الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 




فتاوى وأحكام


السؤال :

س4- ذكرتم أن الآيات القرآنية تتفاوت من حيث المعنى فهلا تفضلتم ببيان ذلك ؟!

ج- نعم ، القرآن الكريم اختلف العلماء في تفضيل بعضه على بعض، منهم من منع تفضيل شيء على شيء منه، وقال: لا يقال بأن سورة كذا أفضل من سورة كذا ، أو آية كذا أفضل من الآية كذا ، هذا رأي طائفة من العلماء ، هناك رأي طائفة أخرى يخالف هذا الرأي ، يقولون : إن القرآن الكريم يتفاضل بحسب الموضوعات التي يطرقها، فقول الله سبحانه وتعالى(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ)(آل عمران: من الآية18) وقوله تعالى (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ )(البقرة: من الآية255) وقوله تعالى (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )(النور: من الآية35) طبعاً هذه الآيات أفضل من قوله تعالى (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ )(البقرة: من الآية222) فإن الآيات الأولى تتحدث عن جلال الله وعن عظمة الله وعن شأن الله ، هي بطبيعة الحال أفضل من آية تتحدث عن أمر يتعلق بالخلق وخصوصاً إذا كانت نفسها أذى .

وهؤلاء لهم أدلة تدل على ذلك حيث جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عندما سمع الرجل يقرأ سورة الإخلاص، وكان الرجل يتقالها؛ أي يعتقد أنها قليلة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها لتعدل ثلث القرآن " ما كانت لتعدل كلمات القرآن ( ثلثه ) وهي كلمات قليلة من حيث العدد إلا لفضلها ، ولذلك جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "أن (يس) قلب القرآن" ، وجاء حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "أن أعظم آية هي آية الكرسي" وجاء أيضاً "إنها انتزعت من تحت العرش ووصلت بسورة البقرة" فهذه الأحاديث كلها تدل على تفضيل بعض القرآن على بعض .

وأما من حيث البلاغة فقد ذكر السيد رشيد رضا بأن القرآن المكي أبلغ من القرآن المدني، ورد ذلك إلى أن القرآن المكي يخاطب قريشاً فهم ذؤابة العرب ، وكانوا في الذروة من البلاغة ، فلذلك جاء أبلغ ما يكون ، بينما القرآن الكريم جاء إما ليخاطب الأنصار وهم دون قريش في بلاغتهم ، وإما ليخاطب أهل الكتاب وهم دون قريش في بلاغتهم ، فلذلك كان دون القرآن المدني من حيث البلاغة ، والقرآن الكريم لم ينزل على بلاغة الناس في مخاطبتهم ، وإنما هو كلام الله عز وجل يفوق جميع بلاغات البلغاء ، وينظر إلى آيات التوحيد، الثاني نزلت بالمدينة المنورة لا نجدها تختلف عن الآيات التي نزلت بمكة المكرمة ، ومن شأن البلاغة أن يراعي فيها مقامات ، وقد تقتضي البلاغة تارة الإطناب وتارة الإيجاز ومراعاة الإطناب بالمدينة المنورة ، والإيجاز بمكة المكرمة كل من ذلك يعد بلاغة وتعد البلاغة غير متفاوتة ، فالقرآن لا تتفاوت آياته من حيث البلاغة ، وإنما تتفاوت في الفضل ، ومن حيث المحتوى كما تشير إلى ذلك الأحاديث النبوية عن صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام .

س5- السائل يسأل عن قوله سبحانه وتعالى ( أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)(الشورى: من الآية51) ما معناها؟ وما وجه البلاغة فيها ؟ !

ج- أن يسمع الصوت من غيره ولا يعلم من أين أتاه، هذا معنى " أو من وراء حجابَ " كما وقع ذلك لموسى عليه السلام، أما وجه البلاغة فيها فهو عبارة شاملة دالة على أن هذا السامع سمع هذا الصوت من حيث أحس بأنه قصد به خطاباً ولكن ما علم كيف أتاه ، هذا من وراء حجاب .

س ـ قالوا سابقاً أن الذرة لا تتجزأ واستبدلوا في وقتنا الحاضر بدلاً من الذرة الجزيء فقالوا: إنه أصغر جزء في المادة . فهل نستطيع القول بأن الجزء لا يتجزأ ؟

ج . على أي حال أنا قبل كل شيء اعتذرت وقلت عن نفسي بأنني اقتحمت في لجة لست متعوداً على السباحة فيها ، ولا أقدر على السباحة فيها ، ولكني عندما أردت أن أتكلم فيما يتعلق بالقرآن الكريم ، القرآن الكريم لم يتعرض للجزء ، بأنه يمكن أن ينقسم ولا أنه لا يمكن أن ينقسم ، لا يمكن أن نتحدث عن هذه النقطة لأن هذا من اختصاص الآخرين ، ورحم الله امرءاً عرف قدره ووقف عند حده ، أما الذرة ، دل القرآن الكريم على أن هناك أصغر من الذرة ، وبما أن القرآن دل على أن هناك ما هو أصغر من الذرة فعلينا أن نسلم بأن هذه الذرة يمكن أن تنقسم ، أما الجزء فالقرآن الكريم ما تعرض له فنقف عند حدنا .


يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى





التحليل اللغوي والنحوي والصرفي والإعرابي لسورة الفاتحة

التعبير بالجمل الإسمية أثبت من التعبير بالجمل الفعلية

دراسة لغوية أكاديمية شاملة لسورة الفاتحة وما تحتويه من جوانب الإعراب والنحو والصرف

سورة الفاتحة من السور المكية التي نزلت بعد سورة المدثر، وقد افتتح الله - تعالى- بها كتابه العزيز لما تضمنته من كليات العقيدة وأبجديات التصور الإسلامي ، ولِمَا اشتملت عليه من آدابٍ وأخلاق، وما بُثَّ فيها من ألوان التربية للعبد، ونحن هنا نتناول في هذه السطور جانبا آخر من جوانب التناول العلمي للسورة ، حيث نقدم تحليلا إعرابيا ونحويا وصرفيا لسورة قرآنية جليلة تُفتتَح بها صلاةُ العبدِ سبعَ عشرةَ مرة يوميا في الفرائض اليومية فحسب، ومن شاء المزيد من النوافل فله ذلك، وقد قمتُ بالتحليل الإعرابي والتحليل النحوي والتحليل الصرفي الذي يدعو إلى مزيد من المعرفة والتأمل في الكتاب العزيز، ومن ثَمَّ إلى التزام وحُب، وامتثال وقرب..

فإليك أخي القارئ هذه الدراسة اللغوية الأكاديمية مشتملة على ثلاثة ألوان من التحليل اللغوي: التحليل الإعرابي ، والتحليل النحوي، والتحليل الصرفي التفصيلي لكلمات وجمل السورة الكريمة، فإليك ذلك التحليل الإعرابي،وذينك التحليلين :النحوي والصرفي.
سورة الفاتحة
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)".
* أولا: التحليل الإعرابي لكلمات السورة:
أعوذ: فعل مضارع مرفوع بالتجرد، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا؛ لأن المضارع مبدوء بالهمزة.
بالله: جار ومجرور متعلقان بأعوذ،أو في محل نصب حال ، فالباء حرف جر مختص مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، ولفظ الجلالة مجرور على التعظيم، وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
من الشيطان: جار ومجرور متعلقان بأعوذ، أو في محل نصب حال، والشيطان بوزن فيعال أو فعلان على تأويل الجذر اللغوي المأخوذ عنه اللفظ هل هو شاط يشيط، أو من شطن يشطن،والشَّطن هو الحبْلُ.
الرجيم: صفة للشيطان مجرورة ، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة. وجملة الاستعاذة: ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
بسم: الباء: حرف جر .
اسم: اسم مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أبتدئ بسم الله. فالجار والمجرور في محل نصب مفعول به مقدم. أو أن الجار والمجرور متعلق بخبر محذوف، تقديره ابتدائي (كائن) باسم الله، وعلى ذلك فالاستعاذة إما أنها جملة اسمية وإما أنها جملة فعلية، وكلا الوجهين صحيح.
الله: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور على التعظيم، وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
الرحمن: صفة مجرورة، وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
الرحيم: صفة مجرورة وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
وجملة البسملة: ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
الحمد: مبتدأ مرفوع بالتجرد، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
لله: جار ومجرور متعلق بخبر محذوف تقديره: (الحمد كائن لله).
رب: صفة أولى لله مجرورة، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة،أو بدل من اسم الجلالة.
العالمين: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
الرحمن الرحيم: صفتان ثانية وثالثة لله مجرورتان وعلامة جرهما الكسرة الظاهرة.
مالك: صفة رابعة لله، مجرور ، وعلامة جره الكسرة الظاهرة،وهو مضاف.
يومِ: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
الدين: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
إياك: ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم للفعل نعبد.
نعبد: فعل مضارع مرفوع بالتجرد ،وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن؛ لأن الفعل مبدوء بالنون.
وإياك: ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على إياك المتقدم.
نستعين: فعل مضارع مرفوع بالتجرد، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن؛ لأن الفعل مبدوء بالنون، والجملة معطوفة على سابقتها.
اهدنا: فعل طلبي أو دعاء أدبا مع الله، وهو المسمى (أمرا)، وهو مبني على حذف حرف العلة الياء؛ لأن الأمر يبنى على ما يجزم به مضارعه، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت؛ لأن فعل الأمر موجه للمفرد المخاطب المذكر، فيستتر الفاعل وجوبا، والضمير نا: ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول.
الصراط: مفعول به ثان، منصوب ،وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
المستقيم: صفة للصراط منصوبة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخرها.
صراط: بدل مطابق من الصراط، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره،وهو مضاف.
الذين: اسم موصول خاص مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.
أنعمت: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك.والتاء: ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل.وجملة أنعمت: صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
عليهم: جار ومجرور متعلقان بالفعل أنعمت، أو في محل نصب حال.
غير: بدل من الضمير في عليهم. أو بدل من الذين. أو صفة لـ الذين،مجرورة، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة على آخرها، وهي مضاف.
المغضوب: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
عليهم: جار ومجرور متعلقان بنائب فاعل محذوف لاسم المفعول المغضوب تقديره غير المغضوب الكائنُ عليهم؛ لأن الفعل ( غضب) فعل لازم، فينوب عن الفاعل بعد حذفه الجار والمجرور.
و: حرف عطف،غير مختص ، مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
لا: حرف نفي غير مختص ، مبني على السكون لا محل له من الإعراب.
الضالين: اسم معطوف على المغضوب مجرور ، وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم.

التحليل النحوي لألفاظ وجمل السورة
* التعبير بالجملة الاسمية أثبت من التعبير بالجمل الفعلية ؛ ولذلك وردت الأمورُ العقدية التي لا يرقى إليها أي شك، أو إنكار بالجمل الاسمية ، نحو: ( الحمد لله- محمد رسول الله - الله نور السموات والأرض- لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس)، وهكذا.
*الفاعل يستتر وجوبا في مواضع منها في السورة الكريمة ثلاثة مواضع:
إذا كان المضارع مبدوءا بالهمزة( أعوذ).
إذا كان المضارع مبدوءا بالنون(نعبد - نستعين).
إذا كان الفعل فعل أمر موجَّهٍ للمفرد المخاطب المذكر(اهدنا).
*تعدد الجر في السورة، فمنه الجر بالحرف: (لله عليهم)، ومنه الجر بالإضافة:
( العالمين- يوم- الدين- الذين- المغضوب) ،ومنه الجر بالتبعية: ( رب- الرحمن - الرحيم- غير - الضالين).
*تعددت المشتقات في السورة ،فمنها: الصفات المشبهة: ( رب- الرحمن- الرحيم)،ومنها اسم الفاعل: ( مالك- المستقيم- الضالين)،ومنها اسم المفعول:
( المغضوب).
* دخل الملحق بجمع المذكر السالم: ( العالمين) جمع عالم، وهو كل ما سوى الله، وهو يعرب إعراب جمع المذكر السالم، رفعا بالواو، ونصبا وجرا بالياء.
* الأمر يُبْنَى على ما يجزم به مضارعه : فكلمة (اهدنا) أمرٌ مبنيٌّ على حذف حرف العلة لأنه معتل الآخر.
* يمكن إبدال المعرفة من المعرفة بدل كل من كل: (الصراط المستقيم صراط الذين).
* تدخل في الكلمة همزات القطع، وألفات الوصل: فهمزات القطع كما في:( إياك- أنعمت)،وألفات الوصل كما في: ( الحمد- العالمين- الرحمن - الرحيم - الدين - اهدنا - الصراط - المستقيم - الذين- المغضوب - الضالين).
* تقدم المفعول به في نحو:( إياك) للتخصيص والقصر والحصر والتنبيه،وهو من أساليب القصر، وطريقه هو التقديم لما حقه التأخير، حيث قال النحاة : وجب هنا تقديم المفعول به لأنه ضمير منفصل لو تأخر لاتصل ولضاع الغرض البلاغي من تقديمه.
* كلمة ( غير) لا تُعَرَّفُ بأل ، وإنما يُعَرَّف المضاف إليه بعدها، فلا يقال: الغير مغضوب عليهم، وإنما الصحيح أن يقال: غير المغضوب).
* ما بعد (غير) يعرب مضافا إليه، فما بعد (غير وسوى وبَيْد) تعرب مضافا إليه مجرورا.

التحليل الصرفيّ لبِنَى السورة
الحمد: مصدر من الثلاثي على وزن فعل( بتسكين العين)، وهو مصدر سماعي.
الله :على وزن العال بعد حذف الألف من الإلاه المقابلة للفاء في الميزان.
رب: صفة مشبهة ، وكانت في الأصل اسم فاعل رابِب، على وزن فاعل، ثم سكنت الباء الأولى بعد حذف حركتها وهي الكسرة،فحذفت الألف بسبب التقاء الساكنين،فصارت ربّ، بعد حدوث الإدغام.
العالمين: بوزن الفاعَلين، بفتح اللام، فليست اسم فاعل، وإنما هي من ملحقات جمع المذكر السالم.
الرحمن: بوزن الفعلان، كانت فيها الألف بعد الميم، ولكن للرسم المصحفي حذفت الألف ولها رمز يدل عليها وهو تلك الألف الصغيرة بين الميم والنون.
الرحيم: صفة مشبهة بوزن الفعيل.
مالك: اسم فاعل بوزن فاعل.
نستعين: بوزن نستفعل حدث فيها إعلالان، الأول إعلال بالنقل حيث نقلت حركة الواو وهي الكسرة إلى العين،ونقلت سكون العين إلى الواو ويسمى ذلك إعلالا بالنقل، ثم ترتب عليه وقوع الواو ساكنة إثر كسر،فيحدث إعلال بالقلب فتنقلب الواو ياء لتناسب حركة ما قبلها،وهو ما يعرف بالتناسب الصوتي، حيث تناسب الياء الكسرة قبلها،فحدث للكلمة إعلال بالنقل ترتب عليه إعلال بالقلب، والميزان الصرفي لا يتأثر بذلك النوع من الإعلال.
اهدنا: بوزن افعنا ،حدث لها حذف الياء لالتقاء الساكنين،وأصل الفعل اهدينا،فحذفت الياء بسبب صياغة الأمر من معتل الآخر، غير أن ذلك لا يُسَمَّى عند الصرفيين إعلالا؛ لأن السبب نحوي، وهو بناء الأمر من الفعل، وليس لعلة تصريفية، فلا يُعَدُّ إعلالا عند الصرفيين.
المستقيم: اسم فاعل من السداسي استقام ،وقد حدث له إعلالان، الأول إعلال بالنقل حيث نقلت كسرة الواو إلى القاف قبلها ، والثاني إعلال بالقلب حيث ترتب على هذا النقل إعلال بالقلب، فأصله المستقْوِم، نُقلت كسرة الواو إلى القاف، ونقلت سكون القاف إلى الواو، فقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها تحقيقا للتناغم الصوتي بين الياء وكسر ما قبلها غير أن الميزان الصرفي لا يتأثر بذلك النوع من الإعلال كما سبق.
أنعمت: بوزن أفعلت فالهمزة زائدة ، فهو ثلاثي مزيد بالهمزة في أوله.
المغضوب : اسم مفعول من الثلاثي وهو معرف بأل على وزن المفعول من الفعل الثلاثي المبني للمجهول غُضِبَ.
الضالين: بتشديد اللام اسم فاعل من المضعف الثلاث ( ضلَّ) فهو على وزن الفاعلين بعد إدغام اللام في اللام، وأصله الضالِلِين ، حذفت كسرة اللام الأولى فسكنت اللام، فالتقى ساكنان، فشددت اللام في اللام، والميزان الصرفي لا يتأثر بهذا اللون من التغيير في الكلمة.
وهكذا يبدو الإعجاز في تلك الدراسة التحليلية اللغوية للسورة الكريمة، أردت به أن أقف القارئ على جانب آخر من هاتيك الجوانب اللغوية لكلام الله - جل في علاه ـ

كلية دار العلوم - جامعة القاهرة
جمهورية مصر العربية

أعلى





استراحة القلم (5)

ـ وأنت تهرول في سلم العلم والحياة توقف حينا، والتقط أنفاسك لتجدد النية لله رب العالمين.

ـ عمل من غير إخلاص؛ كماء في غربال، سال على أرض تلفحها شمس الحقيقة؛ فتبخر.

ـ علينا ألا تغيب الآخرة عن أعيننا؛ فهي الحقيقة التي لا مفر منها.

ـ للفوز نكهات خاصة يتلذذ بها الفائزون، هذا في الدنيا، فكيف فوز الآخرة؟! رحماك بنا يا الله، من لنا سواك.

ـ النقد الهادف هو المرآة التي تعكس لنا ما لا نراه.

ـ ستون عاما والشعب الفلسطيني يضطهد؛ فما انتفضت الأمة إلا "بهز الخصر"؛ فمتى تفك رباطها، تلجم به خيل العزة؟

ـ من جعل(حساب الله) نصب عينيه؛ فقد حسب كل شيء، ومن أسقطه؛ فقد أسقط كل شيء.

ـ صاحب القلم صاحب أمانة، والأمانة ناءت بها السموات والأرض والجبال؛ فمتى ندكر؟!!

ـ جعل الله تعدد المذاهب رحمة، وجعلتها الأمة تفرقا ورجما

ـ (الأخوة) هي الصبر على تقلبات النفوس، وتغير طقوس الأرواح.

أم عاصم الدهمانية

أعلى





لزوجك عليك حقٌ

الحياة الزوجية لابد فيها من التفاهم والتضحية ,فهناك حقوقُ يجب الوفاء بها من كلا الزوجين , ثم إن المقصود من الزواج في المقام الأول هو: العفة من الوقوع في الحرام , وأيضاً المودّة والسكينة , فينتج عن ذلك أسرة متضامنة , كل فرد فيها يعرف الحق الذي يجب القيام به ,.
ولقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضّح للزوج ما عليه من حقوق تجاه زوجته , وكذلك ما على الزوجة من حقوق تجاه زوجها
وأذكر هنا قصة حدثت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهي أنه كان من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. صحابي اسمه / عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه , وكان هذا الصحابي كثير التبتل والعبادة المتواصلة غير مشفق على نفسه حتى لقد همّ ذات يوم أن يترك زوجته نهائياً ويبتعد عن غريزة الجنس .
وذات يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على زوجته عائشة رضي الله عنها. فوجد معها بعض النسوة ,ووقعت عينه على إحداهن , وكانت رثة الهيئة مكتئبة المُحّيا . فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمرها فقيل له : إنها زوجة عثمان بن مظعون . وإنها تشكو بثها وحزنها, لأن زوجها مشغول عنها بالعبادة, يقوم ليله , ويصوم نهاره ..
وهنا ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم. حيث لقي عثمان بن مظعون فقال له : يا عثمان : أما لك بي أسوة ؟؟ قال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله. وماذا ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : تصوم النهار , وتقوم الليل ؟.
قال : إني لأفعل يا رسول الله . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفعل .. إن لجسدك عليك حقا , وإن لأهلك عليك حقاً ..
وهنا امتثل عثمان بن مظعون.لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرّر أن يؤدي حق أهله .. فتعالوا لننظر لبقية ما حدث في هذه القصة . في صبيحة اليوم التالي , ذهبت زوجة عثمان بن مظعون , إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم عطرة , نضرة كأنها عروس, واجتمع حولها النسوة اللاتي كانت , تجلس بينهن بالأمس , رثة بائسة
وأخذن يتعجّبن من فرط ما طرأ عليها من بهاء , وزينة , فقلن لها : ما هذا يا زوج ابن مظعون ؟؟ قالت لهن : وهي تضحك من قلبها :
(أصابنا ما أصاب الناس ) هذه القصة أذكرها للزوج والزوجة ,حتي يتبن لنا مدى اهتمام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, بأمر المسلمين جميعا ذكوراً وإناثا , فلم يصبر رسول الله, ولم يرضي لهذا الصحابي أن يترك فرضاً , أو أمراً في غاية الأهمية, لبقاء النوع البشري ألا وهو : النكاح الحلال. فأمره وأوصاه بأهله.
ولقد قال لنا صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف ( وفي بُضع أحدكم صدقة ) والله ما أجمل ديننا الحنيف وما أجمل تعاليمه , العظيمة السمحة التي لو تمسك بها الزوج والزوجة, في حياتهما الخاصة , لتحقق فعلا المعنى الأصيل للزواج : ألا وهو السكن بكل معانيه . فهذا من يسر الإسلام وسماحته ,
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لم يصبر حين رأى أمامه . زوجةً يؤرقها هجر زوجها لها وتُضنيها مرارة الحرمان , فهبّ لنجدتها بأن ذكّر زوجها بما لها عليه من حقوق .
فما أن جن عليها الليل, ثم طلع عليها الصباح, بيوم بهيج حتى كانت تزهو فرحة مطمئنة تقول لصاحباتها ( أصابنا ما أصاب الناس ) .
نعم أخي المسلم : أختي المسلمة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم (رحمة مهداة) يهتم لأمر المسلمين وأكثر من مرة , يعالج هذه القضية الحساسة , وهي علاقة الزوج بزوجته ,
ولا ننسى أن نقول هنا للزوجة المؤمنة : عليك أن تكوني سبباً رئيسياً في جعل بيتك فعلا مكاناً, للراحة البدنية والنفسية , وأن تجعلي من بيتك مكانا لراحة زوجك .
بحيث لو خرج الزوج للعمل , اجعليه يفكر أول ما يفكر في العودة لبيته وزوجته , ولتعلم كل زوجة أن : ترك الزوج لبيته وتفضيله للجلسة مع أصدقائه ما هو إلا سببه أن البيت فيه خلل, فلابد من إصلاح هذا الخلل . وهذا النداء أدعو الله تعالى أن يسمع له كلا من الزوجين, فيقوم كل منهما بواجبه, كما أمر الله تعالى . فالزواج هو نصف الدين ( ومن تزوج فقد أتم نصف دينه , فليتق الله في النصف الآخر ) ومن أراد السعادة في حياته الزوجية فليرجع للهدي النبوي الشريف, في هذا المقام ويتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خيركم, خيركم لأهله , وأنا خيركم لأهلي ) فنسأل الله تعالى أن يجعل بيوت كل المسلمين أمنا وسكينة , وطمأنينة , اللهم آمين ,, والحمد لله رب العالمين ............

إبراهيم السيد العربي

أعلى





الإسراء والبناء القوي للعلاقات الاجتماعية

نزلت سورة الإسراء لتُصلح المجتمع، وتُرْسي قواعد العلاقات الاجتماعية القوية، وترسخ لمفهوم المجتمع الفاضل، ولعلنا نقرأ قوله- تعالى- في سورة الإسراء :" وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35)". والمتأمل لهذه الآيات الكريمات يجد أنها قد أرست معايير المجتمعات القوية، وسمات المجتمعات الفاضلة التي يتعامل أفرادها تعاملا راقيا سواء مع القريب، أو البعيد، مع الأبناء أو غيرهم من الأسر الأخرى، مع اليتامى أم من هم ليسوا كذلك، وسواء في البيع أو الشراء وغيرها من التعاملات الاجتماعية التي ينبغي أن تنشأ على مفهوم التراحم والمساواة ،والشعور الواحد، والجسد الواحد، بدأها القرآن الكريم بالعلاقة مع الأقارب حيث قال: (وآت ذا القربى حقه) فإذا كان لدى الإنسان لذوي رحمه وقرباه حقٌّ فينبغي أن يُعطيَ كلَّ ذي حق حقه، فإن القرابة لها حقوق كثيرة، والمرء عندما يعطي أقاربه حقوقهم يوطد لنفسه ويثبت لقدميه حيث يكون نابتا في مجتمع يحبه، ويدافع عنه؛ لأنه لا يبخل، ولا يحرم أحدا حقه، ثم يتكلم القرآن عن المسكين وابن السبيل؛ والمسكين من أسكنته الحاجة، وجعلته لا حراك له كالشيء الساكن ، وابن السبيل هو الذي قد تعود السفر، وكأن السبيل أبوه، فأمثال هؤلاء ينبغي أن ينتظموا في سلك المجتمع، ويكون لهم احترامهم،وتقديرهم، فلو تصورنا أن المسكين في مجتمع ما، لا وزن له ولا قيمة، وأن أبناء السبيل الذين يعوزهم السفر، وتنتهي أموالهم- لا قيمة لهم ولا قدر، فكيف يكون هذا المجتمع ؟!، ألا تنتشر السرقة، ويعم القتل، وتنتشر البغضاء بين أبناء هذا المجتمع؟! إن القرآن الكريم يحكي عن قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان غير أنها كفرت بأنعم الله ولم تُقِم لمعايير السماء وزنا، وحرمت أصحاب الحقوق حقوقهم، ولم تخرج زكاة أموالها ، ولم ترحم ضعفاءها ومساكينها وذوي الحاجة فيها، فماذا كانت عاقبة هؤلاء؟ قال - تعالى-:" فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون"، فهل ننتظر أن يذيقنا الله لباس الجوع والخوف بحرماننا إياهم، ومنْعنا حقوقهم، وعدم رعايتنا شؤونهم؟! ثم يؤكد على مفهوم عدم التبذير: (ولا تبذر تبذيرا) فأي مجتمع من شأنه التبذير فعاقبته إلى بوار، ونهايته إلى عار وشنار؛ لأن التبذير يعني أنه لا يُقدر العواقبَ ولا يَدرس ما يتعلق بشؤون المستقبل، وذلك خفة في العقل، واهتراء في الفكر؛ ولذلك عقَّب بعدها القرآن بقوله: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين و كان الشيطان لربه كفورا)، فعقد عقد مشابهة بين المبذِّر والشيطان، والشيطان لربه كفور، هذا يعني أن المبذر كذلك لربه كفور، وكفران النعمة مُؤْذِنٌ بزوالها، كما رأينا من قبل في تلك القرية التي كفرت بأنعم ربها، ثم يلمس علاقة الإنسان بوالديه مرة أخرى حيث يقول: (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا )، فَيُسْرُ القول فرضٌ على الإنسان لوالديه، وكذلك هو لذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل، فقد لا يجد الإنسان معه ما يتصدق به على هؤلاء، عندئذ يتوجب يُسْرُ القول ولينُ الحديث، ثم يعود القرآن، فيتكلم عن معيار قلَّما يتفهمه الإنسان أو يعمل به فهو مفهوم الاقتصاد في الحياة، فلا إفراط ولا تفريط، ولا بخل ولا تبذير، فيقول: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) ،وهو كناية عن البخل الشديد: (ولا تبسطها كل البسط) ، وهو كذلك كناية عن التبذير المَشين، فإذا لم يعملْ بهذا المعيار الاقتصادي الرباني في إمساك العصا من المنتصف- استحق أن يقال في حقه: (فتقعد ملوما محسورا)، وهذا ما نراه واقعا ملموسا، فكل من أخلد إلى التبذير كانت تلك عاقبته، وكل من ارتكن إلى البخل كانت هذه نهايته: أن يلومه الناس، وأن يعيش متحسرا ذليلا يتكفف الناس، ثم أنزل الله - تعالى- مقياسا لا شك فيه ولا معقب له، وهو قوله - عز سلطانه-: (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)، فالله - عز في علاه- يَعْلَمُ النفوس، ويعلم ما يصلحها، فإذا كان الغِنى سببا في صلاحها أغناها ، وإذا كان الفقر طريقا إلى فلاحها أفقرها، فهو الذي يبسط ارزق لمن يشاء ويقدر، وفي أحيان أخرى يعطي المال للاختبار كما ينزل الشر للاختبار، قال- تعالى-:" ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون"، وكذلك ذيَّل الآية بقوله- سبحانه-:"إنه كان بعباده خبيرا بصيرا"، فالخبرة والبصر بالعباد لا يملكها إلا خالق العباد، ثم أوضح مفهوما آخر من مفاهيم العلاقات الاجتماعية، ونحن نراه أو نسمع عنه كثيرا، وهو أن بعض الأسر تَعْجَلُ بقتل أولادها خشية الفقر، وهذا يتأتى في صور كثيرة، منها قتل الولد وهو في رحم أمه بالإجهاض، أو بعد ولادته، وعدم الاعتناء به، أو قتله وهوطفل وقتل نفسه، وأصبحنا نسمع أن أحد الآباء قتل نفسه وترك خطابا إلى جواره موضحا فيه أنه خرج من هذه الدنيا لفقره وعوزه، وعدم رعاية المجتمع له، أو آخر يشنق نفسه لضيق ذات يده، وعدم مقدرته على القيام بحاجيات أولاده، فيتخلص من الحياة بشكل غريب، فالله- تعالى- ينهانا عن مثل ذلك الفعل الشائن بقوله: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم)، فإذا كان الإنسان يخشى مستقبلا من الحاجة والعوز فإن الله ضمن له رزقه، ثم ضَمِنَ من بعد ذلك لأولاده، إن قتلهم كان خطئا كبيرا، فالأولاد نعمة، وكلُّ ولدٍ يأتي برزقه: (وما من دابة إلا على الله رزقها)، ثم نبَّه إلى أمر آخر من أمور العلاقات الاجتماعية، وهو عدم قربان الزنا، وقال: (ولا تقربوا الزنا)، ولم يقل:( ولا تفعلوا الزنا)، وإنما نبه إلى مقدماته التي تُفضي إليه بدءا من النظرة، فالابتسام، فالكلام، فاللقاء، فاللمسة، ثم قربان الزنا، والقرآن في هذه اللفظة الراقية: (ولا تقربوا) يَعْلَمُ ما في داخل الإنسان تجاه الجنس الآخر، ويعلم ميل هذا إلى ذاك، ينبه ناهيا عن أن يتابع الإنسان نفسه وشهوته في هذا الإطار، فيؤكد بقوله: (إنه كان فاحشة وساء سبيلا)، فالمجتمعات التي يُشِيعُ فيها ارتكابُ هذه الفاحشة تنتهي إلى دمار، وتتفكك منها الأوصال، ويُمْسِي مجتمعا ضعيفا سرعان ما يتهدم، وتنتهب ثرواته، ويضيع شأنه، وتُدَاس حرماته، ثم يتكلم عن قتل النفس التي حرم الله فيقول: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)، فبعض المجتمعات يكثر فيها القتل، وتُمْسِي مجتمعاتٍ ضعيفةً، لا يأمن فيها أحد على نفسه، وتجد العيونَ في الوجوه مضطربة، كلٌّ يخشى من كلٍّ، فهل يحب الإنسان أن يعيش في مجتمع مضطرب كهذا؟ لكن تُقتل النفس بالحق لا بالباطل؛ ولذلك قال بعدها: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل)، فهناك قضاء وقضاة، ومحاكم وعدل، فعلى كل مجتمع أن يستنَّ بمعايير السماء، وتطبيق شريعة القصاص، فمن قَتَلَ ظلما وعدوانا قُتِلَ حتى لا يقتل غيره، قال- تعالى-:" ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون"، لكن لا يسرف في القتل، إنما يقتل من قتل، كما قال - تعالى- "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"، ثم نبَّه بعد ذلك إلى احترام مال اليتيم وعدم قربانه إلا بالتي هي أقوم، والوفاء بالعهد، وإيفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم فقال - عز وجل-:"ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده)، فاليتيم في المجتمع المسلم شخصية محترمة، ونفس مقدَّرة؛ ولذلك فإن اليتيم في مجتمعات الإسلام يغبطه مَنْ له أبٌ وأمٌّ على رعاية المجتمع له وعنايته به، فكلُّ يتيم له عدد كبير من الآباء يقدمون له كل ألوان الدعم والرعاية؛ ولذلك فإن الآباء في الإسلام لا يتخوَّفون على أبنائهم الصغار إذا قدر الله وفاتهم، فسوف يشملهم المجتمع بعونه ويحوطهم برعايته.
أما الوفاء بالعهد فهو من كمال الإيمان، وهو موضع سؤال الله للعبد يوم القيامة، فإن المسلم الواعي هو الذي إذا وعد وفى، أما المنافق، وهو الذي إذا عاهد غدر، وإذا وعد لم يف؛ ومن ثم كان التذييل مرعبا: (إن العهد كان مسؤولا)، فإذا كان العهد مسؤولا فما بال المعاهد؟!.
وفي قضية الكيل والموازين أعدَّ الإسلام لها قدرها، ووفَّاها حقها في أكثر من آية، وفي أكثر من سورة، وهنا يقول- سبحانه-:"وأوفوا الكيل"، ولم يقل: (واعدلوا)، وهذا معناه أن يكون الكيل وافيا ، بمعنى أن زيادة الوزن أو الكيل شيئا يسيرا يدخل في إطار الإيفاء، كما كان الصحابة يفعلون عند إخراج الزكوات من الأغنام والماعز وغيرها، فقد رأيناهم يُخرجون أفضل ما عندهم لله رب العالمين، وتنقية لأموالهم مما يكون قد شابها من الحرمة ونحوها، فمفهوم الإيفاء هنا أن يعطيَ البائع للمشتري حقه كاملا غير منقوص، وورعا منه يزيد شيئا لله حتى يخرج من عهدة المساءلة في الوزن ونحوه، فكثيرا ما نرى كرامَ التجار بعد الكيل أو الوزن يضعون حبة أو حبتين، إمعانا في الإيفاء، أما إذا اكتفوا بالوزن التام فلا غضاضة في فعلهم هذا، أما أولئك المطففون، وهم الذين يبخلون في الوزن، وينقصون منه- فالويل كل الويل لهم، قال- تعالى-:" ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين"؛ ولذلك يقول الله - تعالى- في هذه الآية: (وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم)، فالقسطاس يعني الاستقامة، ولكن لماذا وصف القسطاس بالمستقيم؟ما دام القسطاس يعني الميزان العادل، ذلك يأتي إمعانا في ترسيخ هذا المفهوم الكريم في هذا المجتمع المسلم، وهو مفهوم العدل الكامل ،ووضع الأمور في نصابها ، وجاء ختام الآيات رائعا - كما هو سمت القرآن - وذلك في قوله: (ذلك خير وأحسن تأويلا)، فكل ما مضى يدعو إلى الخيرية والطهارة، وقوة المجتمع وسمو تعاملاته، نسأل الله- تعالى- أن يرزق مجتمعاتنا الأمان والاستقرار، وأن تنشأ العلاقات بين أبنائها بهذه الشفافية والصفاء الذي يصل إلى طهر الملائكة، و نقاء الملأ الأعلى، يسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

مها محمد البشير حسين نافع
ماجستير في الشريعة الإسلامية
كلية دار العلوم جامعة القاهرة
جمهورية مصر العربية


أعلى





التمسك بالدين

إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى قد أغنى المسلمين ، وأنعمَ عليهم بشريعةٍ كاملةٍ صالحةٍ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ ، هذه الشريعةُ هي الصراطُ المستقيمُ ، الذي هو طريقُ الذين أنعَمَ اللهُ عليهم من النبيّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين ، وما خالفَها فهو طريقُ المغضوبِ عليهم والضالين من اليهودِ والنصارى والمشركين حيث يقول تعالى ( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) الفاتحة/6 ـ 7وقال ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الأنعام/153 . لقد أنعمَ اللهُ سبحانه وتعالى علينا بشريعةٍ كاملةٍ شاملةٍ لكلِّ مصالحِ الدِّينِ والدنيا ، وعلّقَ السعادةَ في الدنيا والآخرةِ على العملِ بها والتمسّكِ بهديها حيث يقول : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) النحل/97وقال ( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا ) مريم/76 وقال ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ) محمد/17 وقال ( فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة/38 وقال ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) طه/123 .

وإنَّ من القبيحِ بل من الحرامِ أن نتركَ محاسنَ دينِنا الحنيفِ ، ونقلّدَ أعداءَنا فيما ينهى عنه الدِّينُ ، ويُغضبُ علينا ربَّ العالمين ، إنَّ عاقبةَ تقليدِنا الأجانبَ في بدعِهم السيئةِ وعاداتِهم القبيحةِ عاقبةٌ وخيمةٌ ، إنَّ التشبّهَ بالكفارِ تنكّرٌ للإسلامِ ، واستبدالٌ لتعاليمِه بغيرِها ، فمَن تشبّهَ بقومٍ فهو منهم ، ليس منَّا من تشبّهَ بغيرِنا ، إنَّ التشبّهَ بالكفارِ في الظاهرِ دليلٌ على موالاتِهم في الباطنِ ، وهذا ينافي الإيمانَ ، لقوله تعالى ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) المجادلة/22 .

فيا شبابَ المسلمين تمسّكوا بتعاليمِ دينِكم الحنيفِ ، عضّوا عليها بالنواجذِ ، وإيّاكم ومحدثاتِ الأمورِ ، ويا شبابَ المسلمين لا يجرفنَّكم سيلُ المدنيّةِ الحديثةِ الخبيثةِ ، ولا يصرفنَّكم الشيطانُ عن صفاتِ الرجولةِ والشهامةِ والشجاعةِ ، ولا يحملنَّكم الترفُ على التفنّنِ في محاكاةِ النساءِ ؛ فإنَّ الرجلَ خشنٌ بطبعِه ، وكلّما تأنّث خفّت ذكورتُه ، ونقصت رجولتُه ، وعجزَ عن الكفاحِ والقيامِ الذي خُلِقَ له في مُعتركِ هذه الحياةِ ، فتمسّكوا بكتابِ ربِّكم ، وتأسّوا بنبيِّكم محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وتذكّروا أولئك الشبابَ الأبطالَ الذين ربّاهم رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه ـ الذين كانوا رهباناً بالليلِ أسوداً بالنهارِ الذين لم يكن همُّهم كأساً ولا غانيةً .

لم يكن همُّهم جمعَ الحطامِ ولا مغازلةَ الحِسانِ ، ولا السعيَ وراءَ الشهواتِ ، ولا الخوضَ في الشُّبُهاتِ ، ولا التسكّعَ في الطُرُقاتِ ، ولا التفنّنَ في محاكاةِ الفتياتِ ، وإنّما كانَ جُلُّ همِّهم إقامَ الصلاةِ ، وإيتاءَ الزكاةِ ، والأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ ، والجهادَ في سبيلِ اللهِ ، تذكّروا أولئك الذين فتحوا مشارقَ الأرضِ ومغاربَها بالسواعدِ المؤمنةِ ، والعزائمِ المتوقدةِ ، والهممِ العاليةِ الذين يبيتون لربِّهم سجّداً وقياماً ، يرتِّلون كتابَ اللهِ ترتيلاً ، إذا مرَّ أحدُهم بآيةٍ فيها ذكرُ الجنّةِ بكى شوقاً إليها ، وإذا مرَّ بآيةٍ فيها ذكرُ النارِ شهقَ شهقةً كأنَّ زفيرَ جهنّمَ في أذنيه ، الذين وصفَهم اللهُ بقولِه ( رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ) النور/37ـ 38 .
الذين وصفَهم اللهُ بقولِه : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب/23) ، الذين وصفَهم اللهُ بقولِه : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الفتح/29.
وأنّه لا يُصلِحُ آخرَ هذه الأمّةِ إلا ما أصلحَ أوّلَها ، فكونوا خيرَ خلَفٍ لخيرِ سلَفٍ في الذبِّ عن الدينِ ، والجهادِ في سبيلِ اللهِ ، والحفاظِ على المحارمِ ، والدفاعِ عن الديارِ، فلستم كشبابِ الكفّارِ الضائعِ الذي لا دينَ له يحميه ، ولا عرضَ له يصونُه ، ولا كرامةَ له يُحافظُ عليها ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب/21).

وقال تعالى ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الحشر/7 وقال : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) النور/63 وقال (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) القصص/50 وقال ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) النساء/115 .

الشيخ حمود بن حميد الصوافي


أعلى





ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء

الزواج والترغيب فيه

هذا وان حديثنا ما زال عن السؤال الذي طرحناه في الحلقة الماضية ، متى تكون السعادة الزوجية ؟ وكما قلت إن السعادة الزوجية لا تكون إلا إذا استوفت جميع الشروط وأولها الزواج الشرعي ، وقد توقفنا في الحلقة السابقة عن حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الزواج والترغيب فيه ، وبكون الزوجة سكنا للزوج وحرثا له وهي شريكة حياته وربة بيته ، وأم لأولاده ، ومهوى فؤاده ، وموضع سره ونحوها ، وهذا الركن الذي نتحدث عنه هو من أهم الأركان في تأسيس الأسرة هو اختيار الزوجة الصالحة لان الإسلام جعلها خير متاع ينبغي التطلع إليه والحرص عليه ، فهي تكون إن شاء الله تعالى المنجبة للأولاد , وعنها يرثون كثيرا من المزايا والصفات , وفي أحضانها تتكون عواطف الطفل وتربي مكانه ويتلقى لغته ، ويكتسب كثيرا من تقاليده وعاداته ، ويتعرف دينه ويتعود السلوك الاجتماعي فهذا الشرط مهم للغاية بالنسبة للرجل قبل ان يشرع للزواج ان أراد العيش السعيد في الحياة الزوجية ، ولا يغتر في ما يفعلن بعض فتيات عصرنا هذا من تسريحات ماجنة ، وأصباغ محرمة ، ولباس فاضح ، كاسيات عاريات ومثل تلك الفتيات الزواج منهن لا يدوم فقط متعه قليلة ويتعقبها طلاق ، وأوصيك أيها الشاب بان تختار الزوجة الصالحة ، وكذلك لا يقتصر الحديث للرجال فحسب فمن أركان الزواج أيضا أن تختار المرأة الزوج الصالح الذي يعينها عن رغد العيش في هذه الحياة الدنيا لان الذئاب البشرية الدين يصطادون الفتيات المؤمنات كثيرين ، فالحذر ثم الحذر يا أمة الله بأن تتورطي في شباك هؤلاء الصيادين وفي حبائل ألسنتهم المصحوبة بالكلام اللين وعيونهم البراقة ، ويغرونك بملابسهم المزهلقة ، وعطرهم الفواح ، وسياراتهم المفخمة الحذر ثم الحذر واتخذي عبرة في أخواتك السابقات اللآتي أصبحن ضحية للذئاب البشرية لا راحة لهن ولا استقرار ولا سعادة زوجية ، وأنت يا أيها الأب الحنون اتق الله في بناتك ولا تكلفهن على الزواج إلا برضاهن ، وعليك أن تختار لابنتك الرجل الصالح التقي له دين وخلق وشرف وحسن سمت فإن عاشرها عاشرها بمعروف وإن سرحها سرحها بإحسان ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ـ إذن على كل حال قبل الشروع في الزواج يجب من ولي الأمر أن يختار لابنته الزوج الصالح وكذلك عليه أن ييسر أمر المهر ولا يعسره ، لأن التيسير هو طريق السعادة لابنته بعد الزواج ، ومن أسرار الزواج وحكمه إنجاب الذرية الصالحة بعد الاختيار يقول الله جل جلاله : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) بيد أن الإسلام أولى غاية الاهتمام بكيف الذرية وصلاحها والمهر اليسير هو أساس هذا الصلاح يقول الله عز وجل : (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن هذا الصداق هو شرط من شروط صحة النكاح فقد قال صلى الله عليه وسلم : (لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة) واعلم أيها الولي إن هذا الصداق هو حق للمرأة المتزوجة وحدها وليس حقا لوليها ولا لأي أحد من أقربائها . مثل ما يفعل البعض بصداق ابنته ، منهم من يقوم بشراء سيارة ، ومنهم من يقوم بزيادة غرف في منزله ، ومنهم من يقوم بتوزيع المهر لأولاده وأقاربه ، ومنهم إذا ابنته تعمل موظفة براتب يزيد على خمسمائة ريال فما فوق أو أقل ، يرغم ابنته قبل الزواج أن تأخذ له قرضا من أحد البنوك المصرفية حجة إنه رباها من صغرها وعلمها ولما تذهب إلى بيت زوجها تكون الفائدة للزوج والأب يصبح خسرانا ، وهذا هو الحاصل في مجتمعنا إلا من رحم الله ووفق في طاعته ورضاه ، هذا المهر المشروع هو شيء يتوقف عليه صحة النكاح ولا اعتبار بكثرته وقلته ، فالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام قال لأحد من الناس أراد أن يزوجه : (التمس ولو خاتما من حديد ، فكل ما يملك ويمكن الانتفاع به يجوز أن يكون صداقا للمرأة ، وليست كثرة صداق المرأة دليلا على قيمتها حسب ما يظن بعض الرجال من أولياء الأمور بل بالعكس ولو كان صداق المرأة رمز قيمتها ، لكانت بنات الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بأن تكون صدقاتهن أكثر الصدقات ، وقد كانت صدقات بناته عليه الصلاة والسلام أيسر الصدقات ، كما كانت صدقات أزواجه عليه أفضل الصلاة والسلام ـ أيضا أيسر الصدقات ، إن في هذا ما يكفى العاقل دليلا على أن صداق المرأة ليس هو رمز لقيمتها إنما قيمتها لو يعلم أولياء الأمور هي العفة والطهارة وتقوى الله ، فالحديث الذي تم ذكره هو دليل على من كان له خلق ودين يزوج ، مع ذلك زاد عليه الصلاة والسلام لمن أبى من أولياء الأمور وقال : إن لم تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ، وكذلك فإن التعجيل في الزواج والمسارعة إلى نكاح المرأة شرعه الله في كتابه العزيز حيث قال : (فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) فليس للولي أن يعضل وليته عن الزواج بل ينبغي له أن يسارع إلى تزويجها وأن يجعل صداقها من أبسط المهور حتى يتم تزويجها في أيسر وقت وسبب انحراف البنات وسلوكياتهن ومتاهاتهن في طرقات الذل والهوان هو عرقلة الزواج ، وهو إما أن ينشأ عن الترف الذي انتشر في الأرض وساد بين الناس ، وإما أن يكون ناشئا عن جشع الآباء المالي مع إن الآباء ليس لهم أي حق في صدقات بناتهم والله سبحانه وتعالى قال : (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) ولم يقل : وآتوا آباء النساء أو أولياء النساء صدقاتهن نحلة ، بل أمر أن تؤتى النساء صدقاتهن .
فالإسلام دين قيم ولكن الطمع الذي قتل الناس وهو من ساقط المرؤات أن يحرص الأب على المال من خلال تزويجه لكريمته فإن ذلك شيء تأباه المروءة ويأباه الشرف فضلا عن الدين الحنيف ، فيجب على الآباء أن يرعوا عن هذا الجشع الذي أمتلك نفوسهم والذي كان سببا لانتشار الفساد في الأرض .
إذن بعد أن يختار الرجل شريكة حياته ، وبعد أن تختار المرأة شريكة حياتها ، فعلى الأب والأم أن يتشاوروا في أمر الزواج وأن يأخذوا رأي ابنتهم لأن لها الحق وهى أحق بنفسها في أن الولي لا يعقد عليها إلا برضاها ، وإذا تم سؤال البنت ومشاورتها عن الزواج ولم تجب بنعم أو لا بل سكتت فإن علامة سكوتها هو الرضا والاقتناع والرغبة في الزواج لأن الاختيار والمشاورة هذا يكون عند الخطبة وقبل تسليم المهر يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الثيب أحق بنفسها من وليها ، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها ـ وفي رواية أخرى ( البكر يستأمرها أبوها ) أي يطلب أمرها قبل العقد عليها ـ ويقول عليه الصلاة والسلام : ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن قالوا : يا رسول الله : كيف إذنها ؟ قال : أن تسكت ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( آمروا النساء في بناتهن ) والخطبة من مقدمات الزواج ، وقد شرعها الله قبل الارتباط بعقد الزوجية ليتعرف كل من الزوجين صاحبه ويكون الإقدام على الزواج على هدى وبصيرة .
وللحديث بقية .

إعداد : يونس بن حبيب بن الحاج السعدي


أعلى





رجب مضر

الأشهر الحرم المذكورة في هذه الآية الكريمة (( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم )) سورة التوبة 36 . ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى الآخرة وشعبان وهو رجب مضر وقيل له رجب مضر لأن ربيعة بن نزار كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجبا وكانت مضر تحرم رجبا نفسه فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: رجب مضر ( الذي بين جمادى وشعبان ) ورفع ما وقع في اسمه من الاختلال بالبيان وكانت العرب أيضا تسميه منصل الأسنة مخرجها من أماكنها كانوا إذا دخل رجب نزعوا أسنة الرماح ونصال السهام إبطالا للقتال فيه لحرمته.
كانت فترة الراحة للعرب من الحروب وفرصة استقرارهم هي أشهر حرموا فيها القتال وجعلوها بمثابة هدنة عامة تستريح فيها خيولهم ورواحلهم وتغمد سيوفهم حتى كان الرجل منهم يلقى القاتل لوالده في الأشهر الحرم فلا يعرض له بسوء مع حرصهم الشديد على بلوغ الثأر وسفك الدماء وهذه الشهور هي ، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الفرد وقد قيل إن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام هما اللذان حرما هذه الشهور بأمر من الله تعالى وقال بعض المفسرين إنما حرمت الثلاثة الأولى لأداء مناسك الحج والعمرة والعودة بعد الفراغ منهما وقد حرمت مكة وما حولها في جميع أشهر السنة لتأمين الحج والعمرة التي تؤدى في كل سنة بالنسبة للحج ، وبالنسبة للعمرة فهي في جميع أشهر السنة ولحرمة البيت الذي أضافه الله تعالى لنفسه (( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود )) البقرة 125 وشرع فيه من العبادة ما لا يصح في غيره.
والعلة في حرمة رجب هي تمديد فترة الراحة بعد تعب الحروب وربما كرامة للنبي المنتظر حيث تكريم الله تعالى له برحلة البركة والخير والسلام والطمأنينة رحلة الإسراء والمعراج، وربما كان تحريم القتال في شهر رجب لفريضة الصلاة فيما بعد التي هي سلام وأمن وهدوء واستقرار ورحمة وصلة ومحبة والتي فرضت في رجب في الرحلة المباركة .
وكان أكثر العرب يحترمون حرمة هذه الأشهر ويقدسونها عملا بمواريثهم في التقاليد وخصوصا ما يتصل منها بالعبادات واستمر الحال على ذلك حتى جد فيهم أهل الزيغ والضلال الذين لا يخلو منهم زمن من الأزمان فأخذوا يحورون في وضعها وينقلون حرمة شهر إلى شهر آخر حسب الدواعي والضروريات فإذا احتاجوا إلى القتال في المحرم نقلوا حرمته إلى صفر وإذا احتاجوا للقتال في صفر نقلوا حرمته إلى ما بعده أو إلى شهر آخر حسب هواهم وحاجتهم وهذا الأمر هو المعروف بالنسيء وقد ذكر ذلك في القرآن الكريم قال تعالى (( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدى القوم لكافرين )) سورة التوبة 37 . وظاهر النص القرآني أن الله تعالى هو الذي حرم هذه الشهور ونقل الحرمة من شهر إلى شهر هو من صنع الكفار وخروجا على تعليمات الله تعالى .
وجاء الإسلام فأقر هذا الاحترام والتحريم لهذه الشهور وكان لا يجيز فيها القتال إلا للضرورة كدفع من يريد الصد عن زيارة بيت الله الحرام والفتنة في دينه (( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل )) سورة البقرة آية 217 ولقد أقر التحريم المزعوم على كل شهور السنة ولكن في حجة الوداع كانت الدورة قد اكتملت وعاد الزمن إلى حاله الأول وهذا ما أعلنه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بخطبته المشهورة ( خطبة الوداع ) فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم ( .... وإن الزمن قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ... ) أي أن زمان الحج عاد إلى وقته الأصلي الذي عينه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه ونفذ بها حكمته
كان القتال حراما بنص القرآن الكريم ولكن إذا اضطر المسلمون للقتال فيها دفاعا عن أنفسهم وعن دينهم وعن أرضهم وعرضهم ولصد غارات الأعداء وردهم عن بلاد المسلمين فلهم ذلك بناء على القاعدة ( وجوب ارتكاب أخف الضررين إذا لم يكن من إحداهن بد ) وقد روى الإمام جابر رضي الله تعالى عنه ( كان رسول الله لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى ) وقد قال الله تعالى (( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة )) سورة التوبة آية 36
ورجب هو من الأشهر الحرم والثلاثة الأشهر الحرم الأولى اعتاد كثير من صالحي المسلمين أن يصوموها كاملة متتالية اعتقادا منهم أن صيامها كذلك من الأحكام المقررة شرعا والحقيقة أن الصيام في حد ذاته أمر مشروع وثوابه عظيم وأجره عند الله كبير بشرط أن يعلم الصائم أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يصم شهرا كاملا إلا رمضان وقد أوشك أن يتم شعبان إلا أنه لم يكمله حتى لا يلتبس صيام النافلة بالفرض ورجب الصيام فيه مستحب من غير تمام له كله
هذا والله تعالى أعلى وأعلم

أنس فرج محمد فرج



أعلى





أركان التوبة وشروطها

يقول الإمام السالمي - رحمه الله- في كتابه "مشارق أنوار العقول":
"أركانها ندم مع استغفار والعزم والرجوع بانكسار
(قوله: أركانها)الخ: أي أن أركان التوبة الشرعية أربعة، كما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه- أنه قال: التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على أن لا يعود. وبعضهم جعل هذه الأشياء ما عدا الرجوع عن الذنب شروطا للتوبة، لا أركانا لها، وجعل بعضهم الخلاف في كونها أركانا أو شروطا لفظيا، وبين وجه الخلاف بأن من اعتبر معنى التوبة في اللغة جعل تلك الأشياء شروطا، ومن لم ينظر إلى معناها اللغوي جعلها أركانا".
الركن الأول من أركان التوبة الذي هو "الندم": "فإن من لم يندم على معصيته فليس هو بتائب، وهذا هو الركن الأعظم، ولذلك قيل: (التوبة الندم)، فمن كان مسرورا بما وقع فيه من المعصية فإن معصيته باقية ولو ادعى أنه تاب". قال الإمام السالمي في المشارق معرفا الندم ومؤكدا فيه على ضرورة الإخلاص في التوبة:"وهو غم يصيب الإنسان ويتمنى أن ما وقع منه لم يقع، وإنما يعتد به إن كان على ما فاته من رعاية حق الله -تعالى- ووقوعه في الذنب حياء من الله وأسفا على عدم رعاية حقه، فلو ندم لحظ دنيوي كعار أو ضياع مال، أو تعب بدن، أو يكون مقتوله ولده لم يعتبر كما ذكره بعضهم. وذكر أبو نصر القشيري عن والده الإمام أبي القاسم أن من شرط التوبة أن يذكر ما مضى من الزلة، ويندم عليه، فلو أسلف ذنبا ونسيه فتوبته من ذنوبه على الجملة، وعزمه على أن لا يعود على ذنب على ما يكون توبة مما نسيه، وما دام ناسيا لا يكون مطالبا بالتوبة عما نسيه. اهـ المراد منه. وقال القاضي أبو بكر: إن لم يتذكر تفصيل الذنب فليقل: إن كان لي ذنب لم أعلمه فإني تائب إلى الله -تعالى-، ولعله إنما قال هذا فيما إذا علم لنفسه ذنوبا لكنه لا يتذكرها، فأما إذا لم يعلم لنفسه ذنبا فالندم على ما لم يكن محال، وإن علم له ذنبا لكنه لم يتعين له في التذكر فيمكن أن يندم على ما ارتكب من المخالفة على الجملة، ثم العزم على أن لا يعود إلى المخالفة أصلا. اهـ". أما الركن الثاني فهو "الإقلاع عن المعصية": "فإن من لم يقلع عنها واستمر عليها، لو استغفر الله آلاف المرات هو غير تائب، وإنما يخادع نفسه، في حين يظن أنه يخادع ربه -سبحانه وتعالى-". قال الإمام السالمي: "(قوله: والرجوع بانكسار) أي ومن أركان التوبة الإقلاع عن الذنب بتذلل وانكسار نفس، وذلك كما إذا كان ملتبسا بالذنب أو مصرا عليه فإنه يجب عليه ترك ما تلبس به حالا، وإن لم يتركه فلا توبة له". أما الركن الثالث فهو "عقد العزم على عدم العودة إلى المعصية": "وذلك بأن ينوي في قرارة نفسه أنه لا يعود إلى معصيته تلك التي وقع فيها، ولا إلى غيرها من معاصي الله، كما أن الألبان لا تعود إلى الضروع بعد انفصالها عنها". قال الإمام السالمي:"(قوله: والعزم) أي على أن لا يعود في المستقبل إليه أو إلى مثله،وهذا إنما يتصور اشتراطه فيمن يتمكن من مثل الذي قدمه،أما من جب بعد الزنا، أو قطع لسانه بعد نحو القذف،فالشرط في حقه عزمه على الترك لو عادت إليه قدرته على الذنب،وبهذا علم أن توبة العاجز عن العود صحيحة،ولم يخالف فيها إلا الجبائي قال:لأنه ملجأ إلى الترك، وردوا عليه بما تقرر في نحو المجبوب". أما الركن الرابع فهو "الاستغفار": "وهو أن يطلب من الله -تبارك وتعالى- المغفرة؛ وذلك لأن طلبه من ربه -سبحانه وتعالى- أن يغفر خطيئته اعتراف منه بهذه الخطيئة التي ارتكبها، واعتراف بما لله -تعالى- من حق عليه، واعتراف بافتقاره إلى ربه مع غنى الله عنه". وذكر الإمام السالمي في "مشارق أنوار العقول" أن بعض العلماء قد ذكروا شروطا غير هذه، وذكر أن هذه الشروط راجعة إلى الشروط السابقة التي ذكرها، ومن بين هذه الشروط "رد المظالم إلى أهلها"، قال معلقا على ذلك: "(ومنها) ما اشترطه المعتزلة من رد المظالم، أقول: وهذا الشرط -أيضا- داخل تحت الرجوع؛ فإنه يجب -كما تقدم- أن يكون الرجوع عن المعصية لكونها معصية، فيستلزم أن لا يبقى مظلمة يقدر التائب على ردها، فإن لم يفعل كان مصرا، ورد المظالم معتبر في صحة التوبة عند أصحابنا -أيضا-، فلا عبرة بمن لم يعتبره". ولقد قال فضيلة الشيخ عبد الله المعمري في خطبته عن التوبة مؤكدا على أهمية "رد المظالم": " وليتخلص من جميع التبعات، فإذا كانت التبعات متعلقة بشيء من حقوق العباد فعليه أن يؤدي حقوق العباد جميعها؛ ذلك لأن التوبة من حقوق العباد لا تكون إلا برد المظالم إلى أهلها، سواء كان ذلك متعلقا بالأنفس أو متعلقا بالأعراض أو متعلقا بالأموال، لا بد من إعادة الحقوق إلى أصحابها، وإلا فلا توبة منها مهما جرت دموع ماء صاحبها أنهارا، ومهما قام الليل وصام النهار إلا أنه متعلق بذمته حق من حقوق العباد فلا يغفر ذلك الحق إلا برده إلى صاحبه، أو بإبراء صاحبه من فاعله الجاني".
فعلى هذا تتبين لنا حقيقة التوبة،"فالتوبة إلى الله -عز وجل- ليست مجرد شقشقة باللسان، ليست مجرد دعوى، ليست مجرد كلمات تلوكها الألسنة.إن التوبة إلى الله هي رجوع إلى الله، هي خلع للباس الجفاء، وبسط لبساط الوفاء، إن التوبة إلى الله ذوبان الحشا لما سلف من الخطا، إن التوبة إلى الله ندم وهم وغم يملأ القلب وحسرة على التفريط في جنب الله، حتى تسود هذه الدنيا بظلمتها في عين هذا العاصي، بسبب إقدامه على معصية الله، وبسبب اللوم وسياط التأنيب والهم التي تلسع بها ظهره لإقدامه على معصية ربه وسيده -سبحانه وتعالى-، بعد ما أنعم عليه النعم، وبسط له من واسع الكرم، وأوجده من العدم، وتفضل عليه بآلائه الظاهرة والباطنة، ثم يقابل تلك النعمة بالكفران لا بالشكران! فحقيق به أن يندم على فعلته، وأن يأسف على نفسه على ما فرط في جنب الله. وهذا الهم والغم يجعل الدنيا مظلمة مكفهرة في وجه هذا العاصي؛ لأنه تيقن من نفسه الوقوع في المعصية، وهو على شك من أمره: هل تقبل توبته عند الله -تعالى- أم لا؟ فهو على خطر عظيم" بتصرف. أما توبة اللسان من تبييت نية العودة إلى الذنب فهي توبة غير صحيحة. قال أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي الحنفي في كتابه "تنبيه الغافلين":"وذكر عن رابعة -رضي الله عنها- أنها كانت تقول: إن استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير. يعني إذا استغفر باللسان ونيته أن يعود إلى الذنب، فإن توبته توبة الكذابين، وهذا لا يكون توبة".

علاج الإصرار على المعصية
لقد تناول العلماء هذه القضية بالتفصيل، وسأذكر ذلك -بإذن الله- مختصرا، ومن أراد التوسع أكثر فليرجع إلى الكتب والمراجع التي تناولت هذه القضية، كالجزء الثاني من كتاب قناطر الخيرات، وككتاب مختصر منهاج القاصدين الذي سأذكر الآن بعضا مما ذكره بشيء من التصرف، يقول: "اعلم أنه لا يقف على الدواء من لا يقف على الداء، إذ لا معنى للدواء إلا مناقضة أسباب الداء، ولا يبطل الشيء إلا بضده، وسبب الإصرار الغفلة والشهوة، ولا تضاد الغفلة إلا بالعلم، ولا تضاد الشهوة إلا بالصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة. والغفلة رأس الخطايا، فلا دواء إذا للتوبة إلا معجون بعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر. والأطباء لهذا المرض هم العلماء؛ لأنه مرض القلوب، ومرض القلوب أكثر من مرض الأبدان.
ونشير إلى الأعمال النافعة لعلاج مرض الإصرار، وهي أربعة أنواع:
الأول: أن يذكر ما في القرآن العزيز من الآيات المخوفة للمذنبين، وما ورد في الأخبار والآثار من ذلك، ويمزج ذلك بمدح التائبين.

النوع الثاني: معرفة وتذكر حكايات الصلحاء السابقين والسلف الصالح والتفكر فيها وفيما أصابهم من المصائب بسبب الذنوب.
النوع الثالث: أن يعلم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب، فهو بسبب جناياته، فرب عبد يتساهل في أمر الآخرة يخاف عقوبة الدنيا أكثر لفرط جهله. والذنوب قد يتعجل في الدنيا شؤمها كما تبين ذلك سابقا.
النوع الرابع: ذكر ما ورد من العقوبات في آحاد الذنوب، كشرب الخمر، والزنى، والقتل، والكبر، والحسد، والغيبة.
وهذا الذي ذكرنا هو علاج الغفلة، فيبقى علاج الشهوة، وطريق علاجها الصبر، فإن المريض إنما يطول مرضه لتناوله ما يضره، وإنما يحمله على ذلك شدة شهوته، أو غفلته من مضرته، فلا بد من مرارة الصبر، وكذلك يعالج الشهوة في المعاصي، كالشاب مثلا إذا غلبته الشهوة، فصار لا يقدر على حفظ عينه وقلبه وجوارحه في السعي وراء الشهوة، فينبغي أن يستحضر المخوفات التي جاءت في كتاب الله -تعالى-، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا اشتد خوفه تباعد عن الأسباب المهيجة للشهوة. فلا بد إذا من الصبر، ومن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء، ولا يصبر أحد إلا عن خوف، ولا يخاف إلا عن علم، ولا يعلم إلا عن بصيرة، فأول الأمر حضور مجالس الذكر -أي المحاضرات الدينية-، والاستماع بقلب مجرد عن الشواغل، ثم التفكر فيما قيل، فينبعث الخوف، ويسهل الصبر، وتتيسر الدواعي لطلب العلاج، وتوفيق الحق - سبحانه- من وراء ذلك كله".
المصادر:
1) كتاب "مشارق أنوار العقول" للإمام السالمي
2) خطبة عن التوبة للشيخ عبد الله المعمري
3) كتاب "الدين الحياة" لخميس العدوي(جمع فيها محاضرات لسماحة الشيخ أحمد الخليلي)
4) كتاب "مختصر منهاج القاصدين" لابن قدامة المقدسي

إعداد ـ حمد بن عبدالله الحوسني

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept