الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ


على غير عادته فيما يكتبه نثرا (المقالات الصحفية على سبيل المثال) جاءت مجموعة "مدارات الحبيب ..تجليات صوفية " للشاعر والكاتب صالح الفهدي لتؤكد حرصه على تجريد اللغة من خطابيتها، وتحويلها إلى أنوار متوهجة ، فتوافرت في المدارات نقاط ضوء شبيهة بشعاعات الضوء المنطلقة من نواة اللغة بعد تفجيرها وقد توزعت في شتى الاتجاهات ، فهي علامة من علامات انفتاح قصيدة الفهدي على النص الصوفي واغتذائها منه.
في "أشرعة" تستعرض الزميلة هاجر محمد بوغانمي المجموعة الجديدة لصالح الفهدي والتي صدرت حديثا عن دار الفكر بسوريا في طبعتها الأولى ، بعد عدة إصدارات منها في العام 1994 "مواسم الغناء" ثم "قابوس في القلب" سنة 2000 و"لأجلك قلبي يصلي" في العام 2003، بالإضافة الى عدد من الإصدارات تشمل "دراسات في الشعر" و"مسيرة الإنجاز .. تأملات في النهضة العمانية الحديثة" و"قيم تربوية" (ج1 وج2) ثم "قيم معطلة في المجتمعات العربية" الذي صدر في العام الحالي.
وضمن مشروعه "تاريخيات" يتناول الباحث محمد بن حمد الشعيلي في هذه العدد " تحكيم كاننج عام 1861م" والذي يصفه بأنه من أخطر القضايا في تاريخ عمان الحديث، فهو التحكيم الذي أدى إلى تقسيم الأمبراطورية العمانية ، وتجزئتها ما بين مسقط وزنجبار، ويتناول الباحث سلسلة من الأحداث معرجا إلى الكثير من الأمثلة في سياق عرضه التاريخي.
كما ينقل "أشرعة" ايضا لقاء من لقاءات نادي الأصدقاء المبدعين الذي تشرف عليه الكاتبة أزهار أحمد والذي أقيم مؤخرا في النادي الثقافي حيث تناول قصص الأمس الجميلة التي تحفظها الذاكرة الحية بكل تفاصيلها، وأحداثها، ومواقفها، والمنجز منها وغير المنجز بحضور الأطفال وأولياء أمورهم كي يستمعوا إلى خربشات الكتاب الأكبر سنا وتجربة.
ويتناول المعماري والأكاديمي الدكتور وليد السيد تفاصيل المؤتمر الدولي الأول للتراث العمراني في الدول الإسلامية ( بين "سلفية" الفكر الأكاديمي العمراني ورؤى صانع القرار الإستراتيجية) مشيرا إلى وجود الدلالات السياسية والثقافية والفكرية المتعددة التي تناولها المؤمر الذي عقد في الرياض بين 23 - 28 مايو 2010.
كما تواصل "أشرعة" نشر الإبداعات العمانية بمختلف الأجناسب الأدبية والتي تعوّد القارئ متابعتها من مختلف الزوايا التي يناقشها الكتّاب ، والتي لا شك ستقدم الثراء للمتابع بحسب اهتماماته.

المحرر

أعلى




قريبا .. مجلس الشعر الشعبي العماني يحتفي بإصداراته الشعرية

أصدر حديثا مجلس الشعر الشعبي العماني ثلاثة دواوين شعرية الأول بعنوان "حديث الروح" للشاعر علي بن أحمد بن مشاري الشامسي، والثاني بعنوان " آخر حكاية من الشمال " للشاعر أحمد مسلّط، ، والثالث بعنوان " هجير" للشاعرة هجير ، حيث تم طباعة الإصدارات في دار الفكر العربي بالجمهورية السورية ، وصمم أغلفة الإصدارات القاص هلال البادي . وسيقوم المجلس خلال الفترة المقبلة بتدشين الإصدارات تباعا في عدد من مناطق ومحافظات السلطنة ، كما ستقوم الدار بتوزيع الإصدارات خلال تواجدها في المعارض الدولية.
ويستهدف مجلس الشعر الشعبي العماني في مشروعه لطباعة الإصدارات الرعيل الأول الذي قام بجهد كبير في سبيل الساحة الشعرية في السلطنة، ولم يسبق أن أصدروا دواوين خاصة بهم ، وسوف يقوم المجلس قريبا بإعداد خطط لإستكمال مشروعة توافقا وطموحاته وأهم الأهداف التي يسعى لتنفيذها مستقبلا في سبيل خدمة الشعر والشعراء بكافة فئاتهم ومستوياتهم سواء على المستوى الشعري او النقدي والذي يسعى المجلس إلى ترسيخه بشكل أكبر والإعداد له للرقي بالساحة الشعرية عموما.


أعلى





الدراما السورية قادرة على الرواج خارج الأسواق العربية
خالد خليفة: لن أسمح بإحالة أعمالي الروائية الى عمل درامي ما دمت حيا

دمشق ـ من وحيد تاجا:
أكد الروائي والسيناريست السوري خالد خليفة ان مسلسل (هدوء نسبي) الذي قدمه في الموسم الماضي، والذي حظي بنسبة مشاهدة عالية جدا وحاز العديد من الجوائز، لم يخل من حماقة شأنه في ذلك شأن روايته الأولى "حارس الخديعة".. مشيرا الى ان جزءا أساسيا من هذه الحماقة ان تذهب الى حرب العراق الآن وفي ظل هذه الظروف.
وحول ميزات الدراما السورية اعتبر السيناريست خليفة في لقائنا معه ان ما يميز الدراما السورية هو النص والمخرج ومجموعة الأفكار التي أتت بها والتي تبدأ من الكاميرا الواحدة.. الى فكرة الجدية في التعاطي مع الأشياء.. الى فكرة عدم وجود سلطة للممثل. ولم ينكر خليفة ان الدراما السورية مازالت متخلفة نسبيا في النبش في القاع وفي المحرمات السياسة.. مؤكدا ان الدراما المصرية اكثر تطورا في هذه الناحية.. واكد السيناريست خليفة مجددا انه لن يسمح أبدا بتحويل أعماله الروائية الى عمل درامي، لأنه يريد دائما ان تبقى المخيلة جزء أساسي من شخصياته.
والكاتب خالد خليفة من مواليد حلب عام 1964، حصل على إجازة في الحقوق من جامعة حلب عام 1988 . ساهم في تأسيس مجلة ألف عام 1990. كتب العديد من النصوص والسيناريوهات التلفزيونية منها:( سيرة آل الجلالي ـ قوس قزح ـ حروف يكتبها المطرـ أهل المدينة ـ الوردة الأخيرة ـ زمن الخوف ـ ظل امرأة). كما كتب للسينما عدة سيناريوهات منها ( سهرة مهذبة ـ باب المقام ـ حجر أسود ـ خريف حار). أما في مجال الأدب والرواية فله ثلاث روايات هي (حارس الخديعة ـ دفاتر القرباط ـ مديح الكراهية).
* لا نستطيع القول ان من كتب رواية "حارس الخديعة" يمكن ان يكتب سيناريو مثل "هدوء نسبي" مثلا، فالدراما التلفزيونية لا تحتمل أي تجريب او ارتجال، فالأمر فيها واضح ( 1+1= 2) .. ما رأيك؟
** اعتقد ان نصا مثل "هدوء نسبي" كان فيه القليل من الحماقة أيضا، وجزء أساسي من هذه الحماقة ان تذهب الى حرب العراق الآن وفي ظل هذه الظروف.. لكن الدراما التلفزيونية لا تحتمل حماقة الرواية فدائما على الدراما ان تكون واضحة أي (1+1=2) ، انت تحاول هنا ان تجعل هذا الوضوح افضل ما يمكن، ثم يأتي دور شركاؤك وقد يجعلوه مسلسل متوسط المستوى او عالي كما رغبت او كتبت، فالدراما عمل جماعي مختلف جدا بكل شيء حتى ان طموحاتي فيه تكون مختلفة فأنا لا أملك الرغبة هنا بالتجريب وإنما ان اكتب نصا جيدا، لأنني أصبحت ادرك جيدا مدى خطورة التلفزيون، وكنت أقول للمثقفين تعالوا للعمل في هذا الجهاز ولكنهم للأسف تركوه لمجموعة من المدعين في وقت كان هناك فراغ كبير، لكن المثقفين هم من تخلوا عن معاركهم منذ بداية التلفاز الى يومنا هذا، ولكن اليوم الامور اختلفت كثيرا، فالعمل في التلفزيون أصبح مغريا جدا.. هناك شهرة واعلام واضواء ومال وسلطة، والتلفزيون بالنهاية هو مشروع سلطة.. ومشروع كل السلطات العربية هو التلفاز، وبالتالي انا اكتب هنا نصا لكي يتم تنفيذه لان النص لا قيمة له اذا لم ينفذ .. فهو ليس نصا للقراءة وإنما للتنفيذ.
* الرواية عمل فردي بحت، اما السيناريو فيمكن ان يكون عملا جماعيا. فهل تعمل مع اكثر من شخص؟
** لا أبدا. فأنا اعمل على كتابة السيناريو لوحدي، ولا اعمل مع أي مجموعة، فنحن لا نملك هكذا تقليد في العالم العربي، بمعنى حلقة عمل تخرج بعمل واحد تحت إشراف الكاتب الرئيسي. وإذا أردنا ان نتحدث من جهة مادية فالمبلغ الذي يأخذه كاتب السيناريو لا يمكن تقسيمه على اكثر من شخص، والشيء الثالث ان ايقاعي في الحياة مختلف فأنا لا أستطيع ان أشارك كاتبا آخر في نفس العمل فلكل منا نمط وإيقاع حياتي مختلف، ولكن هذا لا يمنع من كوني أؤمن بالمشاريع الجماعية (لم اعد مؤمن) فأنا أجد دائما ان الوقت يمضي ولدي مشاريع كثيرا علي القيام بها فأصبحت اقتنع تماما انه هذا الشيء قدر وانا اقبل به ببساطة.
* ولكنك اشرت الى وجود حلقة سيناريو تعمل معك؟
** عادة ما أنظم بين فترة واخرى دورة لعدد من الطلاب الذين يرغبون بتعلم كتابة السيناريو.. وهناك أناس تأتي لتسألني عن هذا الامر. وهذا شيء يسعدني ان يكتب الشباب ويكونوا على اطلاع على احدث تقنيات كتابة السيناريو وكيفية كتابة نص وتفكيكه لأننا لا نملك هنا معاهد لتعليم كتابة السيناريو، وهذا نقص كبير لابد من تلافيه لاسيما مع هذا المد الكبير للدراما السورية اليوم.. فالدراما صناعة كاملة لكن لا يوجد معهد يخرج كتاب سيناريو، وباعتقادي ان وجود معهد سيضيف للنص السوري والدراما السورية عاملا مهما يزيد من رصيده وإيجابياته، وبرأيي ان السيناريو هو العنصر الأقوى في الحركة الدرامية، مع احترامنا لوجود كم كبير من الممثلين الكبار والمتميزين فضلا عن عدد من المخرجين الجيدين.. لكنني أرى ان النص اليوم هو الاهم بين الدرامات العربية الموجودة.
* ما الذي يميز الدراما السورية تحديداً النص أم المخرج؟
** ما يميز الدراما السورية هو النص والمخرج ومجموعة الأفكار التي اتت بها والتي تبدأ من الكاميرا الواحدة .. الى فكرة الجدية في التعاطي مع الاشياء.. الى فكرة عدم وجود سلطة للممثل عندنا كما هو موجود في دول أخرى، ولكنها وللأسف بدأت اليوم تتحول عندنا ايضا الى سلطة، وهذا الشيء سيء جدا فأنت لا تضمن دائما ان يكون هناك ممثل عادل ونزيه يدير العملية كاملة من اجل ظهوره فهذا شيء اساسي.. العمل الجماعي بين الإنتاج وبين الإخراج وبين الكتابة وبين التمثيل هو ما ميز الدراما السورية حتى الان .. بالإضافة الى الدعم الحكومي الكبير للدراما السورية.. بالتالي هي تملك كل اسباب النجاح وممنوع ان تفشل.
* يلاحظ ان الدراما السورية أخذت أيضا بالنبش في القاع وفي المحرمات السياسية؟
** مازلنا متخلفين نسبيا على هذا الصعيد.. اما الدراما المصرية فهي متطورة اكثر في هذه الناحية.. ولكن التفات الدراما السورية الى هذه المسائل مؤخرا الى النبش بالقاع والخوض في ما يسمى بالمحرمات السياسية شيء جيد وأساسي، ولكن النبش الحقيقي لم تباشر به الدراما السورية حتى الان .. الا انها سوف تضطر للخوض فيه بشكل اعمق خلال السنوات المقبلة لانها ستشعر ان لديها أزمة تكرار مواضيع .. ولا يوجد مواضيع جديدة غير المسكوت عنه .. وهذا قدر الدراما السورية.
* اين ترى نفسك في الدراما ام في الرواية؟
** بصراحة أرى نفسي في الرواية قولا واحدا، لكنني اعتبر نفسي محظوظا أني أستطيع كتابة دراما مطلوبة وتباع ويراها الناس ويحترمونها فهو شيء صحي، ورغم أني لا أرى نفسي بالسيناريو الا أنني احب هذا النوع من الكتابة.. فالسيناريو اصبح بالنسبة لي لعبة استمتع وانا العبها .. وفي بادئ الأمر كان ظرفي يستدعي ان اعطي 90% من وقتي للدراما و10% للرواية .. أما الان فقد اصبح هناك جزء من التوازن فأنا أعطي الان 50% من وقتي للرواية و50% للدراما واعتقد انه في السنوات المقبلة سوف أعطي 90% للرواية و10% للدراما لكن سيبقى للدراما حيز لأنني ما ازال استمتع بهذه اللعبة.
* كيف يمكن للدراما التلفزيونية ان تلعب دورا في تشكيل ذهنية سلبية لدى المتفرج.. فقد رأى البعض ان ما حدث بين الجزائر ومصر بعد لعبة كرة القدم يعود بشكل كبير الى جهل كل منهما بالاخر.. فهل يمكن للدراما ان تلعب دورا إيجابيا على هذا الصعيد؟
** الدراما عموما هي جزء أساسي من الإعلام .. لكن طبعا ما حدث بين مصر والجزائر كان مؤسفا جدا .. فهو يجعلك تفكر كم نحن بشر مهزومين أي امة مهزومة الى هذه الدرجة واعتقد ان التلفزيون العربي ساهم أيضا بهزيمتنا تلك، لان صوت الحقيقة في هذا الجهاز الخطير لا يتجاوز الحد الأدنى. ولا ارى ان الانترنت يمكن ان يعطيك معرفة اكثر ، بعكس مايقال ، لان هذا الطوفان الهائل من المعلومات يحرمني ليس من اللذة الكلاسيكية التي تمنحها متعة قراءة الكتاب، بل يحرمني من القدرة على تركيز المعلومات.
ما حدث في حينها، واقصد الان ان أتحدث عن الامر لأنني في وقتها رفضت إعطاء أي تعليق، ما حدث جعلني ارى مصر بطريقة جديدة وارى الجزائر بطريقة جديدة، وعلى ما يبدو اننا كلنا مجتمعات مهزومة وصلنا الى مراحل متقدمة من الهزيمة لدرجة ان مباراة كرة قدم تثير كل تلك الضجة، فضلا عن اللعبة السياسية في الموضوع، فبالتالي تحولت لعبة كرة القدم الى لعبة سياسية كبيرة جدا .. فانا اعرف المصريين جدا وهم شعب منفتح على الادب السوري مثلا، عندهم رغبة بمشاهدة الدراما السورية والدراما الجزائرية وعندهم معلومات عن الجزائر وبالتالي هؤلاء المثقفين لا دخل لهم بهذه المعركة ولا المثقفين الجزائريين ايضا لكن هناك دائما اناس يحاولون ان يصبوا الزيت على النار وهذا ما قد حصل.
وبالتأكيد فان للدراما التلفزيونية دور بتشكيل ذهنية لدى المتفرج سلبية كانت ام إيجابية .. وقد حدثني بعض الأصدقاء المقيمين في منطقة الخليج العربي انه بعد ان أصبحت الدراما السورية مهمة أصبحت حياة السوريين هناك افضل بكثير واصبحوا محبوبين اكثر لأن بلدهم وطبيعة الحياة السورية أصبحت معروفة اكثر الآخرين، فقد لعبت الدراما السورية دور أساسي في هذا التصدير، ونحن نحب المصريين لاننا نعرف أيضا الكثير عن الحياة المصرية عبر الدراما خاصة نصوص الكتاب الحقيقيين مثل (أسامة أنور عكاشة) او (وحيد حامد) ، وهذا شيء مفيد ويصب في مشاريع إيجابية، ولكن هذا لا يعني ان تصدير الحياة يأتي بأهداف مرسومة.. المهم ان تنتج دراما انسانية حقيقية..هذا هو مشروع الدراما الأساسي.
* كيف ترى مستقبل الدراما السورية وهل هي قادرة على الخروج الى العالم غير العربي؟
** الدراما السورية قادرة على الرواج خارج الأسواق العربية.. وهذا هو الحل الوحيد لديها، عليها حتى لا تبقى محصورة في السوق الضيق الصغير أي الساحة السورية. أو حتى الساحة العربية .. وطالما إننا نستطيع ان نكون جزء من المشهد الإنساني فلماذا نبقى محصورين في المشهد العربي فقط.. وبصراحة يزعجني جدا ميل العرب للتقوقع على ذاتهم.. فالمصريين مثلا مكتفيين ذاتيا بساحتهم الداخلية وانا لا أستطيع ان أجبرهم على التعامل مع دراما أخرى.
* استغربت تصريحك بعدم الرغبة بإحالة رواياتك الى أعمال درامية؟
** لا تستغرب.. وانا أؤكد هذا من جديد فما دمت حيا فلن اسمح بإحالة أعمالي الروائية الى عمل درامي، لأنني أريد دائما ان تبقى المخيلة جزء اساسي من شخصياتي.. لا احب ان ارى أي ممثل يجسد إحدى شخصياتي ليس لعدم ايماني او قناعتي بقدرة هذا الممثل او ذاك، وانما لرغبتي بأن تبقى المخيلة الرائعة جزء اساسي من اعمالي.. ممكن بعد عشر سنوات او عشرين سنة ان اغير رأيي ولكن الان هذا رأيي.
* لقي عملك الآخر "هدوء نسبي" تقبلا ملحوظا فاق التقبل الذي نالته أعمالك السابقة "سيرة ال الجلالي " او "قوس قزح"؟
** هذا طبيعي، فالعمل مختلف جدا.. حيث تناول حدثا حارا هو الحرب العراقية.. ومسألة النجاح او الفشل تأتي في المرتبة الثانية بالنسبة لي، الكل يعرف بان أمريكا أنتجت العديد من الأفلام عن العراق ولكن العرب مازالوا يتساءلون بعد الحرب بخمس سنوات او ست سنوات ما العمل(؟!) ، بالتالي كان العمل جديدا وجديا وخطرا .. وهنا يأتي دور الحرفة التي تنقذ الأشياء، فقد كان هناك شجاعة أيضا من قبل المنتجين لقبولهم بإنتاج اول مسلسل يتحدث عن العراق .. ويجب ان يكون هناك عشرين او ثلاثين مسلسلا عن العراق، ويمكن القول ان "هدوء نسبي" فتح الباب على مصراعيه لإنتاج أعمال من هذا القبيل.. وانا سعيد جدا بانني استطعت ان أقوم بأي شيء عن العراق.. بالتالي فان لهذا النص خصوصية ما تختلف عن خصوصية نص "سيرة آل الجلالي" او "قوس قزح" حيث كان كل نص ينطلق من بيئته المحلية ، وكان له جمهوره الخاص أيضا..
* الى أي حد تسمح للمخرج ان يتدخل في النص؟
** يستطيع المخرج حذف ما يريد وما يحلو له من النص.. ولكن لا يحق له أبدا إضافة أي شيء عليه.. هذا بشكل عام، فأنا اترك عادة للمخرج هامشا للتعامل مع الشخصية.. كما اني شخص يتناقش مع المخرجين، بالتالي لا داعي على الإطلاق للإضافة، ولكن هناك بعض المخرجين الذين يريدون ان يكونوا مخرجين وكتاب في ان معا.. وهؤلاء لا أستطيع التعاون معهم، الا أنى اعتبر نفسي محظوظا كوني أتعامل مع مخرجين محترفين فلا داعي ان تدخل في ساحتهم.. وهي ففي النهاية ساحتهم الفعلية وليست ساحتنا، فالكتاب دوما يعيشون في الظل، الناس يهتمون بالمخرجين والممثلين،.. وفي جميع الأعمال المهمة التي عملت بها كانت الأمور جيدة ، فقد عملت مع المخرج (هيثم حقي) مثلا وكان من اكثر الناس الذين يحترمون الكتاب ومن اهم من قرأ نصا تلفزيونيا، اما المخرج ( شوقي الماجري) فعنده رغبة في التدخل بالنص وانا لا أمانع في ذلك فهو في النهاية يريد ان يركب العمل لانه مسؤول أيضا عن إيقاع العمل، فقد يضطر الى حذف بعض المشاهد لصعوبة التصوير مثلا ..يجب دوما ان يكون هناك هامش في الكتابة وعليك ان تكون شريكا مرنا ، فالمهم كيف تستطيع ان تصبح إنسانا أساسيا في المهنة، قد يحدث ان تتعرض لمشكلة مع احد المخرجين من ناحية انه لم يستطع فهم ما تريد بالظبط، وهذه مشكلتي انا وليست مشكلة المخرج ، ولكن لا تستطيع ان تكتب عشرة أعمال ناجحة فبعد "سيرة آل الجلالي" كان هناك "زمن الخوف" ومع الأسف لم يعرض سوى على قناة اوربت ففي النهاية انت لا تستطيع ان تعمل اكثر من هذا و لايمكن ان تكون أعمالك كلها على نفس السوية العالية، حتى (اسامة انور عكاشة) لديه خمس نصوص فعلية والباقي عاديين ففي النهاية انت تمتلك مخيلة او طاقة محدودة.. والمشكلة بان عدد قليل من الجمهور يستطيع التمييز بان النص جيد ولكن التمثيل او الإخراج سيئ، وبالتالي يتحمل الكاتب دائما مسؤولية فشل أي عمل في حين عند نجاح العمل فان الكاتب يكون اخر شخص يتم ذكره ، حيث يأتي الممثلون في الصف الأول وكذلك المخرجون.. وهناك استقواء علينا ، ولهذا نحن نفكر الان جديا بإنشاء نقابة لكتاب السيناريو تدافع عن حقوقهم ..والان المشروع معروض امام السيد رئيس الجمهورية ، وهو يدعمنا دعما مطلقا...
* وهل تسمح للمنتج بالتدخل في النص؟
** كما أسلفت، فقد كانت تجربتي دائما، ولحسن الحظ ، قائمة على الحوار المرن أثناء العمل سواء مع المخرج أو مع المنتج ، فالمنتج طرف أساسي في العملية و يحق له ان يتكلم ويبدي رأيه في النص، هناك الكثير من الاحيان التي قد نختلف فيها مع المنتجين فلا نعمل سوية.. مجموعة الأفكار قد لا تتناسب مع مطالبهم وهذا حقهم، وهناك بعض المنتجين يقومون بتغيير في النص حذف او إضافة وذلك بعد توقيع العقد مع الكتاب، ولكنني بصراحة لم أتعرض لهذا الامر حتى الان.

أعلى






تاريخيات
تحكيم كاننج

اللورد كاننج نائب الملك البريطاني في الهند سعى إلى تقسيم الأمبراطورية العمانية للحفاظ على مصالح الدولة البريطانية

كانت عمان بصفة عامة وزنجبار بصفة خاصة محور التنافس ما بين القوى الأوروبية والأميركية إدراكا منها بأهمية هذه المنطقة وثرائها الاقتصادي

في 12 أبريل 1861م صدر القرار التاريخي الذي أدى إلى تقسيم الأمبراطورية العمانية إلى سلطنتين إحداهما في مسقط والأخرى في زنجبار

يعتبر تحكيم كاننج عام 1861م، من أخطر القضايا في تاريخ عمان الحديث، فهو التحكيم الذي أدى إلى تقسيم الأمبراطورية العمانية، وتجزئتها ما بين مسقط وزنجبار، وهي الأمبراطورية التي أرسى قواعدها السيد سعيد بن سلطان، وكانت تعتبر من أنجح الأمبراطوريات في العالم في مختلف النواحي سواء الإدارية أو الاقتصادية أو العسكرية، وهو التحكيم الذي ينسب إلى اللورد كاننج نائب الملك البريطاني في الهند، الذي سعى إلى تقسيم الإمبراطورية العمانية للحفاظ على مصالح الدولة البريطانية في النهاية.
ويمكن القول أن ملامح تقسيم الأمبراطورية العمانية بدأت بانتقال السيد سعيد من مسقط إلى زنجبار واتخاذها عاصمة له عام 1840م، مما أدى ذلك إلى التأثير على وضع مسقط السياسي والاقتصادي، ورضوخها في نهاية الأمر إلى المطامع البريطانية.
وقد نجح السلطان سعيد في تقوية اقتصاد زنجبار بصورة غير مسبوقة، وتمكن من زيادة دولته، واهتم بها اهتماما كبيرا، في الوقت الذي كان اهتمامه بمسقط يقل مما أدى إلى افتقار ممتلكاته الآسيوية إلى الرعاية، وأخذ الضعف يدب فيها في الوقت الذي أخذت ممتلكاته الأفريقية تنمو بطريقة ملحوظة، مما أدى إلى تقوية علاقاته الخارجية، وخاصة مع الولايات المتحدة الأميركية، والتي نتج عنها في النهاية توقيع معاهدة صداقة وتجارة تنظم العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وعمان في عام 1833م، كما جذب ساحل شرق افريقيا اهتمام الأوروبيين بشكل جدي في ظل تشجيع السيد سعيد للتجار الأوروبيين على الإقامة في زنجبار، ولذلك كانت عمان بصفة عامة وزنجبار بصفة خاصة محور التنافس مابين القوى الأوروبية والأميركية ادراكا منها بأهمية هذه المنطقة وثرائها الاقتصادي.
كان السيد سعيد بن سلطان استقر قبل وفاته على تقسيم ممتلكات الإمبراطورية العمانية بين أبناءه، فعهد إلى ابنه ثويني حكم القسم الآسيوي من دولته وذلك منذ عام 1833م، وكان ينوب عن والده في مسقط عندما كان ينتقل إلى زنجبار، وابنه ماجد حكم القسم الأفريقي وذلك منذ عام 1854م، والذي كان أيضا ينوب عن والده أثناء تواجده في مسقط، ووضع ابنه تركي على صحار، وكان السيد سعيد يهدف من وراء هذا التقسيم الحفاظ على ممتلكات السلطنة ولم يكن يقصد التقسيم السياسي التام، غير ان بريطانيا استغلت وصية السيد سعيد في ذلك، واتخذتها حجة لتقسيم الأمبراطورية العمانية بشكل نهائي، وقد استندت في ذلك إلى رسالة كان السيد سعيد بن سلطان بعث بها إلى اللورد أبردين وزير الخارجية البريطاني في عام 1844م يقول فيها "عند وفاتنا استقر تنظيمنا الذي وضعناه لدولتنا أن يتولى ابننا السيد ثويني على ممتلكاتنا الآسيوية وابننا السيد ماجد على ممتلكاتنا الأفريقية".
وساعدت الظروف بريطانيا على تحقيق ذلك الانفصال، فعقب وفاة السيد سعيد بن سلطان في 19 اكتوبر سنة 1856 كان الوضع في السلطنة منقسم تلقائيا إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول يحكمه ثويني ومقره مسقط والقسم الثاني يحكمه تركي ومقره صحار والقسم الثالث يحكمه ماجد ومقره زنجبار، حيث نشبت الخلافات بين أولاد السيد سعيد، ولم يكن ثويني يعلم بوفاة والده حتى أخفى الخبر عن بقية أخوته حتى يضمن ولاء الحاميات القائمة مدن عمان الرئيسية.
وفي زنجبار أعلن السيد ماجد نفسه سلطانا على زنجبار وبعث برسائل عدة إلى كل من الملكة فكتوريا ملكة بريطانيا ولنابليون بونابرت في فرنسا ولرئيس الولايات المتحدة الأميركية وجيمس بوكنان ولوزير الخارجية البريطاني ايرل كلاريندن ولتشارلز جون فايكونت الحاكم البريطاني العام في الهند، جاء فيها "لقد اجتمع الأشقاء والأهل وكبار مشايخ البلد واعترفوا بي خليفة لوالدي وبذلك أصبحت حكاما على البلد، وبفضل الله وعطف حكومتكم فإن كل شيء على مايرام ويسود الهدوء أنحاء المملكة والرعايا قانعون".
وحاول برغش أخذ السلطة من اخيه ماجد، غير أنه لم ينجح في محاولاته بسبب وقوف الوكيل البريطاني السياسي في زنجبار أتكنس همرتون إلى جانب السيد ماجد التزاما بوصية السيد سعيد التي كان بعثها إلى أبردين كما مر بنا ذلك.
غير ان السيد ثويني رفض ماقام به أخيه السيد ماجد وأرسل إلى زنجبار مبعوثه محمد بن سالم الذي نجح في التوصل إلى اتفاق ودي بين الأخوين، يقتضي بدفع السيد ماجد معونة سنوية إلى اخيه السيد برغش قيمتها 40 ألف ريال نمساوي كل عام، وهو نفس المبلغ الذي كان يعادل ميزانية مسقط من الدخل الإجمالي لزنجبار، ورغم ذلك فإن هذا الحل لم يكن حاسما، فقد رأى السيد ثويني في هذا المبلغ علامة تبعية لزنجبار في الوقت الذي لم يكن السيد ماجد يرى ذلك، مما ادى إلى انقطاع هذه المعونة بعد سنة والغاء الاتفاق المبرم بينهما، خاصة وأن السيد ماجد لم يتمكن من الوفاء بالتزاماته تجاه هذه المعونة بسبب انخفاض نسبة الضرائب الجمركية.
هذه الأحداث ادت بالسيد ثويني إلى التفكير بمهاجمة أخيه في زنجبار فجمع 15 ألف رجل واتجه إلى الجزيرة، ولكن تم ايقافه من قبل الأسطول الانجليزي على بضعة كيلومترات من مسقط، مما أدى إلى اشتعال الأحداث وتصاعدها بشكل ينذر بالخطر.
وظلت الحرب بين الأخوين تنذر بالانفجار في أي لحظة مما أدى إلى تدهور الأوضاع التجارية في كل من مسقط وزنجبار، وأجبرت الظروف السياسية والاقتصادية التي كان يعاني منها السيد ثويني إلى الرضوخ للسلطات البريطانية في الهند، وهوما تجلى بشكل واضح في رسالته إلى نائب الملك في الهند، وذلك في 21 سبتمبر 1859م، والتي جاء فيها " أنا الموقع أدناه السيد ثويني أعلن بأنني وقد طلبت مني حكومة الهند العليا أن لا أقوم بأي عمل ضد زنجبار، امتنع عن ذلك نزولا عند رغبتها، كما أحكم في كل خلافاتي مع أخي ماجد الحكومة البريطانية، ومهما كان القرار المحتوم للحاكم العام في تحكيمه بيني وبين أخي ماجد ومهما جرى، فإنني أتعهد بالخضوع له، وأنا مصمم على الخضوع لقراره مهما يكن هذا القرار".
وبدوره أيضا بعث السيد ماجد إلى الحكومة البريطانية في الهند رسالة مفادها "لقد عهدت بحل الخلاف وتهدئة الشقاق إلى سيادة الحاكم العام، نائب صاحب الجلالة السامية في حكومة الهند، ومهما يكن من قرار الحاكم المذكور، فإنني أقبله وأوافق على كل حال ماسيحكم به فيما يتعلق بي".
وبالتالي يتضح من خلال هاتين الرسالتين أن مصير الأمبراطورية العمانية أصبح في حكم المنتهي، وأن الأخوين سلما بيدهما قرار التقسيم إلى السلطات البريطانية التي كانت تهدف إلى ذلك ونجحت فيه، بالرغم من ان السيد ثويني كان مترددا في اعطاء ذلك التعهد للحاكم العام البريطاني، خوفا من أن يحرم نفسه من أي مصلحة له في زنجبار مستقبلا، ولكنه خاف ان رفض التحكيم أن يغضب بذلك الحكومة البريطانية ويدخل نفسه في صراعات معها.
ازاء هذه التطورات المتصاعدة والخلافات بين الأخوين أرسلت الحكومة البريطانية إلى كل من مسقط وزنجبار بعثة تهدف إلى ايجاد تسوية دائمة بين الأخوين، والتحقيق في النزاع القائم بينهما، وترأس البعثة كوجلان المقيم السياسي البريطاني في عدن وبادجر الذي كان قسيسا ملحقا بإدارة بومباي ومن المتخصصين في تاريخ عمان، والمترجم العربي في عدن والذي كان يدعى رسام وجي ولش، ووصلت البعثة إلى مسقط في عام 1860م، وعقدت جلسة مباحثات مع السيد ثويني للتعرف على متطلباته واحتياجاته، وكانت من أبرز المواضيع التي أثيرت في المباحثات دوافع مطالبة ثويني للسلطة في زنجبار والمعونة السنوية ورفض التدخل بينه وبين أخيه السيد تركي حاكم صحار بحكم أن صحار تعتبر من ممتلكات عمان، فضلا على أن النزاع بينه وبين السيد تركي ليس له علاقة بما يحدث بين مسقط وزنجبار.
ورغم أن كوجلان وافق على ما جاء فيما يتعلق بقضية صحار، غير ان تركي طلب من الحكومة البريطانية التدخل لفرض الاحترام وأسس التعامل بينه وبين أخيه ثويني، ولكن الحكومة البريطانية أعلنت رفض استقلال صحار عن مسقط واعتبارها تابعة للسيد ثويني.
أما في زنجبار فقد عقدت أيضا مباحثات بين البعثة وبين السيد ماجد وانتهت بتعهد السيد ماجد بقبول القرارات التي تتتوصل إليها البعثة في اطار الخلاف بينه وبين أخيه ثويني، وتم كتابة تقرير عن المطالب والمظالم المقدمة من السيد ماجد ضد أخيه السيد ثويني.
انتهت هذه اللجنة المشكلة في تقريرها إلى ضرورة فصل مسقط وزنجبار، واستندت في ذلك إلى ضرورة المحافظة على امن وازدهار عمان وشرق أفريقيا، حيث ذكرت بأن السيد سعيد رغم القوة والهيبة التي حظي بها غير انه لم يستطع تجنيب السلطنة القلاقل والثورات الداخلية فكلما ذهب إلى زنجبار اشتعلت الثورة في عمان واذا انتقل لاخمادها تعرضت شرق افريقيا للمشاكل، وبأن الطريقة التي يتولى بها الحكم في أسرة آلبوسعيد تقوم على أساس الانتخاب، وبعد وفاة السيد سعيد انتخب اهالي زنجبار ابنه ماجد حاكما عليهم، وبالتالي ليس هناك أي مبرر للسيد ثويني للمطالبة بضم زنجبار إلى مسقط، وكذلك استندت إلى اعتراف الدول الكبرى بالسيد ماجد بما فيها الولايات المتحدة وفرنسا، وبان مصلحة بريطانيا في عدم وجود دولة قوية في المحيط الهندي مثل عمان.
وأورد التقرير أيضا أن سياسة التقسيم من شانها أن تجعل كل من القسمين بحاجة إلى بريطانيا، فالقسم الآسيوي بحاجة إلى المعونة المالية والقسم الأفريقي سيصبح مدينا لبريطانيا باستقلاله.
قدمت اللجنة تقريرها النهائي إلى الحاكم العام للهند اللورد كاننج، والذي تم استعراضه في اجتماع جكومة الهند، وتضمن جدول الأعمال أربع نقاط رئيسية تتمحور حول ادعاءات السيد ثويني وادعاءات السيد ماجد والمعونة السنوية والنقاط التكميلية المرتبطة بالموضوع الرئيسي.
وانتهى الأمر بصدور قرار التحكيم التاريخي في 12 أبريل 1861م، والذي ادى إلى تقسيم المبراطورية العمانية إلى سلطنتين إحداهما في مسقط والأخرى في زنجبار، حسب التالي:
أولا: يتم اعلان السيد ماجد حاكما على زنجبار والممتلكات الإفريقية خلفا للسيد سعيد بن سلطان.
ثانيا: يدفع السيد ماجد حاكم زنجبار للسيد ثويني حاكم مسقط معونة مالية سنوية قدرها أربعون ألف كراون (ريال نمساوي).
ثالثا: يدفع حاكم زنجبار إلى حكام مسقط متأخرات المعونة السنوية عن السنوات السابقة والتي بلغت قيمتها ثمانين ألف كراون
رابعا: أن لا يتدخل حكام أو قبائل عمان في شؤون زنجبار والشرق الأفريقي.
وذكر كاننج أن هذه الشروط عادلة ومنصفة للأخوين وطالب بتنفيذها مباشرة ودون أي تأخير، وأشار إلى ان المعونة السنوية لا تعني ارتباط زنجبار بمسقط، وانما يقصد بها تحقيق المساواة بين الميراثين.
ونتجية لهذا التحكيم لقب كل من السيد ثويني وماجد بسلطاني مسقط وزنجبار، وأصبحت المراسلات الرسمية بين الجانبين تكتب بهذين اللقبين، كما أرسلت حكومة الهند بقرار تقسيم السلطنة العمانية إلى كل من سلطان مسقط وسلطان زنجبار، حيث ابدى كل منهما ارتياحه لقرار نائب الملك البريطاني في الهند اللورد كاننج، بالرغم من اعتراض الكثير من الباحثين والخبراء في القانون الدولي على هذا التحكيم بحجة انه قام في دولة واحدة ولم يحدث بني دولتين متنازعتين كما تقضي شروط التحكيم.
وقد أصدرت السلطات البريطانية في الهند تعليماتها إلى بادجر بإبلاغ السيد ثويني بمضمون قرار التحكيم، وكلف الكابتن رجبي بإبلاغ السيد ثويني، وتوجه اللورد كاننج إلى الأخوين ثويني وماجد حول شروط التحكيم بقوله " إنني مقتنع بان هذه الشروط عدالة ومشرفة لكما معا ولكا كنتما قد قبلتما تحكيمي بعد ترو ودراسة، فإنني اتوقع أن تلتزما به وأن تنفذاه دون إبطاء".
من ناحية اخرى لم تعترض فرنسا على تحكيم كاننج وعلى ماتضمنه من قرارات وتوصيات، ولكنها خشيت من حصول بريطانيا على امتيازات في زنجبار يهدد مصالحها الأفريقية، فاقترحت على الحكومة البريطانية اصدار تصريح مشترك يعلنان فيه استقلال كل من مسقط وزنجبار، فوافقت بريطانيا على هذا المقترح، مما أثمر عن تفاهم بين الدولتين حول مستقبل زنجبار ومسقط، خاصة بعد أن عادت فرنسا تكشف من جديد عن مطامعها في الساحل الشرقي الأفريقي، وصدر التصريح في 10 مارس 1862م.
وفي نهاية الأمر نجحت بريطانيا في تفكيك امبرطورية قوية كانت حسب منظورها ستشكل تهديدا واضحا ومباشرا على مصالحها في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي وشرق أفريقيا، وتمكنت من اضعافها وتقسيمها بقرار كاننج، وحرصت بريطانيا بعد قرار التقسيم على تدعيم نفوذها في مسقط وزنجبار، فقويت العلاقات السياسية بين الحكومة البريطانية والسيد ثويني، وقدمت له مساعدات حربية من أجل استعادة أراضيه، كما سعت إلى عقد الاتفاقيات مع سلاطين زنجبار، ونجحت في النهاية إلى ما كانت تسعى إليه واستولت على جميع الأراضي التي كانت تابعة للإمبراطورية العمانية على ساحل شرق أفريقيا وجعلت من زنجبار محمية بريطانيا.
وقد أثر هذا التقسيم على عمان وخاصة على المناطق الساحلية منها، فعندما توفي السيد سعيد كانت معظم السفن الحربية والتجارية الخاصة به ترسو في ميناء زنجبار، وبالتالي استولى عليها ماجد وكانت تمثل الجزء الأكبر من استثمارات السيد سعيد المالية، كما اضطر السيد ثويني في عام 1963م إلى تصريف العدد القليل من السفن العمانية التي كانت موجودة في ميناء مسقط بسبب الاهمال وحاجتها إلى الصيانة ونقص الأموال اللازمة لتشغيلها.
من ناحية أخرى تدهورت تجارة عمان التقليدية مع زنجبار قبل أن تظهر بواخر ماكيتون في منطقة الخليج في عام 1862م، وفي الستينات من القرن التاسع عشر ونتجية لتوتر العلاقات بين حكامي مسقط وزنجبار، اقتصر نشاط السفن العمانية على المنطقة الآسيوية وحدها متخذة من بندر عباس مركزا لها، وفي الفترة التي سبقت عام 1861م كانت رؤوس الموال العمانية تستثمر في المشاريع الزراعية والتجارية والملاحية، وكانت حصيلة هذه الاستثمارات تسهم في دعم اقتصاد البلاد.
وبعد عام 1861م ونظرا لانعدام الفرص الاقتصادية فقد اضطر عدد كبير من التجار العرب للهجرة إلى زنجبار، وأصبحت زنجبار مقرا للزعماء السياسيين المناهضين لحكومة مسقط، ولعبت في أكثر من مناسبة دورا كبيرا في تقرير مصسير الخلافات السياسية في مسقط.
وألقت الأوضاع الاقتصادية المتردية بعد التقسيم ظلالها على الأوضاع السياسية خاصة في مسقط وادى إلى حدوث صراعات كبيرة بين الساحل والداخل نظرا لانخفاض الدخل وقلة الامكانيات.

محمد بن حمد الشعيلي
اكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة

أعلى




روبين هود 2010 بين الواقع وفقدان قيمة الأسطورة الشعبية

القاهرة ـ من إيهاب حمدي :
اهتمت السينما العالمية كثيراً بالأسطورة الإنجليزية " روبن هوود " المحارب الانجليزى أو البطل الشعبي الذي كان يسرق الأغنياء ليعطى الفقراء حقوقهم التي أكلها الأغنياء ، و تفننت المعالجات السينمائية الأميركية و الأوربية في طرح تلك الأسطورة من زوايا متعددة إلا انه كانت السمة المميزة لكل تلك الأفلام هو اشتراكهم في ترسيخ أسطورة روبن هود بطل الفقراء و منقذهم. وقد وصلت تلك المعالجات الى أكثر من 50 فيلما سينمائيا منها الروائي والتسجيلي والأنمي، لعل أشهرها مغامرات روبن هود ( 1937 ) للمخرج مايكل كيرتز التي لعب بطولتها الممثل إيرول فلين وشاركته البطولة نجمة الثلاثينيات أوليفيا دي هافيلاند.و فيلم "روبين هود .. أمير اللصوص" عام 1991 الذي لعب البطولة فيه الممثل المعروف كيفن كوستنر دور روبن هود في مع مورجان فريمان .

في المعالجة الحديثة لشخصية روبن هود و التي أطلقنا عليها روبن هود 2010 التي إخرجها العبقري "ريدلى سكوت" و كتابة المحترف "ريان هيلجيلاند" نلاحظ أن روبن هود لم يسرق و لم يسط ليعطى الفقراء بل اتجه الفيلم نحو زاوية جديدة مبتكرة لم يتطرق إليها احد من قبل و هي حياة روبن هود قبل أن يتجه ليكون منقذ الفقراء ، و إن كان ذلك يقلل من الأسطورة إلا انه يحسب لصناع الفيلم إقدامهم على معالجة زاوية جديدة.

مؤامرة على الملك

يبدأ الفيلم باستعادة اجواء الحملات الصليبية حيث يذهب الملك ريتشارد ومعه ملوك أوروبا إلى بلاد الشام لاستعادة القدس حيث نرى مشاهد المعارك بين الجيش الانجليزى و المقاتلين العرب المحصنين فى القلاع محاولين صد غزو الإنجليز ، و يظهر في تلك المشاهد الشاب روبن هود " راسل كرو " كجندي في جيش الملك ريتشارد يتعاون مع زملائه لاقتحام القلعة رغم انه غير مقتنع بجدوى و شرعية الحملات الصليبية .
في تلك الأثناء تتكشف خيوط مؤامرة كبرى ضد الملك ريتشارد يشارك فيها ملك فرنسا و تابع له يدعى جودفرى " مارك سترونج " وهو جندي في جيش الملك ريتشارد وهو فى نفس الوقت مقرب من الأمير جون " أوسكار إيزاك " الأخ الأصغر للملك ريتشارد و الذي يتأهب لاستلام التاج بعد الملك ريتشارد .
المؤامرة تسعى للتخلص من الملك ريتشارد عن طريق جودفيرى و جماعته أثناء رجوع الملك من خلال الغابات إلى انجلترا حتى يتسلم جون الضعيف التاج و من ثم يسهل على فرنسا غزو ملك ريتشارد . يموت الملك ريتشارد في احد معاركة ضد العرب قبل أن يقتل بفعل المؤامرة ، فيسعى روبن هود ومجموعة من أصدقائه إلى العودة إلى ديارهم و في نفس الوقت يتجه مساعد الملك السير وللتر لوكسلى " ماكس فون " ـ ممتطياً جواد الملك و حملاً تاجه ـ إلى الغابات ليعود إلى انجلترا ليسلم التاج و لكنه يقع في شراك المؤامرة التي يقودها جودفيرى فيقتل كل من بالبعثة معتقداً أن الملك بينهم ، إلا انه يعلم من السير واللتر لوكسلى أن الملك قد مات في المعركة. في تلك الأثناء يتجول روبن هود و أصدقائه في الغابة عائدين فيروا مجموعة جودفيرى و جنود الملك ميتون فيشتبك روبن هود مع شركاء المؤامرة و ينجح مع أصدقائه أن يقتلهم جميعاً رمياً بالسهام إلا جودفيرى الذي يستطيع الهرب .
و يلتقي روبن هود بوللتر لوكسلى قبل أن يموت فيوصيه بإيصال سيفه إلى أبيه اللورد روبرت لوكسلى "دوغلاس هودج" بمقاطعة توتنجهام ، فينصاع روبن لذلك و يخط مع اصداقئه أن ينتحل شخصية السير واللتر و يذهب بالتاج إلى انجلترا ليسلمه للمك الجديد .
مقاطعة نوتنجهام
يعيش اللورد روبرت لوكسلى في مقاطعة نوتنجهام في قصره مع زوجة ابنه الليدى ماريون " كيت بلانشيت " وسط المزارعين و فقراء المقاطعة التي تعانى من تعرضها للسرقة فضلا عن عدم وجود حبوب للزراعة حيث ينتشر الفقر بين أفراد المقاطعة إلا أن الليدى ماريون تأخذ على عاتقها مهمة إيجاد الحبوب
والدفاع عن حقوق هؤلاء المزارعين الفقراء.يذهب روبن هود مع جماعته إلى مقاطعة نوتنجهام ليسلم سيف وللتر لوكسلى بعد أن يسلم التاج الملكي للمك الجديد جون .
بعد أن يتعرف روبين هود على عائلة لوكسلى يعرض عليه اللورد روبرت لوكسلى ان يمكث معهم على اعتبار انه ابنه العائد ـ اى ينتحل شخصية ابنه ـ و يتزوج بالليدى ماريون و ذلك خوفاً عليها من ضياعها و تشردها بعد مماته ، و يوفق روبين على ذلك و يمكث معهم و يعرف من خلال قصص روبرت لوكسلى تاريخه الماضي الذي لا يعرف عنه شيئاً فيعرف روبن أن أبيه كان مناضلاً و انه قتل بالقرب من نوتنجهام نتيجة لمؤامرة ملكية عليه .
في تلك الأثناء تتشابك وتنمو خيوط مؤامرة ملك فرنسا مع جودفيرى على ملك انجلترا فبعد أن يعين الملك الجديد صديقه جود فيرى قائداً للجيوش و يفصل القائد السابق ويليام مارشال ، يعمد جود فير على تجميع عدد من الجنود الفرنسيين الذين يدخلون انجلترا خلسة و يسطو بهم على جميع مقاطعات انجلترا ليحصل عل ضرائب جديدة باسم الملك جون مما يزيد من كره الانجليز للملك الجديد .
بداية الأسطورة
يكتشف القائد السابق للجيوش الإنجليزية ويليام مارشال مؤامرة جود فيرى و يخبر بها ام الملك التى تخبر ابنها فيسعى الى اجتماع مع جميع الوجهاء
والقادة في انجلترا يحضره روبن هود نيابة عن أبيه اللورد روبرت لوكسلي
و يستطيع ان يقنع الملك الجديد بأن يحقق العدل بين الرعية و ان لا يرهقهم بالضرائب و أن يتيح لهم الحرية حتى يستطيوا أن يحموا الملك من غزو فرنسا .
بالفعل يوافق الملك و يتعهد على لذلك بعد أن يدحروا الغزو الفرنسي فيتجه روبن هود مع الجيوش إلى الساحل الانجليزي لملاقاة الجيوش الفرنسية التي ستهبط بمساعدة جودفيرى لغزو انجلترا و يلتحم الجيوش و يظهر روبن هود براعة في القتال و شجاعة منقطعة النظير و يستطيع أن يقتل جودفيرى برمية موجهة دقيقة بالسهم .
و تنسحب الجيوش الفرنسية و تنتهي المؤامرة و يستتب حكم الملك جون و لكن يرفض أن ينفذ ما تعهد به أمام روبن هود و الوجهاء و يأمر بالقبض على روبن هود و اعتباره مجرماً خارجاً على القانون لنتقل بعدها ربون هود الى الغابات مع الليدي ماريون التي أحبته ليكونا معاً مع مجموعات من فقراء انجلترا يحاربون ظلم الملك جون و من هنا تبدأ أسطورة روبن هود .
يذكرنا فيلم روبن هود بأجواء أفلام المصارع و القلب الشجاع الغنية بالموسيقى التصويرية و المتعة البصرية ، متعة الصورة بخلفياتها التاريخية المميزة .
الموسيقى التصورية كانت رائعة معبرة تماماً ومتسقة مع أوقات الحروب و المؤامرات و الحب و الدراما ، فضلاً عن إتقان اختيار الملابس و الإكسسوارات الخاصة بتلك الحقبة التاريخية . الفيلم يصنف ضمن أفلام الدراما و الاكشن مدته (140 ) دقيقة و هو ضمن قائمة البوكس أوفيس الأميركية لأعلى إيرادات عشر أفلام أميركية خلال شهر مايو.


أعلى





"انتقام الفراء " .. الطبيعة تدافع عن نفسها

القاهرة ـ ( أشرعة ) :
ماذا تفعل إذا ما تعرضت مثلاً لهجوم من آخر سواء عليك شخصياً أو على موطنك ؟ بالتأكيد ستهب لتدافع عن نفسك و أرضك ، وقد انتجبت هوليوود العشرات من الأفلام حبكتها الرئيسية تمثلت في دفاع سكان كوكب الأرض ضد الاعداء من كواكب أخرى .
في فيلم " Furry Vengeance " أو " انتقام الفراء " الوضع مشابه و لكن من يتعرض للاعتداءات ليسو بالطبع سكان الأرض و لكنها الطبيعة و الغابات و من يقطنها من حيونات و طيور فكان من حقها أن تتحد لتدافع عن نفسها ضد أعدائها .
فالفيلم بسيط في تركيبته جداً حيث يدور حول شركة للتطوير العقاري قررت أن تتخذ من غابة شجرية مشروعاً سكنياً لها بما يستوجب إزالة الغابة بالكامل لعمل المشروع العقاري فتعرف الطيور و الحيونات بتلك النوايا و تحاول أن تدافع عن غابتها التي تعيش فيها .

شركة انتهازية

تأخذ شركة تطوير عقاري عقود مشروعات عقارية بولاية أوريغون وهى الشركة المملوكة ل نيل ليمان (كين جيونج ) الذي يطلق عليه "ملك الخضرة " لاهتمامه الكبيرة بتوفير مساحات كبيرة خضراء في مشروعاته العقارية و لاهتمامه بالبيئة و لكنه فى هذا المشروع يكشف عن حقيقته الانتهازية حيث يعمل على تحويل غابة كبيرة الى مشروع اسكانى كبير منخفض التكاليف لمواجهة أزمة العقارات في أمريكا و في سبيل ذلك يأتي بمهندس امريكى من شيكاغوا للإشراف و إدارة هذا المشروع .
عائلة وسط الغابة
المهندس دان ساندرز (بريندان فريزر) هو المهندس المسئول عن المشروع يصطحب زوجته تامي (بروك شيلدز) مدرسة العلوم و ابنه تايلر (مات بروكوب) الساخط على العيش في وسط تلك الغابة بدون أصدقاء أو معارف مما يجعله متذمرا دائماً .
يؤكد دان لزوجته وولده أن إقامتهم في الغابة لن تطول أكثر من عام واحد
و لكن نتيجة لان الشركة المنفذة قررت استكمال مشروع عقاري كبير تغريه بالمال لكي يستمر في العمل لمدة أربعة سنوات ، و في الوقت نفسه نرى زوجته تامي تتفاعل مع أهل المنطقة و تشترك معهم في الأعمال التطوعية .
مواجهة شرسة
بدأت المواجهة بين المهندس دان وبين ساكني الغابة من الحيونات و الطيور مبكراً حيث تعرف الحيونات و في مقدمتها حيوان الراكون بنوايا الشركة و المهندس فيعملون على إبعاد المهندس عن المشروع فتتحد الحيوانات و الطيور لمهاجمة المهندس و التضييق عليه بدا من إزعاجه أثناء النوم حتى لا يستمتع بنومه و مروراً بإلقاء الفضلات على سيارته و الركوب معه داخل السيارة
و التشويش عليه حتى يقوم بعدة حوادث أثناء القيادة .
و تقوم الحيونات بحيل كثيرة و متعددة جاء اغلبها مضحكاً حتى يتصور الآخرون أن المهندس قد أصيب بمرض نفسي يجعله يعتقد أن الراكون يريد أن يقتله مما يؤدى إلى ذهابه إلى طبيب نفسي حتى تزول تلك المخاوف و لكن لا جدوى لان تلك المخاوف حقيقة و لكن لا يراها إلا المهندس نفسه نظراً لإتقان الحيونات مهاجمة دان وهو وحيداً دون ان يراهم احد .
يعقد دان العزم على حبس كل حيوانات الغابة في أقفاص خاصة بهم لأنه يستعد لعرض مشروعه أمام رئيسه و شريكه الذي سوف يحضر المهرجان السنوي للغابة لإمضاء اتفاق الشراكة فيكلف شركة خاصة لتعقب و القبض على تلك الحيوانات و بالفعل يبدأ المهرجان الذي تنظمه زوجته مع اهالي الغابة و تسير الأمور على ما يرام حتى تأتى زوجته و ابنه و صديقة ابنه بعمل دعاية مضادة داخل المهرجان تنتقد مشروعات التطوير العقاري و إزالة الغابة .

لحظة الكشف

يُصدم دان و يذهب إلى مكان حبس الحيوانات فيرى حيوان الراكون و معه أبناءه الصغار فيعرف في لحظة كشف أن تلك الحيوانات إنما تهاجمه من اجل الحفاظ على بيئة صغارها فيتعاطف معهم و يطلق سراحهم جميعاً ليذهبوا إلى مكان المهرجان وتقوم الحيوانات بإفشال المهرجان و بالتالي توقيع عقد الشراكة في مشاهد كوميدية تشبه هجمات الطيور و الحيونات بهجمات جيش منظم من المشاة و سلاح الجو و يفشل المشروع بعد ان يقتنع المهندس انه كان ينصاع لرغبات مدير انتهازي يهدف إلى تحقيق مكاسب بأي شكل دون الاهتمام بالبيئة .
و بالرغم من أن الفيلم كوميدي يستهدف شريحة الأطفال الصغار الذين يتفاعلون مع حركات الحيونات المختلفة إلا انه يعتبر داعماً لجمعيات حماية البيئة حيث ينتقد الفيلم قطع الأشجار و الغابات لإحلال محلها مشروعات سكنية و يعتبر الفيلم بمثابة تحذير لأصحاب الشركات من القدوم على تجريف الغابات لبناء تجمعات سكنية الفيلم يحمل رؤية و معالجة بها الكثير من الفانتازيا موجهه لأفراد الأسرة خاصة الصغار .
الفيلم يصنف ضمن أفلام الكوميديا مدته (92 ) دقيقة و هو ضمن قائمة البوكس أوفيس الأميركية لأعلى إيرادات عشر أفلام أميركية خلال شهر مايو .


أعلى





بلغ فيها درجة من التأمل والبوح
"مدارات الحبيب" تجليات صوفية للشاعر صالح الفهدي

عرض ـ هاجر محمد بوغانمي
صدر حديثا عن دار الفكر بسوريا الطبعة الأولى من ديوان شعر بعنوان "مدارات الحبيب.. تجليات صوفية" للشاعر والكاتب صالح الفهدي الذي ينتمي إلى ما يعرف بجيل شعراء التسعينيات، حيث صدر له في العام 1994 "مواسم الغناء" ثم "قابوس في القلب" سنة 2000 و"لأجلك قلبي يصلي" في العام 2003، بالإضافة الى عدد من الإصدارات تشمل "دراسات في الشعر" و"مسيرة الإنجاز .. تأملات في النهضة العمانية الحديثة" و"قيم تربوية" (ج1 وج2) ثم "قيم معطلة في المجتمعات العربية" الذي صدر في العام الحالي.
يقع "مدارات الحبيب" في 86 صفحة من القطع المتوسطة، أما الغلاف الخارجي للكتاب فجاء على هيئة لوحة تشكيلية أجملت ما فصله المضمون الشعري .. تكشف هذه اللوحة عن ظل درج بلا بداية ولامنتهى .. غامض في مكان ما .. واضح في مكان آخر .. بينما تبرز في أعلى الدرج بقعة ضوء تشج عباب اللون البنفسجي المؤدي في انسيابية إلى اللون الأبيض (لون الطهارة في الفكر الصوفي).
ويضم الديوان تسعة عشر مدارا من بينها: مدار الانتظار، مدار الكلام، مدار التوله، مدار الغياب، مدار التجلي، مدار الترحال، مدار التشرذم، مدار الانعتاق، مدار العزلة..
واللافت أن الشاعر ـ وعلى غير عادته فيما يكتبه نثرا (المقالات الصحفية على سبيل المثال) ـ كان حريصا على تجريد اللغة من خطابيتها، وتحويلها إلى أنوار متوهجة ، فتوافرت في المدارات نقاط ضوء شبيهة بشعاعات الضوء المنطلقة من نواة اللغة بعد تفجيرها وقد توزعت في شتى الاتجاهات.. إنه علامة من علامات انفتاح قصيدة الفهدي على النص الصوفي واغتذائها منه.

ما قبل المدار.. ما بعد المدار
يتخذ الديوان من صلب مدار الانعتاق مقطعا شعريا ينفتح به:
.. كطير تنفس شدوا.. نفضت الرماد
هو الأفق يسحق حد التغرب
..ما كبلته القيود ..!
ما شققته الرعود..!
وهي بداية التحول التي ستفضي بالشاعر فيما بعد إلى حالة من الغياب يضيئها حضوره اللامتناهي في المطلق ، حيث تستحيل ضمائر الحضور والأسماء إلى توابع متصلة حينا .. منفصلة حينا آخر، بينما تحافظ الطبيعة على تواجدها الظاهر (الطير، الرعود، الرماد) والمضمن في تفاصيل اللغة وأبنية الإيقاع الشعري الحر التي يروم من خلالها الشاعر تأكيد تحرره من القيود التقليدية (التفعيلة والوزن) تماما مثلما هو بصدد تحقيق خروجه عن قيود المكان والزمان الماديين، وانبعاثه كائنا زئبقيا يسبح في اللامكان واللازمان ..
أما الواجهة الخلفية للكتاب والتي يمكن تسميتها بـ "ما بعد المدارات" فانفتاح على أفق جديد يصور وحدة الشاعر واغترابه واعتزاله الوجود المادي.. مقولة أطلقها من قبله الشعراء الرومانسيون في القرن التاسع عشر، إذ عدوها واحدة من "العلامات المريضة التي حملت أوزارها الحداثة".. ولذلك ارتبطت هذه المقولة أشد ما يكون الارتباط بفردات صوفية كـ"التأمل" و"الوحي" و"الكشف"..
وحيدا...
بحلم تبضع من مخدع الليل بعض شتات!!
أعود وكل الذي
كان في القلب..
......مات!

مدار الانتظار

ها نمأة نقرت على
وتري .. حبيبي
رُدّ لي في البَوحِ بعضاً من غيابكْ
رُدَّ لي قمري الذي ضيَّعتُهُ
لمَّا شَرَفْتُ على رحَابكْ

إن الصوت الذي يحدثه النقر هو بداية التماهي مع وحدة الوجود.. إنه الخيط الذي يصل الشعر بالتصوف.. يسكن الشاعر فيدفع به إلى الانزياح من المعنى الحاف إلى الدلالة الرمزية، مثلما يدفع بالقارىء إلى التأويل .. إنها لغة الحدس تتلبس الشاعر فيسكنها لحظة غيابه، ويتمثل علاماتها ودلالاتها وقيمتها في الكشف عن مكامن الذات المتيمة ، المنصهرة في روح الوجود.

مدار الكلام
تنعكس إشعاعات اللغة على أديم النص فتضيء عتمة الليل، وتجعل منها دليلا نورانيا:

مشاعل الليل
دليني على وطني
ضيَّعتُ أُغنيتي
وابتزَّني شجني .. !!

هذا الاستغراق في مناجاة الضوء المندس في حلكة الليل تحدده صيغة النداء ، والجمل التقريرية التي تحيل إلى نوع من الكشف المعلن والصريح .

مدار التولُّه
مُرْني أَملأُ من كَرْزِ الوَجْدِ
دِنَانَ الشَّوقْ
سُدىً غِبْتُ زماناً
لم ألقاكَ
تَهيَأَتُ الآن ، فقرِّبْني محبوبي
قرِّبني من خمْرِ لماكْ
فاكهني يا خلِّي

يستلهم الفهدي من لغة الغزل العذري مفردات من قبيل (الوجد ـ الشوق ـ محبوبي..) متدرجا من الحسي إلى المجرد، لينتهي عند الحب الروحي، فيتحول الرابط بين الشعر والتصوف إلى توازن عجيب يساعد الشاعر على تفجير طاقة الحب لديه، والتعبير عنها بلغة تلامس المطلق في غرائبيتها وسحرها..
ويبلغ الشاعر أقصى درجات الانفعال الداخلي الذي يفضي بدوره إلى حوار داخلي (بين الشاعر وذاته) يكشفه مدار الغياب.

مدار الغيابْ
كن غيرك حين تُحرِّر ذاتكَ
تجلّى كي نتناجى :
في نبض الأشياءِ
وفي دفق الماءِ
وفي المرجِ الأوحدْ

مدار الترحالْ
إخلعْ نعليكَ .. تهيأ للرحلةِ
لن تدميك الأشواكْ ..

سرْ دون حذاءْ ..
دون حداءْ !
في "مدارات الحبيب" تتحول المرأة إلى رمز ، وتسلك اللغة درج الروحانية الصوفية، لتفضح علاقة الشاعر بالواقع، وهي علاقة مبنية على التضاد والتنافر، وتؤسس لما يشبه الثورة المحرضة على التجاوز والرفض.
"مدارات الحبيب" يحاكي قصائد الشعراء العذريين، ويستلهم من التصوف فكرته مثلما يستلهم من الشعر تعبيرته ليلامس بها وجدان المتلقي، ويبتني عالمه المنشود.


أعلى





الفكر العربي ومكانه في التاريخ
الدين الإسلامي منارة كبرى لحضارة عربية لا تغرب عنها شمس الإبداع

القاهرة ـ من حسام محمود :

للثقافة في أذهان الباحثين, مفهومان شهيران يتفقان في جزء منهما, ويختلفان في الجزء الآخر, فأما الأول فهو القائم على أذهان أصحاب الدراسات الإنسانية, التي تهتم بدراسة المجتمعات البدائية, أما الثاني فيلتزم فيه الناظرون بالحياة الفكرية للشعوب المتقدمة, والثقافة في نظر الأوائل من أصحاب الحضارات هي طريقة الحياة ذاتها, وفى نظر الآخرين هي نتاج فكرى, وتشمل الثقافة بمعناها الأول كل نشاط كالعمل, والعبادة, والزواج, والاحتفالات, وكل ما يصدق عليه أنه من العادات والتقاليد, في حين تشمل الثقافة بالمعنى الثاني كل نواحي النشاط الفكري كالفلسفة, والعلم, والأدب والفن بفروعه.
امتزاج ثقافي
يستهل الأديب العالمي ديلاسى أو ليرى مؤلف كتاب الفكر العربي ومكانه في التاريخ والذي ترجمه الدكتور تمام حسان الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالحديث عن معاني الوعاء الثقافي للحضارات المختلفة التي مرت بها البشرية خلال عصورها المتباينة التأثير والتأثر, فوعاء الثقافة بمعناه الشامل يتضح من الأسماء والتقاليد المختلفة, وأسماء الأعمال وطقوس العبادة, وكذلك مراسيم الزواج والاحتفالات, ومن هنا أصبح لزاما على الطلاب والدارسين للدخول في زمرة المجتمعات دراسة لغتها, ومعرفة كيفية الوصول إلى ثقافاتها عن طريق فك شفرات كتاباتها, والإطلاع على مكتباتها وما تزخر به من روائع.
ولعل الفكر العربي المستنير كان ولا يزال نبراسا مضيئا للحضارات في كل زمان ومكان, بلغته الدارجة على الألسنة, وما يحمله من مفردات, تمد الجميع بالمصطلحات الفنية, وتعكس التفكير السليم بلا التباس أو تقييد, لاستبيان صناعة الثقافات من بوتقة العولمة الشاملة حضاريا وإنسانيا.
وما هو الآن من استبيان لحقائق ومتغيرات اللغة الثقافية المشتركة بين الشعوب العربية يعبر عن معاني التغيير للإصلاح والتنوير, وما تنوء به المجتمعات من ظروف ومشكلات تعكسها مرآتها الحضارية, وتنعكس أيضا على حياتها ومكنوناتها الثقافية.
واللغة لكونها وعاء الحياة الفكرية بين الشعوب درج تسميتها ثقافيا على كونها النهر المتدفق بالمعاني الذاتية التي تعبر عن المجتمعات, وعن ماضيها, وحاضرها, ورؤيتها للمستقبل, واللغة رباط قومي يعبر عن الفهم المشترك والإرادة الحرة للشعوب نحو كيفية الإصلاح والتغيير, وتبديل الثوابت الفكرية القديمة باستحداث المزيد من المؤثرات, والارتباط بما هو موروث عن طريق الفهم المشترك, والآداب والعادات والتقاليد, وكل هذا نتيجة للشراكة في اللغة.
فالقومية العربية بهذا المفهوم رابطة بين العرب, كأهم مظاهر العولمة, والشراكة في اللغة, والكيان, والمعاني الإنسانية, فمن تكلم العربية واتخذها كيانا له, عاش في المجتمع العربي عيشة أهله, وكان منهم وكانوا منه, فيتطبع بثقافاتهم الروحانية, وأسلوبهم الوجداني في البناء والتعمير, والبحث عن الذات فوق سطور الكتابات, كذلك كان الفلاسفة والنحاة والأدباء والفقهاء الذين امتلأت بهم الدول الإسلامية المتعاقبة والإمبراطوريات العربية, حسبما يترأى لبعض الدارسين تسميتها إبان عصور الفتوحات الإسلامية المتلاحقة التي ملأت الشرق والغرب بانتصاراتها العالية الوطيس .
تطور فكري
ينتقل الكاتب إلى استعراض أوجه النشاط الفكري لبعض الفلاسفة العرب الذين تركوا بصمة واضحة على الثقافات الشرقية والغربية, بل كان كذلك للفيلسوف سيبويه, وابوحنيفة, وابن سينا, وابن الرمي, مثلهم مثل من طالت بهم الإقامة في البلاد العربية من الأجانب أو من ولدوا فيها, فاكتسبوا جنسيات ثقافية فأصبحوا منهم, ويفخر المرء بتفوقهم في شتى البقاع العربية من المحيط الأطلنطي إلى الخليج العربي, فأغلب علماء العالم الاسلامى وفلاسفته جرى في عروقهم الدم الفارسي أو التركي أو البربري, ولولا الامتزاج القومي للحضارات الإسلامية لما كانت أفكار العروبة الدارجة الآن, حيث استمدت لقرون طويلة قوتها مما صنعته الإمبراطوريات الإسلامية من فتوحات كبيرة في كيانها, وما خلفته من إنجازات وصلت لعنان السماء, فالقومية العربية الموروثة كانت ولا تزال رافدا مهما لصناعة التاريخ, وتأريخ الزمان والمكان والثقافات العربية من جيل إلى آخر.
والحياة في كل نواحيها معترك بين الناس, يصدق على ذلك تاريخ الأمم, كما يصدق على الأفراد, ولم يزل الناس منذ زمن قابيل وهابيل إلى وقتنا هذا في صراع مرير بين الخير والشر, وما لا يستطيعوا الحصول عليه بالسلام يحاولون الحصول عليه بالحروب والصراعات المسلحة, ولم يزل الإنسان يطمع فيما في يد أخيه الإنسان طبقا لثقافة الطمع والأثرة, وحب الامتلاك, والتطلع الزائف, والنهم إلى ملذات الحياة, وما طرأ عليها من تطورات بزغت فيها الغرائز القديمة.
مكانة عريقة
يقسم الكاتب الثقافة العربية إلى ثلاثة أقسام "أولا" أفكار تدور حول الكتاب والسنة شرحا وتفصيلا, وتتناول من أمور البيئة الإسلامية, وتفسير الحديث وأصوله, ودراسة الأدب واللغة, واستلهام الأفكار الأكثر أصالة, من خلال معرفة العرب بالنحو السرياني, المتأثر بالإغريق في كافة النواحي.
"ثانيا" أفكار إسلامية في الإلهيات سواء لأهل الشريعة أو أهل الحقيقية, فإما أهل الشريعة فلا شك انتفاعهم بالمنطق الاغريقى بالاقيسة وثقافاتها, أما مواد الإلهيات فاقتصرت على ما هو منوط في علوم الشريعة فقط, ولعل أفدح ما انطوت عليه الكتابات العداء الشديد بين الصوفية والمشائين, أو بين أصحاب الذوق وأصحاب النظر, أو بعابرة أخرى بين أصحاب التجربة وأصحاب الفلسفة.
"ثالثا" الأفكار والآراء الفلسفية التي اتخذت كبدايات ثقافية من فلسفة الإغريق, وتأثيرات الثقافات الأخرى, ثم أتضح للمسلمين شيئا فشيئا عمق الهوة التي بين الحضارات المتناقضة في أشياء كثيرة, ولعل هذا القسم هو الأقوى في تأثره بالثقافات الإغريقية, كما أنه أكثر الأقسام الذي يبين جوانب الاختلاف بين الديانتين الإسلامية والمسيحية, وبين أصحاب هاتين الحضارتين .
أما التاريخ الفلسفي للثقافات العربية فهو ينبع من كياناتها وايدولوجياتها, اى أن التطور التاريخي للمجتمعات اليوم هو نتاج لسلسلة من المتغيرات الرئيسية تشمل: التسلسل العنصري القومي, واتجاه تيار الثقافات, وانتقال اللغات, والعوامل الفسيولوجية الأخرى التي تكون الثقافات الروحية, وأهم عامل في تطور البنية الاجتماعية هو تناقل الثقافة لصناعة الحضارات, وهو ليس أمرا من أمور الوراثة, ولكنه يعود إلى الاتصال, لأن الثقافة هي علم مختص بالأفكار المأثورة والحضارية والمستقبلية, وتفاعلاتها الايدولوجية مع براكين المعارف, والثقافة الشعبية لها معاني أشمل تتضمن أشكال النظم السياسية والاجتماعية والتشريعية .
والثقافة الأوروبية الحديثة ما هي إلا ثقافة منشقة من ثقافة الإمبراطورية الرومانية, التي كانت هي بنفسها مجموعة من النتائج التي تمخضت عن أشكال معرفية طبقا لمؤثرات متعددة, فأسفرت عن نظم متماسكة, لديها قدرات عالية على التنظيم, وهى قدرة تعد أبرز ما كان يميز تلك الإمبراطورية الزائلة, وحين تبددت الإمبراطوريات, وأزمنتها الجائرة كانت بداية الحلقات التاريخية لمجموعات من الدول التي احتضنت حضارات مجتمعية عرفها الشرق والغرب عبر السنين .
وأوضح مثال لذلك ما نلاحظه من اختلاف بين الشرق الذي كان يتكلم الإغريقية, والغرب الذي كان يتكلم اللاتينية, أما مجيء التأثير الاسلامى إلى أوروبا عن طريق أسبانيا ودولة الأندلس فهو تيار جعل غرب أوروبا كله ينطق بأسماء عربية لبلدان ومدن كثيرة صنعتها شمس الحضارة الإسلامية هناك, وورثتها الأجيال .
والحق أن هذه الثقافة الإسلامية في أساسها, وفى جوهرها جزء من المادة الهيلينية الرومانية بل إنه حتى علم التوحيد الاسلامى قد تحدد وتطور بواسطة منابع هلينية, وهذا لا يعنى بالطبع الديانات في حد ذاتها بل العلوم الحضارية الناتجة عنها .ولكن الإسلام ظل مدة طويلة منعزلا عن المسيحية, وحدث تطوره في بيئات تختلف عنها تماما, حتى ليبدو غريبا عنها, وتظهر أعظم قوة له في أنه قد عرض المادة القديمة في شكل جديد جدا, ليصنع لنفسه صورة ثقافية من قيثارة العلماء والفلاسفة والأدباء, تتناقلها مدونات المؤرخين عبر العصور, فالدين الإسلامي منارة كبرى للحضارة العربية التي لا تغرب عنها شمس الإبداع في كل زمان ولا مكان, ولا تحتاج لضياء آخر كى تظهر أمام العيون وتحق فى عنان السماء .

أعلى





"خربشاتي الأولى"..
نبش في الذاكرة

نقلتها ـ هاجر محمد بوغانمي
ذات لقاء من لقاءات نادي الأصدقاء المبدعين الذي تشرف عليه الكاتبة أزهار أحمد كان الموعد مع الكاتب.. والكتابة.. وقصص الأمس الجميلة التي تحفظها الذاكرة الحية بكل تفاصيلها، وأحداثها، ومواقفها، والمنجز منها وغير المنجز.. لم يكن الموعد عاديا بالنسبة للأطفال الذي حضروا بصحبة أولياء أمورهم كي يستمعوا إلى خربشات الكتاب الأكبر سنا وتجربة، وكانت تلك البراعم والإشراقات على درجة كبيرة من "الوعي" بأن عليهم أن يكونوا أشد تركيزا وأكثر انتباها لما سيقوله الكتاب المشاركون خاصة وأنهم من الأسماء المعروفة والمتداولة في الساحة الثقافية العمانية، فكان التركيز الذي أفضى في نهاية الأمر إلى تفاعل أثار الانتباه وأعطى الانطباع بأن الغد سيكون أجمل..
سطور..
قدمت للأمسية التي حملت عنوان "خربشاتي الأولى" أصيلة الحسنية التي قالت: إن الاهتمام بالشعراء والكتاب والمبدعين واجب وطني مجتمعي وذلك لما لهم من دور مهم في نهضة الأمم، فهم من يكتبون أروع الروايات والعلوم المختلفة كي يقرأها عامة الناس ويستفيدون منها، كما أنهم أحد الروافد الهامة لنقل الثقافة عبر الأجيال المختلفة، فالمجتمع الذي يخلو من الكتب المفيدة يكون مجتمعا راكدا جاهلا بدون تطور، إلا أنه لكل شيء بداية، وبداية كل كاتب ناجح سطور، فالخربشات البسيطة كبرت ونمت حتى أصبحت روايات وقصصا ناجحة، ولكن كيف بدأ هؤلاء الكتاب بكتابة أروع كتبهم؟ ومتى بدأ شغفهم بالكتابة ينمو ويكبر؟ وكيف كانت تجربتهم الأولى؟ أسئلة نحب أن نعرفها نحن الصغار كي نستفيد من خربشاتنا اليوم كما استفادوا هم من خربشاتهم الأولى .. نبدأ أولا مع بدرية الإسماعيلية وهي قاصة وصحفية.
تناولت بدرية الإسماعيلية الكلمة وانبرت تقول: علاقتي مع القراءة بدأت من الكتاتيب إذ أن معظمنا كعمانيين تعلمنا الأبجديات الأولى للقراءة والكتابة في الكتاتيب رغم أنني لم أكن ملزمة بالذهاب إليها.
ومن بين الأشياء التي أثرت في حياتي والد صديقتي الذي كان يعمل في سلك القضاء وهو من أهل العلم والأدب.. كان هذا الأب يجتمع بأبنائه كل يوم أثنين كي يحفظهم القرآن وفي نهاية كل درس كان يسمعنا بعض القصائد، وكنا نحفظ بعضها، ومن ثمة تشكلت ذائقتي الأدبية بالتعرف على الشعراء كالمتنبي وأبو مسلم البهلاني.. ومما كان يثيرني في منزل صديقتي مكتبة وضعت في أحد أركانه، ورغم تحذيرات الأب من الاقتراب منها خوفا من ضياع الكتب التي تحويها، إلا أنني كنت أستعير بعضها خفية وأذهب بها إلى منزلنا..
وفي المدرسة كنت مزعجة بطرح الأسئلة على المدرسة التي وجهتني بطريقة جميلة وهي أن أدون كل الأسئلة التي أرغب في طرحها عليها وفي نهاية كل أسبوع نراجعها معا، ومع الوقت بدأت أنتقي نوعية الأسئلة التي أكتبها.. ثم انتقلت إلى كتابة الأحداث اليومية المهمة التي أعيشها، وتطور ذلك الى مرحلة أخرى وهي كتابة المذكرات في فترة من الزمن ثم انقطعت.
بعد ذلك وفي مرحلة الجامعة وجدت التوجيه الجيد من قبل أساتذتي، وفي صيف 2002 شاركت بأول قصة لي في المنتدى الأدبي بالبريمي ومنه انطلقت بدايتي في كتابة القصص.
القارىء/الكاتب
عادت أصيلة الحسنية لتقول: خربشات الصغار ليست عابرة ولا تافهة بل هي جزء من أحلامهم وأمنياتهم وخيالهم الجميل، ويسعدنا أن ندعو معاوية الرواحي وهو قاص وشاعر وناشط في مجال الكتابة الالكترونية والتدوين.
قال معاوية الرواحي موجها: أول ما أنصح به الأطفال هو قراءة القرآن الكريم وحفظه، فالقرآن كتاب غني وثري للغاية، والقاعدة الأساسية لأي فرد يريد أن يصبح كاتبا عليه أن يكون صاحب لغة سليمة، واللغة السليمة هي أن يبلّغ الكلام أفكارا، وفي نهاية الأمر أنتم عندما تكتبون تبلغون أفكارا للآخرين.
ولولي الأمر دور في غرس نهم المعرفة لدى الأطفال، وسأتحدث هنا عن تجربة شخصية مع والدي العزيز الذي كانت لديه تصورات جدا جميلة لما ينبغي أن يقرأه الأطفال.. كيف يمكن أن نوصل إلى ذهن الطفل أن الإنسان القارىء هو إنسان منتج؟ نحن الآن محاصرون بصورة نمطية ولاسيما تلك التي يطرحها الإعلام الأميركي وهي صورة أولئك الذين يضعون نظارات وينكبون على الكتب، وهذه الصورة الهوليوودية تشعرنا دائما بأن الكتاب هم فريق من البشر مختلف وناد عن الطبيعة، وبدورها انعكست هذه الصورة النمطية على فهم البعض للكتاب، إذ يذهب الاعتقاد بأن الكتاب كائنات غريبة الأطوار وان الكتابة اجترار للآلام والأوجاع والعذابات بينما هي في رأيي شيء يختلف عن ذلك.
إن الأمر الرئيس الذي يمكن أن يفعله ولي الأمر لكي يغرس فكرة القراءة لدى الطفل هي التعامل مع الذاكرة بكل أشكالها البصرية والحسية..
ولتجربة القراءة عدة ميزات، ولننطلق من مثال: من الذي يستطيع أن يصرف أكثر: من لديه المال أم من ليس لديه المال؟ كذلك عملية القراءة فعندما نقرأ نكتسب معارف ويكون لدينا رصيد مخزن في الذاكرة.. الانسان الذي يقرأ يستطيع أن يكوّن قاعدة بيانات، فمثلما يكوّن الانسان رصيدا في البنك، يكوّن أيضا رصيدا في الدماغ والرصيد الذي في الدماغ هو الذي يأتي بالرصيد في البنك.
إن تجربة حفظ القرآن الكريم أهم تجربة قد يمر بها الانسان لأنها تمكن الذاكرة من استيعاب أكبر عدد ممكن من الكلمات. الأمر الثاني استخدام محفزات الأداء القرائي ووفق التجربة الشخصية كان الوالد يزودنا بدورات في القراءة أفادتني لاحقا في الجامعة.
مذكرات
عاد صوت الطفلة أصيلة مرة أخرى ليقول: كلنا وقت الملل أو التعب أو الوحدة نخربش ونرسم ونكتب.. نستمع الى الدكتورة جوخة الحارثية وهي كاتبة وروائية.
تدخل جوخة الحارثية مباشرة في صلب الموضوع قائلة: كنا نعيش في منطقة بعيدة عن مسقط، وفي يوم من الأيام ذهبت في رحلة مدرسية إلى مسقط.. كانت تلك المرة الاولى التي أدخل فيها المكتبة الشرائية.. وبينما أنا أتصفح رفوف المكتبة حطت عيناي على قصة بعنوان "رحلة فادي" وكان كتابا جميلا، بعد ذلك أهداني ابن عمي كتابا صغيرا عنوانه "أهديك الشمس للذكرى" بالإضافة إلى أنه كان يزودني بسلسلة المكتبة الخضراء للأطفال، فهذه الكتب هي التي تثير الخيال، وفي تلك المرحلة كنت أكتب الرسائل الطويلة لابنة عمي وفي نفس الوقت مررت بتجربة معلم القرآن، وفي نفس الوقت أيضا بدأت أكتب مذكراتي، ولما كبرت فهمت أن تلك المذكرات أفادتني كثيرا، ولدي الآن تقريبا عشر مذكرات أحتفظ بها، وثمة عامل آخر ساعدني كي أكون كاتبة وهو عندما اقرأ تشدني في بعض الأحيان قصة فأعيد كتابتها بأسلوبي، وكان ذلك في مرحلة الإعدادي، ثم كتبت أول قصة طويلة دون تقليد.
خيزرانة
ومرة أخرى تأخذ أصيلة الكلمة: الأحلام جميلة، وتقودنا دائما للواقع الجميل الذي نتمناه، وأيامنا ونحن صغار كالنقش على قلوبنا ومنها نحدد مسار خطوات مستقبلنا .. ندعو الدكتور محمد الشحات وهو ناقد أدبي وكاتب مصري.
لم يكن محمد الشحات شاذا عن زملائه حيث قال: نشأتي كانت تشبه نشأة أغلب المشاركين، ويبدو أننا كمجتمعات عربية نحتاج فعلا في بداية حياتنا لتعلم قراءة القرآن بشكل أو بآخر..
هل يمكن أن تتخيّلوا ولدا مصنوعا من نبات الخيزران؟ تعالوا نعرف كيف بدأت الحكاية:
خيزرانة أولى: خيزرانة سيدنا:
خيزرانة ثانية: خيزرانة لصيد السمك:
خيزرانة ثالثة: بائع كتب قديمة من أصل خيزراني:
خيزرانة رابعة: كيف ترسم بالخيزرانة؟
..................
أحب البحر. ولذلك لا أزال أحب صيد الأسماك حتى الآن، رغم أنني لا أمارس الهواية كثيرا..
أحلم بكوخ على البحر مصنوع من نبات الخيزران الذي نسميه "البامبو" الذي تُصنَع منه الكراسي والمناضد المزخرفة ... وأن يوضع في كل ركن من أركان هذا الكوخ الأربعة خيزرانة كبيرة تحمل كل منها بروازا خشبيا ضخما مذهّبا. في داخل البرواز الأول صورة سيدنا الأعمى وهو يقبض على خيزرانته بيده اليمنى، بينما كفّه اليسرى موضوعة فوق عينه اليسرى وهو يقرأ القرآن من سورة النمل: "حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ). وبداخل البرواز الثاني صورة أنتوني كوين بملابس الصياد العجوز في فيلم "العجوز والبحر" لهيمنجواي، وهو يمارس هواية الصيد ممسكا بخيزرانة نحيلة طويلة، بعد أن تحطّم قاربه القديم، يتدلّى منها خيط بلاستيكي مغموس في مياه البحر. وقد بدت على العجوز علامات الشرود. وفي البرواز الثالث صورة عم حلمي النجار يحمل فوق كتفه رزمة كبيرة جدا من الكتب على شكل هرم خوفو، ويستعين في مشيه بعصا من الخيزران يتوكَّأ عليها وله فيها مآرب أخرى. أما البرواز الرابع فمصنوع من الخيزران الخالص، وبه عدد كبير جدا من الصور الصغيرة لعبد الحليم حافظ وأم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش والشيخ سيد مكاوي، وفي الوسط تماما صورة لصبيّ أسمر بعيون ضيقة وأنف كبير، يلبس جلبابا مقلّما بالطول وعيناه لامعتان وأسنانه تضغط على شفته السفلى بقلق...
أما حكاية صبي الخيزران الذي ذكرته لكم في العنوان فلم تكن إلا حكايتي أنا الجالس أمامكم.. فأنا صبي الخيزران الذي لا يزال يذكر كل هذه الحكايات وكل هذه الخيزرانات..


أعلى




عندما نَمتلك الشجاعة..

(1)
إن تَمتلك الشجاعة لقول لا في الوقت المناسب فتلك شجاعةٌ غير عاديةٍ البتة , شجاعةٌ تمنحك وسام التفرد بجُرأةٍ مثيرةٍ للجدل تحظى بمنزلةٍ رفيعة عند من لا يَمتلك الجُرأة التي يلعب حضورها أو غيابها دوراً حاسماً في تحديد اتجاه بوصلة الانتصار و حسم المعركة لصالح الذي سيمتلك الجرأة اللازمة والفاعلة لاستخدامها في الوقت والموقف المناسبين .. حيث تكون لا البطلة الأبرز والأوحد.

(2)
هَالهُ القدر الكبير من الشجاعة الذي تَسلح به البطل الذي كان يقترب من النهاية دون خوفٍ ولا قلق ولأنه كان شجاعاً فاستحق أن تكون نهايته (نهاية رجل شجاع) .. وعلى الفور قرر ارتداء عباءة البطل الذي أصبح مثلاً أعلى يَحذو حذوه , ورغم إدراكه للفارق الكبير بين شخصه وبين شخص ذلك البطل الذي صنعه كاتب السيناريو بدقةٍ متناهية ولكن الهاجس ظل يُطارده شر مطاردة طمعاً في امتلاك الشجاعة التي امتلكها البطل الذي كان شجاعاً قبل حلول النهاية ..عَلهُ يَكون شجاعاً ذات يوم .

(3)
يقولون (الشجاعة تتفوق على الكثرة) ومن قال ذلك فهو على حق, ورغم أن ذلك ليس قاعدةً ثابتة ولكن الرغبة العارمة للتفوق على الخصم أياً كان عدده وقوته ستظل المحفز الأكبر لتخطي الحاجز تلو الحاجز ..ولو واجهنا الفشل مرةً أو مرتين أو أكثر في تخطي أي حاجز فالأولى أن نظل صامدين مُتحلين بالشجاعة الغير عادية اللازمة للتغلب على أشباح الفشل التي وقفت في وجوهنا ذات يوم , لنؤكد على أن (الشجاعة تتفوق على الكثرة) في أحايين كثيرة.. وربما يحدث العكس في أحايين أخرى .

(4)
"لن تَعبر المحيط ما لم تتحل بالشجاعة لكي تترك الشاطئ يَغيب عن ناظريك "
كريستوفر كولومبس


يَعقُوب البُوسعيدي


أعلى




غسيل عاصم

كان المستأجر الجديد لغرفة السطوح التي استطاع الحصول عليها بشق الانفس في قلب مكان عمله الذي يتطلب منه التواجد لفترات طويلة مسائية فكانت هذه الغرفة قمة مناه ومراده فهي تتمركز كالصواري علي المركب حيث بشموخها في الدور الثالث وهدوئها وموقعها المتميز الذي حجزت فيه ركن تدخله الشمس من كل جانب في الصباح من الشرق وفي المساء من الغرب.
وكان المنظر الخارجي للغرفة يحمله الى زاويتين حجز البيت الكبير الجار الايمن للغرفة والذي به ما لا عينه رأت من تشكيلات الرخام وصقلها والنافورات والممرات ومواقف السيارات الممتلئه عن آخرها وفوق كل هذا وذاك أكياس الزبالة الخارجة يوميا بالوان واحجام مختلفة.
وحجز الجانب الايسر من الجوار البيت الصغير المنعدم لمقومات الحياة فقد اهترأت أصباغه وظهرت الاسلاك الكهربائية الموصلة للاضاءة الخارجية الوحيدة فيه وحفر الاسمنت الظاهرة في حوشه كسطح القمر وسيارة أكل الدهر عليها وشرب لا تجد ما تستظل به.
عاصم كان له في اسبوعه العملي يوم سعد ويوم نحس فكان يؤمن بكلام جدته السبعينية ويكثر من التطير ورمي الملح أسفل نعاله كي يكف العيون عنه ولا يرفع صوته في الظلام هكذا تأدب فهناك سكان لليل وسكان للنهار فكان من فرط فرحته بالغرفه يبخرها يوميا باللبان لدرجه وصله اتصال من المؤجر يعلمه بان احد الجيران ابلغه بخوف حين شاهد دخان ابيض يخرج من غرفته فكان هذا الاتصال اول علاقة لعاصم بجيرانه الذي لم تحمله لسانه للسؤال عن من كان خائف عليه فقد قدرها من حبه لجاره الذي يفتح النفس بانه اكيد احد الخدم شاهد الدخان وابلغ المستاجر وبكل تاكيد كانت اسارير الفرح ان الدخان كان يذهب لجاره الايسر يمنحه رائحة مجانية. فمنذ انتقاله للغرفة الحلم عندما تفتح عينيه على البيت الكبير يستبشر وان لم يكن ذلك يوم سعده وان صادفت عينيه البيت المنعدم يعلن مقدما ان نحسه لا محاله واقع ذلك اليوم وان لم يكن كذلك. لهذا عندما قرر عاصم نشر الغسيل وقع في حيرة من أمره في أتجاه يربط حبله ويعلق غسيله فمن فرط حبه للبيت الكبير قرر أن لا يوذيه بمنظر ملابسه وظهور الحبل المتدلي من السور فجعل اتجاهها للبيت المنعدم الذي بكل تاكيد لن يعنيه رؤية الملابس والحبل فكان يعطي ظهره للبيت المنعدم ويسرح بخياله في البيت الكبير واختار وقت الغروب لغسيل ملابسه وتعليقها قبل الذهاب للعمل الذي يقدس وقته ليل نهار.
اتصال جديد من المؤجر كانت الساعة تشير الى الثانية عشر ليلا وعاصم على رأس عمله. أستاذ عاصم الرجاء أخلي الغرفه غدا صباحا كي لا تقطع رزقي وتجعلني خلف الشمس لان الجار الكبير اشتكي على وقوفك تنشر الغسيل في وقت الغروب باتجاه بيته. لم يتمالك عاصم امتعاضه ولكن صوت المؤجر المآزوم جعله يتردد فالوقت ليل وهو لن يرفع صوته فيه. فقال بهدوء من الذي أبلغك عن الدخان الابيض؟ من شاهدك تنشر غسيله باتجاه بيته. صمت عاصم وأغلق الهاتف المؤجر.

سعيد محمد السيابي


أعلى




الوصية

ينأى بنفسه بعيدا عن الجميع، تقدم به السن حتى أصبح ينكر شيخوخته وقلة ابصاره كان دائما ما يفقد درب الرجوع، تتناوله الأيادي لتمضي به الى حيث يقصد، بكبرياء يرفض يد العون ، بعصاه المعدنية يتحسس الأرصفة ويلتقط بأذنه أبواق المركبات وهمهمة المارة ونميمة الجالسين.. مضى به الزمن حتى تيبست رجولته، فظل وحيدا لا امتداد لآسمه.. خبر وفاته يصل ببرقية لأبن اخيه.
"السيد أحمد عبدالعزيز احمد، لقد توفى عمك المدعو/ محمود أحمد، يرجو الحضور الى المستشفى الكبير (جنوب البلدة) لاستلام جثمان الفقيد وإكمال مراسم الدفن".
إعلان ربع صفحه ينعي وفاة الفقيد، ذيل بملاحظة تقبل التعازي في منزل الفقيد، لم يحضر احد لدفنه!! هل يعقل أن لا يكترث لموته أحد!!
المحامي: السيد أحمد تفضل بهذه الورقة أصبحت الوريث الرسمي لمنزل عمك ولك حرية التصرف به.. وهذه وصيته كان حريصا جدا أن أسلمك إياها.
"يا ابن أخي العزيز..
لم اعرف سحنت وجهك ولكنني اشعر بدمي يملوء جسدك.. فأنت ابن أخي التوأم فلا غرابة أن تكون وريثي الشرعي، لم يبق لي شيء أتحسر عليه.. عشت وحيدا ومت وحيدا حتى خادمي الوضيع تأمر على سرقتي ولكن لسوء حظه لم يجد شيء يسرقه!!
عزيزي أحمد لقد شرفك أخي بحمل اسم والدنا فأرجو أن تكون في نبله وشجاعته وصيتي لك أن تكمل ما كتبت في الصفحة الأخيرة من دفتر مذكراتي".
باب غرفة المكتب هو الباب الأسود الوحيد فقد خالف كل الأبواب البيضاء في المنزل لهذا كانت هذه الغرفة مثار فضول يدفع لاقتحامها.
الرفوف تغص بالكتب ولم ينشئا بينها أي فراغ!! منضدة صغيرة يسكن بها كوب واحد ودفتر مذكرات..كان أنظف ما في المنضدة!!
مذكرته ممتلئة كان يركل بها كل وساوس عقله وأحداث أيام عمره، كانت محشوة بالخيال والبؤس، في الورقة الأولى، كتب بخط مرتجف" رتابة مقفرة، إنسان تجارب كل نتاجه ألم.. قسوة جافة يقودها الليل، صحة شحيحة لم تكرم ما تبقى من هذا الجسد.. أشباح الوحدة تحوم حول فضاء الغرفة.. (يستمر احمد في قراءة المذكرة.. تمر به الساعات والساعات ولم يدرك الوقت حتى يصل للصفحة الأخيرة لتنفيذ الوصية).
الصحفة الاخيرة عنونت "بساعتي الأخيرة "وبدء سطرها الاول ببعض الكلمات التالية.. لن اكتب بها شيئا لأنني لن أكون موجودا في ساعتها.. ولكنني وصيت بإكمالها!! ( كان هذا كل ما كتب في أخر صفحات المذكرة) .
احمد يأخذ قلما ويكتب في نفس الصفحة.. توفي الأديب والشاعر/ محمود احمد .. يغلق المذكرة ويأخذها ليحشو بها بطن الرفوف المكتضة بالكتب.

أنور الرزيقي


أعلى




المؤتمر الدولي الأول للتراث العمراني في الدول الإسلامية
بين "سلفية" الفكر الأكاديمي العمراني ورؤى صانع القرار الإستراتيجية

ثمة إشارات ودلالات سياسية وثقافية وفكرية ينبغي قراءتها في المؤتمر الدولي الأول للتراث العمراني في الدول الإسلامية والذي عقد في الرياض بين 23 - 28 مايو 2010. فهذه التظاهرة الفكرية الدولية غير المسبوقة, على مستوى التنظيم أو التغطية الإعلامية الجبارة التي صاحبت أيام المؤتمر, تكمن أهميتها في توقيتها مع تداعيات العولمة الاقتصادية والحاجة لفتح آفاق جديدة تعمل على إعادة قراءة الموروث العمراني وما يرتبط به من صناعة "التراث", والحاجة لإعادة قراءة منزلة التراث في المجتمعات العربية, لا قراءة مؤسساتية وحكوماتية فقط, ولكن بمراجعة الآليات التشريعية والتنفيذية والقضائية للتلاقي مع العامة حيث رؤية صانع القرار وطموحات ومنافع الناس من أجل تأصيل التراث العمراني كواقع يومي. أهمية هذا المؤتمر تأتي في سياق "تضافر" الجهود الحكوماتية على مستوى إقليمي وعالمي, رغم محلية انعقاده, إلا أنه سجل "شراكة" دولية عربية وإقليمية لتأكيد التوجه القادم لتبني التراث مشروعا وأطروحة سياسية وسياحية واقتصادية تتجاوز المواقع المحلية لأطر إقليمية متكاملة.
احتضان هذا المؤتمر الدولي المهم, والعناية به على أعلى مستويات صناعة القرار السعودية, حيث حلت الوفود المشاركة ضيوفا على خادم الحرمين الشريفين وبرعاية مجموعات كبيرة من المؤسسات الوطنية, كل ذلك كان انعكاسا مباشرا لاهتمام يبث إشارات ودلالات على أهمية الطرح الإستراتيجي للمؤتمر وغاياته وأهدافه نزوعا نحو خطوة جادة لتفعيل دور التراث - بمفهومه الواسع - في المجتمعات العربية مقابل مد العولمة وأطروحات التغريب الثقافي. وفي سياق متصل من العلاقة المباشرة بين صناعة القرار وجهود الباحثين والعلماء جاءت رعاية الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار كإطار ناظم لصيرورة وحتمية الارتقاء بالمؤتمر من التقوقع الأكاديمي التنظيري لحيز الواقع العملي الملموس. ومن هنا فقد جسد, وبشكل غير مسبوق, توزيع المساجلات الفكرية والمحاضرات على مختلف أقاليم المملكة طرحا جادا لتعميم الفائدة من ناحية, وللدلالة على القراءة المجهرية المتفحصة من قبل القارئ السياسي للمؤتمر بالطروحات الفكرية وإسهامات الباحثين المتعددة.
المؤتمر كان احتفالية دولية غير مسبوقة لخدمة التراث العمراني خصوصا وعلى عدة أصعدة: فبرنامج المؤتمر على مدار عدة أيام كان حافلا بالزيارات الميدانية لمواقع مهمة في وسط الرياض كي تتفحص الوفود المشاركة من العلماء والباحثين نماذج واقعية من تراث المملكة العمراني, كذلك كانت هناك العديد من المواقع التراثية كالإشيقر والمجمعة والغاط والدرعية وسواها من المواقع التي طافت بها الوفود المشاركة. وعلى صعيد التغطية الإعلامية, فلم يشهد أي مؤتمر في تاريخ المملكة السعودية الحديثة تغطية مماثلة تجاوزت مستحقات المؤتمرات المماثلة, حيث "حطت" وسائل الإعلام المحلية رحالها في قلب ردهات المؤتمر بصورة دائمة طيلة أيام انعقاده لبث مقابلات وأحداث مباشرة على الهواء لتغذية وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة. أما على صعيد تمويل المؤتمر فقد تكفلت الكثير من المؤسسات الرسمية والخاصة بنفقات إقامة الباحثين والعلماء وتأمين سفرهم من وإلى بلدانهم وتقديم كل التسهيلات لهم, وبمعرفة عدد الباحثين والوفود الذي يصل لما يقارب الألفين يدرك المتأمل "ضخامة" إنجاز اللجنة المنظمة والراعية للمؤتمر ودقة ونجاح عملياتها بصورة تستحق الثناء والتقدير والامتنان. كما يعكس ذلك الرغبة السياسية الجادة لإدارة دفة التوجه "الحداثي" العالمي الذي بات يعمل كمنظومة "سرطانية" في جسم البيئة العمرانية, وفي جسم الثقافة العربية بفعل العولمة وآثارها السلبية في المجتمعات العربية والإسلامية. وهو توجه استراتيجي يعكس النزعة نحو توظيف التراث, فكرا ومنهجا وإطارا ناظما وثقافة وأسلوب حياة وكعامل إصلاح اجتماعي, في الحياة العربية المعاصرة.
وبالرغم من هذه الجهود الجبارة, والتسهيلات النادرة التي قدمها منظمو المؤتمر للباحثين والعلماء, والمبادرات غير المسبوقة والمتميزة, إلا أنه يمكن للمتأمل الناقد لوقائع المؤتمر والقارئ للأوراق المقدمة والتي تم نشرها جميعا, ملاحظة مجموعة من النقاط على طريق المراجعة والتأمل والتدبر كملامح عامة تمكن الاستفادة منها للمؤتمر الثاني, وهي:
أولا - تباينت الأوراق والبحوث المقدمة بمواضيعها بتباين المحاور التي ارتكزت عليها والتي وضعتها اللجنة المنظمة, لكن الناقد المتأمل يجد أنها في الغالب "محبطة" في جدية فهمها لأهمية المؤتمر ولا تعكس طموحات أهدافه ولا ترقى لمستوى تنظيمه أو رؤية صاحب القرار الإستراتيجية - رغم أنها تشكل خطوة مهمة على طريق تفعيل دور التراث العمراني والفكري الثقافي. ومرد هذا "القصور" عن التلاقي بين رؤية صاحب القرار والمنظم للمؤتمر وبين المستوى الفكري والبحثي للأوراق يعود بدرجة أساسية لعاملين: الأول هو هلامية محاور المؤتمر وعدم وضوح هدفها في تفعيل العلاقة بين الواقع والمثال, والثاني قصور الباحثين بمعظمهم عن إدراك توقيت المؤتمر والمحيط الفكري والإقتصادي والثقافي العالمي لمحاولة "عصرنة" البحوث المقدمة لتعكس "تاريخية" المؤتمر وضرورة حداثة و"لازمانية" أطروحاته - بمعنى صيرورة وضرورة جدة الأفكار التي ينبغي أن تتسيد منابره ووقائعه في العام 2010 وليس الثمانينيات أو التسعينيات.
ولتفصيل ما سبق, فالقارئ للبحوث المقدمة يجدها على ثلاثة أصناف, جميعها تقريبا محبطة ومخيبة للآمال وتعكس التقوقع الفكري الأكاديمي وقصوره عن مجاراة الواقع العملي المحيط. وقراءة الأوراق المقدمة تعكس نوعا من "التفكير المنفرد" بأصوات عالية لمجموعة متباينة من المفكرين بما يشبه "الحديقة الفكرية" المتنوعة والمتباينة والمتناقضة, فيما غلبت نزعة "الشوفينية" كإحدى السمات الظاهرة على بعض البحوث, وغدا "كل حزب بما لديهم فرحون". فالنوع الأول جاء أكاديميا "ماضويا" وسلفيا مزمنا انبعث من هامش التاريخ المعاصر. وهي إحدى السلبيات الكبيرة التي وقعت فيها اللجنة العلمية للمؤتمر "بإيقاظ" مجموعة من الأكاديميين من "غفوة" طويلة امتدت منذ أواخر الثمانينيات دون مساهمة فكرية تذكر, ليعيدوا تكرار أطروحات "ممجوجة" تنظر بنوع من التقديس "اللاعقلي" لمناحي من التراث ربطتها بالتشريع الإسلامي من ناحية كما تنظر بنوع من "التقزيم" لأهمية الواقع المعاصر ومستجداته. وهذا الفكر "الماضوي" السلفي العمراني أعيد للأسف إنتاجه في "هامش" من هوامش المؤتمر, لكنه للأسف تبوأ منابر خطابية بما يعكس نظرة غير حكيمة للجنة المقررة في اختيار الأوراق المقدمة للعرض في جلسات المؤتمر, وبما لا يرقى لنظرة صانع القرار الإستراتيجية. وتردد في ردهات المؤتمر نوعا من الامتعاض من جلسة بعض المتكلمين ممن أراد أن يعكس نظرته "الماضوية" السلفية المعمارية ومحاولة توسيع دائرتها لأبعد ممن حوله من طلبة وأكاديميين. وتناهى لمسامع كاتب هذه السطور "ذهولا" من الحضور لأطروحات ترفض الآخر جملة وتفصيلا تجسدها جملة ترددت بين جنبات إحدى صالات النقاش :"والمدينة الغربية هي إلى زوال"! وهي جملة تعكس قصورا فاضحا عن معايشة الواقع والاستفادة من إيجابياته, والهروب للماضي هروبا لاعقليا يعيد للأذهان فكرا "تصوفيا" غنوصيا, أو فكر "دروشة" يغرق في ثنايا الغائب وقياسه قياسا لاموضوعيا على الشاهد. وكأن الواقع لا يحتاج إلا إلى "نبوءة" تبشيرية بصيرورة انبعاث الماضي بعوامله الماضوية "بالكلية" لتحل محل الحاضر رغم تطورات ومتطلبات العصر والمكان - بما يعكس بعضا من مشاهد "الوعظ المساجدي" وليس المنتدى الفكري العلمي الذي يحترم المنطق والعقل العلمي الأكاديمي القائم على الحجة والبرهان لمؤتمر بهذا المستوى.
أما النوع الثاني من الأوراق فجاء أكاديميا "مغرقا" في النظرية, رغم أن بعضها يشكل حالات دراسية لنماذج عالمية. لكنه خلا من الطرح التقاربي والإسقاط الإقليمي أو المحلي بما يخدم الواقع المحلي اعتمادا على تجارب عالمية أو تأطيره بإطار "فكّر عالميا ولكن تصرّف محليا". هذا النوع الثاني بالإضافة للنوع الأول يضيفان للمواد الأكاديمية التي تخدم الطلبة والباحثين في "إعادة إنتاج" هذه الأوراق في أطروحات أكاديمية, لكنها لم ترق لمستوى تقديم أطروحات جادة للنهوض وتفعيل الواقع التراثي المحلي أو للتلاقي مع جدّية صانع القرار والأرضية الثقافية الرصينة التي قدمها. وللأسف غابت الطروحات الحداثية التي تعيش عام المؤتمر المنعقد في العام 2010, وبدا بعضها مما يمكن أن ينتمي لأي مؤتمر في حقبة الثمانينيات - مع البون الشاسع, زمنيا ومرحليا واستراتيجيا, بين الحقب الماضية وبين عالم اليوم الذي تؤطره "العولمة" بأطرها الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية.
أما النوع الثالث, فغلبت عليه صبغة "الشوفينية" والتسويق التجاري - سواء على المستوى الفردي أو مؤسسات ومكاتب استشارية. حيث قدمت تصورات لحالات دراسية سابقة, لكن نزعة "الشخصية" والتسويق التجاري طغت على استلهام أطروحات أكاديمية "لمهنيين" بهدف تأصيل علاقة "براغماتية" تجارية على حساب عمق الطرح الفكري الجاد. وبدلا من أن يستخدم المنبر الثقافي غير المسبوق للمؤتمر في "حوار متصل" ومتكامل بين المفكرين والطروحات المختلفة, بات المؤتمر أشبه "بسوق عكاظ" حيث يطرح فيه كل "بضاعته" ويمضي منعزلا عمن حوله من المفكرين ومختلفا ومتباينا ومتنافسا معهم! تاركا عبئا هائلا على منظم المؤتمر لمراجعة الطروحات الفردية "المتباينة" وللخروج بنتائج وتوصيات ترقى لجدّية تصور صانع القرار. وكان البيان الختامي للمؤتمر بتوصياته انعكاسا لهذا التصور "العام" الذي خرجت به البحوث الفردية المقدمة. وخلص المتأمل للتوصيات الختامية بنتيجة مفادها أن البحوث لم تخرج بأطرها وأطروحاتها عن عموميات محاور البحث للمؤتمر دون محاولة لفهم عميق للتراث العمراني بشكل خاص, في المملكة والدول العربية والإسلامية, ودون محاولة تقديم حلول وقراءة لواقع ومشكلات "التراث" العربي, العمراني والعام بمفهومه الواسع للكلمة.
الورقة التي قدمها كاتب هذه السطور, وهي ليست بحال أفضل من مجمل البحوث المقدمة, لكنها كانت محاولة لقراءة واقع تداعيات الاقتصاد المعولم, ومحاولة لفتح الباب فقط أمام بحوث جادة لأهمية وضرورة قراءة التراث العمراني ومرتبطاته ضمن واقع الاقتصاد المعولم والإشارة لخطورة نبذ التراث على رساميل المجتمعات المحلية والطاقات والكفاءات المرتبطة بإنتاج التراث بالمفهوم الواسع للكلمة. وقد عكست رؤية لقراءة للواقع الحالي وبخاصة في ظل أزمة عالمية يمر بها العالم برمته, وتلقي بظلالها على واقع تراث عمراني, وموروث بمعناه الواسع, ينزع نحو الاندثار. وقراءة التراث بإطار معاصر كان من خلال تقديم مجموعات من الطروحات لحماية المجتمعات المحلية والعمالة والرساميل في مقابل تغول عولمة الاقتصاد استنادا لتجارب عالمية معاصرة. ما كان ملفتا للاهتمام هو قراءة المنظمين للورقة حيث كانت هناك رؤية ثاقبة لتعميم نتائج الطرح الفكري خارج ردهات المؤتمر, وتم إلقاء الورقة في غرفة تجارة الإحساء كتلاقح بين المجتمعات في الأقاليم والنخبة الاقتصادية - فضلا عن فتح الباب واسعا أمام توجه للخروج من ضيق "وجمود" النظريات الأكاديمية وإعطاء البحوث ارتباطا عمليا.
ثانيا - المؤتمر كان محفلا دوليا هائلا برزت فيه قدرة الدولة على احتضان وتنظيم فعاليات ثقافية رفيعة المستوى, فصانع القرار قام بدوره على أكمل وجه. لكن المؤتمر بتوصياته وبحوثه المقدمة, والتي فاقت بضع مئات لأوراق مقبولة من أصل ما يزيد على الألفي ورقة لم تقبل, فضح "عقم" الأكاديميين والمهنيين سواء بسواء على النهوض لمستوى الحدث الفكري. وعكس مدى التقوقع الأكاديمي و"السلفية" الفكرية المعمارية عن مواكبة الواقع وإن تغنى مريدوها بأنماط من "التاريخ" العمراني. وفي نفس الوقت فضح المؤتمر انعزالية المعماريين الممارسين عن الفكر الأكاديمي والنظرية الرصينة وواقع السوق المحلي وأهدافه في التنافس التجاري على حساب التراث العمراني وسعيا وراء "مصالح رأسمالية", وفي الوقت ذاته فضح الهوة العميقة بين الأكاديميين في عالمهم "الافتراضي" وبين الواقع العملي.
ثالثا - من أبرز الأمثلة على "قصور" الباحثين عن دورهم في قراءة الواقع أن مدينة القدس بما يدور فيها مؤخرا من عمليات تهويد ممنهجة وطمس لتراث عمراني عربي إسلامي ومسيحي غاب تماما عن أطروحات المؤتمر الجادة وغرق "عتاولة" التنظير للمدينة العربية "الإسلامية" في إعادة إنتاج "مادة" نصية كتبها بعضهم قبل أكثر من ثلاثين عاما, وهو أمر معيب بكل المقاييس أن ينخرط "سلفيّو" المدينة الإسلامية في طروحات تقليدية تغيب عن واقع المدينة العربية عموما, وخصوصية المدينة المقدسة التي تهود على مرأى ومسمع من العالم الإسلامي. وكأن ما يجري على أرض الواقع لا يعني هؤلاء "السلفيين العمرانيين" بحال؟!! وكنا نتمنى أن يخصص محور واحد واقعي لمؤتمر بهذا المستوى لمدينة القدس - وهي مسؤولية اللجنة العلمية أولا ودور كان ينبغي أن يضطلع به الباحثون والأكاديميون المشاركون من تلقاء نفسهم ثانيا. وكان يجب أن تخصص مجموعة من التوصيات الخاصة بالمؤتمر لمعالجة واقع ومشكلات مدينة القدس العربية بما فيها من تراث حي مهدد بالاندثار والمسح والتدمير على يد ماكينة التهويد الصهيونية!
قراءة هذه النقاط والتأملات إنما هي على طريق المراجعة النقدية للذات أولا ولضرورة الاستفادة منها في المؤتمر الثاني القادم, سعيا وراء الاستفادة القصوى من الموارد الهائلة التي تم انفاقها وتسخيرها لهذه التظاهرة العلمية الثقافية غير المسبوقة.
وإلا لبقينا نتغنى بالتراث دون الخروج بنتائج عملية جادة لتطويره, ولكان مثلنا بالاستعانة "بخبرات" غير المؤهلين أشبه بحال من يتسلح "بعلم لا ينفع وجهل لا يضر", وبما لا يرقى لمستوى رؤى صانع القرار الإستراتيجية الثاقبة, وإهدارا لموارده التي قدمها بسخاء مشكور لا مثيل له لتمكين العلماء من التوافد من مختلف أنحاء المعمورة في ظل أوضاع اقتصادية صعبة!.

د. وليد أحمد السيد
معماري وأكاديمي - لندن



أعلى




حوّاء.. الحكّاءة الأولى
حول العلاقة بين المرأة والحكاية الشعبية

ليس من المستغرب أن يذهب بعض علماء الكلام، واللغويين، والمؤرخين أيضاً، إلى القول إن حوّاء (الأنثى) هي أول من اخترع الكلام، أو إنها الحكّاءة (أو الحكواتية) الأولى، إذ إن الدور الذي مارسته المرأة -ولا تزال- منذ بدء الخلق، في الاعتناء ببيتها وأسرتها، تطلّب، في سبيل تحقيقه، وسيلةَ اتصال مع محيطها الاجتماعي أكثر سهولة ويسراً من الإشارات والرموز، بخلاف الرجل الذي ظل منشغلاً بتأمين الاحتياجات الأساسية لأسرته، عبر الصيد، وتوفير الطعام والماء، وغيرهما، مما تجود به الطبيعة، وبالتالي لم يكن أثناء تأديته لهذه الوظائف محتاجاً، كما المرأة، إلى "الكلمة" أو "العبارة"، للتواصل مع مفردات الطبيعة من حوله.
ولعل هذا هو التفسير الأنسب والأكثر تبريراً وإقناعاً لشغف المرأة بالكلام -حتى إن بعضهم يَسِمُها "الثرثرة" بالإطلاق، دون مراعاةٍ للفروق بين واحدة وأخرى- وممارسة "الحكي" أكثر من الرجل، حتى وقتنا الحالي، لما يتطلبه دورها الحيوي في الحياة من حوارات مستمرة داخل الأسرة مع زوجها وأطفالها، أو خارجها، مع الآخرين في محيطها.
وفي مرحلة لاحقة، خرج الكلام من نطاق التعبير عن الحاجات الأساسية للإنسان، ليصبح الوسيلة الأكثر نجاعةً في الاتصال والتعبير عن الفكر الإنساني، وما يعتور الذات البشرية من مشاعر وأحاسيس، والاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين، ونقل ما في المخيلة من رؤى وتصورات ذات بعد أسطوري وغرائبي، والتأشير على سعي الإنسان الدائم لاكتشاف الكون من حوله، والتعرّف إلى كُنْهِ القوة العظمى التي تحركه. وبذلك، تشكلت النواة الأولى للحكاية، فيما الناس يتناقلون الأخبار والأحاديث عن بعضهم بعضاً، وعن الأقوام الذين سبقوهم.
وأول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن العلاقة الوطيدة، والأصيلة، بين المرأة والحكاية، شخصية شهرزاد في "ألف ليلة وليلة"، حيث كانت شهرزاد تقوم بسرد الحكايات، الواحدة تلو الأخرى، في كل ليلة، على شهريار الملك، كوسيلة تحمي بها نفسها من سيفه، وهو الذي كان يقتل الحسناوات من بنات شعبه، بعد زواجه منهن، وفي ليلة الزفاف.
وبما أن الأحداث والأفكار كانت تنتقل من جيل إلى آخر عبر الحكي (شفاهةً) قبل أن يعرف الإنسان التدوين والكتابة، فلا بدّ أن الدور الأكبر في الحفاظ على "الحكاية" بوصفها التعبير الحقيقي للذاكرة الشعبية، كان للمرأة، عبر سردها الحكايات مراراً وتكراراً لأبنائها، وأحفادها، حيث كانت الحكايات الوسيلة المثلى لتسلية الصغار قبل النوم، في ظل غياب وسائل الترفيه المختلفة التي لم يعرفها الإنسان سوى في فترة قريبة، كالاذاعة والتليفزيون، بما يجعل المرأة تستحق، وعن جدارة، النظر إليها باعتبارها سادنة "الحكاية"، وحارسها من الضياع عبر الزمن.
ومن المؤكد أن حكايا الأمهات اللواتي كنّ ـ ولا يزلن ـ يروينها لأطفالهن، تثري خيالهم، وتنمّي قدراتهم العقلية، وربما كانت الحكايا خطوة لا بد منها للوصول إلى الاختراعات العظيمة، فلو لم يحلم الإنسان بأنه يطير كالطيور مثلاً، ويغذّي هذا الحلم بمحاولات متكررة لصنع أجنحة يحلق بها عالياً في السماء، لما توصّل إلى اختراع الطائرة، ولو لم يحاول التسلق إلى القمر لما اكتشف المركبات الفضائية، وعرف أسرار الكون وخفاياه.
لكن الأمر لم يكن يخلو من إضافة هنا، أو حذف هناك على متن الحكاية، بما يتفق وأهداف ومرامي الشخص الذي يقوم بفعل الحكي، ولذلك ظلت المخيّلة الشعبية مشتعلة، تحوّل ما هو حدث عادي إلى أسطورة يصعب تصديقها، لعدم واقعيتها، لكن يجري الإيمان بها والتعاطي معها على أنها جزء من المعتقَد الذي تتخلّله كثير من الغيبيات. وبمرور الزمن تولدت حكايا جديدة من الحكايا القديمة، واصطبغت حكايا سابقة بألوان ليست لها، وتعددت التفاصيل في الحكاية الواحدة، وظلت المرأة / الحكّاءة توقد جذوة الحكاية، بما تضيفه من مخيلتها الجامحة، إلى متن الحكاية أو أصلها.
وظهرت حكايا، جرى تداولها على نطاق شعبي واسع، تتضمن أحداثاً كانت يد المرأة المحرك الأساسي لها، أو السبب الرئيسي في وقوعها، بدءاً من إشعال فتيل الحروب، وانتهاءً بصنع الأحداث العظيمة، فلولا عبلة ما كان عنترة العبسي من أعظم فرسان التاريخ، ولولا "البسوس" لما نشبت حرب لم تخمد أوارها على مدار عقود من السنين، ولولا شهرزاد لما تغيّرت طريقة تفكير شهريار وتغيّر أسلوب حكمه لشعبه.. والقائمة لا تنتهي.
وتتضمن الحكاية الشعبية أحداثاً وكائنات حقيقية، مثلما تتضمن أحداثاً وكائنات من صنع الخيال الإنساني، لا علاقة لها بالواقع أو المنطق، وحسبُنا أن نذكر هنا نماذج من أبطال الحكايات الشعبية التي لا تزال متداوَلَة بين الناس حتى زمننا هذا، مثل حديدوان، ونُص نصيص، والشاطر حسن، والغولة، وعقلة الإصبع... إلخ. وتتأثر نسبة الخيالي أو العجائبي داخل الحكاية، إلى الواقعي أو الحقيقي، بطبيعة العصر (أو المرحلة) الذي تُروى فيه الحكاية، والأفكار أو "الرسالة" التي يُراد إيصالها للناس من خلالها.
وقد كانت الحكاية تُروى في العصور السابقة، شفاهةً، وبالفصحى، التي كانت اللغة الدارجة في حياة العرب اليومية، إلا أن فصاحة الحكاية، لم تؤثر في "شعبيتها"، لكنها في العصور الأخيرة، ازدادت "شعبيةً" فوق "شعبيتها" الأولى، عبر انتقالها من الفصحى التي أصبحت ثقيلة على لسان الإنسان العربي المعاصر، إلى اللهجات المحكية الدارجة والتي شاعت بعد اختلاط العرب بأبناء الشعوب والأمم الأخرى، مما جعلها أكثر قرباً من الناس، وأكثر تعبيراً عنهم، ومنحها مكانةً خاصةً من بين الفنون الشعبية الأخرى.
وكانت الحكاية قد أصبحت بعد عصر التدوين فناً مستقلاً بذاته، إلى جانب الفنون الأدبية السردية والشعرية الأخرى, وهي تقوم على السردية حيناً، وعلى الشعرية حيناً آخر، وربما تجمع بين الطرفين. وقد زاد الاهتمام بالحكاية في ظل ازدهار حركة الترجمة منذ العصر العباسي، وتسرّب الحكايات الفارسية والهندية إلى الأدب العربي، فكان أن ترجم ابن المقفع كتاب "كليلة ودمنة" لبيدبا الفيلسوف عن الفارسية، وكتب سهل بن هارون حكايات "ثعلبة وعفرة" أي "الثعلب والنمر"، وكان هذان الكتابان، على وجه الخصوص، من أوائل الكتب التي أُفردت للحكايات بشكل خاص، وفتحت الأبواب أمام هذا الفن الأدبي الذي أصبحت له سمات خاصة وصفات تميزه عن غيره من الفنون.
ورغم أن الحكايا المتضمنة في هذين الكتابين وغيرهما جاءت بلغة عربية فصيحة، إلا أنه بدأت تظهر كذلك الكتب التي دوّنت الحكايات الشعبية كما هي، أي كما تُروى في اللهجات المحكية، وقد وجدت هذه الكتب لها طريقاً ورواجاً بين الناس، يتناقلونها جيلاً بعد آخر، ويحوّرون ما فيها من حكايات، وفق ما يقتضيه الظرف أو الزمن الذي يعيشون فيه.
وتعكس الحكاية الشعبية، بما تحمله من مضامين وثيمات، المناخ الفكري ومدى التطور الحضاري للمجتمع الذي أُنتجت أو وُلدت فيه. وإذا كان الرجل قد سيّر الحكاية الشعبية منذ القدم، باتجاه تصوير مغامراته وبطولاته، في الغالب، فإن المرأة لم تجد بدّاً من تمجيد هذه المغامرات والبطولات، والثناء عليها، وتخليدها، عبر فعل "الحكي" الذي جعل هذه الحكايات حيّة إلى يومنا هذا، بما فيها من نماذج إنسانية تحمل قيماً إيجابية تُحتذى، تقف في وجه الشر، وترفض الظلم والطغيان، وتسعى إلى الحرية.
ورغم الدور المهم الذي من المؤكد أن المرأة لعبته في الحفاظ على الحكاية الشعبية، قبل التدوين، إلا أنه تم تجاهلها في فترة التدوين، التي أتت، فقط، على ذكر القصاصين والرواة الرجال الذين راجت مهنتهم تلك في العهد الأموي، بشكل خاص، والذين كانوا يستمدّون حكاياهم من القرآن الكريم والنصوص الدينية، أو من أخبار الفرس وأساطيرهم.
وربما يعود التركيز على ذكر رواة الحكاية الشعبية من الرجال، إلى اتّخاذ مجموعة من الرواة من فن الحكاية مهنةً يمتهنونها، خصوصاً وأن عدداً من القادة والخلفاء قربوا هؤلاء الرواة إليهم في مجالس السمر، فضلا عن أن هؤلاء الرواة كانوا يروون حكاياتهم على جمع غفير من الناس، وقد طالت شهرة بعضهم عدداً من البلدان العربية والأعجمية، بينما ظلت المرأة تمارس روي الحكاية على نطاق ضيق، لا يتجاوز أفراد أسرتها أو المقربين لها.
وقد اتسمت الحكايات الشعبية بعدد من السمات الفنية، منها الافتتاحية المتوارثة التي تستهل بها الحكاية "كان يا ما كان، في قديم الزمان" دون إشارة حقيقية تدلنا على زمن الحكاية، أو مكانها، وتختتم بـ"طار الطير والله يمسيكوا بالخير" أو ما يماثلها من عبارات تدل على زمن انتهاء سرد الحكاية، وهو في الغالب وقت المساء، حيث يجتمع الناس لـ"التعليلة" والسمر، ناشدين المتعة والراحة والترفيه عن النفس.
ومن مصادر الحكاية، إلى جانب خيال الراوي، أو المخيال الشعبي الذي لا حدّ له، الأساطيرُ القديمة، والقصصُ الواردة في الكتب السماوية، والأحداث الحقيقية، والخرافات المتوارَثة، وغيرها. ويتم تقديم الحكاية الشعبية، في الغالب، بلغة بسيطة واضحة المعالم، هي لغة الإخبار التي يفهمها الناس على اختلاف مستوياتهم العمرية، والإدراكية، فتجذب انتباههم وأسماعهم إليها، في أجواء حميمية، يلتف فيها المستمعون حول راوي الحكاية، ويسرحون بخيالاتهم إلى عوالم شاسعة، وآفاق رحبة لا حدود لها.
هيا صالح *
- كاتبة من الأردن.

أعلى




الذاكرة المثقوبة

هانحن، مرة أخرى،
نُثبت أن ذاكرتنا الثقافية مثقوبة أو تكاد، وأن وعينا الثقافي يتبدل، ويتغير، ويتلوّن وفق الطقوس والحالات والظروف، وأن ثوابتنا الثقافية تطوى أو تحيّد بالإهمال والنسيان واللامبالاة.. وأن جبهتنا الثقافية التي لم تعرف أن التنظيم، والفعالية، والمعرفة، والإبداع، والمكان الجغرافي العامر بالاجتماعي.. هي محركات قوة وتفوق.. تُخترق، وتنحني أمام صمود واستمرارية الثقافات الأخرى.. وبهذا فإن الغزو الثقافي الذي يعني الهيمنة على منظومتين أساسيتين في حياة أي مجتمع، هما: المنظومة المعرفية، والمنظومة القيمية.. صار مرحباً به أمام ذاكرة ثقافية مثقوبة، وجبهة ثقافية متصدعة..
أقول هذا، وأنا أرى الإقبال المحموم على ترجمة كتب ثلاثة من رموز الثقافة الذين عادوا مفهوم الإنسانية، ومفهوم السلام، ومفهوم حرية التعبير والمعتقد. أعني بهؤلاء الثلاثة: جون شتاينبك، وجوزيف كونراد وسلمان رشدي. الثلاثة قالوا بوحدانية الثقافية الغربية، وبوحدانية الإبداع الأصيل المحصور في الرجل الغربي، وأن الثقافة منقسمة إلى عالمين: عالم مبدع، وعالم غير مبدع، عالم نور، وعالم ظلمة، وأن الأول يعيش الإبداع، والثاني عالة عليه.
وللتوضيح أقول، إن جون شتاينبك الذي تتسابق دور النشر، في أيامنا الراهنة، على طباعة أعماله، وهي لاشك أعمال أدبية فيها من النضج الفني ما فيها، ولكنها تحمل أنفاساً ثقافية استعمارية لا تقل عن الأنفاس العسكرية المؤمنة باستعمار الآخرين، قال وهو يركب في إحدى الطائرات الأمريكية، في أثناء قصفها للقرى والمدن الفيتنامية.. إنه يشعر ويتذوق جمال الموسيقى الأميركية التي تعزفها الصواريخ الأميركية المنقضة على البيوت الفيتنامية. وأن الإنجليزي الأصل، البولوني الجنسية، جوزيف كونراد مدح الاستعمار الغربي، الإنجليزي خصوصاً، للبلاد الإفريقية، والبلاد العربية، والهند، ونادى بفردانية الرجل الغربي وتميزه لأنه من طينة الخزف، بينما الآخرون من طينة الوضاعة. ولعل روايته (قلب الظلام) التي تهلل للاستعمار القادم إلى أفريقيا (بيت الظلمة العالمي)، كما أحب أن يوصفه، كي يبدد العتمة.. هي خير مثال على عدوانيته ومناداته بمشروعية استعمار الغرب لأفريقيا وآسيا.
أما سلمان رشدي، فهو الطالع من الدين الإسلامي تربيةً وعقيدةً.. ليتقوّل تحت املاءات الغرب، واستجابة لمعطيات ذهنيته.. على الإسلام، ونبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) ما يحول الحياء المعرفي من ذكره. وأظن أن ما من أحد يقرأ ويكتب في العالم إلا وسمع بأقوال سلمان رشدي ودعاويه التي تجعل للظلام أصابع، وللأحقاد أقداماً.. وقد نتجت جرأة سلمان رشدي المبنية على التقول ليس من طبيعة الحرية المتوافرة في البيئات الغربية، وإنما من كتاباته السابقة التي شنعت بالمجتمع الهندي، بلده الأصل، واتهمته بما لا يليق بالأوطان من أوصاف ونعوت..
أعرف أن هؤلاء الثلاثة رموز ثقافية لها حضورها ومكانتها الاعتبارية في الكتابة والإبداع والرأي.. ولكن هذا كله لا يمنع المرء من استبطان ما امتلأت به تضاعيف كتبهم التي لا ترى إلا بعين واحدة، الغرب، والحضارة الغربية وحسب.
إن حضور الذاكرة الثقافية، والثوابت الفكرية، والإيمان بأن الإنسانية صفة للبشرية كلها، وليس لجهة منها، وأن الحريات، وحقوق التعبير.. للجميع وليس لطائفة، أو مجتمع،.. وأن العدوانية منتج للعقول المريضة.. كل هذا، إن بدا وتجلَّى، يحول دون شيوع الأنفاس الحامضية في الأدب والثقافة.. ذلك لأن السيف والقلم لا يلتقيان إلا على الحق.

دمشق ـ حسن حميد *
* كاتب فلسطيني


أعلى


 

تـراثـيـات

هوانا موافق لهواك

لعمر بن أبي ربيعة

أيها العاتبُ الذي رام هجري
وبعادي، وما علمتُ بذاكا
ألقتلي أراكَ أعرضتَ عني
أم بعادٌ، أمْ جفوةٌ، فكفاكا
قد بريتَ العظامَ والجسمَ مني
وهوانا موافقٌ لهواكا
قد بلينا، وما تجودُ بشيءٍ
ويح نفسي ، يا حبُّ ، ما أجفاكا
أنتَ فِي القولِ عازفٌ من هوى
النفسِ إلينا، فِي الطرفِ حين نراكا
وإذا ما ذكرتُ ، راعكَ ذكري
وكثيرٌ يروعنا ذكراكا
وإذا ما سمعتَ اسماً كإسمي
ليّ بالدمعِ أخضلتْ عيناكا
وإذا ما وشى إليكَ بنا الواشونَ
صدقتَ ظالماً منْ أتاكا
شلّ مني اللسانُ إن كنتُ اهوى
من بني آدمَ، الغداةَ، سواكا


ـــــــــــــــــ


من يشهد ؟

أورد ابن طيفور في (بلاغات النساء) عن الجاحظ أنه قال: لما مات رقية بن مصقلة أوصى إلى رجل ودفع اليه شيئاً وقال ادفعه إلى أختي فسأل الرجل عنها فخرجت اليه فقال لها أحضريني شاهدين انك أخته فأرسلت الجارية إلى الامام والمؤذن ليشهدا لها واستندت إلى الحائط فقالت الحمد لله الذي أبرز وجهي وأنطق عيي وشهر بالفاقة اسمي فقال الرجل شهدت إنك اخته حقاً ودفع الدنانير إليها ولم يحتج إلى شهادة من يشهد لها.

ـــــــــــــــــ


من جواهر الحكمة

من كلام أكثم بن صيفي الموسوم بالحكمة:إن من أفضل الأشياء أعاليها وأعلى الرجال ملوكها وأفضل الملوك أعمها نفعا وخير الأزمنة أخصبها وأفضل الخطباء أصدقها،الصدق منجاة والكذب مهواة والشر لجاجة والحزم مركب صعب والعجز مركب وطئ،آفة الرأي الهوى والعجز مفتاح الفقر وخير الأمور الصبر،حسن الظن ورطة وسوء الظن عصمة،إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي من فسدت بطانته كان كالغاص بالماء،شر البلاد بلاد لا أمير بها،المرء يعجز لا محالة،أفضل الأولاد البررة،خير الأعوان من لم يُراءِ بالنصيحة،أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته يكفيك من الزاد ما بلغك المحل ،حسبك من شر سماعه،الصمت حكمة وقليل فاعله،البلاغة الإيجاز،من شدد نفرَّ ،ومن تراخى تألف.

ـــــــــــــــــ

كالشمس من خلال سحاب

يروى أن بنتاً لعبد الملك بن مروان حجت، فكتب الحجاج إلى عمر بن أبي ربيعة يتوعده إن ذكرها في شعره بكل مكروه؛ وكانت تحب أن يقول فيها شيئاً وتتعرض لذلك، فلم يفعل خوفاً من الحجاج. فلما قضت حجها خرجت فمر بها رجلٌ فقالت له: من "أين" أنت? قال: من أهل مكة؛ قالت: عليك وعلى أهل بلدك (...)! قال: ولم ذاك? قالت: حججت فدخلت مكة ومعي من الجواري ما لم تر الأعين مثلهن، فلم يستطع الفاسق ابن أبي ربيعة أن يزودنا من شعره أبياتاً نلهو بها في الطريق في سفرنا! قال: فإني لا أراه إلا قد فعل؛ قالت: فأتنا بشيء إن كان قاله ولك بكل بيتٍ عشرة دنانير؛ فمضى إليه فأخبره؛ فقال: لقد فعلت، ولكن أحب أن تكتم علي؛ قال: أفعل؛ فأنشده:
راع الفؤاد تفرق الأحباب
يوم الرحيل فهاج لي أطرابي

وهي طويلة.. وأنشده:

هاج قلبي تذكر الأحباب
واعترتني نوائب الأطراب

وهي طويلة أيضاً ومنها:

اقتليني قتلاً سريعاً مريحاً
لا تكوني علي سوط عذاب
شف عنها محقق جندي
فهي كالشمس من خلال سحاب

قال: فعاد إليها الرجل فأنشدها هاتين القصيدتين فدفعت إليه ما وعدته به.


ـــــــــــــــــ

عصافير المرح

أهدى بعضهم إلى أمير يوم نيروز عصافير أحياء في طبق، وجعل معها رقعة فيها مكتوب:

عصافير بعثت بها مـلاح
ليضحك، لا لٍيأكلها الأمير
وما أهدى إلى ملك سوائي
عصافير على طبق تطير

فلما وضع الطبق بين يديه، ورفع عنه الغطاء طارت العصافير، فرفع الرقعة وقرأ الشعر فضحك، وأمر له بجائزة سنية.


ـــــــــــــــــ


إمارات العجز

وصف العتابي رجلاً بليغاً فقال: كان يُظْهِر ما غَمض من الحجة، ويصور الباطلَ في صورة الحقّ، ويُفْهِمك الحاجةَ من غيرِ إعادة ولا استعانة. قيل له: وما الاسْتِعَانة؟ قال: يقول عند مقاطع كلامه يا هناة، واسْمَع، وفَهِمت! وما أشبهَ ذلك. وهذا من أَمَاراتِ الْعَجْزِ، ودلائل الحصَرِ! وإنما ينقطعُ عليه كلامه فيحاولُ وصْلَه بهذا، فيكون أشدَ لانْقطَاعِه.

ـــــــــــــــــ


شاعرة لطيفة

أورد الحصري في زهر الآداب:كانت علَيَّةُ بنت المهدي شاعرة لطيفة المعنى، رقيقَةَ الشعرِ، حسنةَ مجاري الكلام، ولها ألحانٌ حِسَان، وعَلِقَتْ بغلام اسمه رشأ وفيه تقول:

أضحى الفؤادُ بزينبا
صَباً كئيباً مُتْعَـبـا
فَجَعَلْتُ زَيْنبَ سُتْرَةً
وكَتَمْت أمراً معجبا
قولها: بزينب تريد برشأ.
فنُميَ الأمر إلى أخيها الرشيد، فأبعده، وقيل: قتَله، وعَلِقَت بعده بغلام اسمه طَلّ، فقال لها الرشيد: واللّه لئن ذكَرْتِه لأقتلنك! فدخل عليها يوماً على حين غَفْلة وهي تقرأ: فإن لم يصبها وابلٌ فما نهى عنه أمير المؤمنين، فضحك، وقال: ولا كلّ هذا، وهي القائلة:
يا عاذِلي، قد كنتُ قبلَـك عـاذلا
حتى ابتُليتُ فصرْتُ صَبًّاً ذاهلا
الحب أول ما يكـون مَـجَـانة
فإذا تحكَم صار شُغْلاً شـاغِـلا
أَرْضَى فَيَغْضَبُ قاتلي فتعجبـوا
يَرْضى القتيلُ ولا يُرضِّي القاتلا

وهي القائلة:

وُضع الحبٌ على الْجَوْرِ، فلو
أنصف المعشوق فيه لَسَمُجْ
وقليلُ الحب صِرْفاً خالصـاً
لك خير مِنْ كثيرٍ قد مـزِجْ
ليس يُسْتَحْسَنُ في نَعْتٍ الهوى
عاشق يُحْسِنُ تأليفَ الْحُجَـجْ

ـــــــــــــــــ


للتفّوق أسرار


قيل لبشَّار بن بُرْد: بِمَ فقْتَ أهل عمرك، وسبقتَ أهْلَ عصرك، في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأني لم أقبل كل ما تُورِدُهُ علي قريحتي، ويُنَاجيني به طَبْعِي، ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسِرْتُ إليها بفهمٍ جيد، وغريزة قوية، فأحكمت سَبْرَها، وانتقيت حُرها، وكشفتُ عن حقائقها، واحترزتُ من متكلَفها، ولا والله ما ملك قيادي قَطُ الإعجابُ بشيء مما آتي به..وكان بشارُ بن برد خطيباً، شاعراً، راجزاً، سجاعاً، صاحب منثور ومزدوج، ويلقب بالمرعَّث لقوله: مجزوء الخفيف:
مَنْ لِظَبْـي مُـرعَـثٍ
ساحر الطَّرْفِ والنظَرْ
قال لي لن تنـالـنـي
قلت أو يغلب القَـدَرْ


أعلى


 


الأدب الشعبي

بوح ..
تنظير لا ينتهي

من الجميل جدا ان تكّرس الصراعات القائمة في الساحة الشعرية الشعبية للاستفادة منها في النص الشعبي بدلا عن الخوض في (احاديث فارغة) والذي ينعكس على قدرة الشاعر في التركيز على قصيدته التي يجب ان تستفيد من تجارب الآخرين بعيدا كل البعد عن (عزة النفس) التي يرى بعض الشعراء إنها تحني هامتهم أو تكسر هيبتهم ، وعلى العكس تماما فإن الاستفادة من كل صغيرة وكبيرة في مواضيع الساعة المطروحة يجب ان يكّرس في النص كما ذكرت سابقا.
التجربة والاستمرارية عنصران مهمان في تفعيل (العقلية الشعبية) من أجل الارتقاء بتلك التجربة وكالعادة كان الشعراء ومن ترن اسماؤهم حاليا لا يأبهون للاستفادة من تجارب الجيل الذي يقدمهم وهو ما أثر على نتاجهم خلال الفترة الماضية وكانوا يتعنترون كثيرا حينما يوجّه لهم أحد نصح أو إرشاد ، أما الآن فبعد تجربة واستمرارية أكد لهم الوقت انه (لا يصح الا الصحيح) وهذا ما جعلهم يتأنون كثيرا في إخراج النص امام العالم ليؤكدوا بطريقة أو بأخرى انه لا مجال لإهدار الوقت في الردود بقدر الاستفادة من ذاك الحديث ، وللأسف فإن هذه الظاهرة تتكرر مرة أخرى وانا متأكد بأن الزمن كفيل بأن يجعلهم يعون هذه الحكاية.
(التنظير في الساحة) اصبح مبتغى الكل من الشعراء في الوقت الذي لا يعي هؤلاء الشعراء بأن قدرتهم في صياغة القصيدة غير مكتمل ويحاول العبث في ذلك النهج ، فأصبح الاجتهاد والتدبر هي الوسيلة التي يتكئ عليها اولئك الشعراء ، وما يحز في النفس ان البعض الذي من المفترض ان يكون استفاد لهذه اللحظة من تجارب الآخرين، أصبح يردد ما يقال له متهما استغلالية المنابر الثقافية من أجل المصالح الخاصة ، ولا احد منهم وللأسف يستطيع إبداء رأي جديد بمعنى (الرأي) وليس التنظير والأدهى والأمر ايضا عدم معرفة الفروق بين التنظير والرأي.
على الصعيد الشخصي ارى ان بضعة عشر عاما غير كافية للخوض في نهج (التنظير) بدون أن تكرس العقل بمختلف الثقافات إضافة للعلم عن حيثيات الساحة صغيرها وكبيرها ومعرفة ما قدمته المؤسسات الثقافية وسلبيات ذلك التقديم وإيجابياته إضافة لمعرفة تعددية المدارس في الساحة واحترام الذائقة مع الإلمام بأساسيات كتابة النص ومعرفة الجانب (التراثي الشعري) على اقل تقدير ممكن ، وغيرها الكثير والتي مما لا شك فيه ستكون واضحة لعيان الشعراء إذا ما اجتهد أحدهم للبحث والحديث عنها مع شعراء ما قبل العشر سنوات وليس شعراء القصيدة و النعرتين .
لا أود الخوض في فروقات تقنيات قصائد التجربتين ولكن أتمنى حينما نقف أمام نصين مختلفين في التجربة ، أن نقف أمامه بعين الراغب للاستفادة ، بعين المثقّف الذي يفّند آليات تلك النصوص وبين الأخطاء التي وقع فيها في نصه ، حتى يستطيع في النص القادم تقديم الجديد والأجمل وبهذا يسير الشاعر على خطى تصاعدية من جهة وتشغله عن الالتفات إلى المطبات الكلامية من جهة أخرى ، ويصبح النص ساعتها هو الرد على تلك المطبات وليس التفّوه بعبارات الفصاحة المخبأة لاستعراض لغة الخطابة على عجالة لا تغني ولا تسمن من جوع ، وليس الغرض في هذه الموقعة فتل العضلات بقدر ما نتمنى ان نوصل المعلومة بأي طريقة مفهومة لدى كل معني في الأمر حتى وإن اخطأنا لغويا فنحن قبل كل شيء بشر غير منزهين من الأخطاء ولا نهدف للتفلسف لغويا على حساب الموضوع الرئيسي المطروح مثلا.
اخواني الشعراء .. ان المسافة او الهوّة التي بيننا وبين شعراء الجيل السابق يجب ان نبني لها جسرا للتواصل فإن كان التقصير منهم فنحن ابناؤهم ونحن الشباب الذين نمتلك القوة لبناء ذلك الجسر وانا متأكد كل التأكيد بأنهم سيكونون سعداء جدا حينما نصل لقلوبهم ، لإبداعهم .. فلنسعَ جاهدين لبناء هذا الجسر الذي هدمته الظروف في لحظة من اللحظات ويجب ان نعي جيدا وبكامل قوانا ان (الرأي لا يفسد للود قضية).

فيصل بن سعيد العلوي*


ـــــــــــــــــ


عشْر سنين

أمشط شعر أحلامي وشباك الحلم أحزان
وقلبي صار محراب الأسى والليل يرثيني
حبيبي والعطش ناموا / في قلبي كنهم أخوان
وانا من هالظمأ صليت ربي منه يعفيني
تعب واتنفسه وادري بأني كنت انا الغلطان
تعب يمتد من اقصى الهدوء ويكسر سنيني
وعشر سنين يالدنيا وانا في عالمي انسان
حملته لين ما صارت ضلوعه ساكنه فيني
وكان ينام في هذا الوريد ويسكن الشريان
وقلت انه ابد ماعاد دونه شي بـ يعنيني
ومرت هالعشر كني انا المسجون والسجان
وكن الأرض ما جابت سواه انسان في عيني
وكن الوقت من دونه بلاد وما بها سكان
وكن الريح لا نامت هواه يمسد جبيني
وعشر سنين مانامت عيوني عاكفٍ سهران
وربي بس لولا الكفر / قلت انه مثل ديني
وراحت هالعشر بالحب داخل عالم النسيان
وانا من هالعشر أضرب يسار يديني بيميني
سألتك يالزمن مره معاني الهم والأحزان
وقلت ان الحزن ممنوع يدخل بينه وبيني
صغيره حيل يالدنيا وانا مازلت بك إنسان
وانا والله يالدنيا كرهتك يوم شلتيني


عبدالله البطاشي


ـــــــــــــــــ


* قصيدة مختارة ..

من أكون ؟؟

ما جرحني هالضيااااع اللي طعن ظهر الأماني
بس أدماني سؤال ٍ في عروقي .. من أكون ؟!
صرت أفتش وسط روحي يمكن ألقى شخص ثاني
أو إجابة تنتشلني من أيادي هالجنون
أنتعلت الوهم وأدري درب حبك كم عصاني
يااااه يا جدران صمتي جاوبي .. مثله يخون ؟؟
كيف يخنق هالظلااام الشمس في سكة زماني
وكيف أبصر؟؟ والخطاوي ذنب .. والعتمة عيون ؟؟
وكيف تصبح هالسما غرفة يضيق ابها كياني
سقفها ينزف غياب // وبابها وهم وظنون !!
أختنق .. ما مر بك طيفي بلا وجه ويعاني؟!!
ما لمحت إنسان يشبه جثتي / ينزف طعون !!
ما طرق شباك حلمك طفل في طبعه أناني ؟
ما يساوم فيك عمره ... لأنك بعمره تكون
ما شعرت بشيء يسكن معطفك // خلسة ثواني
قلبي اللي كل ما يهرب يلاقي فيك ..كون !!
بعتزلني الليلة // كااااافي// بس برحل في مكاني !!
وبصرخ بصمتي وبشعل للسهر عمري .. شجون
بس قبل أعلن رحيلي عن فضا حلم ٍ نساني
وينبض بميلاد موتي ..قلبك اللي ما يصون
لي سؤال ٍ ضاااع فيني .. وغص به حلق الأماني
يا ترى دامك قدرت تخون نفسك .. من أكون ؟

سلطان العلوي


ـــــــــــــــــ


وحشتيني

غريبه تدري هالدنيا نسيتي ولا قدرت أنساك !!
خيالك وين ما آلّد بْعيوني يناديني
وأنا فنومي أطيرلك عصافيري عشان ألقاك
وروحي تحتضن طيفك وبْاحلامي تلاقيني ..
عشان تصدق اني ما قدرت أعشق بعد فرقاك
ولا حنت ورودي لغيرك من تركتيني
عشان تحس باشواقي ولا غيرك معي يسواك
ولا يقدرأحد بعدك يغير أي شي فيني
سنه مرت على غيابك وأنا عايش على ذكراك
سنه مرت ولا شفتك وحشتيني .. وحشتيني
وحشني الكحل باهدابك ونظراتك .. وهمس شفاك
وحشني شعرك المايل بهالليله يغطيني
تعالي نطفي الشمعه حبيبي لا يطول جفاك
كفايه غيبتك عني وهجرانك يكفيني
تعالي بدمح الزله وبنسى ما خطت يمناك
بسامح فيني أخطائك كثر ما انتي ظلمتيني

بحاول وقتها أنسى مع أني ماقدرت أنساك
خيالك دايم قبالي وبأحلامي يناديني !!

أحمد المغيزوي


ـــــــــــــــــ


الليله برد

الليله برد الليله برد
نعش الجمر
عرس الحجر
مد السحر
وجه الصقيع
الليله صوتك منكسف
وعيونك الكحلا نزف
حتى خطاك اللي تمد
جت في تسحبها تحف
جيتي شتا
جيتي سؤال
اورق سؤال
ما لم خشخاشه من الما
ولا أخذ بيدين أعمى

أول لقانا للصباح
وآخر لقانا للعتيم
بوابة ٍكانت فلاح
وأمست ركايزها رميم
الجفر بأرضك إنبطاح
ماتل عرقه وقع ديم
كنتي تمريني جناح
واليوم مريتي رجيم
غرب ربيعك ريح
ميلادها تجريح
جابت سواحل زيف ..
عنى بحد السيف
لين أورقت شارع سقيم
واسوار طالت كف غيم
الليله برد الليله برد
ملعب معشب
اضواء ملعب
جمهور يرقب
الوقت شمر
والحكم صفر
رقص الحجر
مات الجمر
الليله برد
الليله برد
الليله برد
الليله برررردْ

غابش بن عبيد البوسعيدي


ـــــــــــــــــ


فرقا حبايب

إمتلى خدّي دموعٍ سيلها غرّق مكاني
وارتفع منسوب مدّه لين صافح راحتيني
لين أظلم نجم حظي وانطفى بدر الأماني
وانقطع حبل التواصل فجأةٍ قدّام عيني
وارتدى صبحي حزنْ منْ بَعْد أثواب التّهاني
كنّ صبحي جا يعزّي ما بقى لي من سنيني
ليه ترحل؟..وانت شمسٍ نورها عطّر زماني
ليه تبعد؟..وانت فجرٍ يفرح بْشوفه حنيني
كيف بنْسى نار شوقي والصبر أصبح أناني
وْصورتك تختال ذكرى وسط فكري؟ علّميني
من يفسّر نبض قلبي لحن صاخب بالمعاني؟
من يلاقي روح ذابت عند بابك؟ خبريني
سهل جداً بعد إذنك أنزع اسْمك من لساني
وْصعب جداً بعد حبك أنتظر حبٍ يجيني
كانها فترة زعل..ما همّني طول الثّواني
ازعلي ثمّ ازْعلي ثمّ ازْعلي ثمْ كلّميني
وْكانها فرقا نويتي..بكتفي بْهذا التـّفاني
واترك وْرود المحبه تحترق بينك وبيني

محمد باعلوي


أعلى


 


ظلال ووجوه (29)

ـ لصوص


من روضة الورد لسعدي الشيرازي:

دخل لصّ إلى بيت عابد، وبعدَ البحث الكثير ضاق صدره؛ لأنه لم يجد ما يسرقه. ولما فطن له العابد ألقى البساط الذي ينام عليه في طريقه؛ لئلا يعود محروما.
******
اتفقَ على السياحة جماعة من المتجردين، وعزمتُ على مشاركتهم في السرّاء والضرّاء، ولما طلبتُ مرافقتهم امتنعوا عن تحقيق رغبتي، فقلت: إن من الغريب في أخلاق الكبراء أن يُعْرضوا بوجههم عن مرافقة الفقراء، وأن يغفلوا عن الاستفادة من صحبتهم، وأنا أحس أن في نفسي من القوة والمقدرة ما أستطيع به أن أخدم إخواني بحذق وإخلاص وألا أكون عالة عليهم.
فقال لي أحدهم: لا يضيق صدرك بما سمعتَ؛ فقد جاء إلينا منذ أيام لصّ بصورة الدراويش لا بصفتهم، وانتظم بسلك صحبتنا. وحيث إن شأن الدراويش حسن الظن بالناس: ما فطنا لسوء قصده، وقبلناه رفيقاً لنا. وصفوة القول أننا سرنا في يوم من الأيام حتى داهمنا الظلام، فبتنا تحت قلعة هناك، أما اللص عديم التوفيق فحمل إبريق رفيق لنا وذهب للطهارة، ولم ندر أنه تأهب للغارة. ولما توارى عن نظر أولئك الفقراء صعد إلى برج، وفاز منه بسرقة درج. وما لاح النهار حتى أوغل ذلك المظلم القلب في القفار، وأما الرفاق الأبرياء ففي الصباح سيقوا جميعاً إلى القلعة، وزُجّ بهم في غيابة السجن. ومن ذلك التاريخ ِ قلنا بترك الصحبة ولزمنا طريق العزلة...
******
أغار جماعة من قطاع الطريق على قافلة كانت تسير في أرض يونان، فسلبوا كل ما تملكه من مال ومتاع. فناحتْ القافلة وأعولتْ، وتشفعت بالله ورسوله، فلم يجدها ذلكَ نفعاً.
وكانَ في القافلة لقمان الحكيم، فقال له أحد المسلوبين: ألا تُلقي يا سيدي على هؤلاء كلمات من الحكمة والموعظة، فعسى أن يتركوا بيدنا بعض ما سلبوه منا، فوا أسفاه على هذه النعمة الوافرة التي تضيع سدى. فقال له لقمان: ويا خسارة الكلمة الحكيمة التي تلقى على أمثال هؤلاء.
إنَّ الحديدَ متى أودى بهِ صدَأ ٌ فليسَ بالصّقل ِ تبدو منهُ آثارُ
لا يدخلُ الوَعْظ قلباً مُظلِماً أبداً ولا يغوصُ بقلبِ الصخرِ مِسْمارُ
******
اللص الفقيه، من كتاب "أخبار الأذكياء" لابن الجوزي:

حدّث بعض جلساء عبد الملك بن مروان، قال: ‏خرجتُ إلى بستان لي بالغابة. فلما دخلتُ في الصحراء وبعدت عن البيوت، تعرّض لي رجل فقال:‏ اخلع ثيابك!، فقلت: وما يدعوني إلى خلع ثيابي؟‏ قال: أنا أَوْلى بها منك.‏ قلت: ومن أين؟‏ قال: لأني أخوك وأنا عريان وأنت مكسوّ.‏ قلت: فأعطيك بعضها.‏ قال: كلا، قد لبستها كلها وأنا أريد أن ألبسها كما لبستها.‏ قلت: فتعرّيني وتُبدي عورتي؟‏ قال: لا بأس بذلك، فقد روينا عن الإمام مالك أنه قال: لا بأس للرجل أن يغتسل عُريانًا.‏ قلت: فيلقاني الناس فيرون عورتي؟‏ قال: لو كان الناس يرونك في هذه الطريق ما عرضت لك فيها. قلت: أراك ظريفا، فدعني حتى أمضي إلى بستاني وأنزع هذه الثياب فأوجه بها إليك.‏ قال: كلا، أردتَ أن توجِّه إليّ أربعة من عبيدك فيحملوني إلى السلطان فيحبسني ويمزّق جلدي.‏ قلت: كلا. أحلف لك أيمانًا أني أَفي لك بما وعدتك ولا أسوءُك. قال: كلا، فقد روينا عن الإمام مالك أنه قال: لا تلزم الأيمان التي يحلَف بها لِلّصوص. قلت: فأحلف أني لا أختل في أَيماني هذه. قال: هذه يمين مركبة على أيمان اللصوص. قلت: فدع المناظرة بيننا فوالله لأوجّهن إليك هذه الثياب طيّبة بها نفسي.‏ فأطرق ثم رفع رأسه وقال: تدري فيم فكرتُ؟‏ قلت: لا. قال: تصفّحتُ أمر اللصوص من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا فلم أجد لصا أخذ نسيئة. وأنا أكره أن أبتدع في الإسلام بدعة يكون علي وِزْرُها ووِزْرُ من عمل بها بعدي إلى يوم القيامة. اخلع ثيابك!‏ فخلعتُها ودفعتُها إليه، فأخذها وانصرف. ‏

******
سارقو البطيخ، من كتاب "فوات الوفيات" لابن شاكر الكتبي:
حكى ابن حمدون النديم أن الخليفة المعتضد العباسي كان قد شرطَ علينا أنّا إذا رأينا منه شيئا ننكره نقول له، وإنِ اطلعنا على عيب واجهناه به. فقلت له يوما: يا مولانا، في قلبي شيء أردت سؤالك عنه منذ سنين. قال: ولم أخّرته إلى اليوم؟ قلت: لاستصغاري قدري ولهيبة الخلافة. قال: قل ولا تخف. قال: اجتاز مولانا ببلاد فارس، فتعرّض الغلمانُ للبطيخ الذي كان في تلك الأرض، فأمرتَ بضربهم وحبسهم، وكان ذلك كافيا. ثم أمرتَ بصلبهم، وكان ذنبهم لا يجوز عليه الصلب. ‏ ‏ فقال: أَوتحسب أن المصلّبين كانوا أولئك الغلمان؟ وبأي وجه كنت ألقى اللّه تعالى يوم القيامة: لو صلبتهم لأجل البطيخ؟ وإنما أمرتُ بإخراج قوم من قطّاع الطريق: كان وجب عليهم القتل، وأمرتُ أن يلبسوا أقبية الغلمان وملابسهم؛ إقامة للهيبة في قلوب العسكر، ليقولوا: إذا صُلِبَ أخصّ غلمانه على غَصْب البطيخ، فكيف يكون على غيره؟ وكنت قد أمرت بتلثيمهم ليستتر أمرهم على الناس. ‏
******
من شذرات إميل سيوران:
العقل هو المستفيد الكبير من هزائم الجسد. يثري على حسابه، يسلبه، يهلل لمآسيه، يعيش على اللصوصية.
الحضارة مدينة بنجاحها لقاطع طريق.
******
بحذر شديد أحوم حول الأعماق، أختلس منها بعض الدّوار، ثم أنفلت مثل لص الأغوار.
******
الفقير واللص، من "كليلة ودمنة":

يحكى أن رجلاً كانَ به فاقة وجوع وعُرْي، فألجأه ذلكَ إلى أن سأل بعض أقاربه وأصدقائه، فلم يكن عند أحد منهم فضل يعود به عليه. فبينما هو ذات ليلة في منزله إذ بصر بسارِق في المنزل. فقال في نفسه: والله ما في منزِلي شيء أخاف عليه، فليجهد السارق جهده. فينما السارق يجول، إذ وقعت يده على خابية فيها حنطة. فقال السارق: والله ما أحبّ أن يكون عنائي الليلة باطلاً، ولعلي لا أصل إلى موضع آخر، ولكني سأحمل هذه الحنطة خير من الرجوع بغير شيء. ثم بسط رداءه ليصبّ عليهِ الحنطة. فقال الرجل: يذهب هذا بالحنطة وليس ورائي سواها، فيجتمع عليّ مع العُرْيِ ذهابُ ما كنت أقتات به، وما تجتمع والله هاتان الخلتان (أيِ الفقر والحاجة) على أحد إلا أهلكتاه. ثم صاح بالسارق ووثب إليه بهراوة كانت عند رأسه، فلم يكن للسارق حيلة إلا الهرب منه، وترك رداءه ونجا بنفسه، وغدا الرجل به كاسيا.

******
اللصّ المخدوع، من "كليلة ودمنة":

زعموا أن تاجراً كان له في منزله خابيتان، إحداهما مملوءة حنطة، والأخرى مملوءة ذهباً. فترقبه بعض اللصوص زماناً، حتى إذا كان بعض الأيام تشاغل التاجر عن منزله، فتغفلهُ اللص ودخل المنزل، وكمن في بعض نواحيه. فلما همّ بأخذ الخابية التي فيها الدنانير أخذ التي فيها الحنطة، وظنها التي فيها الذهب. ولم يزل في كدٍ وتعب، حتى أتى بها منزِله. فلما فتحها وعلم ما فيها ندِم.

******
المصرف اللص، حسب "إدواردو غاليانو"، من "أفواه الزمن" ـ ت. صالح علماني:
في أميركا اللاتينية، كانت الديكتاتورِيات العسكرية تُحرق الكتب الهدّامة. والآن، في الديمقراطية، يجري إحراق دفاتر الحسابات. وكانت الديكتاتوريتات تخفي آثار الناس، أما الديكتاتوريات المالية فتُخفي آثار الأموال.
في يوم من الأيام، رفضت بنوك الأرجنتين إعادة الأموال إلى المدّخرين.
كان نوربيرتو روغليتش قد خبأ مدخراته في المصرف، كيلا تأكلها الفئران ولا يسرقها اللصوص. وعندما سطا عليها المصرف، كان دون نوربيرتو مريضاً جداً؛ لأنّ السنوات لا تتوالى وحدها، والمعاش التقاعديّ لا يكفي لدفع ثمن الأدوية.
وهكذا لم تبق أمامه وسيلة أخرى: ففي يأسه، دخل إلى القلعة المالية، ودون أن يطلب إذناً من أحد، شق طريقه إلى مكتب المدير وكان يشدّ في قبضته، على رمانة يدوية، قائلاً: إما أن تعيدوا إليّ نقودي أو نطير جميعنا معاً.
الرمانة اليدوية كانت لعبة، ولكنها حققت المعجزة: فقد سلمه المصرفُ النقود.
بعد ذلك: اقتيد دون بوربيرتو سجيناً. طلب المدعي العام من ثماني إلى ست عشرة سجناً له، وليس للمصرف.
******
لصّ الكَرَز، قصيدة للشاعر والمسرحيِّ الألمانيّ برتولد بريخت، لحنها آيْزْلرْ عام 1942 لتغنى بمصاحبة البيانوـ ت.أحمد حسّان:
ذات صباح باكر، قبل صياح الديك بكثير أيقظني صفير فذهبتُ إلى النافذة. فوق شجرة كرزي ـ والفجر الرّماديّ يملأ الحديقة ـ جلس شابّ، في سروال مرقع يلتقط كرزاتي بمرح، وحينَ رآني:
أومأ، وبكلتا يديه حشر في جيوبه الكرزات من الغصون.
لفترة طويلة وأنا أتمدّد ثانية في الفراش ظللتُ أسمعه يصفّر أغنيته الصغيرة المرحة.

مختارات: صالح العامري



أعلى


 

سيرة الحجر
الوادي

هطل المطر غزيرا، فسالت الوديان، ثم انبثقت الأفلاج من مواتها غزيرة حتى فاضت من السواقي، واستمر الخصب في الأرض بعدها لسنوات عدة، كانت الأمطار تهطل كل سنة متفرقة، فتغذي المياه الجوفية التي تخرج في الأفلاج.
كانت نخيله بالقرب من الوادي، زرع الكثير منها حديثا، وأغراه اتساع الوادي فأخذ جزءا من الأرض وضمه في نطاق مزرعته، جلب التربة من الجبل، واستصلح الأرض للزراعة، ثم غرس فيها من شتى الأشجار ليمونا وأمبا ونخيلا وسفرجلا، وأبقى على جزء يقع على الضفة مباشرة فزرعه قتّا وشعيرا للمواشي التي بنى لها زريبة كبيرة في أقصى المزرعة ناحية الجبل.
كانت جنة خضراء، سحرت أعين الناس في القرية، كيف لا والمياه والأرض الخصبة، أحاطها بسور منيع ثم بنى فيها منزلا جميلا، قضى فترة من الزمن يصمم غرفه، كان رجلا فنانا، صمم تلك المزرعة كمحترف، حتى أن الكثير ممن كانوا يدخلونها منذ المرة الأولى، تصيبهم الدهشة، وكان البعض يعيد تكرار زيارته له حبا في البقاء في تلك الجنة الجميلة.
عرض عليه الكثير من أصحاب الأموال بيعها، أغروه بأموالهم ونقودهم، تدخلوا في أولاده ليقنعوه في البيعة، ولكنه رفض كلام الجميع، كيف له أن يبيع شيئا صنعه بيديه طوال تلك السنوات، هل ستعوض عليه الأموال والمزارع الأخرى التي سيشتريها جمال وأريحية المكان؟، هل ستنسيه ذاكرة الأمكنة الجديدة ذكرياته في كل شبر على أرض المزرعة؟ لذا جعل لهم أذنا صماء، ولم يستمع لكل الإغراءات والمحاولات، ولم يسكت عنه الناس، بل كانوا يحاولون معه بين الفينة والأخرى.
شجرة غاف كبيرة وقديمة كانت موجودة في المكان، لم يقطعها، بل أبقاها في مكانها فأضافت جمالا للمكان، شجرة غاف لا يُِعرف لها عمرا، عمرها من عمر هذه القرية، نبتت هنا منذ القدم، فكانت علامة من علامات القرية، لذلك فهو يحبها، بل استصلح له مجلسا لقيلولته تحتها، فكان الناس يقصدونه فيجدونه هناك تحتها في أوقات راحته.
ذات يوم قرر أن يصعد إلى الغافة، أغراه عش لبعض الطيور، فتسلق الشجرة حتى وصل قريبا من العش، وهناك وجد مفاجأة بانتظاره على ذلك الارتفاع من الشجرة، وجد سرّا لا يعرفه سواه، فهبط من الشجرة حزينا، اجتمع بأولاده وقال لهم لقد قررت أن أبيع المزرعة، تعجبوا من قراره، وهم من يعرفوه جيدا، كانت مسحة الحزن تعلو وجهه، كيف له أن يبيعها؟ تساءلوا كثيرا، ولماذا بعد أن رد الكثير من أصحاب الأموال؟ لكنه لم يخبرهم السبب، بل أراد أن يكسب من مزرعته ويسافر بعيدا عن القرية، فاتفق معهم على أنه قرر أن يبيع وأنهم غير موافقين على ذلك، حتى يتسامع ملاك المزارع وأصحاب الأموال بالقصة، فيزايدون على من يدفع أكثر، وهكذا يعود الأمل في امتلاك المزرعة لهم، ويبيعها هو بالمبلغ الذي يريد.

بيعت المزرعة، وباع فوقها بيته وحيواناته، أخذ أشياءه ورحل مع عائلته ليشتري مزرعة صغيرة في مكان آخر مستقرا فيها، بنى بيتا صغيرا واستصلح الأرض للزراعة، لم تكن مزرعته الجديدة كجمال الأخرى التي في القرية، عاش فيها مترقبا لحدث لا يدركه سواه، وبعد سنين عدة، بعد أن نسي الناس في القرية حكايته وسيرته، هطل المطر غزيرا، التحمت الأرض بالسماء، صارت سماء وماء، هبطت السيول جارفة، فامتلأ الوادي بالمياه، لم يسبق لأصحاب القرية أن شاهدوا سيولا كتلك طوال حياتهم، حتى المسنين منهم لم يعهدوا ذلك، جرفت الوديان معها كثيرا من المزروعات، جرف الوادي المزرعة بكل ما فيها من أشجار وتربة وترك المكان وكأن شيئا لم يكن، وصلت المياه إلى قمة الغافة، غطت المكان كله، وهناك في القمة، تركت أثر السيل القادم من الجبال، كان بعض الحشائش الجبلية عالقا بين أغصان الغافة.

أعلى


 

الفنون الجميلة في ميزان الإسلام

لقد اشتغل الكثير من المسلمين في دراسة قضية تحريم الدين الإسلامي لبعض الموضوعات والعناصر المستخدمة في الفنون الجميلة، وكان لهذا الأمر ردود فعل متباينة بين جماعة المسلمين وأدت بالبعض منهم بالتوقف الكلي عن ممارسة هذا المجال رغم وجود جانب الإبداع الفني في دواخلهم، والبعض الآخر من المسلمين نظر إليه بنظرة وسطية، فهذا وفق نظرته قد أخذ الجوهر وقدم حواصل الإبداع حتى أصبح يشار إليه بالبنان لجمال وروعة فنه الأصيل . إلا أن للمسلمين عموماً نظرة خاصة متميزة في مجال الفن والجمال تأثرت بشكل كبير بالشرع وطبيعة الحياة الاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة قبل الإسلام، ومنذ البداية وقف الإسلام ضد أي سلوك أو أمر يؤدي إلى انحراف خلقي أو ارتداد نحو مظاهر الجاهلية وكانت الفنون من ضمن الأمور التي قاومها المسلمون خوفاً من أن تؤثر سلباً على المجتمع الإسلامي . وفي ذلك يقول أبو صالح الألفي في كتابه الفن الإسلامي أن المجتمع العربي القديم اطلع على فنون الشعوب المجاورة وتأثروا بها، كالفن الساساني والبيزنطي والقبطي، إلا أنهم ابتعدوا عن تصوير الأحياء حتى قبل الإسلام وذلك مرده إلى طبيعة حياتهم التي تدفعهم إلى التأمل الدائم والتفكير بمظاهر الكون وأسراره، مما جعلهم يعتقدون بوجود إله يرتقي فوق مستوى البشر، فحاولوا الابتعاد عن تصوير الإنسان لاعتقادهم بقصوره إلى جانب الإله وعظمته وكان ذلك بمثابة رفض للفن الإغريقي، الذي مجد الإنسان وعظمه ووصل به إلى أعلى المراتب. أما بعد الإسلام فقد تخوف المسلمون من الفن فابتعدوا عن النحت لأنه يُذَكر بعبادة التماثيل التي كانت سائدة في الجاهلية، وكذلك حاولوا الابتعاد عن الشعر في البداية لأنه يمثل أهم مظاهر الجاهلية علماً بأن القرآن الكريم لم يتعرض صراحة لموضوع التصوير، إلا أنه رويت أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم تشير إلى أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة هم المصورون، وأن الملائكة لا تدخل البيت الذي يحوي صوراً، أما الفقهاء فقد اختلفوا حول التصوير، ومرد هذا الاختلاف هو الموضوعات التي يتناولها الرسامون في أعمالهم .
أما علماء الدين المعاصرون فقد أباحوا التصوير لهدف علمي أو فني، حيث قال الشيخ محمد عبده :" يغلب على ظني أن الشريعة أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم، وذلك بعد التحقق أنه لا خطر منه على الدين، لا من جهة العقيدة ولا من جهة العمل" ولو فرضنا أن القرآن الكريم حرم فعلاً تصوير الأحياء فإنه حرم الكبائر حيث هاجم الفقهاء علم الكلام والفلسفة والمنطق والتصوف . ومن الجائز أن نعتقد أن تحريم الفقهاء للتصوير أدى إلى عرقلة الفن الإسلامي خاصة في مراحله الأولى لكن ما لبث أن تحول الفنانون إلى فن الزخرفة مع الامتناع عن محاكاة الأحياء، وفي هذه المرحلة ظهرت إبداعات الفنان المسلم حتى غدت فناً مزدهراً يستحق الدراسة والتقدير . وعلى ذلك فقد تميز المسلمون عن غيرهم بأن جعلوا العقل هو المعيار الأصيل في الفن، حيث كانت قيمهم منطلقة من القيم الأخلاقية الجمالية، وتمثل هذا في موقف أبو حامد الغزالي حينما اعتبر تذوق الجمال بحاسة القلب إذا ارتبط بالقيم الأخلاقية والفضائل والوجدانيات، وكذلك يمكن إدراكه بالعقل إذا ولّدَت المدركات لذة عقلية تدفعنا إلى استعمال القياس والتقويم . أما محمد قطب فقد رأى أن الحس والذهن يشترك في تذوق الجمال وتقييمه لأن الجمال مجاله الحس، إلا أن الذهن يضع لتقويم الجمال معاييراً متناغمة مع المظاهر الجمالية للكون، تكمن في الدقة والتوازن والترابط، بحيث لا تتعارض مع أهداف العقيدة وأهداف المجتمع الفاضلة في جميع مجالاتها، وتتسامى عن الإمتاع الحسي المجرد إلى التعبير عن الجمال الأكبر(المستمد من ناموس الكون، وهو الذي يجب أن تمارسه الفنون الإنسانية الرفيعة التي تتجاوب تجاوباً صحيحاً مع حقيقة الوجود) .
وبذلك نستنتج أنه ليس من الضروري أن يُعبر الفنان المسلم مباشرة عن الإسلام والعقيدة، بل يُعبر عن حقائق جوهرية في الوجود تفاعل معها واستشعرها من منطلق إسلامي. ومع أن الفنان المسلم تجنب دائماً تصوير الإنسان، إلا أنه عندما عبر عنه، تعامل معه كعنصر قوي لا يخضع لصراعات المجتمع وقوى الاقتصاد والمادة، بل هو الذي يُخضع هذه القوى ويسخر الموجودات التي تحيط به من خلالها، من أجل أهداف فاضلة ونبيلة. والانفعال في نظر الفنان المسلم شيء لحظي دنيوي لا يستحق التخليد في عمل فني أما الإمتاع في الجمال يجعله في أدنى المراتب، لأن الفنان المسلم يطمح إلى مستويات أرقى من إمتاع الرغبات والشهوات، فكان الفن الإسلامي إعلاءً لشهوات الإنسان الدنيوية إلى مستوى يتمثل في تعطشه الدائم للمعرفة، وهكذا أفلت الفنان المسلم من الكبت ليصل في مستواه إلى الجمال الأكبر الذي يتمثل في الفضائل ليكون تأثيره في المجتمع إيجابياً وذا عطاء متواصل.
عبدالكريم الميمني

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept