الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 







مبتدأ

تمثل الفنون العمانية التقليدية محط جذب للعديد من الخبراء والباحثين في مجال الموسيقى ، ويجسد التلاقح الواضح في موسيقانا التقليدية الانفتاح الكبير الذي عرفته عمان منذ القدم، والتأثيرات الكبيرة التي طرأت على الفكر الموسيقي نتيجة حركة التجارة النشطة بحكم الموقع الجغرافي.. وفي ندوة "الفنون المُغناة في عُمان وشبة الجزيرة العربية" التي نظمتها جامعة السلطان قابوس ، قدم الاستاذ الدكتور جان لامبير وهو متخصص في موسيقى الشعوب والأنثروبولوجيا ويعمل مديراً لمركز الدراسات وموسيقى الشعوب في جامعة نانتير في فرنسا محاضرة قيمة عن عن الموسيقى والرقص التقليدي، وفي هذا العدد نقدم حواراً لجان لامبير نسبر فيه اغوار تجربته ، ونقف على العديد من المحطات الحياتية والعلمية التي خاضها لامبير.
على ضفاف آخر من "أشرعة" هذا العدد هناك وقفة مع الوالد سيف بن محمد الطوقي ، وهو احد النساخين العمانيين الذين مارسوا هذه المهنة بأدوات بيئية عمانية خالصة ، أثروا فيها المكتبة العمانية في ذلك الوقت بالعديد من الكتب القيمة التي سهروا على نسخها رغم انعدام الامكانيات التقنية، حيث يحدثنا محمد العيسري عن هذه التجربة العمانية الفريدة وابرز محطاتها مع مهنة النسخ.
في صميم النقدم يقدم عبدالحليم البداعي تحقيقاً عن "النص الموازي" يسقرئ فيه اراء مجموعة من النقاد المتخصصين ، الذين تباينت رؤاهم وطروحاتهم حول هذا الموضوع.
الدكتور محمد المهري يقدم قراءة عن الذات والقصيدة العمانية يستعرض فيها بعض التجارب العمانية التي كتبت بعض نصوصها من منطلقات ذاتية ، ويحاول المهري تفكيك هذه النصوص وقراءتها بطريقة اكاديمية رصينة.
في الجزء الثاني من مقاله "الصناعات الحرفية العمانية بين الماضي والحاضر" يستعرض الدكتور فتحي الحداد في هذا العدد مدى تأثير الصلات العمانية على مختلف الصناعات القديمة وتداخلها مع العديد من الحضارات القديمة التي نقشت اسم مجان ومزن على معابدها ، مؤكداً بذلك عمق العلاقة التي حظيت بها عمان مع الحضارات القديمة... كما يحفل أشرعة بالعديد من المواضيع الاخرى.

المحرر



 

أعلى




"عَرُوسُ الحِبْر".. ديوان جديد للجزائرية سعاد سعيود

القاهرة ـ من أيمن حسين:
صدر عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة للشاعرة الجزائرية المقيمة في النمسا سعاد سعيود مجموعتها الشعرية الثانية "عَرُوسُ الحِبْر"، والتي تقع في 140 صفحة، وتضم 31 قصيدة مُوَزعة بين الشعر العمودي والحر.
وفي ديوان "عَرُوسُ الحِبْر" تتنوع القصائد ما بين الرومانسي والثوري، في لغة شعرية أنثوية خالصة، وتحلق سعاد سعيود في حدائق ومجاهيل الشعر وممكناته، عائدة من سفر طويل محموم بالاغتراب، مهمومة بقضايا الأمة؛ مُنهكة بالمواجع، تعود بالذاكرة إلى أعوام مضت، حينما ضاعت المعاني ومات الحلم في وطن لم تعشق غيره ولم تعشق بعده.
ومن قصائد الديوان: وذبلت الحروف وشاعرة في قائمة الإرهابيين وحلم عربي وشر البلية ما يضحك واستقالة من الشعر وصرخة في وجه الرجل العربي وقلت الوداع وربيع بلادي أسالك وهل أبكي غزة أم أبكي العرب وتناقضات ومازلت أنتظر وبماذا تحلم ثليجة البيضاء وإلى متى يا حواء لا تعرفين وخيوط العنكبوت وغـزة سامحينا ووبكت وداد.
وتمثّل الشاعرة الجزائرية "سعاد سعيود" تجربة إبداعية متفردة لمزاوجتها بين أكثر من لون أدبي، وبرزت معالم هذه التجربة مبكّرا أيام طفولة، ونضجت مع مر الزمن ملامح إنسانة صهرتها تجارب علم النفس والترجمة والتدريس على مدار عقدين، حيث تكتب الشعر العمودي والحر، كما لها تحليقات في سماء قصيدة النثر والقصة والرواية.
وصدر للشاعرة الجزائية من قبل ديوان شعري بعنوان "العصافير البيضاء لا تموت" عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام، القاهرة، 2009 ، وما زال قيد النشر مجموعة قصائد نثرية بعنوان "لحن لقيثارة هادئة"، والمجموعة القصصية "تموت السنابل واقفة"، ورواية "فقط امرأة".



أعلى






سيف بن محمد الطوقي.. رحلة مع القلم والمحبرة والكتاب

موهبة فذّة صنعتها التربية الأبوية والتعليم في الكتّاب
رحلة مع النسخ بداياتها من " أكتاف الإبل "
"الحلف" و"العقار" أقلام مصدرها البيئة العمانية

رغم أن بواكير مطبوعات تراثنا الشامخ قد دخلت بلادنا في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ثم توالت جهود طبع مكنونات التراث ونشرها إلا أنها لم تكن بالحجم الذي يغني عن النسخ ، وقد استمر الحال على ذلك إلى عهد قريب.
وعليه فلا زلنا نجد بين ظهرانينا من لا يزال على قيد الحياة من أولئك الرجال الذين أطفئوا بعض شموع شبابهم بين المحبرة والقلم.. ولعل كثرة كاثرة مما بين أيدينا من مخطوطات نسخت إبان القرن الرابع عشر تجعلنا نؤمن بتلك الحقيقة.. وفيما يلي من أسطر أردت أن أسرد بعض خلجات نبعت من شخصية ضمن تلك الكوكبة عايشتها طويلاً ولا زلت أعايشها. رجل ناهز الثمانين، احترف النسخ في عقده الثاني لا ليكسب قوت يومه فحسب بل لأنه عشق ما ينسخ وما ينسخ به وما ينسخ فيه إن جاز التعبير.
الشيخ الجليل سيف بن محمد بن سالم الطوقي. من مواليد قرية السباخ بولاية إبراء ، ولد في الرابع عشر من ذي الحجة سنة 1348هـ الموافق 13/ مايو/ 1930م .عرف القلم وهو في سن السادسة وبدأ في النسخ في سنته الحادية عشرة حتى شد الرحال إلى زنجبار سنة 1370هـ الموافق 1950م وعاش فيها أربعة عشر عاماً لينتقل بعدها إلى بوروندي التي مكث فيها ثلاثة عشر عاماً ، ثم عاد إلى وطنه الأم سنة 1397هـ الموافق 1977م.
هناك عوامل عدة جعلت مهمة نسخ مكنونات التراث تستهويه، منها البيئة التي عاش فيها بين تربية أبوية فذة نالها من أبيه الشيخ محمد بن سالم بن عامر الطوقي، وتحفيز أساتذته الذين تعاقبوا على تعليمه بدأ من كتاتيب معلمي القرآن الكريم وانتهاء بشيخه الجليل سعيد بن عبدالله بن غابش النوفلي رحمه الله.
المسيرة العلمية
حول مسيرته العلمية تحدث قائلاً: "كغيري من أبناء بلدي يبدأ الطالب بتعلم القرآن الكريم ، كانت مدرسة القرآن لا تبعد عن بيتنا سوى أمتار ، ولا زلت أذكر المعلم سيف بن جمعة العامري الذي ذهب بي والدي إليه دون رغبة مني بل جرني إليه بقوة وكنت أبكي حتى وصلنا المدرسة. ولا زلت أذكر حين سأل المعلم أبي قائلاً: هل تريد لابنك تعليماً؟ فأجابه نعم ما جئت به إلا ليتعلم . فرد المعلم : سأعلمه لكن بشرط إن خالفني في أمر أو ظهر منه ما لا يليق (أقلع عين وأودر عين) أي أفقأ عيناً واحدة وأترك الأخرى. وقد بقيت أتعلم عنده عاماً واحداً فقط ، وكان عمري آنذاك خمس سنوات. ولما بلغت السادسة انتقلنا إلى المسجد الجامع ببلدة القناطر ودرست كتاب تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان للإمام نور الدين السالمي ، عند المعلم رشيد بن علي الضاوي. ثم تعلمت الخط على يد المعلم سيف بن سعيد الشكيري.
وكنا آنذاك إلى جانب ما نتعلمه من أساتذتنا ، نقرأ القرآن بعد صلاة الفجر مع آبائنا ونتعلم تعليماً ذاتياً فنقرأ من الكتب القليلة المتوفرة آنذاك في الفقه واللغة والأدب ، وننقل أبيات الشعر والحكم والأمثال.
ومن الدوافع التي كان لها بالغ الأثر في تلقينا العلم آنذاك ما كان يرغبنا به والدي رحمه الله من جوائز مالية مقابل حفظ سور القرآن وأبواب من جوهر النظام وغيره من الكتب ، فكنا أنا وإخوتي نتسابق ونتنافس في تحصيل العلم.
ولما بلغت سن الحادية عشرة وبالتحديد سنة 1359هـ جاء إلى السباخ شيخنا وأستاذنا سعيد بن عبدالله بن غابش الحبشي رحمه الله بدعوة كريمة من كل من والدي رحمه الله والآباء سيف وخلفان بني محمد بن سعيد العيسريين رحمهم الله ، وقد رحب به الأهالي وطلبة العلم. وبدأ بتدريس من هم أكبر مني سناً ومنهم إخوتي علي وعبدالله، وقد كنت أنا ضمن المجموعة الثانية أو الجيل الثاني ممن درس على يديه. وبقيت لدى أستاذي سعيد بن عبدالله لمدة سبع سنوات تقريباً أتلقى العلم لفترتين صباحية في مسجد الحريزية ومسائية في مسجد الأمباة ، وقد بدأنا بكتاب تلقين الصبيان ثانية ثم قرأت عليه ملحة الإعراب للحريري وشرح ابن عقيل لألفية ابن مالك ثم قرأنا بلوغ الأمل في إعراب المفردات والجمل للشيخ السالمي ، ودرسنا شيئاً من الفرائض والمواريث . ثم قرأنا كتاب بهجة الأنوار وهو شرح أنوار العقول في التوحيد للإمام السالمي ثم انتقلنا إلى كتاب مشارق أنوار العقول . كما قرأنا شرح الجرجاوي لشواهد ابن عقيل على ألفية ابن مالك ، ودرسنا أيضاً كتاب جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام للإمام السالمي ، حتى أكملناه. والحق يقال كان لشيخنا سعيد بن عبدالله رحمه الله الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في اكتسابنا العلوم النافعة.
كما كان رحمه الله يحثنا على بذل قصارى ما نستطيع في سبيل طلب العلم ، وكان إلى جانب تلقينه لنا العلوم يغرس في نفوسنا الأخلاق والقيم الفاضلة ، وكانت دروسه مزينة بسحر بيان الشعر والحكم والقصص والمواعظ والأمثال".
مع الأدب
لا نبالغ إن قلنا أنه في كل جلسة وفي كل موقف وفي كل رحلة وفي كل لقاء بينه وبين أهله وأبناءه وأفراد مجتمعه ومعارفه لا يخلو حديثه من بيت من الشعر أو مثل سائر أو حكمة بليغة أو قصة هادفة ، ناهيك عن الكم الهائل مما تختزنه ذاكرته من الشعر مقتطفاته ومطولاته.
تحدث عن العوامل التي ساهمت في تكون الملكة الأدبية والحصيلة الشعرية لديه فقال ما معناه: "لقد كان والدي رحمه الله أديباً حافظاً لبقاً محباً للأدب والشعر يردد على لسانه الأبيات والقصائد الشعرية ويكتبها في مجلدات كتبه وفي جدران بيته ، وكان ذلك واحداً من الدوافع .
فمثلاً مما أذكره أن والدي كان إذا ضاق به أمر كان يقول :
إن كان عندك يا زمان بقية .... مما تهين به الكرام فهاتها
وأذكر مما كتبه والدي في المكان الذي ينام فيه في الجدار :
إذا لم تكن أرضي لعرضي مصونة ... رحلت ولو نادت فلست أجيبها
رحلت إلى أرض سواها تعزني ... ولو كان يعوي لي من الجوع ذيبها
وكتب أيضاً:
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فلا الدرع مناع ولا السيف قاطع
كما كان الشعر والحكمة يجريان على ألسن الآباء الذين عاصرناهم كالوالد خلفان بن محمد العيسري ، فلا زال في حافظتي ما كتبه من حكم كقول القائل :
الجود ستر صالح .. والبخل عيب فاضح
وكالحكمة المشهورة: الصدق منجاة، والكذب مهواة
وقد عاصرت أيضا الوالد عبدالله بن راشد الطوقي الذي كان أكثر حديثه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. وتعد الحصيلة التي جنيتها من مدرسة شيخي سعيد بن عبدالله بن غابش عاملا أساسياً.
وقد كانت البيئة التي احتضنتنا آنذاك مرتعاً خصباً لتذوق الشعر وللمحاولات التي بدأنا بها منذ نعومة أظفارنا، وكانت لنا محاولات مبكرة في نظم الشعر ، كما تبادلت مع أقراني ومعارفي المطارحات الأدبية منذ الصغر ، ومنهم على سبيل المثال الشيخ سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي ، وقد كان سني آنذاك لا يتجاوز ثلاثة عشر عاماً .
كانت تلك إذن ملامح من البيئة التي عاش في كنفها والتي ألهبت مشاعره تجاه العلم مادة ومعنى.

رحلة النسخ

في زيارة لبيت أبيه الكبير الذي بني في أواخر القرن الثالث عشر الهجري والذي لا زال شامخاً ، استوقفتنا الكثير من الكتابات في جدرانه المختلفة والتي تشكل حصيلة ثمينة من تأريخ للأحداث المختلفة خلال قرابة قرن من الزمان ، ومن ضمنها كلمات سطرها يراعه في أحد الجدران وذلك سنة 1354هـ وعمره آنذاك لا يتجاوز ست سنوات.
كانت تلك هي رحلة البداية. بداية مع الجدران وأكتاف الإبل .
تعلم الخط كما جاء في كلامه آنفاً لما بلغ السادسة مع المعلم سيف بن سعيد الشكيري ، وكان هذا الأخير أحد أشهر النساخ وكتبة العدل بإبراء خلال القرن الرابع عشر الهجري. وسرعان ما أتقن الخط خلال مدة يسيرة فاق خلالها أقرانه الذين شهدوا له بذلك.
ثم نمت مهاراته في الكتابة إبان تلقيه العلم على يد شيخه سعيد بن عبدالله بن غابش الحبشي رحمه الله الذي جاء إلى إبراء سنة 1359هـ .
ولكون الشيخ سعيد بن عبدالله قد احترف مهنة النسخ أيضاً لسنين طويلة فقد انعكست تلك الهواية في جملة من تلامذته جاء هو في مقدمتهم.
وإبان اشتغاله بالنسخ كان كثيراً ما يكتب مراسلات والده وبعض ذويه وجماعته ، كما كتب بعض صكوك البيع والوصايا والهبات والأوقاف وغيرها ، مما كان له بالغ الأثر في بلوغ خطه غاية الحسن والجمال ، وهو ما يتميز به إلى يومنا هذا.
وخلال جلوسي إليه كثيراً ما تتوارد أسئلة حول رحلته مع النسخ ، وقد حكى الكثير من تفاصيل تلك الرحلة . وحول المواد والأدوات المستخدمة نوردها كما يلي:
الأقلام
كانت الأقلام المستخدمة آنذاك عبارة عن أعواد من شجرتي (الحلف) و(العقار) اللتان تتشابهان شكلاً مع سياط الخيزران إلا أن أعوادهما أدق وليست بتلك الصلابة ، فكان العود يبرى بآلة حادة كسكين أو موسى ويشق من أعلاه ليمتص المداد بعد أن يغمس في المحبرة أو الدواة.
وبعد أن تردد والده إلى الشرق الإفريقي وزنجبار خاصة جلب من هناك أقلاماً حديدية بها رؤوس تمتص الحبر ولا تحتاج إلى البري المستمر وقد بقي يستخدمها طويلاً.
المداد
هناك عدة مصادر كانوا يلجئون إليها للحصول على الحبر أو (المداد) منها مكان قريب من قرية السباخ بسفالة إبراء ، وبه طبقة طينية يميل لونها إلى السواد ، ويعرف ذلك المكان بـ(الشواء) وقصة تسميته بالشواء كما يروي الأجداد أنه بقايا للشواء الذي يدفن في أيام العيد وهو شواء قد دفن منذ سنين طويلة واحترق ثم تحلل وامتزج بتلك البقعة الطينية ، فكانوا يستخلصون منه سائلاً أسود ويجعلونه مداداً لكتاباتهم.
وأما الحبر الأحمر فكان مصدره سدرة لا زالت باقية إلى يومنا هذا وتعرف بـ(سدرة المزحاط) وقد كان بها تجويف يسيل منه سائل أحمر كانوا يجعلونه مداداً أحمر.
وإبان تلقيهم العلم على يد الشيخ سعيد بن عبدالله بن غابش ابتكر الشيخ طريقة جديدة لصناعة الحبر ، وتتمثل من الاستفادة من دخان السراج المعروف بـ(سراج أبو سحة) وذلك بأن يوضع أعلاه طبق كصحن أو صينية أو ما شابه ويفرش أسفله رداء أو ما شابهه ، فيحدث دخان السراج تجمع مادة كربونية سوداء تتساقط في الرداء أو القماش الذي يوضع في الأرض ويتم جمع تلك المادة الكربونية ومزجها بالصمغ فيتكون المداد الذي يضفي للكتابة لمعاناً ورونقاً جذاباً.
ثم تطور الأمر إلى جلب مداد جاهز لونه أزرق يسمى (سماوي) كان يجلب من الهند ويستعمل صبغاً للثياب في الأصل إلا أنهم اهتدوا إلى جعله مداداً للكتابة.
الورق
يقول: كانت هناك عدة أصناف من الورق منها الورق الأبيض الكبير المائل إلى الصفرة وكان يسمى بالورق الشامي وقد كانت تنسخ فيه الكتب والمصنفات الكبيرة ثم تجلد بالطريقة المعروفة آنذاك . وهناك الورق الكبير الذي يكون عبارة عن قطعتين متلاصقتين متقابلتين وكان يسمى بـ(الطبق) وهو في الغالب يستخدم لأغراض غير نسخ الكتب ككتابة الرسائل والصكوك وغيرها.
وهناك الورق السميك والخفيف والمخطط وغير المخطط ، وكلها أصناف كانت تأتي إلى عمان من بلدان عدة كالبلاد الإفريقية والهند وغيرها.
التجليد
لم يكن التجليد من مهامه واختصاصاته فقد كان يبعث بالكتب التي ينسخها إلى من يجلدها ، وقد ارتبط ببعض من كان يقوم بتلك المهمة كالشيخ ناصر بن حميد الراشدي من أهالي سمد الشأن وغيره ممن كانوا يجلدون الكتب بجلود الحيوانات بعد أن تدبغ وتجفف وتبطن بجلد سميك وتوضع المواد الصمغية اللاصقة بعد صف الورق وترتيبه.
وقد وجدته كتب في أحد المخطوطات عبارة (أجرت على تجليد هذا الكتاب بمائة بيسة).
ماذا خط قلمه؟
لا شك أن المدة التي قضاها في النسخ وهي قرابة عقد من الزمن كفيلة بأن تجعلنا نقدر أنه نسخ الكثير من الكتب والمصنفات والمجموعات، وهو ما شهد به بنفسه ، ومع قرب العهد وبقاء الرجل على قيد الحياة ـ أطال الله عمره ـ إلا أن الكثير منها تفرق وضاع لما لحقها مما لحق غيرها من الإهمال.
إلا أننا نقول أنه لا يبعد أن تكشف لنا الأيام بعضاً مما لا يزال مغيباً ، وما يدفعنا إلى هذا التفاؤل هو أن جملة من المخطوطات التي خطها قلمه عثرنا عليها في قلائل السنين المنصرمة ، وكلما أريناه أحدها بادرنا قائلاً : لا أذكر أنني نسخت هذا من كثرة ما نسخته . ولعل انقطاعه إلى طلب الرزق في الشرق الإفريقي لمدة تقارب سبعة وعشرين عاماً كان أحد أسباب تناسيه لبعض ما نسخ ، فقد ترك مهمة النسخ بمجرد سفره إلى زنجبار واشتغاله بطلب الرزق هناك ، إلا أننا نجده قد علق في ذاكرته مثلاً أنه نسخ للشيخ الراحل سالم بن حمد الحارثي كتاب بلوغ الأمل في إعراب المفردات والجمل وقد مكث شهراً ينسخ الكتاب مقابل قرش واحد . وقد جرى تذكر قصة هذا الكتاب في زيارته للشيخ الفقيد في مرضه الأخير الذي مات فيه.
وقد عثرنا على المخطوط في مكتبة الشيخ الراحل ويبدو أنه من أوائل الكتب التي نسخها وكان ذلك سنة 1360هـ.
ونجمل ما عثرنا عليه حتى الآن من مخطوطات خطتها يده فيما يلي:
* أنوار العقول في التوحيد وقد جاء في آخره: "قد تم نسخ هذه الأبيات في يوم 20 من شهر رمضان المبارك سنة 1363 بقلم سيف بن محمد بن سالم بن عامر الطوقي بيده الفانية".
* شرح أرجوزة الفرائض للشيخ قسور بن حمود الراشدي ، وهو شرح للشيخ قسور لأرجوزة الشيخ عبدالله بن غابش النوفلي في الفرائض ، وقد جاء في آخره: " قد تم نسخ هذا الكتاب بعون الملك الوهاب وذلك في عصر الإمام العادل نور الإسلام محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي بقلم الحقير الفقير لله المذنب سيف بن محمد بن سالم بن عامر الطوقي الحارثي الإباضي بيده في يوم 12 رجب والثلاثاء سنة 1363هـ".
* أرجوزة الشيخ عبدالله بن غابش النوفلي في الفرائض ، وجاء في آخرها : " قد تم نسخ هذه الأبيات في عصر الجمعة يوم 25 من الشهر المحرم سنة 1364هـ بقلم العبد الحقير لله تعالى المعترف بالتقصير سيف بن محمد بن سالم بن عامر الطوقي بيده".
* بلوغ الأمل في إعراب المفردات والجمل ، وقد عثرنا على ثلاث نسخ بخط يده ، الأولى بها الأرجوزة والشرح نسخها سنة 1360هـ والثانية بها الأرجوزة فقط أتم نسخها في 10 ذو القعدة 1361هـ والثالثة الأرجوزة والشرح وقد نسخها سنة 1367هـ.
* النشأة المحمدية ، للشيخ أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي ، وقد نسخه للشيخ عبدالله بن راشد الطوقي ، وأتم نسخه في 11 جمادى الأولى 1365هـ.
* مجموع شعري ، انتقى فيه جملة من أشعار معاصريه وغيرهم ، وختمه بقصيدة له وجاء في آخره: "قد نسخت هذا الكتاب لنفسي وأسأل الله الملك الوهاب أن يرزقني حفظه والعمل به وأنا الحقير لله تعاى سيف بن محمد بن سالم بن عامر الطوقي بيده الفانية ، وكان تمام نسخه في عصر الإمام المنصور عين الزمان ونور الإسلام محمد بن عبدالله بن سعيد بن خلفان الخليلي ابقاه الله آمين ، وذلك في يوم 25 شعبان صباح الإثنين سنة 1363 .
وأخيراً .. من طرائف حديثه يقول: حينما كنا نكتب في أكتاف الإبل كنا نمحو الكتابة بقطعة من الثياب كنا نحصل عليها من النساج وتسمى بـ (الطغية) ومعناها القطعة الزائدة عن الإزار حينما يصف النساج نسيج الإزار في (الكارجة) أو النول وهي أداة صنع النسيج ، فيعطينا النساج تلك القطعة التي لا يحتاج إليها فنستخدمها في محو ما نكتبه في الكتف .
أما محو الكتابة من الورق فلا يجرؤ عليها إلا من يملك المهارة الكافية لذلك . كنا نستخدم بعض الأدوات الدقيقة والحادة كإبرة أو موسى أو ما شابهها لحك الجزء المراد محوه ، وتعتمد قابلية هذه الطريقة على سمك الورق ونوع الحبر.
وحول تجربة الأقلام يقول : كنا نجرب القلم قبل البدء في النسخ بأن نكتب في ورقة أخرى أو في جلد كتاب أو في جدار ، فكنا نكتب عبارات جميلة منها عبارة: (نجرب القلم فما فلح من ظلم) ومنها قول القائل:
نجرب أقلامنا بالمداد ... لنعرف إصلاحها مِ الفساد
ويقول: كنا ننكب على نسخ الكتاب الواحد قرابة شهر أحياناً مقابل قرش واحد لا غير.
فما أجملها من رحلة مع قلم ودواة لتسطير فنون العلم بحروف من ذهب ليجد الرجل نفسه بعد سنين طويلة في ما يسمى بالعصر الرقمي الذي نسي أهلوه أو تناسوا ذلك القلم وتلك الدواة ولم تنسها الذاكرة ولا سطور التاريخ.

محمد بن عامر العيسري

أعلى








يبحر عبر "الرصاص" في زورق بالتماس قفشة من شعر أصابعه بين بنان الجميع
التشكيلي يونس الحبسي : للفنان تفرد خاص وجوف خال من التزمت والتصنع ما أن يجد سماءه صافية للبحث في مساحات الإبداع

الفن التشكيلي يفرض نفسه بفنانيه ويحاول طمس قدرات الدخلاء عليه
قلم الرصاص.. منه أجد سمو اللوحة وفيه تكون الفكرة
البورترية قصة تحمل في ثناياها أجمل الصور لمعالم الوجوه

حاوره ـ فيصل بن سعيد العلوي :

يونس بن يعقوب الحبسي فنان تشكيلي وعضو الجمعية العمانية للفنون التشكيلية منذ عام 2003م شارك في العديد من المعارض وحلقات العمل التي تقيمها الجمعية منذ 2002م، شارك في مهرجان مسقط منذ عام 2001 إلى عام 2007م كرسام وجوه، كما شارك في ملتقى "قابوس عمان" الملتقى المفتوح لرسم أفضل لوحة لصورة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، شارك في آخر حلقة عمل أقامتها الجمعية في "التجريد" بإشراف العراقي صلاح الحيثاني.. يصنف نفسه من الذين ينتمون للأعمال السريالية والتي تتميز بفكرها المختلف كيفما صنفها فنانون آخرون وأسلوبها الخارج عن رؤى الحياة الواقعية, والمرجعية السريالية تعود لشهرائها "سلفادور دالي"، و"مارك" و"بول كلس" يقول عنها بأنها إيلاج للمحدود واقتحام عارم وكاسح لخواطر النفس البشرية على حد رؤية مبهمة ترتدي حجاب الواقع الاجتماعي والفكري والذي يبرز بشكله ولونه في حدود المنطقة وأيضا إلى مزيج شكلي مرتفع بطبيعته من خلال صدفة إبداعية التفتت للفنان ليراهن بها أقرانه الفنانين.. "أشرعة" تحاور هذه الواقعه الإبداعية في تجربة يونس الحبسي لنقترب من التفاصيل..


* بداية.. ما هو المحرض الحقيقي لفكرة العمل الفني والإمساك بالريشة؟
** إن اعتبرته تحريضاً فسيسبقني القول أن ما أتعمد التفوه به والتعليق عليه للإجابة على سؤالك أجده في أسبقيات الفنانين التشكيليين منذ الحقبة الأولى والذين تركوا للقادمين أسس السياق القائم على تنمية مساحة الفنان وتحريضه على كيفية تنظيم بحثه في زوايا توصله إلى وضع خط مستقيم تحت بوصلة تنير له كل اتجاهات الطريق الذي سيسلكه لتلبية احتياجاته الفنية والتي تقاس في بداية محاولة إتمامه للمعايير الأولى من قواعد الفن التشكيلي وما يجتمع به من إحساس غير مجهض أو مصطنع وصادق التعبير مع تكوين رضوض أولى ترقع من قبضته على ريشته وقع بصماته وتعزيز سلوكه لتصحيح أخطائه الماضية ولما أراه من تبادل الثقافات بين الفنانين أمر ربما يكون سبباً لتبني أحد الفنانين لوحة تشكل روائعه وتخط مفردات أنامله الصماء في الاستيفاء بتعبير كامل من أجل إتمام رسالة الفن التشكيلي.
* "الفكرة" كيف تتعامل معها في لحظات تداخل افكار أخرى تؤرق الفكرة الحقيقية.. هل تربكك؟
** للفنان تفرد خاص وجوف خال من التزمت والتصنع ما أن يجد سماءه صافية للبحث في مساحات الإبداع حتى يصل إلى فكرة شاذة ومريضة محاولة منه إسعافها ومعالجتها، مما يجعله متخبطاً في طرح المشكلة، حيث تتلاطم أفكاره بعد تعدد مستمر في مقاييس بحثه، وكيفية علاجه للمشكلة وكثيراً, ما واجهتني مثل هذه المواقف، وتعاملي معها عبر طرح النقاش مع الفنانين وأخذ الآراء للوصول إلى حل ما.
طمس الدخيلين

* صف لنا مشهد الفن التشكيلي المحلي بحسب رؤيتك؟
** الفن التشكيلي العماني في تقدم محاولا طمس قدرات الدخيلين عليه فارضاً نفسه عازفاً بفنانيه عن الذين يسعون في وضع سمومهم وغرس خدوشهم على بطانة اللوحة العمانية وأنا وبشهادتي التي ستظل ناقصة في فضل من أسميها بالإطار الصامد "مريم عبد الكريم" والتي (متمثلة بالجمعية) ترعانا معنوياً ومادياً ونفسيا ساعية ومن خلال تنظيم خطط تتلخص في إكمال البناء وتجديد ما انتهى به آخرون ممن سبقوها بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية، والشهود كثر على قيادتها دفة الجمعية.
* الجمعية العمانية للفنون التشكيلية الدعم والإمكانيات والطموح.. ماذا تعلّق؟
** عندما تأخذك نظرة عامة حول مبنى الجمعية من الخارج سيملأوك الهدوء التام بذاتك ولن تعي مدى الزخم وتنافس الموظفين بداخل مبنى الجمعية والمدركين لأهمية ما يقومون به من أعمال أصفها كخلية نحل مكتملة فيما يدفعنا نحن الفنانين للأرتياح التام والتفاعل بين بعضنا البعض، حيث إن دور الجمعية قائم على صقل مواهب الفنان وتلبية احتياجاته الفنية دون إعاقة لمتطلباته ودون ترك ثغرة من الممكن أن تحبط الفنان نفسه، ولا يسعني إلا أن أرفع لقسم شؤون الفنانين والفنانات على تفانيهم لمهامهم في هذا الدور.

قلم الرصاص

* من أنت قبل هذا وإلى الآن؟ من هو رفيقك؟
** لازلت أبحث ولم أكمل عقدا لعشر سنوات الى الان ومن يسعى للوصول إلى الكمال فهو يسعى للرجوع إلى البداية لان الفن التشكيلي لازال يبحث عن ذاته فينا ولا يمكننا القول إننا وصلنا إلى حافة إتمامه.. رفيقي آخذه مستشعرا بأهميته ـ قلم الرصاص ـ فمنه أجد سمو اللوحة وفيه تكون الفكرة.

نقص في ثقافة المتلقي

* رسم الصور الفوتوغرافية هل تراه إبداعا أم تكرارا بأبجديات مختلفة؟
** الرسم من الصورة الفوتوغرافية ما هو إلا محاولة جادة من الفنان لتجديد مهاراته واستقراء ما لديه من مفاهيم يتعامل معها في اللون والقماش سواء كانت صورة بور تريه أو واقعيه ولا أرى أنها اقل أهمية من الصورة الكامنة بمخيلة الفنان بل أجد من الصعوبة بمكان ان يحاول الفنان تصوير منظر معين وبدقة تتزامن مع مهارات فردية في الالتقاط وبمقاييس مدروسة من لكيفية انتقاء صورة في محاولة رسم ما تم التقاطه, وما أحب التنويه عليه ان الاستهانة بمكانة اللوحة المرسومة من منظر التقط بآلة تصوير وعدم النظر لقوة الألوان ودقة العمل في لوحة فنان أكد قدرته على نقل كل التفاصيل الموجودة بالصورة الفوتوغرافية ما هو إلا نقص في ثقافة المتلقي أو الناقد لما لا يعي مايحتاجه الفنان من تصفية لذهنه واستلهام صادق واختيار للالوان عبر خليط متكرر يكفيك قولا أن هذا الفنان كان ويبقى مخلصا لألوانه وريشته ولوحته.
* هل تؤكد على صحة أن الفنان التشكيلي العماني فنان مقلد؟
** يؤسفني هذا التعبير كثيرا لأنه تعبير خاطئ وذلك ليس دفاعا فحسب ولكن من ينظر ويبحث جديا في مسيرة الفن التشكيلي العماني يختلف برأيه كثيرا عمن يسمع ومن قال "يقال" فهو من المنصتين للذين يقولون والذين يقولون كثيرون, وما يؤسفني ان هذه الشططات والأقاويل قد تصدر من بعض ليس لهم قاعدة فنية وفي من يقبعون على أياديهم وينظرون من بعيد.

للبورترية.. قصة

* صورة البورترية.. ماذا تمثل لك؟ وكيف تتعامل معها؟
** البورترية قصة تحمل في ثناياها أجمل الصور لمعالم وجوه عمانية باقية وتعاملي معها هو كمحاولة تطويري في استخدام خامات متنوعة كأقلام الرصاص والفحم والكربون والباستيل وذلك لإظهارها بشكل جيد يليق بماهية السر الدفين لعالم البورترية.
* هل البورترية تتميز بالسهولة عن باقي المدارس الأخرى؟ وهل تستخدم في رسم البورترية الألوان أم أنك تستخدم قلم الرصاص فقط؟
** البورترية هي تجربة وعرة وأنيقة تكمن في اعماق الفنان الذي يتقنها ويفتش في تناسلاتها الزمنية لاعداد الاحياء من الفنانين بالساحة ام الذين تركوا بصماتهم لتتداخل عشرات الألوان على وجه واحد عن بقية المدارس التشكيلية وأنا أرى أنها "مغايرة ايجابية" تتوصد لنا عبر أبواب الابداع لفنانين خرجوا من أغشية فطرية لا رقابية القواعد الى احتمالات جادة صائبة في تتويجهم فنيا على حد رؤيتي, واحتضان تجربتهم بشتى انواع المتاح في رسم البورترية وللاجابة على الشق الثاني لسؤالك فانني اجد في الرصاص عبور البحر في زورق قاعدته السهل الممتنع بالتماس قفشة من شعر أصابعي حينما يسعفني مجدافي القلم ويضعني بين بنان الجميع.
* خامت الرسم المختلفة المعروفة.. كيف تتعامل معها وأيهما يجذبك أكثر؟
** لكل خامة منهن فصل معين وتعامل خاص بكيفية الاستعمال وكل مسمى منها يعرب عن محتوى استخدامه فمثلاً الألوان المائية واعتبرها من أصعب الخامات التي يمكن للفنان أن يدركها وأرى فيها المصادفات الكثيرة والأخطاء التي لا تكتفي أن تغادر لوحتي لأنها تجتاح زوايا الورقة وفي سرعة جفافها يكمن سرها وهنا لا بد للفنان أن يكون حرياً في كيفية التعامل مع الألوان المائية.. أما بالنسبة للزيتية فأجدني أقرب كثيراً إلى هذا النوع من الخامة لأنها تمهلك أكثر من فرصة لتعديل أي خطأ يصادفك وهي الخامة التي يمارسها أغلب الفنانين في الجمعية.. وإلى الآن تجاربي منحصرة على الألوان الزيتية والرصاص وأقلام الفحم.. ففي الرصاص والفحم تأسيس وتأصيل للجسد الباطني للوحة .

مفتوح الأبواب

* صف لنا مستقبل الفنان التشكيلي في السلطنة؟
** المستقبل قد فتح الأبواب على مصراعيها بعد ذلك تأتي عبر أروقة المعارض زوايا تتيح لمن يطمح إلى الوصول للاحتفاء بنفسه وبلوحته ووطنه، ولا مستقبل لمن وضع في ذاته مديحا مفرطا ومبالغا فيه ودون أن يجد لنفسه لوحة تتحدث عنه وتمثله، فمنذ انتمائي إلى الجمعية العمانية للفنون التشكيلية وبصورة وبأخرى وفي مصادفة غريبة وكثيراً ما أرى فيها فحوى الفنان وعشقه وحبه لتقديم ما هو جديد وفي أول مشاركة لي بإحدى الورش وأول حضور لي على أكتاف أحد المعارض التي أقيمت في عام 2001 وما يزخر في أعماقي من طرق أروقة الخطط المثالية بمن اسميهم بهرم الإدارة بالجمعية في تخطيط المستقبل الآتي الذي يسألنا ونسأله ويعرفنا ونعرفه ويأتينا وسنأتيه لصقل مواهبنا ومواهب القادمين وزرع وتوثيق أصول الماضين والمغادرين من فنانينا وبحث الجمعية الجاد والدؤوب لوضع أدراج النجاح بين أيدينا والحصول على ما نريد والمأمول قد يستمر لوقت أطول ولكن تبقى هناك عزيمة الفنان في تأسيس ذاته وتعزيزها ولا أحب تكرار ما مضى ولكن كما قيل تذهب الجسوم وتبقى الرسوم والفنان لا يكف عطائه ولا يجف.

* لو لم تكن تشكيلياً ماذا ستكون؟
** سؤالك ذا يعيدني إلى قصة مع أحد الأصدقاء إحدى يداه مبتورة لسبب من الأسباب لكن ظل ينافس بلوحاته وهو يرسم باليد الأخرى.. وتعليقي على سؤال سيكون أن الفنان يولد فناناً وليس هو من يختار ذلك.. لكن إن لم أكون تشكيلياً ربما متلقياً للفن التشكيلي.

مؤثرات نفسية

* ما هي علاقتك مع المتلقي في وضعية فهم اللوحة وفك رموزها، هل انت مهتم لإيصالها؟
** لم يكن المتطلع للفن التشكيلي متلقياً إن لم يضع نفسه في زحم اللوحة وتوجيه النقاش للفنان والذي يعيده بالفائدة وأنا ممن يهتمون بايصال الفكرة والمعنى والمضمون منذ بداية تأسيس اللوحة وحتى وضع الإطار المناسب لها.
* ماذا يؤثر على المستويات المختلفة التي يظهر فيها الفنان في لوحته؟
** هكذا هي اللوحة وهكذا هو الفن والفنان بشر، فهناك توجد ظواهر سلوكية من حولنا نحن الفنانين والتي ترفع بمستواك تارة وتحبطك تارة أخرى، والمؤثرات النفسية الخارجية والباطنية بذات الفنان لها دور فعال في التحكم بمقوماته ومن ناحية أخرى ربما يعود السبب إلى تنحي الفنان عن تثقيف نفسه بجل النواحي الفنية وتعزيزها إلى الأفضل وتركه أيضاً للجماعات التشكيلية القائمة على التنويع في المجالات التي تأخذ بيد الفنان كالورش الفنية والرحلات التي تقيمها الجمعية داخل وخارج السلطنة وذلك لإرشاد الفنان وتنويره فكرية للنظر عبر مرآة صادقة للوحات إخواننا الفنانون العرب والغرب ومدى تطور الريشة وعن أي مرحلة فنية قد استقروا عليها.

معرض مشترك

* ما هي نظرتك تجاه إقامة المعارض بمختلف أشكالها؟ وهل هناك نية لإقامة معرض خاص بك؟
** المعارض الشخصية أو المشتركة لفنانين عمانيين أو أجانب أو من الدول المجاورة للسلطنة تم تصنيفها كمعارض حيوية لتضع انعكاس حضارتهم في بلدنا وأنا من منظوري اعتبره حديث متواصل وانتماء صادق يدل على الولوج اللامحدود بمساحة الفن التشكيلي ويدل أيضا أن هناك مجموعة كبيرة من الكتاب والنقاد المتذوقين الخبراء والعارفين بمستوى ومكانة الفن التشكيلي في حياة الفرد والعائلة والمجتمع وبإذنه تعالى هناك نية لإقامة معرض مشترك مع أحد الفنانين ولن افصح عن اسمه الآن، ويبقى هذا الدور ملك للقائمين والمشرفين في الجمعية للاستعداد لمثل هذه المعارض.
* الجمهور العماني.. هل تراه متقبلا لفكرة الفن التشكيلي؟
** الجمهور العماني بواقعه وفي بيئته يميل للجمال ويدرك للحقيقة ما هية اللوحة ولكن لا يحبذو العمل الهش كفقاعة منفوخة لأنه سريعا ما يكتشفها.. الجمهور العماني يطمع في المزيد من العطاء والفنانون بالأحرى "الشباب" هم من سيسلبوا وسيلبوا كل متطلبات كل متلق للفن العماني.

بدون تجربة


* مواقف محبطة وأخرى سعيدة في تجربتك بشكل عام؟
** في الحقيقة ما زلت لا أملك أي تجربة فنية إلى الآن، ولا أعتقد أن هناك فشلا بدائرة أي إنسان سواء أكان فنانا أم غيره ولكن هناك نقاطا أحصل عليها في كل عمل، والصدف هي من تسعدني لأنها تتكرر في لوحتي.
* ما هي مشاريعك المستقبلية؟
** إقامة معرض شخصي تضج لوحاته بالرصاص.
* كلمة أخيرة؟
** لا أملك إلا الشكر الجزيل لملحق أشرعة والقائمين عليه لإتاحتهم فرصة التحدث عن مسيرتي الصغيرة في بحر الفن التشكيلي وعلني استهل الفرصة لتقديم باقة من الندى لأسقطها على خد استاذي ومعلمي وأخي وأبي عبدالكريم الميمني القائم على شؤون الفنانين في الجمعية العمانية للفنون التشكيلية سابقاً فهو من اعتبره همزة وصل كادت أن تكتمل وأتمنى عودته الرقيقة إلينا ثانية.


أعلى




النص الموازي .. التباسات المفهوم وإشكاليات التفعيل الوظيفي
فاطمة الشيدي: نحتاج المزيد من الوقت لخروج هذا النص عن حالته المرتبكة للدخول في حالة كتابة ناضجة مشروعة ومشرِّعة
سعيد الزبيدي: النص لا يمكن أن يقرأ إلا وفق نظرية شاملة تتسع لكل الإشارات والاحتمالات التي يكتنز بها
طالب المعمري: نحن أمام مهمة جديدة تجعلنا نعترف بأهمية الخارج النصي في تكوين ذات النص ومعناه


استطلاع ـ عبد الحليم البداعي:
إذا ما أردنا أن نضع تعريفا جامعا مانعا لحدوده الدلالية سنجد أنفسنا أمام سلسلة لا تنتهي من الصياغات التي نكاد نجزم بأن أيا منها لن يستحق الوصف (جامع ـ مانع) بجدارة لأنه لن يجمع كافة جزئياته الدلالية ويلملم شتاتها كما لن يمنع الالتباس والتداخلات المستساغة وغير المستساغة مع غيره من المصطلحات..
كما أن التسمية نفسها ـ بله التعريف ـ لم تسلم من ذلك بل إن المصطلح لم يصطلح عليه ذوو الاختصاص ولم يستقروا على رأي واحد.. فمنهم من يطلق عليه (العتبات) كجنيت ويحلو للبعض أن يسميه بـ(هوامش النص) كهنري ميتران أو (العنوان) بصفة عامة كشارل كريفل...الخ
ومهما يكن من شيء فإننا نعرض عن تقصي هذا الخلاف إذ ليس بذي طائل وما يهمنا هنا هو حضور هذا المصطلح في الكتابات النقدية العربية وما تبع ذلك من إشكاليات تتعلق بالتباسات المفهوم وإشكاليات تفعيله الوظيفي في النصوص الإبداعية...
(أشرعة) حملت هذا الموضوع وألقت به على طاولة النقاش مع نخبة من النقاد ذوي الإسهام البارز في الساحة الفكرية والثقافية العمانية فكان هذا الاستطلاع...

نصوص مستنبتة

محطتنا الحوارية الأولى كانت مع الشاعرة والناقدة الدكتورة فاطمة الشيدي والتي تقول: النص الموازي، أو نص على نص، أو كتابة أو على كتابة..الخ، هو نوع من النصوص المستنبتة (كما يمكننا أن نسرق من المصطلحات العلمية النباتية والحيوانية) من شكلين أو عدة أشكال من الكتابات الأدبية، وهو للحق مصطلح لم يستوِ على سوقه ليشكل مفهوما فنيا دقيقا ومتعارفا في الأوساط الثقافية، كما لم يصبح بعد شكلا أدبيا مستقلا، ولم تحدد سلالته الكتابية ليتجه إليه الكاتب قصدا عن علم ومعرفة واطلاع.
لكن يمكننا القول ـ مجازفة في توضيح لا اصطلاحي ـ أنه شكل فني من النصوص المتقاسمة الأمومة بين رحمي النقد والإبداع، أو حالة الكتابة عن نص معين يقع ضمن دوائر الإعجاب الفني غالبا لكاتب لا يشترط امتلاكه الأداة النقدية الأكاديمية، أو لا يحمل الرغبة في تشريح نص قريب من نفسه؛ إما لاقتناعه به من حيث امتلاك الخصائص الفنية العالية، أو لأنه يشكّل حالة من العلائقية الروحية معه أو مع كاتبه.
لذا فيميل للكتابة حوله أكثر من الكتابة عنه، وتأتي تلك الكتابة تشبه الكاتب والنص الأصلي معا، وفي حالة تخلّق مستديرة ومستمرة من داخله لخارجه، لإظهار جمالياته، بلغة أقرب للنصية الإبداعية منها للنقد الممنهج الصارم والدقيق، كتابة تتوسل الروح اللغوية التي تسير إلى جنب روح النص الأول؛ لتخلق حالة من الكتابة المتعالقة مع روحه، والموازية لدرجة بلاغته وأفكاره وارتكازاته، وحالة من الابتهاج المعرفي، والخلق الفني الجديد.
وبذلك يكون النص الموازي مرآة للنص المكتوب عنه، وصورة قريبة وموازية له، ويكون النص الأول شرارة الخلق التي آذنت بولادة النص الجديد، ويكون النص الجديد روحا منبثقة من جسد النص السابق، لذا فلا غرو أن تكون روحاهما متسقة، ومتوازية في الفكرة والمضمون واللغة، وفي درجة العمق، لأن النص الثاني يحاول أن يتخذ من النص الأول أرضية له، ويتصاعد معه في درجات الجمال متعالقا وكاتبا ومكتوبا.
من جهة أخرى يقدم النص المفتوح حالة مؤاخاة بين الإبداع والنقد، فهو نص يحمل نية الكتابة النقدية؛ إلا أنه يستخدم أدوات الكتابة الإبداعية غالبا، ويتقارب بشكل حنون وغير جارح مع المقالة والنص المفتوح، ومن هنا فهو يشكّل حالة من الارتباك في الانتساب، أو إشاعة الروح والدم بين الفريقين، وقد يختلف النقاد والمبدعون في انتمائه لأيهما، إلا أنه نص جريء في اقتحام المجال النقدي الصارم، وتخفيف حدة العجز وضعف المتابعة النقدية للنصوص المتدافعة بشكل كبير ومستمر، و لا يوازيها بطبيعة الحال حالة الإحجام النقدي عن المتابعة، والقراءة والتحليل، كما أنه أربك البرج العاجي للنقد، والذي يكتب منه النقاد، وأحدث فيه نوع من الهزة حين أتاح هذا النص الكتابة النقدية للمبدعين والمتابعين من غير اشتراط امتلاك العصا النقدية الصارمة، وهو نص قريب من المتلقي لسهولة التعامل معه، ولليونته، وخفة أجنحته من ثقل المصطلحات النقدية، والأدوات الصارمة، التي قد تحول دون تحليق المتلقي العادي معه، ولجمعه بين النقد والإبداع.
ولكن! قد يشكّل هذا النص حالة من فتح الباب (لمن هب ودب) للكتابة النقدية ولتقديم نفسه ناقدا وكاتب نص موازٍ، لعل الأمر إذا بكل ارتباكاته يحتاج للزمن والوقت والتشكّل الفني والمحددات الموضوعية؛ لخروج هذا النص عن حالته المرتبكة للدخول في حالة كتابة ناضجة مشروعة ومشرِّعة، وحتى ذلك الحين لا نملك إلا شفاعة الانتظار !!

فك رموز النص

أما الشاعر والناقد والدكتور العراقي سعيد الزبيدي فيذهب إلى أنه شاع الآن في الدراسات اللغوية والأدبية أن ينظر إلى التشكيل اللغوي (النص) بعد أن سعى المنظرون له في الغرب وبيان (عتباته: جيرارجينيت) و(هوامشه: هنري متيران) و(ملحقاته: محمد خير البقاعي) سواء ما أحاط بالنص من داخله أو خارجه . لذا أنا مع مصطلح (النص الموازي) على الرغم من اعتراضات تشكل عليه ، فإذا أدركنا ما كان له علاقة بالنص فيلزم أن نشير إلى من يتصدى للنص بحثا وتحليلا وتقويما، وهذا هو مدار الاختلاف بين المشتغلين عليه : في قراءاته المتعددة ،أو المتصارعة ،التي قد تكون خفية أو ظاهرة ، بعيدة ، أم قريبة فتقدم لنا نصين : المتن ،ونصا آخر يقدم له ، أو يعرف به ، أويتممه ،أويرشد إليه....الخ بحيث يكون من توابع النص أو ما أطلقت عليه (روافد النص) في تجربة سابقة.
واتضح لي أن (النص لا يمكن أن يقرأ على وفق نظرية واحدة بل على وفق نظرية شاملة تتسع لكل الاشارات والاحتمالات التي يكتنز بها النص بدءا من مؤلفه (وموقفه في النص ، وربما مواقفه الاخرى) وعنوانه وما يشي به، ومباحثه، وجمله، وتداخلها، وإهدائه ،وموضوعاته، وجدليتها بين سابقها ولاحقها ، فالنص الموازي نعني به ما كان إضافة ورديفا لايتضح النص المتن إلا به ، فأصبح أدخل في النص الإبداعي وضرورة لاغنى عنها إلا به ، ويهدف إلى تقديم صورة أوفى وأجلى في التحليل والتنظير النقدي .
أدعو إلى إشاعة ثقافة النص الموازي لتتسع نظرة المتلقي ويرتقي بمعرفته إلى فك رموز النص المتن وإشاراته لفهم خصوصيته ومواطن الإبداع فيه.

تصدع ثقافي

محطتنا الحوارية الأخيرة كانت مع الشاعر الدكتور طالب المعمري والذي يقول: تعتبر التعددية النصية ـ حسب شافر ـ إحدى القضايا الهامة في العملية النقدية المعاصرة؛ فليس بخاف ما تمثله النصوص المحيطة بالنص من أهمية في قراءته وتفسيره، إن التعالي النصي ـ حسب جنيت ـ والذي يعني عنده التعالق بين النص الأصلي ونصوص تحيطه يمكنها أن تضيء مدلولات المعنى المستكين في باطن النص. ويحدد النقاد تلك النصوص الموازية بالعنوان والعنوان المفرد والنصوص القبلية والتعليقات الجانبية والهوامش ولعل القارئ لكتاب أدونيس (أي ديوانه الشعري الكتاب) يجده قد اشتمل على تلك الأنواع جميعا في صفحة واحدة.
ورغم شيوع الظاهرة في أدبنا العربي المعاصر، وتجليها في أراء النقاد القدماء من العرب، إلا أن الساحة العربية النقدية ما زالت تسفعها حرارة التمزق وعدم الاتفاق في كثير من القضايا النقدية والعلمية؛ وذلك راجع في نظري إلى تلك الجهود الفردية التي تنشأ عن اجتهادات شخصية في تحديد تلك المصطلحات وترجمتها، مع اجتماع جهل بالموروث النقدي العربي وجهود علمائنا في هذا المجال. إن الإشكالية التي تطيح بمصطلح النص الموازي وتجعله يتشظى في ألوان من التسميات التي قد توهم المتلقي أن الحديث هنا عن أشكال مختلفة من القضايا رغم أنه يتمركز حول دائرة واحدة أو موضوع واحد؛ هو فقدان العمل المؤسسي ومراكز البحوث المشتركة؛ للخروج من تلك الوحدة بوحدة نقدية يتفق عليها معظم الباحثين العرب.
لا تعاني الساحة العربية من تمزق سياسي وانشطار اقتصادي فحسب ولكنها تعاني من تصدع ثقافي أوجد هوة كبيرة بين باحثيها ومثقفيها حتى أضحت المصطلحات كما هائلا يغرق سوق النقد؛ لأن لكل باحث قطرة مختلفة تصب في واد واحد لتخرج ألوانه مسخا. ولو طفنا قليلا على الاستعمالات المختلفة عند طائفة من كتابنا لوجدنا أن مصطلح النص الموازي أخذ حيزا كبيرا من التشتت والتنوع يوشك على القضاء على ثبات المعنى في ذهن المتلقي ليلقي في ذهنه ربكة قد لا يصل معها إلى فهم الظاهرة ، والإفادة من إمكاناتها الفنية.
بينما يتحدد مفهوم النص الموازي عند سعيد يقطين بالمناصصات، ومرة يطلق عليه المناص، يبقى عند محمد بنيس النص الموازي، ويترجمه محمد الهادي على أنه الموازية النصية أو الموازي النصي وعند محمد خير البقاعي الملحقات النصية، وعند آخرين المتعاليات النصية، وهكذا تموج الترجمات بالمصطلح لتجعله أكثر تعاليا على الفهم والتوظيف اعتمادا على الترجمة الحرفية تارة، والاتكاء على المعنى السياقي للنص الأصلي دون النظر إلى المعنى النقدي المراد مع البعد عن الجماعية، والاعتماد على الجهد الفردي.
في اعتقادي أن القضية لن تعتريها إشكالات من هذا النوع لو أننا معشر العرب اتجهنا إلى جهود جماعية في تحديد المصطلحات، وقمنا بجهود جماعية مشتركة في تجلية الظواهر النقدية، ودراستها دراسة علمية شاملة في تراثنا أو في تراث الحضارات المجاورة؛ لكي لا نتسرع في إطلاق الأحكام، فربما حكم من باحث قد يؤخر اكتناه الحقيقة سنوات.
ففي هذه القضية نجد محمد بنيس ينفي على الإطلاق معرفة العرب وغيرهم بقضية النص الموازي أو ما يسمى عتبات النص؛ غير أنه عند دراسة متأنية لكتب كثير من كتاب تراثنا من أمثال: الصولي وابن قتيبة والكلاعي وابن وهب الكاتب وابن الأثير ومحمد علي التهانوي؛ سيجد اهتماما بالغا بهذه القضية التي تحدثوا عنها تحت باب التحبير والترقيش والتصدير والتقديم والتختيم.
وبعيدا عن ذلك الخلاف القائم إلا أن الحضور القوي للنص الموازي قديما وحديثا، حتى تلك التعليقات التي تتقدم قصائد القدماء، والتي تذكر غالبا مناسبة القصيدة؛ بحاجة إلى إبحار في ثناياها لنجتلي سببها ونقف على وظيفتها. ومن هنا سنجد أننا أمام مهمة جديدة تجعلنا نعترف بأهمية الخارج النصي في تكوين ذات النص ومعناه، وسيعيدنا ذلك إلى التريث في بعض الآراء النقدية التي أغفلت كثيرا ذلك المحيط المؤثر في تكوين النص. إنها تلك التكميلات الخارجية التي لا يمكن للبناء أن يتم إلا إذا وجدت محيطة به كالسور الخارجي الذي ليس من البناء الداخلي لكنه الصورة الأولية له التي تعطي الانطباع الأول عنه.
ومن تأكد أهمية النص الموزاي الذي يهدف إلى تقديم تصور أولي يدعم النظرية النقدية في تحليل النص وابتكار قواعد جديدة لدراسة الخطاب واعتباره البهو ـ حد تعبير لوي بورخيس ـ الذي منه ندلف إلى دهاليز نتحاور فيها مع المؤلف الحقيقي والمتخيل؛ نستطيع أن نتحول إلى المعنى الباطني والحقيقي للنص من خلال توظيف جميع العناصر التي تكونه؛ بخلاف تلك النظرة التي تشطر خارجه عن داخله فتجعله كشخص جردت منه زينته الخارجية والتي تمثل له كثيرا في وضوح تلك الشخصية؛ فالنص شخص حي متحرك ثيابه الخارجية لها دلالات عميقة على معناه.
وفي هذا السياق يأخذني هذا السؤال إلى متى سنبقى في عاصفة الانشطار الذري الذي عصف بجهودنا النقدية وبعثر مصطلحاتها أما آن أن نجد الأرضية المناسبة لوحدة وشيكة أم أن زلال التمزق سيبقى يرتجف في أرضنا؟!



أعلى




أطروحة التراث وفلسفة "نقد العقل العربي" في فكر محمد عابد الجابري

كلما رحل علم من أعلام الفكر عن هذا العالم, نتوقف دوما, مثقفين, وباحثين, وبشرا, أمام فلسفة الموت, وكأن فكرته تطالعنا لأول مرة. نستشعر رهبته من جهة, ونقف عجبا أمام أنفسنا وقد غابت عنا "بشرية" هؤلاء المفكرين الذين خلّدتهم, أو تكاد, أعمالهم في عقولنا ووجداننا حتى لم يعد يخطر ببالنا أن يغيب عنا واحد منهم ، ليس في دورة حياتنا الفردية على الأقل. رحيل المفكر العربي المغربي محمد عابد الجابري قبل أيام, عن 75 عاما, لم يكن استثناء من هذه الخاطرة. والرجل, بقامته العلمية والفكرية والفلسفية السامقة, أغنى من التعريف والتقديم بسطور, ففكره سبقه وقدمه للعالم العربي قبل عقدين أو ثلاثة على الأقل بالمجلدات الموسوعية ثاقبة النظر والسابقة "بحداثتها" عصر الرجل بما مهد للبحث في آلية وبنيوية العقل العربي بأنماطه الثلاثة ـ البياني والغنوصي والبرهاني. فالرجل قدم مشروعا رائدا في منهجية غير مسبوقة لتحليل العقل العربي, والإسلامي, والسياسي, خلص فيها لنتائج مثيرة للجدل في الآلية التي تعمل فيها "بالقياس" ـ قياس الغائب على الشاهد. ولم تكد الأوساط الثقافية العربية, وبخاصة في فترة "الجابري الذهبية", التسعينيات, يلتقط انفاسه من أطروحة للجابري حتى يعاجل بأخرى لا تقل عن سابقتها إثارة لموجات من الجدل والدهشة والعجب أو الإعجاب.
فكر الجابري, وفلسفته, طالعت عامة المثقفين وخاصتهم في مختلف ميادين الثقافة ـ ومنها ميدان الخطاب المعماري العربي المعاصر, بتقاطعاتها مع مسألة التراث والحداثة. الفكر النهضوي للتراث العربي والذي قدمه الجابري في سلسلة مؤلفات التراث والحداثة ونقد العقل العربي فتحت الباب واسعا أمام مشروع مركزي في بنية الثقافة العربية, بالمفهوم الواسع للكلمة, والتي تخطت حدود التاريخ والأدب والفكر الفلسفي المجرد لتقتحم آفاق المعضلة الأساسية التي تجابه التطور العربي بعد مرحلة ما بعد الاستقلال من الاستعمار ـ تلك هي معضلة الأصالة والمعاصرة. تقديم الجابري لهذه "الإشكالية" الفكرية بعد تعريفه الفلسفي لترابط عواملها بين الماضي البائد وبين الواقع المتغير, كانت أطروحة غير مسبوقة مع نهاية الثمانينيات, بما شكل خامة أساسية في معادلات حل البون الشاسع بين التراث كموروث سلفي وبين المعاصرة كمعطى تطوري ديناميكي. بيد أن أشهر أطروحاته في حقبة التسعينيات كانت ثلاثية "نقد العقل العربي" بما قدم له من براهين واستشهادات إستشرافية تاريخية مهمة.
سلسلة نقد العقل العربي كانت مادة غزيرة مهمة للتأمل ودراسة الأطر التي تشكلت فيها العقلية العربية والفكر العربي. ويرى الجابري بأن دور اللغة العربية في تشكيل الفكر العربي كان محوريا في توجيه آلياته وأطره ونظمه, فضلا عن كونها العنصر الوحيد المؤسس له, حيث يمكن رصد خصوصية العلاقة بين اللغة والفكر في الثقافة العربية في تشكيل بنية العقل العربي من خلال المادة اللغوية ونوع الرؤية التي تقدمها عن العالم, ومن ثم مستوى منهجية البحث العلمي وآلياته الذهنية. إذ يرى أن العقل العربي كنتاج للثقافة العربية الإسلامية تشكل على ثقافة تأسست على ثلاثة نظم معرفية هي: نظام معرفي لغوي الأصل أو بياني معتمد على اللغة, ونظام معرفي غنوصي فارسي الأصل, ونظام معرفي عقلاني يوناني الأصل انتقل إلى الدائرة الثقافية العربية مع حركة الترجمة أيام المأمون. ورصد الجابري هذه النظم المعرفية الثلاثة حيث عاشت منذ بداية تشكلها في الوعي الثقافي الشعبي في التاريخ العربي في حالة من التمايز والتصادم بما قاد لما وصفه "باستقالة العقل العربي" في الثقافة العربية والإسلامية, فكل من هذه النظم له رؤية خاصة يقدمه للعالم ويوظف مفاهيم وآليات مختلفة في إعادة إنتاج المعرفة والثقافة. وقد تطرق إليها الجابري في نقده للعقل العربي على النحو التالي. فالنظام البياني كان يؤسس الحقل المعرفي في فترة تكون ونشأة الدولة الإسلامية والخلافة الراشدة والدولة الأموية, حيث يؤسس هذا الحقل المعرفي لمفاهيم ومنهجية تعتمد على العلوم الإسلامية من نحو ولغة وفقه وعلم الكلام والبلاغة, بإطار يعتمد قياس الغائب على الشاهد والفرع على الأصل. وهو نظام يكرس رؤية للعالم تعتمد الانفصال واللاسببية, بمعنى النقل والتلقي دون إعمال العقل في مسائل مسلمة ونقلية لا عقلية. أما النظام العرفاني فقد انتقل إلى الدائرة العربية من الموروث الثقافي لما قبل الإسلام, في فترة أوائل العصر العباسي بسيادة الفكر الشيعي والفلسفة الإسماعيلية والتصوف والتيارات الإشراقية وعلوم الكيمياء والتنجيم والسحر والطلاسم وغيرها. وقوام هذا النظام المعرفي أنه يكرس رؤية خاصة للعالم تعتمد المشاركة والاتصال والتعاطف, ومنهجه في إنتاج المعرفة يقوم على الاتصال الروحاني المباشر بالموضوع والاندماج فيه في وحدة كلية. أما النظام المعرفي الثالث وهو البرهاني فقد دخل للثقافة العربية الإسلامية مع حركة الترجمة في عصر المأمون, وهو يؤسس للعلوم والفلسفة المنطقية اليونانية كما صاغها أرسطو. وهذا النظام يقوم على رؤية للعالم تعتمد الترابط السببي ويكرس منهجية في إنتاج المعرفة قوامها الإنتقال من مقدمات منطقية عقلية وصولا إلى نتائج تربط السبب بالمسبب ترابطا منطقيا. وفي إطار تتبع حالة التشظي والتمايز والصراع بين هذه النظم المعرفية الثلاثة في الثقافة والوعي الجمعي العربي الإسلامي تاريخيا, يشير الجابري إلى قيام بنية عقلية مفتوحة مطاطة أخذت تفقد رقابتها الذاتية تدريجيا مما جعلها في نهاية المطاف تتسع لكل التصورات والرؤى اللاعقلية وتمنحها تبريرها بتأويل الجانب الغيبي في الدين تأويلا سحريا بإنكار السببية بقلب الطبائع والإتيان بالخوارق. وهذا كان نتاجا لتصادم كرسه الصراع السياسي تاريخيا بين الشيعة التي تعتمد النظام العرفاني, وبين أهل السنة من معتزلة وأشاعرة وسواهم ممن يعتمد النظام البياني التلقيني مع مسحة من النظام البرهاني أحيانا. كل ذلك تبلور مع بعض عمليات التوفيق بين الفلسفة والدين أحيانا, لكن الصراع المتناقض قاد لانتصار العقل الغنوصي العرفاني لا كنظام معرفي مؤسس لأيديولوجيا سياسية أو دينية معينة بل كبديل لكل منهجية أو نظام يريد تبرير سياسية ما أو تكريس واقع سياسي معين بإحلال التصوف السني الذي نقل خطاب اللاعقل إلى أبعد من مجال البيان والبرهان إلى حيز العامة والجمهور حيث التلقي والتسليم دون مساءلة, وحيث مملكة الجمهور الأمي الواسع بما أنتج من الربط الصوفية ونظام المشايخ والطرق, وهي الأطر الإجتماعية الثقافية السياسية التي يسري فيها ويتدفق من حولها اللامعقول بلباسه الديني لتحويل العامة إلى قوة مادية تقف أمام كل محاولات النهضة العقلية أو الحركات الإصلاحية. كل ذلك قاد بحسب أطروحة الجابري, إلى استقالة العقل العربي بنظامي المعرفة البياني والبرهاني, وسيطرة النظام العرفاني الغنوصي. وبالرغم من هذه الأطروحة غير المسبوقة والتحليل التاريخي لبنية العقل العربي, إلا أن الجابري مال لمقاربة أساسية يرى فيها المشرق العربي "مشرقا بيانيا وعرفانيا" مقابل المغرب العربي "البرهاني" - وهو ما أثار حفيظة الكثير من معارضي فكره وأطروحاته.
ومن الأطروحات الأساسية التي قدمها الجابري في كتاباته هو مفهوم "خصوصية الثقافة", حيث يعتقد بقاعدة عرفية تتحدد بمرسومها الجنسية الثقافية للمفكر, بما ينسبه لثقافة ما حين يفكر داخلها فقط. بمعنى أن المفكر لا يفكر في قضاياها فحسب, بل يفكر "بواسطتها", وهذا يعني ضرورة التفكير من خلال "منظومة" مرجعية تتشكل إحداثياتها الأساسية من مكونات هذه الثقافة, وفي مقدمة ذلك كله الموروث الثقافي والمنظومة والمحيط الإجتماعي. ولتتبع نقطة تشكل الفكر والعقل العربي عمد إلى ربط تشكل الفكر العربي وبنيته مع العصر الجاهلي, ولكن ليس العصر الجاهلي كما عاشه عرب ما قبل البعثة المحمدية, بل العصر الجاهلي كما عاشه في وعيهم عرب ما بعد البعثة. بمعنى العصر الجاهلي كزمن ثقافي تمت إعادة قراءته وترتيبه وتنظيمه في عصر التدوين الذي, كما يراه الجابري, يفرض نفسه تاريخيا كإطار مرجعي لما قبله وما بعده. فأهمية عصر التدوين تكمن في التوجيه الفكري, حيث نقل الفكر العربي من الأسلوب الخطابي إلى الإنشائي, وبحيث تبلورت بشكل أكبر العلاقة اللصيقة بين الفكر واللغة لضرورة اتباع منهج واضح في الكتابة يلتزم بالقواعد اللغوية بخلاف ما يتيحه الأسلوب الخطابي. ولم تنحصر عملية التدوين في حفظ الموروث الثقافي العربي الإسلامي من الضياع, وإنما كانت عملية إعادة قراءة على مستوى الدولة وبتشجيع منها, للموروث الثقافي كإطار مرجعي لنظرة العقلية العربية لما يحيط بها من بيئات ثقافية واجتماعية وتاريخية وكونية. كما أن عصر التدوين كان مؤسسا لإطار تصوري للماضي العربي وماضي الحضارات المحيطة الأخرى بما يرسخ آلية في تفاعل العقل العربي مع الموروث من القديم بآلية استنتاجية واستقرائية تعيد قراءة الماضي وبتفاعل إيجابي مع مفاهيم العصر. فحركة التدوين والترجمة تطورت لاحقا, بعد هضم المترجمات إلى أطر ثقافية حضارية لإنتاج المعرفة والحضارة.
وفي مقاربته لتحليل بنية العقل العربي, اعتمد الجابري أطروحات فلاسفة علم الألسنيات بربط الفكر باللغة ربطا لصيقا, وأن اللغة ليست مجرد أداة للفكر بل هي القالب الذي يتشكل به الفكر, حيث ربط بين اللغة والفكر وعلاقتهما وبين خصائص اللغة والأمة التي تتكلمها, وبأن كل أمة تتكلم كما تفكر وتفكر كما تتكلم. فاللغة ليست أداة فقط, أو محتوى فقط, لكنها الوعاء المحكم الذي يحوي المعرفة ويقولبها بقالبه. فاللغة تؤثر في رؤية المجتمع للعالم وبالتالي في طريقة تفكيرهم. فبالإضافة لقدرة اللغة على تحديد قدرة المجتمع على الكلام تحدد هي أيضا قدرته على التفكير. ولذلك فهي ترسم حدود المعرفة, فلها نظام دلالات محيطة خاصة بها يتجاوز المعاني المباشرة للكلمات وتعبيراتها ليمتد ليشمل تراكمات التجارب المجتمعية والحياتية والبيئية وسواها بما تحتمله من خطأ وصواب, وهذا ينعكس بمرور الزمن على مرونة اللغة أو جمود التجربة الإجتماعية وتحدد العلاقة بين اللغة والفكر بدرجة كبيرة, فإذا ضاق الفكر ضاقت اللغة والعكس بالعكس. ومن هنا فقد تتبع علاقة الفكر العربي وثيقة الإرتباط باللغة العربية, التي انحصر بعالم الأعراب الذين كانوا منعزلين بالبادية ولم يختلطوا بالمدن أو الحضر, بما جعل اللغة العربية لا تخرج عن دائرة حياة الأعراب أو "خشونة البداوة". ومن هنا رصد الجابري نقاطا مهمة في "الآلية" التي تمت بها عملية جمع اللغة العربية, أو "صناعتها", في عصر التدوين على أيدي الخليل بن أحمد الفراهيدي (100 - 170 هجرية) من خلال كتابه "العين" الذي أسس لعلم العروض بمنهجية جمعت شتات اللغة, وما استتبعها من الرؤية الخاصة التي تقدمها اللغة العربية لأهلها عبر التاريخ حتى اليوم. فمنهجية الخليل انطلقت من أسس رياضية تعتمد أصل الكلمات المجردة المكونة من ثمانية وعشرين حرفا والتي تتكون منها الكلمات إما ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية فقط, وأهمال المزيد منها برده للمجرّد. وبمنهجيته الرياضية استطاع أن ينظم أصول الكلمات مسقطا ما لا معنى له أو لم يكن متداولا بين العرب "الأقحاح" أو الأعرابي الذي لم تخالطه شوائب المدنية. لكن الجابري يرى في هذه المنهجية تحجيما وقولبة للغة بما فرض عليها تحجرا منذئذ إلى الوقت الحاضر, بحيث غدت اللغة العربية لا تعبر عن واقع فكري بل معطى فرضي نظري, بما فرض آلية لالتماس سند واقعي لمعطى نظري وليس العكس. كذلك يرى أن هناك خللا في آلية قبول اللغة من الأعرابي البسيط الذي قدّم تصوره البدائي لعالم الصحراء بما "أتخم" مصطلحات اللغة العربية بمئات الأسماء المترادفة كمتراكمات تحوي فائضا هائلا من الألفاظ "البدوية" التي تصف عالم الصحراء دون عالم الحضر, ناهيك عن وقائع تاريخية خلافية تشكك في روايات الأعراب واندفاع بعضهم للكذب واختلاق أسماء وهمية كونهم أصبحوا مرجعا في تشكيل اللغة العربية بمنهجية الخليل. ومن هنا استتبع ذلك أن معجم لسان العرب, بالثمانين ألف مادة لغوية التي يضمها, إنما هو "مدوّنة" أعرابي الصحراء التي تصف عالما رتيبا كل شيء فيه "ينطق" و"يسمع" لا ينقل حتى أسماء الأدوات أو العلاقات التي عرفها مجتمعي مكة والمدينة أو مجتمعات دمشق وبغداد والقاهرة الحضرية. فالمفاهيم والمصطلحات الفلسفية العلمية التي استجدت منذ عصر التدوين إلى عصر إبن منظور صاحب لسان العرب, أضخم قاموس موسوعي في اللغة العربية, لا تخرج مادته عن حياة ونظرة الأعراب للعالم من حولهم. فبحسب مراجعة تاريخية لتطور اللغة العربية ونشأتها في إطار عالم الأعرابي البدوي, يرى الجابري في نقده للعقل العربي, أنه عقل يأبى أن يخرج بإطاره المرجعي للغة العربية عن تلك اللغة التي جمعها وصنّفها الخليل بن أحمد الفراهيدي وتابعيه من ذات الفترة, أما التطورات اللاحقة فيتم اعتبارها "دخلية" على لغة "الأعراب الأقحاح" بما يتوجب تركه وإهماله! وهذا قاد طبيعيا لجمود اللغة العربية, وإلى نشوء "لهجات عامية" أصبحت بمرور الوقت أكثر غنى واستعمالا من اللغة العربية الفصيحة, مما قاد, بحسب أطروحة الجابري, لمعضلة رئيسة في الفكر العربي ووعي المثقف والإنسان العربي وعقليته وفكره, فالعالم المحيط به يزخر بأشياء بات غير قادر عن التعبير عنها من خلال اللغة العربية الفصيحة التي هي بآلياتها الداخلية تتوافر فيها مقومات الكتابة والتفكير ودرجات عالية من الرقي البنيوي. وفي ذات الوقت تتبلور الإشكالية في بعد أكثر خطورة باستعمال اللغة العامية, والتي لا يستطيع أن يتعامل بها فكريا, لعدم احتوائها على الأدوات والآليات الضرورية للتفكير, لكونها ليست لغة ثقافة أو فكر. وبالنتيجة فالمثقف العربي أصبح يعيش تناقض اللغة الفصيحة كمثال واللغة العامية كواقع مستعمل. والصورة تتعقد أكثر في حالتي الأمي العربي والمثقف العربي "المستغرب". فالأول وهو الأغلبية, حبيس "عامّيته" إذ هو يتعامل مع أشياء لا يسمّيها, وإذا فعل يستعمل لها أسماء أجنبية "مكسّرة" مما يترك أثرا عميقا في فكره وبنية عقله الفكرية. أما الثاني الذي يمارس أكثر من لغة منها لغات أجنبية فيعيش تناقض عوالم لغوية مختلفة, حيث يفكر بلغة أجنبية ويكتب بلغة أو لغتين -عربية فصيحة وأخرى أجنبية- ويتحدث في البيت والشارع والجامعة بلغة ثالثة عامّية!
شهرة الجابري في منتصف الثمانينيات ومطلع التسعينيات نبعت من مشروعه الرائد لقراءة التراث, قراءة عصرية, وتقديمه للآليات الفكرية لذلك - فضلا عن تعريفه وتعريته للقراءات "الرجعية" للتراث - كالقراءة التراثية للتراث والقراءة التراثية للعصر. وكانت الأسس التي قدمها بمثابة منهجية للعديد من الباحثين المهتمين بمسائل التراث والحداثة في مختلف صنوف الخطاب الفكري العربي - وكان لها أثر خاص على كاتب هذه السطور بما نحى بأطروحة ماجستير في العمارة مع مطلع التسعينيات منحى خاصا غير مسبوق, وبخاصة مع تنامي البحث في التراث كمشروع نهضة فكرية عربية ضمن إشكالية الأصالة والمعاصرة. وقد قدم الجابري مجموعة من الكتب التي اجتاحت العالم العربي برمته, مثل نقد العقل العربي والعقل السياسي العربي والعقل الأخلاقي العربي (2001) وانخرط في مشروع تفسير القرآن ومسألة الديمقراطية التي تحمس لها ورأى أنها بجانب العقلانية تقفان ندا قويا وبديلا للعلمانية. يرحل الجابري, ولكن يبقى فكره خالدا ويبقى الباب مفتوحا للبحث ودراسة موروثه الفكري والفلسفي في مشروع التراث ونقد العقل العربي أكثر من ذي قبل.
د. وليد أحمد السيد
معماري وأكاديمي ـ لندن


أعلى






في زيارته الأخيرة إلى مركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس
جان لامبير: السمات الخاصة بالفنون التقليدية العُمانية مرتبطة بألوان مميزة

الموسيقى التقليدية في العالم أمام تهديد عام بسبب تغييرات الحياة اليومية وما يتعلق بها من جوانب اجتماعية ومعيشية
عُمان من البلدان الغنية بالتراث الغنائي الموسيقي الرقصي وهو تراث هائل
عملنا كعلماء يشمل التوثيق والدراسة والتحليل، ولنترك تطور الأغنية للفنانين أنفسهم

نظمت جامعة السلطان قابوس ممثلة في مركز الدراسات العُمانية في الماضي ندوة "الفنون المُغناة في عُمان وشبة الجزيرة العربية"، حيث استضاف المركز أ.د.جان لامبير وهو متخصص في موسيقى الشعوب والأنثروبولوجيا ويعمل مديرًا لمركز الدراسات وموسيقى الشعوب في جامعة نانتير في فرنسا، وكان يشغل سابقا منصب مدير المركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية (CEFAS) في صنعاء بالجمهورية اليمنية، وله عدة منشورات وكتب من أهمها "دواء الروح في الغناء الصنعاني في المجتمع اليمني"، ويحاول هذا اللقاء مع أ.د. جان لامبير أن يستجلي شخصية لامبير وآفاقه المعرفية من خلال طرح عدد من الأسئلة الاستقصائية لتجربته وحضوره الثقافي والمعرفي في المنظومة الثقافية العربية، لا سيما وهو الناظر إلى الثقافة العربية عن بُعد ومن وجهة نظر غربية، ولا يختلف اثنان أن وجود هذا المفكر الكبير بيننا في السلطنة بثقله المعرفي وبتجربته الفنية الكبيرة وبحضوره الثقافي في منظومة الثقافة الفنية العربية، لا شك أنه يثير كثيرا من التساؤلات ونحن أمام هذا الرجل المميز الذي غمرنا قبل أيام خلال زيارته إلى جامعة السلطان قابوس بكثير من الرؤى والخطابات المغايرة لثقافتنا العربية والمشابه لها وهو يخطو خطوات كبيرة قي مجال التوثيق وفي مجال الفن وفي مجال العمل الأكاديمي الرصين.
* لتكن البداية بإعطائنا نبذة عمّا تتميز به الفنون الشعبية العُمانية عن غيرها من فنون الشعوب خصوصًا أنك تدير مركزا يُعنى بموسيقى الشعوب؟
** إن مما لا شك فيه أن الفنون الغنائية والرقصات الشعبية في عُمان تتميز عن غيرها بخصائص كثيرة، وفي ذات الوقت تشترك مع بعض الأقطار في الجزيرة العربية بصفات متشابهة، هذه السمات المشتركة تكون أحيانا مرتبطة بالبيئة الطبيعية والاجتماعية مثل تربية المواشي ـ كالإبل ـ عند البدو وما يرتبط بها من فنون غنائية، وكذلك الفنون البحرية والأغاني التي ترافق الأعمال في السفينة لدى البحارة في الخليج العربي مثلا، وهناك بعض السمات الخاصة بعُمان ومرتبطة بألوان مميزة مثل الرزحة والهبوت والويلة والرزفة والطارق والميدان والتي هي تبادل للشعر المرتجل بين صفين، وأشعار الميدان أيضا هي مساجلة شعرية ولكن من نمط آخر، وأيضا أشعار العازي، كل هذه الفنون المختلفة والمتميزة في ذات الوقت أعتقد أنه لا مثيل لها في الجزيرة العربية وربما العالم.
* كيف وجدت الجهود المبذولة هنا في السلطنة في مجال استقصاء الفنون الغنائية التقليدية العُمانية، وإلى أي مدى تراهن عليها وعلى بقائها، وأنت الناظر إليها من بُعد؟
** في البداية أود أن أشير إلى أن مركز عُمان للموسيقى التقليدية منذ تأسيسه في الثمانينات كان بمثابة منارة لكل البلدان العربية في مجال التوثيق وجمع التراث الموسيقي والرقصي وخاصة الفنون الشعبية لأنني أعتقد أنه لا مثيل لهذا المركز في العالم العربي، وهذا أيضا مما يضاف إلى رصيد السلطنة في هذا المجال، لقد عرفتم أنتم العُمانيين أن تجمعوا تراثكم وتوثقوه وتحافظوا عليه، إن هذا الإنجاز فعلا لا أراه في أي قطر عربي غير عُمان، لقد زرت عُمان وجامعة السلطان قابوس قبل خمس سنوات، والتقيت بالزملاء في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، وها أنا أرجع إلى عُمان اليوم لكي أجد تطورات هائلة ومذهلة، وجدت أن هناك قسما لتعليم الموسيقى وعلومها في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بالجامعة، وكذلك وجود الحراك الثقافي الكبير والمتنوع الذي أوجده مركز الدراسات العُمانية بالجامعة، حيث تعتبر هاتان الظاهرتان تقدمًا كبيرًا جدا وخاصة أن مركز الدراسات العُمانية قام بندوات ولقاءات تعليمية متنوعة في الفترة الأخيرة منها الندوة التي كانت حول العلاقات العُمانية اليمنية وندوة الوقف في عُمان بين الماضي والحاضر والوقف هو موضوع مهم جدا، وعرفت كذلك من خلال لقائي مع إدارة المركز أن مشاريع كثيرة قادمة في الطريق، وفي الحقيقة أهنئكم وأهنئ الشعب العُماني كاملا على كل هذه النشاطات المبذولة والمبادرات.
* أتيحت لك الفرصة خلال فترة زيارتك للسلطنة زيارة عدد من الأقسام الأكاديمية في جامعة السلطان قابوس من بينها قسم الموسيقى والعلوم الموسيقية، كيف وجدت هذا القسم من خلال لقائكم مع الكادر الأكاديمي ومن خلال المناهج الموجودة فيه؟
** إن قسم العلوم الموسيقية في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية إنما هو قسم نشيط ويحتوي على كادر نشيط إذا ما قارناه بعمره القصير وهو سنتان فقط، كما أنني ناقشت بعض المشاريع التي من الممكن أن نقوم بها بالتنسيق معهم في المستقبل وذلك لكي يكون هناك تعاون بين متخصصين فرنسيين ومتخصصين عُمانيين في مجال الموسيقى والتراث، وأرى أيضا ديناميكية مميزة وبروح علمي وإيجابي كبير بين هذه الكوادر، ولا يفوتني هنا أن أشير إلى الندوة التي نظمها مركز الدراسات العُمانية في 25 أبريل 2010م، بعنوان "الفنون المُغناة في عُمان وشبة الجزيرة العربية" كانت فرصة جميلة ونادرة للقاء بالزملاء العُمانيين المختصين والنقاش حول مواضيع لها علاقة بعلوم الموسيقى وتوثيقها للأجيال القادمة.
* كيف تقيّم الجهود المبذولة من أجل بقاء الفنون التقليدية حاضرة في ذهن الجيل الجديد، وهو جيل مقبل على التقنيات المتنوعة الأشكال وعلى الثقافة الجديدة وعلى الخروج من دائرة الماضي إلى دائرة الحاضر والمستقبل، كيف تنظر إلى هذه الجدلية بين الأجيال؟
** إن هذا السؤال مهم جدا، فالموسيقى التقليدية في كل العالم في أزمة ويوجد تهديد عام لها بسبب تغيرات الحياة اليومية وما يتعلق بها من جوانب اجتماعية ومعيشية، ولا شك أن عُمان هي جزء من هذه التغييرات ونحن كمتخصصين في هذا النوع من الموسيقى نعتقد أنه يلزمنا بالدرجة الأولى الجمع والتوثيق والدراسة العلمية المعمقة لإبراز كل الأبعاد الفنية المهمة فيها، ومما لا شك فيه أن الفنانين في هذه الفنون كان لهم صلة معينة بالطبيعة وبالعلاقات الاجتماعية، فبدون موسيقى حية قد نتساءل ماذا سيكون أحوال الحياة الاجتماعية في المستقبل سواء كان في المجتمعات العربية أو الغربية؟ فهناك أهمية كبيرة لدراسة هذه الألوان الموسيقية في بيئتها الاجتماعية الأصلية، لأنها بالفعل كانت تلعب دورًا اجتماعيًا كبيرًا وكانت ـ وما زالت ـ على صلة وطيدة بالطبيعة، مثال بسيط على هذا أن البدو كانوا يغنون للجمل لتشجيعه من أجل قطع مسافات طويلة في الصحراء وهناك الكثير من الأسئلة التي توجب علينا البحث والتقصي، فالأسئلة كثيرة جدا وعلينا البحث والتقصي، أما التقنيات الحديثة فإننا لا نريد أبدًا رفضها بأي حال من الأحول لأنها بلا شك لها أبعاد ووجهات إيجابية ولا بد استعمال وتوظيف التقنيات الحديثة لصالح التراث، حيث يمكن لنا مثلا توثيق التراث من خلال استخدام الحاسوب وقواعد البيانات والذي سيكون له كبير الأثر في سهولة وسرعة ودقة استرجاع المعلومات.
* كيف يمكن توظيف التقنيات الحديثة في مجال الفنون التقليدية، هل تؤيد تطبيع الأغنية التقليدية بطابع عصري مطور؟
** في الحقيقة أنا شخصيا لا يهمني تطور الأغنية بشكل فني، هذا لا بد أن نتركه للفنانين أنفسهم وللملحنين فهم أدرى بذلك، نحن كعلماء يبقى علينا التوثيق والدراسة والتحليل لإبراز كل الجوانب الجمالية المهمة خاصة إذا أبرزنا مميزات الصوت الإنساني في الأداء الطبيعي، بما أن الصوت الإنساني هو أجمل الآلات الموسيقية الموجودة على وجه الأرض، ومن المؤمل أن يقوم الملحنون والفنانون باستعمال دراساتنا بوعي وسوف يرون الفرق بين الأداء الطبيعي والأداء الصوتي المكبر والمعدّل باستخدام التقنيات المختلفة، كل هذه التغيرات والتي لا تمت بصلة إلى الطبيعة أحيانا، أعتقد أنه لا بد أن نترك مجالا للفنانين لكي يقوموا بتجاربهم ولكي يبقى معهم رصيد أو مرجع علمي موثق يمكن الرجوع إليه في المستقبل.
* هل تخشى على الفنون التقليدية كثيرا في هذا العصر، لا سيما كونك باحثا متخصصا ليس على مستوى الخليج العربي فحسب بل على مستوى الجزيرة العربية؟ الآن في هذا الظرف الطارئ المتحول من ثقافتنا، هل تخشى على هذه الفنون من الاندثار، وخصوصا أن بعض الفنون اندثرت وانتهت، وما هي الوسائل الكفيلة بالحفاظ عليها وعلى بقائها حية للأجيال القادمة؟
** نعم وبكل تأكيد أخشى عليها من الاندثار وزملائي لديهم ذات الإحساس، فربما يكون هناك نوع من القلق العميق تجاه هذا الأمر، ومثل هذا الخوف هو كالخوف على البيئة الطبيعية، فالإنسان الآن يدمر البيئة إذ إنه تكبّر على الطبيعة واعتقد أنه مركز الكون، وكذلك اتجه إلى تخريب التقاليد سواء الموسيقية أو غير الموسيقية، فمثلا الحرف اليدوية الجميلة التي تعتبر معارف تراكمت ليس فقط مع الأجيال بل عبر آلاف السنين، كل هذه المعارف نخشى عليها من الاندثار، لذا علينا التوثيق والتنبيه للرأي العام، فمثلا نحن في فرنسا شعارنا "علم موسيقى الشعوب للإسعاف" أي لا بد أن نسعف المجتمعات التي تؤول إلى الانقراض لكي نجمع ما تبقى من هذا التراث القديم والعظيم.
* إذا كنتم أنتم في فرنسا تخشون على هذا التراث الذي هو في بلدان العالم العربي أجمع وبالذات في شبه الجزيرة، ويقابل هذه الخشية ضياع الكثير من الأشياء، نجد هناك اهتماما كبيرا على صعيد البحث والتوثيق والباحثين، وحسب ما أشرت لي قبل المقابلة أن هناك طُلابًا فرنسيين سيتخصصون في التراث العُماني، ما سر هذا الاهتمام وما الذي يشدكم في المنطقة؟
** الفرنسيون مثل ما تعرفون قاموا بثورة سياسية في نهاية القرن الثامن عشر، وقد أثرت على التفكير الفلسفي التوعوي والذي أدى بدوره إلى تغييرات في المجتمع وأوجدوا بعض الأجوبة لبعض المشاكل الاجتماعية والسياسية القائمة في ذلك الوقت من الزمن، وأعتقد أن هذا الاهتمام الأخلاقي موجود في فرنسا ويزيد مع التغيرات الكبيرة والمخيفة حتى إنه بالفعل نحس أن المسؤولية تكبر يومًا بعد يوم، أو قد تكون هي نفسها، ولكن لم نكن نعي بها بالشكل الصحيح والمطلوب، وذلك من عدة جهات منها أن العالم أصبح الآن قرية صغيرة؛ بسبب نمو وسائل الإعلام المختلفة، فتجد الآن الفارق الكبير في المستوى الاجتماعي بين الشعوب، وخاصة أنه في بعض المناطق الغنية في العالم تستهلك الكثير، بينما يموت بعض الناس في مناطق أخرى بسبب الجوع، فهناك مسائل أخلاقية كثيرة يجب التحقيق والبحث فيها.
* هذا السؤال يقود إلى سؤال آخر إذا كانت كل هذه الجهود نيتها وأهدافها سامية ونبيلة وتنصب كلها في الإطار العلمي ـ والعلم كما تعلم قابل للتجريب والتطبيق معًا ـ فهل استطاعت دراساتكم أن تشمل جميع الجوانب المحيطة بهذه الفنون في عُمان وفي العالم بشكل عام؟
** نحن حاليا في الغرب وفي الوسط الأكاديمي نعيش نوعا من الثورة الفكرية والحسية لأن المجالات المتخصصة التي تربينا عليها مثل الآداب والعلوم الاجتماعية والهندسية، أصبحت سجونا أكثر ما هي هياكل تنظيمية للعلم فنرى أنه لا بد أن تفتح كل هذه التخصصات على بعضها البعض، بحيث تقرأ واقع الإنسان بشكل أدق؛ لأن التفرقة في العلوم أصبحت سيئة في بعض النقاشات العلمية، فهناك فتح عام في كل التخصصات على بعضها، وفي بعض الأحيان يرى الواحد منا هذه الأشياء ويخاف؛ لأنه يحس بفقد المراجع والمعالم المألوفة للعلم، ولكن هذا الجانب مهم جدا لأنه يجعلنا نتأمل واقع الإنسان والكون بشكل شامل وأرى أن هناك تقدما في العلوم ولكن هناك مسابقة بين العلوم وبين النشاطات التي تخرب الكون، فهل يا ترى تستطيع العلوم ـ وخصوصًا العلوم الإنسانية منها ـ أن تسبق الجنون الموجود في الروح التخريبية الموجودة في الإنسان؟ الله أعلم، نحن نجتهد بحيث نصبح أكثر إنسانية، ويمكننا أن نجعل من العلوم الطبيعية والهندسة أكثر إنسانية.
* حدثنا عن مركز الدراسات وموسيقى الشعوب والذي ترأسه، عن أهدافه وأهم نشاطاته؟ وما المقصود بموسيقى الشعوب؟ وأي الشعوب مقصودة هنا؟
** معهد الدراسات وموسيقى الشعوب تأسس في ثلاثينيات القرن العشرين فنحن الآن الجيل الرابع من العلماء في المعهد، وأنا أشعر بالفخر لرئاستي للمركز في الفترة الحالية لأن المعهد تراكم فيه معارف عن الموسيقى من كل أنحاء العالم، والذي أسسه العالم الكبير "أنريه مارتين" والذي كان متخصصا في الآلات الموسيقية في إفريقيا، وقد استطاع المركز أن يسجل الموسيقى منذ بداية القرن العشرين، أي ما يقارب أكثر من 110 سنوات، ولديه تسجيلات للفنون المتنوعة من كل العالم وخاصة من آسيا ومن إفريقيا ومن أميركا ومن استراليا، ومركزنا يعتبر مركز أبحاث بالدرجة الأولى ثم مركز توثيق وهو تابع لجامعة "نانتير" والتي تبعد قليلا عن باريس العاصمة، فأهدافنا هي البحث والتوثيق وبما أننا مرتبطون بالجامعة فنحن ندرب الكثير من الطلاب، ونشرف على رسائل في مستوى الماجستير والدكتوراة، وهناك أبحاث كثيرة أجريناها عن الشعوب، كذلك فإنني أشرف على العديد من طلاب الدراسات العليا فلدي طالب يدرس "أغاني طقوس الزواج في لبنان"، وطالبة تدرس "الأغاني الكنائسية القبطية في مصر"، وطالب يدرس "الفنون الشعبية العُمانية"، هذه أهم البحوث المتعلقة بالعالم العربي وذلك لأنني متخصص في العالم العربي، أضف إلى ذلك لدينا متخصصون في إفريقيا، وآخرون متخصصون في آسيا، حيث يقوم بعضهم بدراسة المنطقة الصينية والآسيوية والإفريقية والعربية.
* أجزم أن هناك إصدارات للمركز خلال عمره الطويل؟ فهل لك أن تحدثنا عن بعضها؟
** هناك العديد من الأشرطة الصوتية والاسطوانات والتي دُشنت منذ الخمسينيات وإلى الآن ونحن مثلما أشرت مهتمون بتوظيف التقنيات الحديثة لصالح التراث فلذلك قمنا بإعداد قاعدة بيانات كبيرة تحتوي على العديد من المقاطع الصوتية، والتي سنقدمها قريبا في موقع إلكتروني على الشبكة العنكبونية، بحيث تكون متاحة لكل الباحثين في كل العالم، ومن ميزات الموقع أنه يمكن للباحثين أن يتبادلوا الآراء والعمل في الانترنت على المادة الصوتية الغنائية مباشرة.
* دكتور لامبير عودا على بدء.. ومن خلال جهودك البحثية الكبيرة ما هي الجوانب التي شدتك في الفنون العُمانية، بما أنك من المتابعين لهذه الفنون؟
** لدي خبرة كبيرة في الفنون في اليمن، وبما أن اليمن هو بلد قريب ومجاور لعُمان، فأردت أن أتعرف أكثر على عُمان لكي أرى شيئا قريبا من اليمن وفي ذات الوقت مختلف، وبالفعل وجدت أشياء كثيرة ومميزة، ومما لا شك فيه أن عُمان من البلدان الغنية بالتراث الغنائي الموسيقى الرقصي وهو تراث هائل وعُمان بلد السندباد، بلد السفر إلى البلدان البعيدة كالصين وسنغافورا وإفريقيا الشرقية لذا تجد في عُمان تأثر بكل هذه الحضارات وتبادلات بأشكال وألوان موسيقية وهو في نهاية المطاف مزيج خاص وبنكهة خاصة، فمثلا الفنون الإفريقية الموجودة في عُمان تختلف عن الفنون الإفريقية الموجودة في إفريقيا، فهناك دائما خصوصيات، وبما أن عُمان كانت متجهة إلى المحيط الهندي أكثر مما كانت متجهة إلى العالم العربي ـ ونفس الحال كان مع اليمن ـ لذا نجد الآن فجوة شاسعة بين البلدان العربية من ناحية الموسيقى، وهو ما يعرف بالموسيقى العربية في مصر وسوريا، والتراث العربي العظيم والذي يرتكز على البحر الأبيض المتوسط، والتراث العربي الموجود في الجزيرة العربية، ولكن وللأسف لا يوجد بينها علاقات تاريخية كثيرة أو دراسات، والآن نفكر وناقشنا مع الزملاء العُمانيين عن سبل ربط هاتين المنطقتين على مستوى الدراسات والأبحاث فلربما تخرج من هذه النقاشات دراسات تعنى بالتقارب والمقارنة والتحليل، كتحليل المقامات مثلا، وتحليل الأشكال الموسيقية المشتركة والمختلفة.
* ما هي أهم خصائص الموسيقى العُمانية التي توصلت إليها من خلال دراساتك، وأهم أوجه الالتقاء بينها وبين الموسيقى العربية؟ يا حبذا لو تعطينا نماذج موسيقية مباشرة؟
** هناك الكثير من الجوانب ومن الصعب أن أحصرها هنا، فكما أوضحت هناك المساجلات الشعرية مثل الميدان والرزحة وإلى آخرة، وأيضا الشلات البدوية مثل التغرود والطارق والونة لأنها بالفعل تعتبر تراثا أتى إلينا من الصحراء وهو مشترك مع كل الجزيرة العربية، وهي تحتاج إلى التوثيق ومقارنتها مع غيرها من الفنون في مختلف المناطق، وذلك لكي نتمكن من رؤية خصوصيتها، وفي ذات الوقت هناك الأغاني المدنية والتي تغنى بالعود والأستاذ مسلم الكثيري قدم لنا تحليلا أثناء الندوة وهي مهمة لأنها تعتبر جزءًا من البيئة العُمانية وأيضا هي جزء من التبادل الثقافي مع المناطق العربية الأخرى، فمثلا ذكرت وغنيت هذه القصيدة الجميلة:
يا من هواه أعزه وأذلني كيف السبيل إلى وصالك دلني
والتي ألفها السيد سعيد بن أحمد البوسعيدي، فمثلا هذه الأغنية تغنى في اليمن كثيرا وحتى زمن ليس ببعيد لم يكن اليمنيون يعرفون أن هذه القصيدة هي عُمانية.
* كلمة أخير؟
** أشكر جامعة السلطان قابوس على حفاوة الترحيب، وكرم الضيافة، وأخص بالذكر هنا مركز الدراسات العُمانية وعلى رأسهم الدكتور محسن الكندي مدير المركز لإتاحة هذه الفرصة الجميلة للقاء بالزملاء المتخصصين هنا في عُمان.

* مركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس ـ خاص بـ"الوطن"



أعلى






الذات والقصيدة العمانية المعاصرة

قد لا نكون مبالغين إذا قلنا بأن الشعر الوجداني كله شعر ذاتي بدءاً بغربته ومرورًا بعاطفته تجاه المرأة ثم توحده بالطبيعة وامتزاجه بظواهرها إلا أن الباحث اختار الذاتية كبداية للمواقف الأخرى لأسباب منها أن التصوير يكون صادقًا حينما يتحدث الشاعر عن نفسه يضاف إلى ذلك أن وعي الشاعر يتجلى حين يصهر الأحداث التي تحيطه وتجارب الآخرين في وعيه الوجداني فينعكس ذلك من خلال ذاته على ما يقول من شعر.. يقول هلال العامري:
قبل غروب الشمس
جلست أحدق
في الشفق الأحمر
وبذاكرتي يسبح
في اللا شيء
مَرَّ شريط الذكرى
يعصر ذاتي
يحرق ذاتي !..
مال الأفق الأحمر
وتحرك موقعه الأبدي
نحو اللا شيء
حينئذ عانق صدر الكون
سراب الماضي
وبدا يعزف لحنا
يخترق الروح
ويلهب وجداني
ويحرك في صدري
آهات الماضي!..
وبدا قرص الشمس
كنقطة دمْ
قد نزفت من قلب الماضي!..
وبدا وهج النقطة
يعصر ذاتي
يمسح من ذاكرتي
آلام الماضي
أحزان الماضي
ويشد بداخلها
خيطا يربط نفسي
بشتات الماضي!!..
قبل غروب الشمس
منذ سنين
كان لقاء الماضي
حفنة آمال
زينها لون الشفق الأحمر..! (1)
لقد أوجد الشاعر صورة متكاملة امتزجت فيها مشاعر النفس المعذبة بماض كئيب أعادته الشمس في غروبها والشفق الأحمر، فجددا الذكريات المحزنة في لحن يزداد عزفه كلما ازدادت اقترابا أي الشمس من بيتها.
والملاحظ هنا أن حركة الشمس تزيد من اضطراب الشاعر كلما مالت إلى الغروب الأخير. مثلا "قبل غروب الشمس ـ مال الأفق الأحمر، بدا قرص الشمس ـ قبل غروب الشمس". وكأن الغروب هنا رمز لضياع الأماني السابقة، فهناك أمنيات لم تتحقق وهي مصدر الحزن والقلق والخوف من أن تعود تلك اللحظات بتجدد في غروب آخر.

الاغتراب

كانت الحرية الهدف الأسمى الذي ينشده الوجدانيون، وقد حاول شعراؤنا أن يكونوا مخلصين لذواتهم لتحقيق هذا الهدف "وعند ذلك اهتز أمامهم النظام الخارجي واهتزت القيم والمعايير التقليدية، ومن ثم تولدت مشاعر الغربة والضياع، وربما جاهد بعضهم في سبيل أن يخلق المعادل بين الذات والوجود، ولكن جهدا كهذا لا بد أن يصيب الذات بالتمزق، فلن تتحقق هذه المعادلة إلا على حساب الذات والوجود" (2).
من ذلك يقول سعيد الصقلاوي:
من حولي .. الليل ظلال سوداء
تتكدس في صدري الأشياء
تتغلغل في أغوار الأعماق
الذكرى توقد أشواقي
نار عطشى
إحراق يلهب إحراقي
والريح تبعثر مرآتي
***
أواه يا تعب الغرباء ... (3)
عندما يحيط بك الليل ويخلو بك تشتد وطأته فينفجر ذلك البركان من الذكريات التي تلهب الأشواق، وما يزيد الأمر سوءًا أن الريح لا تمهلك حتى تجمع أوراقك للوقوف أمام هذا البركان فيضيع ذلك الأمل مع الريح. "وقد اضطرهم هذا الإحساس بالاغتراب إلى البعد عن ضغوط الواقع إيثارا للوحدة والعزلة، وطلبًا لعالم أثيري يجدون فيه ما يعوضهم" (4) وأفضل عالم لديهم هو عالم الحبيبة يبثونها هذا الإحساس والتمزق.
يا قدري وحياتي
إني من غيرك مفقود الذات
كالتائه مشلول التفكير، ومهزوم الوجدان
ومذبوح الإحساسات
أتفيأ أحزاني .. أتجرع من كأس الحسرات
لا أدري ما معنى الأشياء ولا معني الأسماء
ولا كنه اللحظات
موجوع القلب ومكسور الرايات
مفجوع النفس ومسلوب القدرات.
تتقاذف أشرعتي أمواج عذاباتي (5)
في هذه الأبيات يجد الشاعر في شخص المحبوبة عالما يأوي إليه خوفًا من زيادة الغربة والتيه والهزائم المتوالية، فالكون بغيرها يسلبه الذات فيجعله (مشلول التفكير ـ مهزوم الوجدان ـ مذبوح الإحساس، يجرعه كأس الحسرات ـ يكسر راياته يسلبه القدرة لا يقر له قرار؛ لأن أشرعته تتقاذفها أمواج العذاب) والصقلاوي هنا محب من الدرجة الأولى إذ جعل الغربة والإحساس بالضياع معادلا لاختفاء المحبوبة وبوجودها تختفي كل هذه الأعاصير.
وهذا ما نجده عند هلال العامري الذي مزج بين الغربة والحب فجعل استمرارية الأمل في الخروج من دائرة الغربة التي تحاصر الشطآن و الموانئ على شراع الحب .. "فالتوحد عبر اللقاء، والانشطار عبر أعاصير الغربة والرحيل، إنه يعانق في أعماقه حبا تلغى فيه الثنائية بين الحبيب وحبيبته، ويتم فيه التوحد بينهما .. بل يتم فيه أيضا التوحد بينهما وبين الطبيعة. ثم نرى هذا الحب ينتهي توحده والتحامه فجأة بالانشطار والتفتت" (6).
يقول هلال العامري:
يا من تحيا ضمني
وأعيش مسافر
يا من تجتاح مخيلتي
وتقاسمني التفكير
يا من بان بمقلتها
سهري وصدى الأحزان
يا من تحمل أمتعتي
تحت الجو الماطر
قدري إن شئت
وما قدري إلا أنت
فكيف أكابر؟؟
يرتعش الليل بعينيك
يؤرقني
ويزيد الغربة والأشجان
وأرى عينيك
في عينيّ.. تسافر !..
وتشد رحال العشق
ولم تعباْ بالريح
أو الطوفان..؟(7)
يحاول الشاعر الاقتراب أو الالتحام بالمحبوبة بعد أن تهيأت للرحيل باستخدام حرف النداء "يا" ينادي به القريب لتأكيد المحبة? الموجبة للتوحد، ثم يفرغ من هذه الصورة الشاملة إلى صور جزئية أخرى للتوحد مستخدما الفعل المضارع "أعيش - تجتاح - تقاسمني - تحمل - يرتعش - يؤرقني - يزيد - تشد - تعبًا" كل هذه الأفعال لينقل جو الحدث والتطور المتجدد به، حيث نرى المحبوبة تعيش في خياله وتقاسمه التفكير، ويرى سهره وأحزانه تعكس في مقلتيها، ويراها تحمل أمتعته في أجواء مناخية صعبة، بل حين تسافر عيناها فهما يسافران في عينيه، وهي تشد الرحال في دروب الغربة لا تعبأ بالطوفان وأخطاره، هذا التوحد والالتحام يعقبه فجأة ودون سابق إنذار صور انشطار وتفكك.
كيف تهاجر عيناك بأخيلتي
ويمرّ شراع سفينتها
دون استئذان
كيف تراها .. تعبر
صمت الليل
وعمق البحر
وتتركني
وأنا الربان...! (8)
هكذا تنتهي الرحلة العاطفية نهاية مؤسفة نجم عنها ربانّ ليس له إلا مواجهة أمواج الغربة والحزن والرحيل، فحين انقسمت السفينة إلى قسمين لم يعد هناك أمل في اللقاء.
أما عاصم السعيدي فإنه يربط بين لحظة وداع من يحب، بلحظة وداع الحياة فكأنها معادل للحياة كلها وبغيرها تكون عدما: (الرمل)
اهدئي ليلى فما زلنا معا
والذي كان لدينا لم يزل
ولتكوني لحظة في جانبي
شمعة من ذكريات .. وأمل
مرهق قلبي كموج حائر
موغل في البحر ماض للعدم
آه لو أغمض عيني ساعة
فأنا من ألف عام لم أنم
كيف أغفو وغدي يحملني
لديار حزنها دون حدود
راحل من غير زاد صامت
رغم إدراكي بأني لن أعود (9).
إن الرحيل الأبدي يحتاج إلى زاد روحي يطاول مشاق هذه الرحلة التي لا تحتمل العودة، وهي التي أرهقت القلب/ أسهرت العينين لألف عام، كل هذه الإرهاصات لأجل ليلى ومطلب القرب كي تزوده موقد شمعة من ذكريات، وأمل عن قريب تنطفئ وينطفئ معها مصباح الحياة، لقد وفق الشاعر في مقدمة النص (اهدئي ليلي فما زلنا معا) والباحث يعجب أيهما أولى بالهدوء من سيبقي أم من يرحل لكن يبدو الرحيل الأبدي لا يمتاز بالسرعة بقدر ما يحيطه من القلق والحزن والحيرة.
ومن الموضوعات الأثيرة لدى الوجدانيين مفردةّ (الموت) وما يتصل به من معاني الفقد، أو التأمل، أو التطلع إلى الخلاص، فهو بمثابة الملجأ من مصائب الحياة وأثقالها، ويمتزج فيه الأسى بالحب، وكأنه نوع من أنواع الفقد المألوف في الحياة أو هو حل لإشكالية الوجود الخاسر.
يقول عاصم السعيدي: (الخفيف)
أنت وَهْمُ.. أنقاضه تتهاوى
بين عينيّ والأسى يعتريني
فاتركيني .. لكي أموت وحيداً
علّ موتى .. يعيد ماء جبيني
كيف لا أبكي .. لا وربك أخشى
إن هَمَى الدمع أن يميت شموعي
مثلما مات بين جنبي حب
كان يبني أسواره من ضلوعي
قد تداعى .. وصار قبرا كئيبا
فيه أودعت ذلتي وخضوعي
اتركيني فالقبر يصرخ .. كلا
لقيودي لشقوتي .. لرجوعي (10).

يربط السعيدي بين رغبته في الخلاص بالموت، وعشقه لتلك الفتاة، والحديث عن الموت عند السعيدي تظلله سوداوية معتمة إلا أن الشاعر لا يرجو الموت حقا بقدر الخلاص من هذه العاطفة التي أسقطت ماء جبينه، وأطفأت شموع أمله، بعد أن بنى أسوارها من ضلوعه. نعم الموت هو الخلاص الوحيد لوجود خاسر - وجود القيود والشقاء.
من الملاحظ على الشاعر الوجداني أنه غالبًا ما يترك التصريح بأسباب تمنيه الموت أهو المشروع العاطفي الفاشل، أم العجز عن تحقيق الذات في الحياة، أم الواقع الذي قطع جسور الترابط بينه وبين الناس فجعله في جزيرة من الأوهام والرؤى والأحلام؟؟
يقول سعيد الشعيلي: (الكامل)
يكفيك يا دنياي نهب مفارحي
لم تسكبي الحرمان في أكوابي
أو كلما ضمدت جرحًا متلفا
ألقى الزمان به مكين حراب
ما اخترت بعدي عن ظلالك طائعاً
الموت أعذب مورداً مما بي
لكن للأقدار أسباباً قضت
بالبعد يا ويحي ولى أسبابي (11).

الموت إذن أعذب مورد عند الشعيلي في مواجهة هذا النهب والسلب الذي يتعرض له كلما ضمد جرحا متلفا، لقد تحرك الزمن في الجهة المضادة لتيار الشاعر فحكم عليه بالحرمان والضياع وناصبه العداء، فهل كان الزمن هو السبب الذي دعا الشاعر لطلب الموت وتمنيه؟ ووصفه بأنه أعذب مورد؟.

هوامش
(1) من ديوان قطرة في زمن العطش، ص9.
(2) الشعر العربي المعاصر، ص 357-358
(3) سعيد الصقلاوي، ديوان ترنيمة الأمل ،منشورات وزارة الإعلام والثقافة، مسقط سلطنة عمان،ط1،1975م، ص 115
(4) يسري العزب، القصيدة الرومانسية في مصر( 1923-1925 ) الهيئة المصرية العامة للكتاب ،1986،ص35
(5) سعيد الصقلاوي، ديوان أنت لي قدر ،مطبعة الألوان الحديثة،مسقط ص 87
(6) سعد دعبيس، دراسات في الشعر العماني،دار المعرفة الجامعية،ط1، 1992م ، ص 61
(7) هلال العامري، ديوان هودج الغربة،المطابع العالمية ،روي سلطنة عمان ،ط1 ،1983م ، ص 9-10.
(8) من ديوان هودج الغربة، ص 10.
(9) دراسات في الشعر العماني، ص 128، الملحق الثقافي جريدة عُمان، عدد مايو 1994.
(10) دراسات في الشعر العماني، ص 130.
(11) قصيدة،(عبرة الأرواح)،جريدة عمان،عدد 26 ديسمبر، 1994 .

د. محمد المهري

أعلى




العودة للأرض

نبذته الجذور والفصول والحدود? عدا علبة السيجارة التي تعرف عليها في صباه، وحملها في صدره كوسام يلف بها العالم مغتربا، وباحثا عمن يُقدر صنعته. لم يجد المقام الذي لهث إليه بأحلامه قبل أن يصدفه في بلاد ليست من ثوبه، فعقد العزم على نسيان الماضي والبدء بصفحة جديدة في عالم الخبز الذي لن يقدر ثمنه إلا من عرف فقدانه.
****
بدأ بمخبز بسيط على قدر تحويشة العمر التي هرب بها من جشع تجار بلدته، والذين ساء لهم صنيعه عندما رفض رفع اسعار الخبز، فكادوا له مع أقرب المقربين وهو شريكه الذي أصر عليه بالامتثال لنصائح الكبار وغلق المخبز، أو الدخول إلى السجن بقضية غش أو تزوير جاهزة لأمثاله.
****
هكذا أبلغوني حرفياً بأن آمرك وإلا أقاموا عليك السجن بما يملكون من الكلمات. فجميع المناقشات الدائرة في مخبزنا مسجلة لديهم بصوتك. فهم يعرفون الشاردة والواردة عنك. ولكن رأفةً بحالي كشريك في المخبز كون العقد لدى دائرة التجارة موقعا باسمي، منحونا فرص إغلاق المخبز نهائياً بالمعروف، لدواعي سفرك للخارج، وتقديراً منهم لخدمات أخي الصغير في تسجيل حديثك!
****
لم أستطع التحمل بعد هذا التضييق على الكلمات قبل الرزق، وكان لسان حالي يردد "أرض الله واسعـة...". أقمت مخبزي في زاوية لا يقطنها إلا من أنهكتهم الحياة من أمثالي. ووضعتُ لنفسي شعاراً " بالخبز نعود للأوطان ولو بعد حين"، وتعهدت على نفسي بأن أعمل ليل نهار إلى أن أُتِمَ عامي العشرين وأتقاعد.
****
يبدأ يومه في رحلته المخبزية بإشعال الفرن، ليجد المساعدين أنفسهم أمام ساعات عملٍ كاملة، وبنظام الأولوية الذي تعلمه في هذه المهنة، ومن هذه البلد التي يكون فيها الصف والأحقية لمن حضر أولاً. كان هو أول من يغمس جبينه ليخرج الخبزة الأولى التي لا يمنحها إلا لفمه متذوقاً طعمها ليضع العيب الأول لنفسه قبل أن يقدمه لزبائنه، فكثيراً ما تعارك مع المساعدين للوصول لأجود ما في صنعته، حتى أنه عندما كان يتعب او يعترضهُ ظرفٌ شديد يصر عليهم بالإبقاء على الخبزة الأولى التي يسميها خبزة الوطن ليتذوقها بنفسه ولو بعد حين. وصل صيته كل شارع في المقاطعة، وكُرم لأعوام عديدة من أعلى القيادات الوظيفية والشعبية على مهنته التي تخرج من تحت يديه أمهر الخبازين، فلقب بسيد الخبازين.
****
ختم في هذا اليوم عامه العشرين. وجد الكثيرين من زبائنه يحملون له أزهاراً، ويهنئونه باكتمال شعاره، الذي أمسى مدرسة تناولتها العديد من الجرائد والمجلات بكل اللغات عدا لغته. وهو بدوره علق عبارة على واجهة المخبز كتب فيها "هنا عاش خباز أحبكم". انتقل في رحلة مخبزه من أفقر زاوية إلى أغلى زاوية في قلب المدينة. كانت الفرحة مع الدمعة تخالج عينيه فهو سيترك مهنة أسعدته ومكاناً حمل منه صيته "الخباز العربي".
****
جاء المشتري في موعده ليتسلم مفاتيح كل شيء، والخباز بدوره قد منح كل حقوق العاملين معه، والمتعهدين لديه، فقد أغلق كل شيء عدا حقائبه التي تركها مفتوحة ليملأها بالمزيد من الهدايا لأولاد اصدقائه الذين رحلوا منذ زمن وهو وفيٌ لهم بوصالهم، وليدخل صندوق السجائر الخاص به، أو كما كان يسميه الملعون الصغير الذي لم يفارقه طوال رحلته العشرينية.
****
غادر كرسيه في المخبز غير نادمٍ على قراره في العودة للوطن الحلم، والقبر كما كان يصر أن يسميه في أحيانا كثيرة. خرج بخطوات مثقله من المخبز، وترجل ماشياً في اتجاه النهر على غير عادته التي يستقل فيها الباص. عيون جميع من في المخبز ترقبه، وتودعه مع كل خطوه يترك فيها دفئ مكانه. أشعل السيجارة ونفث الدخان بكثرة وراءه ثم أخذ يسعل بصوت عال، فتوقف فجأة في نصف الطريق واستند على جذع شجرة لدقائق وأدار رأسه باتجاه المخبز ثم طالع السماء فسقط كومة على الأرض. اهتز كل ما في المخبز، وأطلق الجميع أقدامهم باتجاه الخباز. قطع الضوء الأزرق وصوت سيارة الإسعاف المكان لنقل الخباز ـ كما كان يحلم في العودة ـ محمولاً على ظهر سفينة تجوب به البحار باتجاه وطنه، إلا أن حدسه خاب في الاتجاه هذه المرة، ولم يتوقع أحد بأن تكون نهايته في المستشفى الكبير الذي يطل على مخبزه. لم يفلح المسعفون بمده بالأكسجين النظيف لصدره لأن سبب الوفاة كما ختم في تقريره النهائي كان العامل الرئيس فيه الدخان الذي كان يشربه بشراهة. عاد الخباز محمولاً على الأكتاف رغم أنه لم يكن فاتحاً ولا منتصراً بل مغترباً. أراد أن يكون وصوله في صمت إلى وطنه خوفاً من بقايا تسجيل الكلمات، فكان له ما أراد فلم يكن هناك لدى وصوله إلى القبر سوى سبعة شباب من بقايا أولاد الأصدقاء الذين رحلو في وطنهم منذ زمن ليس بقليل.
سعيد بن محمد السيابي


أعلى




أحمد شفيق الخطيب يقدم "وجهة النظر في القصة القصيرة"
القصة القصيرة وثيقة الصلة بحياة وتاريخ البشر

القاهرة : حسام محمود
تبدو القصة القصيرة وثيقة الصلة بحياة البشر, وتطلعاتهم, وتاريخهم الثقافي والحضاري, وتعكس الكثير من جوانبهم الشخصية والحياتية, ولعل وجهة النظر المنوطة للآدباء في القصص القصيرة بشكل عام إنها العلاقة بين القصاص وقصته وشخصياته, أو الطريقة التي يستخدمها كاتب القصة القصيرة أو الروائي في عرض موضوعاته, وقضاياه أمام عيون القراء, وتغليب لغة الضمائر في الكلمات والصياغة لاستبيان الأحداث.

معايير القصة

وفي كتابه "وجهة النظر في القصة القصيرة مع نماذج من الآداب الغربية والشرقية" يستهل الدكتور احمد شفيق الخطيب حديثه بتسليط الضوء على جوانب الشخصيات الروائية, والتي يمكن أن تمد الكتاب والأدباء بالمهارات والقصص اللازمة, فإن الروائي يمكنه وصف الشخصية من الخارج, بوصفه متفرجا محايدا أو منحازا, أو يمكنه الادعاء بعلم كل شيء, ويصف القصة من داخلها, ولكن ينبغي على الأديب تبني موقفا وسطا بين هذه التيارات الزاخرة لغويا ومهاريا في فنون الكتابة, وصولا إلى خلق حلقات من الإبداع الروائي, فيما يتعلق بدوافع الشخصيات الأخرى في الروايات النقدية, وجعل ما يرسو إليه من علامات منيرة كشواطىء للإبداع.
ولعل كتاب المدرسة الواقعية قد اختاروا أن يختفي الكتاب من القصص لتظهر موضوعاتهم, ومن هنا يصبح الحديث عن بانوراما الكتابة الروائية حديثا عن شخصيات بعينها تصنع القصص والحكايات المتسلسلة, والمترابطة مع بعضها.
وبصفة عامة, فإن الترتيب المتبع في فنون الرواية أضحى شبيها بالتدرج العاطفي, باستخدام ضمير المتكلم في الحكايات, واستخدام ضمير الغائب في حكايات أخرى, ثم داخل كل من هذين النقدين, نجد انتقالات حرة تؤدى في نهاية المطاف إلى ما يشبه الطيف الخيالي للكتابة الروائية والاستعراضية.
أما المقصود بالطيف الروائي, وتدرجه السابق والإشارة إليه, فإن القصص بترتيبها الحالي تواصل زيادة المسافة بين المتكلم وسامعه من ناحية, وبين المتكلم وموضوعه من ناحية أخرى, وعلى هذا فإن المفهوم الاساسي هو تلك الثلاثية المتعلقة باستخدام ضمائر المتكلم, والمخاطب, والغائب, أي ضمائر أنت وأنا وهو, وما يحدد الانتقال على مدى هذا الطيف الروائي من عرض قصصي يشبه السبح في الخيال, وتلوين المضمون بلغة الأحداث المتباينة.
وإذا ما أردنا استخدام أسماء أخرى للضمائر, فإنه يمكن استعمال القاص والسامع والقصة أو مقدم المعلومة, ومتلقي المعلومة, والمعلومة ذاتها, أو الموصل, والمتلقي, والرسالة, ومن مزايا هذا الترتيب أنه يعيد الضمائر إلى فنون القصص.
ومثلها مثل جميع الثلاثيات التي يتبعها الكتاب, فإن القصص تمثل وحدة عضوية, ونفسية للروايات وثيقة الصلة بالحياة العامة, بمعنى أن أي تغيير في واحدة منها يترتب عليه بالضرورة تغييرات في غيرها, فلو زادت الهوة في الزمان والمكان فإن مسافة الفكر والإحساس سوف تزداد بالتبعية.
وعموما, فإنه يمكننا النظر إلى أي قصة باعتبارها وثيقة الصلة بالمضمون والأهداف المنوطة, أو تجمع طريقتين أو أكثر من الطرق المستخدمة في فنون القصص, وفى جملة واحدة يمكن تلخيص أفكار كل كتاب وكاتب على حدة حسبما تتراءى رؤية المؤلف, وترجع أهمية هذا الشكل إلى أن ما تدور القصص حوله أو في معناها إنما يحددها الشكل الذي يتم حكايتها به, إذ لا يمكن الفصل بين القصص وبين الحكايات, وبين سرد الأحداث وصولا إلى صياغة الدراما وصور الرواية المختلفة الأشكال.
أما التغيرات التي تطرأ على الأحداث في القصد, والتأثير, والمعنى, والموضوع, التي تحدث مع تغير طرق القصص, فإنها تتيح للقراء استكشاف المعاني, واستبيان الأهداف, وتوضيح المفاهيم الروائية, والسطوع فوق الأحداث في دوائر الكتابة.
والهدف من ترتيب القصص بشكلها الحالي والمستقبلي يكون في الغالب للانتقال من طريقة حكاية إلى أخرى, ومن خلال عقد المقارنات فيما بين الروايات.

أدب الرواية

يؤكد المؤلف في كتابه الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب أنه بصفة عامة, كل طريقة أو وجهة نظر في الكتابة تتسم بأنها أكثر شمولية وتجريدا من سابقتها, ويتأتى من العمل الروائي صياغة الأحداث بالشكل والمضمون الهادف, والذي يعطي رونقا سليما للأداء الفني للمعاني, ويستوعب ماديته من مصادر يزداد بعدها بريقا عن ذاته أو عن ذات بطل قصته, وكلما تقدم القصاص خطوة زاد تأثيره على القارئ, ويكون أقل التزاما بالزمان والمكان الخاصين بالأحداث, التي يرويها الكاتب من خلال عرضه الشامل لمؤلفه.
ووجهات النظر بترتيبها الحالي تحكي ما يقدمه الكتاب من رؤى, ومسارات إبداعية وتنويرية, فإن الأشخاص عندما يتحدثون عن أنفسهم يسردون ما يرمز له من رموز حول الضمائر الغيبية والواقعية, ولعل لحظات الكلام هي أبلغ لحظات تعبر عن ذات المؤلفين, وهم يسردون واقعهم وماضيهم, ويضعون الخطوات لمستقبلهم, وبالتالي تكون إنجازاتهم تعبر عنها أقلامهم.
ووجهات النظر التي يسردها الكتاب في البداية عند استهلال مؤلفهم تحاكي ما يقوم به الطفل من كلام بسيط, ثم حديث سهل وميسر, وصولا إلى الأصعب, وإلى حد ما فإن المسارات الفكرية تتشابه لحد كبير مع الايدولوجيات الروائية.
ولذلك فإن المناجاة الداخلية هي نقطة البداية, فيما يتعلق بالخطاب, ليس فقط لأنه أول ما يظهر في لغة الطفل, ولكن أيضا لأن كلام الكبار يتسم بالاجتماعية, بمعنى أنه الأقل توجها نحو الآخرين, والطفل لا يدرك في البداية التداخل أو عدم وضوح الرؤية بين المتكلم والمستمع والموضوع, ولكن عندما يصبح المرء بالغا يحاول أن يستوعب جمهورا وموضوعات وقضايا شتى, تزداد في بعدها عن نفسه.
أما المناجاة الدرامية, فإنها تمثل المرحلة الثانية من الكلام التي يطلق عليها المناجاة بالصبغة الاجتماعية, غير أنه يجدر الاشاراة إلى أن المناجاة الداخلية والدرامية قد نشأتا في مرحلة متأخرة من تاريخ القصص أو في تاريخ الأدب الخيالي النثري.
وأما الخطابات, فتمثل مرحلة أبعد, إذ أنها حوار عن بعد, عندما يفرض البعد المكاني على الأشخاص, ليكتبوا لبعضهم البعض تطلعاتهم ورؤاهم, في حين أن اليوميات تمثل مرحلة انتقالية بين المراسلة من جهة, والنشر من جهة أخرى, بمعنى أنها موجهة إلى شخص يستمع لكنه غير واضح المعالم الثقافية.

تحديث الكتابة

ينتقل الكاتب إلى شرح وسائل الاتصال المعلوماتي, والثقافي لتوضيح تجارب الأجيال, ويشير إلى فنون الكتابة الذاتية بالروايات التاريخية, والمأثورات الزمانية, في حين توجد المراسلة والمحادثات التي قد تضم أسئلة وتراجعات وتوسلات وأوامر, وتوجه اليوميات والمطبوعات المنشورة إلى الجمهور الذي لا يمكنه أن يرد, والكاتب يكون محصورا في جمل إخبارية فحسب, وينتج عن ذلك دراما عالقة بالضمائر الخاصة بالمتكلم كأنا وأنتم ونحن, لتنحسر, وتعطى الأسبقية للقصص المبنية للمجهول.
وبعد مراحل الحديث عن النفس, وما تسمى بالمناجاة الداخلية, والحديث إلى الغير أي المناجاة الدرامية, فالكتابة يجب أن تأخذ طابعا رسميا, عن طريق الخطابات واليوميات, التي تتسم بانحسار الجانب التلقائي فيها, وباستخدام العامية, لنصل إلى الخطاب العام الموجه إلى الجمهور العريض, حيث تستقر العلاقة بين الكاتب وقراءة على البعد, حيث يحل التعبير الأدبي محل الارتجال الذي يستخدم اللغة العامية, ومنذ الآن فصاعدا الموضوع الرئيسي الذي يربط العلاقة بين المتكلم والكاتب أو الموضوع هو الذي يتناوله بالأساس عن طريق السيرة الذاتية.
وفى السيرة والتاريخ, فالكاتب لم يعد يشير إلى نفسه في النصوص المكتوبة, ولكنه يتحدث عن معارف منقولة عن طريق أطراف أخرى وتفاعلات شتى.
وما دام الكتاب يتحدثون عن التجارب الخاصة بهم, فالأمر لا يعدو نقلة من طرف إلى الآخر, والعكس عبر تفاعلات ثقافية تتضمن في جوهرها صياغات لوجهات النظر على مسافات زمنية متباينة الأركان والمعايير, ولا بد من التغلب على المعايير الزمانية والمكانية عند صياغة الأحداث الثقافية بلغة الأقلام.


أعلى




الصناعات الحرفية العُمانية "بين الماضي والحاضر" (2-5)
الصلات العُمانية وتأثيراتها في الصناعات الحرفية القديمة

كان لوقوع عُمان على الخليج العربي وبحر عُمان أثر كبير في العلاقات التجارية بين الشرق والغرب. وكان لتلك العلاقات أثر واضح في الحياة الاقتصادية، وفي فنون عُمان القديمة وصناعاتها الحرفية التي شكلت مصدراً مهماً لتلبية متطلبات المجتمع من الأدوات التي احتاجها الإنسان في حياته اليومية. وتشكل النقوش إلى جانب الآثار مصدراً مهماً لدراسة علاقات عمان القديمة، فهي وثائق ذات شأن عظيم كونها الشاهد الباقي من تلك الأزمنة الغابرة، وتلك النصوص نجدها إما محفورة على صخور الأودية، والجبال، أو على جدران المعابد، أو على الأحجار، أو على الفخار، أو على الرقم الطينية، أو على الألواح المعدنية. ومن أبرز تلك الكتابات النقشية التي تفصح عن علاقات عمان القديمة وحضارتها: الكتابات المسمارية لملوك بلاد الرافدين، واللغة المصرية القديمة، واللغة اليمنية القديمة، والكتابات الفارسية القديمة، وكلها وثائق حملت إشارات جوهرية عن تاريخ عمان القديم لاسيما وأنها كانت معاصرة لنهضتها الحضارية القديمة. وقد ساعدت تلك النصوص ـ إلى جانب الآثار التي عُثر عليها في عُمان وباقي مناطق الخليج العربي ـ في إلقاء الضوء على العلاقات المتشعبة بين عُمان وبقية المناطق الحضارية في شرق شبه الجزيرة العربية من جانب وبين عُمان والحضارات الكبرى في الشرق الأدنى القديم من جانب آخر، تلك العلاقات التي ظهرت أثاراً واسعة في عدد من الصناعات القديمة، كصناعة الفخار، وصناعة مجامر البخور، وصناعة الأختام، وصناعة الأواني المعدنية.
وكان من تلك الآثار أن عُثر على أختام تقلد الجعارين المصرية في عدد من المواقع الأثرية بالسلطنة، والختم مصنوع من الحجر الصابوني عُثر علية في القبر (BIG 8)، ومنها ختم عُثر عليه بموقع بوشر الأثري، بمسقط، وأبعاده (9×7×5ملم)، والختم يشبه أختام الجعران المصرية، ويظهر على وجه الختم أسد مجنح رابض على رجليه الخلفيتين، ويقف على رجليه الأماميتين، وزيله مرفوع. وهناك أختام أخرى تقلد الجعارين المصرية، كالختم الذي عُثر عليه بأحد القبور بموقع ميناء صحار، وهو ختم بهيئة الجعران المصري، مصنوع من الحجر الصابوني، أبعاده(1.5سم×1سم×7ملم)، وهو يشبه الختم السابق الذي عُثر عليه في موقع بوشر إلا أن هذا الختم أكبر حجماً وأقل دقة في تقليد الجعران المصري، وربما كان الأول ختما مصريا خالصا، بينما هذا الختم تمت صناعته محلياً كتقليد للأختام المصرية، ويظهر هذا في نوع النقوش التي تظهر على وجه الختم، وهي عبارة عن دوائر منقطة وهي نفسها التي استخدمت لتمثيل عين الجعران. وهذا النوع من الزخارف معروف في الأواني العُمانية المنتمية للألف الثالث قبل الميلاد.
وقد تشعبت تلك العلاقات ووصلت تلك التأثيرات إلى المناطق الحضارية المجاورة لعُمان أو قل المناطق التي تاجرت مع عُمان واعتمدت عليها في توفير الكثير من المواد المهمة ـ (كالنحاس والأحجار، واللبان) ـ اللازمة لصناعات كثيرة. ففي دلمون عُثر على أختام مشابهة لتلك التي عُثر عليها في عُمان ـ يحتفظ متحف البحرين ببعضها ـ اتخذت الشكل المخروطي أو الهرمي، أو على شكل الجعران المصري. وفي دلمون أيضاً عُثر على نموذج لمقبض مرآة في هيئة بشرية يذكر ببعض النماذج من الحضارة المصرية القديمة، وربما كان هذا الاتصال بداخل الخليج العربي القديم قد تم عبر العلاقات مع عُمان في الأساس، فهي التي تتصدر فم الخليج، وهي صاحبة التاريخ البحري الكبير، وهي صانعة السفن المتميزة في الشرق الأدنى القديم، وفيها مناطق إنتاج اللبان، وفيها مواني ظفار الرئيسية التي كانت قبلة التجارة القديمة في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية.
وتشير النقوش التي عُثر عليها في الموقع ـ والتي نُقشت بالحفر الغائر على اللوحات الحجرية بالأبجدية العربية الجنوبية ـ إلى تأسيس مدينة (سمهرم) التي بنيت لتأكيد السيطرة على تجارة اللبان، وتذكر النقوش اسم مدينة (سمهرم)، التي كانت تتصدر المراكز التجارية الرئيسية في طريق البخور التجاري. وقد تكرر ذكر (سمهرم) في نصوص جنوب الجزيرة العربية نظراً لأهميتها وتوجد بها قلعة سمهرم الواقعة على قمة أحد تلالها شامخة مطلة على ميناء سمهرم.
وبينت الحفائر أن هذا الموقع يحيط به سور ذو بوابة واحدة يشمل مبان عديدة بعضها من طابقين. وذلك إلى جانب معبد خصص لإله القمر. وكان هذا المعبد يضم نظاما متطورا للتطهير ومذبحين. وتتمتع المنطقة بموقع رائع لم يتغير منذ ألفي عام.
وقد اشتهرت سمهرم، بمينائها الهام الذي قام بدور كبير في تصدير لبان ظفار منذ القرن الرابع قبل الميلاد إلى بلدان العالم القديم كمصر، وبلاد النهرين، وفارس، وبلاد الشام، وبلاد اليونان والرومان. وقد تحدثت نصوص ورسوم معبد الدير البحري بمدينة الأقصر عن رحلة الملكة حتشبسوت إلى هذه المنطقة وصورت أميرها الذي يرتدي الخنجر، ومن خلفه صور الفنان زوجته وملامح البيئة العُمانية التي كان من بينها أشجار اللبان، ونخيل النارجيل. وقد عثر في خور روري أيضاً على تمثال برونزي لامرأة يعود للقرن الثاني قبل الميلاد, وتظهر صاحبة التمثال وهي تتمايل بجسدها في تثني الراقصة المحترفة. وهو من الآثار التي تحمل تأثيرات هندية واضحة. لذا يُعد موقع خور روري من المواقع الأثرية الهامة التي تثبت علاقات عُمان بالعالم القديم.
وتُعد هذه المنطقة الأثرية الهامة التي تم الكشف عنها متميزة في تخطيطها وفنها المعماري، وفنونها ونقوشها الكتابية وتماثيلها وأختامها، ونماذج كثيرة من الصناعات الحرفية القديمة التي عُثر بالموقع على عدد كبير منها والتي يمكننا رؤية نماذج منها وهي معروضة الآن بمتحف اللبان بمحافظة ظفار، ولعل أهم تلك الصناعات الحرفية تتمثل في مجامر البخور المختلفة الأشكال والأحجام، وقد تنوعت بين المجامر الحجرية والمعدنية، وقد حملت الكثير من الرموز الدينية والزخارف المحلية، وكانت منتجات الصناعات المعدنية كثيرة ومتنوعة أيضاً وقد تحلت بزخارف ونصوص كتبت بالخط المسند (اللغة العربية الجنوبية) ومن تلك الصناعات المعدنية أواني متنوعة الأشكال يحتفظ متحف اللبان بنماذج فريدة منها، وجميعها نماذج أصيلة تحمل عبق التاريخ العُماني وتنم عن تنوع الصناعات الحرفية وجودتها وإتقانها عملياً وفنياً منذ أقدم العصور على الأراضي العُمانية.
وكما كان جنوب عُمان من أنشط المواقع الحضارية في التجارة بسبب توافر اللبان، كان شمال عُمان أيضاً مكاناً نشطاً بسبب تجارة النحاس، فقد اتصلت عُمان ببلاد النهرين اتصالاً مباشراً في بعض الفترات, وفي فترات أخرى لعبت دلمون دور الوسيط في التجارة القائمة بين ماجان وبين بلاد النهرين, فتذكر بعض النصوص المكتشفة في أور ـ أن تاجراً يدعى (لو إنليل) من عهد الملك أبى ـ سن آخر ملوك عصر الإحياء السومري (عهد سلالة أور الثالثة) يجلب النحاس والخرز والعاج وأنواعاً من الأحجار من ماجان مباشرةً.
وقد كان هذا الاتصال مستمرا سواء كان اتصالاً مباشراً أو كان عبر دلمون كوسيط, وقد ذكرت النصوص العراقية أن تاجراً يدعى (إيا ناصر) خلال عهد سلالة لارسا ساهم في نقل البضائع وتصديرها من الأقمشة والزيوت وغيرها وتسلم أموالاً من الفضة من التجار بغرض استيراد سلعة النحاس من دلمون.
وقد سجل مؤلف كتاب الطواف حول البحر الإريتري أن (عمانا) كانت تصدر إلى المناطق المجاورة كميات كبيرة من اللؤلؤ ومما يوحى بوجود ممارسة هذه المهنة كميات الأصداف الكبيرة التي عُثر عليها في موقع الدور (عمانا).
وقد أشار صاحب كتاب الطواف أيضاً إلى بعض النشاطات التجارية بين عمان وجيرانها مثل: الهند وفارس وميسان وجنوب شبه الجزيرة العربية. وذكر كذلك أن السفن العمانية تأتي من الميناء الهندي، باريوجازا، محملة بالزنك والنحاس والصندل وخشب التيك. كما أن عُمان كانت تصدر إلى كل من باريوجازا في الهند، وكاني (قنا) في جنوب شبه الجزيرة العربية نوعا من القوارب محلية الصنع تدعى ماداراتا، وكميات كبيرة من اللؤلؤ، والملابس. وتلك هي الصناعات الحرفية القديمة التي اشتهرت بها عُمان منذ القدم فقد تعددت قوارب عُمان وتنوعت بأشكال ومواد مختلفة، واشتهرت بها صناعة وتصديراً وإبحاراً وشكلت مراكب عُمان جزءاً لا يتجزأ من تاريخها القديم. وانتعشت مع هذا التاريخ البحري صناعة النسيج التي استمرت شهرتها بعد عصور عُمان القديمة وزادت شهرتها في العصر الإسلامي.
وقد انتشرت الطرق الداخلية التي ربطت بين الموانئ الساحلية والمناطق والواحات الداخلية. ومن الملاحظ أن مواقع الآثار السابقة الذكر تقع على طرق القوافل القديمة، مما يوحى بأن هذه الطرق كانت تستخدم منذ أقدم الأزمنة، ومن هذه الطرق: الطريق الساحلي القادم من رأس الخيمة أو جلفار بالقرب من موقعي شمل وغليلة، إلى البريمي وهيلي عبر مليحة وسهل المدام، ومن البريمى عبر سفوح الجبال إلى عبري ومنها إلى ظفار وحضرموت و من الملاحظ أن مليحة تمر بها عدد من الطرق الرئيسية مما يساعد على سهولة اتصالها.
أما الطرق الخارجية البرية التي تربط عُمان بسوريا وبلاد الرافدين عبر شبه الجزيرة العربية, كما أشار ولكنسون إلى طريق بري من حضرموت إلى عُمان بالقرب من الساحل، وهو الطريق ذاته تقريبا الذي ذكره ابن خرداذبة. والطريق البحري بين ميناء عُمان وأبولوجوس وباريوجازا. وكان لعُمان موانئ تربطها بحريا بالخارج وعن طريقها يتم تصدير واستيراد السلع والبضائع، وارتبك كل من الدور على الخليج العربي والبدية على خليج عُمان وهذان الموقعان كانا يرتبطان بالداخل بطريق القوافل.
وتدل العديد من اللقى الآثارية على التبادل التجاري والاتصالات بين عُمان والمناطق المجاورة لها. وقد ذكر مؤلف كتاب الطواف أن موشكا كانت مرفأ لسفن الملك ويدل علي الاتصال بالهند اكتشاف العديد من فخاريات شبه القارة الهندية, في عُمان علاوة على أربع عملات هندية.
ومن الآثار العُمانية التي تحمل تأثيرات هندية مجموعة من الأختام, وقطع معدنية وقطع من العاج, وأواني فخارية وتتشابه مع مثيلاتها في الحضارة الهندية تبين مقارنة زخارف فخار رأس الجينز مع مثيلاتها الهندية لتوضح مظاهر التأثير والتبادل بين الحضارتين العُمانية والهندية. وكان العاج والأختام النحاسية أيضاً من الآثار المكتشفة في رأس الجينز وجميعها تشهد على قيام عُمان بصلات مع الهند وأيضاً قيامها بدور الوساطة بين الهند وبلاد النهرين.
ويؤكد ما عُثر عليه من آثار في موقع (عمانا) وجود تبادل تجارى بين هذا الموقع وبين حضرموت عن طريق مينائها الشهير (قنا) ومن هذه الآثار عملتان برونزيتان من حضرموت وقد كتب عليهما اسم القصر الملكي (شقر) بشبوة كما عُثر على خاتم تدل زخرفته على أنه من حضرموت, علاوة على عدد من الأواني الفخارية المستوردة من جنوب شبه الجزيرة العربية, كما عُثر في قبر آخر بالدور على كمية من البخور, الذي تعد منطقة ظفار هي مصدره الأساسي وكانت مدينة قنا ( بئر علي الحالية) هي الميناء البحري الشهير، وذكرها مؤلف كتاب الطواف حول البحر الإريتري فقال: " قنا ميناء حضرموت وله تجارة واسعة مع عُمان على الخليج ومع الهند, مع سواحل الصومال في إفريقية".
وتعتبر النصوص المسمارية المتعلقة بالجانب الاقتصادي من أبرز الكتابات الاقتصادية القديمة لما يمثله هذا الجانب من أهمية حيوية في حياة شعوب المنطقة، فقد تحدث (سرجون الأكادي) (حوالي 2334 - 2279ق.م) المعروف بـ(شروكين) في وثيقة تتضمن نصوصا تاريخية مسجلة على لوحة كبيرة تتألف من أربعة عشر عمودا، ليذكر أنه يفخر بأنه نجح في جلب مراكب (ماجان)، و(دلمون) و(ملوخا) إلى موانئ (أكاد)، وهناك بعض النصوص السومرية تشير إلى أن تجارا، وسفنا من (دلمون)، و(ماجان)، قدموا (أور)، والمدن الأخرى في جنوب بلاد الرافدين بقصد الاتجار منذ الألف الثالث ق.م، أما (جوديا) Gudea أحد ملوك مدينة (لجش) Lagash السومرية ـ والذي حكم في نهاية الألف الثاني ق.م ـ فقد تحدثت نصوصه عن الصلات التجارية الواسعة التي أقامها مع الدول المجاورة، وقد رصد (جوديا) البضائع التي تدفقت إلى مدينته باعتزاز كبير فقد حملت السفن له الذهب والحديد من مصر، والفضة من عمان، وتبدأ العلاقات بعد ذلك بين (ماجان)، وبلاد الرافدين تأخذ طابعا تجاريا متميزا، ففي عصر أسرة (أور الثالثة) حيث احتلت (أور) مركز الصدارة في تجارة (ماجان) منذ عهد ملكها (أورناموUr-Nammu) (2112-2095 ق.م) أحد قادة سومر البارزين إداريا، وعسكريا، فهو واضع القانون الذي نظم سلوك الفرد تجاه المجتمع وتجاه الدولة.
وقد جاء في مقدمة شريعة (أورنامو) التي تعتبر أقدم شريعة معروفة للبشرية: أنه أعاد قوارب (ماجان)، وسمح لسفن (ماجان) بالرسو في ميناء (أور) بعد أن انتصر على ملك (لجش) السومري، ووفر الحرية للتجارة البحرية في بلاد (أكاد)، ونظم دولته، ووفر لها العدالة، ولقب نفسه بـ (ملك سومر وأكاد). وهذا دليل واضح على أن الحركة التجارية بين مدينة (أور)، و(ماجان) ظلت قائمة إلى فترات لاحقة، وتزايد الاهتمام بالتجارة في عهد الملك السومري ابن(أورنامو) (شلجيShulgi ) الذي تولى الحكم في حوالي (2050ق.م)، ولقب نفسه أيضا بـ (ملك سومر وأكاد).
كان حكم (شلجي) طويلا، ومجدا، يورد هذا الملك في سجلاته ذكرا لبنائي السفن في ماجان، كما عُثر على العديد من النصوص الوثائقية الاقتصادية الهامة التي تنتمي إلى عصر الملك (أبي سين) (2029-2006 ق.م) تؤكد التبادل التجاري لـ (ماجان) مع العراق القديم بشكل خاص، وكل منطقة الشرق الأدنى في الألف الثالث قبل الميلاد.
ومن نصوص هذا الملك التي تذكر تجارة ماجان نص يقول: "أحضرت مواد من (مخزن) معبد (نانا) من أجل تجارة النحاس من ماجان"، وتتضمن نصوص أخرى ما معناه أن منتجات (أور)، والمدن الأخرى كانت تصدر عبر الخليج، للحصول على نحاس (ماجان)، وكانت عملية التصدير تتم نيابة عن معبد (نانا)، كما تشير هذه النصوص إلى أن السفن كانت تجلب النحاس والأحجار الكريمة من (ماجان) إلى (أور)، كما تتضمن أيضا المواد المتبادلة، فمن (أور) كانت تخرج الأثواب، والصوف، ومن (ماجان) كان يرد بصل (ماجان)، وبوص (ماجان).
ولم يتوقف الإنسان العماني في أي من فترات تاريخه عن ابتكار الأدوات التقليدية التي تفي بحاجته المعيشية والعملية, وتوارثت الأجيال العديد من الحرف والصناعات التي كانت ولا تزال أدوات أساسية لا غنى عنها إلي يومنا هذا. فكان من بين الصناعات التقليدية المنتشرة منذ القدم: الأواني المصنوعة من مواد مختلفة كالأواني الحجرية والفخارية والمعدنية، والمباخر المصنوعة من الأحجار والمعادن والفخار، والكثير من أنواع الأسلحة المعدنية كالسهام والحراب، والعديد من أشكال الحلي الذهبية والفضية، وغيرها من المواد التي توافرت آنذاك.
والصناعات الحرفية هي باكورة الصناعات الإنسانية على وجه المعمورة وقد ضمت المناطق الأثرية العُمانية، مواقع عمل بها حرفيون متخصصون؛ في صناعة الفخار والحلي والمعادن والأخشاب، وغيرها من الصناعات الحرفية.
وتزخر المتاحف العمانية بمختلف المنتجات من إبداع أوئل الحرفيين على أرض عُمان منذ أقدم العصور.
* الخبير بالهيئة العامة للصناعات الحرفية

د. فتحي عبدالعزيز الحداد


أعلى





تـراثـيـات

أحمق من هبنقة

ممن ضرب المثل بحمقه وتغفله هبنقة واسمه يزيد وكان قد جعل في عنقه قلادة عظام وودع وقال أخشى أن أضيع من نفسي ففعلت ذلك لأعرفها فحولت أمه القلادة إلى عنق أخيه فلما أصبح ورآها قال يا أخي أنا أنت وضل له بعير فجعل يقول من وجده فهو له فقيل له فلم تنشده قال: لحلاوة الظفر.


ـــــــــــــــــ


فتاة الحي

عمر بن أبي ربيعة

َحدِّثْ حَديثَ فتاةِ حَيٍّ مرّة ً
بالجزعِ بين أذاخرٍ وحراءِ
قَالَتْ لِجَارَتِها عِشاءً، إذْ رَأَتْ
نُزَهَ المَكَانِ وَغَيْبَة َ الأَعْدَاءِ
في رَوْضةٍ يَمّمْنَهَا مَوْلِيَّة ٍ
مَيْثَاءَ رَابِيَةٍ بُعَيْدَ سَماءِ
في ظِلِّ دَانِيَةِ الغُصُونِ وَرِيقَة ٍ
نَبَتَتْ بأَبْطَحَ طَيِّبِ الثَّرياءِ
وكأنّ ريقتها صبيرُ غمامة ٍ
بردت على صحوٍ بعيدَ ضحاء:
ليتَ المغيري العشية َ أسعفتْ
دارٌ بهِ، لتقاربِ الأهواءْ
إذ غابَ عنا منْ نخافُ، وطاوعتْ
أرضٌ لنا بلذاذة ٍ وخلاء
قلتُ: اركبوا نزرِ التي زعمتْ لنا
أن لا نباليها كبيرَ بلاءِ
بينا كذلكَ، إذ عجاجة ُ موكبٍ،
رَفَعُوا ذَمِيلَ العِيسِ بِالصَّحْرَاءِ
قَالَتْ لِجَارَتِها انْظري ها، مَنْ أُولَى
وتأملي منْ راكبُ الأدماء؟
قَالتْ أَبُو الخَطَّاب أَعْرِفُ زِيَّهُ
وَرَكُوبَهُ لا شَكَّ غَيْرَ خَفَاءِ
قَالَتْ وَهَلْ قَالَتْ نَعَمْ فَاسْتَبْشِري
ممن يحبُّ لقيه، بلقاء
قالت: لقد جاءتْ، إذاً، أمنيتي،
في غيرِ تكلفة ٍ وغيرِ عناء
مَا كُنْتُ أَرْجُو أَن يُلِمَّ بأَرْضِنَا
إلا تمنيهُ، كبيرَ رجاء
فإذا المنى قد قربتْ بلقائه،
وأجابَ في سرٍّ لنا وخلاء
لما تواقفنا وحييناهما،
رَدَّتْ تَحِيَّتَنا عَلَى اسْتِحْيَاءِ
قلنَ: انزلوا فتيمموا لمطيكمْ
غيباً تغيبهُ إلى الإماء

ـــــــــــــــــ


ملني واثقا!

عتبت متيم على علي بن هشام فهجرته، وترضاها بكل شيء فلم ترض، فكتب إليها: الإدلال داعية الملال، والتغضب مقدمة التجنب، ورب هجر يدعو إلى صبر، وإنما سمي القلب قلباً لتقلبه، وما أحسن ما قال العباس:
ما أراني إلا سأهجر من لـي
س يراني أقوى على الهجران
ملني واثقاً بحـسـن وفـائي
ما أضر الوفاء بـالإنـسـان


ـــــــــــــــــ

أي فتى


قال علي بن الجهم: لحظت فضل الشاعرة لحظة استرابت بها فقالت:
يا رب رام حسن تعـرضـه
يرمي ولا يشعر أني غرضه
فقلت:
أي فتى لحظك لا يمرضه
وأي عقد محكم لا ينقضه

ـــــــــــــــــ


ما الإسراف من خلقي

أن عروة بن أذينة الشاعر وفد على هشام بن عبد الملك في جماعة من الشعراء فلما دخلوا عليه عرف عروة فقال له ألست القائل:
لقد علمتُ وما الإسرافُ من خُلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إلهي فيعييني تـطـلـبـهُ
ولو قعدت أتانـي لا يعـنـينـي
وأراك قد جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق فقال له يا أمير المؤمنين زادك الله بسطة في العلم والجسم ولا رد وافدك خائبا والله لقد بالغت في الوعظ وأذكرتني ما أنسانيه الدهر وخرج من فوره إلى راحلته فركبها وتوجه راجعا إلى الحجاز فلما كان في الليل ذكره هشام وهو في فراشه فقال رجل من قريش قال حكمة ووفد إلي فجبهته ورددته عن حاجته وهو مع ذلك شاعر لا آمن ما يقول فلما أصبح سأل عنه فأخبر بانصرافه وقال: لا جرم ليعلم أن الرزق سيأتيه ثم دعا مولى له وأعطاه ألفي دينار وقال الحق بهذه ابن أذينة وأعطه إياها قال: فلم أدركه إلا وقد دخل بيته فقرعت الباب عليه فخرج إلي فأعطيته المال فقال أبلغ أمير المؤمنين قولي سعيت فأكديت ورجعت إلى بيتي فأتاني رزقي.


ـــــــــــــــــ


علة هذا الشعر

اجتمع قوم على شراب فتغنى مغنيهم بشعر حسان:
إن التي ناولتني فـرددتُـهـا
قُتِلتْ قتلتَ فهاتها لم تُقـتـلِ
كلتاهما حلب العصير فعاطني
بزجاجةٍ أرخاهما للمفصـلِ
فقال بعضهم امرأتي طالق، إن لم أسأل الليلة عبيد الله بن الحسن القاضي عن علة هذا الشعر كيف قال إن التي فوحد ثم قال كلتاهما فثنى فأشفقوا على صاحبهم وتركوا ما كانوا فيه ومضوا يتخبطون القبائل إلى بني شقرة فوجدوا عبيد الله بن الحسن يصلي فلما فرغ من صلاته قالوا له: قد جئناك في أمر دعتنا إليه الضرورة وشرحوا له الخبر وسألوه الجواب فقال مع زهده وتقشفه: إن التي ناولتني فرددتها عني بها الخمرة الممزوجة بالماء ثم قال كلتاهما حلب العصير يريد الخمرة المتحلبة من العنب والماء المتحلب من السحاب المكنى عنه بالمعصرات انتهى قال الحريري وقد بقي في الشعر ما يحتاج إلى تفسيره أما قوله إن التي ناولتني فرددتها قتلت قتلت فإنه خاطب به الساقي الذي ناوله كأساً ممزوجة لأنه يقال قتلت الخمرة إذا مزجتها فأراد أن يعلمه أنه فطن لما فعله ثم ما اقتنع بذلك منه حتى دعا عليه بالقتل في مقابلة المزج ثم إنه عقب الدعاء عليه بأن استعطى منه ما لم تقتل يعني الصرف التي لم تمزج وقوله أرخاهما للمفصل يعني به اللسان وسمي مفصلاً فالكسر لأنه يفصل بين الحق والباطل قال الحريري وليس على ما اعتمده القاضي عبيد الله من الاستماح وخفض الجناح ما يقدح في نزاهته ويغض من نبله ونباهته والله أعلم.


ـــــــــــــــــ

نضج فني

ورد في (شرح المشكل في شعر المتنبي) لابن سيده ما نصه:
ظَلْت بهاَ تَنطَوِي عَلَى كَبدٍ
نَضِيجةٍ فَوق خِلْبِها يَدُها
ظلت: أقمت، والخِلبُ: غشاوة الكبد والبيت مضمَّن بالأول وهو أبعد بان عنك خرَّدُها...فالعامل في أَبْعدَ، ظلت كأنه قال: ظلت بها بَعْدَ ما بان خُرَّدُها، والمعنى: بعدما بان خردها، ظلت منطويا على كبد قد أنضجها التوجع وأذابها التفجع، و(عليها يدها): إنما توضع اليد على الكبد خشية من ضعفها.
يريد بذلك، وكذلك يُفْعَل بالفؤاد، كقول الآخر:
وضعتُ كفِّى عَلَى فُؤادي مِـنْ
نار الهوى وانْطَويت فَوق يَدِي
وأكثر الناس على أن (نَضِيجَة)، صفة للكبد في اللفظ والمعنى، لا حظَّ لليد في النُّضج، وإنما يريد أن اليد موضوعة على خِلب الكبد فقط، ويُقَويه البيت الذي أنشدناه، وهو (وضعت كفى على فؤادي من......ناؤ الهوى.....)
وقد يجوز أن يكون (نضيجة) صفة للكبد في اللفظ، ولليد في المعنى، أي على كبد قد نضجت يدها على خلبها من حرارتها، وهذا أبلغ لأنه إذا أنضجت اليد وهي موضوعة على الخلب من حر الكبد، فما الظن بالكبد؟ فإذا كان المعنى على هذا، جاز في (نضيجة) الجر والرفع. فالجر على الصفة للكبد في اللفظ، والرفع على أن يكون خبر مبتدأ، وذلك المبتدأ هو اليد، كأنه قال: يدها نضيجة فوق خلبها. وهذا كما تقول: مررت بامراة ظريفة أمتها، فالظرف في اللفظ للمرأة، وفي الحقيفة للأمة. وإن شئت قلت: ظريفةٌ أمُّها، أي أمُّها ظريفةٌ.
وأما إذا كانت النضيجة صفة للكبد في اللفظ والمعنى، فإنه لا يكون فيها الا الجرُّ. وكون (نضيجة) صفة لليد، أبلغ في المعنى، لأنها حينئذ نضيجة بما ليس في ذاتها. وإذا كانت نعتاً للكبد، فهي نضيجة بما في ذاتها. واحتراق الشيء بما ليس في ذاته، أبلغ من احتراقه بما في ذاته وإنما يريد أنه إذا وضع يده على كبده متألِّماً نضجت اليد بحر الكبد، كقوله:
هل الوجد إلا أن قـلـبـي لـودنـا
من الجمر قِيد الرمْحِ لاحترق الجمرُ
وهذا عندي أبلغ من قول المتنبي، لأن اليد إذا كانت على خلب الكبد، فهي اقرب إلى الحرّ من الفؤاد من الجمر، إذا كان بينه وبين الجمر قِيدُ رُمح، مع أنه جعل الجمر الناريّ محترقاً من حر فؤاده. فحر الفؤاد إذن أشد من حر الجمر.


ـــــــــــــــــ


مشاكلة

أنشد الأصمعي لجميل بن معمر العذري:
لا خَيْرَ في الحب وقفاً لا تحـركـهُ
عوارضُ اليأس أو يَرْتَاحه الطَّمَـعُ
لو كان لي صَبْرُها أو عندها جَزَعِي
لكنتُ أَمْلِـكُ مـا آتـي ومـا أدَعُ
إذا دعا باسْمِها داعٍ لـيحـزنـنْـي
كادت له شعْبةَ من مُهْجَتي تـقـعُ
وهذا البيت كقول علي بن العباس الرومي:
لا تكْثِرَنَّ ملامةَ الـعـشـاقِ
فكفاهُمُ بالوَجْـدِ والأشـواقِ
إن البلاءَ يطاقُ غيرَ مُضاعَفِ
فإذا تضاعَفَ كان غير مُطَاقِ
لا تُطْفئَنَّ جَوى بِـلَـوم؛ إنـهُ
كالريح تُغرِي النار بالإحراق

ـــــــــــــــــ


فدية الموت

عمر بن شبة، قال: قال رجل: مررت ببلاد بني عامر بعجيز قد خزفت. وحولها نسوة قد أحطن برجل يجود بنفسه، والعجوز تقول: أيا ملك الموت دع لي صعصعاً، فإنه ثمرة فؤاديه فإن أبيت فخذ من أعمار من ترى ما شئت، ثم تقبل على النسوة فتقول: أتسلمن? قيقلن: نعم والله وليزد ما شاء ثم تبكي مريضها وتقول:
كأنك لم تذبح لأهلك نـعـجة
ولم تلق يوماً بالفناء إهابهـا
ولم تجب البِيد التنائف تقتنص
بهاجرةٍ حِسلانها وضِبابـهـا
فإن متَّ هدَّ الموت أبناء عامرٍ
فخصَّ بها كعباً وعمَّ كلابهـا
ثم تعود فتقول: أيا ملك الموت أرضيت أم نزيدك? وتقول النسوة: ياعميمتاه أرضيه وزيديه، ثم تعود فتبكيه فتقول:
أصعصعُ مالي لا أراك تجيبـنـا
أتسمع نجواناك أم لست تسمـع؟
إذا غيبتك الجول عنا فلـم تـؤب
فمن يرقع الوهن الذي كنت ترقع
فلو كان هذا الموت يقبـل فـدية
فذاك ثمانٍ مسعـفـاتٌ وأربـع
فيقبل النسوة عليها فيقلن: نعم والله وأكثر.

أعلى




الأدب الشعبي


بوح..
السلامة المرورية ثقافة وشعرا

تتواصل ندوة السلامة المرورية التي انطلقت مطلع الأسبوع الجاري نحو تحقيق اهدافها المنشودة من أجل الحد بل والتخلص من الحوادث المرورية التي راح ضحيتها الكثير من البشر على مختلف الفئات وفي مختلف دول العالم، وقد اغلقت على اثرها بيوت كثيرة بسبب افعال طائشة من قبل المتهورين واللا مبالين لمعنى الإنسانية واحترام القانون.
هذه الندوة ما هي الا جزء بسيط من خطط وبرامج توعوية مختلفة لا شك ان شرطة عمان السلطانية تسعى لتنفيذها خلال هذه الفترة والفترة المقبلة، ومن الضروري ان يتكاتف المجتمع في كافة قطاعاته نحو تحقيق ذات الهدف الذي نصبوا إليه جميعا وهو تحقيق الأمن والأمان على الطريق من خلال الوعي بأهمية ذلك وليس تجسيدا لفعل الأمر أو رهبة القانون، ولا شك ان الساحة الثقافية بكل مفرداتها من الواجب ان تتكاتف في هذا العمل الإنساني من خلال بث روح الأهداف المنتقاة في مختلف النتاجات الأدبية بطابعها الأدبي، وقد يتراءى للبعض ان موضوع "السلامة المرورية" قد لا يتناسب طرحه أدبيا، في حين ان بعض الكتابات الأدبية كالقصة والشعر وغيرها في بلدان أخرى قد تطرقت لذلك بل وابدعت فيه من خلال توظيف الأهداف الإنسانية النبيلة التي نسعى لتحقيقها مع المحافظة على الجانب الأدبي في النص الذي هو أولا وأخيرا يتصل بجمهور مختلف ربما عما تخاطبه الكثير من الندوات والبرامج التوعوية المختلفة في هذا الإطار، وقد قرأنا مؤخرا صدور كتاب قصصي يهتم بهذا الجانب، كما قرأنا عن كتابة قصصية موجهة للطفل للحديث عن ذلك، وتصوير قصائد متنوعة تحكي معاناة الحوادث المرورية، كما قامت مؤخرا وزارة التعليم العالي متمثلة بالمديرية العامة لكليات العلوم التطبيقية بإقامة مسابقة في الشعر خصصت احدى مجالاتها في موضوع "الحوادث المرورية" وقد تفاعل الكثير من الشعراء في الشقين الفصيح والشعبي في هذه المسابقة، وفي الحقيقة ان هذا التفاعل من مختلف مؤسسات الدولة بقاطعيها العام والخاص ومن حراك المبدعين من شبابها يؤكد أهمية الوقوف جنبا إلى جنب من أجل الحفاظ على أمن واستقرار وطننا الحبيب وكل إنسان يسلك طرقه ومساراته، في هذا العدد ننشر قصيدتين ضمن المسابقة التي أقامتها المديرية العامة لكليات العلوم التطبيقية في مجال الحوادث والسلامة المروية وسننشر في اعداد لاحقة هذا النوع من القصائد بمختلف مستوياته لنفعّل دورنا كصفحة شعر شعبي ودور الشاعر الشعبي تجاه هذا العمل الإنساني الذي نتمنى ان يلتفت إليه الكثيرون من خلال الكتابة شعرا أو نثرا، وإذ نتوجه بالدعوة لكافة شعراء "الشعبي" فإننا نقدم الشكر الجزيل لشرطة عمان السلطانية وكافة الجهات الداعمة الرسمية منها والخاصة لإقامة هذه الندوة وكافة البرامج المعدّة لتحقيق الأهداف الكفيلة لمنح طرقنا "السلامة" والتي من خلالها نرسم الابتسامة على وجوه أطفالنا وكافة أفراد مجتمعنا ومن يقيم على أرضه.

فيصل بن سعيد العلوي*



ـــــــــــــــــ


اليوم .. "غياب" خميس السلطي في مجلس الشعر الشعبي العماني


تقام في السابعة والنصف من مساء اليوم بمقر مجلس الشعر الشعبي العماني أمسية نقدية احتفائية لديوان "للغياب " للشاعر خميس السلطي حيث ستقدم الشاعرة أصيلة المعمرية ورقة نقدية إنطباعية في الديوان ، وقراءات في قصائد الشاعر ، ستتناول ورقتها محاور عدة منها : "تأرجح فعل الغياب في مجموعة قصائد الديوان واختلافه " ، و" ارتباك الصور الشعرية في قصائد السلطي " ، و"ثنائية البيئة في نصوص المجموعة " ، و " الإيقاع الشعري بين التفعيلة والعمودي " ، و " تفاوت الاشتغال الشعري في الأجزاء المختلفة من كل قصيدة " .


ـــــــــــــــــ


جسد

مرِّيتني
كنت المسجَّى في فم التَّابُوت
ينزفْني دَمي
كنت انْكسار الظِّل
شَكْل الشَّكْل
خارِطة لأرْبَع جِهاتْ
مَأوى لصَمْت الأَمْكِنَة
حلْم بجسَدْ
ذكرى وَلَدْ
وللصَّمت ظِّلً أبيضً
ورَّقْ على ثَغْري وماتْ
كنت الوَحيد اللِّي تساقَطْ منْ دَمَهْ
تفَّاحة البَدْء
ضروري الشَّبَقْ
تمرير بيتٍ منْ قَصيدَة
يمنَح أحْلامي بَلَدْ
كفٍّ تحاول ترسم الدُّنيا سَما
بين المُسدَّس والسَّلامْ
حُرِّيتي
أُنْثَى تعلِّمني الشعرْ
رفّ الكلامْ
موعد على مَقْهى ونِيلْ
تفسير ما قد لا يفسَّر

ثورة وَطَنْ ..
شعبً تكسَّر في مَقاهي
غارِقة في الظِّلِّ يحْملها الدُّخانْ
ريحً تفتِّش عَنْ صَدا
بحرً توزِّعه الجُزُرْ
رملً يعذِّبه السَّرابْ
شمسً تسيل من الفَجرْ
فجرً يبَرْوزه السَّحابْ

ليلً تعذِّبه الشُّمُوعْ
شمعً كَسَرْ ليلَهْ وذابْ

خُوف الأَغاني من النَّشازْ
أُرجُوحَة إيقاع اللُّغَة
صوتً توزَّع بالتَّساوي
بين أضْلاع الغِيابْ
يا صاحبي
هذا أنا؟!
هذا أنت .. يصرخ صاحبي
كيف اشْتَعَلْت ولا صَرَخْت إلا السُّكُوتْ؟
كيف احْتَرَقْت
ولا احْتَرَفْت إلاَّ غيابك عَن دَمي؟
كيف انْكَسَرْت ولا كَسَرْت إلاَّ الفَرَحْ؟
كيف اسْتَعَرْت الإنْفِلاتْ؟

كيف اسْتدرْت ولا رجَعْت؟
كيف اسْتطَعْت انَّك تنام ولا انْتبهْت؟
وأنتَ الوَحيد اللِّي تردّد ما كتبْت
من منِّنا يقدَرْ يموتْ؟
هذا أنْت ميِّت لا أحَدْ
هذا أنت
تنْقص أو تزيدْ
يبقَى السُّؤال بلا عَدَدْ
وحدَكْ كبرْت ولا سَألْت
وحدَكْ تعلَّمت وكَتبتْ
وحدَك سرقْت النَّاي ومن عُمْرك عَزَفْت
وحدَك صَرَخْت ولا انْتَبَهْت
وحدَك بَنيت ولا مَلَكْت
لا .. لا جَسَدْ
لا ..لا بَلَدْ
ويبقى السُّؤال بلا عَدَدْ
هذا أنْت ميِّت لا أحَدْ.

أحمد العريمي


ـــــــــــــــــ


ما يرومك

يا صاحبي حزنك ترا ما يساوي
تملي بسبته السما من غيومك
الوقت لا صــارت علومه بلاوي
ومليت من كل شي حتى هدومك
استغفر الله وكون عالحق ناوي
وان زانت النيه بتحلى علومك
نقي وتخير فالرجل لي تخاوي
يا مكثر اللي يمدحك ثم يلومك
حدٍ على جرح المعارك يداوي
مب واحدٍ لا ضاق وقته يسومك
مثل الذي بانت عليه المساوي
يرميك بالأسهم وهيا سهومك
لا تغــرك النجمات وسط الخلاوي
ما تولع الا وانت في عز نومك
اشهد بانه فصحبتك كان ضاوي
وحده بغى ينعد حسبة خصومك
صدقني لو كانه صديقٍ يساوي
ما كان في غيبتك يشمت بقومك
أصلاً اذا عمواجهك كان قاوي
وشله يتحاشى طلتك لين يومك!!
والذيب لو بعالي الصوت عاوي
يدري وندري يالفهد ما يرومك

راشد بهوان


ـــــــــــــــــ


هجرة الأحباب

بعض البشر في وضعها اتحيّر الألباب
نوبة كبر إنعاشهم في صفحة كتابي
لو هم دروا ضعف الوتر من ريشة الأسباب
خفّت نزوح المزن منها لوعة عتابي
رفّت رموش الوقت رطبة تشبك الأهداب
أهداب ضاعت بين رمش الحظ واحبابي
يا صاحبي يكفي عنا لاجيت رِز الباب
أولى الزمن يقضي نحب يازين أولابي
خفّ القدم لاجيت تاطي رملة الأعتاب
فيها دلايل وحدتي ما فارقت بابي
لو هي مجامل توصله بدري على الإعجاب
يكفي اليتيم أحضان أم ٍ عندها رابي
لو ناظرت كفي سبايب هجرة الأحباب
أخفت عن الخفّاق حسره تتلف أعصابي
هذا المطر في غرفتي والا الكدر ينساب
فاضت سواقي مقلتي والهم يحيابي
بين الوهم والحظ عندي ألف باب وباب
عييّت أسرج للأمل لو ينفع اركابي

أحمد الغافري (جرناس عمان )


ـــــــــــــــــ

نتاج لطيش أفعاله

يعقوب بن نصيب بن تعيب النعيمي
كلية العلوم التطبيقية بعبري

يزيد الدمع نبرة صوته الناحل كمـا المخنـوق
ويفرق خانقـه بانه نتاج لطيـش أفعـاله
شكا دهره شكا حاله شكا صمت غدا مطروق
يقول الموت أنا ميت ولاكن حـي تمثـاله
نتاج لحادث يكتب مكان الطائش المطلـوق
كتب بأني أنـا حـرف يضر الوزن أثقاله
نسيـــت أن الليالي مسكنٍ للعابد المخلوق
نسيت أن الصباح المبتدئ للأرض وأطلاله
مسكت الخط ودروبي يعرقلـها مكان الطـوق
أشمر عن جنوني كل ما بانت لي الحـالة
اليـن أن الخطـى حـدي يحفز داخلي للعوق
رميت النفس في حفر ظلام تزيد أهواله
نظرت لحالتي وآنـا جليـس وشلنـي منطوق
أبي أرجع إلى يومي إلـى حالي ومنطاله
بدت له دمعته تنطق إلى كل الملا المسـروق
على كل الحدود ألزم ولا تمشي على فاله
خلق ربي وسخر للـجميع السايرات تسوق
تمهد للملا تطوي صروف الدرب وأهواله
تمسك جعل ما يجعل لك المولى مثل مسبوق
تذكر بأن من يهوى مكانك ضرته الحاله

ـــــــــــــــــ

بصمة دم

جفت مياه العين والدمـ لازال
يروي قلوبٍ ضاميه من قهرها
جريت من حزني مع الليل موال
همي ربابة والقصائد وترها
غيمة الم وجراح ودموع تنهال
من يوم صارت جدتي في قبرها
من يومها والحال أواه من حال
دمعة يتيمة تايهه في بحرها
نخله بوسط البيت كانت لنا ظلال
نلعب تحتها .. وانتذوق تمرها
تثاقل جذعها لين ما هالجذع مال
طاح الرطب والموت فاسه كسرها
لمت الزمن والبخت والحظ والفال
والشمس غابت ما وصلني خبرها
حتى حنان البيت راحت هنا البال
راحت ومالي غير باقي صورها
ابني بيوت الشعر .. والشعر ينقال
ما مل شعري والحنايا ذكرها
يا خالنا يالخال يالخال يالخال
حتى الحمام اللي فضاها هجرها
نبتت لها الجنحان والريش ما طال
والمشكلة ع الأرض هدموا وكرها
نسمع لها ونات من بعد أميال
تطوي جبالٍ عوقها في صخرها
والا المطر حتى المطر لو بعد سال
بلل جسدها وصار لعنة مطرها
يا رحمة الأيام وش ذنب لعيال
لمّي شملها دام غدرك نثرها
وانتو هلي يللي لك ناظري مال
لا تحرموا الأعيان نعمة بصرها
أشره عليكم والشره حب واجلال
وأعتب على حاجات قلبي نكرها
وأتجاهل الأوضاع ويزيد لجدال
والسالفة تحمى ويحمى شررها
ولْمن اصارح بالذي فْخاطري جال
للي لهم دنياي ترخص بأسرها
الأموال فتنه لعنبو جد الأموال
لا ..لا تفرقنا عمايل سحرها
ما دام أن الدم في كل الأحوال
وحدة قرابة نشترك في قدرها
بنيت معنى مضرب أقوال وأمثال
ونحط بصمة دم حنا فخرها


حنان بنت محمد بن علي الطورشي
كلية العلوم التطبيقية بالرستاق

أعلى




سيرة الحجر
النوّاحة
إلى سماء عيسى

الكل سمع صوتها القادم من قمة الجبل، الكل يعرف حكايتها، ولكن توقف الناس عن صعود القمة بعد أن طال الزمان وتحولت الحكاية إلى رعب يعشش في كل قلب.
فاطمة النوّاحة ، لم تكن صفة النوّاحة ملصقة باسمها، لكنها منذ ان بدأت في نواح طفلها الذي مات بين يديها تلك الميتة العجيبة، منذ أن بدأت تنوحه وتنوحه حتى صارت تعرف بهذه الصفة، يكفي أن يُسأل عن اسمها ومكانها حتى تجيبك ألف لسان عنها، وعن الذي حدث.
ما حدث أن فاطمة كانت قادمة من الفلج وقد ملأت جحلتها بالماء، وعندما اقتربت من بيتها ركض طفلها الوحيد ذو الرابعة من العمر خلفها، كان يضحك ضحكته البريئة، ويطلب منها أن تعطيه بعض الماء ليشرب، أرادت فاطمة أن تعلق الجحلة ثم تسكب له في الكوب، ولكن عندما رفعتها لتعلقها في مكانها المعهود انفلت الحبل من يدها وسقطت الجحلة على رأس طفلها الطري، فشقته نصفين، سقط الطفل صريعا على الأرض، وبدأت هي في نواحها الطويل.
توجد في قمة الجبل خربة لبيت كان قد بُني على فوهة كهف كبير، صعدت فاطمة إليه وعاشت فيه، بعيدا عن البشر، هناك في خلوتها بدأت في النواح، كان صوتها يصل إلى البيوت مكتوما، وفي بعض الأيام التي يشتعل الصمت في أرجائه، يصل النواح إلى البعيد، حاول الناس مواساتها ولكن بلا فائدة، لقد اختارت حياة العزلة والنواح وظلت هناك حتى ماتت.
يقال أن النواح مازال يجيء من القمة، يُسمع بوضوح في الأيام التي يموت فيها انسان في القرية، كان صوتها ينبيء بالفجيعة قبل أن تحدث، كان البعض يتنبأ بالأحداث ويترقب الفجائع من صوتها، حدث ذلك في البدء عندما توفي أحد أقارب النوّاحة وهي في عزلتها، كانت الليالي التي سبقت موته تضج بنواحها، من هناك من القمة يجيء، يدخل البيوت، يقظ مضاجع النوّم، يبعث الخوف والقلق في النفوس، يوقظ الأطفال من أحلامهم وهم يصرخون، اشتكى أهل القرية إلى أقاربها، وذهب أحدهم إليها ليحدثها أن تخفف حدة نواحها، وأن تنوح في صمت، وعندما وصل إليها، عندما دخل الخربة، وجدها وقد تلبست بالسواد واستقبلت ظلمة الكهف، لم ير وجهها، كانت تنوس وهي تنوح نواحها المكتوم، سلم عليها، لكنها لم ترد عليه، لم تكترث بحضوره، تحدث معها ورجاها أن تخفف من حدة نواحها حتى لا تخيف الأطفال في الليالي، بعدها لم يسمع لها صوت، كانت هناك ما تزال تنوح بصمت، وبعد أيام حدثت الفجيعة في القرية، اشتعلت النيران في أحدى الدور وحرقت سكانها، فعاد النواح من القمة.
ماتت فاطمة النوّاحة منذ زمن بعيد، لكن النواح ما يزال يجيء من تلك القمة، يخرج من تلك الخربة، يُقسم البعض أنه سمع النواح في بعض الليالي واضحا وضوح من يتحدث إليك عن قرب، ويقول البعض أيضا أنهم ما يزالون يسمعون النواح في الليالي التي تسبق حدوث فجيعة ما في القرية، وبعد كل هذه السنين التي مرّت والتي سقطت فيها جدران الخربة وظهر الكهف عميقا ومعتما في القمة، لا يزال الكل في هيبة من صعودها ومن المرور بالقرب من ذلك المكان، ولا تزال الحكاية وكأنها حدثت بالأمس، ولا يزال الصوت مكتوما يجيء من تلك القمة.

زهران القاسمي

أعلى





ظلال ووجوه (25)
طبـاخون

رتابة حياة الطباخ والنادل، كما يراها الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا:

ما يدهشني أكثر من غيره ليس هـو البلادة التي يحيا بـها أغلب الناس حياتهم، وإنما الذكاء الموجود في تلكَ البلادة.
إنّ رتابة الحيوات العامية تبدو مرعبة في الظاهـِر.
في هذا المطعم الشعبـِيّ أتناول غذائي، وأنظـر، فيما وراء الحاجز الخشبـيّ، إلى هيأة الطـباخ. وهـنا بجانبي، واقفاً يوجد النادل الكهل الذي يخـدمني: كما كان يفعل منذ ثلاثين عاماً في هذا المطعم.
ترى إلى أيّ نوع من الحياة تنتمي حياة هذين الرّجلـين؟.
منذ أربعين عاماً ظل ذلك الرجل يعيش حياته كـل يومٍ تقريباً داخل مطبخ. العُطل المتاحة له قصيرة. ينام نسبياً ساعات قليلة. يذهب مـن حين إلى آخـر إلى بلدته، التي يعود منها بلا تردد ولا حسرة. يدخر ببطء مالاً لا ينبغي إنفاقه.
سوف يغدو مريضاً إذا ما أجبر على ترك مطبخه (بصفة نهائية) قصد التوجه إلى الحقول التي اشتراها. إنه مقيم في لشبونة منذ أربعين عاماً، ولم يسبِق له قطّ الذهاب، حتى إلى (ساحة المركيز القريبة جدّاً من المطعم)، ولا إلى مسرح، ولديه يوم واحـد فقط، مخصص لسيركه الخاص، مهرجون في الأطلال الباطنية لحياتـه. لقد تزوج لا أدري كيف ولا لماذا، لديهِ أربعة أبناء وبنت واحدة. أما ابتـِسامته، عند انحـناءته، من الجانب الآخر للعارض الخشبي نحو الجانـب الذي يوجد فيه، فهي تـنم عن سعادة عظيمة، بهيجة، رائعة. وهو لا يتظاهر، ولا مبرر لديه لكي يتظاهـر. فإذا كان يحسّ بهذه السعادة فلأنه يمتلكها بالفعل.
وماذا عن النادل الكهل الذي يخدمني، والذي وضع أمامي كأس قهوة لعله الكأس المليون، منذ امتهن وضع كؤوس القهوة على الطاولات؟. إنه يحيا نفس حياة الطباخ، مع فارِق بالكاد يصل إلى أربعة أو خمسة أمتار: هي المسافة الفاصلة بين المطبخ الذي يوجـد فيه أحدهما عنِ القسم الخارجي من المطعمِ الذي يشتغـل فيه الثاني. هذا الكهل لديه ولدان فقط، كما أنه يعرِف لشبونة أكثر من زميله. أمـا من حيث السعادة فما من فارق بينه وبين الأول.
..الطباخ قد تحرر من الرّتابة بسهولة أكبر مني.

من "كتاب اللاطمأنينة"، ت.البشير اخريف

ظلال ووجوه (25)
طبـاخون

رتابة حياة الطباخ والنادل، كما يراها الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا:

ما يدهشني أكثر من غيره ليس هـو البلادة التي يحيا بـها أغلب الناس حياتهم، وإنما الذكاء الموجود في تلكَ البلادة.
إنّ رتابة الحيوات العامية تبدو مرعبة في الظاهـِر.
في هذا المطعم الشعبـِيّ أتناول غذائي، وأنظـر، فيما وراء الحاجز الخشبـيّ، إلى هيأة الطـباخ. وهـنا بجانبي، واقفاً يوجد النادل الكهل الذي يخـدمني: كما كان يفعل منذ ثلاثين عاماً في هذا المطعم.
ترى إلى أيّ نوع من الحياة تنتمي حياة هذين الرّجلـين؟.
منذ أربعين عاماً ظل ذلك الرجل يعيش حياته كـل يومٍ تقريباً داخل مطبخ. العُطل المتاحة له قصيرة. ينام نسبياً ساعات قليلة. يذهب مـن حين إلى آخـر إلى بلدته، التي يعود منها بلا تردد ولا حسرة. يدخر ببطء مالاً لا ينبغي إنفاقه.
سوف يغدو مريضاً إذا ما أجبر على ترك مطبخه (بصفة نهائية) قصد التوجه إلى الحقول التي اشتراها. إنه مقيم في لشبونة منذ أربعين عاماً، ولم يسبِق له قطّ الذهاب، حتى إلى (ساحة المركيز القريبة جدّاً من المطعم)، ولا إلى مسرح، ولديه يوم واحـد فقط، مخصص لسيركه الخاص، مهرجون في الأطلال الباطنية لحياتـه. لقد تزوج لا أدري كيف ولا لماذا، لديهِ أربعة أبناء وبنت واحدة. أما ابتـِسامته، عند انحـناءته، من الجانب الآخر للعارض الخشبي نحو الجانـب الذي يوجد فيه، فهي تـنم عن سعادة عظيمة، بهيجة، رائعة. وهو لا يتظاهر، ولا مبرر لديه لكي يتظاهـر. فإذا كان يحسّ بهذه السعادة فلأنه يمتلكها بالفعل.
وماذا عن النادل الكهل الذي يخدمني، والذي وضع أمامي كأس قهوة لعله الكأس المليون، منذ امتهن وضع كؤوس القهوة على الطاولات؟. إنه يحيا نفس حياة الطباخ، مع فارِق بالكاد يصل إلى أربعة أو خمسة أمتار: هي المسافة الفاصلة بين المطبخ الذي يوجـد فيه أحدهما عنِ القسم الخارجي من المطعمِ الذي يشتغـل فيه الثاني. هذا الكهل لديه ولدان فقط، كما أنه يعرِف لشبونة أكثر من زميله. أمـا من حيث السعادة فما من فارق بينه وبين الأول.
..الطباخ قد تحرر من الرّتابة بسهولة أكبر مني.

من "كتاب اللاطمأنينة"، ت.البشير اخريف


******

طموحان مختلفان:

كان كافور الإخشيدي عبداً مملوكاً قبل أن يكون حاكماً على مصر. يروي سيرة قدومه قائلاً:"عندما جاؤوا بنا -أنا وصاحبٌ لي- ليبيعونا في مصر، سألتُ صاحبي: ماذا تتمنى؟ فأجابني: أتمنى أن يشترِيني طباخٌ؛ حتى أشبع من اللحم. فقلت له: أتمنى أن يشترِيني قائد الجيش؛ فأنضم إليه وأرتقي من المراتب. فكان لكلّ واحدٍ منا ما تمنّى".

******
من إحدى روايات الشاهنامة للفردوسي:

كان في قديم الزمان ملك ظالم اسمه الضحاك (أزدهاك(، كان قد ظهر في منكبيه رأسا حيتين، عجز الأطباء عن استئصالهما، فاضطروا إلى تغذيتهـما بمخ إنسانين كل يوم بناء على نصيحة شيطانية، واستمر العمل بهذا النظام لفترة من الزمن، حيث عانى الناس الأمرين، وقد احتاروا في كيفية التخلص من هذا الظلم، فكان أن عثـر الصديقان الذكيان أرماييل وكرماييل على حيلة من شأنها التخفيف من آلام الناس، فقد تواطآ مع طباخ الملك، فكان يكتفي بمخ إنسان بدل اثنين، فيخلطه مع مخ خروف، ثم يقدمه إلى الحيتين الشرهتين، وكان الشخص الذي تنقذه الخدعة من بين الاثنين يُرْسَلُ إلى الجبال والوهاد؛ حتى لا يراه أحد بعد ذلك، وكلما بلغ عددهم المائتين بعث لهم الطاهي عدداً من الغنم والماعز إلى الجبال، وقد تزايد عدد هؤلاء بمرور الزمن ....

******

الساقي والطباخ:

يروى أن ساقياً وطباخاً قد دخلا السجن مع يوسف عليه السلام، وسبب دخولهما السـجن أنّ الملـك الرَيّان حاكم مصر كان له عـدوّ بأرض اليمن، فبعث ذلك العدوّ إلى ساقي الملك الرَيّان وإلى طباخه سُماً قاتلاً، وبعث صحبة السمِّ مالاً جزيلاً، وقال لهما إن أنتما دسستما السمّ على الملك الرَيـّان ومات فلكما عندي مال كثير أضعاف ما أرسلتُ إليكما، فأخذ الساقي والطباخ في أن يَسُمّـا الملكَ رغبة فيما وعدهـما بـه عـدوّ المـلـك، وأرادَ كـلّ منهما أن يتـلف صاحبه ليفوز بقتل الملك لأجل المال، فجاء الساقي إلى الملـك الريان وقال له إياك من الطباخ فإنه وضع لك السمّ في طعامك. ثم إنه جاء الطباخ بعده وقال إياك من الساقي فإنه وضع لك السمّ في الماء. فعلم الملك أنهما خائنان، فقبض عليهما وعاقـبهما وأدخلهما السجن. وكانا يجلـِسان بجانب يوسف ويتحدثان معه، فقال الساقي إني رأيت في المنام في هذه الليلة ثلاث طاسات من الذهب، وفي كل طاسة عنقود من العنب وكأني أعصر العنب خمراً وأسقيه الملك مرّة بعد مرّة. ثـم قال له الطباخ بعد ذلك وأنا رأيتُ في منامي الليلة كأن لي ثلاث تنانير(جمع تنّور) مملوءة مـن النار، وكأني خبزتُ ووضعته في طبق وحملته على رأسي والطير تأكل منه. فكان الساقي صادِقاً في منامه وكان مؤمناً، وكان الطباخ كاذباً في منامه وكان كافراً مستهزئاً بيوسف. فقال لهما يوسف "يا صاحِبَيِ السِجْن أمّـا أحدُكُما فيسقي رَبَّه خمرا. (أي يسقي سيّدَه). وأما الآخَرُ فيُصلبُ فتأكلُ الطيرُ مِـنْ رأسـِه". فلما سمع الطباخ ذلكَ قال: إني لم أر شيئاً. فقال يوسف: "قُضِيَ الأمرُ الذي فيهِ تستفتـِيان". ثمّ بعد أيام أمـر الملـك بإخراج الطباخ، فلما أخرِجَ صُلـِبَ فتناهشـت الطيور من رأسه كما أخبـر يوسف. ثم بعد ذلك أمـر بإخراج الساقي، فلما أُخْرِجَ خلع عليه وأُعيد لما كان عليه...


مختارات: صالح العامري


أعلى



عندما تثاءب الفجر

في ذات يوم كان الفجر يتثاءب بعد غفوة طويلة ، بينما كان كل ما في الطبيعة لا يزال غافياً يكتنفه الهدوء وتغمره هالات السكينة ، وكانت بعض بذور الورود منتشحة هنا وهناك بانتظار من يوقظها ويشق طريقها إلى منارات الفضاء الفسيح ، لتتحرك مع نشوة هذا التثاؤب وتتنفس مع جمال هذا الفجر الذي يبدوا أنه يُعلن عن ميلاد عهد جديد ، فكأنها ذلك الرائد الذي يتقدم الموكب ليعلن عن قدوم أسياد النهار ، وأسياد النهار هنا هم من أحيت نفوسهم ألق الفن والجمال في هذا الوطن ، وأنبتوا لنا من خيرات قلوبهم وأفئدتهم ما نثر الروائح العبقة التي لا زلنا نستمتع كالنشوان بشم عطرها الأخاذ بين أركان بلدنا الجميل ، ولا ريب أن من عرفهم قد عرف قدرهم ومنزلتهم في بعث حركة الفنون التشكيلية العمانية ، وكان من حق الوفاء علينا التحدث من حين لآخر عنهم وتذكير من نسي فضلهم في تأسيس النهضة التشكيلية العمانية ، لأن لهؤلاء المبدعين الأوائل في أعناقنا ديناً يجب وفاءه ، بل هو من أسمى الواجبات وألزمها علينا نحن الأجيال اللاحقة ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مزية الاعتراف بالفضل ، كما أن فيهم تشجيعاً لغيرهم من الأحياء الذي يدفعهم إلى الإقتداء بهم والنسج على منوالهم . ولا ريب في أن نفراً قليلين فينا هم الذين يعرفون نهضتنا الفنية ، وأقل منهم الذين يعرفون شيئاً عن الذين عملوا لها وأقاموا دعائمها ، كما أنهم يجهلون الشيء الكثير عن الآلام المتعبة وعن البؤس الشديد الذي تحملوه وأفنوا فيه عمرهم في سبيل بناء هذه النهضة والخروج بها إلى هذا النور.
فمنذ بداية الستينيات المنصرمة وما تلاها ، قام نفر من العمانيين الذين تحرك في قلوبهم حب الجمال وتأثرت مشاعرهم بمعانية ولمعت في عيونهم أنوار هذا الوطن وروعة مناظره فسحرهم بجماله وفتنة ألوانه ، وحياة مجتمعه ، فأخذوا الريشة يلونون بها على لوحاتهم الصغيرة ما علق في نفوسهم الكبيرة ، وما لمع في عيونهم الذكية من ذلك الجمال وتلك الفتنة ، فهذه الطلائع أثرت في فنون من تلاهم ولعبت دور الريادة الحقيقي الذي بلور الفكر وجعل الإناء ينضح بما فيه من أثر فني ساق الجانب المضيء لحضارة إنسان هذا الوطن ، ومما لا شك فيه أن تلك الخطوط اللونية الأولى للفنان التشكيلي العماني على رغم بساطتها وما كان بادياً عليها من محاولات جدية لتُعد بمثابة التَشَكُل المنطقي للحالة الأولى لمراحل الإبداع التالية إلا أننا نعذر في الوقت ذاته تلك الفئة على إنتاجهم البسيط والمتواضع لوقوعه في مرحلة التكوين وما تقلبت عليه من ظروف صعبه يطول شرحها في هذا المقال ولم تتهيأ لهم الفرصة الكافية لتقدم الفن والسعي نحو تطويره في تلك الفترة بشكل كبير ، إلى أن قامت الحكومة الرشيدة برفد تلك الفئة التشكيلية بالكثير من التجهيزات التي ساعدتهم على التطور والتقدم بشكل أسرع من ذي قبل بعد أن تغلغلوا في ماضي وطنهم الثقافي وحاضرهم الغابر ودفعهم العيش في تلك المرحلة إلى وثبة متطورة نحو الفن بعد ذلك ، من خلال وضعهم الجغرافي واتصالهم المباشر مع الغرب والشرق الذي يسر لهم التزود من الفنون وغيرها ، وعلى ذلك بدأت تطالعنا بسببهم تباشير نهضة فنية محمودة أعطتنا أطيب الثمار وساهمت في ضم الفنان التشكيلي العماني بفخر إلى حلقة فنون الأمم الأخرى وقدمت النفسية الشرقية والتعبير الخالص مما له أهميته بين فنون العالم . ولقد أدرك هؤلاء أهمية رسالة الفن الثقافية التي تسير بالجمهور نحو التطور والحياة ، فاستمرت بعض تلك الفئة في مسيرتها التنويرية التي بدأتها إلى الآن وتناولوا مشعل الفن من كافة جوانبه لإتمام تلك الرسالة ، ومن أبرز رواد حركتنا التشكيلية أصحاب العطاء المتواصل الذي لم يذبل ولم يتوقف حتى الساعة الفنان أنور سونيا وأيوب ملنج والأخوة الحنيني عبدالله وخميس وسعود ومن العناصر النسائية في هذا الحقل رابحة محمود ومريم عبدالكريم ونادرة محمود وزكية البرواني وغيرهم الكثير من النماذج المضيئة في سماء الفن التشكيلي العماني الذين لا يتسع المقال لسردهم جميعا.
هذه صورة موجزة لأنوار القافلة الطويلة من رجال الفن التشكيلي الأوائل عندنا، وقد بنت لنا مجداً فنياً رائعاً وامتازت بالأمانة وحب الجمال والإخلاص في فنهم، وقضت مجاهدة بعد أن قامت بتأدية رسالتها على أكمل وجه في مرحلة التأسيس الأولية للفن التشكيلي العماني من خلال ما تركته من آثار فنية كريمة ، وإذا كان أفراد هذه العصبة المجاهدين ينالون في حياتهم التقدير الذي يستحقونه ، فلا ريب في أن الجيل الطالع ، قد عرف قدرهم وأدرك أية خدمة مشرفة قدمها هؤلاء لبلادهم بالمساهمة مع سواهم من المثقفين المبدعين ، فأعطونا سمعة طيبة بين العالم أقلها أننا نعد من البشر ، وأننا نحس ونشعر ونتذوق.
عبدالكريم الميمني

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept