الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 

 





مبتدأ


يبقى الحديث عن الاغنية العمانية حديث ذو شجون في ظل وضعها الراهن الذي لا يزال يراوح مكانه رغم مشوار السنوات الطوال التي قطعتها الاغنية على يد رواد نذروا حياتهم للفن ، واستطاعوا ان يصنعوا العصر الذهبي للأغنية العمانية، لتنطلق في فضاءات الطرب الخليجي والعربي وتسجل حضورها الفاعل والكبير.. وليس بعيداً عن هذا الموضوع يكتب الباحث والموسيقي مسلم الكثيري عن "جذور غناء العوادين العمانيين وتطوره" مستعرضاً حياة العوادين العمانيين وظروف تعلمهم وامتهانهم للفن وعشقهم لآلة العود، ويحاول الباحث في صفحتين كاملتين يخصصهما "اشرعة" في هذا العدد ان يسلط الضوء على ظروف النشأة وأهم المحطات والمنعطفات التي مرت بها حياتهم.
مؤكداً في الاطار نفسه" ان دور العوادين العٌُمانيين الأوائل مثل حمد حليس وسالم الصوري وقبلهم شهاب أحمد وغيرهم لا يزال بحاجة إلى الكثير من الدراسة من نواحٍ كثيرة خاصة وإن هؤلاء الرواد بالذات شاركوا في صنع التوجهات الفنية التي نعرفها اليوم في المنطقة (عُمان والجزيرة العربية)، وكانوا منفتحين على التجارب الفنية بالمنطقة، وبصفة خاصة الخليجية الأقرب من حيث اللهجة الكلامية لبعض المناطق الشمالية".
على ضفاف اخرى من "اشرعة" يحاور الزميل فيصل العلوي الفنان التشكيلي مازن المعمري مستعرضاً تجربته وعلاقته بالتشكيل وأبرز اشتغالاته الفنية، كما يحاول الزميل ايهاب مباشر الكاتبة خديجة الذهب حول اصدارها "حكايات شعبية من ظفار .. حكايات جدتي".
محمد العيسري يستكمل قراءته في كتاب "جامع الخيرات" مؤكدا ان الكتاب نص تاريخي في قالب فقهي حول منطقة الباطنة وأن ألفاظ الكتابة نماذج اعتمدها العمانيون قروناً طويلة.
وليد السيد يسرد قصة العمارة العربية المعاصرة من حيث نشأتها وأبرز السمات التي قامت عليها والمتغيرات التي شابتها مؤكدا بأنها "مزيج من أخلاط غير متجانسة من العوامل الثقافية والإجتماعية والتداخلات السياسية والإضطرابات الإقتصادية والديموغرافية وهي بواقعها المعاصر إنما تعكس أخلاطا لتصورات ورؤى معماريين معاصرين يعيشون بيئة فكرية تعاني من تداخلات الذات والآخر الحضارية وقيم مجتمعية وثقافية مشوهة".. كما يحمل اشرعة بين دفتيه العديد من المواضيع المتنوعة الاخرى.

المحرر


أعلى





سيرة الحجر
يوم الناقة

في أحد أيام الصيف، ظهر على مدخل القرية رجل بدوي يقود ناقة له من خطامها، كان حدثا فريدا أن يوجد في قريتهم ناقة، فلم يرها أحد من قبل، بل سمعوا عنها في احاديث الكبار الذين سافروا خلف جبال القرية، انتشر الخبر مثل النار في الهشيم، خرج الجميع ليشاهدوا تلك الدابّة العظيمة، كان البعض مندهشا والبعض الآخر مرتبكا خائفا في قرارة نفسه، وقامت بعض النساء بتلاوة الأدعية المأثورة والتعاويذ التي يحفظنها، وهنّ يمسكن بأطراف ألحفتهن قلقا ودهشة وريبة، كان الأطفال الأشقياء يتبعونها مكونين حشدا صغيرا يتدافعون بالقرب منها، متوجسين مما سيحدث لو اقتربوا كثيرا، كان البدويّ يقود ناقته غير عابئ بما يحدث حوله حتى ربطها في جذع الغافة النابتة عند المجلس في وسط القرية، والتي أطلق عليها بعد ذلك غافة الناقة.
يتذكر الكل ذلك اليوم الذي وصل فيه البدوي وناقته، فلقد سماه الناس بيوم الناقة، وبدؤوا يؤرخون عليه مناسباتهم وأحدايثهم، فأي حدث كان يربط بيوم الناقة، مثل عرس ود سويلم الذي صار بعد اسبوعين من يوم الناقة، وسقوط عميّر من النخلة أرخوه بيوم قبل يوم الناقة، الكل أرّخ ذكرياته القريبة والبعيدة بذلك اليوم، والكل يتذكر تفاصيل ذلك اليوم، بل انهم جلسوا يتواصفون شكل الناقة لأشهر عديدة بعد مضي البدوي في طريقه.
طلب البدوي ماء للناقة، فتطوعت احدى النساء بجلبه في دلو من بيتها، وأطلقت عليه بعد ذلك دلو الناقة، في حين أكرم أحدهم الناقة ببعض التمر، أطلق أيضا على الوعاء الذي كان به التمر، ماعون الناقة، وعلى الجراب الذي استخرج التمر منه، جراب الناقة، بل أنه حين ولد لاحدى الأسر طفل في ذلك اليوم، لم يبحثوا له عن لقب من تحت الحصى فقد أطلقوا عليه ود الناقة، حمل هذا اللقب حتى كبر.
جاء البدويّ إلى القرية من دياره البعيدة على أطراف الصحراء ليشتري تمرا، جلس لأيام يتفاوض مع الناس على الأسعار وعلى شراء الجيد من التمر، اتفق مع البعض ولم يتفق مع آخرين، وكان يحمل ما اشتراه ويكدسه تحت الغافة، الجميع يودون أن يتحدثوا إلى البدويّ، تدهشهم لهجته العجيبة والتي لم يفهموا الا القليل منها، كان سريعا في كلامه، عصبيا مع الذين لم يفهموه، لولا أن بعض المسنين ممن خبروا السفر تطوع بترجمة ما يقوله، فلن يفهمه أحد، استقر البدوي في المجلس، أنزل فراشا له وأشياء رحلته وادواته، كان يسهر كل ليلة ويطلق العنان لمواويله أن تصدح حتى تصل إلى أطراف البلدة، البعض كانوا يشاركونه ممن يستهويهم الطرب، فتدور الفنون من شخص إلى آخر، وتلقى القصائد، ويعلو الغناء، كان صوت البدويّ عذبا وهو يغني، ولم تزل نبرته في مسامع أهل القرية زمنا طويلا.
ومثلما كان يوم مجيء البدويّ بناقته يوما مشهودا، كذلك كان يوم رحيله يوما عجيبا، الكل ساعده في حمل أجربة التمر على ظهر الناقة، والكل جاء ليودعه، تجمعت النساء أمام البيوت وقد شكلن سطرا طويلا من جانبي الطريق، بينما الأطفال كانوا يتبعون الناقة بصراخهم وأهازيجهم، والرجال كانوا يتحلقون بالبدوي حتى أوصلوه إلى خارج القرية، البعض ممن سمر معهم تغنى بالمواويل وكأن الرحلة لا نهاية لها، الكل ودّع البدويّ وناقته وكأنه يخصه فقط، الكل عادوا إلى بيوتهم بعد ذلك لتبدأ سيرة الناقة التي جاءت والتي سميت عليها الأشياء وأرخت عليها أحداث القرية.
زهران القاسمي


أعلى





من تراثنا في أدب الكتابة بالعدل (2ـ2)

قراءة في كتاب "جامع الخيرات"

نص تاريخي في قالب فقهي حول منطقة الباطنة

ألفاظ الكتابة نماذج اعتمدها العمانيون قرونا طويلة

من النصوص التي استوقفتنا في كتاب جامع الخيرات، نص طويل أجاب فيه الشيخ أحمد بن سليمان العاتي الشيخ سليمان بن محمد المربوعي حول الباطنة من عمان وحكم الكتابة فيها ونصه: (أسألك سيدي في حد باطنة عمان من أولها إلى آخرها، والمشرق إلى المغرب، في الحاكم في عمارتها وخرابها وفي سبب منع الكتابة في شيء منها دون شيء، أريبة من غضب السلطان إياه من ربه؟ أو ذهاب عنه بسيل أو خوف من شيء من لا أسباب المخوفة حتى أوجب غيبوبتها أو غيبوبة بعضها؟ وما عند شيخنا من جميع ذلك؟ وما آخر ما أوجبه النظر منك ومن الأشياخ في الحكم فيها وفي خرابها؟ أريده بياناً شافياً، وإن كنت مؤثراً له في شيء من الكتب أريد نظر الكتاب نفسه، وتفضل اكتب لي ما عندك في جميع بيان هذا صريحاً لا عدمناك إن شاء الله، الله الله لا غنية عن الدخول فيها وكتابة وتملك شيء بميراث أو هبة والأكل من ذلك إن شاء الله إن جاز ووافق الحلال، وكتبه أخوك وخادمك الأقل سليمان بن محمد بن ربيعة بيده.
الجواب: لما سأل عنه شيخنا وسيدنا وقدوتنا الشيخ الأجل الثقة الرضي الفقيه النبيه الفصيح النزيه الولي الوالي الوالد سليمان بن محمد بن ربيعة المربوعي رحمه الله تعالى وغفر له، أما بعد سيدي سألت أخاك وصغيرك والمعترف بفضلك عما هو الأحرى بمسألته لك فيه وعنه، غير أنك حسن الظن بأخيك فترجو أن عنده ما ترجوه، ولما كان وقوفي بالباطنة وأنا أرجو أن وقوفك بها رحمك الله كوقوفي أو أكثر واعتبارك بها وبأحكامها أكثر فالآن أنا سيدي أجيبك على قدر ما عرفت من ذلك، فإني لما كنت مقيماً بها أكثرت البحث عنها وعن أحوالها وذاكرت فيها سيدنا وولينا الإمام العدل المؤيد المنصور المرحوم إمام المسلمين سيف بن سلطان بن سيف بن مالك اليعربي رحمه الله وفي الكتابة فيما يحيى من موات الباطنة، فأشار علي بمذاكرة الإخوان فيها فسألت عن ذلك من أدركته من أشياخنا وعلمائنا وأوليائنا رحمهم الله مثل شيخنا وسيدنا وولينا الفقيه النبيه النزيه الشيخ الأجل ناصر بن خميس بن علي رحمه الله تعالى، ومثل الشيخ الفقيه الأجل المرحوم محمد بن عبدالله بن حمعة بن عبيدان رحمه الله، ومثل الشيخ الفقيه المرحوم علي بن سعيد الرمحي رحمه الله، ثم ذاكرت خير من أدركته من إخوان الباطنة أنكم كيف تكتبون في أشياء من الباطنة وتأكلون منها، ومع ما طالعت في بعض الأثر، ففيما عرفت من ذلك أن الآثار السالفة من أشياخنا رحمهم الله وردت مجملة في أن الباطنة غايب، ولم أجد أثراً خاصاً في موات الباطنة إلا من جوابات المشايخ المتأخرين رحمهم الله. فمن معاني ما وجدته من جواب الشيخ الفقيه خميس بن سعيد رحمه الله لمن سأله عن الباطنة فكان جوابه رحمه الله إني لا علم لي بذلك على المعنى من جوابه، وكان من جواب سيدنا الفقيه الولي ناصر بن خميس بن علي العقري النزوي رحمه الله في الكتابة فيما يحيى من موات الباطنة أن هذا يحتاج إلى نظر ممن له النظر في معنى الحلال والحرام).
ثم أورد المجيب الشيخ العاتي نصوصاً عمن سبقه من العلماء في سياق جوابه قائلاً: (ذكر مسائل عن الشيخ الفقيه صالح بن وضاح رحمه الله أن كيف أبيح للفقير الأكل من الباطنة وأن يزرع فيها؟ فذكر أنه إنما أبيح ذلك للفقير أن ينتفع ويعيش به ويأكل منه الطير خير من ذهابه بلا نفع على المعنى من جوابه. وأذكر جواباً عن الشيخ سليمان بن أبي سعيد لمن سأله فكان من معنى جوابه أن الدار قد ملكها أهل الجور وذهب أهلها أو بعضهم فخربت، وأن الخراب على ضربين فخراب كان عامراً فذلك لا يحل تملكه إلا لأهله، وخراب لم يكن معموراً ولا فيه أثر فهذا هو الحلال الطيب لمن أحياه، وإنما المرء يحتاط على نفسه ويأخذ بالوثيقه في أمر دينه. وكان من جواب الشيخ المرحوم الفقيه العلامة محمد بن عبدالله بن جمعة بن عبيدان رحمه الله فيمن أحيا مواتاً في أرض الباطنة هل يحل له؟ وهل تجوز الكتابة فيه؟.
الجواب: جائز ذلك والله أعلم. ومن جوابه فيما سألته عنه رحمه الله: فما حده الأثر من جانب رعيه بلدنا منح من الرموم السالفة المحدودة من طريق الجبل إلى موضع معروف وفيه بلدان مفترقة وينتهي بسيوح وفيافي وقفار، هل يجوز لأحد أن يحدث في هذه القفار أنهاراً وأطوى ويعمرها ويمتلكها وتجوز الكتابة فيها؟ ومما هي في الفسح عن هذه البلدان كثير أكثر من خمسائة ذراع أو هي أكثر مما وطئه خفهم وحافرهم؟ فكان من معنى جوابه لي رحمه الله جواز ذلك. وكان جواب الشيخ الفقيه علي بن سعيد الرمحي الرستاقي رحمه الله في معنى إجازة الكتابة فيما يحيى من موات الباطنة غير أنه شرط أنه يعجبه لي أن تشاور إمام المسلمين رحمه الله أعني به الإمام الأجل الولي سيف بن سلطان بن سيف اليعربي رحمه الله، وهو الذي كان آخر العهد به أنه راغب في إحياء الموات من الباطنة، وذاكرنا في ذلك جملة في محضر وأخرج قرطاسة كتبها والده الإمام العدل الولي المؤيد المنصور سلطان بن سيف بن مالك اليعربي رحمه الله يذكر فيها جواز إحياء موات الباطنة لمن أحياه وكأنه يدله أو يريد شيئاً من ذلك. وأما الإخوان الذين سألتهم من الباطنة بصحار فهم المشايخ علي بن محمد بن جمعة وثاني بن جمعة وسعيد بن جمعة بن ثاني وسعيد بن جمعة بن محمد، وهم عندنا خير من أدركناهم من صحار، ولا نعتمد على غيرهم في شيء من ديننا، فسألناهم عن فعل نفسهم وفعل الشيخ المرحوم ناصر بن ثاني، إذ شهر عندي أن له أموالاً بالفاسقة وأموالاً بصحم وأدركتهم يأكلون من هذه الأماكن ولا يكاتب فيها، فكان المعنى من جوابهم لي في ذلك أن أمرهم إلى حكامهم في ابتداء لأمرهم فيها، وعند اختلاف الملوك والولاة وربما يرفعون ولا يتهيأ لهم مرادهم من وقوف قوامهم عن المطالعة، أو لما يرون أن الباطنة غايب في جملة القول فلا يبحثون في تفصيلها وشبه ذلك، وأما السبب الموجب للوقوف عن الكتابة في بعض الباطنة والكتابة في بعضها فلعلك سيدي أعرف بذلك مني، وإنما أنا محبك أذكر منها ما عندي من ما شهر عندي من سماع الأخبار وما يؤيده شاهد العقل بالاعتبار رسم الآثار في تلك الديار، فيمكن فيه الوجهان اللذان ذكرناهما من وجود السلاطين على العباد وأهل البلدان، فيذهبون عن أملاكهم وأموالهم ومواطنهم وأهلهم، ومن حوادث الزمان بالسيول وشبهها، فمن ذلك ما نشاهده عياناً ونراه بياناً أن بصحار نراهم يخرجون حجارة الياجور من باطن الأرض من أساسات مبنية على صورة بيوت بأطواها وحياطنها وقنواتها وجوانبيها نازلة في بطن الأرض وهي كبيرة وكل بنايهم. وسألت عن ذلك الشيخ المرحوم علي بن جمعة فقال أن صحار طغى عليها وادي صلان فحصرها، وأراهم يكتبون في الأصول التي هي قريبة من الحصن من كل الجهات ويقفون عن الكتابة فيما بعد عن الحصن، فلعل ذلك لكثرة شهرة هذه الأصول قبل أن يصيبهم ما أصابهم فبقيت هذه الأصول معروفة عند الخاص والعام فعرفها الاخرون كما عرفها الأولون. وكذلك بقرية لوى يكتبون فيما هو حول الحصن من قربه دون ما بعد عنه. ومن ذلك أن الناس يتحدثون عن المكان المسمى الأسرار الذي هو بين لوى وحسيفين أنها كانت بلدة حسنة طيبة ذات نخل وأشجار فأرسل الجبار على أهلها من يتعنت عليهم بما يعجزون عنه إلى أن هربوا وركبوا البحر بأهلهم، وها هي على ما نعهدها محيوزة لبيت المال).
ثم ختم جوابه بقوله: (وقد وجدت بخط القرن فيما أظن أنه أصاب سيل عظيم بالباطنة وبدبد وقيقا وغيرها وغيرهن ليلاً فسمع أهلهن له دوي وحنين فنزل بهم وحملهم إلى البحر، وأن ذلك نزل بهم من طغيانهم وفسادهم أعاذنا الله من ذلك، فهذا سيدي ما بان لي من ذلك، وإني لأرجو أن لا يخفى عليك ذلك، وإنما قيل أعلم الناس من يبتغي علم الناس إلى علمه، فبارك الله لك وفيك وعليك، وقد كتبت ما كتبت على معنى ما عرفت وسمعت لا نقل الشيء بعينه نصاً، فخذ سيدي بما بان لك صوابه، وبعض هذه المسائل موجود بعينه).
في النص نقرأ قدراً وافراً من الحقائق التاريخية والدلالات الحضارية، نقرأ أولاً القيم التي عرف بها علماء عمان وكيف أن كلاً منهم يعرف للآخر قدره ويجله ويدقره وله كان أوفر منه حظاً في العلم، فنجد النص طافحاً بعبارات الثناء على الآخر ويقابلها عبارات التواضع واتهام النفس. ثم نجد في نص الجواب أن الجدل حول قضية الكتابة في الباطنة، والمراد هنا الكتابة في الرموم والأراضي والبيوت والأموال بالبيع أو الشراء أو الإرث أو الهبة كما أشار إلى شيء من ذلك نص السؤال. والإشكالات التي جاء بها النص والتي أثير حولها الجدل ما أصاب أرض الباطنة من سيول جرفت الكثير من بلدانها، وما أصاب بعض بلادها من تسلط بعض الحكام فيما مضى، دون أن يفصل النص الحقبة الزمنية التي حدثت فيها تلك الأحداث، غير أن نهاية النص التي وردت فيها الإشارة إلى السيل الذي وقع بالباطنة وبدبد وقيقا فيبدو أن المراد به الجوائح التي حدثت سنة 251هـ في عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي.
أشار النص إلى توقف العلماء في عهد اليعاربة عن الفصل في هذه القضية بشكل نهائب وواضح وذكر منهم الشيخ خميس بن سعيد الشقصي والشيخ ناصر بن خميس بن علي الحمراشدي والشيخ محمد بن عبدالله بن جمهة بن عبيدان، وإلى تدخل الأئمة اليعاربة في القضية بأن ذهب الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي إلى جواز إحياء الأرض الموات من الباطنة. واستشهد النص بوقائع بعينها في هذا الجدل الذي يبدو أنه استمر لقرون، إذا ثبت أن منشأه الجوائح التي كانت في القرن الثالث الهجري إبان عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي.
من تلك الاستشهادات مثلا سؤاله لأولئك الذين ذكروهم بأسمائهم من أهل صحار، وذكروا أن لناصر بن ثاني أموالا بالفاسقة (تغير اسمها الآن) وصحم، ومنها أيضاً الإشارة إلى أن ما بقي معروفاً ما هو قريب من حصن صحار وحصن لوى، والإشارة إلى بلدة الأسرار ووصفه لها أنها كانت بلدة حسنة طيبة ثم رحل أهلا وركبوا المراكب بعد أن تسلط عليهم أحد الجبابرة. إلى غير ذلك مما يحفل به النص من إشارات تتعدد بها القراءات وتتباين.
في الباب الثاني وموضوعه: (أسماء البشر ونسبهم وأسماء البلدان وفيما يؤنث ويذكر وفيما يكتب بالألف ولاياء، وفيما يمد ويقصر، وفي صفة عدد المؤنث والمذكر) تتجلى الخصوصية العمانية من حيث المفردات، فمن ذلك مثلاً: وفي منسول الصوف يكتب بالتذكير أم بالتأنيث أم كلاهما جائز؟ الجواب: لا أحفظ في المنسول شيئاً لأن المنسول في لغة أهل هذا الزمان، وتسمى في الأثر القديم العباءة والعباءة مؤنثة.
وعطفاً على مفردات الدارجة العمانية نجد قوله: (ومنه أوصى فلان بما يبقى له في بيته بعد موته من تمر وحب وأرز وأوعية خزف وسميم خوص أو غضف ومواقع خشب أو حجر وملال صيني وأزورد لزوجته فلانة من ضمان عليه لها)، كما نجده قد أورد في الباب الثالث فيما يجوز من الضاد والظاء وفيما يكتب بالضاد والظاء في هذا الباب أسماء واصطلاحات عمانية منها في فصل ما يكتب بالضاد ما نصه:
(وكذلك فضل وفضالة وفضيلة وضبيان وضاوي وعاضد النخل وضبوب والغضف والضحضاح والضويحية، وجهضم اسم رجل/ وضم اسم بلدة، ولاية فضة، وغضيفان اسم رجل، وضنوه اسم امرأة وكذلك ضمّوه، والضاحية اسم أرض. ومن غيره وكذلك المضيبي وضوت وضنك. والجهضمي والحضرمي...الخ) وفي فصل ما يكتب بالظاء ما نصه: (الحاظي وحظية، وفلج بو لغيظة، ومسجد الظفرية، وفلج الظبي، والغيظرانة اسم مال).
في ثنايا الكتاب تستوقنا جماليات بعض النصوص، منها مثلاً ما جاء في ديباجة جواب الشيخ الفقيه محمد بن عبدالله بن عمران المنحي على سؤال الشيخ يوسف بن طالب بن راشد العبري، وهو قوله: (الجواب لما سأل عن الشيخ العلامة، والحبر الفهامة الذي استنبط ينابيع العلم بأظافير الفهم، ورقى إلى درجات الحكم بسلاليم الحلم، وسأل عن أساليب الدقايق بألسنة الحقايق، شيخنا وولينا يوسف بن طالب بن راشد أرشده الله ووفقه إلى أنجح المطالب، أما بعد سألت سيدي عن هذه الألفاظ والسائل أعلم من المسئول وأقوى فهماً في إتقان الأصول ، إلا أنه لعله أراد تشريف خادمه وتقديم منادمه).
بدأً من الباب الرابع وحتى آخر الكتاب انتقل المؤلف إلى الألفاظ في الكتاب باعتبارها نماذج تطبيقية مباشرة للكتابة بالعدل بين الناس، وبالرجوع إليها يجد الكاتب نفسه أمام قوالب كتابية معدّة أثرت عن العلماء الثقات ووردت في كتب الفقه التي يطمئن إليها بكونها تتضمن ما يشبه المواد القانونية التي يرجع إليها كل عامل في أي حقل عملي .
وقد أورد المؤلف الكثير من ألفاظ الوصايا نجد فيها الكثير من تجليات الحياة الاجتماعية كمفردات العمارة وأثاث البيت ونظام الوقف والمؤسسات الدينية كالمساجد ومدارس القرآن الكريم والكثير من السنن والعادات المتبعة في المجتمع العماني، فنجد مثلاً: ألفاظ الوصية بالدلاء والحبال والآبار، لفظ وصية بالرطب للهجور في مسجد كذا، لفظ وصية لتنفذ فيما فيه فلة المال الموقوفة غلته على رأي مسجد كذا، لفظ وصية بالغلة الموقوفة ليسرج بها في مسجد كذا، لفظ وصية بالدراهم لشراء بسط لتفرش في مسجد كذا، لفظ وصية بالدراهم لإصلاح حصن قرية كذا، بالدراهم لإصلاح الرحى، لإصلاح سوق كذا، لإصلاح مجازة كذا، للفقراء، لبيت المال، للفقراء من المجذومين، لإصلاح مدرسة كذا، بتوقيف مجازة لتصلي فيها النساء، لمن يتعلم العلم في مدرسة كذا من قرية كذا ـ لإصلاح الكتب الموقوفة ـ لإصلاح فلج كذا).
في الأبواب التالية من الكتاب انتقل المؤلف إلى ألفاظ البيوع وألفاظ الإثبات والرهن في الأصول والعروض وألفاظ الوكالات في البيوع والمقاسمات في الأصول وغيرها.
وفي الأبواب الأخيرة ألفاظ الوكلاء للمساجد والأيتام والأغياب والوقوفات ولإنفاذ وصية الهالك وغيرها.
والحق أن الكتاب مع كونه نصوصاً فقهية متراصة غير أنه يجعل المتأمل فيه بإمعان النظر يسبح في عالم غير عالمنا، وكأنه يرى شخوص العلماء أمام ناظريه وحركة الحياة في عمان في ماضيها العريق ماثلة بين عينيه.


محمد بن عامر العيسري

أعلى





أكد على أن الجمعية العمانية للفنون التشكيلية حاضنة الفن والفنان
مازن المعمري: على الفنان العماني القيام بدوره الريادي في تحديد مفهوم حركة الفن التشكيلي الحديث وتطبيقه على الواقع

* مجلة "البرواز" دليل واضح على التوجه اللا محدود لتطوير الفن والفنان
* فئة كبيرة من الجمهور تزور المعارض وثمة من لا يتقبل اللوحة العمانية
* الفنان العماني غير مقلّد وأعماله تبهر المتلقي
* النقد الفني هو أهم ما تفتقره الحركة التشكيلية العمانية

حاوره ـ فيصل بن سعيد العلوي :

مازن المعمري .. فنان تشكيلي بدأ حياة التشكيل منذ طفولته باللعب على الألوان وتطورت فكرة الرسم اثناء دراسته الابتدائية حتى التحاقه بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية ، حيث كانت شارك في الدورات الصيفية التي تقيمها "الجمعية" لطلبة المدارس، والتحق منتسبا في "الجمعية" بمشاركته في حلقات عمل ودورات فنية ومعارض فنية إلى أن أصبح عضوا في الجمعية عام 2005 مشاركا على الصعيد الدولي .
وبدأ مازن المعمري مشواره الفني متأثرا بالمدرسة الكلاسيكية الواقعية مجسدا الصورة إلى عمل فني بحت يبين جمالية الألوان، ثم انتقل إلى المدرسة التجريدية والأعمال التقنية، مجسدا لكل عمل فني قصة وفترة زمنية تروي تلك الحقبة من الزمن مستغلا الموارد المتوافرة لكي يتواصل مع المتلقي بشكل سريع ومتقن .. في هذه المساحة "أشرعة" تحاور الفنان التشكيلي "مازن المعمري" ليحدثنا عن أهم تجاربه في هذا المجال وأبرز مشاركاته ووجهة نظره في الساحة التشكيلية ..


مشاركات ومعارض

* بداية حدثّنا عن أهم مشاركاتك الداخلية والخارجية والجوائز التي حزت عليها ؟

** شاركت في عدد من الدورات منها الدورات الصيفية للطلبة التي أقيمت بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية 1998-2002م ـ، ومعسكرات طلابية صيفية لبلدية مسقط عام2000-2001م ، وحلقة عمل تصوير زيتي الفنان سعود الحنيني عام 2002م ، وفي حلقة عمل رسم (البوترية) للفنان سليم سخي 2003م ، وفي حلقة عمل فنية للفن التجريدي للفنان السعودي2005م ، وفي حلقة عمل فنية الفنان الأميركي سام 2006م.كما شاركت في دورات الخط العربي للخطاط محمد 2006م ، وفي حلقة عمل فنية لمجموعة فن الجرافيك 2007م ، وفي احتفالية العيد الوطني 2008م ، كما شاركت في فعالية قابوس عمان كمشرف عام 2009م.
وعلى صعيد المعارض شاركت في معرض انتاجات الطلبة في الدورات الصيفية 1998-2002م ، ومعرض الفني الجميع 2002م ، ومعرض التشكيلي لوزارة الخارجية 2003م ، ومعرض وزارة الخارجية 2003م ، ومعرض الثقافة والفنون ضمن الملتقى الثقافي لكلية الحقوق 2005-2006م ، وأقمت عددا من المعارض الشخصية منها معرض شخصي في كلية مزون 2004م ، وفي كلية الحقوق 2005ـ 2006 م ، وفي كلية الشرق الاوسط2007م ، وفي كلية التقنية 2007م ، كما شاركت في معرض الفن التشكيلي للشباب 2002-2009م ، ومعرض ندوة التراث العماني 2009، ومعرض دمشق الثقافي 2008م. كما قمت بإعداد أوراق عمل وندوات وإقامة حلقات عمل فنية، وهناك مشاركة قريبة في معرض بجنيف، وتوجه لاقامة معرض شخصي في شهر نوفمبر تزامنا مع احتفالات البلاد بالعيد الوطني الاربعين إنشاء الله .

شهادات تقديرية وجوائز

أما عن الجوائز فحصلت على شهادة تقدير من وزارة التربية والتعليم عام 1999م ، والمركز الأول في التصميم بملتقى كلية الشرق الأوسط ، والجائزة الفضية في معرض الفن التشكيلي "إبداع واعد" 2007م ، والجائزة الثانية في معرض الفن التشكيلي للشباب2009م ، والتي اعتز فيها كون أن عملي كان مميزا وبدون عنوان معين بقصد ترك المتلقي الحرية واكتشاف والبحث في خبايا العمل الفني، والعمل كان يعني بالنسبة لي البساطة في التكوين مع وجود التقنية والألوان الجذابة التي تشد انتباه الزائر إلى المعرض، ويضيف هذا الفوز الكثير إلي من العزم والجد في إنتاج أعمال مماثلة بقوة وإصرار حيث أتطلع إلى نيل الجوائز العالمية إن شاء الله.

بين فكرتين

* تنتاب الفنان او المبدع في وقت من الأوقات فكرة معينة وحينما يبدأ في تنفيذها .. تتداخل فكرة أخرى ربما تكون أفضل من الأولى وربما تزعزع الفكرة الأولى .. وقد تربكها كثيرا .. يا ترى هل واجهتك هذه الحالة وكيف تتعامل معها ؟

** نعم واجهت مثل هذي الحالة واحاول التجميع بين الفكرتين ، أو ان أعمل لوحة فنية اخرى تبرز الفكرة الاولى عن الأخرى بحيث استفيد منهن جميعا.

* كيف ترى مشهد الفن التشكيلي في السلطنة ومدى تطوره من الحقبة التي بدأت فيها حتى الآن ؟

** الفن التشكيلي في السلطنة تطور بشكل كبير وتتجلى ملامح هذه التطور وصولا بالعمل التشكيلي الى كافة أرجاء المعمورة بوجود أسماء سطعت بوضوح في هذا المجال الإنساني وأيضاء حصول الفنانين على العديد من الجوائز وتم تكريمهم في المحفل الدولية . فالسلطنة تزخر بالعديد من الفنانين التشكيلين الذين لهم البصمة الفنية الواضحة ومنهم حسين عبيد وعبد المجيد كاروه وسعود الحنيني.

* كيف ترى أهمية دور الجمعية العمانية للفنون التشكيلية مقارنة بالإمكانات التي يقدمها للفنان ؟

** تأسست الجمعية العمانية للفنون التشكيلية لتكون موقعا مهما وحاضنا لممارسة الفن البصري والفنان ، وبدأت الجمعية في بذل المجهودات وتنظيم الفعاليات وتهيئة البيئة المناسبة لتطوير الفن التشكيلي وتقديم المساعدات المادية والمعنوية للفنان العماني ليقوم بدوره الريادي في تحديد مفهوم حركة الفن التشكيلي الحديث وتطبيقه على الواقع العماني ، وسعت الجمعية منذ ظهورها الأول لمساعدة أعضائها في الوصول لأرقى مراتب الجودة والتميز والاستفادة من كل المقدرات والمواهب ونجحت الجمعية في تعريف العالم الخارجي بالفن العماني.

نقد فني مفقود

* كيف تقارن نفسك بين قبل اكثر من عشر سنوات ، والآن ؟ ما هي أهم الأدوات التي صقلتك كفنان ؟

** أهم ما يصقل الفنان التشكيلي وجود الدورات وحلقات العمل الفنية والاختلاط بالفنانين وزيارة المعارض الفنية, وتصفح الأنترنت للاستفادة والوصول الى كل ما هو جديد ، فوجود العديد من التقنيات والدورات التي من شأنها أن تؤثر بشكل إيحابي مع الاستفادة من تتداخل الفكر والثقافات التي من شأنها أن تقدم نقلة نوعية في العمل الفني العماني بشكل ملموس ، وهناك فرق كبير في مستوى الفني الشخصي منذ بدأت في رسم المدرسة الواقعية الكلاسكية حتى انتقالي الى التجريدية والتي من خلالها حصلت على العديد من الجوائز الفنية ، ووضعت فيها بصمتي الخاصة. ما تفتقره الحركة التشكيلية العمانية ارى بأن النقد الفني هو أهم ما نفتقده حتى وإن كنا لسنا في زهوة الحركة النقدية ، كما انه يجب أن يكون الفنان مثقفا بشكل كبير يلامس عمله الفني ، ببصمته وحسه المرهف بحيث يمكن للمتلقي أن يميز عمله عن الآخرين.

* يقال ان الفنان التشكيلي العماني فنان مقلّد لا يخترع الجديد من أجل إبهار المتلقي ... كيف تعلّق على ذلك ؟

** أنا فنان تشكيلي عماني أنفي بصريح العبارة ما يقال وعلى العكس الاعمال الفنية العمانية تبهر العالم وخير دليل حصول الفنان العماني على العديد من الجوائز والشهادات والدعوات من جميع المعارض الدولية.

* هل لك ان تفصّل لنا كيف يتم التعامل مع ادوات الرسم، وماذا يتميز الواحد عن الآخر وايهما تحبذ وكيف ترى تجربتك في كل منهن ؟

** في الالوان المائية يستخدم الماء في مزج الالوان وتظهر اللوحة شفافة, واأنتاج العمل المائي لا يستغرق وقت كبير ويجب العمل مع الالوان المائية بسرعه ودقة في الانجاز، أما الرصاص والفحم فيتم بها تحديد الخطوط الأولية للوحة الفنية ويتم التركيز على الضوء والظل في الإنتاج، وبالنسبة إلى الاوان الزيتية تمزج مع الزيت ومواد أخرى وتحتاج الى وقت ليس بقليل حتى تجف وتتميز بقدره على إضافة الطبقة على الطبقة أخرى ويستغرق إنتاج الأعمال الزيتية إلى وقت كثير يتجاوز الشهر وربما الشهور في بعض الأحيان، وأرى أن تجربتي في الألوان الزيتية والأكريللك هي الأقرب الى نفسي حيث أتمكن من السيطره على الالوان وأحصل على القدر الكافي من الوقت حتى أنجز عملا فنيا متميزا وجذاب.

تفاصيل مغايرة

* لو لم تكن تشكيليا .. ماذا ستكون ؟

** سأكون متطوعا خيريا .

* تفاصيل اللوحة التشكيلية قد يراها المتلقي بصورة مغايرة عن الواقع ربما أو عن الفكرة التي رسمت من أجلها .. هل تهتم انت كفنان في إيصال المعنى الحقيقي للمتلقي .. ام أنك تترك باب التأويلات للمتلقي ؟

** معظم أعمالي تحكي عن حقبة زمنية نمر بها على أرض الوقع المعاصر وهي تروي قصة في إطار فني جميل وراق ومختصر في معنى كبير ومن السهل على المتلقي لأن يكشف المعنى بشكل بسيط مع وجود نوع من الغموض البسيط.

* ماذا يؤثر على مستوى الفنان في اللوحة ؟

** المحافظة على صدارة ذلك المستوى أفضل من إنتاج أعمال لا تليق بأسلوب وطريقة عرضها .

تجارب بصرية

* ما هي نظرتك تجاه إقامة معارض سواء شخصية او مشتركة خلال تجربتك ؟

** أنا مع إقامة معارض شخصية أو مشتركة مما في شأنها إبراز الجوانب الفنية وتعرف الجمهور على الفنان وأسلوبه حيث تقوم بإرساء مبدأ التواصل والاستمرارية مع الجمهور والفنانين التشكيليين بمختلف أطيافهم وأساليبهم وتقديم كل مايستجد من تجارب بصرية في الحقل التشكيلي.

* الجمهور العماني .. هل تراه متقبلا لفكرة الفن التشكيلي ؟

** الفن التشكيلي ليس بجديد على الجمهور العماني في الوقت الراهن ولكن هناك العديد من العوائق التي تحول في عدم تقبل اللوحة العمانية مع العلم ان هناك فئة كبيرة تزور المعارض , نحتاج إلى الإعلام وجانب تسويقي للمعارض وهو من أهم ركيزة دعم الوجود الجماهيري.

الحفاظ على المستوى

* ما هو الموقف الذي احبطك كثيرا امام لوحتك ؟ وما هو الموقف الذي اسعدك ؟

** موقف أسعدني هو فور عملي البسيط بجائزة الفضية مع وجود كوكبه من عمالقة الفن العماني ,والحمدالله ، ولا أتذكر أي موقف أحبطني أمام لوحتي وأنا مقتنع أن المشاركة والأبقاء على المستوى هو الغاية والهدف.

البرواز حكاية اهتمام

* ما هو المأمول من واقع الفن التشكيلي في السلطنة وكيف سنراك وسنرى الفنان العماني مستقبلا ؟

** الحاضر خير برهان على تطور الحركة التشكيلية بالسلطنة ونحن اللبنة الأولى في تحديد معالم الفن التشكلي العماني وسوف نستغل الفرص والامكانات لتنمية المهارات الفنية ألامر الذي يؤدي الى تطوير كبير في الحركة الفن التشكيلي ، وانا متأكد ان الحركة الفنية ستشهد تحولا كبيرا وجذريا في معظم الأنماط والافكار الفنية التشكيلية بالسلطنة ولعل تدشين مجلة "البرواز" هي الدليل الواضح والملموس على التوجه اللا محدود على تطوير الفن والفنان .

أعلى





العباءة

انفقأت قهقهاتها عند عتبة المحل المرأة السمينة التي حجبت جسد صاحبتها الضئيل خلفها، كان وجهها لوحة متعرقة تسيح ألوانا يصعب على المرء تحديدها بالضبط، سرعان ما انقبضت تقاطيعها، وهي تأمر بصوت غليظ صاحب المشغل أن يستعرض أحدث ما عنده من منتوجات، بينما الضئيلة اقتربت صوبنا انبسطت أسارير زميلاتي وأطلقن أنفاسا مبهجة.. هتفت المزركشة بخطوط حمراء من الدانتيلا بنزق: يبدو انني سأغادركم اليوم، فأنا ألائمها كثيرا، بل إنني على مقاسها تماما.. زفرت التي بمحاذاتها بمكابرة ظاهرة، وهي تتلألأ بقطع كبيرة من الكريستال منثور على جانبيها أشبه بليلة مثقوبة بنجوم براقة في آماد السماء: أتتخطى كل هذه الأضواء المبهرة التي تغشي العيون لتنطفئ بك، فأضافت بسخرية: إن فعلت فهي عمياء بلا شك..!
وأخذت كل واحدة منهن وبضجيج واضح تعدد محاسنها بلا انقطاع..
وحين اقتربت الضئيلة من المتلألئة بالكريستال، يبدو أن لمعانها غشي عينيها الصغيرتين، تبدي آثاره جليا على وجهها المسحوب في الداخل ، حتى عظمتا الوجنتين كانتا بارزتين ، سرعان ما انفعل انبهارها منادية المرأة السمينة لشاركها غبطتها، ولم يمض بضع دقائق حتى خرجتا، الضئيلة حملتها معها ، والسمينة أوصت تفصيلا مماثلا لها على مقاسها ، بينما هي حدّجتنا بابتسامة زهو ينم عن وداع أبدي..
كنت في ركن ضيق من النادر المرور عبره .. مع الأيام أدركت سر وجودي هنا كمسمار ثابت بينما زميلاتي كل مرة في واجهة معينة، هدوء الشامل الذي يحيط بي لم يكن لافتا ، فأنا لا أشبههن في شيء لا كريستالات تزحف على جوانبي تبهر الناظرات ولا خطوط ملونة مزركشة تعلو أكمامي فتهيج المراهقات ، وكان صاحب المشغل على مدار شهور يستجدي الداخلات علّ إحداهن تقنع بي، بينما زميلاتي كن يغادرنني واحدة بعد أخرى، وأنا باقية أرقب بخيبة الداخلين والخارجين دوني..
اذكر مرة حين دنت مني سيدة تقاطيعها مأكولة من الزمن بعناية كبيرة ، أخذت تتأملني بدقة كما ينتقي المرء عروسا لابنه، لم اعتد على وضع كهذا عوضا عن ذلك أخجلني ، حررت رقبتي من المشجب ، تعامد طولي مع جسمها تماما ، لكن المرأة التي كانت برفقتها أبدت امتعاضا حفر في نفسي نفقا من اليأس حين قالت لها: دعك من هذه يا جدتي، هل أنت ذاهبة لمأتم..!
العناكب هي الوحيدة التي شقت طريقها إليّ ، بينما معظم المارات كن لا يلمحن وجودي البتة ، ويبدو أني كنت تسلية الأطفال الوحيدة في المحل ؛ فقد كانوا يدورون بي حينا وحينا يتخذونني مخبئا وهم على ثقة بأن تقريعا لن يلاسنهم ، بل إن بعضا منهم اتخذ مني منديلا يتمسح بما علق على يديه من بقايا شوكولاته ، أو بما ساح على جانبي ثغره من لطخ الآيسكريم..!
ولم يمض يومان حتى جاء صاحب المشغل بملامح قابضة ، ويده القاسية تنتشلني من مكاني الذي لم أتزحزح عنه مذ أكثر من ثلاثة أشهر ، ووضعني قرب المدخل تماما بعد أن ألصق على صدري ورقة بيضاء وكتب عليه بخط واضح ما يشير إلى وضعي الراهن على ما يبدو ، غير أن وجودي قرب مدخل المحل لم يغير من البؤس الذي كنت فيه شيئا، وإن تكاثف على صاحب المشغل الذي كان يتشاءم حين يراني في وجهه تماما ، وهو يعدّد في كل مرة مجموع الأرباح والخسائر..
اعتدت على مكان وجودي شيئا فشيئا ، فقد كنت أبدد الملل في تأمل المارة عبر الزجاج العريض والشمس تشوي وجوههم في ذهابهم وإيابهم ، ولم يقرف مضجع تأملاتي سوى الرجل الضخم الذي تعودنا على زيارته مرة في كل شهر، فقد كان يدنو مني ويلصق كرشه الكبير بي ثم يدوّن أرقاما عشوائية سرعان ما يرحل بعد أن يضع ورقة في يد صاحب المشغل فيستودعه وعينيه باتساعهما على الورقة، ولكن في الأمسيات حين يضيق شبح الظلام من قبضته عليّ كانت الوحشة تتفرد بي، فلا ونيس حولي ، بينما زميلاتي كل واحدة منهن تدلي على التي بمحاذاتها ضوءا ساكنا..
عزمت هذه الليلة أن أملأ عيني الوحشة بنثار من الخيال ؛ فأجتاز هذا السقف الذي يحبس الأنفاس كما تفعل كل واحدة منهن عادة، وصرت أخالني على كتف فاتنة تتغطرس بي وأنا..، توقفت خواطري الحالمة عن تواردها حينما تناهى دوّي ما ، كان قويا كصوت قصف ، شعرت بحرارة تزحف خلفي ، خيّل إلي ّحجم الرطوبة المكثفة في الخارج المكبلة على أنفاس الأرض بحدة هذه الليلة حتى تطالنا ألسنتها هنا ، تكاثف إحساسي بالحرارة أكثر فأكثر، ووجدتني في وسط هذه الحرارة أضيء كدرة من كريستال أهيج هذا الظلام وأبدده بكلي.. فإذا به يتداعى فزعا مني وأنا أتوامض خلفه بسرعة البرق ، تصاعد عويل حارق من الزميلات القريبات مني ، كان يجب أن أدنو منهن حتى يشهدن على انبهاري في ليلتي هذه.. وأنا أضيء ، أضيء مثلهن بل أكثر، والأصوات تتقافز من قربي حتى أقصى المحل كمهرجان في سيرك.. بينما أنا سعيدة، سعيدة جدا.. وكل ما في المحل يشاطرني غبطتي.
* النص الفائز بالمركز الثالث في مسابقة المنتدى الادبي 2009


ليلى البلوشي

أعلى





قصيدة الجزيرة العربية
للشاعر الانجليزي وولتر دي لا مير

وولتر دي لا مير (1873- 1956) هو شاعر انجليزي مشهور وروائي وكاتب قصص قصيرة، يحرك نظمه المشاعر ويبعث على التأمل مستمدا أثره من موسيقى القافية وعذوبة اللفظ والتناغم الداخلي. اكثر أعماله شهرة قصيدته The Listeners، "المستمعون"، التي نشرها عام 1912 في ديوان يحمل الاسم نفسه والتي جاءت في المرتبة الثانية بين خيارات قراء جريدة بريطانية في استفتاء أجرته مؤخرا عن أفضل عشر قصائد شعر انجليزية على الإطلاق.
في حين عبر عدد لا يحصى من محبي الشعر على ساحلي المحيط الأطلسي ـ منذ نشرها إلى يومنا هذا ـ عن تأثيرها العميق في نفوسهم. وقد عارضها ت. اس. اليوت بقصيدة ضمت مع قصائد أخرى لغيره من الشعراء في كتاب ( تقدمة إلى وولتر دي لا مير) الذي اهدي لدي لا مير في ذكرى ميلاده الخامس والسبعين. ولا يتسع المقام هنا لعرض هاتين القصيدتين.
عاش دي لا مير حياة رجل عائلة مكافح حيث عمل ثماني عشرة سنة في مكتب شركة للنفط في لندن حتى حصل من الدولة بشفاعة احد اللوردات على عطاء شهري سمح له بالتفرغ للكتابة وبالتالي إمتاع الناس بشعره.
أما قصيدة، الجزيرة العربية، فقد نشرها عام 1912 في ديوانه (المستمعون) الآنف ذكره. وقد حاولت ما استطعت ـ بدون الإخلال بأمانة الترجمة ـ نقل شيء من موسيقى هذه القصيدة في ترجمتي العربية والتي هي جزء من أثرها على النفس. وكانت دراسات علمية قد كشفت مؤخرا عن سر الأثر الموسيقي على الدماغ البشري حيث كشفت أن هذا الأثر ناجم عن إثارة الموسيقى أجزاء في الدماغ مسئولة عن العواطف منها اللوزة والدماغ المتوسط وعنقود الخلايا المسمى النواة المتكئة nucleus accumbens.
وهو ما يؤكد مجددا ما قاله ناقد أميركي معاصر من أن "قراءة الشعر ينبغي أن لا تكون تعذيبا". وما عناه أن النص يجب أن يحرك المشاعر والفكر والترجمة كذلك. ليس فقط من ناحية الموسيقى بل أيضا من ناحية المعنى الراكب على هذه الموسيقى. وجانب من إعراض الناس عندنا وعندهم عن اغلب الشعر الحديث أو بالأحرى قصيدة النثر انها كتبت للعين ولم تكتب للأذن وكتبت للعقل ولم تكتب للقلب. ولم أجد في شعرائنا العمانيين المعاصرين من جمع بين الموسيقى وعذوبة اللفظ للتعبير عن معان عميقة إلا حسن المطروشي في قصائد التفعيلة. وقد يسر الله لي ترجمة رائعته الروحية (نزوع) المنشورة في ديوانه (على السفح إياه) إلى الانجليزية.
وقصيدة الجزيرة العربية هي من اختيار لجنة مسابقة المنتدى الأدبي. أما النص الآخر فكان ترجمة قصيدة (همسات الوداع ) للشاعر العماني الراحل عبدالله الخليلي إلى الانجليزية. وإليكم ترجمة قصيدة دي لا مير:

الجزيرة العربية

بعيد هو خيال جزيرة العرب،
حيث يركب الأمراء في الهجيرة،
بين الأيك والأودية الخضيرة،
تحت وميض القمر.
وأزهار الأرجوان المعقود
تزهر غامقة جدا في الغاب
وتومئ متفتحة تحت أطياف النجوم
باهتة في سماء الظهيرة.

عذبة هي موسيقى الجزيرة
في قلبي، لحظة الحلم
أسكن في هدأة الفجر
المح من بعيد جداولها الضحلة تسيل بسلاسة.
اسمع عزف العود الغريب على الضفاف الخضر
يترنم ببهجة وأسى
عازفين سود الرؤوس كالمخمل
في صمت الليالي الحبلى بالتأمل.

مسكون بها: غابها وعزف عودها
وكل جمال في الأرض أراه
يلازمه ذلك الحلم كظله
يعيد إلى ذهني حسنها.
عيون ساكنة ترمقني ببرود،
أصوات باردة تهمس قائلة:
أبهرته فتنة الجزيرة النائية
سلبت عقله.

ترجمة: محمد عبدالله العليان
* النص الفائز بالمركز الأول في مسابقة المنتدى الأدبي مجال الترجمة الأدبية

أعلى





تؤمن بدور الحكايات الشعبية في مد جسور التواصل الإنساني بين الأجيال
الكاتبة خديجة الذهب لـ"أشرعة": تدوين التراث الشعبي ضرورة وطنية تصون هويتنا الثقافية وتبرز طابعها القومي والإنساني
الحكايات تشوق القارئ لإعادة استلهام بدايات جذوره وحضارته المتأصلة في أعماق التاريخ
الكتّاب استلهموا أفكارهم من الحكايات الشعبية فلاقت قبولا لدى الأطفال
الخيال يعطي الحكاية مزيدا من التشويق والإثارة والسحر والجمال
اللغة الفصحى خصبة ومفرداتها ثرية وتبقى قادرة على استيعاب كل أنواع الفنون والآداب
تتشابه الحكايات ويبقى لكل شعب حكاياته التي تحمل طابع ولهجة وملامح بيئته

حاورها - إيهاب مباشر:
" تعتبر الموروث الشعبي العماني، كنزا غنيا بأشكاله المتعددة، وتدوينه ضرورة وطنية وقومية؛ لصيانة هويتنا الثقافية، هو إحساس أملاه عليها واجبها الوطني، وحبها واعتزازها بهذه الأرض الطيبة، فكان دافعها للكتابة فيه، وهو ما جعلها تبذل الجهد وتتحلى بالصبر، وتعد نفسها للمزيد من التواصل الاجتماعي.
ترى أن كل ما يقدم للصغار من أجناس أدبية، يجب أن يقدم في نسق تربوي هادف، مستلهما من قيم الإسلام ومبادئه وعقيدته، وهذا ما جعلها تنتقي حكاياتها بعناية، وتعطيها حقها في الاهتمام والجهد، وتصيغها بأسلوب سهل وألفاظ مبسطة، بما يتوافق مع عقليات الصغار، فضمنتها رسوما تعبيرية ملونة. لديها قناعة بأن حكايات الخيال، تحث العقول على التفكير، وابتكار الأساليب في كيفية حل المشاكل والمسائل الشائكة، وتوسع المدارك والآفاق، فكان "حكايات شعبية من ظفار .. حكايات جدتي" الذي قامت بإعداده وتأليفه، الكاتبة خديجة بنت علوي الذهب، وكان محور لقاء وحوار (أشرعة) معها .. فإلى تفاصيل الحوار .. ،،

* ذكرت في مقدمة كتابك "حكايات شعبية من ظفار .. حكايات جدتي" أن الحكايات، كانت وسيلة للتواصل بين الأجيال، لتربط الحاضر بالماضي، فهل الحكايات افتقدت دورها في التواصل، أم أن دورها لا يزال مستمرا إلى وقتنا هذا؟
** لا شك أن الحكايات الشعبية على اختلاف موضوعاتها وغاياتها، تمثل نوعا من التواصل الحميمي بين أفراد الأسرة أولا، وتعتبر جسور امتداد للتواصل الإنساني بين الأجيال؛ لكونها جزءا من تاريخ المجتمع وثقافته الشعبية، وحقيقة لم تعد الحكايات في عصرنا الراهن متداولة بشكل واسع، فقد تراجعت وانحسر دورها عما كانت عليه سابقا، فقد حل محلها التلفاز والإنترنت والصحف والمجلات، التي فرضتها طبيعة الحياة العصرية المتطورة، إلا أنه لا يزال قلة من الناس، يتداولون هذه الحكايات ويجدون المتعة والتسلية في روايتها وسماعها.
* في تصريح لك، حول الفئة المستهدفة من كتاب "حكايات شعبية من ظفار .. حكايات جدتي" أشرت إلى أن الكتاب موجه للكبار والصغار، مع أن من يقرأ العنوان ، فيرى "حكايات جدتي" يتبادر إلى ذهنه، أن الحكايات موجهة للصغار فقط ؟
** عادة تروي الجدات الحكايات، وتتضمن هذه الحكايات في سياقها العام، خلاصة تجربة حياة ونتاج خبرة إنسانية، وما تحمله من مغزى ديني وأخلاقي وفضائل نبيلة، واستخلاص العبر والحكم، ولا شك في أن الحكايات تعد من الوسائل المعينة على التسلية والمتعة والترويح عن النفس، ما يجعلها تصلح للكبار والصغار، والإنسان في فترات الطفولة يميل إلى كل ما هو مبهج وسار، وبيئته تشكل الأساس الذي انطلق منه، وعندما يكبر يجد المتعة والفضول ويشده الحنين لاستحضار الماضي الجميل، فسماع الحكايات يلبي لدى القارئ شوقا يعيده إلى استلهام بدايات جذوره وتاريخه الأصيل وحضارته المتأصلة في أعماق التاريخ.
* مقدمة كتابك تشير إلى مصدر جمع وتدوين الحكايات، وهم الرواة والمعمرون، فهل كانوا مصدرك الوحيد، الذي اعتمدت عليه في جمع الحكايات، أم أن هناك مصادر أخرى؟
** في الحقيقة أخذت من كبار السن، الأساس والهيكل العام للحكايات، والفكرة الرئيسة التي تعتبر المحور الذي ترتكز عليه الحكاية، وتدور حولها الأحداث، وقمت بصياغتها بأسلوبي الخاص، بسردها بلغة مبسطة وأسلوب سهل مع تسلسل منطقي للأحداث يتناسب مع مضامينها، وتحويلها من حكايات شفاهية إلى حكايات أدبية مكتوبة وموثقة، ومن الواضح أن كتابة الحكاية الشعبية بشكل عام، يعتبر عملا أدبيا يعتمد على مدى مهارة الكاتب وإبداعه في صياغة الحكاية.
* في فقرة أخرى من مقدمة كتابك، ذكرت أن هذه الحكايات، جزء يسير من مخزون تراثي زاخر، وتركة غنية بالكنوز واللآلئ، علينا أن ننهل منها ما استطعنا؛ لإبراز هذا الجانب العريق، من موروثات أجدادنا وأهلنا، وقد أكدت على ضرورة تسجيل حكاياتنا الشعبية، قبل أن تنسى وتندثر، فيضيع بضياعها تراث لا يمكن تعويضه. فهل لديك بعض التصورات، عن الكيفية التي نسجل بها هذه الحكايات؛ لتقديمها للأجيال القادمة ؟
** يعتبر موروثنا الشعبي العماني، كنزا غنيا بكافة أشكاله المتعددة، والشعب العماني عريق وله حضارات قديمة، تمتد جذورها في عمق التاريخ، وله خبراته وتجاربه ونتاجاته الفكرية والثقافية، وقد تزامن بزوغ فجر النهضة المباركة، مع الحفاظ على الموروث العماني، ولا ريب أن التراث بكل فروعه وجوانبه، يشكل أرضا خصبة، لكل باحث يريد النهل من هذا المنبع الصافي، والمعين الذي لا ينضب، وتدوين التراث الشعبي بكل صوره وتعدد عناصره، يعتبر ضرورة وطنية وقومية لصيانة هويتنا الثقافية وإبراز طابعها القومي والإنساني، وهذا الإحساس الذي أملاه علي واجبي الوطني وحبي واعتزازي بهذه الأرض الطيبة، هو ما دفعني للكتابة في هذا الاتجاه، وما حفزني أكثر للمواصلة في هذا المجال، حيث إنني بصدد كتابة الجزء الثاني من "حكايات جدتي"، ومن تجربتي في كيفية جمع وتسجيل الحكايات، فكانت إما بالتسجيل الصوتي لراوي الحكاية، أو المقابلة الشخصية مع الراوي، وسماع الحكاية شفاهيا بالاعتماد على الحفظ في الذاكرة، ومن ثم تسجيلها وتوثيقها، وهذا يتطلب من الباحث بذل الجهد والتحلي بالصبر، ومزيد من التواصل الاجتماعي.
* أعدت صياغة الحكايات، التي سمعتيها من الرواة، باللغة العربية الفصحى، من غير إجراء تعديل في بنائها وتركيبها العام، حفاظا على سماتها وهويتها الأصلية، ألا ترين أن هذه الحكايات، كانت تحتاج إلى مزيد من الجهد والوقت؛ لتقديمها إلى شريحة محددة من الصغار، وفئة أقل من المستهدفة في الكتاب ؟
** برأيي أن كل ما يقدم للصغار من أجناس أدبية، يحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد؛ حتى يقدم في نسق تربوي هادف، مستلهما من قيم الإسلام ومبادئه وعقيدته، وهذا ما جعلني أنتقي هذه الحكايات بعناية، وأعطيها حقها في الاهتمام والجهد، وصياغتها بأسلوب سهل وألفاظ مبسطة، بما يتوافق مع عقليات الصغار، بالإضافة لما تضمنته من رسوم تعبيرية ملونة، وقد راعيت احتواءها على أهداف تربوية وأخلاقية وقيم عربية نبيلة، بما تضمنته في سياقها العام، من صفات حميدة مثل الصدق والأمانة والصبر والكرم والشجاعة والتسامح، مستمدة من ديننا الإسلامي الحنيف وعاداتنا وتقاليدنا العربية الأصيلة، والقارئ يستشف المغزى منثورا بين ثنايا السرد، وقد كانت ردود الفعل مشجعة، وتلقيت من الأمهات انطباعات طيبة عن الكتاب، ومما لا شك فيه أن الصغير في عصرنا الحاضر، عصر النهضة التكنولوجية والكمبيوتر، قد أصبح على درجة كبيرة من الوعي الثقافي والاستيعاب عما كان عليه سابقا، ويمكن القول إن كثيرا من كتاب قصص الأطفال، استلهموا أفكارهم من الحكايات الشعبية، ولاقت القبول عند الأطفال.
* ألا تتفقين معي، في أن حكاية "شبير والبئر المسكون" كانت تحتاج إلى مساحة أقل، بصفتها الحكاية الأولى في كتابك، وقراءتها لفترة طويلة، تعطي انطباعا، بأن باقي حكايات الكتاب، تحمل نفس الطابع ؟
** طول الحكاية أو قصرها يعتمد على الفكرة والوقائع والأحداث وإبرازها بالسرد حسبما تقتضيه المواقف، ضمن مجريات وسياق الحكاية، وكما تختلف الحكايات في تنوع مواضيعها وغاياتها، فهناك أيضا حكايات طويلة وأخرى قصيرة، فكل حكاية تخضع لمعايير تحدد سير الحبكة السردية، حسب تطلب سياق الأحداث، من تفاصيل قد تطول أو تقصر، وهذا التنوع يضيف للحكايات مزيدا من الجذب والتشويق.
* "سلمى بنت الأمير" حكاية خيالية من الألف إلى الياء، فهل الخيال يجرنا - بقناعة بعض الكتاب - إلى اللجوء إلى أحداث غير مبررة على الإطلاق. وهل أنت مع الكتابات التي تتسم بالخيال المطلق غير المبرر، أم أن الواجب على الكاتب، أن يبرر تصرفات الأشخاص في حكاياه ؟
** الخيال يعبر عن مدى اتساع مدارك خيال البشر وإبداعاته؛ لتعطي الحكاية مزيدا من التشويق والإثارة والسحر والجمال، وتوظيف الخيال في الحكاية، يعد متنفسا للإنسان المكبوت، الذي يعاني من القهر والظلم ويصور الصراع القائم بين الخير والشر، ويعبر عن حلم الإنسان وتطلعاته، ورغبته الشديدة في انتصار الخير وتحقيق العدل، وعودة الحقوق لأصحابها، والتغلب على المشاكل والصعوبات التي تواجهه، فيلجأ إلى الخيال الواسع الخلاق، في سياق فني يمتزج فيه الخيال بالواقع، بحدوث الخوارق والمعجزات، فتحصل النهاية السعيدة ويتحقق الحلم، ولا بأس من اللجوء إلى الخيال، إذا كان يضيف للحكاية مغزى مفيدا، وباعتقادي أن حكايات الخيال، تحث العقول على التفكير، وابتكار الأساليب في كيفية حل المشاكل والمسائل الشائكة، وتوسع المدارك والآفاق.
* في حكاية "الثعلب الماكر" لم يتخف الثعلب كعادته؛ للتحايل على ضحاياه، فلماذا ، ولم أسميتيه طوال الحكاية بـ(إبن الحصين) مع أنك عنونت الحكاية باسم "الثعلب الماكر" ؟
** وظف الأدباء على مر العصور الحيوان في قصصهم وحكاياتهم وشخصوها بصفات الحركة والتكلم حيث يتكلم بلسانهم، وقد كان للثعلب النصيب الأكبر الذي نسجت حوله الحكايات، لشهرته بأساليب المراوغة والخداع والتحايل على ضحاياه بذكاء خبيث، وأحيانا تكون حيلته للحصول على بغيته أشد مكرا من العقل البشري، وتتضمن هذه الحكايات درسا ينتهي بمغزى أخلاقي أو تعليمي، واسم إبن الحصين هو الكنية التي تطلق عليه في تراثنا المحلي، والأمر الذي دعاني لعنونة الحكاية بـ"الثعلب الماكر" هو للتوضيح للقارئ العربي، الذي قد لا يفهم من عنوان الحكاية، ماذا يعني إبن الحصين، والعنوان هو واجهة الحكاية وفاتحتها الذي يعطي انطباعاً أوليا عنها منذ الوهلة الأولى.
* في حكاية "الخاتم المسحور" تتحدثين عن حكاية من الخيال، بها أمراء وأميرات، ثم تذكرين رقصات الهبوت والبرعة والمدار، وأنواع الأطعمة مثل القبولي، المقدمة في الأعراس. فهل كانت هذه الرقصات وأنواع الطعام، موجودة في هذه الأزمنة ؟
** ما دعاني إلى توظيف هذه الرقصات وأنواع الطعام ضمن الحكايات، هو ارتباطها الوثيق بالشعب العماني، الذي توارثها عن الأهل والأجداد، فهو لا يزال متمسكا بها ومحافظا عليها؛ باعتبارها جوانب مهمة من الإرث العماني، وهي موجودة منذ أزمنة بعيدة، ولا تزال تحمل نفس المسميات والخصائص التي اشتهرت بها، وقد تكون طرأ عليها شيء من التطور، متواكبة مع التقدم والرقي في عصر النهضة المباركة، والتي انعكست على جميع نواحي الحياة في البلاد، وقد كان إصداري الأول كتاب "الأكلات الشعبية العمانية من ظفار" والهدف من هذا الكتاب، هو حفظ وتوثيق أكلاتنا الشعبية العمانية.
* أين ملامح المكان بشكل أشمل وأوسع في "حكايات جدتي" ؟
** يشكل المكان أحد العناصر المكونة للحكاية وللمكان دلالات متنوعة في "حكايات جدتي" التي تتعدد فيها الأمكنة، وتنتقل فيها الشخصيات من فضاء إلى آخر، وقد تنوعت الصفات الجغرافية للأمكنة، المرتبطة بالبيئة المحلية التي دارت فيها الحكايات، وتنقلت فيها شخصياتها ما بين الجبال والأودية والصحاري وبين الساحل والبحر، وقد ساعدت الرسومات على تجسيد وإبراز وتحديد ملامح الأمكنة في الحكايات، وأعطت صورة واضحة عن البيئة التي تعيش فيها شخصيات الحكايات.
* لماذا لا تكون هناك طبعة لكتاب "حكايات شعبية من ظفار .. حكايات جدتي" باللهجة المحلية الظفارية الدارجة، تتواصل من خلالها الأجيال ؟
** الكتابة باللهجة المحلية، قد تحصرالكتاب في نطاق ضيق ضمن الحدود المحلية، فكان اختياري لكتابة الحكايات باللغة العربية الفصحى، دون أن تفقد خاصيتها الحكائية؛ حتى يحقق الكتاب الانتشار خارج المنطقة والحدود المحلية، وللتعريف بهذا الجانب من تراثنا، وهذا ما وفرته العربية الفصحى للكتاب؛ فقد تم عرض كتاب "حكايات جدتي" عن طريق مؤسسة الانتشار العربي في معارض الكتاب في بعض دول الخليج والدول العربية ولاقى القبول، وقد حصلت على بعض آراء الكتاب، فمثلا أفردت الكاتبة والباحثة اللبنانية هدى طالب سراج مقالا عن الكتاب في جريدة المستقبل اللبنانية، أشادت فيه بالحكايات الشعبية، ويمكن الاطلاع عليه من خلال موقعهم على الإنترنت، ولا أقصد تفضيل الفصحى على العامية، أو التقليل من شأنها ومكانتها، ولكن اللغة الفصحى لغة خصبة ومفرداتها ثرية، وتبقى هي القادرة على استيعاب كل أنواع الفنون والأدب.
* حكاية "بنت النجار" تتسم بالسلاسة في الحكي، والإقناع وزمن الأحداث، لماذا لم تحذ حذو هذه القصة في كل الحكايات، حتى وإن تطلب السرد مدة أطول ؟
** لكل حكاية طابعها الخاص وأجواؤها ونكهتها وشخصياتها وفكرتها التي تنفرد بها، وهذا الاختلاف جعل الحكايات تتباين في مستوياتها، فكريا وفنيا من خلال الأسلوب الحكائي الذي يتبع في سير الحبكة السردية، وقد تكون لحكاية بنت النجار طابع ونكهة خاصة، كونها تضمنت بعض الجمل التقليدية الحوارية بين أبطالها، وهذا ما جعلها تتطلب إسهابا في السرد، أما الحكايات القصيرة نوعا ما، فلا أرى داعي لهذا الإسهاب، الذي لا يضيف للمعنى جديدا؛ حتى لا يمل القارئ من التمادي في السرد غير المبرر.
* دائما ما يحمل إلينا التراث حكايات خارقة للعادة، بالإضافة إلى أن بعض ما يحمله لنا يستفيد منه القارئ، فما بالنا بحكاية (شاق وشرمباق) تحمل بين تفاصيلها مساحة كبيرة من السذاجة والجهل. ألا تخافي على القارئ، وخصوصا الذي لم يصل إلى مرحلة النضج الكامل أن يقلدهما ؟
** حكاية "شاق وشرمباق" تحمل طابع روح الفكاهة وتدفع القارئ إلى الابتسام والسخرية والضحك والدعابة، وتدور الحكاية حول الحياة اليومية البسيطة للبطلين، وما احتوته من سلوك سلبي من غفلة وسذاجة وجهل، من خلال التعامل مع المواقف التي يتعرضان لها، وإلى جانب بعد الحكاية الترويحي والترفيهي والفكاهي، حملت أيضا الجانب السلبي من جهل وسذاجة بقصد التنبيه والنقد لهذه الأفعال، التي تجلب الضرر وهذا ما يتضح للقارئ من الغاية والفكرة عند اكتمال الحكاية.
* "الأمير والبنت الذكية" وجبة خفيفة على القلب والعقل، ألا يجدر تقديمها في أول المجموعة ؟
** حقيقة أن كل الحكايات تحمل في نفسي نفس المكانة، وتعاملت معها بنفس الجهد والاهتمام ونفس الإحساس بكل أبعادها وتفاصيلها وعناصرها الرئيسة، ولكن بعد أن تم انتشار الكتاب، كان لبعض الحكايات ومنها "الأمير والبنت الذكية" قبول أكثر لدى القارئ، وهذا يعود حسب ذائقة القارئ ووجهة نظره، ولو أعيد لي الاختيار، لوضعتها أول المجموعة في الكتاب، بعد تعرفي على رأي القارئ وفق تصوره وانطباعه.
* "الحطاب الفقير .. أم الخير .. الأذكياء .. الحمار الكسول .. الأعمى الكذاب .. الشاب الشجاع .. اليتيمة" حكايات خفيفة، اختتمت بها حكايات كتابك "حكايات شعبية من ظفار .. حكايات جدتي" ، ألا تلاحظين أن بها تشابها مع حكايات تداولت في الأقطار المختلفة، أم أن تضمينها الطابع المحلي، صبغها بصبغة خصوصية المكان، وهل تشابه بعض القصص في أكثر من قطر، دليل على التقارب بين هذه الأقطار في الظروف الاجتماعية والاقتصادية ؟
** من الملاحظ تشابه الكثير من الحكايات الشعبية العمانية مع حكايات الشعوب والأقطار المختلفة، على الرغم مما يكون بينهما من تباعد في اللغة والمكان، حيث أوجه التشابه في التعبير عن القضايا والهموم الإنسانية المشتركة، ويبقى لكل شعب حكاياته التي تحمل طابع ولهجة وملامح بيئتها المحلية، وقد يفسر هذا التشابه إلى العلاقات بين الأقطار المختلفة وتبادلها الثقافي والتجاري، وهذا ما يؤكد تشابه الظروف الاجتماعية والاقتصادية، ووحدة الشعوب العربية عبر اللغة والدين والتاريخ والمصير.
* الكاتبة خديجة الذهب، بصدد إصدار كتاب جديد عن (الألعاب الشعبية العمانية في ظفار) هلا حدثتينا عن هذا الإصدار ؟
** بالنسبة لإصداري الجديد عن الألعاب الشعبية الذي يعد الإصدار الثالث، جاهز للطبع منذ فترة وآمل أن يرى النور قريبا بإذن الله، هذا الكتاب هو تدوين وتوثيق للألعاب الشعبية التقليدية وتوجيه النظر لإحيائها بهدف استمرارها والمحافظة على هويتها، والكتاب يحتوي على 38 لعبة شعبية، وقد حاولت رصد هذه الألعاب بناء على مسمياتها العامية والمحلية، مع وصف كل لعبة بشيء من الإسهاب والتفصيل، مدعومة بالرسوم التوضيحية التي قامت برسمها إحدى الفنانات، وقد قمت بتقسيم الألعاب حسب نمط الجنس والعمر إلى عدة أقسام كالتالي، ألعاب الأولاد الذكور - ألعاب البنات - ألعاب الأطفال - ألعاب جماعية مشتركة يلعبها الذكور والإناث في المراحل المبكرة من العمر، أو الكبار أفراد العائلة الواحدة. والحمد لله أعتز بإنجاز هذه الكتب القليلة المتواضعة؛ لأنها أعطتني شعورا بأني قدمتُ لوطني ولو القليل وأعتبرها مساهمة بسيطة مني في رد الجميل لهذا الوطن الغالي علينا جميعا.

أعلى





جذور غناء العوادين العُمانيين وتطوره

معظم نشاط العوادين العُمانيين كان في الخمسينات والستينات بمساعدة عوادين من البحرين والكويت

دور العوادين العُمانيين الأوائل مثل حمد حليس وسالم الصوري وقبلهم شهاب أحمد لا يزال بحاجة إلى الكثير من الدراسة

الفنانون العُمانيون والخليجيون أضافوا لغة فنية أخرى للغناء الذي تأثروا به أو أخذوه عن حضرموت واليمن

لعب العوادون العُمانيون الرواد دورا مهما في الحياة الموسيقية بالمنطقة خلال القرنين الماضيين غير أن ذلك الدور ظل متواريا بسبب تأخر نشأة البحث الموسيقي لدينا

التمهيد
عن الابشيهي في الباب الثامن والستين من كتابه المستطرف في كل فن مستظرف: قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) (سورة فاطر آية1) هو الصوت الحسن. وفي تفسير آخر أي: يزيد بعض مخلوقاته على بعض، في صفة خلقها، وفي القوة، وفي الحسن، وفي زيادة الأعضاء المعهودة، وفي حسن الأصوات، ولذة النغمات. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه لما أعجبه حسن صوته: "لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود".. وقال سلام الحادي للمنصور وكان يُضرب المثل بحدائه: مُرْ يا أمير المؤمنين بأن يظمئوا إبلاً، ثم يوردوها الماء فإني آخذ في الحداء فترتفع رؤوسها وتترك الشرب. وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق فيصفو له الدم، وتنمو له النفس ويرتاح له القلب وتهتز له الجوارح وتخف له الحركات ولهذا كرهوا للطفل أن ينام على إثر البكاء.. وزعم الفلاسفة أن النغم فضل بقي من النطق لم يقدر اللسان على استخراجه.
لقد ظل الغناء ميدانا يتنازع الغلبة على أرضه فريقان رئيسيان واحد مستحسن له وآخر كاره، ومن الملاحظ أن ازدهار الفنون عامة ـ الموسيقية وغير الموسيقية ـ وتطور علومها النظرية وأساليبها التطبيقية مقترن بتوفر الظروف الاجتماعية والسياسية المحبة للعلم والمعرفة.
إن الاستماع أو ممارسة الغناء ربما يحسنان أداء الأوتار الصوتية وقدرة الحناجر على إخراج الألفاظ بقوة وصفاء. وفي بعض المجتمعات يمكن ملاحظة بعض الفروق الحاصلة في هذا الشأن؛ فهناك من تصطدم النبرات الصوتية الكلامية عنده بأسنانه أو بأي عضو آخر من أعضاء فمه يؤثر على نوعيتها ودرجة وضوحها كما يجب.. وهذه مسألة تحتاج في اعتقادي إلى مزيد من المتابعة، والاستعانة بالمتخصصين في مجال اللغة.
تشهد بلادنا نهضة كبيرة في شتى المجالات العلمية والثقافية، وانفتاحا هائلا على مختلف التجارب الإنسانية التي لبعضها حظ أوفر من التقدم والتطور وخاصة في الفنون الموسيقية مما يمكنها من التأثير العميق وتوجيه خياراتنا الثقافية واللغوية والسلوكية.
لقد تعرض الفن الموسيقي في منطقة الجنوب العربي وعُمان بشكل خاص للكثير من التهميش على مر التاريخ، فلم تكن الفنون الغنائية تستوجب عناء التوثيق لأسباب عديدة، واليوم يلمس الجميع هذا التقصير الذي حصل بسبب اكتشاف أهميتها في صياغة الهويات الثقافية والدلالة على المكانة الحضارية للمجتمع، فتُبذل جهود حثيثة في هذا الشأن ليس على مستوى الممارسة فحسب بل على مستوى التوثيق كذلك.
منذ سنوات راجت في المنطقة العديد من الكتابات في الشأن الموسيقي نعتقد أن الكثير من أحكامها التي أصبحت تتداول في المجالات الإعلامية والتعليمية والثقافية عامة كحقائق بشأن جذور العديد من الفنون الموسيقية مبنية على اراء غير دقيقة وخاصة ما يعرف اليوم بالصوت الخليجي، لدرجة أن أي طرح الآن يعارض هذا الواقع قد يفهم على أنه هجوم متعمد ومحاولة انتقاص من الدور.. الخ. ويعود في اعتقادنا سبب ذلك إلى أن جميع الأصوات الغنائية التي سجلها مركز الفنون الشعبية الكويتية الذي تأسس حوالي سنة 1948 بصوت مطربين كويتيين تم اعتبارها أصوات (الحان) كويتية دون أن يجرى حول أصولها بحوث متأنية في ذلك الوقت أو فيما بعد من الدارسين الأكاديميين، فجرى التنافس على ملكيتها بين الكويتيين والبحرينيين ولا يزال هذا محتدما حتى اليوم رغم أن العديد منها لا يحتاج لشيء من هذا الجهد بسبب إفصاحه عن أصوله العربية الجنوبية.
وقد اختلط الأمر في هذا الشأن على بعض الباحثين عندما تحدث عن مرجعية تاريخية لجذور الصوت الخليجي تعود للعصر العباسي! (راجع مثلا، كتاب الأغاني الكويتية للدوخي) بحيث تم الخلط بين دلالة مصطلح "الصوت" الشائع في التراث التاريخي والأدبي العربي (مثل كتاب الأغاني للأصفهاني وغيره) وبين الصوت الخليجي بمعناه المعاصر بعد أن تطور المصطلح دلالة ومدلولا للتعبير عن نمط موسيقي، الأمر الذي يوضّح مدى عمق إشكالية التعاطي وفهم التراث المحلي وطبيعة منهجيات دراسته، وهذه قضية نشهدها مترسخة حتى اليوم في العديد من الدراسات التي إما تتعصب له وتمجده وتضعه في مرتبة يقترب من القداسة أو تزدريه وتنعته بالتخلف. (ملاحظة: وهكذا فإن وسط هذا الصراع يتم إفساح المجال لمؤثرات خارجية هي في الغالب أكثر تنظيما ومنهجية رغم ما قد تحمله من إشكالات وتعقيدات لها أبعاد كثيرة منها ما يتصل باللغة الموسيقية وغير الموسيقية تؤثر على تطور الموسيقى المحلية وحاجة المجتمع إليها، التي يجب عليها بناء على هذا التوجهات أن تتراجع مكانتها في المشروع الثقافي التنموي المستحدث، والاكتفاء بلعب دور شكلي يجد مكانه في القرى والمهرجانات السياحية).
فالصوت (وجمعه أصوات) كما في كتاب الأغاني أو في معجم التراث الموسيقي العُماني الشفهي على حدٍ سواء معناه: أغنية، وهو يشمل اللحن والنص والإيقاع بل وحتى الأداء الحركي لذلك كتب الأصفهاني في مقدمة كتابه يقول: هذا كتاب ألفه علي بن الحسين بن محمد القرشي الكاتب المعروف بالأصفهاني وجمع فيه ما حضره وأمكنه جمعه من الأغاني العربية قديمها وحديثها ونَسَب كلَّ ما ذكره منها إلى قائل شعره وصانع لحنه وطريقة إيقاعه من لحنه وأصبعه التي ينسب إليها من طريقته... فصدر كتابه هذا وبدأ فيه بذكر المائة الصوت المختارة لأمير المؤمنين هارون الرشيد وهي التي كان أمَرَ إبراهيم الموصلي، وإسماعيل بن جامع وفليح بن العوراء باختيارها من الغناء كله..."، والجدير بالملاحظة هنا الجُمل الواردة في النص المقتبس وهي: ".. من الأغاني العربية قديمها وحديثها.." أو "باختيارها من الغناء كله"، ليس فيهما أي دليل على وجود نمط موسيقي يسمى الصوت كما أشيع حديثا. ومن المعروف أن الأصوات في شتى فنون الغناء يتم تناقلها بين المطربين من اليمن وحضرموت وعُمان والخليج وحتى الحجاز عبر موانئ المنطقة وصولا إلى الهند وشرق أفريقيا، فكل يحفظ عن الآخر، ويحذف أو يعدّل في النصوص الأصلية ويحتفظ بالألحان التي لم تكن بالغزارة كما هو الحال بالنسبة للنصوص، فيقوم بتسجيلها بصوته وباسمه ـ بعد أن ظهرت هذه الوسيلة ـ دون أن يعني هذا أنه مبتكر لها كما فُهِم كذلك فيما بعد، فتم بخس حق السابقين لصالح اللاحقين" لأن الناس قد يتنازعون الصوت في كل حين وزمان، وإن كان السَّبْقُ للقدماء.." كما يقول الأصفهاني على لسان احد رواته (ملاحظة: كانت مهمة ذلك المركز جمع التراث الشعبي (التقليدي) الكويتي غناء وشعرا ورقصا، ومن أعضائه كان حمد الرقيب (موسيقي ومغنٍ)، أحمد البشير الرومي (مؤرخ وأديب)، أحمد العدواني (شاعر) وسعود الراشد (مغنٍ)).
شرعت منذ فترة في دراسة عدّة محاور موسيقية عُمانية، نشرت بعضها، والآخر في طور الإعداد، ومنها هذا المحور: جذور غناء العوادين العُمانيين وتطوره؛ ونقصد بالعوادين المطربين الذين استعملوا القبّوس والعود كآلتين وتريتين أساسيتين في المرافقة الموسيقية سواء كان منهم العازف أو غير العازف، وهو نشاط استطاع بلورة نوع من الغناء له سماته وخصائصه الفنية ظهر مرتبطا تجاريا وفنيا مع مثيله من الغناء في جنوب الجزيرة العربية والخليج.
ولأن هذا البحث لا يزال في أوله، وتم إعداده لندوة "الفنون المغناة في سلطنة عُمان وشبة الجزيرة العربية"، إلا أن جمع مادته بدأتها منذ حوالي أكثر من سنة، غير أن الذي أخرجه للنور هذه الدعوة الكريمة التي تلقيتها من مركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس للمشاركة بمداخلة في هذا الندوة. وفي الواقع لم أتمكن خلال فترة إعداد هذه الورقة القصيرة من دراسة جميع البيانات التي جمعتها في هذا المجال علاوة على أن أكثرها لا يزال بحاجة إلى متابعة وكشف بعض الغموض فيها خاصة من ناحية صعوبة تحديد نوع وحجم نشاط العوادين الموسيقية داخل البلاد في تلك الظروف ومتابعتها خلال الفترة الزمنية لهذا البحث التي تبدأ من مطلع القرن الماضي حتى وقتنا الحاضر.
ويرجع سبب اختيار هذا التحديد الزمني إلى أن التسجيلات الموسيقية بالمنطقة (الجزيرة العربية) بدأت حسب علمي في هذه الفترة تقريبا وهي التجربة التي كان من روادها في الخليج واليمن على سبيل المثال لا الحصر: محمد بن فارس (ت. 1947)، فضل محمد اللحجي (ت. 1967)، وعبد الله فضالة (ت. 1967) وعبداللطيف الكويتي (ت. 1975) وغيرهم. كما أنها الفترة التي تزايدت أهميتها كمنطقة جذب للعُمانيين بصفة خاصة بعد اكتشاف النفط فيها وتصديره، وما ترتب عن هذا النشاط الاقتصادي من حركة تنموية كبيرة نعيش اليوم مرحلة من مراحلها المهمة.
ان ظهور نشاط العوادين العُمانيين كان بفضل حماسة الفنان سالم بن راشد الصوري (ت. 1979) وفي حوار له مسجل بالإذاعة العُمانية قال: انه تعلم العزف على يد الفنان الصوري حمد حليس (ت. 1986)، وكان متأثرا بالفنان عبد اللطيف الكويتي كما يذكر.
تنقّل سالم الصوري كثيرا في موانئ جنوب الجزيرة العربية والخليج ومنطقة المحيط الهندي، وكان أول تسجيل له بالهند صوتين هما: يقول أخو علوي، واخر سالك بـ طه ثم نون. لم يكن حينها الصوري عازفا على أي آلة وترية كما لا يفصح عن نوع الآلة التي رافقته حينها، ولكنه يذكر في موقع آخر أن العود القديم كان صغير الحجم ويصنع من قطعة خشبية واحدة.

تنوع الجذور

الذي استطعت معرفة شيء من سيرته الشخصية وأخباره الفنية من المغنين العُمانيين الرواد لاحظت أن نشأته الفنية كانت في البداية من خلال ممارسة أنماط متنوعة من الموسيقى التقليدية العُمانية قبل أن يشتغل بالبحر وينتقل في السفن التجارية بين موانئ المنطقة، ثم يستقر في البحرين أو الكويت منذ حوالي نهاية الأربعينات، وبلغ ذروة نشاط هؤلاء في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي حيث نشروا أهم أعمالهم الغنائية انطلاقا من البحرين والكويت ثم قطر ودبي، وعاد معظمهم إلى البلاد في السبعينات.
وضع هؤلاء الرواد أسس الشكل والطابع الفني لأغنية العود العُمانية التي واجهت منذ الثمانينات تحديات فنية وإعلامية وتجارية عديدة، أربكت تطور هذه التجربة. ورغم أن بعض المؤسسات الحكومية أسست فرقا موسيقية لهذا النوع من الموسيقى في السبعينات والثمانينات إلا أنها لم تستمر طويلا، ذلك أن تأسيسها لم يكن في اعتقادي لأغراض تنموية أو لحاجات ثقافية وفنية أو علمية، ولكن من الملاحظ أنه في الوقت الذي تراجعت فيه أغنية العود العُمانية التقليدية إعلاميا وثقافيا وتجاريا منذ حوالي التسعينات، إلا أن هذا لم يحد من ظهور جيل جديد مجتهد من العوادين يتمتع بمهارات جيدة في العزف والغناء والتلحين، منفتح بشكل خاص على المحيط الخليجي، والموسيقى المصرية التي لا تزال تمثل النموذج الأعلى للموسيقى العربية عامة من حيث أساليب الصياغة الفنية في التلحين والعزف والغناء وجودة الإنتاج، فكل فنان عُماني أو من الجزيرة العربية يجتهد كثيرا حتى يتمكن من إنتاج عمله الفني في القاهرة؛ فالموزعون والعازفون المصريون هم أكفأ الفنانين العرب الذين تعاملوا مع غناء الجزيرة العربية رغم بعض المآخذ الفنية التي تتصل في إهمال الفروق الكائنة في اللهجات الموسيقية ومقادير بعض الدرجات النغمية بين الموسيقتين بالجزيرة العربية ومصر؛ وهذا ربما كان بسبب تأثير النظرة الخاطئة والشائعة حول وحدة الموسيقى ليس العربية فحسب بل والعالم أيضا، الأمر الذي اضر بموسيقى المجتمعات الأقل حظا في العلوم الموسيقية. (ملاحظة: تعتبر الفرقة السلطانية الأولى والثانية تجربة استثتائية وتحتل أهمية كبيرة حيث تضم عددا كبيرا من الموسيقيين العُمانيين، ونظرا لأهميتها ومكانتها فهي تستحق دراسة خاصة. من هنا، وبالاقتداء بهذه التجربة المهمة كنموذج، نرى حاجة إلى تأسيس فرق موسيقية عُمانية أخرى مماثلة تجمع الفنانين العُمانيين من جميع الاجيال وتحافظ على تراث غناء العوادين من جهة وتضمن استمراره، ووضع خطط وبرامج تعليمية وثقافية، وإعلامية، واقتصادية، وترفيهية تتناسب مع الموسيقى العُمانية. وقد تناولت جانبا من هذه الإشكالات في مقالات سابقة تم نشرها في ملحق أشرعة الثقافي الذي تصدره صحيفة (الوطن) المحترمة).
وبشكل عام إذا ما نظرنا إلى تجربة العوادين نجدها تتضمن بعض التنوع في الخصائص الفنية تتصل في تقديري بمستوى تجربة الأفراد وعلاقاتها بالتراث المحلي من جهة أو بالمؤثرات الخارجية من جهة أخرى، وهي في هذه المرحلة محصورة بمنطقة الجزيرة العربية وتحديدا الخليج واليمن، ورغم أن بعض العوادين الرواد يروي أنه أدى بعض الأغاني المصرية إلا أنه في تقديري ليس لهذا تأثير يُذكر على أعماله الغنائية؛ فلم تظهر هذه التأثيرات المتمثلة باللزم والمقدمات والفواصل الموسيقية الآلية التي يختلف موضوعها اللحني عن الغناء إلا في الثمانينات عند الجيل الثاني من الرواد، وهذه مجالات لا تزال بحاجة إلى مزيد من الإضاءة.
نستطيع القول بأن معظم نشاط العوادين العُمانيين كان في الخمسينات والستينات بمساعدة عوادين من البحرين والكويت، وكان البحريني محمد بن راشد الرفاعي أبرز الفنانين الذي أخرج من "مدرسته" عددا من رموز الغناء العُمانيين مثل: حمدان الوطني الذي ظل الرفاعي يرافقه بالعزف على العود حتى عودة الوطني إلى عُمان في السبعينات، وكذلك الفنان محمد حبريش وربما أيضا موزة خميس وغيرهم. ومارس أغلبية العوادين العُمانيين العزف والغناء في تلك الفترة كشباب يتعلم من أساتذتهم البحرينيين والكويتيين وقد أكد لي هذا المعنى الفنان العُماني حمدان الوطني في حوار أجريته معه السنة الماضية. وبالمقارنة بما يتوفر لنا من تسجيلات سمعية فإن هذا التأثير يتضح ملامحه أكثر في أساليب أداء الصوت الخليجي، وهذا يرجع إلى أن العوادين الخليجيين (البحرين والكويت) كانوا أكثر نشاطا في هذا المجال وانفتاحا من الفنانين العُمانيين بسبب بعض الظروف السياسية والاقتصادية في ذلك الوقت؛ فاستطاع الخليجيون بلورة طابع فني خليجي للزربادي/ الشرح الذي أصبح من الأنماط الغنائية الشائعة في منطقة الجنوب العربي من حضرموت حتى مسقط، وظل يمارس على الطريقة الظفارية والحضرمية في قريات على سبيل المثال حتى وقت قريب، ومن أبرز الفرق المسقطية المتخصصة في أداء الشرح/ الزربادي هي فرقة شيخة بنت عبدالله القاسمي (ت.2000)، ولها عدد من التسجيلات في إذاعة سلطنة عُمان، ولا تزال أصوات عديدة من الشرح تؤدى من قِبل بعض الفرق النسائية في مناسبات الأعراس في مسقط والباطنة حتى اليوم. وفي هذا الشأن يجدر بنا التأكيد على أهمية دراسة تجربة الفنان الحضرمي الرائد سلطان بن الشيخ علي آل هرهرة اليافعي المتوفى في الهند حوالي 1901، وأثرها على نشأة غناء العوادين الرواد في الخليج وعُمان وانتشار هذا الغناء في المنطقة، وعلاقة ذلك بما سيعرف لاحقا بالصوت الخليجي ونشاط الحضارم بالهند وشرق آسيا في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث استوطنوا في مناطق بآسيا ونشروا ثقافتهم الفنية وآلاتهم الموسيقية وخاصة آلة القبّوس أو القنبوس الذي استخدم ايضا في موسيقى بلدان الشرق الآسيوي مثل ماليزيا واندونيسيا وتيمور الشرقية المتأثرة بالغناء الحضرمي، كما هو الحال في الخليج.
لقد كان لأهل عُمان والخليج نشاط بحري مهم، فجابت سفنهم منطقة المحيط الهندي، وكان من أبرز التقاليد الفنية التي تميزت بها رحلات السفن التجارية العُمانية والخليجية أنها لا تبحر دون وجود مصوت أو النهام على متنها، بل أن البحارة العُمانيين كانوا يشكلون فرقة موسيقية تؤدي أصوات وشلات مع كل نشاط يقومون به منذ انطلاقتهم من الموانئ العُمانية حتى وصولهم إلى مقاصدهم وعودتهم، وتلك الأصوات لها علاقة بالعمل أو الترفيه، ثم تطور الأمر إلى وجود مطرب على سفن الكويتيين بشكل خاص حسب الروايات، وأخذ أهل الخليج هذا التقليد الفني عنهم فيما بعد حسب اعتقادي، حيث نرى أن أغلبية العوادين نشأوا نهامين ثم مطربين بالسفينة وهي وظيفة يسميها الكويتيون بالمكبّس أو المقبّس أي عازف القنبوس، وهذه إشارة إلى التأثير الذي ذكرته آنفا بين الخليج وحضرموت، حيث كان لهؤلاء " المكبسين / المقبسين " أو العوادين بالغ الأثر في نشر الغناء الجنوبي العربي إلى الخليج وازدادت أهميتهم بعد ظهور التسجيلات الصوتية وتحول الخليج إلى منطقة استقطاب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واكتشاف وتصدير النفط.
إن دور العوادين العٌُمانيين الأوائل مثل حمد حليس وسالم الصوري وقبلهم شهاب أحمد وغيرهم لا يزال بحاجة إلى الكثير من الدراسة من نواحٍ كثيرة خاصة وإن هؤلاء الرواد بالذات شاركوا في صنع التوجهات الفنية التي نعرفها اليوم في المنطقة (عُمان والجزيرة العربية)، وكانوا منفتحين على التجارب الفنية بالمنطقة، وبصفة خاصة الخليجية الأقرب من حيث اللهجة الكلامية لبعض المناطق الشمالية، وهو ما نلاحظه في تقارب بعض أساليب الأداء الغنائي وطابعه؛ ويبدوا أن هذه علاقة قديمة تبادل الطرفين فيها التأثير، فيروي لي بعض من التقيتهم أثناء جمع بيانات هذا الموضوع أن الفنان البحريني محمد بن فارس كان عندما يأتي لمسقط يلتقي في مطرح بفنان اسمه شهاب بن أحمد وهو بلوشي من حارة الشمال وهذا الأخير يعتبره الرواة في مقام هؤلاء الرواد وهو من المجيدين في الصوت في ذلك الوقت كما يُعتقد، ومن المعروف أن محمد بن فارس الذي وصفه الباحث مبارك العماري بأشهر من غنى الصوت في الخليج في دراسة له كانت بهذا العنوان، لن يأتي إلى هذا الفنان لولا أهميته، ومكانته، ولكن ما قد يُفسّر في نظرنا سبب غموض نشاط العوادين العُمانيين داخل عُمان الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي كانت سائدة في تلك الفترة (منذ بداية القرن العشرين على الأقل) والتي لم تكن مشجعة للفنون الموسيقية بحيث تتيح الفرصة لبروز نشاط هؤلاء الفنانين الذين ظهر اغلبهم في الغربة بالهند واليمن والخليج. (ملاحظة: لا تزال المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية التي سادت عُمان ميادين هامة وأساسية تنتظر دراسة أثرها بشكل أوسع وأعمق على النشاط الموسيقي الداخلي، وتحديد أسباب تأخُّر العُمانيين وأهل الجنوب العربي عامة المزمن في الاهتمام بدورهم الثقافي والفني، رغم الأهمية الكبيرة والدور الخطير لفناني هذه المنطقة العربية الجنوبية في تشكيل الحياة الموسيقية في الجزيرة العربية قديما وحديثا. ولعصور طويلة ناء بعض الوجهاء من السياسيين والمتدينين بأنفسهم علانية عن ممارسة أو الاستماع إلى الغناء، فظل النشاط الموسيقي قرونا خارج إطار التنظيم بسبب سيطرتهم على المؤسسات الرسمية القائدة والموجهة للمجتمع وتأثيرهم عليها مما تسبب في عرقلة تطور صناعة الآلات الموسيقية وتنوعها من جهة، والفنون والموسيقى على وجه الخصوص من جهة أخرى، ومتابعتها ومراقبتها من جهة الانتشار أو الاضمحلال، والابتكار، والنشأة، والتجديد .. وغير ذلك من المسائل).
ولكن ما طبيعة البيئة الموسيقية التي انطلق منها هؤلاء الرواد؟ ومن هم؟ وما أبرز أعمالهم الغنائية وعلاقتها الفنية..؟
وكما أشرت فإن المناخ الثقافي والفني المحلي في بداية القرن الماضي كان متأثرا بالجمود الشديد والانغلاق الذي كان يخيم على البلاد في شتى المجالات حتى السبعينات، في ذات الوقت شهدت المناطق المجاورة لعُمان من الجهتين الجنوبية والشمالية نشاطا فنيا منفتحا ومتناميا، خاصة في أنواع الغناء المستخدم فيه بعض الآلات الوترية. والجدير بالملاحظة أن العلاقات الفنية بين عُمان والخليج هي اليوم أقوى اجتماعيا وإعلاميا وتجاريا من تلك التي مع حضرموت واليمن المجاور في الوقت الذي صلات الخليجيين باليمن تتمتع بقوة تواصل عميقة أكثر من تلك التي مع عُمان؛ فالعُمانيين يأخذون من الخليج، وهؤلاء يأخذون من اليمن وحضرموت، لهذا، وبالإضافة إلى عوامل داخلية يبدو الفن الغنائي العُماني الحلقة الأضعف في المنطقة. من هنا، نرى أهمية تصحيح هذا الشكل من العلاقة غير المتوازنة وإعادة تفعيل الصلات الفنية المباشرة مع الجارة اليمن وحضرموت بشكل خاص الأمر الذي سيكون له الأثر الكبير على إحداث نهضة موسيقية عُمانية حقيقية في إطار ما تشهده بلادنا من إصلاحات ثقافية عميقة سيكون لها أثرها الإيجابي البعيد المدى إن شاء الله.
من المؤسف أنه ليس لدينا تسجيلات موسيقية (على الأقل من جانبي شخصيا) للفترة التي سبقت نشاط هؤلاء الفنانين الرواد خارج وطنهم عُمان تمكننا من مقاربة ذلك الواقع بشكل فني مرضي، وحتى التسجيل النادر الموجود في أرشيف المركز ويعود إلى 1904، أو بعض الحوارات المسجلة في أرشيف إذاعة سلطنة عُمان أو التدوينات الموسيقية التي قام بها بعض الانثروبولوجيين في المنطقة وخاصة ظفار غير كافية. ولكن بالاستناد إلى ما يتوفر عندنا من بيانات نرى أن جذور غناء العوادين تمتد داخليا في الأرض العُمانية وتقطف من ثمار العلاقة الفنية اليمنية والخليجية. ونعتقد أن ظهور العوادين العُمانيين الرواد ونشاطهم في الغربة لم يعزل هؤلاء عن جذورهم المحلية ويمكن ملاحظة هذه الخصائص الفنية اللحنية والإيقاعية وأساليب الأداء عند العوادين الجنوبيين (الظفاريين) والشماليين على حدٍ سواء.
ورغم أن الموقع الجغرافي لعُمان والعلاقات التاريخية والاجتماعية مع المحيط الطبيعي (الجزيرة العربية ومنطقة المحيط الهندي) قد أثْرَت الواقع الفني التقليدي بشكل كبير بحيث يمكننا الادعاء بأن هذا التثاقف قد أفرز خصوصية فنية لا تزال تحتاج إلى الكثير من الجهد العلمي لاكتشافها، إلا أنه من الملاحظ أن غناء أبرز العوادين العُمانيين كان محافظا على غناء يتسم بالطابع المحلي والعربي (اليمني والخليجي) من جهة النصوص الغنائية واللغة الموسيقية وتراكيبها اللحنية والإيقاعية، ونعتقد أن هذا يرجع إلى استعمال الآلات الوترية غير الشائعة في أنماط الغناء ذات المؤثرات الآسيوية التي تستخدم كثيرا آلات النفخ، أو الأفريقية التي يغلب عليها أنواع الآلات الإيقاعية وممارسة بعض الطقوس التي لها علاقة برواسب ثقافية عقائدية.
وفي مقاربة عامة، نضع هنا تصورا أوليا يحدد الخطوط العريضة لأبرز الملامح الفنية في الموسيقى التقليدية العُمانية وتوزيعها الجغرافي بالنظر إلى مؤشرات أساسية يمكن إرجاعها إلى بيئات مجاورة محلية (عربية) وأفريقية وآسيوية بحيث إن كل منطقة فنية لها خصائصها وسماتها المميزة كالآتي:
* المنطقة الساحلية، وهي تمتد من ظفار جنوبا حتى مسندم شمالا، وتنقسم إلى قسمين هما:
الأول، من مسقط (في الوسط) مرورا بالشريط الساحلي وصولا إلى ظفار جنوبا؛ وتبرز في هذا الجانب العناصر الفنية ذات السمات الأفريقية.
الثاني، ويمكن تحديده من مسقط حتى مسندم شمالا، وفي هذا القسم تبرز مؤثرات آسيوية مع تواجد لبعض العناصر الأفريقية بشكل كثيف في بعض مدنه الساحلية القريبة من مسقط مثل: المصنعة والسويق.
* المنطقة الداخلية (جبلية وسهلية وصحراوية) وهي منطقة غير منفصلة عن باقي أجزاء الجزيرة العربية، وتتصل بالمنطقة الساحلية بطبيعة الحال، ولكن هنا تبرز على أنماطها الموسيقية التقليدية العناصر الفنية المحلية المنشأ. وهذه المناطق الفنية متنوعة بسبب عوامل عديدة تاريخية واجتماعية وبيئية، كما أنها متعددة اللهجات واللغات العربية الجنوبية وخاصة في مناطق ظفار والوسطى التي لا يمكن إغفال أهميتها في إثراء وتأصيل الفنون الموسيقية التقليدية العُمانية.
وبشكل عام يمكننا حصر أهم الخصائص الثقافية والفنية في المنطقتين أعلاه في عدّة عناصر ربما أهمها:
أولا، اختلاف أنواع الآلات الموسيقية ودرجة استخدامها من عدمه، وأساليب العزف عليها ووظائفها الفنية والعقائدية، وتراكيبها الإيقاعية.
ثانيا، اللغة الموسيقية، وتتمثل في السلالم الموسيقية.
ثالثا، اللغات المحكية وتنوعها.
رابعا، درجة ممارسة بعض الطقوس الغيبية ومستوى الاعتقاد بها... وغيرها.

من آلة القبّوس إلى آلة العود

في الواقع ليس لدينا معرفة دقيقة عن الفترة الزمنية التي احتل فيها العود مكان القبّوس ـ هذا طبعا إذا سلمنا بأن هذا الأخير كان سابقا للأول في المنطقة ـ ولكن في كل الأحوال اعتقد أنها ليست فترة بعيدة وقد لا تتجاوز مطلع القرن العشرين، ذلك أننا من خلال بعض الحوارات الموثقة في إذاعة سلطنة عُمان مثلا يذكر الفنان سالم بن راشد الصوري أنه استعمل هذه الآلة الوترية قبل العود، كما إننا نجدها مستعملة حتى الخمسينات من القرن الماضي في اليمن والكويت، كآلة أساسية مرافقة. وفي بحث لي بعنوان: آلة العود في الجزيرة العربية.. دراسة تاريخية تناولت هذا الموضوع من المنظور التاريخي لآلة القبّوس أو القمبوس أو الطربي كما تسمى في اليمن، وقارنت صلتها التاريخية بآلة المزهر العربي الذي ورد ذكره كثيرا في أشعار العرب قبل الإسلام، وفي الحقيقة لا أجد اختلافات بين الآلتين، وإن اختلفت التسميات؛ فالقبّوس هو امتداد للمزهر كما أعتقد، ويمثل الآلة الوترية الرئيسية في جنوب الجزيرة العربية، قبل أن يحتل العود العراقي هذه المكانة.
وفي الحقيقة يرد اسم آلة العود للدلالة على القبّوس في الكثير من الكتابات المعنية بالشأن الموسيقي في المنطقة، كما يستعمل الموسيقيون التقليديون اسم القبّوس بمعنى آلة العود، بل وحتى أي آلة وترية شبيهة، وهذه واحدة من الإشكالات التي شوشت تحديد العلاقة التاريخية والفنية والوظيفية بينهما، فالتبس على البعض بحيث تجاهل وجود القبّوس.
من جهة أخرى لاحظت أن بعض الشعراء يستعملون اسم آلة المزهر كاستعارة مكنية عن القبّوس. ومثال على ذلك (لا الحصر) النص المشهور التالي وهو من التراث اليمني:
يا معلق بحبل الحب ان كنت ترتاح.. للغواني مثالي
لا تبالي بروحك في هوى الغيد إن راح.. أو تقول ذاك غالي
إن قلب المعنى طار من غير أجناح.. في هوى ظبي حالي
...حتى يقول:
وابتسامة تظنه كالبوارق إذا لاح.. والثنايا لآلي
وشذاه أن تنفس عطر أو مسك نفاح.. والقمر أن بدأ لي
ما سماع المزاهر لا ولا خمر الأقداح.. مثل نطقه حلالي
وفي التراث الموسيقي توجد أمثلة عديدة تدل على وجود ما لهذه الآلة، وابرز هذه الأمثلة صوت القبّوس في الشرح وهو الجزء الأسرع في أداء الشرح عند بيت توفيق في مدينة صلالة.

منزلة بين اليمن والخليج

حوالي 1945 سجل الفنان سالم بن راشد الصوري أولى اسطواناته بمدينة (كالكوتا الهندية) كما يقول مع شركة HIS MASTERS VOICE بآلات إيقاعية ووترية (القبّوس/ العود، والكمنجة)، وكانت ـ تلك الاسطوانات ـ تضم أصوات هي: يقول اخو علوي، وآخر ختم بعنوان: سالك بطه ثم نون، (كما ذكرت سابقا) وهما صوتان ليس من كلامه أو ألحانه، وحسب السائد لم يتم الإشارة إلى اسم الشاعر أو الملحن (كما هي العادة اليوم) ذلك أن اختيار الصوري تسجيل هذين الصوتين يدل على تأثره بهما وأهميتهما في ذلك الوقت بل وشهرتهما أيضا، حيث كان شائعا في منطقة جنوب الجزيرة العربية والخليج بشكل خاص أصوات عديدة من غناء: الشرح والتسميع والختم.. وغيرها، وفي اعتقادي كانت هذه الفنون تمثل ظاهرة فنية حديثة آنذاك نشأت في الجنوب العربي وانتشرت في كل المنطقة حيث أستعمل روادها الآلتين الوتريتين: القبوس والعود كعازفين لها بشكل خاص بالإضافة إلى الكمنجة التي لا تتوفر لدي معلومات كافية حتى الآن تساعد على تكوين صورة ما عن تاريخ وأسباب توظيف هذه الآلة، وكيف دخلت إلى موسيقى المنطقة، رغم اعتقادي أن هذا كان نتيجة للعلاقة بين عرب الجنوب والخليج بالهند (الطبيعية) التي نجد لها شواهد كثيرة ليس على مستوى الخصائص الفنية بل أن الهند كانت احد أهم مركز الهجرة العربية والتجارة، لدرجة أن العديد من الفنانين الرواد كانوا يجتهدون في أداء الغناء الهندي، فمات بعضهم قتيلا بسبب المعجبات الهنديات.. وفي تقديرنا لعبت مدن وموانئ الشريط الساحلي الممتد من البصرة والكويت شمالا حتى عدن جنوبا وشرق أفريقيا والهند الغربية دورا حيويا في تداول وانتشار أصوات متنوعة من هذه الفنون الغنائية وغيرها، أداها وتناقلها مطربون عملوا وتنقلوا عبر السفن التجارية التي كانت تجوب أغلب موانئ تلك المدن الساحلية.
إن المزيد من البحث الموسيقي والتاريخي في جذور الغناء الشائع اليوم في الجزيرة العربية وخاصة في منطقتي جنوب الجزيرة والخليج، ورواده في القرنين التاسع عشر والعشرين سوف يكشف عن طبيعة الظاهرة الغنائية في هذه المنطقة وجذورها الحقيقية التي لا تزال من مجاهل التاريخ الثقافي والفني لهذه المنطقة الممتدّة من عُمان حتى اليمن جنوبا والتي شهدت في عصور عديدة استقرارا اجتماعيا مكّن من نشؤ مدنية عربية قديمة من جهة، كما كانت من جهة أخرى منطقة طاردة أكثر من أنها جاذبة في فترات أخرى لأسباب مختلفة اقتصادية وسياسية، كان لها أثرها على الشأن الفني سلبا وإيجابا.
فصوت: يقول أخو علوي مثلا، نعتقد أنه من أصوات الفنان الحضرمي الرائد سلطان هرهرة الذي ضاع كثير من تراثه بالانتحال أو الاختفاء؛ كما أن الشرح هو بالأصل غناء حضرمي وظفاري، فسلطان هذا كان له أخ يسمى علوي وهو احد تلاميذه أيضا ليس هذا فحسب بل أن مثل هذا الأسلوب أتبعه الكثير من الفنانين والشعراء بمنطقة جنوب الجزيرة العربية وهي ـ حسب علمي ـ من ابتكاراتهم فهناك أسماء أصوات كثيرة كانت ستضيع هويتها لولا هذا الأسلوب الذي حفظ لنا العديد من الأسماء مثل يحيى عمر أبو معجب، وأبو عويض، وأبو سلامة .. وغيرهم . فصوت يقول أخو علوي هذا من الأمثلة العديدة التي تؤكد هذه العلاقة والتواصل الفني ودور جنوب الجزيرة العربية ومكانة فنانيه وشعرائه في صياغة الكثير من الأصوات (الألحان والأشعار) التي ظلت تتداول في فنون غنائية كثيرة منذ عشرات السنين وحتى اليوم وأداها فنانون من جميع الجزيرة العربية كل بلونه وطابعه الفني الفردي والجمعي، استطاع بلورة ما يعرف اليوم بالغناء الخليجي، بحيث استطيع الجزم أنه لا يوجد فنانا خليجيا واحدا لم يغني من الغناء الحضرمي واليمني، ولكن لا نجد مثل هذا لدى فناني اليمن عامة في الوقت الذي يعجب فيه اليمنيون كثيرا بالأداء الفني الرفيع للفنانين الخليجيين وخاصة الكويتيين والبحرينيين.
إن الفنانين العُمانيين، والخليجيين خاصة أضافوا لغة فنية أخرى للغناء الذي تأثروا به أو أخذوه عن حضرموت واليمن وهو الغناء الذي يعتبره الجميع نموذجا رفيعا في حسن صياغة اللحن والكلام، من هنا لم يتراجع دور ومكانة الفنانين الخليجيين التقليديين عامة إلاّ عندما وقع الجميع اليوم تحت وطأة تعدد مصادر التأثير (عربية وأجنبية)، والتخلي عن لعب ذلك الدور أو الاعتراف به، بسبب عدم فهم كافٍ ـ حسب اعتقادنا ـ لتاريخ نشأة الغناء الحديث في المنطقة وجذوره من جهة، وتعميم وسائل الإعلام وشركات الإنتاج الأغنية التجارية كنموذج أساسي للغناء حديثا من جهة أخرى؛ من هنا لم يكن من اليسير إحداث تغيير في الخصائص الذوقية الفنية الثقافية وجذورها المترسخة في المجتمع لصالح التأثير الآتي من خارج المنطقة الثقافية من ذلك مثلا الغناء المصري بخصائصه أساليبه الفنية الرفيعة الذي ما زلنا نجيد الاستماع إليه (والشامي كذلك) أكثر من أدائه وممارسته، أو بالاتجاه نحو الغرب وتقليده تقليدا أعمى في هذا الجانب وخاصة في مجال التعليم الموسيقي واستعمال الآلات الموسيقية.
ولكن، ما منزلة العوادين العُمانيين الرواد بين منزلتي العوادين اليمنيين والخليجيين؟، وما حجمها ومكانتها ودورها؟.. وغير ذلك من الأسئلة.
في الواقع لعب العوادون العُمانيون الرواد دورا مهما في الحياة الموسيقية بالمنطقة خلال القرنين الماضيين غير أن ذلك الدور ظل متواريا بسبب تأخر نشأة البحث الموسيقي في بلادنا من جهة وعدم اكتراث المهتمين بالشأن الثقافي العام بالموسيقيين وحياتهم ودورهم بمقارنة بما يحظى به الشعراء مثلا، ربما يرجع هذا إلى أن غناء العوادين واجه سنوات طويلة سلسلة من القوانين التي تمنع ممارسته علنا، الأمر الذي يفسر ظهور هذا العدد الكبير من العوادين خارج عُمان، وكان اغلبهم قد تعلم بنفسه العزف البسيط على آلات صنعها بنفسه من التنك. كما أن الكتابات الحديثة عن الموسيقى في منطقة الخليج واليمن انصب اهتمامها على شؤونها المحلية، وإن تم ذكر فنان من عُمان فيكون ذلك بإيجاز شديد جدا. ولكن على الرغم من أن الوقت يبدو متأخرا إلا أن هناك الكثير من الأصوات الغنائية والقصص والسير التي لا تزال تروى شفهيا تدل على بلوغ بعض العوادين العُمانيين مكانة كبيرة في الغناء منهم مثلا، حمد حليس وسالم الصوري ومحمد حبريش وغيرهم، وبالتالي أي جهد في هذا السياق (قليلا كان أو كثيرا) سيكون في غاية الأهمية، والحقيقة أن أرشيفات الإذاعة والتلفزيون ومركز عُمان للموسيقى التقليدية تختزن عددا كبيرا من البيانات المهمة عن غناء العوادين العُمانيين، هذا عوضا عن الإذاعات والتلفزيونات بالمنطقة ومحلات التسجيل وبعض الأفراد المهتمين الذين يحتفظون بالتسجيلات القديمة من داخل عُمان وخارجها.
إن ذلك التواري قد جعل دور العوادين العُمانيين يبدو كأنه غير مهم وثانوي أو جزء من الغناء الخليجي، وهو إن كان كذلك (جزء من الغناء الخليجي في التصنيف الحالي) إلا أنه يتمتع بخصوصية فنية تضعه في منزلة بين اليمن والخليج (البحرين والكويت)، وركن أساسي من أركان الغناء في الجزيرة العربية (اليمن، الحجاز، الخليج، عُمان).
ويمكن ملاحظة تأثر العوادين العُمانيين بالخليجيين مستمرا عند المعاصرين ولجوئهم إلى الفضاء الخليجي للانتشار حيث نشأ وترعرع أكثر الرواد المؤسسين للأغنية العُمانية المعاصرة قبل أن يعود جلهم إلى سلطنة عُمان بعد تولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه مقاليد الحكم في عُمان. ومن أبرز العوادين العُمانيين نذكر بعضهم لا الحصر مثل:
1ـ شهاب أحمد (حوالي نهاية القرن التاسع عشر ـ وبداية القرن العشرين)
2ـ حمد حليس
3ـ سالم الصوري
4ـ حمد بن راشد الغيلاني ( ود جاش)
5ـ محمد حبريش
6ـ صالح بن فرج الغساني
7ـ محمد بن سلطان المقيمي
8ـ موزة خميس: وظفت آلة العود في أغانيها ورافقها عدد من العازفين البحرينيين والعُمانيين
9ـ محفوظ سعيد
10ـ حمدان الوطني (لا يزال على قيد الحياة مع تمنياتنا له بالصحة والعافية. ابرز من رافقه بالعزف الفنان البحريني محمد بن راشد الرفاعي).
لم يخرج كثيرا هؤلاء الرواد عن أنواع الغناء السائد التي اشرنا إليها وأساليب أدائها الفنية وصيغها اللحنية والإيقاعية، غير أن ما يمكن ملاحظته أن العوادين العُمانيين وظفوا كثيرا من عناصر الموسيقى التقليدية في أصوات التسميع والختم في الوقت الذي ظلت أصوات الشرح تؤدى كما وصلت إليهم بالأسلوب الذي اشتهر به أهل الكويت والبحرين. هذا الدور المحافظ لم يبقى على حاله طويلا؛ فمنذ الثمانينات من القرن الماضي بدأت مرحلة فنية أخرى تميزت بدخول مؤثرات جديدة مصرية وأوربية، وتراجعت فيه العلاقات الفنية التاريخية بين عُمان ومنطقة الجنوب العربي والخليج من جهة الهند وشرق أفريقيا من جهة أخرى. كما ازدادت أهمية منطقة الخليج كمركز حيوي لنشاط موسيقي اتسم جله منذ حوالي التسعينات بالطابع التجاري واختفاء ـ تقريبا ـ غناء الأصوات بأنواعها وشيوع نموذج الأغنية الذي ما زلنا نعيشه حتى اليوم بتوجهاتها المختلفة، التلفزيونية والتجارية والإذاعية.

الخاتمة

في مرّة من المرات كنت أقرأ مقالا حول الغناء في الخليج، وتفاجأت أن كاتبه يذكر أن الفنان البحريني محمد زويد صرح في حوار مسجل معه، قال: إنه "سرق" ديوانا من الشعر الحميني من عُمان وظل يستخدم نصوصه! في الحقيقة لم يتسنَ لي تأكيد هذا النقل، أو لمن كان الديوان، فالعُمانيون لا يستخدمون حسب علمي مصطلح الشعر الحميني المعروف باليمن وأن كان هذا النوع من الشعر جزء من التراث الأدبي العُماني، وشائع في غناء العوادين، ورغم هذا فمن المرجح أن يكون التصريح المنسوب للفنان محمد زويد صحيحا، فمن المعروف أنه وغيره من الفنانين الخليجيين كانوا يزورون الموانئ العُمانية ويلتقون بالفنانين العُمانيين الأقل شهرة فيأخذ كل واحد من الآخر على قدر ما يستطيع وهذا كان أمرا شائعا ولا يزال حتى اليوم ويشتكي منه العُمانيون واليمنيون على حدٍ سواء أكثر مما يشتكي منه أخوانهم الخليجيين.
من هنا تقع أهمية دراسة التجربة الموسيقية العُمانية وخصائصها الفنية وعلاقتها الثقافية والتاريخية لما يمثله غناء العوادين وغيرهم من مكانة في التراث الموسيقي بالجزيرة العربية الذي لا يزال ينتظر بذل المزيد من الجهد المؤسسي والفردي، في سياقه التاريخي ودوره الحقيقي ومكانته الحضارية.
وتروي بعض المصادر بأن آلة العود الحديثة (العود الشرقي) كانت تجلب إلى عُمان من بعض الدول العربية وخاصة العراق واليمن، إذ لا يعرف للعود صانع في عُمان، وقد استطاعت هذه الآلة من خلال مجموعة من رواد الغناء العُماني من أن تضيف بطابعها الصوتي وأساليب استخدامها عبر مسيرة تمتد إلى أكثر من قرن ألوانا غنائية جديدة تعتمد بشكل خاص على توظيف هذه الآلة، التي كان سبب استخدامها توظيف عدد كبير من الآلات الوترية المعروفة اليوم في الموسيقى العُمانية.
اتسم أسلوب عزف العوادين العُمانيين بتقنيات بسيطة في استخدام الريشة، الأوضاع (البوزيشنات)، والمساحة الصوتية، غير أن الإحساس الإيقاعي الرفيع، وطبيعة الموسيقى العُمانية جعل من أسلوب الرواد يمتاز بمهارة كبيرة في هذا المجال، وهذا ما نلاحظه بشكل خاص في الأصوات (الأغاني) المختلفة، وفي تراكيب الصيغ الغنائية. ونظرا لطابع صوت آلة العود الرخيم فقد تعاظم مكانها كآلة محببة لدى جمهور المستمعين والعازفين والمغنيين والهواة على حدٍ سواء. وتمثل آلة العود في عُمان اليوم الآلة الوترية الرئيسية في الموسيقى العُمانية، وازدادت مكانتها، وتنوع استعمالها، وكثر عازفوها منذ بداية النصف الأخير من القرن الماضي كآلة مصاحبة للمغني..
وفي الختام أتطلع إلى أن يكون هذا اللقاء بداية لتعاون مثمر بين مركز عُمان للموسيقى التقليدية بوزارة الإعلام ومركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس في مجال البحث الموسيقي وتنظيم أنشطة وفعاليات فنية ـ ثقافية مشتركة تجمع باحثين وفنانين من مختلف الاتجاهات الغنائية التقليدية وغير التقليدية من الجزيرة العربية وآسيا الغربية وشرق أفريقيا بصفة خاصة لما يمثله هذا المحيط الجغرافي من أهمية تاريخية كبيرة في فهم ظاهرة الموسيقى العُمانية وخصوصيتها وتطورها في سياقها الاجتماعي والثقافي.

* المحاضرة التي ألقاها الباحث في ندوة "الفنون المغناة في عمان وشبه الجزيرة العربية" والتي عقدت بجامعة السلطان قابوس


مسلم بن أحمد الكثيري
موسيقي وباحث
مدير مركز عُمان للموسيقى التقليدية


أعلى




كن أنت

اخفض جناح الحب كي تعبر
ما ذلت روح حلق بها الحب
وانهض.. خلف هامات الرؤى
روحاً تحلق كي ترى
ما خبأت في السر آلهة الهوى
لتعب من نبع طوى
سحر الوجود
لو زرته يوماً... لكنت
أو.. لصرت طيفاً هائماً
في سديم افترش الكون
كي تقطف اللون
كي تقطف الآيات من آياتها
وتهبط على لوحتك تشكيلاً
يرف بأجنحة
تحملك إلى عوالم الغيب

***

اخفض جناح الحب
واجن في دورتك الأخرى
من عسل المجرات
ارتعاشات الصلاة
تشرق
من دربها الناري
لا تخف.. ستطفأها بأقدامك المترعة بالإيمان
اغتسل به قبل رحلة الجنى

***

اخفض جناح الحب,
وامض إلى المنى الأزلي
مكتملاً بريش خلودك الأزلي
لو غصت في اتونه!!!
لو كنت.. كنت لوحتك التي بها تستعين
على طموح خلود الآلهة
ادخل قبلهم أبدية الحلم
استعن بالحب
كن جمر الشغف
وادخل الى سر فردوس الخلود


* سمر شيشكلي
* شاعرة وقاصة سورية

أعلى



الأعمال الملحمية تبحث عن النجوم

على رأس ممثلي الولايات المتحدة من الذي يمكنه حقيقة أن يقوم بأداء عروض شكسبير الكبيرة، ليس من السهل وضع التاج. نعم من وقت لوقت، يمكن أن يميز ممثل نفسه من خلال مشاركته في أحد الأدوار الكلاسيكي العظيمة. في الحقيقة أفكر على سبيل المثال في، كيفن كلاين، الذي أرسل في 2004 قلوب برود وي ترفرف في جو خريفي لهنري الرابع عشر، أو مثل "بيف شرايبر" الذي اختصر عقود من الزمن في سنتراك بارك مع رائعته "لاشيمو في سيمبلين".
ولكن دعونا نواجه الحقيقة، لا يبدو الجمهور الأميركي مهتماً بما إذا كان لدى نجومهم تلك القطع الكلاسيكية، سواء كان لدينا ممثلون قادرين على التحدث مع الملكة اليزابيث بسلطتها أم لا.
لذلك عليك أن تتساءل كيف تكون المكافأة الكبرى هناك، عندما تحدث ملحوظة، عندما يوصل ممثل أميركي بضائع جذابة لإليزابيت ويعرض نفسه لنجومية شكسبير، هذا هو ما فعله ميشيل هايدن في رائعته ريتشارد الثاني على مسرح شيكسبير.
نحن فقط نأمل أن تعرض جانتليتي على خشبة المسرح كل ليلة، خلال عرض "ريتشارد الثاني"، حيث تمثل ملحمة رائعة، حتى لو لم يطلب الجمهور الأميركي نجومه بتقديم أعمال شكسبير، هناك تحد بأن تقود النساء والرجال لتحسين الأسلوب الذي يتبعونه، قليل من الأسماء الكبيرة التي حاولت أن تقدم ذلك خلال السنوات القليلة الماضية، مثل دينزل واشنطن، وهيلن هانت، وباول ديبد.
لقد وجدت صعوبة كبيرة في إحصاء أسماء الممثلين الذين ميزوا أنفسهم بعرض أجزاء رائعة في شكسبير، من هاملت،وبروسبير، لماكبيث وبياترك، بالطبع كانت هناك بعض العروض الجديرة بالذكر في الشركات الإقليمية، مثل مسرح شكسبير في العاصمة، مسرح كودمان في شيكاغو. والتي عرضت الكثير من أعمال شكسبير مثل عطيل، والملك لير وغيرهم.
لكن لا توجد أعمال كلاسيكية حصلت على دعم قوي من النخبة الأميركية، وإن كان شكسبير قاد البعض مثل هايدن فيجوروس للمساهمة في "ريتشارد الثاني"، و"هنري الرابع" والذي يتم عرضهم منتصف أبريل في قاعة سيدني هيرمان.
فالممثل يجذبه شكسبير لمستوى ثاني مختلف في ريتشارد الثاني وهنري الرابع، فالأداء يأخذهم معاً، حيث تتشكل أعمال شكسبير في شخصية جذابة، ومدينة تبقى في الذاكرة، وما يقدمه هايدن في تلك الصورة يبعث علي الخيال، فاللحوم الحمراء في شكسبير، تذكرك بطرق الموضة القديمة، إنه يدفعنا للتخيل، وكأن ريتشارد وهنري نجوم لعبت من خلالنا، وأكثر من ذلك هو قادر علي تضمين الخيال، حتى عندما يكون الإنتاج ليس على المستوى المطلوب.
المسارات الوظيفية لهنري وريتشارد تبدو مختلفة تماماً، فأفضل طريقة لرؤية القصص عندما تحدث تاريخياً بشكل معاكس، ففي حين ترى في هنري ملكا يصعد ببراعته الخطابية، تشاهد في ريتشارد شيئاً آخر، تشاهد البكاء والذل، أما في هنري فهناك الحرص علي نفسية كل إنسان، وقيادة الرجال للنصر، أما في ريتشارد فهناك الشعور بالعجز، والدهاء الذي يجعل من يحيطون به يمنعونه من الحكم الذي يجب أن يمارسه.
لقد استطاع هايدن حبك القصتين ببراعة، واستطاع إيصال القيم المؤثرة في كل قصة، سواء كان ذلك فيما يتعلق ببراعة هنري وقيادته للنصر، وحرصه علي خطواته، أو ما يتعلق بريتشارد الضعيف والعاجز عن الحفاظ على ملكه.
إنه باختصار طاقة هادين، التي جعلت المحركات مشتعلة، هناك جهود كبيرة تبذل لتخرج الصورة بالشكل الذي تراها عليه، وكثير من ذلك يعود للمؤلف، ولكن بعضاً من ذلك يعود لهايدن كذلك، وهذا ما يجعلك تتوق للعودة مرة ثانية لمشاهدة شكسبير. ليس فقط في هاتين الليلتين المخصصتين لعرض أعمال شكسبير.

بيتر ماركس*
*خدمة واشنطن بوست بلومبيرج نيوز - خاص بـ"الوطن"

أعلى



قصة العمارة العربية المعاصرة

برغم الارتباط الوثيق بين العمارة والحضارة عموما, إذ إن الأولى هي مؤشر ودليل ومظهر قوي للأخيرة, ورغم إمكانية وسهولة تتبع الحضارة وتاريخ نشوئها, إلا أن العمارة العربية تزوغ عن التتبع السهل لتاريخ نشوئها كعمارة ذات ملامح وخصائص واضحة. ومن المهم هنا وقبل أن نسترسل أن نبين أننا لا نقصد "العمارة الإسلامية" التي تم توثيقها من قبل المؤرخين الغربيين والتي لا تمثل العمارة الشعبية بحال, بل هي حالات خاصة لمباني صرحية صنمية تعكس أقلية ولا تعكس ما نرمي إليه هنا. فالعمارة البيئية ندرت الدراسات الجادة المتعمقة بها, ما زاد من الفجوة ـ نظريا على الأقل ـ بين ماهية العمارة العربية بشكل عام. ونتيجة الخلل في المفهوم الاستشراقي الصرحي الذي تكرس على يد الباحثين الغربيين وغياب الدراسات حول العمارة الشعبية والبيئية عانت العمارة العربية المعاصرة ولا تزال من تردّ كبير في الفكر النظري والبحث الجاد والتطبيق العملي سواء بسواء.
والعمارة العربية المعاصرة, وكما هي دلالات الواقع, وبأحسن أحوالها, هي مزيج من أخلاط غير متجانسة من العوامل الثقافية والاجتماعية والتداخلات السياسية والاضطرابات الاقتصادية والديموغرافية. وهي بواقعها المعاصر إنما تعكس أخلاطا لتصورات ورؤى معماريين معاصرين يعيشون بيئة فكرية تعاني من تداخلات الذات والآخر الحضارية وقيم مجتمعية وثقافية مشوهة. وبذا تعيش العمارة العربية المعاصرة حالة من عدم التجانس الفكري وغياب المظلة الفكرية المنظمة التي تضبط قواعدها. ومن هنا فكل معماري ومخطط حضري أو إقليمي إنما تعكس أعماله حالة من "التفكير المرحلي غير الناضج" ومحاولة البحث عن الذات والعمل المعماري الشخصي الذي لا يعكس الفكر الواعي "المجموعي" بالضرورة. هناك محاولات جادة في إطار البحث عن الهوية والتراث الفكري والحضاري للأمة, كما سنبين في مساحات قادمة يمهد لها هذا المقال, بيد أن هذا المحاولات فردية ولم ترق بعد لمستوى التنظير الجماعي أو المدرسي العميق.
وبالرغم مما أسلفنا حول صعوبة تتبع نشأة العمارة العربية المعاصرة إلا أنه يمكننا ـ زعما ـ أن نؤرخ لها كظاهرة حديثة نشأت مع نهاية الستينيات من القرن العشرين. وهذه الفترة تحديدا تميزت بالعديد من الطفرات والتغيرات السياسية والاقتصادية التي يمكن أن نعزو لها أسباب ولادة عسيرة للعمارة العربية المعاصرة بعد فترة من الركود العمراني والحضاري امتدت لعشرات السنوات بما لم يشكل أساسا لظاهرة عمرانية تذكر. فالقرن التاسع عشر كان قرن الاستعمار العسكري الغربي المباشر وما تلاه وسبقه من حملات استشراقية نظرت في الموروث الحضاري لأبرز الدول العربية الشرق أوسطية فأعملت فيه القلم يمنة ويسرة بما شاء منظرو الاستعمار آنذاك مما بقي لليوم برحيقه وسمومه. كذلك عانى الوطن العربي بمجمله بمعاناة الدولة العثمانية التي كانت في طور الاحتضار, ولم تسمح تلك الحقبة المهتزة بتطور معماري يذكر عدا عن امتدادات طراز عثماني علا وجه بعض الحواضر العربية ونسخ أوجها من تراثها العمراني. هذه الفترة وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 حملت الكثير من تلاقحات عمرانية إما تنتمي لفترات بائدة أو تستشرف إطلالات من العمارة العالمية التي سادت مع مطلع القرن العشرين, وخلت تماما من الفكر النظري المعماري العميق الذي يمهد لنهضة عمرانية عربية معاصرة, ما خلا فكر حسن فتحي الذي بدأ يتبلور مع مطلع الثلاثينيات.
لكن الفترة التي تلت تلك الحقبة الراكدة والتي تبلورت منذ بداية السبعينيات مثلت منعطفا مهما في تاريخ العمارة العربية المعاصرة, إذ يمكن النظر إليها "كعصر النهضة المعماري العربي المعاصر". فهذه الفترة حملت من رياح التغيير وأفكار التنوير المعمارية ما كان ثورة على الكلاسيكية من جهة وما شكل نقلة نوعية في أبجديات الخطاب المعماري العربي المعاصر من جهة ثانية. فهذه الحقبة "النهضوية" في تاريخ العمارة العربية المعاصرة تميزت بالعديد من المؤهلات منها: أولا تجمع العديد من أقطاب الفكر المعماري العربي التنويري وتبلور مجموعة من رواد العمارة العربية أمثال حسن فتحي وعبد الحليم ابراهيم من مصر وراسم بدران وجعفر طوقان وأكرم أبو حمدان وبلال حماد وغيرهم من الأردن ومحمد مكية ورفعت الجادرجي وغيرهما في العراق. ثانيا - عاش مفكرو ورواد هذه الحقبة وفي وجدانهم أنهم يعيشون في مرحلة حاسمة ونقلة نوعية تعيشها العمارة العربية المعاصرة وهو بالضبط ما حصل في "عصر النهضة الأوروبي" أو ما يعرف بـ (Renaissance). فعصر النهضة الأوروبي يعتبر نقلة نوعية في الفكر والفن والأدب الأوروبي. وقد بدأ مع مطلع القرن الرابع عشر الميلادي في إيطاليا على يد مجموعة مفكرين تنويريين وفنانين وأدباء. وشهد هذا العصر فنانين مثل جيوطو (Giotto) والذي كان في الثلاثينيات من عمره آنذاك, وكان أهمهم "دانتي" مؤلف (Divine Comedy). أهمية عصر النهضة, كما يذكر (John Hale) في كتابه (Renaissance), من مطبوعات (Time-Life International (Nederland) B.V., 1971) هو أنها كانت حركة تنوير حضارية غيرت مفاهيم العالم الأوروبي تجاه الإنسان وفكره وحريته. وتميزت هذه الفترة بأنها كانت واقعا معاشا بالنسبة للأدباء الذين كانوا يدركون أهمية النقلة النوعية التي تحدث والتي كانت محسوسة بالنسبة لهم, وليست كأية فترة كتب عنها المؤرخون لاحقا بعد أن أصبحت تاريخا, بل كانت "تاريخا أوروبيا" في مرحلة الصناعة وضمن وعي الكتاب والمفكرين لتلك الفترة, وهو ما يميز هذه الحقب التنويرية عن غيرها من الفترات التاريخية التي لم يكن مفكروها بالضرورة على وعي بأهمية النقلات النوعية التي تكرسها أفكارهم التنويرية. وثالثا - هذه الفترة التي بدأت مع مطلع السبعينيات وحتى بعيد نهاية القرن المنصرم تميزت بعطاء وطرح فكري غير مسبوق في تقديم نماذج وآليات ومنهجيات فاقت المألوف وأسست لجيل كامل من المعماريين العرب لتتبع خطى الرواد الأوائل لجيل "عصر النهضة المعمارية العربية" هذا.
ومن أبرز رواد هذه الحقبة التنويرية هو المعماري الراحل حسن فتحي والذي قاد لواء التغيير من القاهرة بمصر بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من محاولات حسن فتحي التي تمتد لما قبل السبعينيات, والتي اعتراها العديد من التجارب المختبرية لأفكاره النظرية بما يضعها ضمن قائمة التجربة والخطأ المختبري, إلا أن البداية الفعلية لعصر نهضة العمارة العربية الحديثة ـ كفكر نظري وكواقع يمكن دراسته وتمييزه ـ تعود لما بعد الستينيات ومطلع السبعينيات للعديد من العوامل منها ثورة اكتشاف النفط في معظم الدول العربية والتي حدثت في أواسط الستينيات. كذلك كان لاستقلال الدول العربية بعيد الحرب العالمية الثانية من تبعيات الاستعمار العسكري المباشر الذي تعرض له معظم جسم الوطن العربي الكبير الممتد شرقا وغربا أبرز الأثر في النزعات نحو الاستقرار وتطوير البيئة العمرانية المحيطة كمؤشر ملموس من قبل الساسة وصناع القرار على بدء حقبة ما بعد الاستعمار والاستقلال, بالإضافة إلى العديد من العوامل الأخرى من أهمها عودة وظهور مجموعة من المعماريين العرب كان لهم السبق التاريخي والفرصة لترك بصماتهم في ساحة الفكر والتطبيق للعمارة العربية ذكرنا بعضهم.
ومن البدهي أن الفترة التي بدأت معالم العمارة العربية المعاصرة فيها بالتبلور لم تخل من إرهاصات وملامح وعوامل أثرت بشكل كبير في نموها ووجهتها, ما خلا الفكر النظري والتطبيقي لإثنين من المعماريين اللذين يمكن اعتبارهما بحق رائدي العمارة العربية المعاصرة, وهما حسن فتحي وراسم بدران. وبالرغم من هذا التقرير بحقيقة العمل العظيم الذي قدمه هذان العملاقان للعمارة العربية المعاصرة فكرا وتطبيقا, إلا أن أعمالهما وفكرهما لا يزالان يثيران الكثير من الجدل في الأوساط المعمارية المعاصرة والفكر المعماري وبخاصة في زمن العولمة ومع مطلع القرن الحادي والعشرين. فالفكر المعماري لحسن فتحي صاحب المدرسة التراثية الصارمة التي تقدس التراث كأداة وكمحتوى بات من أعباء التقدم ومجالا خصبا لمناكفة التقدميين وأضحى ينظر إليه في إطار ومحتوى زمنيين يعودان لمرحلة "تاريخية" منصرمة. ولكن وعلى الرغم من الاحترام والتقدير الذي يتمتع به التراث "الحسني الفتحي" إلا أن المتأمل يلاحظ أن حضوره في الحاضر لا يني يتلاشى تدريجيا وبات يموت "كفكر جماعي" بموت صاحبه عام 1989. أما فكر المعماري راسم بدران وطروحاته النظرية والتطبيقية, وبرغم سبقها التاريخي ونقلها للعمارة العربية المعاصرة من بوتقة "المحلية" لتدق دقات قوية مؤثرة على أبواب الجوائز والتقديرات العالمية, إلا أن المتأمل الناقد يلاحظ أيضا أنها لم تعد تحظى بذات الحماسة التي حظيت بها مع بداياتها في السبعينيات وحتى التسعينيات على الرغم من التجديد والتفاعل مع المتغيرات الطارئة. فلا يزال بعض النقاد ينظر إليها كظاهرة مرحلية لا تخلو من بعض التكرار وتكاد تخبو بين إرهاصات "نبذ القبيلة" والتطلعات "والتقديرات الإقليمية والعالمية", فضلا عما قد يطرحه بعض النقاد من أنها كمدرسة وكظاهرة لا تكاد ترقى إلى المرحلة المؤسسية الجماعية المؤثرة في ساحة العمارة العربية المحيطة تأثيرا فاعلا ينعكس على الواقع العملي وليس النظري فحسب وهو مما يمكن أن يعزى لعوامل وإرهاصات بيروقراطية وإدارية وليست فنية بالضرورة.


د. وليد أحمد السيد

أعلى



تـراثـيـات


جواب

الإمام الشافعي

ما في المقام لذي عقل وذي أدب
من راحة، فدع الأوطان واغترب
سافر تجد عوضا عمن تفارقه
وانصب فإن لذيذ العيش في النصب
إنى رأيت وقوف الماء يفسده
إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب
والأسد لولا فراق الغاب ما افترست
والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة
لملها الناس من عجم ومن عرب
والتبر كالترب ملقى في أماكنه
والعود في أرضه نوع من الحطب
فـإن تـغرب هذا عز مطلبه
وإن تـغرب ذاك عز كالـذهب

ـــــــــــــــــــــ

من نوادر الأعراب

* تزوّج أعرابيّ على كبر سنه، فعوتب على مصير أولاده القادمين، فقال: أبادرهم باليتم قبل أن يبادروني بالعقوق.
* ألحَّ سائلٌ على أعرابيّ أن يعطيه حاجةً لوجه الله، فقال الأعرابيّ: والله ليس عندي ما أعطيه للغير.. فالذي عندي أنا أولى الناس به وأحقّ! فقال السائل: أين الذين كانوا يؤثرون الفقير على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ فقال الأعرابيّ: ذهبوا مع الذين لا يسألون الناس إلحافا.
* قيل لأعرابيّ: ما يمنعك أن تغزو؟ فقال: والله إني لأبغض الموت على فراشي فكيف أمضي اليه ركضاً.
* عوتب أحد الأعراب على الكذب، فقال للذي عاتبه: والله لو غرغرت به لهاتك ما صبرتَ عليه.
* حدّث أحدهم قال: أتاني أعرابيّ بدرهم فقلت له: هذا زائف فمن أعطاكه؟ قال: لصٌّ مثلك.
* دعا أعرابيّ في طريق مكة فقال: هل من عائدٍ بفضل، أو مواسٍ من كفاف؟ فأُمسكَ عنه فقال: اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى الناس فنضيع؟
* حضرَ أعرابيّ سُفرة هشام بن عبد الملك، فبينما هو يأكل إذ تعلّقت شَعْرة في لقمة الأعرابيّ، فقال له هشام: عندك شَعْرة في لُقمتك يا أعرابيّ! فقال: وإنك لتلاحظني ملاحظة مَن يرى الشَعرة في لُقمتي! والله لا أكلتُ عندك أبداً! وخرج وهو يقول:
وللموتُ خيرٌ من زيارةِ باخلٍ يُلاحظُ أطرافَ الأكيلِ على عمدِ
* حكى الأصمعي قال: كنتُ أسير في أحد شوارع الكوفة فإذا بإعرابيّ يحمل قطعةً من القماش، فسألني أن أدلّه على خياطٍ قريب. فأخذته إلى خياطٍ يُدعى زيداً، وكان أعور، فقال الخياط: والله لأُخيطنّه خياطةً لا تدري أقباء هو أم دراج، فقال الأعرابيّ: والله لأقولن فيك شعراً لا تدري أمدحٌ هو أم هجاء.
فلما أتم الخياط الثوب أخذه الأعرابيّ ولم يعرف هل يلبسه على انه قباء أو دراج! فقال في الخياط هذا الشعر:
خَاطَ لي زَيْدٌ قِبَاء ليتَ عينيه سِوَاء
فلم يدرِ الخياط أدُعاءٌ له أم دعاءٌ عليه.
* دعا أعرابيّ على عامل فقال: صبّ الله عليك الصّادات، يعني الصفع والصرف والصلب.
* حضر أعرابيّ مائدة سليمان بن عبدالملك فجعل يمدّ يديه فقال له الحاجب: كُلْ مما يليك، فقال: من أخصب تخيّر، فأعجب ذلك سليمان وقضى حوائجه.
* وقف المهدي على عجوز من العرب فقال لها: ممن أنتِ، فقالت: من طيء ، فقال: ما منع طيّاً أن يكون فيهم آخر مثل حاتم، فقالت مسرعة: الذي منع الملوك أن يكون فيهم مثلك، فعجبَ من سرعة جوابها وأمر لها بصِلَة.
* انفرد الحجاج يوماً عن عسكره فلقي أعرابيّاً فقال: يا وجه العرب كيف الحجاج؟ قال: ظالم غاشم قال: فهلا شكوته إلى عبد الملك فقال: لعنه الله أظلم منه وأغشم، فأحاط به العسكر فقال أركبوا البدويّ فأركبوه فسأل عنه فقالوا هو الحجاج فركض من الفرس خلفه وقال: يا حجاج، قال: مالك، قال: السر الذي بيني وبينك لا يطلع عليه أحد، فضحك وخلاه.
* قال أعرابيّ لرجل رآه سميناً: أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك.

ـــــــــــــــــــــ
الصعاليك

اسم يطلق على جماعة من العرب في عصر ما قبل الإسلام عاشوا واطلقوا حركتهم في نجد وسط الجزيرة العربية ويعودون لقبائل مختلفة، كانوا لا يعترفون بسلطة القبيلة وواجباتها (خارجون عن القانون: بالوصف المعاصر)، فطردوا من قبائلهم. ومعظم أفراد هذه الجماعة، من الشعراء المجيدين وقصائدهم تعدّ من عيون الشعر العربي.
امتهن الصعاليك غزو القبائل بقصد الاخذ من الاغنياء وإعطاء المنبوذين أو الفقراء، ولم يعترفوا بالمعاهدات أو الاتفاقيات بين قبائلهم والقبائل الأخرى ما أدى إلى طردهم من قبل قبائلهم، وبالتالي عاشوا حياة ثورية تحارب الفقر والاضطهاد وتسعى للتحرر في شكله المتمرد.
واصطبغت أدبيات الصعاليك برؤيتهم عن الحياة فجاءت معظم قصائدهم تحكي عن شجاعتهم وقدرتهم وتحديهم للمجتمع. وشعرهم يمتاز بقوة العاطفة وسعة الخيال وفيه من الحكمة الشيء الكثير.
ومن مميزات شعرهم الخلو من المقدمات الطللية فكانوا اول من كسر بنية القصيدة الجاهلية كما خلا شعرهم من المدح والطول فانتهجوا شعرا جديدا.
ومن أشهر الصعاليك: شضاض الضبي التميمي ويضرب فيه المثل في ذلك وقالت العرب: ألص من شضاض.. وابو خراش الهذلي: واسمه خويلد بن مرة. أشهر صعاليك هذيل شاعرٌ فحلٌ مخضرم أدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه. قضى طرفاً كبيرا ًمن حياته قبل الإسلام ثائراً بدم إخوته بني لُبنى. توفي في خلافة عمر من لدغة حية.. وعروة بن الورد، اشهرهم على الإطلاق وكان سيداً لهم يلجأون له وقت الحاجة.. والسليك بن السلكة، من بني مقاعس من سعد بن زيد مناة من تميم.. وتأبط شراً.. والأُحَيمِر السَعدي من بني تميم. شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، كان لصاً فاتكاً مارداً، من أهل بادية الشام. وهو صاحب البيت السائر على كل لسان: عَوى الذِئبُ فَاِستَأنَستُ بِالذِئبِ إِذْ عَوى *** وَصَـوَّتَ إِنـسـانٌ فَـكِـدتُ أَطـيرُ. والشنفرى الأزدي، وهو ثابت بن أوس الأزدي.

ـــــــــــــــــــــ


لا مقام له بالبصرة


هجا حماد عجرد محمد بن سليمان الهاشمي بقصيدته التي يقول فيها:
له جسم برغوث وعقل مكاتب
وغلمة سنور يبيت يولول

فأهدر محمد بن سليمان دمه، فعلم حماد عجرد أنه لا مقام له بالبصرة، فمضى إلى قبر أبيه سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس مستجيراً به وقال في ذلك:
لم أجد لي من الأنام مجيراً
فاستجرت القبور والأحجارا
غير أني جعلت قبر أبي أيـ
وب لي من حوادث الدهر جارا
وحقيق لمن يجاور ذاك الـ
قبر أن يأمن الرّدى والعثارا


ـــــــــــــــــــــ

الفتى الذي تحت القبة

قال شراحيل بن معن بن زائدة: عرضت في طريق مكة ليحيى بن خالد وهو في قبة وعديله يوسف القاضي وهما يريدان الحج، فإني لأسير تحت القبة إذ عرض له رجل من بني أسد في شارة حسنة فأنشده شعراً؛ فقال يحيى في بيت: ألم أقل لك ألا ترجع إلى مثل هذا المعنى؟ ثم قال: يا أخا بني أسد، إذا قلت الشعر فقل كقول الذي يقول:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم
أسودٌ لها في بطن خفّان أشبل
همُ يمنعون الجار حتى كأنّما
لجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن
كأوّلهم في الجاهلية أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا
أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم
وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
ثلاث بأمثال الجبال حباهم
وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
فقال له أبو يوسف: وقد أعجبته الأبيات: من قائل هذه الأبيات يا أبا علي؟ قال يحيى: قائلها مروان بن أبي حفصة يمدح أبا هذا الفتى الذي تحت القبة؛ قال شراحيل: فرمقني أبو يوسف بعينه وأنا على فرسي.
وقال: من أنت يا فتى حياك الله؟ قلت: شراحيل بن معن بن زائدة. قال شراحيل: فوالله ما مرت عليّ ساعة قط. كانت أقر لعيني من تلك الساعة ارتياحاً وسروراً.

ـــــــــــــــــــــ

شمولية واجبة

شكا أهل بلدة إلى المأمون واليا عليهم، فقال: كذبتم عليه، قد صح عندي عدله فيكم وإحسانه إليكم؛ فقال شيخ منهم: يا أمير المؤمنين، فما هذه المحبة لنا دون سائر رعيتك؟؟ قد عدل فينا خمس سنين، فانقله إلى غيرنا حتى يشمل عدله الجميع، وتريح معنا الكل!، فضحك المأمون وصرفه عنهم.

ـــــــــــــــــــــ

قلب بالصبابة مولع

ذو الرمة

إذَا حَانَ مِنْهَا دُونَ مَيٍّ تَعَرُّضٌ
لنا حنَّ قلبٌ بالصَّبابةِ مولعُ
وَمَا يَرْجِعُ الْوَجْدُ الزَّمَانَ الذِي مَضَى
وما للفتى في دمنةِ الدارِ مجزعُ
عشيَّةَ ما لي حيلة ٌغيرَ أنَّني بِلَقْطِ
الْحَصى وَالخَطِّ فِي التُّرْبِ مُولَعُ
أَخُطُّ وأمْحُو الْخَطَّ ثُمَّ أُعِيدُهُ
بِكَفَّيَّ وَالْغِرْبَانُ فِي الدَّارِ وُقَّعُ
كأنَّ سناناً فارسيّاً أصابني
على كبدي بلْ لوعةُ الحبِّ أوجعُ
ألا ليتَ أيامَ القلاتِ وشارعٍ
رجعنَ لنا ثمَّ انقضى العيشُ أجمعُ
لَيَالِي لاَ مَيٌّ بَعِيدٌ مَزَارُهَا
ولا قلبهُ شتَّى الهوى متشيَّعُ
وَلاَ نَحْنُ مَشْؤُومٌ لَنَا طَآئِرُ النَّوَى
وما ذلَّ بالبينِ الفؤادُ المُروَّعُ
وَتَبْسِمُ عَنْ عَذْبٍ كَأَنَّ غُرُوبَهُ
أقاحٍ تردَّاها منَ الرَّملِ أجرعُ


ـــــــــــــــــــــ


أمثال

من أمثال العرب في التحنن على الأقارب قولهم: لكنْ على بَلْدَحِ قَوْمٌ عَجْفَي.. وقولهم: لكِن بالأثلاث لحمٌ لا يُظَلًل وأصل هذا أنّ بَيْهساً الذي يُلقَب بنَعامة، كان بين أهل بيْته وبين قوِمِ حَرب. فقتلوا سَبْعة إخْوة لِبَيهس وأسروا بَيْهساً، فلم يقتلوه لِصِغرِه وارتحلوا به، فنزلوا منزلاً في سَفرهم ونَحَروا جَزُوراً "في يوم شديد الحرّ"، فقال بعضهم: ظَلِّلوا لحْم جَزُوركم "لئلا يَفسد"؛ فقال بَيْهس: لكن بالأثَلاث لحمٌ لا يُظَلَّل ـ يعني لحمَ إخوته القَتْلى ـ ثم ذكروا كثرة ما غَنِموا؛ فقال بَيْهس: لكَنِ على بَلدَح قَوْمٌ عَجْفي. ثم إنه أفلت أو خَلّوِا سبيلَه، فرجع إلى أمه، فقالت؛ أنجوت من بينهم? وكانت لا تًحبّه، فقال لها: لو خُيرت لاخترتِ. فلما لم يكن لها ولدٌ غيره رَقّت له وتَعطّفت عليه. فقال بَيْهس: الثَكلٍ أَرْأَمها، فَذَهبت كلماتُه هذه الأربع كلها أمثالاً.

ـــــــــــــــــــــ

أي ربي زدني..

ورد في كتاب (البصائر والذخائر) لأبي حيان التوحيدي: روي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إن إبليس قال: أي رب، إنك كنت أخرجتني من الجنة من أجل آدم، وإني لا أسطيعه إلا بتسليطك، قال: فأنت مسلط، قال: أي رب زدني، قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله، قال: أي رب زدني، قال: صدورهم مساكن لكم وتجرون منهم مجرى الدم، قال: أي رب زدني، قال: "وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً" الإسراء:64..قال آدم: أي رب، إنك قد سلطت علي إبليس، وإني لا أمتنع عليه إلا بك، قال: لا يولد لك ولدا إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء، قال: أي رب زدني، قال: الحسنة عشر أمثالها وأزيد والسيئة واحدة قال. أي رب زدني، قال باب التوبة مفتوح ما دام الروح في الجسد، قال: أي رب زدني، قال: "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً" الزمر: 35.


أعلى




الأدب الشعبي

بوح
صمت ..

ليلٍ يفوت وما سكن به كل حرفٍ من سهاد ..
ما مر والا فوق صوت الريح من صمت أقرباي
ما غط هدر الموج من كل الجهات بهالسواد
الا قضى من كل كوخٍ زهرةٍ ماجت معاي

الليل ضاق .. وكل هالدنيا صحو
ما ضاق الا هالبحر .. ضاق وتمّوج
ما يهد إلا الهدوء ..
من حدود النبض ..
لآخر انهزام !
من حدود الريح .. لآخر رملةٍ
بالبحر .. بكفوف الصغار ..

الخوف كلما تصمت عيونٍ من الرهبة يُعاد ..
ينفخ من الباقي بأمان اللي بقى من كل جاي
يزحف على كل انسيابات الخجل من هالمُراد
ما سكّنه الا اليباس اللي قضى نحره وبــاد
هذا السكون وما تبقى مْن فراغاتي انسداد ..
هذا الجمود وما تسلل من سياجاتي عُراي !
هذا الجنون اللي يمر وما يجافيه العبــاد
مْن الدعاء .. وهالسجود يزبّد الصبح بمساي!
***
مرن ثلاثينٍ من الحرمان والجوع .. البِعاد
مرّن مواسم كل قحطٍ يرتجي مـ الماي ماي
كانوا يمرون المراكب من حدود الإبتعـــاد
ما حملّوا من داخلي إلا فراغ في فـــــضاي
مروا مثل حلمٍ نبت بين الضلوع من السواد
يا ليتهم حلّوا على حالٍ ولا به من سواي !
الليل اقرب من عنا الحلم ..
السهر ..
والإنتظار ..
الليل أهدأ من ضجيج الصبح ..
والنور ..
الحصار ..
كانوا هنا في كل أرضٍ يزرعون ..
الورد لك ..
كانوا هناك بكل ما / لك من حنينٍ يشبهوك ..
ما حملّوا من بعض وردك ..
ما ذرته الريح ..
من كثر الحديث ..
وما تبقى !
ما فاقوا الا في ثراك يعطروا .. ارضك
بانفاس الرحيل ..
مروا مثل سرب الفراش ..
وما تبقى من عطرهم .. غير انتي
يا أنتي اللي لو يموت الكل .. تبقي
وردةٍ ما يوم تذبل ..
تربةٍ لو ينقص الماي بثراها ..
نعتصر أجسادنا ونرويك ماء ..
نمتلي روحٍ يناديها الضماء ..

وهكذا كانوا يمرون المراكب والعتاد ..
يرحلون بكل خفه ما .. ما يشتّون بأنـاي !
كانوا اجمل من رحل من دون أرضٍ في بلاد ..
تنحني للريح .. يبكوا شعبها ! زمرٍ وناي !
كانوا أنقى ما ذرته الأرض من عمر الرماد
كانوا أرقى من سفر جرحي على مقبل خطاي!
سافروا ..
ما عاد باقي .. غير أرضط !!

فيصل العلوي


ـــــــــــــــــــــ

إهِداءْ

أبَسْألك لاَتجِرّي نَغْم َصدْريِ رَبَابهْ
ما فـّز لِكْ صوتٍ على الَبالْ َطاِريهْ
مَا ردّتك سَـدْرَةْ حَنِين اْغـتراَبهْ
لْعَمْـرٍ تَشظى من لَواهَبْ حَـوَاريهْ
لمَوْعدْ نَسى بَنْتٍ تّوسـلْ قرابهْ
بسكّة ظّماهْ اللي بَطْيشه تجاريه
ْشارعْ صَباه اللّي تَجرّع سَرابهْ
حتى تَجعّد في مسَالَكْ صَحـاَريهْ
لغناء ُبكاه الليّ انتّشى من َصَبابهْ
وعْيونْ باحت ماَ خفته المَشاريهْ
أبَسْـألك جرحِك من اللّي َدرا بهْ
َغيرك او انّك ماَ قـَدرتي تَواريهْ
أبسألك وأرْحَـل بَعمْر الكتَـابهْ
ليم ٍنحَر زرْقة مرافيِ صَـواريهْ
متى متى ثم هّلْ دَمع السَحابهْ
حبرْ يتَسّّول من مداَمع عَذاريهْ

خالد الداودي

ـــــــــــــــــــــ

مشاوير الغياب

غريبة صمت حارتنا قفل باب الضجيج وراح
وأنا ظل ٍ يمر فـ غيبتك ذكرى على صمتي
وشاب الليل في ذنب الفراق المهتري بجراح
أحبك. .واعتلا صمت الدخان سالفة وقتي
نزيف الحال مـا يكفي سنين ٍ قوتها أرواح
يغادرني الرحيل فـ داخلي برده ولا فقتـي
وتنشج الدموع فـ هامتي تغسل ذنوب الراح
وارنوا هالمسا عشبٍ ألفه فمبسمي وكنتي
تعبين الدجى لقيا هلك فيها الجسد بنواح
وأنا يجتاحني غيابك دخانٍ من بعد غبتي
مسافر والوجع كلما أصره فمحجري ما راح
وأنا ما خانني صبري ولا أجتث البكى كبتي
ارتبك فـ مشاويري ألم ما ضاق بي وانزاح
يا أجمل ما بقى فيني وحلمي صار تذكرتي
وناوي اسكن غيابك ولفك فـ الغياب وشاح
يا ديرة كلها مرسى لحلم ٍ يشبهك أنتي
تحاصرني تفاصيله مطر في داخلي يجتاح
ويغسل كل سما فيني وأنتي يا وجع ثرتي
وجيلك من بقايا مكفني ليل ٍ يشق صبــاح
ورددك فـ أغاني موطني لو فالضيا همتي
تطيرني مشاويرك فضا ما يحتويه جنــاح
وتعذرني تفاصيلك إذا ما أستوعبك تختـي

عبدالله المقيمي


ـــــــــــــــــــــ

ضحكة الشمس

هزي غصون الشمس يا ضحكة الشمس
يا "غادة الموزون" بك طهر وفتون
أبصرت فيك الدفىء والحب لك غرس
صوتك ملاذ شعور ومروجك عيون
أقطف براعم نشوتك شيطنة حس
وأطير بإحساسك فراشة في هالكون
ترنيمة الورقا قياثيرها همس
دخون تعبق في المحاني مش لحون
يا غادة الأحلام وجدي غدا بؤس
ينزفني يا سمار/ يا وجه محزون
جيتك مداي يفيض من ذاكرة أمس
مدي يدينك جدلي الصمت بالهون
جيتك مراجيح الشتا صابها مس
وتسرمدت فيني متاهات وشجون
غادة صحابي في المدى إنتي وبس
ما أظن حرفك يهضم الشر ويخون
هزي جذوع الشمس يا هالة الشمسجايز تراتيلك على الجرح بتمون

فاطمة الفرعية

ـــــــــــــــــــــ

لعبة كروت

إغتنمها فرصة لأجلك وجات
هيه فرصة بس حذرك لا تفوت
إطرق الحامي وحديده يقول هات
هات ما عندك وهو بجمر السكوت
لو تشوف ركون سيحه مجدبات
يغني بن آدم ويغني العنكبوت
لا يغرك بالمساء حمر الشفات
الشفق أحيان له أطباع حوت
إقتصد يا صاحبي قبل الفوات
واغرس الأرض بيديك أثمار ( بوت )
القناعة كنز والكثرة رفات
والقناعة معلم بصدر البيوت
لا تفكر ( ف ) السنين المقبلات
كل حي ما خلق من غير قوت
لو دجلة إضمحل جاد الفرات
أنت بس امشي بمناكبها وفوت
وين أصحاب التفكر والسمات
بعض هالعالم صبح لعبة كروت
إمتطي العزم الذي يروي الجهات
واترك اللي في مشاويره يهوت

سعيد بن خميس الرحبي


ـــــــــــــــــــــ

أتخيـلك

أتخيلك والنور ودع غرفتي
بوقت المساء
والليل مرسى غربتي
بهم وأسى
اتخيلك والنافذة تبكي
على صمت الغروب
تعاني من طول الدروب
ودمع القلم
مشتاق يكتب اسمها في داخلي
والريح تعزف لحنها في داخلك
أتخيلك....
يا أعذب ألحان الكــلام
يا شمس يسرقها الظلام
يستاهلك همس السكون
يستاهلك دمع العيون
و(ف) ليلة عانقها الجنون
ترجع ملامح صورتك
وأتخيلك
يا صبح ذا الليل الطويل
أبيك لا تشد الرحيل
بعانق احساس الألم
بعيش في حلم ووهم
وبحتاج لدربك دليل
لو ينتهي نور أولك
واتخيلك
في غربتي..
مشتاق لشمس الخيال
أدور في مساء الغربة ظلال
وأنتي السؤال
لا صارت الدمعة محــال
أخاف أنسى بسمتك
اخاف أنسى صورتك
وبتخيلك...

محمد مبارك البريكي


أعلى





وجوه وظلال (23)


خـدَم

خادمُ رابندرانات طاغور العجوز:

في مظهـر كالشبح، كان غاية في البلاهة.
كلما افتقدنا شيئاً، كانت الزّوجة تقول: "كيسـْتا، هو السارق".
كنتُ أهينه على كل خطوة، فتدخل الإهانة من أذن وتخرج من الأخرى.
كان ينال من العقاب أكثر مما ينال من المال، لكنه كان في غفلة دائمة.
كنتُ أنادي بأعلى صوتي صائحاً: "كيستا"، كلما برزتْ حاجة ملحّة.
كنتُ أصولُ وأجولُ، ولو فتشتُ البلدَ بأسره لما وجدته.
لو أعطيته ثلاثة أشياء، كان يحتفظ بأحدها، ولا يعلم أحد أين يذهب الآخران.
ولو أعطيته شيئاً واحداً، سرعان ما ينقسم إلى ثلاثة أشياء.
كان بوسعه أن ينام في أي مكان أو زمان أثناء النهار، وعندما أناديه بأسماء مـهينة: "أيها الأحمق الشرير، أيها التعيس": كان يقف بالباب ويبتسم، فيفور دمي.
لكنّ التخلي عن التعلق به كان صعباً؛ فقد أقام معنا سنين طويلة.
وغالباً ما كانت سيدة الدّار يستبدّ بها الغضب فتصيح: "سأتخلى عن كل شيء لك، فدبّرْ شؤون البيت أنت وكيستا".
إنه مُحصّن ضد الملام، فهو يتلف كل شيء: الطعام، الملابس، الآنية، الأثاث، وبسببه كانت النقود تُصرف كجريان الماء.
فلو ذهب إلى السوق: تأكّدْ أنك لن تراه ثانية ذلك النّـهار.
أيصعبُ إيجاد خادم آخر لو حاول المرء ذلك؟.
وهنا يستبدّ بي الغضب فأسحبه من جديلته العليا بسرعة وأصيح: "أخـرجِ الآنَ. أنتَ مطرود". ويبدأ بالخروجِ بطيئاً فأقول في نفسي: "أخيراً انتهى الأمر"، لكنني أجده في الغداة، واقفاً و"النارجيلة" في يده.
يا له من أبله!
له وجهٌ باسم، ولا أثر للشكوى في ذهنه العنيد.
إذن إنْ كان لا يمكـن أن يهب حتى ولو طرِد، فليس ثمّـة ما يمكن عمله معَ هذا الخادم العجوز.
تلكَ السنة، حصلـت على شيء من المال، خـلاَ عـمل في وكالة.
فقلتُ أذهبُ في رحلة حجّ إلى "سْري برانْدافـان"...
وانطلق القطار، فلما نزلتُ في "بورْدْوان" وهي محطة على الطريق وجدتُ مَن غير كيستا؟. وجهٌ باسـِمٌ ونارجيلةٌ في اليد.
كم من وقاحته عليّ أن أتحمل، وإلى متى؟
ولكن مهما نزلتُ عليه بالتأنيب كنتُ في دخيلتي مسروراً بمجيء الخادم العجوز.
.. كنتُ آمل أن أجد ربيعاً دائماً، والآن أنا أموتُ بمرض "باسانتا" مثل حادث في حُلم.
غادر الرفاق المكان.
انتشرت البثور على جسدي، وبقيتُ وحدي لأرعى نفسي، فرحـتُ أنادي ليل نهار بصوت واهـِن يائس: "كيستا"، تعال هنا. انتظرتُ كل هذا الوقت لأزور مكاناً غريباً، والنتيجة أنني أحتضر.
كان النظر إلى وجهه يبعث الاطمئنان، كأنه كنز عظيم.
يودّ لو يقف إلى جانبي ليل نهار مسروراً خادمي العجوز هذا.
كان يحمل إليّ الماء، ويتمنى لي الشفاء، وبيديه يدلك لي رأسي.
بقي هناك، بلا حراك، بقليل من النوم والطعام.
كان يردد دائماً:"سيدي لا تخف، واستمع لي، أنا واثق أنك ستعود إلى الدار".
بلى، شفـِيتُ من علـتي، ووقفتُ على قدميّ، ولكن كيستا تلقاها في جسده، وأخذ عني ذلكَ المرض المريع.
مضى يومان، وكيستا فاقد الوعي، ثـم هبطَ نبضه.
حاولت مراراً أن أتخلص منه، وهذه المرة ذهـب فـعلاً.
بعد أيام من نهاية الحج، عـدتُ إلى داري.
ومنذ ذلك اليوم ما عاد رفيقي المخـلـص يُرى معي أبدا.

ت. عبد الواحد لؤلؤة (طاغور، أغان وأشعار)

******
من الثلاثيةِ الإسبانية لريلكه:

"لماذا يتحتـم على المرء أن يواجه أبداً
أشياء ليست له، كأنه خادم
يحمـل في السوق سلـة تزداد ثـقـلاً،
سـلـة تزداد امتلاء بمروره من متجر إلى آخر،
يمتثلُ ولا يجرؤ أن يسأل: "سيدي، لـم هذه الوليمة؟"
ت.حسن حلمي
******
الخادم الفصيح:
حدّث أبو العيناء قال:‏ كان سبب خروجي من البصرة وانتقالي عنها أنني مررت يومـاً بسوق النخـّاسين، فرأيتُ غلامـاً ينادَى عليه وقد بلغ ثلاثين ديناراً، فاشتريته.‏ وكنت أبني داراً، فدفعتُ إليه عشرين ديناراً على أن ينفقها على الصناع، فجاءني بعد أيام يسيرة فقال:‏ ‏قد نفدت النفقة.‏ فقلت:هاتِ حسابك!‏، ‏فرفع حسابـاً بعشرة دنانير. قلت: أين الباقي؟‏ ‏قال: قد اشتريتُ به لنفسي ثوبـاً.‏ ‏قلت: من أمرك بهذا؟‏، ‏قال: لا تعجل يا مولاي، فإن أهل المروءة لا يعيبون على غلمانهم إذا فعلوا فعلاً يعود بالزَّين على مواليهم!. فقلت في نفسي: أنا اشتريت الأصمعيّ ولـَمْ أَعلم!‏ ‏وكانت هناك امرأة أردت أن أتزوجها سرّا من ابنة عمي. فقلت له يومـاً:‏ ‏أفيك خير؟‏، ‏قال: إي لعمري.‏ فأطلعته على الخبر. فقال: أنا نـِعم العون لك.‏ ‏فتزوجتُ المرأة ودفعتُ إليه ديناراً، وقلت له:‏ ‏اشترِ لنا به بعض السمك الهازبي.‏ فمضى ورجع وقد اشترى سمكاً من صنف آخر. فغاظني ذلك وقلت:‏ ‏ألم آمرك أن تشتري من السمك الهازبي؟‏ ‏ قال: بلى، ولكن الطبيب أبقراط كتب يقول إن الهازبي يولّد السوداء، وهذا سمك أقل غائلة!‏ ‏ فقلت: يا ابن الفاعلة! أنا لم أعلم أني اشتريت جالينوس!‏ ‏وقمتُ عليه فضربته عشر مقارع. فلما فرغتُ من ضربه أخذني وأخذ المقرعة وضربني سبع مقارع، وقال:‏ ‏ يا مولاي، الأدب ثلاث، والسّبْع فضل، وذلك قصاص، فضربتك هذه السّبع خوفـاً من القصاص يوم القيامة!‏. فغاظني هذا، فرميته فشججته، فمضى من وقته إلى ابنة عمي، فقال لها: يا مولاتي، إن الدّين النصيحة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ غـشّنا فليس منا. وأنا أعلمك أن مولاي قد تزوج فاستكتمني، فلما قلت له لا بدّ من تعريف مولاتي الخبر ضربني وشجـّني.‏ ‏فمنعتني بنت عمي من دخول الدار، وحالت بيني وبين ما فيها، فلم أر الأمر يصلح إلا بأن طلقت المرأة التي تزوجتها.‏ ‏وقلت في نفسي: أعتقه وأستريح، فلعله يمضي عني.‏ ‏فلما أعتقته لـزمني وقال:‏ ‏الآن وجب حقك عليّ.‏ ‏ثم إنه أراد الحج، فجهزته وزوّدته وخرج. فغاب عني عشرين يومـاً ورجع. فقلت له:‏ لـم رجعت؟‏ ‏ فقال: فكرتُ وأنا في الطريق، فإذا الله تعالى يقول: (وللهِ على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً)، وكنتُ غير مستطيع، وفكرتُ فإذا حقك أوجب، فرجعت!‏. ‏ثم إنه أراد الغزو، فجهزته، فلما غاب عني بعتُ كلّ ما أملك بالبصرةِ من عقار وغيره، وخرجت عنها خوفـاً من أن يرجع! ‏

من كتاب "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" لابن الجوزي

******
من مذكرات أندريه جيد عن خادمة مارسيل بروست:

كانت الزِيارات غير مسموحة أو ممكنة أثناء النوم المألوف لمارسيل بروست في النهار أو أثناء انصرافه إلى الكتابة، وكانت تجد اعتذاراً لبقاً مهذباً من خادمته "سيلـِيـسـِتْ ألباريه"، وقد اكتسبت هذه كلـماته وعاداته، واكتسبتْ ـ لطول ملازمتها له ـ ظرفه وتهذيبه وأسلوبه في الحديث، حتى لهجته وصوته.
وفي مقابلة أجراها التلفاز الفرنسي مع هذه الخادمـة المخلصة الوفيةِ، لتتحدث عن سيدها القديم (مارسيل بروستْ)، أوردتْ طـرفاً من ذكرياتها الخوالي عن بروست، بـلهجة فرنسية صافـية، تتخللها الصور الأدبية الحلوة. وكانت عيناها المخضلتان ِبالدمع تشعان، فيما كانت تستفيض في الحديث ذكاء وحيوية، واستبنتُ في معارف وجهـها الذي غـضنته الشيخوخة: طيبة ورقة وعـذوبة. وقلت في نفسي: "أجل هذه هي المرأة الوفية التي خـدمت بروست ورعـته وحدبت عليه، وكتب هو في ظـل عـنايتها روايـته"بحثاً عنِ الزمن الضائع" التي ترتفع، قمة شامخة من قمم الأدب العالمي".
ـ من "قمم في الأدب العالمي" لبديع حقي

******
خادمات جان جينيه:
في مسرحية (الخادمات) يقدّم جان جينيه خادمتين تقومان بتمثيل محاولة قتل سيدتهما البورجوازية، بأسلوب (المسرح داخل المسرح)، أي بوساطة الخيال والوهم. ففي مطلع المسرحية نجد مسرحاً داخل المسرح، ونقع تحت سيطرة الوهم، وتطالعنا غرفة نوم ازدانت بأثاث فخم علي طراز عصر لويس الخامس عشر، وتنتصب أمامنا، بين الأقمشة المخرمة والزهور، سيدة متغطرسة ترتدي ملابسها بمعونة خادمتها، إلاّ أن المشهد لا يعدو أن يكون تمثيلاً في تمثيل، لأن السيدة هذه ليست إلاّ خادمة. بعد ذلك تظهر السيدة الحقيقية ـ وهي امرأة متبرجة ـ فأعدت لها الخادمتان جريمة القتل الوهمية. ثم تحدث، في نهاية المطاف، حادثة موت حقيقية، أيضاً على شكل محاكاة للجريمة، وكانت في الواقع انتحاراً، بمعني أن إحدى الخادمتين تجبر شقيقتها علي أن تقدم لها السم لتلقى حتفها وهي تؤدي دور السيدة. الحب والكراهية بين الشقيقتين في مسرحية جينيه "الخادمات" وحسدهن لربة المنزل الذي يعملن فيه ومحاولتهن تسميمها، كل ذلك ينقلب إلى الضد، فحين تحبط محاولة الشقيقة الصغيرة كلير في قتل سيدتها عن طريق كوب الشاي المسموم، يضطرها ذلك إلى القيام بفعل ترجيعات المرايا أو لعب الأدوار، فها هي تلعب دور السيدة إزاء شقيقتها التي يقوم بلعب دور كلير نفسها، لتسقيها الشاي المسموم كي تشربه وتموت في الآخر منتحرة. هذا الانتحار الذي يمثل من وجهة نظر كلير نوعاً من السمّو والمجد.
******
عموس في التـراث الإغريقي:
هـوَ خادم أوديسيوس الأمين وراعي قطعانه. أصبح اسمه مرادفاً للخادم الأمين الذي ينزل عند سيده منزلة الصديق.
******
قصيدة أنسي الحاج "الغابةُ الواعية" من مجموعته "وليمة":
عندما تـُضربُ الخادمةُ في ساعةٍ مبكرة
أتذكـَر لحظة القربانة الأولى.
الخادمـة إذا ضُرِبَتْ
فالشمسُ لا يهمّها
لكنّ المناولـة الأولى تنكسر كالشمس.
ضَحِّكوا الخادمة
الغابة الواعية في حسناء!

صالح العامري
شاعر عماني

 

أعلى



أحاديث صحيحة من أطراف البلدة
الفرح لا يحب العيش في المدن الكبيرة (2)

قال لها وهما يمعنان في تهجي خرائط الجسد: فجراً سأسافر.
قالت: حسناً، لكن عد سريعاً قبل أن تموت عصافير الحديقة، ويتعكر ماء حوض السمك.
بعد سنين بعثت إليه: لقد ماتت العصافير وبقيت الحديقة، ولقد نفقت الأسماك وظل الماء صافياً فلا تتعجل العودة.
***
دعوه يشاطر الشياطين لهوهم إذا ما كانت تلك هي رغبته الأخيرة في هذا الكون.
اتركوه يرحل مغسولاً منكم ومن أدرانكم. لقد أدرك مؤخراً أن الفرح لا يعيش في المدن الكبيرة.
دعوه يمضي الى منتهاه بروح خفيفة.
دعوه.
***
عندنا تخاف الشابة من الحديث الى شاب في سنها، إذ تتخيله هاجماً عليها بقضيب من حديد يهشم رأسها ويمزق جسدها. أما عندهم فالمشهد يختلف، فقضيب الحديد بيد الفتاة تستخدمه إذا أحست ما يستدعي استخدامه في حديث الشاب أو أفعاله، لذلك ففتياتهم يتحدثن في ثقة لا يعرف الوجل سبيلا إليها.
***
هاهم جاءوا بأعينهم القوقازية يدثرون النظارة بحركاتهم البهلوانية وألعاب أياديهم الخفيفة، أولئك العالقين فوق المقاعد تلحسهم الدهشة وتقليهم نار الريبة الهادئة، ومن ثم يتقافزون الى جحورهم وقد حققوا مآربهم في زرع البلاهات واستثارة الشهقات من الأفواه المفغورة. وعاد الآخرون معلقين حيرتهم الغائرة في رقابهم يهندسون تشظيهم الشاسع متساقطين في شراك الخدعة.
***
في مهرجان الفرح الوهمي الذي ينظمه ورفاقه كل ليلة كان مستأسداً في مأدبة الطعام والشراب. كان صوته يعلو وينخفض مع سلم الموسيقى. وكان جسده يميل ويتغضن في حركات مموسقة. وكان قلبه يتنزه بين أرخبيلات السعادة. كانوا جميعاً يقتاتون من تضاريس الوقت. فجأة تصله رسالة نصية من زوجته: حبيبي لا تنسى دواء البنت، و كيس الأرز، وصندوق البرتقال، وخيشة البصل، وعلب الحليب والزيت، ولا تنسى موعد طبيب الجلد غداً وزيارة أهلي بعد الظهر.
يتضعضع شيئا فشيئا ويبدأ في النزول من سلمه الموسيقي.


عبدالله بني عرابة

 

أعلى



بدعة الفن للفن

الفن للفن أو الفن من أجل الفن هو اتجاه ومذهب فكري فني أدبي دعا إليه جماعة من الفنانين والأدباء المتطرفين باسم الحرية هادفين من اتجاههم هذا إلى تحطيم قيود وأغلال التقاليد التي كانت تعوق مشاعرهم للاستمتاع بجمال الحياة وجمال الفن في ذاته، دون أن يُقصد به غرضاً نافعاً، والموالين لهذا المذهب الذي ظهر في عهد الملكة فكتوريا ملكة إنجلترا خلال الفترة 1819ـ1901م قد غفلوا دور الفكر في معالجة قضايا الحياة، ولم يجدوا أنفسهم ولم يجدهم الناس منتجين أو متفاعلين مع روح المجتمع، وبالتالي لم يبلغوا بفنهم مراتب الفكر المتسامي. وقال أتباع هذا المذهب إن قاعدة الشعر والفنون تتمثل في الشخصية الإنسانية فقط، وهذا في نظرهم ليس معناه أن يكون الفنان مفكراً متعمقاً أو ناقداً قوي الملاحظة أو نموذجاً للفضيلة ليحيا ويشعر بمآسي الحياة، لأنه قد يخطئ وقد يفقد نقاوة سريرته، ولكن يجب أن يكون مرهف الحس للجوانب الإنسانية كلها، ومن جملتها الفضيلة والخطيئة والخير والشر وغير ذلك من الخصال المتناقضة. وبذلك نجد أن فكرة الفن للفن هي بدعة حقيقية لأنها تجرد الفنان من مسؤوليته أمام قضايا المجتمع ولم تعد وظيفة الفن في نظرهم هي التعبير عن معان وقيم أخلاقية أو وقائع اجتماعية أو دعوة إلى رؤية خصائص تشكيلية ذات مضامين تبعث إلى التفكير السامي المترفع عن الصغائر، كما أن البعض من معتنقي هذا الاتجاه لا يرون أن الفكرة الأدبية الخالصة تكفي وحدها لإيجاد البديع من الشعر أو اللوحات المصورة أو الموسيقى الشجية، بل المعول الأوحد على ذلك هي مخيلة المبدع وحده، التي يرون أن باستطاعتها إعادة ترجمة تأملات كل منهم أثناء تكامل الإحساس وتداعي المعاني بمضمون الفكرة، فتتمثل أشكالاً أو ألواناً أو كلمات أو أشعاراً لها إيقاع وأوزان وبريق ورنين كل ما للبلاغة من مقومات التعبير. ومن قولهم أيضاً أن كثير من بوارق الإلهام تصدر من الفنان عن اللاشعور، وكأنه يحيا نفس الحياة التي يصورها بفنه، أو قد يكون عمله صورة لحياة إنسان آخر ود لو أمكنه أن يحياها، أو أن يشعر بالرغبة في خوضها كتجربة فيحول بينه وبينها قصور ذاتي، ويعللون مقولتهم هذه بأن هناك الكثير من قصائد الشعر أو اللوحات المصورة أو المقطوعات الموسيقية الحماسية التي تدعو إلى الجهاد والنضال والاستشهاد والجود بالنفس وما شابه ذلك من معاني البطولة تكون صادرة عادة من شعراء وفنانين لا يعرفون كيف يحملون السلاح. وبهذه المقولة نجد أن التعبير الفني لديهم غير مشروط بحدث معين، وإن كان يتحتم أن يصدر عن إيمان ويقين وصدق.
إن هذا الاستهلال التاريخي لمضمون هذا الاتجاه سقته في هذا المقال كبصيص من قول كثير لهذا الفكر الفني والأدبي المتطرف الذي لا يقيم للفنان أو الأديب المبدع في كيان المجتمع أي تغلغل بل ينعزل به وبفنه في ذات فنه، مُشكِلاً معه حلقة تذوب في حلقة أصغر منها إلى أن تصل إلى حالة الصفر، تتأثر بعواملها الداخلية فقط ولا تعيش الحياة من حولها، جئت معرفاً بهذا الفكر من أجل أن أؤكد على أمر هام وفي غاية الخطورة وقع فيه للأسف من وقع من الفنانين القدماء في القرن التاسع عشر وفي ألفيتنا الحديثة، فهناك من الفنانين الذين يعيشون بيننا ينتمون إلى هذا الاتجاه بدون أن يشعروا بذلك، فهم ينتجون الفن من أجل الفن ذاته، ويؤكدون على معاني هذه البدعة الفنية في أعمالهم تلك، وكثيراً ما سمعت بعضهم يذكر لي بقوله أنا أرسم من أجل نفسي، ولا يَهمُني رأي الآخرين فيما أُنتج، وأشاهده يقيم علاقاته الفنية في أعماله حسب فكره الخاص بدون أن يكترث بمشاعر الآخرين أو اشمئزاز بعضهم من الطرح الفني الذي يقدمونه، حيث نجد البعض منهم يتعلل بعلاقات جمالية في شباك من الخيوط والحبال والمسامير وقطع الأخشاب وبقايا النفايات والكتل الضخمة من المكعبات والدوائر والمستطيلات والمواسير الصدئة والزجاج المكسور وأشياء تبدو كأنها حطام زلزال مدمر، بدون أن يكون لهذه الأشياء وعلاقتها مع بعضها البعض هدف سام أو غايات تجمع بين الفكر والجمال وتأخذ من المجتمع ألوان من الأحداث وتقدم له رأياً متزناً ذو فكر أبداعي لتأثر على فكره وتُنير وجهته إلى كل فضيلة، كما أننا كثيراً ما نجد البعض من الفنانين ممن أرهقوا أعمالهم بكثرة التقنيات الفنية على المسطحات والمجسمات وتجد الواحد منهم يسعى بهوس غريب للتجريب المستمر في الخامات ويقدم لنا كل يوم تقنية جديدة بالوسائط المختلفة بدون أن يسعى إلى طرح رسالة فكرية في أعماله أو أن يكون لأعماله تأثير بارز في تعايشها مع مجتمعه، فاهتمام هذه الفئة بهذا الجانب في العملية التشكيلية أفقد المتلقي متعة التأمل في التلخيص الجميل الذي يبتكره الفنان عند التعبير عن الحقائق الشعورية والحسية لأحداث الحياة من حوله، فالفن في الحقيقة متداخل مع الحياة وينبض بنبض قلبها ويتنفس من هواء رئتها فالأعمال الفنية التي ينتجها الفنان يجب أن تعكس الحقائق النفسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية ليكون لها التأثير الأقوى في مسيرة الحياة الإنسانية، فالنتاج الفني كما هو معروف عبر مسيرة التاريخ الفني هو صراع متأثر بالحياة في كل تفاصيلها وما هو إلا إفراز طبيعي لها، كما أنه فن جميل يدعو إلى القيم والفضائل في المجتمع ويعكس الحقيقة الاجتماعية بصدق وحيادية ، وعندما يفقد الفن موضوعية المعاني ذات الأهداف الإنسانية أو التاريخية أو الثقافية، يصبح من لغو الحديث الادعاء بأنها فنون جميلة، وبالتالي تنعدم الصلة بينها وبين الناس.

عبدالكريم الميمني



أعلى

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept