر ، إلا أن يكـون مـدحـا في أوس بن حارثـة.
ولناء لقاء مع موقف آخر بأذن الله تعالى ...
أعلى
|