الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ

يحسب على أدب الطفل ألوان إبداعية وفنون كثيرة، اكتفت بشرف الانتساب إليه، دون أن تعزز تواجدها الفعلي عند الطفل، وقد أوكلت إلى القصة، مهمة حمل اسمه، متعللة باستحواذها على عقل وقلب الطفل، الذي عرفها بفطرة دلته عليها، وقد وصلت بها المواصيل، حد التواري خلف بطولات القصة، واختزال "أدب الطفل" فيها، لدى كل من يعايش تفاصيله الإبداعية، فأصبحت "القصة" رديفا لـ"أدب الطفل"، وكأنه لا وجود للغناء باعتباره إحدى الوسائل التي تساهم في بناء شخصية الطفل، نفسيا وخلقيا واجتماعيا،‏ وبما تنير لأطفالنا الصغار الطريق لكسب المعارف إذا أحسنا اختيار مضمونها الأدبي وهدفها التربوي بعناية فائقة، حيث تعتبر أغنية الطفل عملا إبداعيا ومسؤولية ثقافية وتربوية، وهي مصدر للفرح والسعادة واللعب والحركة، ناهيك عن المسرح وما يمثله من حالة حضارية وثقافية بامتياز، وبما يوجده من صيغ تربوية سليمة، تهدف إلى غرس القيم الجيدة والأخلاق النبيلة، بإضافة التسلية والمتعة، وهو ما يؤهل الطفل إلى تكوين زاد ثقافي يخص المسرح، فتتشكل لديه ثقافة المسرح التي تجعله يعي الأدوار التي تقدم له من خلال الخشبة، فيكون واعيا للمضامين والأفكار التي تحملها، ومن ثم يشب على احترام المسرح، كقيمة أدبية وفكرية وثقافية وفنية، هذا عدا سينما الأطفال، وصحافة الطفل. وقد أطلق على القصص وألوان السرد عموما "عمدة أدب الأطفال" لاستحواذها على عقل وقلب الطفل، ومزاحمتها ألوان الأدب لديه" فما الذي يجده الطفل في القصة، فيشده إليها، ولا يجده في غيرها من الفنون، التي توارت خلفها، وهل القصص المقدمة للأطفال، تغني عن ألوان الأدب الأخرى، استفسارات عدة يطرحها الزميل إيهاب مباشر، على أكاديميين ومبدعين في مجال أدب الطفل، فيتكشف لدينا سر ارتباط الأبناء بالسرد، وما سيؤول إليه حال السرد، مع فنون الأدب الأخرى، من خلال تحقيق بعنوان "قصص الأطفال تفرض سطوتها على المشهد الأدبي" .. ويضم (أشرعة) مجموعة من المواضيع الثقافية والفنية الأخرى.

المحرر

 

 

أعلى




مع / ضد...

اختلاف

الاختلاف شَرٌ في ظاهره وخيرٌ في باطنه, وكيف يكون ذلك ؟ هو شرٌ ظاهري إذا اعتبرنا أن اختلافنا مع الآخر عداء وحقد وكراهية, وهو خيرٌ باطني لأن الاختلاف في الرأي من قبل هذا ومن قبل ذاك أو من قبل البقية يُعد ظاهرةً إيجابية من باب أن الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية, ولأنه أي الاختلاف ربما سيكون بوابة عبور لبلوغ أرض الاتفاق..

مع

بالنسبة لي لست مع الذي الذين يختلفون لمجرد الاختلاف فقط وكذلك لست مع الذين يتفقون لمجرد الاتفاق فقط, وتفسير ذلك سهلٌ يسير طالما كانت الأسباب واضحة فأن تختلف مع الآخر لمجرد وجود كراهيةٍ مسبقة سببٌ غير مقنعٍ البتة وغير مبنيٍ على حُجةٍ مقنعة, وأن تتفق مع الآخر لمجرد وجود مَعرفةٍ مسبقة أو لمصلحةٍ ما عذرٌ قبيح قد يقود إلى الابتعاد عن جادة الصواب والحقيقة.

ضد

ولو لم أكن معهم فأنا لست ضدهم, وليس بالضرورة أن أخوض صراعاً معهم لمجرد أن وجهة نظري تختلف عن وجهات نظرهم, ولو تجرأ الطرفان على خوض الصراع فليكن صراعاً لا ينتهي بانتصار أحدهم بل باتفاق حتى (تضع الحرب أوزارها) بعد انتهائه وميثاق سلام بين من اختلف معك وبين من اتفق مع رأيك.

حياد

إذاًَ فالأسلم والأفضل والأجدى أن نُمسك العصا من المنتصف بمعنى أن لا نكون مع هؤلاء ولا مع أولئك وأن لا نكون ضد هؤلاء ولا ضد أولئك, اتباعاً لسياسة الحياد التي تُكرس معنى الوسطية والاعتدال والنظر إلى الأمور باتزانٍ وعقلانية دون الانجراف العاطفي الذي قد يَجرُ صاحبه إلى اتخاذ قرارٍ جريء قد تغيب عنه نزعة الحياد الذي يجب أن يكون حاضراً لاستيعاب الموقف الحاصل قبل اتخاذ القرار بالبقاء مع جماعة (مع) أو بالانضمام لجماعة (الضد)..

يَعقُوب البُوسعيدي

أعلى





حول البرامج والبحوث العلمية والمرجعية التاريخية للبحث العلمي في الإرث العماني
سيف الهدابي: لم يعد البحث العلمي ممارسة ترفيه وإنما حاجة ماسة للدول التي تنشد التقدم والتنمية المستدامة
ما أنجزه العمانيون في أرضهم وخارجها يعطي دلالة واضحة بأن هذا الشعب لديه كل مقومات الريادة والتقدم
يركز مجلس البحث العلمي في هذه المرحلة على إزالة العقبات كما نحتاج إلى التعريف بأهمية البحث العلمي

حاوره ـ هاشم بن سيف الهاشمي:
تشكل البرامج والبحوث العلمية محورا رئيسيا وهاما من الرؤية الاستراتيجية الوطنية التي يطرحها مجلس البحث العلمي لتحقيق الأهداف المعرفية والاقتصادية والاجتماعية التي يتوخاها المجلس من خلال منظومة عمله الشاملة، كونها يندرج ضمن إطارها العديد من البرامج مثل برنامج المنح البحثية وبرنامج الكراسي البحثية وبرنامج تدريب الباحثين وبرنامج تنقل الباحثين وبرنامج تقييم الباحثين وغيرها من البرامج البحثية التي تسعى إلى مواءمة الاحتياجات الوطنية وأولوياتها في البحث العلمي.
الدكتور سيف بن عبدالله الهدابي، الأمين العام المساعد لشؤون البرامج والبحوث العلمية، بمجلس البحث العلمي، تحدث لـ (أشرعة) في هذا الحوار عن هذه البرامج موضحا محاورها وأهدافها ومرتكزاتها. كما يتطرق الدكتور سيف الهدابي إلى المرجعية التاريخية والحضارية للبحث العلمي في إرثنا الثقافي العماني، مبينا أن الإنسان العماني حقق نجاحات كبيرة في هذا المضمار، مشيرا في هذا الصدد إلى العديد من الشواهد والبراهين التاريخية.
كما كشف الدكتور سيف الهدابي خلال الحوار عن العديد من المشاريع والبرامج البحثية التي ينفذها مجلس البحث العلمي، إلى جانب خطط وبرامج أخرى قيد الدراسة والمناقشة يجدها القارئ في ثنايا الحوار التالي...

* يحتمل مفهوم البحث العلمي دلالات عدة، فما هي الرؤية التي يتبناها مجلس البحث العلمي لهذا المفهوم؟
** يتكون مصطلح البحث العلمي من جزأين هما "بحث" و"علمي"، فكلمة البحث بمفهومها هي محاولة التنقيب عن شيء، والعلمي هي صفة لطريقة البحث . وربما أفضل تعريف للبحث العلمي بأنه نشاط ذهني يقوم به شخص أو عدة أشخاص يسمى "الباحث" أو "الباحثون" من أجل إيجاد حل أو تحليل مشكلة معينة تسمى "موضوع البحث" باستخدام طريقة علمية مقننة تسمى "منهجية البحث" للوصول الى حل أو فهم لهذه المشكلة تسمى " نتائج البحث". ولكن ليس كل مشكلة تحتاج إلى بحث علمي، حيث تختلف قيمة المشكلة والحل المطلوب. والأمثلة على ذلك كثيرة، فعلى سبيل المثال يبحث أحدنا عن شيء فقده ثم يتبع طريقة معينة حتى يجده، ربما نجد أن التعريف السابق ينطبق على هذا الموضوع ولكن نظرا لطريقة البحث والمبدأ لا يعد بحثا علميا لأن قيمة ما أوجده يعد شيئا شخصيا وقد كان في الأصل موجوداً، حيث لا يضيف للعلم ولا للمجتمع شيئا في هذا الجانب. كما أن هناك الكثير من الدراسات والإستبيانات تندرج تحت هذا المجال لكن ليس بالضرورة أن نطلق عليها بحوثا علمية.

* يتبنى المجلس نشر ثقافة البحث العلمي... هل لكم أن تحدثونا عن محددات هذه الثقافة ومرتكزاتها وأهدافها؟
** تتمثل ثقافة البحث العلمي في التوعية بأهمية البحث العلمي وطرق القيام به بصورة صحيحة والاستفادة منه معرفيا واقتصاديا،وتسخيره لإيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية والعلمية والتقنية والفنية والصحية، كل هذا يندرج تحت مبدأ ثقافة البحث العلمي. ومن هنا يتعين إبراز دور البحث العلمي للمجتمع وآلياته لإيجاد حلول حتى ينتفع بها الإنسان والبيئة.

* التاريخ الحضاري للسلطنة مليء بالإنجازات والشواهد التي تؤكد على دور الإنسان العماني في البحث والمعرفة، وهو ما تنطق به الصروح التاريخية من أفلاج وحصون وقلاع وإسهامات اقتصادية وغيرها، إلا أننا ما زلنا نعرضها كتحف أثرية بعيدا عن تسليط الضوء على الجانب العلمي والمعماري والابتكاري فيها .. كيف يمكن أن نستفيد في توظيف هذا المنجز الحضاري في التأسيس لثقافة بحثية عميقة، تنطلق من ثوابتها وتتطلع إلى المستقبل؟
** يجب أن يكون البحث العلمي مكملا لما كان قبله وممهدا لما سيأتي بعده. وإذا نظرنا إلى حقيقة الإنسان وجدنا بأن تاريخه هو تاريخ بحثي منذ أن خلقه الله سبحانه وتعالى على وجه الأرض، حيث أمره الله تعالى أن ينظر إلى الكون، حيث لم يعطه مجموعة من التعليمات فقط. وقد قال الله تعالى في سورة الغاشية: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت) فهذا مبدأ الملاحظة، وهو يعد مبدءا بحثيا ومبدأ تفكر ومبدأ تعامل الإنسان مع البيئة. وقد ترسخ مفهوم البحث العلمي عند الأمم السابقة، وبه تطورت وقويت. وإذا جئنا إلى ما يسمى بالعصر القديم وجدنا الفراعنة قد نبغوا في علم التطبيق، حيث استطاعوا أن يزرعوا في مواسم معينة ويحصدوا في مواسم معينة، كما عرفوا علم المساحة وعلم الرياضيات وعلم البناء وعلم التحنيط وهذا لم يأت من فراغ. ثم جاء من بعدهم الإغريق والبابليون، حيث أخذوا هذه العلوم فظهر الفلاسفة، حيث كان الجانب النظري لديهم أكثر من الجانب التطبيقي، لأن الفلسفة ظهرت في ذلك الوقت أكثر من التطبيق، ولكن كان عنصر التطبيق موجودا ، ومثالا على ذلك الطب، فقد كان أبقراط يسمى "أبو الطب" وهذا يعد جانبا تطبيقيا.
ثم أتى بعد ذلك العرب والمسلمون الذين نقلوا هذا الإرث التاريخي وأضافوا إليه الجديد وجمعوا ما بين العلوم التطبيقية والعلوم النظرية. ولذلك نقلوا الكثير من الأفكار وطوروها فظهر علماء كبار منهم جابر ابن حيان وابن الهيثم والخوارزمي وابن سيناء وغيرهم. ثم أتى بعد ذلك علم العصور الوسطى في أوروبا ونقلت العلوم من عند العرب والمسلمين، حيث يقال لولا جابر ابن حيان والخوارزمي لما ظهر نيوتن وآينشتاين ولاضطروا أن يبدأوا من حيث بدأ الخوارزمي وابن حيان. وقد تدرج البحث العلمي تدرجا من القديم إلى الحاضر، فظهر العلم الحديث. وإذا تحدثنا عن مسيرة العلم منذ القرن السابع عشر إلى الوقت الراهن، سنجد أن البحث العلمي لم يعد ممارسة ترفيه، وإنما هو حاجة ماسة للدول التي تنشد التقدم والتنمية المستدامة في اقتصادها، حيث أصبحت الدول تتنافس على التقدم في البحوث العلمية. وإذا رجعنا إلى موضوع ما أسس في عمان من تاريخ وحضارة وأفلاج وقلاع وحصون، والتي تعد جزءا لا يتجزأ من التاريخ الذي بدأ في العالم السابق، سنجد أن العمانيين برعوا في علم البحار وعلم الفلك وعلم الزراعة وعلم الأفلاج. وهذا لا يمثل تراثا يترك هامشيا على الجانب وإنما وراءه علم وتجارب طويله.. ولو نظرنا إلى طريقة عمل الأفلاج، التي شقت في المناطق التي تعاني من جفاف وندرة في الأمطار، حيث كان من الصعب الزراعة فيها، وطريقة تقسيم الأفلاج من خلال استخدام الظل، وتقسيم ساعات ري المزروعات وكذلك طريقة بناء القلاع و الحصون ، بالإضافة إلى نتاج العمانيين الغزير في المجال الفقهي وفي الجانب الأدبي كذلك، الذي يعد إنتاجا علميا لا يمكن تجاهله. وحتى في بعض المقاييس الحديثة تقاس الأمم بانتاجها العلمي بعدد الكتب التي ألفت وعدد الموسوعات التي أنتجت. وبالتالي لو نظرنا إلى قياس ما أنتجه العمانيون من بحوث وكتب، لوجدنا إنتاجا علميا مبنيا على البحث وتقصي الحقائق وإضافة لما كان موجودا. إننا نملك رصيدا معرفيا هاما نستطيع أن نبني عليه ثقافة البحث العلمي، وكما قيل "من لا ماضي له لا حاضر له"، وقد ذهب بعض المفكرين بأن الأمم المؤهلة التي تتسابق في مجال البحث العلمي هي الأمم التي لها تاريخ، والتي تستطيع أن تنبش في ذلك التاريخ وتستنهض الهمم للمضي قدما في هذا العمل. فنحن لدينا تاريخ حافل وعميق في هذا المجال نستطيع أن نبني عليه ونضيف إليه، ولدينا علماء صنفوا في مختلف مجالات العلم ما يمكننا أن نتخذه كنقطة بداية وننطلق إلى المستقبل إن شاء الله تعالى.


* يرى بعض الباحثين أن العمانيين هم أول من أنشأ المنطقة الاقتصادية العالمية الحرة الأولى على يد التجار العمانيين في الصين، والتي مثلت نقطة التقاء بين الشرق الغرب .. ما الذي يمكن أن يمثله مثل هذا الدور التاريخي والاقتصادي الريادي لدى الوعي الثقافي العماني في النهوض المعرفي القائم على البحث العلمي؟
** كانت عمان أرض التواصل والتجارة، وكان العمانيون من بنوا السفن وكانوا من أعظم البحارة في العالم، حيث كانت التجارة تلعب دورا كبيرا لديهم، والتاريخ خير شاهد لما وصل العمانيون إليه من الأمصار والبلدان البعيدة، في سبيل التجارة وبغية التواصل والحوار مع الآخر، مستفيدين من موقعهم الاستراتيجي في هذا المجال، حيث أسسوا علاقات متينة بأفريقيا وبالهند وكذلك بالصين وقبلها بلاد الرافدين. وقد كانت التجارة عندهم مزدهرة وهذا النوع من التواصل أدى إلى نقل المعرفة، وليس فقط التجارة، فقد تعلم العمانيون من التبادل التجاري سواء أكان عن طريق السفر أو التجار الذين يفدون إلى عمان، مما أدى إثراء المعرفة وأسس ذلك النوع من المعرفة في عمان صورة فريدة من نوعها، لذلك نرى بأن التراث متأثر تأثرا كبيرا بالدول التي كانت تتاجر مع عمان، منها بعض الفنون التي تأثرت في هذا الجانب. وأعتقد بأن الذاكرة المعرفية والتجارية العمانية التي ورثت كل هذا العلم والرصيد الحضاري الهائل من التواصل مع الأمم، وما أنجزه العمانيون في أرضهم وخارجها، يعطي دلالالة واضحة بأن هذا الشعب لديه كل مقومات الريادة والتقدم في مجالات التنمية المستدامة والتحول الاقتصادي والمنافسة مع ذاته ومع الآخر.

* للعمانيين أيضا دور رائد في الملاحة والصناعات البحرية التي أهلتهم بأن يكونوا سادة البحار، وأن يمدوا جسور التواصل مع العالم الخارجي عبر المحيطات الكبرى للعام، ما هي الرسالة العلمية والصناعية والحضارية التي يمكن أن تستلهمونها من ذلك كمخططين استراتيجيين في البحث العلمي؟
** كان العمانيون مبتكرين، والأمثلة على ذلك كثيرة حيث طوروا وصنعوا السفن، كما طوروا نظم الملاحة وأرشدوا بعض الجهات والدول في كيفية الإبحار وربما أوصلوا الاوروبيين إلى الهند، كما أوصلوهم إلى عدة مناطق من العالم، وجاء ذلك بناء على العلم الذي اكتسبه العمانيون في هذا المضمار، فكان هذا في الماضي الذي يمكن أن يبنى ويؤسس عليه في الحاضر.. وهنا يأتي دور البحث ليس فقط بأن نقول فعلنا كذا وفعلنا كذا، ولكن ما الجديد الذي يمكن أن نضيفه، سواء كان في جوانب الملاحة البحرية، أو في الفلك أو الزراعة، وكذلك في المعمار وغيره، فهناك الكثير الذي يمكن إضافته باستخدام البحث العلمي.
ولذلك يأتي دور مجلس البحث العلمي في تنشيط ثقافة البحث العلمي، وتحفيز الباحثين ودعمهم بمختلف السبل لإيجاد حلول للمشكلات القائمة، عن طريق استخدام البحث العلمي، وأيضا لزيادة المعرفة على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي. فآباؤنا وأجدادنا كافحوا لإيجاد حلول للمشاكل التي كانت تواجههم في ذلك الوقت. وقد تطورت الأمور الآن إلى الأفضل تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، وصارت هناك منهجية للبحث العلمي، كما أصبحت هناك مراكز للبحث العلمي، وأيضا هناك جامعات ومختبرات يقام فيها البحث العلمي. إذن نحن نحتاج إلى تجميع الهمم وتوحيد الصف في اتجاه هذا الهدف، وإضافة ما يستطيع أن يضيفه الباحث العماني في هذا المجال، والاستفادة أيضا من الخبرات الخارجية والداخلية المتوفرة، حيث أصبح العلم في متناول الجميع من خلال لمسة زر لمعرفة ما يستجد في أي من المواضيع المختلفة.


* من المسلم به أن مسيرة البحث العلمي ستواجه الكثير من العقبات والتحديات الشائكة.. ما هي أهم هذه العقبات؟ وكيف خطط المجلس لتجاوزها عمليا وعلميا؟
** حقيقة الأمر بأنه لا يوجد شيء بدون عقبات، وإذا كان الأمر بمستوى البحث العلمي فنتوقع أن العقبات ستكون على قدر الموضوع. وهذه العقبات ليست حكرية على منطقة معينة أو دولة معينة وإنما هي غالبا عالمية في كل مكان. ومجلس البحث العلمي يركز في هذه المرحلة على إزالة العقبات التي تعترض البحث العلمي، وهي كثيرة منها قلة عدد الباحثين، وقلة التمويل، وقلة الأجهزة والمختبرات العلمية المتخصصة في البحث العلمي، وأيضا قلة الكوادر التي ستقود الباحثين، وكذلك قلة البرامج للدراسات العليا مثل الماجستير والدكتوراه والتي هي غالبا عماد البحث العلمي، وكذلك طلاب الدراسات العليا من الماجستير والدكتوراه وهم الباحثون وغالبا يكون دور المشرف عليهم توجيهيا فقط، فهم الذين يوجدون الحقائق والإضافات الجديدة إلى العلم. فهناك حاجة إلى إزالة هذه العقبات، كما نحتاج إلى التعريف بأهمية البحث العلمي..


* وقع مجلس البحث العلمي مؤخرا على 17 اتفاقية بحثية في قطاعات مختلفة.. وددنا منكم إلقاء الضوء على هذا الجانب؟ وما هو نصيب الثقافة فيه؟
** الاتفاقيات البحثية جاءت نتيجة لتفعيل برنامج المنح البحثية المفتوحة، الذي يعد أحد البرامج البحثية التي يهدف مجلس البحث العلمي من خلاله لزيادة عدد الباحثين وتشجيعهم عن طريق تمويلهم مقترحاتهم البحثية الجيدة، وكذلك لتوجيه الدعوة إلى الجامعات والمؤسسات البحثية بأن مجلس البحث العلمي أسس ليدعم الباحثين ويزيل عقبات التمويل ، حيث تم من خلال البرنامج طلب المقترحات البحثية من الجامعات والمؤسسات البحثية، التي لمسنا منها تجاوبا كبيرا، وأيضا من الباحثين الذين تقدموا بطلباتهم عن طريق استخدام النظام الالكتروني للمجلس، حيث استقبلنا عددا كبيرا من الأبحاث وقد تم عرض هذه الابحاث للتقييم داخليا وخارجيا حتى نميز الجيد منها قبل التمويل واستخلصنا منها 17 بحثا تمثل الأجود من البحوث المقدمة ، وقد وافق المجلس على تمويل هذه البحوث والتي تنطوي على البحث عن حلول أو تحليل لمشكلة معينة اقترحها الباحث، وغالبا ما تكون لها علاقة بالسلطنة سواء كانت مشاكل اجتماعية أو صحية أو ثقافية أو علمية أو هندسية أو صناعية. وتنضوي أيضا تحت هذه المنح البحثية رؤية هامة تتمثل في دعم طلاب الماجستير والدكتوراه، فهنا يأتي دور هذه البحوث في مساندة طلاب الدكتوراه والماجستير للعمل كباحثين مساعدين ضمن فريق العمل في تنفيذ هذه البحوث، الأمر الذي يؤهلهم لنيل شهادات الماجستير والدكتوراه بهدف زيادة السعة البحثية في السلطنة، إذ أن أحد أهدافنا يتمثل في زيادة عدد الباحثين في السلطنة من خلال تشجيع البحث العلمي والدراسات العليا في الجامعات. لدينا 6 قطاعات بحثية، ومن هذه القطاعات قطاع الثقافة والبحوث الأساسية، وأيضا قطاع التعليم والموارد البشرية، فكل هذه تدخل تحت العلوم الإنسانية سواء أكانت أدبية أو جغرافية أو تاريخية. وقد حصلنا على مقترحات في هذا الجانب وتم تمويل عدد لا بأس به من البحوث تحت قطاع الثقافة والعلوم الإنسانية وقطاع التعليم والموارد البشرية. وأيضا لدينا 4 قطاعات أخري وهي قطاع الصحة وخدمة المجتمع، وقطاع الصناعة والطاقة، وقطاع تقنية المعلومات والاتصالات، وقطاع الموارد الحيوية والبيئية .
وهذا البرنامج متواصل ويستقبل المقترحات البحثية عن طريق النظام الالكتروني للمجلس من خلال تقديم طلبات المنح البحثية للمجلس، وبعد كل مرحلة من التقييم يتم الإعلان عن البحوث التي من الممكن دعمها ماليا.


* لو تحدثنا عن البرامج البحثية التي تندرج ضمن اختصاصك في المجلس؟
** ذكرت سابقا عن برنامج المنح البحثية المفتوحة والهدف منه هو تشجيع الباحثين الذين كتبوا مقترحات تتضمن إضافة للعلم والمعرفة في أي مجال كان. كما أن لدينا برنامجا آخر وهو برنامج المنح الاستراتيجية أو الموجهة، ويعنى هذا البرنامج بالمشاكل البحثية على المستوى الوطني، وعلى سبيل المثال لا الحصر مشكلة حوادث المرور. إذ تعد حوادث المرور مشكلة وطنية، وبالتالي أدرج مجلس البحث العلمي هذه المشكلة ضمن البحوث الاستراتيجية، الأمر الذي يقتضي تخصيص برنامج لتحليل الظاهرة ثم إيجاد حلول للحد من الحوادث المرورية باستخدام البحث العلمي، من خلال فهم أسباب الحوادث المرورية. وتتطلب هذه النوعية من البحوث بأن تديرها لجان من مختلف الجهات المعنية. وقد تم تشكيل لجنة في برنامج الحوادث المرورية تهدف إلى استقطاب ودعم بحوث تخدم هذه المشكلة.
ويهدف مجلس البحث العلمي من خلال هذه البرامج لإجراء دراسات وبحوث بالطريقة العلمية المنظمة لمساندة متخذي القرار لإيجاد الحلول للتقليل أو الحد من حوادث المرور. وأيضا لدينا برنامج تجريبي آخر في هذا الجانب وهو برنامج حشرة دوباس النخيل، حيث تم إدراجه ضمن البحوث الاستراتيجية أو الموجهة، ويهدف إلى طلب مقترحات بحثية متخصصة لتمويل هذا المجال، من أجل معرفة المشاكل التي تسببها هذه الحشرة.
وأيضا لدينا برنامج الكراسي البحثية، وهو برنامج يعنى بإقامة المراكز البحثية داخل الجامعات أو المؤسسات البحثية بالسلطنة، والهدف منه تنشيط البحث العلمي في المؤسسات الموجودة داخل السلطنة في تخصصات معينة، أو إعطاء طابع متميز لكل جامعة أو مؤسسة بحثية تقدم خدماتها في ذلك الجانب. ومثالا على ذلك جامعة السلطان قابوس فقد تقدمت بمقترح بأن تكون متميزة في مجال تحلية المياه عن طريق استخدام تقنية النانو تكنولوجي، من خلال إنشاء مركز ومختبرات في هذا الجانب، إلى جانب تخصيص برامج ماجستير ودكتوراه.
ولدينا أيضا برنامج التطوير البحثي وهو برنامج موجه للباحثين العمانيين للارتقاء بهم لكي يكونوا باحثين على المستوى العالمي وليس على المستوى المحلي فقط، والهدف من هذا البرنامج تقديم الدعم لكل باحث عماني بناء على عطائه في مجال البحث العلمي من خلال الإصدارات والسيرة الذاتية له، بهدف أن يكون باحثا على المستوى العالمي، حيث يقدم له الدعم المالي في كل مرحلة من هذه المراحل، ثم يتم تقييمه بعد كل فترة من الزمن. وهذا البرنامج في حقيقة الأمر لم يفعّل بعد ولكنه في طريقه إلى التفعيل.
وأيضا لدينا مقترح المسابقة الوطنية لتصميم البيوت الصديقة للبيئة، لطلاب وطالبات الجامعات في سلطنة عمان، التي تهدف إلى تعزيز ثقافة التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة وربطها بثقافة البحث العلمي والابتكار في مجالات تصميم المباني وإدارة البيئة والمياه والطاقات المتجددة. وتأتي فكرة هذه المسابقة مكملة للجهود الوطنية من أجل المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة من خلال التركيز على نشر الوعي وبناء القدرات المحلية بشكل تنافسي في تصاميم المباني "الخضراء" وترجمة هذه التصاميم إلى واقع ملموس.



أعلى






يحيا على جناح غيمة..
نصير شمة لـ(أشرعة): أحلام اليقظة جعلتني أحيا خارج القضبان
*هناك تطابق في البناء الدرامي بين قصيدة السياب وقطعتي الموسيقية
*يجب أن ينبت للمبدع جناحان حتى يعرف كيف يعيش الحرية
* اكتمل مشروعي وأنا في الخامسة من العمر

حاورته: هاجر محمد بوغانمي:
الموسيقى واجهته التي يطل من خلالها على الحياة، وعالمه الذي لا يفارقه قيد أنملة، وأناه التي تشبهه إلى حد لا انفصام يخذل الأناتين .. هي الحرية التي يحلق عبرها في كل الأنفس والأرواح الصافية.. "أينما أكُن يكن معي هذا الإنسان الذي يمتلك الحساسية والذائقة الموسيقية والصفاء الداخلي" ولذلك حرص طيلة مشواره الفني على أن يكون العود أداة للفكر، وأسلوبا لتمثيل الحالات النفسية والطبيعية وتحويل الرموز إلى صور نابضة بالحياة..
في "حالة وجد" و"رحيل القمر" و"وقفة على ضريح جواد سليم" و"ضوء الروح" و"للروح حديث" ينكشف الضوء، وتتبدد صور العقل الخارقة، ويتهاوى الجسد في حضرة الروح.. لا شيء يمكن وصفه إلا ما كان جليا: عيون المها، خرير الماء.. رقصة الفرس، قصر أندلس.. تجربة نصير شمة لعبة ضد الريح، أو.. رقصة من رقصات زوربا اليوناني .. عازف لا يهدأ .. التقيناه قبيل حفل ختام حلقة العمل المشتركة بين جمعية هواة العود وبيت العود العربي فكان هذا الحوار:


*كيف وجدت مستوى المنتسبين لجمعية هواة العود بعد سنتين من التأسيس؟
**المستويات متفاوتة وأنا حريص على أن تفتح الجمعية أبوابها للأطفال لأنه طالما كان الطفل بعيدا عن هذا المناخ فإن المستقبل غير مضمون للآلة ولثقافتنا، وهذا ما عملنا على تحقيقه في بيوت العود.. لدي أطفال في سن الـ14 عاما يدْرسون ويدرّسون في بيت العود، ويعطون طاقة ووقتا أهم بكثير من الأساتذة الأكبر سنا، والمتزوجين، والذين لديهم مشاكل.. كل هذا ليس موجودا مع الأطفال، فأعتقد أن جمعية هواة العود لابد أن تفتح أبوابها، وتذهب الى المدارس وترغّب الأطفال في آلة العود، لأننا لو قطفنا من كل مدرسة طفلا أو اثنين أو ثلاثة يحبون تعلم العزف على هذه الآلة فسنربح أعدادا كبيرة جدا من المواهب..


* صرحت في إحدى لقاءاتك الصحفية بأن الاهتمام بالشعر والموسيقى والثقافة عموما إذا لم يبدأ مبكرا لا يمكن أن يكون لهذه المجالات شأن كبير في تفاصيل الحياة.. هل معنى كلامك أن إمكانية صناعة مبدع تتضاءل كلما ابتعدنا عن مرحلة الطفولة؟
** لما بدأت وأنا في عمر 12 سنة لم تفتني أي مسرحية، إلى جانب أنني مثلت وأنا في المرحلة الثانوية شخصية من شخصيات "هاملت"، وقمت بدور في مسرحية "أوديب بثوب جديد"، واشتغلت بعد ذلك على الموسيقى التصويرية للمسرح .. منذ عمر 12 سنة وأنا أحضر بروفات لأنني أريد أن أفهم "الطبخة" قبل أن تتحول إلى مسرحية، ولأنني كنت موهوبا ومعروفا لدى المشتغلين في مجال المسرح، فقد كانوا يسمحون لي بالحضور في البروفات، وفي بعض الأحيان يسمحون لي بحضور قراءة النص لأن النص عادة يكون مكتوبا بشكل أصم، ولما يقرأ تتقافز الشخصيات أمام عيني فتبدأ مخيلتي تتحرك في بناء كل شخصية، وينمو عندي الخيال، ولذلك أصبحت لدي اليوم القدرة على أن أخرج مسرحية جادة لأنني من كثرة ما حضرت بروفات ومن كثرة ما كتبت موسيقى تصويرية، أستطيع أن أخرج مسرحية لكني لن أدخل هذا المجال لأنه ليس مجالي، إذن الحب والفهم هما اللذان جعلاني متأكدا من أنني أستطيع بلورة عناصر شخصيات مسرحية على المسرح، وفي الفن التشكيلي لم يكن يفوتني معرض لذلك تكاد علاقاتي بالتشكيليين والشعراء تكون أكثر من علاقاتي بالموسقيين لأنني في غالب الأحيان لا أنسجم مع الموسيقيين فكريا.. أعتقد أن كل قطعي لها علاقة بمناخاتي الثقافية وتأثير المناخ الثقافي من حولي.


*كيف تصف علاقتك بالكلمة؟
**أنا نصفي شاعر ولو لم أكن موسيقيا لكنت شاعرا، والشعر بالنسبة إلي أجمل مناخ للتنفس، وأجمل مناخ لتنمية خيالي ومخيلتي، وأجمل مصدر للأفكار وتحديدا قصيدة النثر تستهويني اليوم أكثر من أي شيء آخر.


*هذا ما يفسر اهتمامك في بداية تجربتك ببدر شاكر السياب؟
**بدر كان محتاجا إلى أدوات ثقافية حقيقية لولوج عالمه، لأنه عالم لا يمكن قراءته بسطحية .. قصيدة السياب كانت ألغازا بالنسبة إلي في البداية خاصة حين يقول:
الريح تلهث بالهجيرة، كالجُثام على الأصيل وعلى القُلوع تظل تُطوى أو تنشر للرحيـل
ويبدأ القارئ في طرح تساؤلاته: ما الهجيرة؟ ما الجثام؟ ما القلوع؟ وعندما يبدأ السؤال، يكون الدخول في هذا القاموس الثقافي المتنوع الذي يمتلكه السياب، ويكتشف القارئ أنه رغم انفتاح السياب على الثقافة الغربية وعلى الأدب الأنجليزي وتأثيره عليه فإن للسياب قاموسه العربي المتنوع والكبير.


* حولت نص السياب إلى نص موسيقي ثم دخلت إلى النص الغنائي؟
** هذا ما قمت به في الثمانينيات من القرن الماضي، وقدمت تجارب في اتحاد الأدباء في العراق مع الفنان عزيز خيوم ومع الفنان جواد الشاكرجي ومع فنانين كبار من العراق.. لكن وأنت تسألينني، قفزت إلى ذهني صورة جميلة جدا كنت اشتغلت عليها ولا أعرف كيف أتيت بها، الآن بدر إلى ذهني أن هذه الصورة قد تكون مقتبسة من نص السياب .. فالشكل الذي ابتنى عليه السياب قصائده، بنيت عليه قطعتي الموسيقية، وشكلت لها رأسا وصدرا وجذعا وسيقانا، وجعلت القطعة تمشي بطريقة غير مسبوقة، فكل قطعة من قطعي فيها افتتاحية وفيها ذروة وفيها سكون وفيها كل ما في قصيدة السياب، بمعنى أن هناك تطابقا في البناء الدرامي بين قصيدة السياب وقطعتي الموسيقية.


* الجواهري، أمل دنقل، أدونيس، محمود درويش.. شعراء حملوا قضية، وحلموا بشيء ما اسمه "الحرية"، كل حسب أسلوبه، وكل حسب رؤيته الفكرية والفنية والفلسفية..إلخ ، هل كان نصير شمه يبحث عن منفذ للحرية من خلال اشتغاله على نصوص هؤلاء الشعراء؟
**هاجس الحرية يبدأ قبل هاجس الغربة .. الغربة تبدأ في البيت ثم في الحي ثم في المدينة ثم في الوطن ثم في الوجود الإنساني .. عندي قطعة قدمتها بإذاعة تونس سميتها "غربة 1" و"غربة 2" و"غربة 3"، طبعا هذه القطعة تترجم كيف تبدأ الغربة في البيت وفي المجتمع إلى أن تتحول إلى غربة مزمنة .. هذه الغربة تزج بالشخص للبحث عن مناخات حرية حتى أقصى من الحرية بالتعبير العادي والتي تعني العلاقة بالشعوب والخلاص من ديكتاتوريات أو من احتلال.. هناك حريات أكبر من هذا .. الحرية التي تبدأ في الفكر وفي القلب والتي لا تمس بالآخرين ولا تجرحهم في النظر ولا في السمع، بمعنى ألا تكون تعديا على الآخرين، بل تكون حرية فكرية عميقة تقود الناس الى مذهب ابداعي جديد أو تخلق لديهم رغبة في الحياة من جديد أو تريهم وهم في زنزانة معنى الحياة خارج الزنزانة، وهذا ماحصل معي في السجن .. فترة السجن كانت 170 يوما في بغداد في عام 1989م، ولولا أحلام اليقظة لمت وانتهيت، لأن السجن كان سجن إعدامات، وكانوا يأخذون من عندنا يوميا عشرة ومن يظهر اسمه في القائمة يُعدم، فكانت حربا نفسية يومية عنيفة جدا لا يمكن أن يتحملها قلب أسد، أو يتخيلها عقل، لكن أحلام اليقظة جعلتني أحيا خارج القضبان، وكنت أشعر أنني على جناح غيمة طوال الوقت لذلك أنا دائما أقول: يجب أن تنبت للمبدع جناحان حتى يعرف كيف يعيش الحرية قبل أن يقنع الآخرين بها!!!


* يحسب لنصير شمة أمران إثنان: الأول تطويرك لآلة العود إذ أضفت وترين إلى وتر زرياب وحققت حلم الفارابي، والأمر الثاني ابتكارك لتقنية العزف بيد واحدة وهي تقنية صعبة جدا.. بماذا ترد؟
** لا أعتقد أن هذا الذي يجب أن يحسب لنصير شمة.. الذي يجب أن يحسب لي هو أنني أدخلت على العود الفكر، وتحولت الجمل الخارجة من العود إلى عدسة كاميرا، وأصبحت تنقل فكرا عميقا وتحرض على أفكار أنا مؤمن بها فحمّلت الموسيقى العربية ما لم تكن تحتمله من قبل.


*أنت حمّلت العود ما لم يحتمله من قبل؟!
**هذه كلها أفكار اشتغلت عليها من قبل كموسيقي وكباحث موسيقي، مخطوط الفارابي، ومساعدة مبتوري اليد في العزف بيد واحدة.. لكن ليست هذه الأفكار هي الأفكار المهمة برأيي، بل المهم أنني ألزمت الناس بأن يجلسوا ساعتين وساعتين نصف وثلاث ساعات في حلب وفي تونس وفي مصر وفي المغرب وفي عدد من دول العالم كي يسمعوا العود ويطالبون بالمزيد .. كم من الصور والأفكار والمواضيع التي تتطابق بين شرحي لمضمون القطعة وبين القطعة نفسها، وإلى أي مدى تصبح القطعة فيها ملامح من القصة القصيرة وفيها ملامح من فيلم قصير.. معنى هذا أنني لما قدمت قطعة العامرية، الجميع قال لي: عندما شاهدناها لم نتأثر مثلما تأثرنا بالقطعة الموسيقية، فهذا هو الذي يحسب لعود نصير شمه إذا كان هناك شيء يقاس عليه في المستقبل، لأننا حملنا العود فكرا جديدا وتكنيكا جديدا وفي الحقيقة أنا لم أطور العود بل طورت نفسي على أن أفكر في هذه الأداة الموسيقية الساحرة بطريقة مختلفة عن الآخرين.


*شبهت الفنان العراقي الكبير منير البشير بأنه أقرب الى المعمار البغدادي العباسي، ووصفت رياض السنباطي بأنه أقرب إلى معمار وأرابيسك مصر.. أين يلتقي المعمار والعزف في تجربة نصير شمه مع العود؟
**أنا مؤمن بأن العازف ابن بيئته وابن مناخه، ولما كنت أحضر لحفلات المرحوم منير البشير في بغداد ونحن طلاب في المسرح الوطني، كنت أتخيل كل الزمن المليء بالمعمار العباسي، وفورا وهو في قلب المسرح أذهب إلى القصر العباسي الذي هو على نهر دجلة.. هذا الأمر لا أدري لماذا يأخذني إلى هذا الاتجاه؟ لماذا ينقلني إلى المعمار العباسي البغدادي القديم؟ ولما بدأت أدرس عالم منير البشير كما درست كل العازفين الآخرين ـ وهذه مرحلة مهمة جدا في حياة العازف حتى يتعلم كيف يبدأ مشروعه، عكفت فترة على دراسة أساليب الأساتذة كلهم المرحومين الأخوين جميل ومنير البشير، وأستاذنا جميعا محيي الدين حيدر، والأستاذ سلمان شكر وصولا إلى المدارس الأخرى ـ لما بدأت أدرس منير البشير وجدت أن هذا الرجل يبني في مخيلة المتلقي معمارا يبدأ بالأساس ويأخذ وقتا طويلا جدا، لذلك هناك فئة من الناس ليس لديها القدرة على أن تواكب أي شيء، فيأخذها النعاس وتنام أو تغادر الصالة، لكن الذي لديه ذائقة موسيقية يبدأ بالدخول في المناخات الثقافية والمعمارية التي يشتغل عليها منير البشير، فالأرضية التي يبنيها منير البشير هي أرضية مثلما يبدأ المهندس بدراسة التربة وبعد ذلك يبدأ برفع الأساسات ويبدأ بالأقواس والتردد الصوتي في الأقواس .. هذه النظرية لم يتداولها أحد من قبل، لكن لما عشت في مصر الفاطمية وجدت وأنا أستمع إلى السنباطي أنه يأخذني إلى حي الحسين، ويأخذني إلى شارع المعز، وبطريقة غير مقصودة يأخذني إلى جوهر هذه المناطق.. إلى البناء الجميل.. إلى الزخارف المتكررة في المعمار الفاطمي بمصر، والزخارف الموجودة في أرابيسك.. تلك الوحدة المتكررة التي يجعلها السنباطي تتفاعل وتتحول إلى عمل إبداعي منسجم لا يمكن أن ترفعي منه جملة موسيقية واحدة أو أن تضيفي إليه جملة موسيقية، فالفنان ابن بيئته..


*تعلم طلابك كيف يحلمون قبل أن تعلمهم كيف يعزفون ، هل نحن فعلا بحاجة لتلعم أبجديات الحلم؟!
**أصعب شيء يواجهني أن يأتيني شاب ليس لديه حلم!!
لما كنت طفلا في الخامسة من العمر اكتمل مشروعي، واكتشفت بعد ذلك أن كل مستقبلي وكل ما أقوم به خلال هذه السنوات هو تتبع ذلك الحلم ، وأعتقد أن الإنسان لديه قدرة على أن يذهب إلى المستقبل وهو جالس في مكانه لأن اللحظة التي نعيشها أساسا هي لحظة المستقبل.. والإنسان الذي لا يحلم هو في نظري جماد، ولذلك أقول للطالب اسأل نفسك أين أنت ذاهب؟ عندما تغمض عينيك وأنت صاح ترى نفسك في أمكنة متنوعة، وتشاهد أناسا كثيرين يصفقون لك، وترى أضواء من حولك.. إلى أن أورطه في الحلم وعندما يمتلك هذه الأدوات يبدأ باكتشاف ذاته.

أعلى




اللغة... وعاء الهُوية والثقافة (1ـ2)

زادت عناية العرب بلغتهم بعد قيام دولتهم المترامية الأطراف إذ أحسوا بتفوّقهم على الأمم الأخرى نتيجة الفتوحات فعُنوا بجميع مظاهر هذا التفوق

التفكير في اللغة العربية لا ينصرف إلى بيان اتصالها ببناء حضارة الأمة وامتداد تأثيرها في محيطها، وإنما إلى بيان صلتها ببناء مشروع نهضوي في المستقبل لا يمكن بناؤه بلسان الآخرين


يحكي التاريخ بكل تجلياته وبحضوره الزماني والمكاني، أن اللغة من أبرز ما تبنى به الأمم وأنها تعد أبرز ركن من أركان البناء الحضاري، فلكلِّ أمّة لغتها التي تعبرعن مكنونها الثقافي وجوهر حياتها.
وقد شهد الماضي بذلك، والحاضر يتجلّى في أن اللغة هي الحِمَى الذي يحرص أبناؤه ألاّ يضام وأن يبقى عصيًا أمام التغيّرات التي تهدف محوه؛ لأن محوه يعني إنهاءهم وإنهاء انتمائهم الثقافي والروحي.
ولقد بات مسلمًا أن اللغة عنصر جوهري من عناصر تشكيل هوية الإنسان، وأن النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا مجردًا من العلامات الدالة منفصلا عن هوية قائليه سيبقى نظرًا قاصرًا ينقصه الكثير، كما أن الهوية لاتكتمل صورتها ولا تتم إلا باللغة.
مفهوم القومية

إن أول ما يمكن الحديث عنه في أمر اللغة هو الأمة التي تتحدث بهذه اللغة أو تلك، وهو ما نعني به تشكيل القومية، فالقومية هي تكتل يرتبط بمنطقة جغرافية واحدة ووطن تاريخي واحد، ووجود ذاكرة تاريخية مشتركة تربط أبناء ذلك الوطن، ومنظومة حقوق وواجبات مشتركة لأعضاء هذه القومية، وقيام اقتصاد مشترك.
إن أغلب الأمم تتشكل قوميتها من هذه العناصر، وهي التي تنظم فكرها، وتميزها عن الآخرين، وفي تقديري أن الأمة العربية من بين أبرز الأمم التي احتفظت بذاكرة تاريخية لم تندثر رغم عوادي الأيام، فقد زالت حضارات واندثرت ممالك، وانمحت لغات، ولم يكتب لبعض هذه الحضارات واللغات بقاء واستمرار أو امتداد، لكن اللغة العربية باقية ببقاء الحياة؛ لأنها تمتلك قيم البقاء وقيم الخلود والاستمرار.

العرب والعربية قديمًا

ارتقت العربية في أواخر العصر الجاهلي رقيًا كبيرًا، وتتطورت لهجاتها التي تتكلم بها القبائل المختلفة، ونشأت لهجة أدبية راقية تأخذ من هذه اللهجات جميعها، وينظم بها الشعراء ويخطب بها الخطباء، لتشيع آثارهم الفنية ويكتب لها الخلود.
وحين انتشرت هذه اللهجة الأدبية اعتبرت اللغة الفصحى، وبقيّة اللهجات غير فصيحة وتتفاوت في الرداءة بمقدار قربها أو بعدها من هذه اللهجة الأدبية. قال أبو نصر الفارابي في أول كتابه المسمى بالألفاظ والحروف:
"كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا، وأبينها عما في النفس. والذين نقلت عنهم اللغة العربية وبهم اقتُدي، وعنهم أُخِذ اللسان العربي من بين قبائل العرب، هم قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء أكثر ماأخذ عنهم ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف؛ ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم".
لقد اتخذ العرب العربية سلاحًا بتارا لأعدائهم في سبيل الدفاع عن أمجادهم ومفاخرهم، وقد اعترف القرآن الكريم لهم بتلك المقدرة اللغوية قال تعالى: (ماضربوه لك إلاَّ جدلا بل هم قوم خصمون) "الزخرف/ 58" وقال تعالى: (فإنما يسرّناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قومًا لدا) "مريم /97".
وقد هيّأ العرب الأسِباب لأبنائهم كي تتيسر لهم السيطرة على اللغة والامتياز فيها، فقد كانوا يبعثون بأبنائهم إلى البادية موطن الفصاحة ليتعلموا الفصاحة من مواطنها، وقد كانوا أيضا يدفعون صبيتهم إلى أدبائهم وشعرائهم ليعيشوا معهم وينشئوا على تفوقهم اللغوي.
واستمرت عناية العرب بلغتهم بعد ظهور الإسلام، وقيام دولتهم المترامية الأطراف، بل زادت زيادة كبيرة إذ أحسوا بتفوّقهم على الأمم الأجنبية نتيجة الفتوحات، فعُنوا بجميع مظاهر هذا التفوق، وميّزوا كل مايتّصل بهم عمّا يتصل بهذه الأمم.
ومن أجل إحساسهم بأن لغتهم العربية تمثِّل كرامتهم وعزتهم ومجدهم الذي يجب ألا يُضام، سعوا إلى تنقية لغتهم من شائبة اللحن، وإقامة القواعد لفصاحتها وإعرابها وتصاريفها. فإنه إن كان لكل أمة ميزة يتميّزون بها فميزة العرب في لغتهم. يقول الجاحظ: "فأماَّ سكان الصين فهم أصحاب السبك والصياغة.. واليونانيون يعرفون العلل.. وكذلك العرب لم يكونوا تجارًا، ولا صناعا، ولا أطبّاء، ولا حسابا.. فحين وجهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة، وتصاريف الكلام.. بلغوا في ذلك الغاية" ونظرة واحدة في كتاب البيان والتبيين ترينا مدى فخر العرب بلغتهم.
وحين اتسعت رقعة الدولة الإسلامية العربية واتصل العرب بغيرهم من الشعوب الأخرى، وقد هدد هذا الاتصال اللغة العربية ففشا اللحن؛ بسبب نشوء لغة تفاهم استعانت بأبسط وسائل التعبير اللغوي، فبسطت المحصول الصوتي، وصوغ القوالب اللغوية، ونظام تركيب الجملة، ومحيط المفردات، وتنازلت عن الإعراب، ويمكن تقسيم اللحن إلى ثلاثة أنواع: لحن في مخارج الحروف، ولحن في تركيب الجمل، ولحن في الإعراب.
وظهر في العصر الأموي أن سعى كثير من الخلفاء والوجهاء إلى إرسال أبنائهم إلى البادية ليتعلموا الفصاحة، وينهلوا من غريب اللغة، حتى يكون لهم سدًا منيعًا من أن يتسرّب اللحن إلى ألسنتهم، وحرصوا على حفظ أشعار رؤبة والعجاج وغيره من الشعراء ممن يمثل شعرهم الفصاحة، وحدث مثل ذلك في العصر العباسي ، فقد كان الخلفاء يدفعون بأبنائهم إلى مؤدبين يعلمونهم الفصاحة ويلقنونهم فنون العربية، كما حدث مع ابني الرشيد الأمين والمأمون، وكان الخلفاء في العصر العباسي الأول يحرصون على أن يتولّى المناصب في الدولة من يتقن العربية.
تلك جهود حاولت محاصرة اللحن من أن يتسرب إلى الخاصة والعامة، وقد استمرّت هذه الجهود بتأليف العديد من المصنفات التي بدأها الكسائي (ت 189هـ) بتأليف كتاب لحن العامة، ومازالت جهود مثلها ظهرت في أقلام عدد من كتاب العصر الحديث، وماقام به مجمع اللغة العربية بالقاهرة يعد جزءًا من جهود بذلها الغيورون من أبناء اللغة العربية.
اللغة وإبراز الهُوية
اللغة أهم أدوات العملية الاجتماعية وأدوات صناعة الإنسان، فاللغة هي الواسطة التي تجعل من الأمة (مجتمعا متخيّلا)، وتربط الفرد في وقت وحيِّز اجتماعي معين مع أبناء أمته ممن لم يرهم أو يقابلهم.
وقد كانت اللغة منذ فجر التاريخ مقياسًا لتمييز الأمم لأنفسها عن الآخرين؛ فقد قام اليونان بتمييز أنفسهم عن البربر لأن البربر لا يتحدثون اليونانية، وقام اليهود في الأندلس باستخدام العبرية لتسجيل أمور دينهم في حين قام الأطباء اليهود في بولندا باستخدام مصطلحات طبية عبرية بدل اللاتينية التي كان يستخدمها الأطباء المسيحيون، مما قد يعد نوعا من التميّز الإثني.
إن من يتعلم اللغة يكتسبها يتشرب معها مضامين اجتماعية كثيرة مثل القيم والميول والعواطف وغيرها.
واللغة هي ظاهرة اجتماعية في حدّ ذاتها، وهي الوعاء الحاوي للثقافة ووسيلة التفكير الذي به تتحدد رؤية العالم ونواميسه، ومعرفتها تعد ركيزة أساسية لتحصين الهوية والماهية (الذات والشخصية)، وإن قوتها في أمة ما تعني استمرارية هذه الأمة بأخذ مكانها بين الأمم لأن غلبة اللغة بغلبة أهلها، ومنزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم.
واللغة ليست وسيلة للتواصل حسب، إنها مع التواصل يتحقق بها بُعد (التّمثُّل) ونعني به تمثل الكون لأنفسنا في عقولنا بحيث نستطيع تصنيف وتمييز الأشياء بما توفره لنا لغتنا.
وهنا بإمكاننا القول بأن اللغة هي أداة تفاهم ووسيلة تواصل وتمثُّل واختزان وتفكير.
إن التمكن من اللغة شرط للتمكن من المعرفة والعلم؛ فكلما كانت لغة الفرد أكثر عمقا وغنى كانت قدرته على التفكير والفهم والتعبير أكثر وضوحا وأشد أثرًا، وهذا يعرفه كل واحد منا، ولكنه لشدة الإلف به أصبح ثاويًا وراء الوعي والإدراك.
إن اللغة أكبر وأثمن من أن تكون أداة للتعبير ووسيلة لنقل الأفكار والمشاعر، إنها ملتحمة بتكوين المرء وحضارته وتاريخه ودينه، ولها حضور واضح في كل فعل أو نشاط يمارسه، وهي لا تغيب حتى إن غاب النطق بها.
إن كل لغة تعبر عن نظرة فريدة للنظر إلى العالم ونمطا من أنماط التفكير والثقافة. إن حرية الإنسان تصبح مسلوبة إذا تخلى عن لغته. يقول الشاعر الصقلي إجنازيو بوتينا:
ضع شعبا
في السلاسل
جردهم من ملابسهم
سدّ أفواههم لكنهم مازالوا أحرارا.
خذ منهم أعمالهم
وجوازات سفرهم
والموائد التي يأكلون عليها
والأسرّة التي ينامون عليها
لكنهم مازالوا أغنياء
إن الشعب
يفتقر ويستعبد
عندما يسلب اللسان
الذي تركه له الأجداد:
يضيع إذن إلى الأبد.
حين يتخلّى الناس عن ثقافتهم الوطنية (واللغة أهم مظهر من مظاهر الثقافة) إنهم يتخلون في الحقيقة عن الشيء الذي يميّزهم عمن سواهم في مقابل أن يملكوا شيئًا لن يملكوه أبدا. حين نأخذ ماهو من خارجنا مفترضين أنه الأفضل لنا فإن ذلك يجعل حالنا أسوأ.
إن التفكير في اللغة العربية لا ينصرف حصرًا إلى بيان اتصالها ببناء حضارة الأمة وامتداد تأثيرها في محيطها، أي لا ينصرف عرضا بأفعال الماضي، وإنما ينصرف إلى بيان صلتها ببناء مشروع نهضوي في المستقبل لا يمكن بناؤه بلسان الآخرين (أليس ذلك مافعلته اليابان والصين، والهند، وروسيا)، ولذلك يتوسل بأفعال الماضي دون أن يعرض بالضرورة عن فعل الماضي متى كان في استدعاء الماضي فائدة لتجهيز الحاضر والمستقبل والتأسيس لهما.
ولأن اللغة العربية أداة من أدوات بناء المستقبل فهي تحتاج إلى صقل وصيانة يوفران لها التأهيل لذلك، وتصطدم تلكما الحاجتين بتحديات من بينها: الازدواجية، وأحيانا التعددية اللغوية في الوطن العربي الناجمة عن الحقبة الاستعمارية، وعن سياسات داخلية أعادت إنتاجها في التعليم والإدارة والإعلام، ومنها تحدي استيعاب المصطلح العلمي الحديث الناشئ في حضن إنتاج ثقافي وعلمي وصناعي غربي، ثم منها الحاجة إلى تطوير النظم المورفولوجية للغة العربية ونظم الاشتقاق منها حتى يكون في مقدرتها استيعاب المفاهيم والمصطلحات المنقولة إليها، وتأهيلها لغويا (إدخالها في نظام الصرف العربي) وتيسير استعمال تداولها في الحقل اللغوي العربي دون افتعال.

بعض ماقيل في اللغة العربية
ابن خالويه الفارسي قال: لأن أُهجى بالعربية أحب إلى قلبي من أن أمدح بالفارسية (قالها من شدة عشقه للعربية)
الدكتور عبدالوهاب عزام: العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير ونبضات القلوب، ونبرات الحياة.
مصطفى صادق الرافعي: إنما القرآن جنسية لُغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكما.
د. طه حسين: إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضا.
الألماني (فريتاج): اللغة العربية أغنى لغات العالم.
الألمانية (سيجريد هونكه): كيف يستطيع الإنسان أن يقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم وسحرها الفريد؟ فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة.
الألماني (يوهان فك): لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر.
الألماني (أوجست فيشر) وإذا استثنينا الصين فلا يوجد شعب آخر يحق له الفخر بوفرة كتب علوم لغته غير العرب.
الألماني (كارل بروكلمان): بلغت العربية بفضل القرآن من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أي لغة أخرى من لغات الدنيا.
الفرنسي (إرنست رينان): من أغرب ماوقع في تاريخ البشر انتشار اللغة العربية فقد كانت غير معروفة فبدأت فجأة في غاية الكمال سلسة غنية كاملة، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها، وحسن نظام معانيها.
الفرنسي (لويس ماسينون): اللغة العربية هي التي أدخلت في الغرب طريقة التعبير العلمي، والعربية من أنقى اللغات، فقد تفردت في طرق التعبير العلمي والفني والصوفي.
البلجيكي (جورج سارتون): إن اللغة العربية أسهل لغات العالم وأوضحها، فمن العبث إجهاد النفس في ابتكار طريقة جديدة لتسهيل السهل وتوضيح الواضح، فإذا فتحت أي خطاب فلن تجد صعوبة في قراءة أردأ خط به، وهذه هي طبيعة الكتابة العربية التي تتسم بالسهولة والوضوح.
الإسباني (فيلا سبازا): اللغة العربية من أغنى لغات العالم بل هي أرقى من لغات أوربا لأنها تتضمن كل أدوات التعبير في أصولها، في حين الفرنسية والإنجليزية والإيطالية وسواها قد تحدرت من لغات ميتة، وإني لأعجب لفئة كثيرة من أبناء الشرق العربي يتظاهر أفرادها بتفهم الثقافات الغربية، ويخدعون أنفسهم ليقال عنهم أنهم متمدنون.
تللكم أقوال من عشقوا العربية، ودرسوها وكتبوا فيها من عرب وغيرهم، لقد وصفوها بأنها لايمكن أن تشيخ وتهرم فهي متجددة، وبينوا قدرتها على التكيف مع متطلبات العصر، وأنها لغة تجمع أطياف البشر.
وما أجمل قول شوقي!:
ويجمعنا إذا اختلفت بلاد بيانٌ غيرُ مختلف ونطق.
إن اللغة العربية صامدة في وجه من أراد النيل منها، وهي ليست لغة صعبة، بل فيها من السهولة في قراءتها ووضوح كتابتها ما لا يوجد في غيرها من اللغات كما أنها تتميز بدقة معانيها وكثرة مفرداتها، وحسن نظامها، وتفردت بالتعبير العلمي، وهي من أنقى لغات العالم.
وإن من لا يتقن العربية فيه ضعف في مروءته، وإن تعلمها واجب وإتقانها ضرورة.


د.سالم بن عبدالله البلوشي


أعلى





أين نوح

أسرع يجري كالسهم!!..لا ينتبه لأي شيء....لا يكترث لأي شيء... سوى سؤال واحد محدد يكرره بفزع......
ـ أين نوح ؟! أين نوح ؟! يا الله .. أين نوح ؟!
تصعّد صراخه حتى صار كالعواء ... كاد صوته يبح ... لكنه لم يسمع إجابة ..
ظلّ يجري وهو يصرخ قاطعاً سطح السفينة طولاً وعرضاً...
ثم نزل السلم المؤدي للطابق الذي يليه بالسرعة نفسها .. ثم الذي يليه .. والذي يليه.
حتى وصل قاع السفينة وما زال يصرخ بالسؤال.
هناك في الأسفل توقف .. وجد ركاباً .. ربما كانوا من الدرجة العاشرة ... يجتمعون في القعر زرافات زرافات .. تنبئ هيأتهم البرية المزرية ، وقذارتهم وقذارة المكان بحالهم ، مسنون وشباب وأطفال ، نساء ورجال .. والكل صامت واجمٌ .. لا ينطلق فيهم متكلماً إلا البؤس وحده.
توقف وقد بلغ به التعب مبلغه وحدق بهم لاهثاً .. بادلوه نظرات الدهشة بنظرات خلت من أي تعبير .. بالكاد يتبين ملامحهم من العتمة التي تحيطهم.
ماذا تريد؟!..
سمع صوتاً يسأله بنبرة فارغة ...
التفت إلى مصدر الصوت وقال وهو يخرج زفرةً حارة:
"وأخيراً!! رد عليّ أحدهم!!
أين نوح ؟! أين هو..؟!
"لماذا تبحث عنه؟!"
"أليس هو من بنى هذه السفينة ؟! يجب أن يرى ماذا يحل بها ... ظننت أنه في غرفة القبطان .. ولكني لم أجد أحداً فيها ...
ستغرق السفينة !! ستغرق السفينة!!"
كان يتحدث بانفعال وخوف... وصوته العالي يعكس اضطراباً شديداً....
التفتت إليه الرؤوس ببلادة .. ورأى العيون المنطفئة تصوب نظرها إليه وكأن وراءها قلوباً تُحتَضَرْ .. ولا تفقه كلامه..
رد عليه أحدهم بلا اكتراث..
"أما علمت أن نوحاً غادر السفينة عند أول ميناء؟!"
ردّ صارخاً بفزع..
"يا إلهي !! طوال الوقت كنت أظنه في غرفة القيادة مع القبطان !! ما العمل الآن .. ولكن هل حقاً غادر؟!"
رماه الرجل بنظرة ثقيلة منكسرة من طرف عينه .. ثم التفت إلى شأنه ينظر لجهة أخرى..
كرر السؤال .. لم يتلق إجابة من جديد .. صرخ عليهم .. ولكن بلا فائدة .. دار بينهم .. ما من مجيب ... كلٌ يمضي بعشوائية كديدان الأرض...
لمّا ييأس من الإجابة .. بادر للجري صعوداً مرةً أخرى .. كادت الحرارة والهواء العفن يكتمان أنفاسه..
عند الدرجات الأولى للسلم تعثر بطفل بالغ النحول.. تكاد عظامه الناتئة تخرج من جلده الرقيق وجهه شاحب.. مثل الأموات.. ربما من الجوع .. أكيد من الجوع ومن رداءة المكان وقذارته.. اعتذر إليه بحنان .. فمدّ الصغير يده وعيناه تستجديه .. أحس بقلبه يعصر ولكن للأسف لم يكن بحوزته أي شيء يقدمه .. "سأعود يا صغيري.."
لم يكن يفكر بالعودة فعلياً .. ولكنه لا بد من لفت نظر المسؤولين عن السفينة أن كل مجاري الصرف الصحي لأقسامها المختلفة تمر من هذا المكان بأنابيب مكشوفة تنقل الأمراض
وتسمم الأجواء..
كل ما يشغل باله الآن هو أن يجد نوحاً .. لم يفكر بغير هذا السبيل ...
صعد طبقة أخرى جرياً أيضاً .. كان جميع القوم في هذا الدور من السفينة مشغولين عنه كلٌ بشأن ..
رأى أحدهم يدق مسماراً في حائط في الممر ليستعمله لتعليق شيء ربما .. خرج آخر من الباب المجاور غاضباً وصرخ عليه .. لا يحق لك هذا..
"ومن الذي يحدد ما يحق لك وما يحق لي؟!" رد عليه ساخراً فاستشاط الأول غضباً ودخل للحظات ثم خرج ببندقية وصوبها نحوه صارخاً بغضب تكاد أوداجه المنفوخة أن تنفجر.. "هذه من سيحدد !!"..
ويعلو الصراخ نساءً ورجالاً .. واختلط عليه الأمر .. من يصرخ على من وما هي الأسباب .. خرجت امرأة وراء زوجها تصرخ: اصعد أيها الكسول .. هات لنا شيئاً نأكله .. ألا ترى أطفالك الجياع؟! شاطر بخلفتهم فحسب؟!
صاح بها الرجل وهو يمشي إلى الأمام بهيئة مزرية...
ارجعي أيتها الحمقاء...
وقف صاحبنا مأخوذاً بما يجري حوله ... ما لبث أن رأى صغيراً يسرق شطيرة من يد آخر .. يركض الآخر وراءه .. يمسك به فيوقعه أرضاً ... ينهض الأول من عثاره ليمسك بتلابيبه .. يتعاركان ... وتعلو المزيد من الأصوات صارخة ... يخرج أهل كل طفل من غرفهم .. لم يعد يفهم ما يقذفونه في وجه بعض من جمل سباب وشتائم...
لغة لم يسمع مثلها من قبل...
"ابنك المعتدي.."
"لا .. ابنك الحرامي .. ليس غريباً أن يشبه الابن أباه..."
خرجت باقي الأسر من غرفها المزدحمة... ما لبث أن شمل الشجار الجميع... ونشب عراك بالأيدي وغاص المكان في سوقية مزرية وعنف خطير.. انفجر.. فسالت الدماء.. والشطيرة تتفتت وتتبعثر في كل مكان...
ويصرخ صاحبنا: السفينة تغرق.. يا قوم.. ألا تسمعون.. السفينة تغرق!!
ردّ أخيراً عليه أحدهم وهو منهمك في العراك...
"فلتغرق.. لجهنم.. ولتغرق أنت معها أيضاً أيها البوم..".
لا يعرف كيف استطاع الإفلات من قبضته صاعداً إلى الدور الأعلى..
بدا المكان أكثر نظافة وأقل ازدحاماً وأكثر هدوءاً..
رجال ونساء , يتأبطن أذرعهم...
سمع أنهم متوجهون لسطح السفينة .. للاستمتاع بالهواء العليل والشمس الساطعة...
سألهم: أين نوح؟!
مطوا شفاهاً بلا مبالاة... وتابعوا...
لمح من شق باب موارب شاباً جالساً وراء مكتب صغير يقرأ في كتاب .. هادئاً متوازناً...
"الحمد لله .. قد يجيبني أحد العقلاء..."
حياه بشيء من الترقب ، رد الشاب تحيته دون أن يصرف النظر عن الكتاب..
جمع شجاعته وسأله: أي نوح؟!
نظر الشاب ملياً في وجهه.. فازدرد ريقه يتوجس مجهولاً غير مريح...
ـ ومن هو نوح؟!
آآه .. نوح !! تقول النظريات أن نوحاً هو عقدة كامنة.. هي هاجس الإنسان الأول .. هو خلاصة التحليل العشوائي للنظم الحيوانية اللاإرادية .. هو..
وبدأ يهذي بكلام لا يعطيك فكرة واحدة منطقية....
صبر عليه يستمع محاولاً أن يفقه معنىً محدداً لكلامه... عبثاً....

غامر بمقطاعته وسأله:
أسألك عن نوح بالتحديد.. نوح!!
هبّ الشاب الوسيم الأنيق واقفاً نافضاً عنه رداء الاتزان..
"أيها الجاهل .. لقد أجبتك .. ليس ذنبي أنك لم تفهم .. اغرب عني .. وإياك ومقاطعتي مرة أخرى..."
"إني أحذرك .. يجب أن تساعدني وإلا .. السفينة ستغرق بنا جميعاً.."
"بماذا تهذي أيها المأفون.. وهل ما زلنا بحاجة لنوح بعد .. اتركوا الأمور تخرج من قبضة تسلطكم.. ما زلتم تجترون الأوهام.. تقتلون الحرية والإبداع.. ألا تباً لقيودكم..
شيء تافه.. شيء ممل.."
ثم عاد ليجلس مسترداً هدوءه من جديد
فتح صاحبنا فاه دهشة.. لكن الشاب أفزعه
فغادر المكان جرياً: وصار يفكر:
"من نحن ؟! ماذا يقصد؟!
يا إلهي القضية الأهم الآن هو نوح .. يجب أن أجده..؟
تابع صعوداً إلى كل الأدوار.. صرخ في كل الوجوه..
استوقفه أحدهم عند باب الدور العلوي..
"من أنت ؟!"
إنني من سطح السفينة.. أبحث عن نوح... الأشرعة تقطعت.. البوصلة تعطلت.. طال الصدأ كل الأجهزة.. وأظن أني لمحت تصدعاً في قعر السفينة.. سنغرق.. سنغرق.."
"صه .. صه .. أيها المجنون .. إياك أن تزعج السادة..
نصيحة ؟! لا تفتح هذا الموضوع أبداً.."
"لماذا ؟! .. يجب أن يعرفوا بالأمر .. لا بد من تصرف ما .. الجميع في خطر.."
كان يرمي بجمله بلهفة وجزع..
"أيها الغبي أو تظنهم لا يعرفون بالأمر ؟! .. اسكت أنت واذهب لحالك .. أنت لا تفهم شيئاً.."
حانت منه التفاتة إلى الداخل .. صالة واسعة فخمة .. تنيرها الأضواء العالية .. والموسيقى تصدح ويرقص الراقصون ... ويأكل المتخمون...
في عينه ارتسم سؤال كبير : فأجابه حاجب الصالة:
"أجل ... هنا تعقد الصفقات الكبيرة.."
"على متن السفينة ؟! أية صفقات؟!"
"صفقات سلب ونهب.." ثم عض على شفته السفلى وكأنه تذكر خطورة ما يقوله.. خرج من القاعة رجل أنيق بلباس السهرة .. يحيط كتف امرأة بذراعه .. أسرعا مبتعدين تفوح منهما رائحة عطر ثمين .....كانت جميلة أنيقة .. وتلمع مجوهراتها تحت الأضواء المثبتة بسقف الفسحة..
"أرأيت؟!"
"ماذا رأيت؟!"
"كما قلت لك ... صفقات ... صفقات ... صفقات!!!!!!"
اختلس نظرة أخرى للداخل .. هنا تدار حلقات القمار ..
رأى أحدهم يخرج مسرعاً والشرر يتطاير من عينيه ..
"سيدي!!"
"ابتعد عن طريقي الآن .. يكفيني خسارتي الليلة .. ولكني أقسم سأنتزع منه أضعاف ما أخذ مني.." وابتعد..
خرج رجل آخر ... بادره بالسؤال: "هل تشتري مني هذه البضاعة؟!"
"أية بضاعة الآن يا سيدي؟! أين نوح؟! السفينة تغرق.."
"هنا تسأل عن نوح ؟! حقاً لم أجد أغبى منك يا رجل!!
سمع صوت رجلين في العتمة يتهامسان .. كانا يتآمران على انتزاع أرض أحدهم منه بالحيلة والتآمر..يستعينان بقوة الخيانة.....
أحس بالإرهاق يهدّ جسده .. تيبست حنجرته من ترديد السؤال ...ومن هول ما يرى ويسمع.
تمدد على السطح تحت سماء بدأت نجوم المساء فيها بالتلألؤ ... وهو يحس فراغاً مرعباً في قلبه وكأنه تيقن بعد أن فتش كل السفينة عن نوح أنه فعلاً نزل عند أول ميناء في رحلة السفينة مثلما قال له الرجل في القاع........ كان لا بد له من ذلك .. وللسفينة ربانها .. هذا قانون البحار..
لم يكن ليجد نوحاً...
ولكنه بتجواله بحثاً عنه .. اكتشف ما هو أفظع من الذي جعله يجري فزعاً بحثاً عن نوح أول الرحلة .. كانت الأشرعة ذات الحبال المقطوعة .. والأطراف الممزقة هي ما أفزعه .. أما الآن !! بعد الذي رآه ؟! بقي متمدداً .. تحت سماء تلمع نجومها بجمال أخاذ ... يتناهى إلى أسماعه صوت الموسيقى..... والصراخ .. والشتائم ... والعراك ... والطلقات .. ورنين النقود على طاولة القمار .. وتصل لأنفه رائحة .. العطر والطعام الفاخر...... والعفن..... والقذارة..... والتسلط.... والقهر..... والدم.. والخيانة .. والأنانية .. و .. و ووو..
سمر شيشكلي *
* قاصة سورية


أعلى







"ليلة المواعدة".. الملل الزوجي بنكهة كوميدية جذابة

القاهرة ـ من إيهاب حمدي:
العلاقة بين الزوجين والملل الذي قد يعتريها نتيجة لخمود جذوة الحب بينهما أو نتيجة لتكون اراء أو أفكار أو انطباعات سلبية تجاه احد الزوجين من الاخر أو الروتين اليومي الذي يسبب حالة من الركود والملل والضيق بين الزوجين مما قد يؤدي إلى الطلاق هي محور حديث فيلم "DATE NIGHT" .. "ليلة المواعدة".
تدور أحداث الفيلم الذي أخرجه الكندي "شون لفي" عن سيناريو مكتوب خصيصا للسينما بقلم جوش كلاوزنر في مدينتي نيوجيرسي ونيويورك حيث يعمل ويعيش الزوجين فيل "ستيف كارل" وكلير "وتينا فاي" في نيوجيرسي حياة هادئة مملة رغم أنهما يحبان بعضهما فالسيناريو في مشاهده الأولى يكشف لنا عن علاقة الأسرة ببعضها فالأب فيل يعمل محاسباً والأم كلير تعمل وكيلة عقارية ومعهما طفلان يجتمعون معاً مع أسرة صديقه لهم كل أسبوع نعرف أنهم يعيشون حياة روتينية رتيبة فيقرران أن يجددا أيام حبهما الأولى حيث اللقاءات في المطاعم والتنزه معاً فتغير الزوجة من شكلها حيث تخلع نظارتها الطبية وترتدي فستاناً جديداً ويذهباً سوياً للعشاء في احد مطاعم منهاتن بنيويورك.

موعد غرامي

ولأنهما في موعد غرامي مميز يقررا أن يقضيا سهرتهما في احد اكبر وأفخم مطاعم منهاتن، إلا أنهما حينما يتواجدان هناك يجدان انه لا توجد حجوزات لهم فالمطعم كله محجوز رغم غلاء أسعاره المبالغ فيها فيقرر الزوج في إصرار منه على قضاء الليلة أن يستوليا على احد الطاولات التي تأخر عنها أصحابها وهنا تبدأ المفارقات حيث يأتي إليهما شخصين فظين يخرجاهما من المطعم فنعرف أن الزوجين الذين استوليا على الطاولة مطلوبين من قبل عصابة كبيرة لسرقتهما ذاكرة الكترونية من العصابة وعلى ذلك يهدد الشخصين الزوجين بالقتل إن لم يعطياهما تلك الذاكرة ويحاول كل من فيل وكلير ان يشرحا للرجلين أنهما استوليا على الطاولة وأنهما ليسا هما الزوجين السارقين إلا أن محاولتهما تبوء بالفشل فيجاريهما للهروب منهما وينجح الزوجين في ذلك بعد حيلة بسيطة ويتوجها إلى الشرطة للإبلاغ فيجدان الشخصان هناك ويعلمان أنهما من الشرطة.

الإصرار على الحياة

يضطرب الزوجان مما حدث ولا يعرفان ماذا يفعلا فيقرر الزوج انه لا حل سوى ان يجلبا الذاكرة الالكترونية الى العصابة عن طريق تتبع أسماء وعناوين الزوجين الأصليين صاحبا الطاولة بالمطعم وبالفعل يذهبا وينجحا في الحصول على الاسم ورقم الهاتق وهنا تستعين الزوجة بعميل قديم لها كان يساعد الشرطة في البحث والتحري اسمه هولبروك "مارك والبيرغ" لمعرفة عنوان الزوج من خلال اسمه ورقم هاتفه وهما هناك يأتي رجال الشرطة المتورطين مع العصابة إلى بيت عميل الشرطة لأنهم يتتبعون مسار الزوجين إلا أنهما يتمكنا من الهرب بسيارة هولبروك ويذهبا إلى بيت الزوجين الأصليين ثم يحصلا على الذاكرة وفي مطاردة لهما بالمسدسات من قبل الشرطيين الفاسدين يفقدان تلك الذاكرة الالكترونية بعد أن يرى فايل ما بداخلها ويعرف أنها مجرد صورة غير أخلاقية للمحافظ فيقرر الذهاب إلى المحافظ ليطلعه على الأمر بعد أن يبلغ الشرطة بمساعدة عميل زوجته هولبروك وبالفعل يتم القبض على العصابة والمحافظ.

الحب يولد في المخاطر

من الأشياء المميزة في الفيلم هو رؤيتنا للحب والمشاعر الجميلة تتولد بين الزوجين في أحلك لحظات الفيلم وأكثرها خطراً أثناء مطاردة أفراد العصابة لهما فنرى الزوج تتحرك غيرته على زوجته حينما يرى عميلها القديم الذي ذهبا إليه ليساعدهما ويرى تعامله معها فيصاب بالغيرة من ذلك ونراهم الاثنين في السيارة أثناء هروبهما من أفراد العصابة وهما يتكاشفان أمام بعضهما ويسرد كل منهما ماذا يضايقه من الاخر وماذا يريد منه، كما نراهم معاً يتعجبون من طريقة حب الزوجين اللصين حينما ذهبا اليهما لاستعادة الذاكرة منهما فتصيبهما الغيرة منهما ويتمنيا أن يصبحا مثلهما.
وهكذا نرى العديد من المواقف القاسية التي يتعرض لها الزوجان فينبت بينهما الحب من جديد وتتجدد حياتهما.
والفيلم يحوي العديد من المواقف الكوميدية المتميزة التي لم تعتمد على الافيه ولكن على الموقف ذاته مما صبغ الفيلم بلمسة مميزة ميزته عن فيلم صائد الجوائز الذي عرض مؤخراً والذي يتناول قصة قريبة من قصة هذا الفيلم فالتميمة الأساسية لكلا الفيلمين هي تولد مشاعر الحب والمشاعر الدافئة أثناء تعرض الزوج والزوجة لمواقف خطرة و تهديد مستمر.
وقد نجح الفيلم في الإشارة إلى ضرورة مكاشفة الأزواج لبعضهم البعض وضرورة أن يجدد كلاهما حياته للاستمرار في الحياة دون مشاكل ودون أن يصاب احد بالملل والضجر الذي قد يؤدي إلى الانفصال مثلما حدث مع الزوجين صديقا فيل وكلير.
الفيلم يصنف ضمن أفلام الكوميديا والرومانسية والإثارة مدته (88) دقيقة ومتصدر ثالث قائمة البوكس أوفيس الأميركية لأعلى إيرادات عشر أفلام أميركية حتى الأسبوع الأخير من فبراير الماضي.


أعلى








لقبت بـ"عمدة أدب الطفل"
قصص الأطفال تفرض سطوتها على المشهد الأدبي
سعيدة خاطر: شعر الأطفال موجود على استحياء وينبغي الالتفات إلى أهميته لتشكيل ذاكرة ثرية
مديحة عبدالكريم إبراهيم: مسرح الطفل يعاني أزمة متفاقمة وانشغال الفرق العمانية بمسرحيات الكبار أثر عليه
يوسف البلوشي: المسرح سيتربع على عرش أدب الطفل لكن ليس على حساب الآداب الأخرى
أزهار أحمد: القصة تعطي الطفل فرصة المشاركة أكثر من الإبداعات الأخرى ولا يمكن أن تكون بديلا عنها
سعود الصقري: يبقى لشعر الأطفال تواجده رغم قلة أقلامه ومنافسة القصة بمجالها الرحب

استطلاع - إيهاب مباشر:
'' عجيب أمر هذا الأدب، الذي يحسب عليه من ألوان إبداعه فنون كثيرة، اكتفت بشرف الانتساب إليه، دون أن تعزز تواجدها الفعلي عند الطفل، وكأنها اتخذت من المثل القائل "الصيت ولا الغنى" ستارا للعيش تحت جناحيه، وقد أوكلت إلى القصة، مهمة حمل اسمه، متعللة باستحواذها على عقل وقلب الطفل، الذي عرفها بفطرة دلته عليها، وقد وصلت بها المواصيل، حد التواري خلف بطولات القصة، واختزال "أدب الطفل" فيها، لدى كل من يعايش تفاصيله الإبداعية، فأصبحت "القصة" رديفا لـ"أدب الطفل"، وكأنه لا وجود للمسرح والشعر، والشعر المغنى والأنشودة، وصحافة الطفل، أو سينما الأطفال، مع أن حاجة الطفل إليها، قدر حاجته إلى القصة، التي لن تغني بأي حال من الأحوال، عن فنون أدبه وإبداعه الأخرى. ولما استفحل الأمر، ودنا من فنون إبداعه الخطر، ارتأينا أن نلجأ لأصحاب الأمر، علهم يمعنون النظر، فيما حصل وقدِّر، فيبحثون في أسباب انزلاق فنونه إلى هذا المنحدر، فيقدمون لنا الحلول، علنا نعرف من عن هذا التدني مسئول، وما الذي أدى إلى هذا الأفول .. فكان هذا الاستطلاع الذي قام به "أشرعة" مع ثلة ممن حملوا هموم أطفالنا، فحملوا إليهم مشاعل الثقافة والفكر ،،
مشروع حضاري وتوعوي
"الغناء إحدى الوسائل التي تساهم في بناء شخصية الطفل، نفسيا وخلقيا واجتماعيا،‏ والأغنية تنير لأطفالنا الصغار الطريق لكسب المعارف إذا أحسنا اختيار مضمونها الأدبي وهدفها التربوي بعناية فائقة". ولأهمية الشعر المغنى في حياة أطفالنا، كان لزاما علينا أن نبحث عن الشعر في أدب الطفل العربي، عند المكرمة الدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسية، وهي شاعرة وناقدة وأول من قدمت للطفل العماني ديوان شعر حمل عنوان "أغنيات للطفولة والخضرة"، تقول المكرمة الدكتورة سعيدة خاطر: الشعر موجود على استحياء وندرة في أدب الطفل العربي، فشعراء الطفل على مستوى الوطن العربي نادرون، والكتابة للطفل أصلا هي مشروع حضاري وتوعوي ومن يكتب للطفل لدينا يحمل عبء تكليف هو مؤمن به ويتحمل في سبيله عدم الشهرة لدى الكبار وعدم الربح المادي، ونموذج هذا الشاعر السوري الكبير سليمان العيسى، الذي يرى أن الكتابة للطفل هي مشروعه القومي الذي يراهن عليه، كما يراهن على الصغار ثوار الحجارة في أمة لا يرى في كبارها خلاصا. ولهذا خاطب الطفل بلغة الشعر الحقيقي، واحترم عقله وتفكيره ولم يره طفلا ناقص الأهلية، بل خاطبه كما يليق بإنسان بيده تغيير واقع الأمة المأساوي، وكانت لغة سليمان العيسى لغة فنية عالية الشعرية، متخلصا من تلك الأناشيد المدرسية التي تتعامل مع الطفل كعقلية من الدرجة العاشرة مثل النشيد الشهير (قطتي صغيره / واسمها نميره / ذيلها طويل / شعرها جميل .. إلخ). على حين يقول العيسى واصفا الخريف: (ورقاتٌ تطفرُ في الدربِ / والغيمةُ شقراءُ الهدبِ / يا غيمةُ يا أمَّ المطرِ / الأرضُ اشتاقتْ فانهمري .... إلخ ) والنشيدان مقرران لنفس الصف، أي على الطفل في الثاني الابتدائي ولكن الفرق شائع بينهما.
ذاكرة الطفل
"تعتبر أغنية الطفل عملا إبداعيا ومسؤولية ثقافية وتربوية، والأغاني هي مصدر للفرح والسعادة واللعب والحركة وهذا ميل طبيعي يولد مع الأطفال" وعندما نعتبر أطفال العرب يمثلون فئة متقاربة الملامح، فالطفل العماني هو جزء من هذه المنظومة، وله نفس اهتماماتهم، ويحمل نفس رغباتهم وميولهم، لذا وجب علينا أن نبحث عن الشعر المغنى في أدب الطفل العماني، ولما كان هذا الطرح امتدادا للطرح السابق، فقد أكملت المكرمة الدكتورة سعيدة خاطر حديثها بتوجيه سؤال قائلة: قل أولا أين كتابة الشعر للطفل العماني؟!، إذ لولا مشروعي ومشروع المرحوم علي شنين الكحالي، لما وجدت بيتا واحدا كتب للطفل العماني، ناهيك عن الشعر المغنى للطفل. عموما ديواني المكتوب شعرا للطفل، به معظم القصائد مغناة، فالباب الأول وهو عبارة عن ثلاثين قصيدة في الأخلاق الفاضلة، كالأمانة والصدق والتعاون والنظافة .. إلخ، كانت ملحنة ومغناة لأنها كتبت للتليفزيون لشهر رمضان كمسابقه للطفل، وهي أناشيد ملحنة في لوحات راقصة للأطفال، أما باقي الأغاني، فقد لحنها أساتذة الموسيقى في المدارس، وغناها الأطفال ضمن الحفلات المدرسية. وبالفعل الأغنية أكثر التصاقا بذاكرة الطفل، وبطبيعته المائلة للعب والرقص والغناء والانطلاق. ومن هنا ينبغي أن تنتبه الحكومات العربية والمؤسسات الثقافية، إلى أهمية التركيز على هذا النوع من الكتابة؛ ليكون للطفل العربي ذاكرته الثرية النغم والشاعرية والتربوية المعرفية.
حالة ثقافية بامتياز
"المسرح حالة حضارية وثقافية بامتياز، لذا وجب علينا تكريس ظاهرة مسرح الطفل، وإيجاد حالة مسرحية منذ الطفولة؛ كي يعتاد الطفل على مشاهدة هذا الفن الراقي" لذا وجب علينا أن نبحث عن هذه الحالة الحضارية والثقافية في أدب الطفل العربي، ووجدنا مبتغانا عند أكاديمية، أعطت من وقتها الكثير لقضايا الفن والمسرح عامة، وقضايا مسرح الطفل خاصة، فأضحت ملمة بكل تفاصيله، تقول الدكتورة مديحة عبدالكريم إبراهيم: الأدب هو تشكيل أو تصوير تخيلي للحياة والفكر والوجدان، من خلال أبنية لغوية، وهو من أفرع المعرفه الإنسانية العامة، ويعنى بالتعبير والتصوير فنيا ووجدانيا عن العادات والآراء والقيم، والمشاعر وغيرها من عناصر الثقافة. ويشمل هذا المفهوم أدب الأطفال، والذي يتميز عن أدب الراشدين، بمراعاة حاجات الطفل وقدراته. والإنسان منذ وجوده عرف وسائل ترويحه وتسليته في ألعاب الطفولة، وتلقائية التصرفات والمحاورات، عرفها أيضا في الاحتفالات الدينية والدنيوية، وذلك في صورة حركية وغنائية وتعبيرية، مستمدة من الأساطير والحكايات الشعبية أحيانا. ومسرح الطفل في الدول العربية، يعتبر متعثرا تعثرا كبيرا عن التقدم الملموس والمتواصل في الدول الأجنبية، وذلك بداية من أسلوب وطريقة وحرفية الكاتب لهذا المسرح، ثم طريقة تدريب الأطفال، وكذلك الممثلين الكبار على التمثيل في المسرح، إضافة لافتقاره أيضا إلى إبداع المصممين والمنفذين للديكورات والمناظر والعرائس (الجوانتي - الماريونت - خيال الظل) بجانب الإبداع والتجديد في (الأقنعه ، الموسيقى ، الأغاني والرقصات ، الإضاءة المسرحية، وكيفية توظيفها فنيا ونفسيا في عروض مسرح الطفل). ولابد أن يعلم جميع العاملين بمجال مسرح الطفل، أن هذا المسرح يقدم قيما تربوية وثقافية بجانب الترفيه والتسلية، كما يقدم مثلا نبيلة (كالإخلاص، والشجاعة، والأمانة، والعدالة) كما يعمل على توسيع مدارك الأطفال. وتعد الصور والرسوم أوعية تعبير ذات أهمية كبيرة بالنسبة للأطفال، فهم يعبرون عن أنفسهم بالرسوم منذ عمر مبكر، وليس بالكتابة. وفي هذا المجال كتب وحلل الكثير من علماء النفس والاجتماع، ومنهم (فرويد) الذي يفترض أن السلوك الإنساني، يقرره مقدار السرور، أو الألم الذي يصاحبه، وأن الطفل يميل إلى السعي وراء الخبرات، التي تؤدي إلى تحقيق السرور والمتعة له لتكرارها. ولا يمكن أن ننسى قول أفلاطون: "إن فقدان الجمال، والإيقاع والتناسق، مرتبط بالفساد وسوء الخلق". والطفل من الثالثة للسادسة، لديه القدرة على الإبداع الفني في مجال التمثيل، إنه يتخيل، ويلعب، ويمثل، ويتكلم، ويحاور، بشكل منفرد وتلقائي.
والبلاد النامية - أو التي تسعى إلى النمو - في حاجة ماسة إلى مؤسسات ثقافية دائبة التجديد والعمل، سعيا إلى تجديد العقل البشري علميا، وتربويا، واجتماعيا. ومن الأهمية بمكان أن يتخير الكاتب الألفاظ السهلة الواضحة، والعبارات التي تؤدي المعنى دون تعقيد أو صعوبة، وأن يثير بتعبيراته المعاني الحسية، والصور البصرية، والأمور المتحركة المسموعة والملموسة. والمؤلفون والكتاب والممثلون والمخرجون في مسرح الطفل في مصر الآن، يؤمنون بوجوب تربية أجيال قادمة، محبة للسلام والمحبة، ومنع غرائزها العدوانية أو الهدامة الكارهة للبشر ككل. ومن العبث أن نتجاهل شغف الأطفال وحبهم للمغامرات في طفولتهم، خاصة الطفولة المتأخرة (من 8 : 12 سنة) فهذه الخاصية جزء من كيانهم النفسي، ولذا يرى الكثيرون أنه في مسرح الطفل، لابد من إعداد (قصص الألغاز ، والخيال العلمي، والمغامرات، والبطولات، والرحلات والفكاهة، واستخدام الخيال العلمي.
وللتمثيل رد فعل بناء على الأطفال الذين يقومون بالتمثيل، إما بمشاركة زملائهم، أو مع ممثلين كبار، ومن فوائده: التطهير النفسي بالتمثيل، سواء للأطفال أو الجمهور، والسلامة الصحية من حيث التوترات والعوامل السلبية المترسبة، من خلال التربية العائلية والاجتماعية غير السوية، واكتساب معارف وأصدقاء جدد، وتأكيد أهمية التعاون المثمر في إنجاز عمل إبداعي بين الأطفال، واكتساب صفات وأخلاق وقواعد سلوكية اجتماعية أكثر تهذيبا.
ولابد لنا أن نهتم بالمسرح المدرسي، فقد أقرته وزارة المعارف العمومية بمصر في 26 / 9 / 1943، فهو يلعب دورا أساسيا في تنشيط وتوظيف فن المسرح المدرسي في المؤسسات التعليمية، وأيضا لابد من الاهتمام والتدريب للقائمين عليه ومن أهدافه: إنهاض اللغة العربية، وإذاعة محاسنها، وتعليم الطلبة حسن الإلقاء، نظما وشعرا، وإحياء المثل العليا في نفوس الطلبة، وأن يكون أداة تسلية بريئة مهذبة، وتنمية روح الجماعة، والتعاون بين الطلبة.
ولكنني أقول إنه حتى اليوم، مازال المسرح العربي للكبار والصغار يعاني من أزمة متفاقمة، ناتجة عن اجتماع عدة عناصر سلبية في بوتقة واحدة، أدت إلى تراجعه، وتنذر باحتضاره، فيجب علينا الأخذ في الاعتبار ضرورة توفير حلقات عمل مسرحية لدراما الطفل، وتدريب الممثلين والممثلات على المعايشة الصادقة، وعلى فن الإلقاء والتقديم والحوار بينهم، ورفع مستوى التذوق المسرحي عند الجمهور، وذلك بالعناية بمسرح الطفل والمسرح المدرسي، والمسرح الجامعي، وتكوين فرق مسرحية متنقلة بين الولايات في السلطنة.
وعندما نتطرق إلى الكلام عن المسرح في السلطنة، نجده عبارة عن عدة فرق مسرحية أهلية، لابد لها من تطوير، واختيار العاملين فيها على أن يكونوا على قدر من الكفاءة الفنية والأدبية والحنكة في الإدارة ليشملوا الفرق بما تحتاج إليه كل فرقة، من رعاية وعناية وإنفاق على العمل المسرحي، حتى يخرج بالصورة المناسبة.
ولابد من دراسة المسرح وفنونه المختلفة كالتمثيل والإخراج والديكور والموسيقى والإضاءة والماكياج وغيرها على يد اساتذة أجلاء. كما يجب أن يكون هناك كتاب، ومؤلفون ومعدون متخصصون لإعداد النصوص الدرامية المسرحية، والإخراج والديكور والملابس والإضاءة والموسيقى والماكياج وغيرها، وذلك من خلال التعليم والدراسة وحلقات العمل والتدريب الفنية. ولكي يستطيعوا تقديم عروض مسرحية ناجحة وهادفة، وذلك أيضا للارتقاء بفكر المشاهدين والترفيه عنهم، كما أنه لابد من وجود لجنة لقراءة النصوص المقدمة بحيادية، يؤخذ برأيها سواء بالتعديل أو الحذف أو الإضافة أو الرفض للنص المقدم. أيضا لابد أن يكون هناك اهتمام بالمسرح والنشاطات الفنية، والتذوق للفن والمسرح، من بداية المدارس الابتدائية، وحتى الجامعة، كما أنه لابد من تدريب المدرسين والمدرسات المتخصصين بالمسرح وفنونه بعد دراستهم لتدريب الأطفال في المدارس على كل فنون المسرح، كي يشب جيل جديد مرتبط بالمسرح وفنونه منذ صغره، ولابد أنه ستكون هناك طاقات محبة للمسرح ومبدعة فيه. كما أنه يجب دعم الفرق المسرحية الأهلية بالأموال لكي تنفق على العمل المسرحي من أجور كتاب وممثلين ومخرجين وديكور وملابس وغيرها حتى ولو تتبع لوزارة التربية والتعليم، أو وزارة التراث والثقافة. كما يجب أن تكون هناك لائحة مالية لأجور الفنانين والفنيين. وأيضا لابد من وضع لوائح وقوانين منظمة للعمل بالفرق المسرحية وذلك من خلال نقابة للفنانين، تهتم بكل ما يخص الفرق المسرحية، والعاملين بها. ولابد من بناء عدة مسارح في أماكن متفرقة في السلطنة، وذلك لتقديم العروض المسرحية عليها. وأيضا يمكن استغلال المهرجانات لتقديم عروض مسرحية ترفيهية للأطفال أثناء إقامتها.
وعندما بحثنا عن أدب الطفل العماني، أكدت الدكتورة مديحة عبدالكريم إبراهيم أنه
لا يوجد مسرح طفل بالسلطنة، وذلك لانشغال الفرق المسرحية بتقديم مسرحيات للكبار لمحاولة إثبات ذاتها، ولعدم توفير المبالغ المالية اللازمة، وكذلك المكان المناسب للعرض، لما له من عائد فعال ترفيهي وتربوي وخيالي للأطفال، فلابد من بحث هذا الموضوع مع وزارة التربية، أو وزارة التراث والثقافة، حسبما يرى المسئولون والقائمون عليهما. نؤكد أن أدب الأطفال أدب قيمي، كالرسم، والموسيقى، والغناء، والتمثيل، والزخرفة وغيرها، فيجب منا الحرص على سلامة وصحة التوصيل عبر أدوات موضحة، ودون غموض يمنع الطفل من الفهم أدبيا، والتذوق جماليا. ولقد أكدت بعض الدراسات أن سلوك الأطفال الذين يمارسون ألعاب الدراما الاجتماعية، يكونون أقل عدوانية من سلوك الأطفال، الذين لم يمارسوا التعبير الدرامي. ومن هنا يتأكد لنا أهمية الاهتمام بلغة الطفل، وعلاج سلبياتها لخوض التعبير بالكلام والنطق والإلقاء المسرحي والتعبير بثقة وسلاسة، مع مراعاة الجانب النفسي للطفل والذي ينعكس على انفعالاته وسلوكياته، وكذلك الجانب الاجتماعي، والذي يعتبر أساس تواصل الطفل مع المجتمع الذي يعيش فيه، ولذلك فمن المهم للمعلم والمدرب والمخرج المسرحي أن يتابع تدريبه للأطفال المشتركين في العمل المسرحي، ليصلوا إلى درجة متميزة في النطق، والإلقاء والإحساس بمعاني الكلمات والجمل.
ومن أفضل أنواع الدمى لنشاط الأطفال هي عرائس القفاز (الجوانتي) لسهولة التدريب على تحريكها، وعرائس الخيوط (الماريونت)، أو عرائس العصي أو الأقنعة، وفي كل الحالات يقوم الفنانون الراشدون بتصميم وتنفيذ العرائس والمناظر والإخراج بعد التدريب على أيدي الخبراء. والفن العرائسي عرفته حضارات قديمه كاليونانية والهندية والصينية، وارتبط وجود هذا الفن بثقافات هذه الأمم ومعتقداتها الدينية، ففي اليونان أشار أفلاطون إلى وجود (عرائس قفازية صنعها الفنان (بوثينوس) كانت تلعب دورا في الاحتفالات الدينية للإله (ديونيسوس).
أما خيال الظل في مصر فقد جاء في عصر الفاطميين (من العام الخامس وحتى العاشر الهجري) فهم كانوا على ولع شديد بالفنون باعتبارها من مظاهر الأبهة والفخامة التي كانت تميز العصر الإسلامي بأسره. ولقد كانت البدايات لمسرح الطفل في مصر تعتمد على الحواديت والحكايات الشعبية ثم تطورت بعد ذلك إلى شخصيات محببة للأطفال مثل أبطال أفلام (والت ديزني، السنافر، سلاحف النينجا) وغيرها. والطفل يحب الحكاية حسيا ووجدانيا، كما تستهويه النكات والمقالب، والخدع المسرحية. وعلى مستوى توظيف القصص في العمل الدرامي الخاص بالأطفال، لابد أن نتجه إلى القصص الشعبية والخرافية للأطفال، لما لها من أثر سحري عليهم. وبما أن الحكاية أو القصة تعتمد على السرد، فالطفل يكون مستمتعا لما يحكى له، وتكون كل حواسه وتفكيره وذهنه في تركيز تام لما يسمعه، لأنه يعمل خياله ويعيش في أحداثها، ويتخيل نفسه يقوم بهذه الأحداث. أيضا القصة تحكى للطفل في أي مكان يتواجد فيه، أما المسرح البشري أو العرائسي فلابد من الذهاب إليه، حيثما يكون، مع مراعاة انبهار الأطفال بديكوراته ومناظره بألوانها الزاهية، وممثليه بملابسهم البراقة، والإضاءة بألوانها الجذابة والتي تلفت نظر الطفل وحواسه. ويفضل في مسرح الطفل أن يكون الحوار غنائيا، يصاحبه موسيقى هادئة، فالإيقاع يجعل الطفل متحفزا لسماع الحوار ومضمونه. والتخلي عن العربية الفصحى، يرجع بالفكر إلى حالات السذاجة التي كانت عليها الأمة العربية في بدايتها، ودفن لتراثها التليد. أما ما ينتج عربيا، فأغلبه ضعيف ثقافيا، وقائم على الوعظية، وأبعد ما يكون عن المعاصرة عالميا، يثير السخرية، لأنه غير متوافق مع الزمان والمكان. وهناك مشكلة حق الأداء العلني، وهي من الاعتبارات التي ينبغي مراعاتها عند اختيار أي مسرحية، فلا يجب استخدامها إلا بعد وفاء حق الأداء العلني، وهو حق مشروع ينبغي على كل مؤسسة وفاؤه، وهو عبارة عن الربح الذي يحصل عليه الكاتب المسرحي من مؤلفاته، لقاء ما أنفقه من وقت وجهد.
ثقافة مسرحية
"من مهام مسرح الطفل، إيجاد صيغ تربوية سليمة، تهدف إلى غرس القيم الجيدة والأخلاق النبيلة، بإضافة التسلية والمتعة" وهو ما يؤهل الطفل إلى تكوين زاد ثقافي يخص المسرح، فتتشكل لديه ثقافة المسرح التي تجعله يعي الأدوار التي تقدم له من خلال الخشبة، فيكون واعيا للمضامين والأفكار التي تحملها، ومن ثم يشب على احترام المسرح، كقيمة أدبية وفكرية وثقافية وفنية، وللوقوف على مدى دراية الطفل العماني وإلمامه بثقافة مسرحية يقول المخرج المسرحي يوسف البلوشي: الطفل العماني كأي طفل آخر، وفي أي مكان كان، ولديه ثقافته العامة، بالإضافة إلى ثقافة المسرح، ولكن هذه الثقافة المسرحية بسيطة، وبحاجة إلى تنمية. وفي الآونة الأخيرة، أصبح هناك اهتمام مسرحي واسع، خاصة بالنسبة لفئة الأطفال، وبالذات في مراحله الدراسية، من خلال الأنشطة المسرحية المختلفة، وقيام المناطق التعليمية بإقامة مهرجانات ومسابقات مسرحية، سواء في العرض المسرحي أو التعليم المسرحي، بالإضافة إلى قيام وزارة التربية والتعليم مؤخرا بتدشين المهرجان المسرحي المدرسي الأول على مستوى السلطنة، وما تخلله من حلقات عمل وندوات مسرحية، حيث ناقشت العروض المسرحية المقدمة قضايا تخص الطفل في مراحله العمرية المختلفة، والعروض المسرحية التي تقدمها الفرق الأهلية المسرحية سواء في مسرح الطفل أو الكبار، ساعد على نشر ثقافة المسرح لدى الطفل العماني، رغم أن هناك جهات أخرى يجب أن تتبنى هذه القضية، مثل وزارة التنمية الاجتماعية. فالطفل العماني قابل للتطور في مختلف مناحي الحياة، ثقافيا وفكريا وفنيا، وهو ذو عقلية واعية، ولكنه يحتاج إلى التثقيف، خاصة في جانب المسرح، أكثر مما هو عليه الآن. ومن جانب آخر لا يترك الطفل للمؤثرات الأخرى تشكل شخصيته، فيترك لمشاهدة ما لا يعنيه في الفضائيات، حتى ولو كانت برامج أطفال، ولابد وأن تلاحظ هذه البرامج من خلال الآباء الذين يقع عليهم عبء تربية أبنائهم، وأعتقد أن على الوالدين دورا مهما جدا في تثقيف أطفالهم بشكل عام ومسرحيا بشكل خاص. وأنا شخصيا من خلال مشاهداتي المختلفة كأحد المهتمين بمسرح الطفل، وبمقارناتي التي تولدت جراء مشاركاتي خارج وداخل السلطنة، وجدت أن الطفل العماني لديه ميول وثقافات الطفل العربي، لولا الأشياء البسيطة التي يتفوق فيها الطفل العربي، نظرا لوجود منابع ومؤثرات ثقافية مختلفة عن الموجودة لدى الطفل العماني، وعندما نقترب من هذا الطفل نرى الطموحات والرؤى والمدارك الموجودة عند كل الأطفال، ولكن بنسب متفاوتة بسيطة، والطفل العماني لديه الموهبة خاصة في المسرح، لأنني أشركت العديد من الأطفال العمانيين في أعمال مسرحية مختلفة، ووجدتهم مبدعين في هذا الجانب.
"يتناول مسرح الطفل مواضيع مختلفة، يتم اختيارها وطرحها في الأغلب، ضمن قالب الحكاية التي تعتمد على البساطة في الأحداث والمتعة والتشويق، في ربط وتماسك داخل فكرة واحدة ومتسلسلة" فهل يستطيع المسرح أن يتربع على عرش أدب الطفل العربي، ومتى يكون ذلك ؟ سؤال موجه للمخرج المسرحي يوسف البلوشي، الذي لم يستبعد ذلك ولكنه وضع له بعض الضوابط الشروط قائلا: من الممكن أن يتربع المسرح على عرش أدب الطفل، إذا استطاع أن يفرض وجوده الفكري، وأن يقدم للطفل كل ما يحتاجه وينميه فكريا وثقافيا، سواء من الناحية التربوية أو الفنية أو العلمية، وحتى في مجال حب الاكتشاف والخيال المعرفي، ومن خلال التطور الذي يشهده العالم حاليا، فكل شيء حديث ومتطور، قابل للتغير، لذا يجب أن يقدم المسرح كل الأدبيات المختلفة للطفل، شرط أن يراعي ذوقه ومرحلته العمرية.
وعن إمكانية أن يتحقق ذلك على حساب ألوان أدب الطفل الأخرى، يقول يوسف البلوشي: لا يشترط أن يكون تطور المسرح وتفوقه، على حساب أشكال أدب الطفل الأخرى بشكل كامل، لأنه ربما تقدم هذه الأدبيات من خلال المسرح للطفل، وخصوصا وأن أدبيات الطفل الأخرى، تجد اهتماما خاصا، ويبقى لها الاهتمام من قبل جمهور الأطفال المثقفين، فيكون لها اهتمامها وحضورها، لأن لكل طفل اهتماماته وتوجهاته بالنسبة لأنواع الأدب الأخرى.
فطرة .. إدراك .. وعي
"أطلق على القصص وألوان السرد عموما "عمدة أدب الأطفال" لاستحواذها على عقل وقلب الطفل، ومزاحمتها ألوان الأدب لديه" فما الذي يجده الطفل في القصة، فيشده إليها، ولا يجده في غيرها من الفنون، وهل القصص المقدمة للأطفال، تغني عن ألوان الأدب الأخرى، استفسارات عدة نضع من خلالها النقاط فوق الحروف، فيتكشف لدينا سر ارتباط الأبناء بالسرد، وما سيؤول إليه حال السرد، مع فنون الأدب الأخرى، وقد آثرت الكاتبة أزهار أحمد، أن تبدأ كلامها عن السرد، وكيف أنه يحرر طاقة الخيال لدى الطفل، قائلة: لنسرد أولاً بعض الملاحظات: حينما يُكمل الجنين في الرحم الشهر الثامن، تنشط لديه حاسة السمع، ويبدأ في تمييز الأصوات وخاصة صوت الوالدين، حينما يولد الطفل، تسبق حاسة السمع، حاسة البصر في إدراك العالم من حوله. والملاحظتان السابقتان، تتصلان بالكلام الذي هو "اللغة". ثمة ملاحظة أخرى تتعلق بالإنسان البدائي، إنه يخبر أي "يسرد" وقائع حدثت معه، وهذا السرد سابق على "الإبداع" في اللغة بالمعنى الذي نفهمه الآن عن الإبداع اللغوي. والملاحظات السابقة هذه تحيل إلى أن "اللغة ومن ثم السرد" واقعة أصيلة في حياة الإنسان، ومن هذه الواقعة يبدأ الإنسان في إدراك ووعي العالم. وإذا كان ذلك صحيحا، فإن السرد بشكل عام يشكل جاذبية للإنسان في مراحل عمره المختلفة، ويصبح أكثر جاذبية في حياة "الطفل" لتعلقه هنا بتحرير طاقة الخيال. إن الصورة مهما كان جنوحها إلى الخيال، أو مهما كانت غرابتها، تظل "مرئية" بما يحد خيال الطفل، إنه يستمتع بالطبع بها، لكنه لا "يخلقها في خياله" والسرد فقط ما يتيح له ذلك، بما تمليه البيئة التي يعيش فيها الطفل، ولنضرب هذا المثل: (وقف عصفور على كتف عدنان) فإن كانت هذه العبارة "صورة" فقد رآها الطفل، ولكن إن كانت "سردا" فسوف ينتجها الطفل في مخيلته، وسوف يكون العصفور رمادي اللون، أو أخضر اللون أو أزرق اللون، وقد يكون "عدنان" واقفا والعصفور واقفا على كتفه، في محيط صحراوي، أو في محيط زراعي، أو في محيط جبلي، ونحن هنا نتحدث عن عبارة مباشرة، يمكن أيضا للكبار ترجمتها في مخيلتهم بأشكال وصور مختلفة. وحينما ينتقل السرد إلى "القصة" يأتي عامل جديد، ليزيد من جاذبية السرد في أدب الطفل، إن هذا العامل هو "الحكاية" بما تنطوي عليه من أحداث وشخصيات، والطفل على أي حال هو إنسان، يحاول أن يشارك بفعالية في الحياة، وتعطي له الحكاية أو القصة، أي السرد هذه الفرصة الفريدة، إنه في الحكاية سوف يغامر مع الشخصيات المغامرة، وسوف يسافر ويكتشف مع الشخصيات المسافرة والمكتشفة، وقد يُنتج عبر مخيلته أيضا تسلسلا لأحداث الحكاية أو القصة، يكون هو البطل فيها، حيث يمكن له أن يتخيل نفسه في أدوار مختلفة، علاء الدين مثلا، أو هاري بوتر، حينما "يقرأ" أو "يستمع" إلى الحكاية. لقد نشأنا جميعا على الحكايات، ترويها الجدات أو الأمهات، وتشكل هذه الحكايات على بساطتها مادتنا الأولى في إدراك العالم وإنتاج أحداثه عبر المخيلة، التي تكون لدى الطفل في تحرر شبه تام، لم تقيده بعد "عقلنة العالم" الذي تصاحب الإنسان حينما يكبر في أطوار عمره المختلفة، حتى يصبح قادرا على التعامل معه، ومن هنا كانت هذه العبارة للكاتب الألماني ستيفان زفايج "الإبداع هو استعادة طفولة العالم" أي في معنى ما، القدرة على تحرير طاقة المخيلة عبر الإبداع، والشعر والرسم بالطبع قادران على ذلك، لكن السرد يتميز عنهما بالانخراط في العالم عبر شخصيات وأحداث ومواقف، تشكل في مجملها قصة ما أو حكاية ما. وفي نزوع الطفل إلى أن يكون مشاركا في العالم من حوله، تعطي له القصة هذه الفرصة الفريدة، أكثر مما تعطيه أشكال الفنون والإبداع الأخرى.
إبداع
وبعد كل هذا صرحت الكاتبة أزهار أحمد بأنه لا يمكننا الجزم بأن القصة وألوان السرد عموما، يمكنها أن تكون بديلا عن ألوان الأدب أو ألوان الفنون الأخرى، وإلا لما نشأت الحاجة إليها في سياق الحياة البشرية ونزوع الإنسان عموما إلى الإبداع. حينما يقرأ الطفل "قصة" أو يستمع إليها، تنشط مخيلته في تحويل السرد إلى "حياة نابضة" وكل منا ربما مر في طفولته بتجربة كهذه، وهي التجربة ذاتها التي يمر بها الكبار في قراءة قصص أو روايات تتوافر فيها عناصر عالية من الإبداع والحيوية السردية والأحداث. ولما كانت مخيلة الطفل أكثر طزاجة بما لا يقاس بالإنسان الكبير، فإنها تعطيه أيضا أفقا أوسع في إنتاج القصة أو الحكاية عبر مخيلته، تلك المخيلة التي لم يقيدها العقل ولا إدراك العالم بما هو عليه، لا بما نتخيله عنه في الواقع أو في الإبداع.
تواجد
"عود على بدء، من الشعر بدأنا وإليه نعود، لمن يؤكد أن الشعر سيحتل مكان الصدارة في أدب الطفل، وهو الكاتب سعود بن ناصر بن علي الصقري، الذي قال: دون شك هناك منافسة كبيرة لشعر الأطفال من جانب القصة في أدب الطفل كون أن للقصة مساحة واسعة ومجالا رحبا هيأته الظروف المحيطة في هذا المجال، لكن في المقابل يبقى أن للشعر تواجدا لا بأس به بجانب القصة بشتى أطيافها. والمشكلة من وجهة نظري تكمن في قلة الأقلام الشعرية في مجال شعر الأطفال وأيضا لقلة المؤسسات الداعمة للفئة القليلة التي تكتب في هذا المجال لكنني أرى الأمر غير مقلق والهوة ستأخذ في التلاشي في السنوات القادمة، إذا ما تهيأت الظروف ومدت المؤسسات المعنية يدها وقدمت خدماتها الملزمة بها من أجل أدب الطفل بشكل عام.
وعما إذا كان الطفل مهيأ لكتابات شعرية، مثلما هو الحال مع محاولاته في مجال القصة، يقول سعود الصقري: نعم مهيأ، ولم لا ؟ فالأدب بشكل عام يعمل على تنشئة الشخصية، وتكاملها، ودعم القيم الاجتماعية والدينية، والثقافية، ومن ثم تتكون عادات التذوق السليمة، والتوجهات نحو الجمال في كل ما يتصل بالحياة اليومية والاجتماعية، والحضارية. ويصبح الطفل قادرا على مواصلة علاقاته الإيجابية ببيئته، ويؤكد دائما على مطالبه لتحقيق الجمال في حياته العامة والخاصة، والشعر جزء من هذه المنظومة بل وأره أكثرها تأثيرا لغويا وجماليا على لغة الطفل كما أننا يجب ألا ننسى أن الشعر في أفقه الأوسع مجموعة من التجارب والخبرات وعندما نقدم شيئا منه لأطفالنا إنما نقصد إلى أن الأطفال لم يخوضوا أي تجربة شخصية مؤلمة ولم يستطيعوا التعرف على معنى وماهية الخوف القابع في أعماقهم ولهذا فإنهم يجدون في أدبهم تعويضا عن ذلك في تلك الشخصيات والأحداث والمناسبات التي يتضمنها أدبهم، فكاتب أدب الأطفال شعرا وقصة هو القادر بحق على التعبير عن مشاعر الخوف العميقة لدى أطفالنا والقادر على أن يعبر لهم عن مشاعرهم وأحاسيس تربطهم بالحياة بشكل أجمل.


أعلى





المرجعية التراثية في المسرح العماني

يعد التراث والتاريخ مصدرين مهمين لإثراء العملية الإبداعية في المجالات الأدبية والفنية، على اعتبار أنهما الوعاء الحاوي للعديد من الأعمال الأدبية والفنية التي تختلف من عصر إلى آخر، متأثرة بالظروف والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية. ولعل أهم تلك المصادر التي استمد منها الكتاب مادتهم، هي الأسطورة والقصة والحكاية الشعبية والتاريخ والحادثة المعاصرة.
ودونما شك، بأن هناك اهتماما ملحوظا بالتراث الشعبي في السلطنة، وذلك من قبل الجهات الراعية للتراث والموروث الشعبي المروي والموسيقي.. ولعل أهم هذه الجهات مركز عمان للموسيقى التقليدية التابع لوزارة الإعلام، بالإضافة إلى وزارة التراث والثقافة، حيث تعتبر هذه الجهات الرسمية التي تعنى بتوثيق المأثور الشعبي المروي والموسيقي بغية الحفاظ عليه وتطويره.
وتزخر ولايات ومحافظات السلطنة بتراث شعبي وتاريخي منذ القدم، وهناك الكثير من الأغاني والرقصات الشعبية (الفلكلورية) التي تشكل ظواهر درامية غير مكتملة النمو، التي تحتاج إلى دراسة من الباحثين في مجالات الفنون، وذلك من أجل التنقيب في التراث الشعبي الذي يعكس ثقافة الشعب العماني وعاداته وتقاليده الأصيلة المحملة بطيوف الذاكرة البعيدة لأجدادنا وتاريخنا العظيم، وما فيه من أحداث وملاحم بطولية(1).
ويوجد في السلطنة عدد من الفنون التقليدية التي تشكل فرجة شعبية معبرة عن الفرح والحزن وغيرها من المناسبات الاجتماعية الأخرى. ومن هذه الفنون الرزحة، والعازي والعيالة، والميدان، والمسبع، وفنون البحر، إلا أن النزر اليسير من تلك الفنون استغلت في الدراما. بينما الآخر لا يزال في طي الكتمان، وهو في انتظار من يقدمه بأسلوب عصري يربطنا بالماضي.
وفي عصرنا الحالي تضاءلت فرص ظهور تلك الأشكال الاحتفالية، التي تشكل جزءا من ثقافة الإنسان العماني، حيث اقتصرت على المناسبات الوطنية من خلال المهرجانات والعروض الشعبية السنوية. والمتابع لتلك المراسم، سيجد بداخلها عناصر درامية يمكن أن تستغل لصنع دراما عمانية(2).
وتركز السطور القادمة على أربعة محاور توضح كيفية استغلال الموروث الشعبي والتاريخي في المسرح العماني كالتالي:

أولا: الحكاية الشعبية

عندما نتحدث عن الأسطورة أو الحكاية الشعبية المتناقلة شفهيا، فإنه لابد أن نسبر الذاكرة الجماعية لأي شعب، وذلك لأن هذه المصادر تعتبر إرثا مشاعا تناقلته الأجيال ليشكل جزءا من ثقافتها العامة.. ويوجد في السلطنة رصيد ثري من الحكايا الشعبية والأخبار والأساطير التي يمكن توظيفها فنيا، بغية تحديد ملامح هوية الدراما العمانية(3).
ولقد وظفت القصة الشعبية المستخلصة من الحكايات الشعبية في بعض الأعمال المسرحية، كما هو الحال في مسرحية (المسحورة) للمؤلف سعيد المعمري التي قدمت في عام 1998م، وبرغم أن المسرحية قدمت في قالب تقليدي، إلا أن المؤلف استغل الحكاية السردية المأخوذة من التراث الشعبي العماني التي تتحدث عن قصة (المغيب) (4). ويدور موضوع هذه المسرحية حول (سلطانة) التي تموت بفعل السحر والشعوذة، وتمزج هذه المسرحية بين الواقع الاجتماعي والخيال والخرافة في تصوير المصير الذي آلت سلطانة إليه.
كما قدمت فرقة الدن للثقافة والفن عرض مسرحية ( ظل وسبع أرواح) وهو من تأليف وإخراج إدريس النبهاني. واستطاعت هذه الفرقة إن تقدم عرضا مسرحيا يحمل بين طياته بعض المحاذير التي قد لا يستسيغها البعض!.. بالرغم من ذلك تظل تلك المحظورات جزءا من الموروث الشعبي المتأصل في قراره الإنسان العماني، التي قد تختلف في مضمونها وسرد تفاصيلها من ولاية إلى أخرى. وتطرح مسرحية (ظل وسبعة أرواح) قضيتها بجرأة ساخرة أمام المشاهد، بغية إثارة الرعب والاشمئزاز على ماض أصر على أن يطوي صفحة الظلام التي كانت موجودة قبل عصر النهضة.
ويتحدث العرض عن موضوع متعارف عليه في المجتمع العماني الذي يؤكد الفكر الأسطوري الشعبي الذي يؤمن بوجود السحر الأسود، والذي كان يعتقد بأن الناس يتعلمونه أو يتوارثونه في العائلة، علما بأن من يقع عليه الاختيار لابد أن يعايش طقوس السحر، التي تبدو مخيفة ومرعبة في أغلب الأحيان!.. ولعل من أصعب المواقف التي يعايشها من يريد أن يصبح ساحرا، هو أنه لابد أن يقدم أحد أقاربه قربانا، وإلا فإنه سيموت!!.. وهذه الفكرة الأساسية التي استندت المسرحية عليها..وهذا ما يفسر لنا حالة (العم الساحر) وهو يتأوه ويتوجع وكأنه مريض ويظل هكذا إلى أن يضحي بأحد أفراد العائلة!!... بعد ذلك يشفى ويعود إلى حالته الطبيعية.. وهكذا دواليك يستمر الساحر في دوامة الظلم والتنديد بالآخرين(5).
وركن المخرج إلى توظيف (الكورس الغنائي)، والذي على ما يبدو أنه راهن عليه، بغية تجسيد مشاهد القوى الغيبية التي يعايشها (الساحر) ليلا، والذي كان يقوم بطقوس غريبة ومفزعة تضخم الشعور بالرعب لدى المشاهد، وتجعله يعايش تجربة مسرحية أقرب إلى أسطورة (الزومبي) التي طالما شاهدناها في الأفلام السينمائية الأميركية، ولكن هذه المرة عرضت حسب المعتقد العماني الشعبي، الذي يؤمن بفكرة وجود الساحر أو (المغايبة). ويظهر في هذا العرض التمازج الفني الفريد بين الواقع التراجيدي وحياة الأسرة، حيث الألم والمعاناة والفراق والخوف من المجهول والقوى الشريرة، والميل نحو الخيال وتجسيد القوى الشريرة في جو هيستيري ينوء بالمعاناة... وهذا جعل المسرحية تأخذ طابعا يميل إلى كسر الأطر التقليدية، وتغيير مسار الصراع من الحوار مع الذات والخوف من المجهول إلى صراع مع القوى الشريرة على غرار مسرحية شكسبير (مكبث)، التي تظهر الساحرات فيها، وهي تحضر للأرواح وتتنبأ بزوال ملك مكبث عندما تتحرك الغابة.
كما ساعدت الموسيقى على تكثيف المعاناة لدى المشاهد، واستحضار الحالة المأساوية التي تعايشها الشخوص منذ البداية، وكانت هناك موسيقى حزينة تصور معاناة (المغيب) أو (المسحور) الذي كان يجلس في مستوى أعلى، لتصوير مشاهد من حياته بعد أصبحت منفصلة عن أهله، فهو مقيد ومسلوب العقل وضحية لشيء لم يقترفه!.. ثم قفزت الموسيقى بغية تصوير الجو الذي يعيش الساحر فيه، حيث استخدمت موسيقى مرعبة ذات رتم عال، يتناغم مع الرقصة التي يؤديها الكورس... وجميع ذلك تناغم مع بقية عناصر "السينوغرافيا" التي ساعدت على تكثيف الجو الهيستيري بصورة خيالية يصعب تصديقها في بعض الأحيان.
كما ضخمت الإضاءة الجو المرعب بشكل كاريكاتيري ساخر، الأمر الذي جعل المشاهد يشمئز، وهو يشاهد منظر الساحر وأتباعه. كما استخدمت الإضاءة المسطحة لفرش الأرضية التي كان يقف الممثلون عليها... في حين تمت الاستعانة بالإضاءة الحمراء عند قيام الساحر باستحضار الأرواح وما يصاحبها من طقوس مفزعة. ومزجت أزياء الممثلين التي كان يرتديها بين الواقع والخيال، بغية تضخيم الجو الخرافي للموضوع من خلال الكورس الذي كان يرتدي أزياء مخالفة لهوية العرض، وتقترب من الجو المفزع الذي يعيشه الساحر... وبذلك استطاعت الأزياء أن تجزئ المسرحية إلى قسمين، القسم الأول تغلب الواقعية عليه، بغية تأكيد أن موضوع المسرحية ينتمي في حيثياته إلى المجتمع العماني، في حين القسم الآخر يصور حياة الأشخاص الذين انتقلوا إلى عالم آخر يصعب تصديقه ويخرج عن دائرة العقل المحدودة، من خلال فكرة المغايبة والسحرة المتعارف عليها، حسب الفكر الأسطوري المتداول في الحكاية الشعبية العمانية، لذا جاءت الأزياء ترجمة لهذا الفصل بين هذين العالمين.
ولقد عرضت مسرحية (ظل وسبعة أرواح) في بهو النادي الثقافي بالقرم... وقد يتساءل البعض كيف استطاعت هذه الفرقة أن تقدم عرضا في مكان يفتقد إلى خشبة المسرح؟... والإجابة بأنه على الرغم من ذلك، إلا أن تلك الفرقة استطاعت بالفعل أن تقدم عرضا للفرجة على أرضية خاوية، جاءت أقرب إلى المسرح الدائري الذي يحتفل بالفرجة الشعبية وجعلت المشاهد يستمتع باللعبة المسرحية التي تعرض أمامه. وذلك من خلال تقسيم مساحة العرض إلى مستويات ثلاثة، المستوى الأول: المساحة التي يجلس المشاهدون عليها، التي تفردت بنصيب الأسد من الأحداث، حيث تمركز الفعل الأساسي فيها، كما ظهرت الشخصية المحورية (الساحر) عليها. أما المستوى المتوسط الذي يقبع فيه أحد المسحورين، وهو يردد بعض العبارات الأقرب إلى الكلام المسجوع، بغية التعبير عن واقعه... في حين جاءت السلالم التي تعانق البهو من جهتين كمستوى ثالث، التي تميزت بظهور الأطفال(الكورس) بين الفترة والأخرى(6).

ثانيا : الأهازيج والأغاني الشعبية

هناك عدد من الأعمال الدرامية التي استفادت من التنوع الثقافي الذي تزخر به ولايات ومحافظات السلطنة.. ويمكن إيراد بعض الأعمال المسرحية من محافظة ظفار، التي وظفت الفنون الشعبية:
1ـ مسرحية (كلمات) التي عرضت في أحد الملتقيات المسرحية الشبابية بمسرح الشباب، التي اشتملت على مزاوجة فريدة من نوعها بين الماضي والحاضر، وذلك من خلال دمج الفنون الشعبية مع الموسيقى الحديثة، بصورة جمالية رائعة أثرت على العرض المسرحي، وأعطته لمسة إنسانية وجمالية أثبتت إمكانية استغلال الموروث الشعبي الظفاري في الخطاب المسرحي للتعبير عن المشهد الاجتماعي والثقافي العماني.
وظهرت في هذا العرض أهم الرقصات التي تشتهر محافظة ظفار بها، مثل: رقصة الربوبة، ورقصة الشبانية، ورقصة البلنجي، ورقصة الموت، وجميعها شكلت ترنيمة إيقاعية شعبية، للإيحاء بالبعد الاجتماعي العماني. لذا كان لابد من دراسة هذه الأشكال التراثية ..وذلك بهدف توظيفها في الدراما المسرحية ومعرفة كيفية الاستفادة منها بما يتلاءم مع واقع الحياة المعاصرة(7).
2ـ عرض مسرحية (الباحث عن الحقيقة) لفرقة صلالة المسرحية، برغم غلبة البُعد الفلسفي عليها، وخاصة عند رسم أبعاد الشخصيات المعبرة عن الذات البشرية، إلا أنه بفضل مقدرة الطاقم الفني للعمل في التحايل على الرمز، وذلك من خلال استغلال التراث الشعبي، بغية صنع فرجة مسرحية يتم من خلالها توظيف الأغاني والرقصات الشعبية.
3ـ عرض مسرحية (شجرة الخير) للمؤلف والمخرج محمد المهندس، التي قدمتها فرقة ظفار خلال مهرجان المسرح العماني الأول 2004م، وتعتمد هذه المسرحية على المعالجة الدرامية للحكاية الشعبية التي تتحدث عن شجرة الخير الأم والابنة. وتشربت أحداث هذه المسرحية بالقصص الشعبي الغنائي الذي يعكس مدى تأثر الناس بالشعر النبطي وارتباطه بنمط حياتهم مع توظيف القصة الشعبية بغية صنع مزاوجة بين الموروث والدراما (8).


ثالثا : الأمثال الشعبية العمانية

تعد الأمثال الشعبية من التراث الشفهي المتناقل على لسان الأجداد والأسلاف، كمثال على استغلال المثل الشعبي في الأعمال الدرامية، مسرحية (عين ما شافت عين ما لامت) للمؤلف حمد الشكيلي والمخرج أحمد البلوشي. ومما لاشك فيه، إن استغلال المثل الشعبي في الدراما المسرحية يعتبر من الظواهر الجيدة التي لامست الهم الشعبي. ولقد رصدت هذه المسرحية قضية المعاق (المكفوف) في المجتمع العماني من زوايا عدة. وخاصة من خلال توضيح علاقة المكفوف بالأسوياء في المجتمع، وكيف يمكن أن يتعايش الضرير مع الآخرين، وتم عرض المسرحية في قالب درامي اجتماعي كوميدي.
وتخلل هذا العرض عزف العود وإيقاع الطبل.. مما أضفى عليه إيقاعا شعبيا مستمدا من المأثور الشعبي الموسيقي، الأمر الذي ساهم في إحداث نوع من التناغم بين بنية القصة من خلال المثل الشعبي والفعل الدرامي الممسرح.

رابعا: التاريخ العماني

وجد الكاتب المسرحي في التاريخ مادة غنية لإيجاد عمل مسرحي أصيل، مليء بالمتعة والمعرفة. وهناك تعريفات متعددة للتاريخ أو الحقيقة التاريخية، وأول هذه التعريفات هي: "تتبع وتفسير التطور الذي تمر المجتمعات به، والتطور التاريخي: هو محاولة في سبيل التوصل إلى رؤية الماضي عن طريق الربط بين الحقائق التاريخية بشكل تبدو متناسقة"(9). وهناك وصف آخر للتاريخ: "يعد التاريخ واجهة الحضارة الإنسانية، فلا عجب أن استولى على قلوب هواة المعرفة، وغدت له المنزلة الرفيعة عند الطالب والإنسان البسيط، ولقد اهتم مؤلفو الشرق والغرب به، وذلك لتبيان مراحل تطور الشعوب ورقيها" (10).
وتعد مسرحية (الفرس) أول مسرحية تاريخية تم استلهام موضوعها من التاريخ التي كتبها الشاعر الإغريقي إسيخيلوس عام 480 ق .ب وتتحدث هذه المسرحية عن موضوع مستمد من تاريخ الإغريقي، من خلال وقائع الحرب التي دارت بين الفرس والإغريق في معركة سلاميس(11).
وفي انجلترا وظف التاريخ في المسرح على يد شكسبير الذي ظهر في القرن السادس عشر، والذي استلهم مسرحياته من التاريخ العالمي، بدءا من تاريخ انجلترا بما تضمنته أعماله مثل: (الملك جون، وريتشارد الثاني والثالث، وسيرة (هنري الرابع والخامس). واستوحت عددا من أعماله من التاريخ الروماني مثل انطونيو وكليوباترة. وفي القرن السابع عشر استخدم أصحاب الكلاسيكية الجديدة الواقعة التاريخية الكلاسيكية، وقاموا بإعدادها بما يتلاءم مع العصر الذي يعيشون فيه، ويتفق مع دينهم وتقاليدهم وعاداتهم(12).
وقد لجأ الكتاب المسرحيون في الوطن العربي إلى التاريخ، وذلك بغية صنع مسرح عربي أصيل يستلهم مادته من التاريخ العربي الإسلامي لتأكيد الهوية القومية العربية. حيث يعتبر التاريخ مادة خام يمكن تشكيليها لصنع عمل درامي شكلا ومضمونا، كما أن موضوعاته تحوى على الدلالات الرمزية والموحية.
ومن منطلق ذلك كانت هناك العديد من التجارب المسرحية، التي استوحت موضوعاتها من التاريخ المصري العربي مثل الموضوعات المتعلقة بالملوك، كما تناولت بعض الأعمال تاريخ مصر في ظل الحضارة الإسلامية مثل الدولة الفاطمية والإخشيدية وشجرة الدر. بالإضافة إلى الموضوعات التي تتحدث عن الدولة العباسية وعن هارون الرشيد ونكبة البرامكة.
وفي السلطنة قدمت عددا من الأعمال المسرحية المستوحاة من التاريخ، منها مسرحية (الوطن) التي تستعرض الصراع التاريخي بين البرتغاليين والعمانيين، والذي انتهى بإجلاء البرتغاليين عن عمان والخليج العربي.. إلى جانب مسرحية (الراية) التي قدمت عام 1983م.. والتي تتحدث عن حياة الإمام والقائد العماني الوارث بن كعب الخروصي الذي يعتبر من الأئمة البارزين الذي كان له دور في الدفاع عن الوطن(13). ومن الأعمال المقدمة أيضا عرض مسرحية (زهراء سقطرى) من تأليف سمير العريمي، وقام المؤلف بمعالجة المادة التاريخية التي تحكي قصة الإمام الصلت بن مالك الذي حكم عمان خلال الفترة (237ـ272هـ)، والذي استجاب لنداء (زهراء سقطرى) لنجدة جزيرة (سقطرة) من الأحباش بعد قراءته لقصيدة الزهراء، برغم أن القصيدة قيلت منذ حوالي ألف عام ويزيد، إلا أنها تضمنت أبعادا سياسية وإنسانية!.
واستطاعت أن ترسم لنا لوحة مسرحية مستوحاة من التاريخ العماني، والذي يضم بين ثناياه ملاحم ووقائع سجلت بطولات الأئمة العمانيين عبر التاريخ(14).

ختاما:

لكل أمة إرثها الحضاري الذي تحرص على استغلاله وتوظيفه في الأعمال الإبداعية العصرية التي تخاطب الناس.. وهذا يجعلنا نتوقف عند الأعمال الدرامية العمانية المقدمة وتحديدا الدراما المسرحية، ونتساءل إلى أي مدى استطاع المشتغلون في المجالات الفنية استغلال الإرث الشعبي والتاريخي، لصنع دراما عمانية؟.. بالتأكيد بأن الإجابة على ذلك التساؤل يحتاج إلى مزيد من الجهود في مجال البحث في الموروث الشعبي؟.. خاصة إذا علمنا بأنه ليس جميع مفردات وعناصر التراث الشعبي تصلح لصنع مسرح عماني يعكس هوية هذا الوطن ويعبر عن شجونه ويطرح قضاياه في ظل الانفتاح العالمي والغزو الثقافي.


الهوامش:

1ـ القصابي، عزة، مجلة (نزوى)، العدد (46) ابريل 2006م، ص 304
2ـ المرجع السابق، ص 305
3ـ القصابي، عزة، مقالة بجريدة الوطن، أشرعة، بتاريخ 9 يونيو2009م
4ـ المغيب: كلمة باللهجة العمانية الدارجة، وتعني الشخص الذي وقع تحت تأثير السحر ومات ثم عاد مرة أخرى إلى الحياة مع فقدانه للذاكرة ،وعدم قدرته على التعرف على حيثيات حياته السابقة.
5ـ القصابي، عزة، مقالة بجريدة الوطن، أشرعة، بتاريخ 9 يونيو2009م
6ـ المرجع السابق
7ـ القصابي، عزة، رؤية في المسرح العماني، وزارة التراث والثقافية، 2006م، ص 233
8ـ المرجع السابق، ص153
9ـ مقال ( الحقيقة التاريخية ) ، لطفي يحيى، عالم الفكر، المجلد السابع عشر، العدد الرابع - ص108.
10ـ من مقدمة القاموس التاريخي "تاريخ الحضارات العام "، ص11
11ـ القصابي، عزة، توظيف التراث والتاريخ في المسرح العربي الحديث، دار التكوين: دمشق، 2010م، ص 10
12ـ المرجع السابق، ص 11
13ـ الحبسي، محمد، الحركة المسرحية في عمان، وزارة التراث والثقافة، 2006م، ص343-344
14ـ القصابي، عزة، مجلة (نزوى)، المرجع السابق، ص 304.

* ورقة مقدمة على هامش معرض الكتاب السنوي 2010م، تحت رعاية وزارة التراث والثقافة


عزة القصابي


أعلى






الصناعات الحرفية العُمانية بين الماضي والحاضر (4)
الصناعات الفخارية
دلت قطع الفخار التي عُثر عليها في السلطنة على أن هناك صناعة منتشرة للأواني الفخارية وُصفت بأنها كانت صناعة متطورة وراقية
نظراً للانفتاح الاقتصادي العُماني المُبَكر على دول العالم القديم تأثرت بعض النماذج الفخارية بأساليب الصناعة في الحضارات الاخرى

تُعد صناعة الفخار من الفنون الإنتاجية، التي تلعب في تشكيلها الحاسة الجمالية دورا حيويا، وإلى جانب ذلك يعتبر هذا الفن مجالا واسعاً في عملية الاستلهام والتوظيف، وفي تنوع الأفكار حوله، وتزايد الإقبال على معايشته، وإنتاجه إنتاجا نفعيا له وظيفته في الحياة. وإنتاجا فنيا للفن. وفن الفخار من الفنون التراثية التي تجسد الجوانب الاجتماعية والنفسية لصانعيها ومستخدميها، وهو فن يرتبط ارتباطا وثيقا بالتراث التاريخي وبالأشكال المرئية البيئية، ولها أدبياتها الشفهية وأرتامها الصوتية المصاحبة لعمليات الإنتاج ونداءات الباعة، ولها أطرها التقليدية لتعامل الحرفيين بعضهم مع بعض، بالإضافة إلى أهمية دور الخبرة والممارسة والحساسية في التشكيل، والدراية بالتقنية العالية. ومن المعروف عن هذه الحرفة أنها تحاكي الأسلاف في نمطية الإنتاج، ولكن من المعروف أيضا أنها مهنة تؤكد ذاتها في الإبداع والتجديد في بنية التشكيل الفني. وقد يكون السبب في أن خامة الفخار ذاتها تعكس نوعا من الإحساس الفطري، وأن إنتاجه يعبر عن الروح الإنسانية التي تعكس الترابط بينها وبين الفرد الجمعي، ليس فقط من حيث الوظيفة، بل من الناحية الجمالية والنفسية. والمثل في الفخار يعطي نماذج واضحة عن فكر الجماعة حول الأمور التي يعايشونها، ويجسد تجاربهم في الحياة وفي العلاقات الإنسانية بينهم. وصناعة الفخار من الصناعات الحرفية التقليدية القديمة في عُمان فقد عُثر في الكثير من المواقع العُمانية القديمة التي تم اكتشافها على امتداد البلاد من شمالها إلى جنوبها. على أوان فخارية ذات أشكال متنوعة ترجع إلى فترات تاريخية مختلفة يعود أقدمها إلى الألف الرابع قبل الميلاد.
ومن خلال البقايا الآثارية في العديد من المواقع العُمانية، يتضح أن سكان عُمان قاموا بتصنيع أنواع كثيرة من الأدوات الحجرية، والفخارية. وقد كان للأواني الحجرية وجود مزدهر منذ أقدم العصور، وبخاصة ما كان يستخدم لطهو الطعام، وأواني الطهو المصنوعة من الحجر لا تزال تستخدم في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية، وهي تمثل الآن الأواني الأساسية للطهو على الطريقة التقليدية القديمة، خاصة في البقاع التي لا تزال تحتفظ بعاداتها وتراثها التقليدي، من هذه الأواني ما يعرف بقدور (البُرم): ويصنع هذا النوع من حجر صلد قوي، وقيل للقدر (البُرمة) بلغة أهل مكة، والجمع (بُرام). ويستخدم كلا اللفظين: (بُرمة)، (برام) في ريف مصر للدلالة على أوان مصنوعة من الفخار، وقد عرف العُمانيون صناعة القرميد التي كان إنتاجها يغطي الاستهلاك المحلي في فترات تاريخية معينة. وهذا النوع من القرميد المحروق الذي عُثر عليه في صحار يدل على قيام التواصل التجاري بين صحار وبين المدن المناظرة لها على الخليج، وقد أعيد استخدام هذا القرميد في عدد من المباني المنشأة حديثا في صحار.
وتتنوع الأواني الفخارية المكتشفة في المواقع الأثرية العُمانية في الشكل والزخارف. حسب الغرض من استخدامها اليومي، وقد دلت قطع الفخار التي عُثر عليها في كل من قرية بات قرب مدينة عبري، والعرجاء بوادي الجزي قرب مدينة صحار، وقرية الأخضر بوادي سمد، التي تعود إلى الألف الرابعة قبل الميلاد، على أن هناك صناعة منتشرة للأواني الفخارية وُصفت بأنها كانت صناعة متطورة وراقية كمثيلاتها في منطقة الشرق الأدنى القديم المُعاصرة لها في تلك الفترة.
ونظراً للانفتاح الاقتصادي العُماني المُبَكر على دول العالم القديم فقد تأثرت بعض النماذج الفخارية بأساليب صناعة الفخار في الحضارات التي تعاملت معها فتأثرت بها وأثرت فيها. وقد أسهمت مثل هذه النماذج ذات التأثيرات الخارجية في إثبات الصلات التجارية القديمة بين عُمان وما عاصرتها من حضارات. وقد أظهرت النصوص والآثار, علاوة على كتابات المؤرخين الكلاسيكيين، الكثير من الدلائل على الدور الحيوي لموانئ الخليج العربي في العصور القديمة في الاتصال التجاري بين الموانئ العُمانية ومثيلاتها في الهند وفي كثير من الموانئ العربية على مر العصور. وكانت أهم الموانئ التي تم عبرها هذا الاتصال: ميناء دلمون, ميناء الجرها, ميناء عمانا, ميناء الدور, ويدل على الاتصال بالهند عبر الخليج العربي اكتشاف العديد من فخاريات شبه القارة الهندية بالخليج العربي يزيد عددها على أكثر من أربعمائة آنية منها ثمانية تذكر بالأسلوب الهندي. وقد عُثر في موقع رأس الجنز بالمنطقة الشرقية في عُمان على عدد من الأواني الفخارية التي تحمل بعض الزخارف التي تتشابه مع مثيلاتها في الحضارة الهندية وتأتي زخارف فخار رأس الجنز مع مثيلاتها الهندية لتوضح مظاهر التأثير والتبادل بين الحضارتين منذ القدم. علاوة على ما عُثر عليه من آثار في موقع الدور (عمانا) تؤكد وجود تبادل تجارى بين هذا الموقع وبين حضرموت عن طريق مينائها الشهير (قنا) ومن هذه الآثار عدد من الأواني الفخارية المستوردة من جنوب شبه الجزيرة العربية.
وتحتوي هذه المكتشفات على آنية جدرانها سميكة شبيهة بتلك التي عُثر عليها بحفريات ميناء رأس الحد، الذي يشبه بدوره" ما وجد في جيدي ومجموعة جزر لامو في شرق أفريقية". كما دلت الآنية التي تم اكتشافها في بُهلا على تشابك الصلات بين عُمان وبين مناطق التجارة الدولية التي كانت تمر بموانيها سلع التجارة الشرقية وكذلك على تشابك الصلات والمصالح المتبادلة بين داخلية البلاد وسواحلها. وكانت القبور التي عُثر عليها في منطقة بات تحتوي على عدد من الهياكل العظمية، يصاحبها الكثير من مفردات الأثاث الجنائزية التي عادة ما تصاحب الميت وكان أهمها جرار فخارية صغيرة كان بعضها ذا أسلوب محلي، وبعضها ذو تأثيرات خارجية. يعود تاريخ صناعة أول فخاريات وجدت في عُمان إلى بداية الألف الثالث قبل الميلاد، وقد صنع الفخار الذي يمكن الانتفاع منه منذ أن بدأ الإنسان يحتاج للأواني ويبدو أن عُمان، حتى وقت مبكر بحدود أواخر الألف الثالث ق.م، كانت على صلة بمراكز أخرى من منطقة الخليج، والدليل على هذه الدرجة من الاتصالات بعيدة المدى الفخار الموجود في عدة مواقع في السلطنة، والذي يبين صلاتها مع أم النار شمالا، وكولي عبر الخليج في بلوشستان، ومع غرب إيران، وأخيرا مع باربار في البحرين. وحتى الآن لم يفرز أي موقع خليجي آخر مواد قابلة للمقارنة ليفسر وجود شبكة بهذا الاتساع من الاتصالات التي نعمت بها عُمان في عصورها القديمة. وكانت التجارة بوجه خاص السبب في هذا التركيز الجلي في الاتصالات الأجنبية، وفي حالة عُمان، بنيت التجارة على بحث القدماء عن الأحجار، وعن مصادر أحد أهم العناصر في اقتصادياتها، وهو النحاس.
ويتتابع التاريخ على أرض عُمان وتقدم لنا نتائج الحفائر أدلة كبيرة على هذا فمن العهد الإسلامي الأول عُثر على مجموعة من قطع الفخار عند مصب وادي بني خروص على ساحل الباطنة (ما بين مدينتي المصنعة وبركاء)، تشبه الفخار الذي عُثر عليه بسامراء في العراق، وسيراف ببلاد فارس واليمن، وهذا يدلنا على أن عُمان كانت ملتقى تجتمع فيها تأثير حضارات مختلفة فتصهرها في بوتقتها فمثلا نجد بمصنع بُهلا أن عجلة الفخار والقالب الذي يصب فيه شبيه بالنمط السومري القديم، بينما مصنع سور السوادي بمدينة صحم، قد تأثر بالنمط الفارسي، من حيث القالب و" المهبة" الموقد الذي يحرق فيه الفخار. في حين جمع مصنع مسلمات (قرية بوادي المعاول) النمطين السومري والفارسي، فالقالب سومري وطريقة ضرب الفخار فارسية كما عُثر على قطع أوانٍ فخارية لونها أخضر مشوب بزرقة، وآنية أخرى مزججة مرشوشة، لقد كانت هذه الفترة (القرن الثالث والرابع الهجري/ التاسع والعاشر الميلادي) فترة ازدهار التجارة الدولية في منطقة بحر فارس وبحر الهند وكان لصحار دورها البارز في نشاط هذه التجارة، وهذا يعكس ازدهارها ورخاء المنطقة برمتها. ومن القرنين السابع والثامن الهجريين/ الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين عُثر بتل قرب بسياء الواقعة إلى الجنوب من مدينة بُهلا آنفة الذكر على قطع أوانٍ فخارية، وتحتوي هذه المكتشفات على آنية جدرانها سميكة شبيهة بتلك التي عُثر عليها بحفريات ميناء رأس الحد، الذي يشبه بدوره،" ما وجد في جيدي ومجموعة جزر لامو في شرق أفريقية"، أو سيراف المطلة على بحر فارس، وقد توصل الباحثون إلى أن آنية بُهلا التي تم اكتشافها تدل على تشابك الصلات بين عُمان وبين مناطق التجارة الدولية التي كانت تمر بموانيها سلع التجارة الشرقية، وكذلك على تشابك الصلات والمصالح المتبادلة بين داخلية البلاد وسواحلها.

الصناعات الفخارية العُمانية الحديثة

استمرت الصناعات الفخارية كإحدى الحرف التقليدية المتوارثة في عُمان منذ القدم، حيث اهتم بها الصناع العمانيون وذلك لتعدد استعمالاتها. وقد ساعدهم على القيام بهذه الصناعة توفر طينة المدر الصالحة خصيصا لها. وقد استمر استخدام الفخار بأشكاله المختلفة في الكثير من المناطق العُمانية على مر العصور، وظل الفخار الذي يصنع في القرى حتى السبعينيات يستخدم في أغراض عملية إلى حد كبير، وهو يشمل أواني ذات مسام لحفظ المياه وأواني للطبخ وأكوابا. ويعتمد مستوى الإنتاج والطرق المتبعة على نوعية الطين المتوفر. ويمكن تكييف المواد الأساسية للمنتج تبعا للغرض المصنوع من أجله ومثال ذلك إن يضاف الرمل إلى خليط الطين لجعل جرار الماء تحوي عددا أكبر من المسامات. ويستطيع صانع الفخار الماهر صنع أكثر من خمسين جرة في اليوم الواحد. ويتم تناقل أسرار المهنة من جيل لآخر وعادة ما يكون ذلك في نفس الأسرة وقد احتفظت بعض العائلات بهذه المهنة لقرون عدة.
وجدير بالذكر أن هناك ثلاث طرق لصناعة الفخار هي: التشكيل عن طرق عمل نماذج مفردة حيث تعمل كل قطعة باليد على حدة.. واستخدام القوالب، حيث يعمل لكل آنية قالب تصب فيه العجينة وترفع من القالب بعد تشكيلها.. واستخدام الدولاب "العجلة" وذلك بوضع الطين في دولاب يدور، وتشكل الطينة أثناء الدوران من أعلى وأسفل إلى أن يتم الشكل المطلوب.
وفي النهاية يتم عمل النقوش التي تزين المصنوعات الفخارية وتضفي عليها جمالاً وروعة.
وقد ساعدت الحكومة العُمانية في عهد النهضة المباركة على قيام مصانع ذات الإمكانيات المناسبة في أكثر من موقع بغرض إحياء هذه الصناعة التقليدية صاحبة التاريخ الأقدم. وقد مثها مصنع بُهلا، ومصنع سور السوادي بمدينة صحم، ومصنع مسلمات بوادي المعاول. وقد تطورت هذه الحرفة اليدوية حديثا بحيث عززت بمواد خاصة. وهناك مراكز أخرى لصناعة الفخار، حيث يتوفر الطين ذو النوعية الجيدة.
وتعد ولاية بهلا بالمنطقة الداخلية أكثر ولايات السلطنة شهرة بهذه الصناعة وذلك لتوافر الطين عالي الجودة في أراضيها. ويتلخص تحضير الطين الذي يصنع منه الفخار في تحضير التربة الجيدة بعد تنقيتها من الشوائب والحجارة ثم تعجن بإضافة المياه إليها وتترك لفترة زمنية حتى تتخمر. ويذكر دورثي عدة أنواع ومصادر لطين الفخار تأتي من مناطق مختلفة من أنحاء السلطنة.
وبعد تجهيز العجينة يقوم صانع الفخار بأخذ قطع من العجينة ويقوم بتشكيلها حسب نوع المنتج المطلوب وذلك باستخدام (دولاب صانع الفخار) وهو آلة تحرك بالأرجل، وتعمل اليدان الماهرتان على تشكيل الآنية وزخرفتها أثناء عملية التحريك. بعد الانتهاء من تشكيل المنتج توضع لمدة محددة في فرن خاص مبني بالآجر لتزداد القطعة المنتجة صلابة، وبعد إخراجها تكون الآنية الفخارية صالحة للاستخدام. والجدير بالذكر أن الحكومة الرشيدة قد افتتحت مصنعا للفخار بولاية بهلا عام 1986م. وتقوم هذه الصناعة على مهارة العاملين فيها وتوافر المواد الخام المناسبة للإنتاج، حيث يتم اختيار نوع جيد من الطين يأتي من مناطق معروفة في السلطنة يتميز بنقائه وسهولة تشكيله ودرجات ألوانه المتعددة، وتبدأ العملية بعد أن يقوم صانع الفخار بعجن الطين بالماء ثم يقص منه على حجم الإناء ويتحكم صانع الفخار في شكل المنتج بحركة يديه ودوران الدولاب. ثم توضع لتجف في الشمس ثم تحرق في النار، ويتم ذلك يدويا دون عجلة، بالإضافة إلى أن صنع الفخار المزخرف يقوم به أفراد ذوو كفاءة عالية.
واشتهرت صناعة المجامر الفخارية في محافظة ظفار، وهي مزينة بالألوان الزاهية، ولا عجب أن تزدهر صناعة المباخر الفخارية في ظفار فهي نفسها موطن اللبان، وقد كانت لقرون خلت مركزا واسعا لإنتاج وتجارة اللبان العالمية الذي لا يزال استعماله منتشراً على نطاق واسع في الشرق، وفي الكنائس المسيحية في الغرب. وكما اشتهرت المباخر الفخارية اشتهر الدست أيضاً من بين الصناعات الفخارية، وهو طبق دائري كبير عادة ما تقدم فيه الحلوى العُمانية، إلا أنه تختلف أحجامه وزخارفه. وتتميز المصنوعات الفخارية بزخارف متنوعة تؤكد قدرة الفنان العُماني على الابتكار وغزارة الأفكار والحلول التشكيلية التي يمتلكها للتعبير عن مضمون ثقافته والغني في استخدام المفردات التشكيلية التي شغلت مختلف المساحات المختلفة التشكيل بعدة وحدات زخرفيه منها: الحز على السطح وهو رطب وقد تملأ الحزوز بألوان وكان من الزخارف التي استخدمت أيضاً الزخارف التي اعتمدت على الوحدات الهندسية والنباتية والعناصر الكتابية أو الزخارف المستمدة من التراث الإسلامي كالزخارف المفرغة وكتابة الآيات القرآنية.
وينتج من الفخار العُماني العديد من الأنواع منها: الدلال، والجحال، والمجامر, والجرار، والأطباق، والأقداح، والمغر، والمزاهر. ونماذج للقلاع والحصون والقوارب وغيرها من مفردات التراث العُماني. وتتميز بهلاء بجرارها الكبيرة المستخدمة في عملية تخزين التمر ومن ضمن الأشكال الأخرى المنتجة هنالك المباخر، وميازيب السطوح، وجرار، وأكواب المياه، وجرار اللبن، وأواني الحلوى، أما أواني الطعام فتصقل من الداخل.
ويمكن تقسيم المنتجات الفخارية العُمانية إلى أواني حفظ الأغذية، وأوانٍ لتبريد وحفظ مياه الشرب، وهناك العديد من الأدوات الفخارية منها ما يستخدم لإطلاق البخور كالمجامر ومنها المزهريات ذات الأشكال المتنوعة التي تستخدم في الحدائق ومداخل المنازل، ومنها قطع للزينة تشكل بزخارف متنوعة بعد طلائها وتلوينها لتصبح ذات قطع فنية جذابة.
وهكذا تواصلت صناعة الفخار بين الماضي والحاضر وقد احتفظت بعض العائلات بهذه المهنة لقرون عدة، حيث توارثت الأجيال الصناعات الفخارية من الأسلاف فحافظوا على أصولها، وأضافوا متطلبات عصرهم إليها، ونجحوا وأبدعوا فيها لِتُضيف روح الاستمرارية إلى أحد الفنون العُمانية التقليدية، لتظل تؤدي واجباتها الوظيفية والجمالية في آن واحد.

* د. فتحي عبدالعزيز الحداد
الخبير بالهيئة العامة للصناعات الحرفية


أعلى




تـراثـيـات


ملني واثقا!

عتبت متيم على علي بن هشام فهجرته، وترضاها بكل شيء فلم ترض، فكتب إليها: الإدلال داعية الملال، والتغضب مقدمة التجنب، ورب هجر يدعو إلى صبر، وإنما سمي القلب قلباً لتقلبه، وما أحسن ما قال العباس:
ما أراني إلا سأهجر من لـي
س يراني أقوى على الهجران
ملني واثقاً بحـسـن وفـائي
ما أضر الوفاء بـالإنـسـان


ــــــــــــــــــ

أي فتى

قال علي بن الجهم: لحظت فضل الشاعرة لحظة استرابت بها فقالت:
يا رب رام حسن تعـرضـه
يرمي ولا يشعر أني غرضه
فقلت:
أي فتى لحظك لا يمرضه
وأي عقد محكم لا ينقضه


ــــــــــــــــــ


لا نموت حتفا

خطب عبد الله بن الزبير الناس لما بلغه قتل مصعب أخيه فقال: إن يقتل فقد قتل أبوه وأخوه وعمه. إنا والله لا نموت حتفاً، ولكن نموت قعصاً بأطراف الرماح، وموتاً تحت ظلال السيوف. وإن يقتل مصعب فإن في آل الزبير خلفاً منه.


ــــــــــــــــــ


هل يكلمني صداها؟

حميد بن ثور الهلالي
خليليّ إنّي مشتكٍ ما أصـابـنـي
لتستقينا ما قد لقيت وتعـلـمـا
أمنتكما، إنّ الأمـانة مـن يخـن
بها يحتمل يوماً من الله مأثـمـا
فلا تفشيا سرّي، ولا تخـذلا أخـاً
أبثّكما منه الحديث المكـتّـمـا
لتتخذا لي، بارك اللـه فـيكـمـا،
إلى أهل ليلى العامريّة سلّـمـا
فإن كان ليلاً، فألوناه هـديتـمـا،
وإن خفتما أن تعرفا فتلـثـمـا
وقولا: خرجنا تاجرين فأبـطـأت
ركابٌ تركناهـا بـثـد قـيّمـا
فإن أنتما أطمأننتما وأمـنـتـمـا
وأخليتما ما شئتما فتـكـلّـمـا
وقولا لها: ما تأمرين بصـاحـبٍ
لنا قد تركت القلب منه متـيّمـا
أبيني لنا إنّا رحلـنـا مـطـيّنـا
إليك، وما نرجوك إلاّّ توهّـمـا
ألا هل صدا، أمّ الولـيد مـكـلّـمٌ
صداي، إذا ما كنت رمساً وأعظما


ــــــــــــــــــ

إن لم تكفي

روى التوحيدي قال: رأيتُ المعافى بن زكريا الجريري(ت:390هـ) وقد نامَ مستدبر الشمس في جامع الرُّصافة في يوم شاتٍ وبه من أثر الفقرِ والبؤس والضُّر أمرٌ عظيم؛ مع غزارة عِلمه واتساع أدبه وفضله المشهور، ومعرفته بصنوف العلوم؛ خاصة علم الآثار والأخبار وسير العرب وأيامها، فقلت له: مهلاً أيها الشيخ وصبراً! فإنك بعين الله ومرأى منه ومسمع، وما جمع الله لأحد شرفَ العلم وعزِّ المال، فقال: ما لابد منه من الدنيا فليس منه بدّ، ثُم قال:
يا محنة الله كُفي
إن لم تكفي فخفيِّ
قد آن أنْ ترحمينا
من طول هذا التشفي
طلبتُ جداً لنفسي
فقيل لي قد توفيِّ
فلا علوميَ تجدي
ولاصِناعةُ كَفِّي
ثورٌ ينالُ الثريا
وعالِمٌ متخفِّي


ــــــــــــــــــ

أنى لك أم بعدها

قال المدائني: كانت لأبي الأسود مولاة يقال لها لطيفة، وكان لها عبد تاجر يقال له ملم فابتاعت له أمة وأنكحته إياها، فجاءت بغلام فسمته زيداً، فكانت تؤثره على كل أحد، وتجد به وجد الأم بولدها، وجعلته على ضيعتها، فقال فيه أبو الأسود، وقد مرضت لطيفة:
وزيد هالك هلك الحبـارى
إذا هلكت لطيفة أو مـلـم
تبنته فقـال وأنـت أمـي
فأنى بعدها لـك زيد أم !
ترم متاعـه وتـزيد فـيه
وصاحبها لما يحوي مضم
ستلقى بعدها شراً وضـرا
وتقصى إن قربت فلا تضم
وتلقاك الملامة كـل وجـه
سلكت وينتحي حالـيك ذم
قال فماتت لطيفة من علتها تلك، وورثها أبو الأسود، فطرد زيداً عما كان يتولاه من ضيعتها، وطالبه بما خانه من مالها فارتجعه، فكان بعد ذلك ضائعاً مهاناً بالبصرة كما قال فيه وتوعده.


ــــــــــــــــــ


طبيب لداء الفنون!

روى الحصري: أنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرَد ولم يسمِّ قائلَه، وهو مولّد ولم ينقصه توليدُه من حظّ القديم شيئاً:
طَبِيبٌ بداء فُنُـون الـكـلا
م لَمْ يَعْيَ يوماً ولم يَهْـذُرِ
فإنْ هو أَطْنَبَ في خُطْـبَةٍ
قَضَى للمُطِيل على المُنْزر
وإن هو أَوْجَزَ في خُطـبَةٍ
قَضى للمُقِلِّ على المُكْثِـرِ
وقال آخر يصف خطيباً:
فإذا تكلَّم خِلْتَهُ متكلّـمـاً
بجميع عِدَّةِ أَلْسُنِ الخطباءِ
فكأن آدم كان علّمه الّذِي
قد كان عُلِّمَهُ مِنَ الأسماءِ
وكان أبو داود يقول: تلخيص المعاني رِفق، والاستعانة بالغريب عَجْز، والتشدق في الإعراب نقْصٌ، والنظرُ في عيون الناس عِيّ، ومسُّ اللحية هُلك، والخروجُ عما بُنِي عليه الكلام إسهاب.


ــــــــــــــــــ


الاستعانة البلاغية

وصف العتابي رجلاً بليغاً فقال: كان يُظْهِر ما غَمض من الحجة، ويصور الباطلَ في صورة الحقّ، ويُفْهِمك الحاجةَ من غيرِ إعادة ولا استعانة. قيل له: وما الاسْتِعَانة؟ قال: يقول عند مقاطع كلامه يا هناة، واسْمَع، وفَهِمت! وما أشبهَ ذلك. وهذا من أَمَاراتِ الْعَجْزِ، ودلائل الحصَرِ! وإنما ينقطعُ عليه كلامه فيحاولُ وصْلَه بهذا، فيكون أشدَ لانْقطَاعِه.
وكان أبو داود يقول: رَأسُ الخَطَابة الطَّبْع، وعمودها الدربة، وجَناحَاها رِوَاية الكلام، وحَلْيُها الإعراب، وبهاؤُهَا تخيرُ اللفظ؛ والمحبةُ مقرونة بقلة الاستِكْراه.


ــــــــــــــــــ


التخلص

هو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى
آخر غيره وجعل الأول سببا إليه ـ فيكون بعضه آخذا برقاب بعض من غير أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا وذلك مما يدل على حذق الشاعر وقوة تصرفه من أجل أن نطاق الكلام يضيق عليه ويكون متبعا للوزن والقافية فلا تواتيه الألفاظ على حسب أرادته وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر‏.‏


ــــــــــــــــــ

لو كان للدهر بلى..

مما يروى من قديم الشعر قول دوبد بن زيد بن نهد والذي قاله حين حضره الموت:
اليوم يبنى لدويد بيته
لو كان للدهر بلى أبليته
أو كان قرنى واحدا كفيته
يا رب نهب صالح حويته
ورب غيل حسن لويته
ومعصم مخضب ثنيته
وقال أيضا:
ألقى علي الدهر رجلا ويدا
والدهر ما أصلح يوما أفسدا
يصلحه اليوم ويفسده غدا


أعلى





الأدب الشعبي


بوح
إدارة جديدة واستحقاقات قادمة

بعد عامين وبضعة شهور من العمل المضني الذي قامت به إدارة مجلس الشعر الشعبي العماني جاء التشكيل الإداراي الجديد الذي اصدره صاحب السمو السيد فاتك بن فهر المشرف العام للمجلس بعد دراسة متأنية للكثير من الأسماء المطروحة المؤثرة في الساحة والفاعلة قبل كل شيء ليؤكد اهمية العمل على أرض الواقع من خلال ضم نماذج مختلفة من المدارس الشعرية والجوانب الفنية العاملة إضافة للاختيار المثالي لتمثيل مناطق السلطنة المختلفة بحسب الخطط الموضوعة، وجاءت الأسماء الجديدة في التشكيل الإداري لتعزيز الدول الفاعل الذي قامت عليه الإدارة السابقة والتي اعتذر بعض اعضائها لظروفه ولمشاغله بعد عطاء دام قرابة عامين.
في قادم الوقت من فعاليات المجلس واستحقاقاته الكثير من المسؤولية التي يجب ان يتكاتف معها الجميع من الشعراء والمشتغلين بهذا الحقل والمهتمين ليكونوا الرافد الحقيقي لمجلس الإدارة، وقد أكد سمو المشرف العام على المجلس منذ الوهلة الأولى لتدشين المجلس أهمية تفعيل دور الشاعر في عمل المجلس من خلال التوأمة بينه وبين مجلس الإدارة التي هي أساسا منه وله، تحاول بطريقة أو بأخرى تحقيق متطلبات الساحة بحسب ما يراه الشاعر نفسه بعين العقل والمنطق، فكل شاعر ينتمي إلى الساحة الشعرية في السلطنة هو عضو إداري في المجلس ومن حقه تقديم كل ما من شأنه الإسهام والرقي بالتجربة الشعرية العمانية والساحة عموما من خلال تقديم الفكرة والعمل على تنفيذها مع المساندة الكاملة من المجلس في تبني تلك الفكرة من النواحي المادية التي يتطلبها العمل، والنواحي المعنوية التي تعزز من مكانة العمل التطوعي بإخلاص وتفان، وهذه هي الروح الأصيلة التي تملأ قلب الغيورين على الساحة الشعرية بعيدا عن المزايدات والكلام الفارغ الذي لا يؤدي اولا واخيرا الا للفرقة وبث السوداوية في واقع ومستقبل الشعر في السلطنة، الذي هو في الواقع وضع متفائل وجيد مقارنة بالآداب الأخرى في ظل وجود مجلس الشعر الشعبي العماني ووجود شخصية كشخصة صاحب السمو السيد فاتك بن فهر آل سعيد في الإشراف العام على المجلس الذي وفر المقر وكافة الإمكانيات التي من شأنها السمو بالشعر والشعراء في ظل وجود ألفة وحميمية متأصلة الجذور بين المجلس الكيان والمجلس الأعضاء الشعراء والفاعلين على عكس ما يروّجه البعض في وجود خلافات وانشقاقات بين الوسط الشعري الشعبي في السلطنة، في حين انه من الطبيعي جدا وجود مؤيد ومعارض في مختلف مناحي الحياة وقطاعاتها المختلفة الا ان الشعر الشعبي في السلطنة قد يختلف على بعض الأفكار ولكنه على المستوى العام في العلاقات والتواصل والعمل قد لا تشكّل نسبة الاختلاف 5 % من العموم، وللأسف ان من يروّج فكرة هذا الاختلاف معدودون على الساحة لا يقدمون شيئا للنهوض بالتجربة ولا يتركون الأشخاص الفاعلين يعملون من أجل خدمة الجميع.
ما زال المجلس يؤكد للجميع بأن أي عضو ينتمي إليه هو عضو إداري له ما عليه من الحقوق والواجبات وعليه ان لا يستمع للقيل والقال من خارج اسوار المجلس الذي شرع ابوابه للجميع من مختلف الفئات والمستويات، هنالك أسماء مهمة تقود المجلس إداريا، وهنالك لجان فرعية عاملة، وهنالك لجنة رسمية إعلامية، وكلها بوابات يستطيع المهتم التحقق من المعلومة الصحيحة وتقديم كل الاقتراحات من خلالها في اي وقت بمختلف وسائل الاتصال لخدمة الساحة بعمومها، فألف تحية لكافة الأسماء الجديدة التي من المؤكد انها ستحمل على عاتقها مسؤولية لإكمال مشوار بدأت به أسماء كبيرة ساهمت وبذلت الكثير من الجهد المضني والذي يؤكد الحب العظيم الذي تحمله قلوب تلك الأسماء للساحة الشعرية بمختلف ادواتها فكل الشكر لهم جميعا دون استثناء.
فيصل بن سعيد العلوي*


ــــــــــــــــــ


أصعب قرار

صمتي تركته في فمي لجل أتخذ آخر قرار
لكنني أو أنني لا صمت .. يحلى لي معي
يا قصتي أو ملحمة كل الطرق بالإختصار
إبقى هنا _ لا لن أعوفك أوأخونك تسمعي؟
**
كنتي تقولي لي تعال البارحة
وأنتي تجي وأنا بعد مثلك أجي
والليله وين أنتي ووين البارحه
**
تدرين وش أكبر مصيبة بينا؟
لما تروحي / .. وأحترق لما تجي
والأكثر أنك من تروحي أحترق
**
حظك على كيفك تسمينه فراق
وإلا أنا أصلا عيوني حالفه
الحب عمره ماصدق بالأختلاق
الحب أكبر من مشاعر زايفه
**
ماكنتي إلا في بساتيني ورد
وماكنت انا إلا على شانك أغار
أخاف لامن مرتك عيني بعمد
أشوف عيني هايمه بعينك وأغار
**
صمتي وعلمته الحكي واليوم من بعد أنتظار
ماخانني لجل السكوت ويخونني لجله فمي
لكنني ياقصتي دام بيدي آخر قرار
اليوم /.. هذا اليوم أول يوم ويخونك دمي
**
تدرين ... وش أصعب قرار؟
أنك هنا لجلي أنا
وأني هنا لجلك أنا
وفي الحالتين أصعب قرار
**
ولما يكون الحب أكمل غايته
وأني بلا أحباب .. فاقد كل شي
**
كنتي لي السيرة وأول ماكتبت
وكنتي لي الغرفة وأقلام الرصاص
وكنتي على الأول وأول ماشطبت
**
لاباس لو رحتي وقلتي لي تعال
ولاباس لو جيتك وقلتي لي أروح
أدري بأنك من تجي ... مقدر أجي
وأدري بأني من أجي كلي جروح
**
البارحه أنتي وأنا
وأنتي أنا والبارحه
صعبه أنا وأقبل أنا
حتى الأنا لي جارحة
مدري ببالك من يمر
وإلا ببالك سارحه
ما خنت أنا لجلك أحد
ولا خانني لجلك أحد
**
شميت بك ريحة عذر
وشميت بي أحلى صبر
ومن يهدي الضحكه لأنثى
ويضيع من أجل العذر
والله ماترضيه أنثى
لو شالها عيونه جمر
**
لحظة أبدل معطف البرد وأجيك
وأحن لك لين أشتعل حبة دخان
وأكتب على أخر سطر أني أبيك
وإني إلين الآن في نفس المكان
**
مدري إذا صمتي معي
أو خانه اليوم الوداع
أو مر يجرح مسمعي
وإنه بلا حاجة لسماع
**
يا معطفي ..! الليل عرفني عليك
تشتاق لي لين أرتمي بحضنك وأنام
وأشتاق لك من تفتح أزراري بيديك
وأحس في صمتي نطق لجلك سلام
ولو قلت لي والبارحة م قدر أجيك
ما كان في صمت الكتب هذا الكلام

سليمان الجهوري

ــــــــــــــــــ

سراج الليل

يا سراج الليل لا تحجب ضياك
ما بقى في عتمة دروبي قمر
لو بغيت أنساك قلبي ما نساك
ما نست صحراي زخات المطر
وش تبي مني وقلبي ما عطاك
هاك أرسم صورتك فيني عمر !
العمر قد جاك وأيامي فداك
بس كوني لي حياتي والقدر !!
الليالي السود تشرق من بهاك
كن شمس الأرض من ذاك الثغر !
كل يوم يزيد في قلبي غلاك
تندب الأيام همي والسهر !
ما تشوفك هالعيون إلا ملاك
ماخذٍ فكري وبالي والنظر !
يا حبيب الروح قلي وش دهاك ؟
وش يفيد الماء لو مات الزهر !
بس يكفي من تغليك و جفاك
خذ سنين العمر مني لك مهر !

يعقوب الحامدي

ــــــــــــــــــ


على الطريق ..
نويتي تبعدي

نويتي تبعدي فجأة ولا أدري وش اللي صار
نوى قلبك يخليني على باله بينسيني
يبي ينسى مدى حبي يبي يتجاهل الأقدار
خلف وعده نسى ودي مصر إنه يخليني
تباعدنا وأنا أدري بأنك تعشقي الأمطار
ولا يصبر أبد قلبك من الغيم اللي يحويني
أحبك بس حبك لي مثل ظلة تحت أشجار
أخاف أجلس تحت ظلك وأشوف الشمس تأذيني
مثل شارع مثل وادي مثل سكه عليها قْطار
أخاف أمشي أنا فحبك وأحس الموتْ يناديني
إذا شفتك أنا صدفة أحس بداخلي إعصار
ينادي كل من حولي ويحرك كل ما فيني
أمانه يا بعد عمري أبي حضنك لغيري نار
وأبيك تكوني لي جنه وزهرة في بساتيني
أبيك تكوني لي وردة وأنا من حولك الأسوار
أبي أحضن دفا جسمك وأحس حضنك يدفيني
وإذا شفتك بعد لحظة أحس عقلي عشانك طار
ويبدأ الشوق يلعب بي وأحس إنك وحشتيني
يمر اليوم وأنا أحاول أمني نفسي بالأسحار
يسيل الدمع من عيني لهيب الشوق يكويني
يزيد الشوق بي ويكبر وأحاول أمنعه بإصارار
لأني صرت من بعدك جسم والقلب يحييني
كفاية أرجعي لحضني ترى صدري بدونك ثار
كفاية مابقى بعدك ف جسمي شي يشفيني
أمانه يابعد عمري أبيك ترتبي الأفكار
ترى حبك بدى يكبر وأنا محدٍ يواسيني

أحمد المغربي

ــــــــــــــــــ


فراق

أبعتذر ان كان للعذر معنى
وابكتب حروفي على شان تقريه
تدري غلاك بخافقي ما تغنا
الين فاح العود من كف راعيه
عذبتني وانته بوصالي تثنا
ما تدري أن البعد ماني بقاويه
كثر الجفا يزيد بالجسم عنا
ويبيح صدري من هوى البال وش فيه
أبنشدك أن كان قلبك حصنا
والا على الفرقا معوده تثنيه
سلم عليه وقول له لا يحنا
ما دام سود العين ما عاد يبغيه
وأن جاك قله وش يبا اليوم منا
دام الوصال محال لا عاد نبكيه
هذي الحياه إن ما عنينا تعناً
لا تقطع دروب الوفاء لجل تشريه
وقله ترى في وصل غيره ركنا
واغيابة المقفين ما هوبنطريه
ولا عاد ابذكر يوم كنا وكنا
يوم أنها كانت بهالحب تغريه
ولا عاد أبشكي للخلايق حزنا
وأن راح خله يروح ماني براضيه
ما جيت أبين للعواذل بأًنا
ولا جيت إجًرح فالمخاليق وأبريه
كتبتلك من خافي الفكر معنى
لجل أنثر حروفي علشان تقريه

ابراهيم الكلباني

أعلى




سيرة الحجر
ما الذي يحدث في ليلة العرس؟

ـ ما أقدر، خليني كذا أحسن، تعبت، كلهم يوجه لي نظراته وكأني أنا المتهمة الأولى، أنا ما سويتبهم شي، هذا قدرهم، حد يقدر يرد قضاء الله وقدره يا ناس؟
عندما كانت تمر وهي في الرابعة عشرة من عمرها يتنهد الرجال مما وهبها الله من جمال، بل كانت آية في الجمال، لا شيء يعيبها، وجهها النحيف المنحوت وكأنه صخرة صقلتها السيول منذ القدم، أما جسمها الفارع ذي القسمات التي تجعل الفؤاد يذوب وكأنه شحمة مستها حرارة اللهب، بل هي اللهب أساسا، كيف لا وهي تلك الجوهرة التي تفتحت فجأة في قرية لم تعهد حضورا بهيا للجمال منذ عشرات السنين.
تكاثر الزوار والخطّاب على باب أبيها، وجاءت النساء بالهدايا والزينة يقدمنها في زياراتهن، لعل عائلة ما تكون من نصيب أحد شبابها، ومرت فترة من الزمن حتى قبل أبوها بأحدهم وبارك زواجهما، وما هي سوى أيام قليلة حتى زفت إليه، في عرس لم يسبق له مثيل في القرية، الكل شاركوا فيه، والكل كانوا مبتهجين إلى أبعد حد.
كانت ليلة مقمرة، تعهدت والدته واشترطت أن يتم الزواج فيها، زفت إليه عروسه، وأغلق عليهما الباب، من يستطيع تصور قلبه الفرح وهو يحظى بكل ذلك الجمال دفعة واحدة؟ من يستطيع تصور الأحلام كيف تنزلق من عينيه، حتى تصير عالما كبيرا من الحقيقة، أخيرا ها هي بين يديه، أخيرا أطفأت شمعة القنديل، وأخيرا تماهى الجسدان في العتمة.
في الصباح، استيقظت القرية على العويل والنواح من بيت العرس، فالزوج أصبح ميتا في فراشه، لقد فارق الحياة دون سابق إنذار وبلا علّة، هكذا فقط، نام مع عروسه وفي الصباح وجدته جثة هامدة، عانقت روحه في الليل، وترك لها جسده بلا روح في الصباح.
انقلب العرس إلى مأتم، وتحول الفرح إلى حزن، أما هي فعادت أرملة وقد لبست البياض، عادت لتقضي عدتها في بيت أبيها، كان الكل من حولها يبكي إلا هي، كانت صامتة، لم تذرف دمعة واحدة، كان وجهها جامدا من كل التعابير، وكان الصمت يزيدها جمالا وبهاء.
تزوجت مرات عديدة، مرات متباعدة، وكان نصيب كل من يبيت معها ليلته الأولى هو الموت، غامر البعض طمعا في تذوق جمالها، والبعض الآخر ايمانا منهم بأن القضاء والقدر هو من صنع الله وحده، لكنهم ماتوا كلهم، ماتوا بلا استثناء، بعد ذلك، بعد أن تزوجت عشرة رجال توقفت عن الزيجات، حاول البعض مخاطرا بحياته، لكنها صدت الجميع، عندها رضخوا لرغبتها فتوقفوا، لكن التوجس لم يتوقف، فبدأت الحكايات تخرج ملونة بشتى أنواع الافتراضات التي صارت حقائق مع الزمن، بعضهم يقول (إنها ساحرة، ألا ترون إلى وجهها، هي لا تشعر بالحزن ولا بالفرح، لا تبكي ولا تبتسم، لقد سحرت أزواجها واحدا واحدا)، الكل صار يهمس، لقد ضربوا حولها حصارا شديدا من الاتهامات والحكايات الملفقة، حصارا من الخوف، ربما أرادته في ذاتها، كانت تخرج في طرقات القرية، تذهب أين ما شاءت وحيدة وقد تسلحت بجمالها وباسطورتها المهيبة.
زهران القاسمي

أعلى




جينات الفن الفطري

كثيراً ما تقع أعيننا حينما نطوف في المتاحف الأثرية القومية في وطننا خاصة وبين أمم الشرق والغرب عامة على العديد من أدوات الصيد أو المعيشة التي وجدت في بعض الكهوف التي كان يسكنها الإنسان الأول ومن جملتها على سبيل المثال فؤوس وقطع أثرية نقشت عليها رسوم حيوانات مختلفة كالإبل والجاموس والأسماك وبعض الحيوانات المنقرضة كالماموس وغيرها، وعندما نشير إلى أنها رسوم فإننا لا نعني أنها رسوم عادية، بل هي على نصيب كبير من الإبداع الفني وبها الكثير من قوة الملاحظة في النقل والسرعة في التنفيذ على رغم سذاجتها وبساطتها، وعندما يتأملها الواحد منا جيداً سيعجب حتماً مما ذكرت، وسيلاحظ المهارة الفنية والإبداعية للإنسان الأول الذي يحلو للبعض منا أن ينعته بالمتوحش. يقول العلامة (كيو) "إن الفن من الأمور الكمالية في المجتمعات الإنسانية التي لم تبلغ في مراتب الحياة الاجتماعية درجة محترمة، بينما هو من ضرورات الحياة الأولية في المجتمعات الراقية التي تطلب الحياة أكثر من الطعام والشراب لأن هذا الشيء يشترك فيه الإنسان والحيوان" وإذا ما قمنا بتطبيق قول كيو في كثير من مجتمعات العالم سنصل معه إلى نتيجة عكسية هي أن الإنسان الهمجي كان يمارس الفن بالغريزة التي وسعت له في حياته الضيقة مكانة محترمة، بينما سنجد بأننا نحن المتمدنين بالتصريحات التي يطلقها الكثيرون اليوم بأن الفن ليس له علاقة بحياة الإنسان العصري. إلا أن هذا القول مردود على صاحبه لأن الفن شيء فطري في الإنسان وأن جيناته موجودة في دمه لا يستطيع التخلص منه وإن اختلطت مظاهرة.
فعندما ننظر إلى القبائل المتوحشة اليوم نَرى أن الفن باسط سلطانه بينها سواء كان في الوشم البارز على جلودهم أو في أغانيهم أو في رقصاتهم أو في أدواتهم المعيشية المختلفة. وإذا ما رجعنا بالبحث عن الفن في حياتنا الحاضرة، سنرى بأنه تقنع بشكل آخر ليظهر رغم قناعة البعض بعدم أهميته، إلا أنه يكون باديا في لباسنا وفي مسكننا وأثاثه وفي السيارة التي نركبها، فإننا نحاول دائماً الركوب في أحدثها طرازاً وأجملها منظراً، وعندما نريد تناول الطعام فإننا نقصد المطعم الذي توفرت فيه الأناقة والترتيب والنظافة، وهذه كلها من مظاهر الفن المقنع، ولكن يظهر تحت أشكال متباينة تدفعنا إليها رغبة ملحة كامنة في نفوسنا. وعليه سنجد في نهاية المطاف بأن الإنسان قد خلقه الله جل جلاله مطبوعاً بالجمال والفن، والمرء الذي يتفنن في عمله أياً كان نوعه سيكتب له النجاح. ولكن الفن الصافي والسامي الذي يتصل بالفكر مباشرة فقلما نلمس أثره في المجتمع. وكما هو معلوم بأن الفن هو تربية وتهذيب ومتى تكاملت في النفس التربية الفنية فلا بد لنا من أن نحب الفن ونميل إليه، لأن جرثومته موجودة فينا بحكم الوراثة الإنسانية التي ننسل منها، وهذه التربية الفنية يجب أن تتوفر لنا في البيت وفي المدرسة وفي المجتمع وفي المتاحف العامة والمعارض المستمرة وفي الصحافة وفي الأدب نفسه.
وعموماً فإن ما نلمسه اليوم من تطبع بالفن بين شعب هذا الوطن ليدعو حقاً على التفاؤل ونراه يزدهر في النفوس ويرمي بظلاله الوارفة على محيطه، وبات الكثيرون يسعون إلى تحقيقه من خلال ما نراه من الازدياد المطرد في أعداد الفنانين التشكيليين المشاركين في المعارض الفنية والزائرين لها، والمهتمين على إقامتها وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن التنشئة الفنية على التربية الذوقية التي تسعى لها الأطراف المعنية بنشر الفن والجمال بهذا الوطن أثرت على أفراده وظهرت معه نتائجه الطيبة، ومن كانت تضمه طبيعة رائعة كالتي نحياها في وطننا الجميل لا بد أن تترك في النفس أثراً لحب الفن الذي هو صورة للجمال وستنعكس أشعته البراقة في نفوسنا الحساسة الشاعرة على ما يحيط بنا من جمال لا يرى إلا بعين من أحب الجمال وتطبع بخصاله.
* عبدالكريم الميمني

أعلى




وجوه وظلال (27)
عرّافون ومنجمون

مختارات: صالح العامري

لو أنبأني العراف، للشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة:

لو أنبأني العرّاف
أنك يوماً ستكون حبيبي
لم أكتب غزلاً في رجل
خرساء أُصلي لتظل حبيبي
لو أنبأني العرّاف
أني سألامس وجه القمر العالي
لم ألعب بحصى الغدران
ولم أنظم من خرز ٍ آمالي
لو أنبأني العراف
أن حبيبي سيكون أميراً فوق حصانٍ من ياقوت
شدتني الدنيا بجدائلها الشقر
فلم أحلم أني سأموت
لو أنباني العراف
أني سألاقيك بهذا التيه
لم أبك لشيء في الدنيا
وجمعت دموعي، كلّ الدمع،
ليوم قد تهجرني فيه...

******

الدمعةُ العَـرّافة، للأرجاني:
دمعة ُ عينـِي عمياءُ كاهِـنـة ٌ يصدُقُ عندَ الوَرى مُـنَـبِّـئُـها
فليسَ تـخْفى على كهانَـتِـها خبيئةٌ مِـنْ هـواكَ أُخْـبِـئُـــــها
******
من حـكايات سعدي الشيرازي:
دخـل مـنجم إلى منزلـه، فرأى غريباً جالساً مع امرأته، فشتـمه أقبح شتيمة، وثارت بينـهـما فتنة، فوقـف مـتـديِن على تلكَ الحال، فقال:
بـِـدارِكَ لــمْ تدْرِ ماذا جرى فماذا دريتَ بأوج ِ الفَـلـكْ
******
العراف الأعمى، للشاعر المصري أمل دنقل:
قولي من أين؟
الصمت شظايا ..
والكلمات بلا عينين !

***
لملمني الليل.. وأدخلنى السرداب
(قدماى نسيتهما عند الاعتاب
ويداي تركتهما فوق الابواب)
إنك لا تدرين
معنى أن يمشي الإنسان .. ويمشي ..
(بحثا عن إنسان آخر)
حتى تتآكل في قدميه الأرض،
ويذوي من شفتيه القول !
آلاف الأوجه في وجهي..
لكنك لا تدرين
أي وجوه تتدلى منها بسمات الزيف
ضائعة المعنى، متآكلة الأنف
***
أرشق في الحائط حد المطواة
والموت يهب من الصحف الملقاة
أتجرأ في المرآة
يصفعني وجهي المتخفي بقناع الذل
أصفعه.. أصفع هذا الظل
كل الناس يفارقهم ظلهم عند الليل
إلا ظلي ..
ينسل معي، يتمدد فوق وسادي المبتل !
البسمة حلم
والشمس هي الدينار الزائف
في طبق اليوم
من يمسح عني عرقي هذا اليوم الصائف؟
والظل الخائف
يتمدد من تحتي، يفصل بين الأرض.. وبيني !
***
وتضاءلتُ كحرف مات بأرض الخوف:
(حاء .. باء ..(
)حاء .. راء .. باء .. هاء (
الحرف السيف
مازلت أرود بلاد اللون الداكن
أبحث عنه بين الأحياء الموتى.. والموتى الأحياء
حتى يرتد النبض في القلب الساكن
لكن .... !!
***
وأخيرا عدت
أحمل في صدري صمت الطاعة
وبلا .. ساعة
ما جدوى الساعة في قوم قد فقدوا الوقت؟
ورجعت بدون كتاب غير كتاب الموت،
وضجيج الناس
أغنية.. كغطيط نعاس :
" لم نولد لنهز الدنيا "
" لم نخلق لنخوض معارك !"
"نحن ولدنا ...
للإلهام ...
للأحلام ...
للصلوات ..."
***
ضميني في صدرك... حتى أتنبأ
وأنا لا أكتب... أو أقرأ!!
******
عرافو الإغريق:
قُضِيَ على تيريزياس أن ينسدل جفناه على ليل سرمديّ، لكنه عُـوِّض عن فقد نور عينيه بمنحـه قدرة التكهن بالمستقبل.
******
كالخاس في الأساطير اليونانية، هـو أحد بحارة السفينة أرجوس، وقد صاحب أجاممنون في حرب طروادة. يقول هوميروس عنه في الإلياذة أن كالخاس كان أعظم المنجمين. ولقد كان كالخاس هـو الذي تنبأ بضرورة التضحية بإيفيجينيا ابنة أجاممنون، وهو الذي أشار بصناعة الحصان الخشبي للانتصار على الطرواديين.
ولقد توفي عندما صادق عرّافاً آخر هو مُبْسوس الذي تحدّاه أن يعرف عدد التين في أفرع شجرة تين معينـة. وتقول روايات أخرى أنّـه انتحر. وهناك رواية ثالثة تذهب إلى أنّه مات من الضحك؛ عندما رفع على فمه كأساً، فقال بعض الحاضرين أنه لن يعيش حتى يشربه.
******
دِلْفي: مدينة يونانية في الأساطير اليونانية، سميتْ كذلك نسبة إلى دِلفوسْ ابن أبوللو. واشتهرتْ دلفي بوجود كاهـنـة أبوللو وبالنبوءات. وكان اليونانيون القدماء يعتقدون أنها مركز الأرض.
وعلى معبد أبوللو في دلفي نُقشت العبارة الشهيرة "اعرفْ نفسك"، التي أصبحت شـعار فلسفة سقراط.
******
كان المنجمون الصينيون، في القرن الثالث عـشر، يشيرون على أهل الفقيد: من أي مكان يجب أن تـخرج الجثة من البيت؛ تجنباً للأرواح الشريرة. لم يكن الخروج يتمّ دائماً من الباب. في بعض المرات، كان على العائلة أن تفتح ثقباً في الجدار.
******
كان عالم الرياضيات الكبير جيرو لامو كاردانو مؤمناً ورعاً بالتنجيم. يُروى عنه أنه تنبأ، بواسطة التنجيم، عن تاريخ وفاته الذي حسب زعـمه: يجب أن يـقع في الحادي والعشرين من ديسمبر 1576. ولما حل هذا اليوم وصاحبنا يتمتع بصحة جيدة انتحر لكي لا يغالط تنبـؤاته.
*****
في بوتان، شرقي جبال الهمالايا، يقرر المنجمون الروزنامة السنوية مسبقاً. فإذا لاحظوا مصادفة شؤم يتوقعون منها شراً بالنسبة ليوم ولتاريخ مـعين وضعوا الروزنامة بطريقة لا يتوافق فيها هذا اليوم وهذا التاريخ مع بقية العالم.
وهكذا، فقد حدث في بوتان أن حذف شهر بكامله، فقد تأتي سنة ليس فيها شهر تموز (يوليو)، لكنها تحوي بالمقابل شهرين لآب (أغسطس).
******
إبان الحرب العالمية الثانية، كان البريطانيون مقتنعين بأن أدولف هتلر كان يستشير المنجمين. فاستعانوا، هم أيضاً، بمنجمين؛ ليحاولوا أن يعرِفوا بماذا كانوا يتنبأون للزعيم الألماني من الجهـة الأخرى لـبحـر الشمال.
******
في صباح الأول من أبريل 1976: أعلن المنجم البريطاني باتريك مور، إلى المستمعين في هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، أنه في الساعة التاسعة والسبعِ والأربعين دقيقة تماماً، سيمرّ الكوكب بلوتو من وراء المشتري، محدثاً بذلك قوّة تجاذب متزايدة تنحدر من السماء نحو الأرض. وأضاف مور أنه بهذا الوقت بالذات، سيشعر الناس أنهم أقل وزناً، وهو يدعوهم كي يقفزوا في الهواء؛ ليختبروا هذا الشعور بالعوم. وهكذا أخذ عشرات الآلاف من البريطانيين يقفـزون في الهواء، في الساعة التاسعة والسبع والأربعين تماماً. وتلقت الإذاعة البريطانية فيما بعد مئات المكالمات من المستمعين، تؤكد لها أن الاختبار في القفز قد نجح على أكمل وجه.

ألف قصة واقعية مشوقة ومثيرة ـ أندريه كسبار ـ ت. توما يوسف طحّان

 

أعلى

 

 

 

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept