الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 




فتاوى وأحكام

* يقول السائل : قال تعالى )لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا (الانبياء: من الآية22)، ما المقصود بفيهما وإن كان المعنى السماء والأرض - والله اعلم - فلماذا خص الله سبحانه وتعالى ذكرهما فقط مع أنه يوجد في هذا العالم الفسيح الكثير من الكواكب؟

** . أنا أسأل عن هذه الكواكب هل هي خارجة من السماء ، وما المقصود بمدلول السماء ، هل المقصود بمدلول السماء كوكب معين من هذه الكواكب ، فيقال بأن الكواكب الأخرى غير داخلة في مدلول السماء ، أو مدلول السماء لغة كل ما علاك فهو سماء ، فالله سبحانه وتعالى يقول: (أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)(ابراهيم: من الآية24)) أين فرعها؟ هل هو في كوكب من هذه الكواكب كوكب معين أصلها ثابت وفرعها في السماء ، ويقول الله سبحانه وتعالــى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً )(الرعد: من الآية17) فهل هذا الماء ينزل من الكواكب أو من كوكب من هذه الكواكب أو أنه ينزل من الجهة العلوية، فإذا كانت كلمة السماء تدل على كل ما كان أعلانا فإذا كل ما كان أعلاه فهو سماء إلى ما لا يحيط به إلا الله سبحانه وتعالى ، والله سبحانه وتعالى عندما امتنَّ على عباده بخلق السماوات ما امتن بخلق عدد صغير من الأجرام الفلكية وسكت عن غير هذا العدد، المفسرون في القديم والحديث اختلفوا في هذه السماوات السبع المقصودة وضيقوا مدلول السماوات ، كثير منهم ضيقوا مدلول السماوات ، منهم أي المتقدمين - كالفخر الرازي- عندما لم يكتشفوا في ذلك الوقت، نبتن وبلوتو ، عندما كانوا ما اكتشفوا هذه النجوم قال الفخر الرازي مثلاً بأن المقصود المجموعة الشمسية المكتشفة في ذلك الوقت وذكر من نفس هذه المجموعة الشمس نفسها وذكر منها أيضاً القمر ، لا توجد دلالة بأن القمر هو السماء أو الشمس هي السماء ، أو أن القمر هو إحدى السماوات أو أن الشمس إحدى السماوات، لا توجد دلالة على ذلك أبداً .

جاء بعض المفسرين بعد هذا الاكتشاف الآخر فذكــروا أن المقصــود بالمجموعة الشمسية بكاملها ، وقالوا عن الشمس لا تعد منها والقمر - طبعاً - هو تابع صغير للأرض فلا يعد منها ، والأرض لا تحسب لأن الأرض منها بالنظر إلى هذه الأجرام ، فقالوا هي سبع سماوات ، هذه السماوات السبع ؟! كلمة السماوات السبع مدلولها أوسع من ذلك بكثير ، الله سبحانه وتعالى يقول: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)(البقرة: من الآية22) ما معنى هذا البناء؟ نفس هذا الرباط رباط الجاذبية التي يربط ما بين هذه الأجرام الواسعة ، هذا هو البناء ، فهذه الأجرام الواسعة في كل الفضاء الهائل السحيق ، هذه الأجرام الواسعة هي سماء لأنها مربوط بعضها ببعض هي بمثابة اللبنات في البناء الواحد ، لأنها مربوط بعضها ببعض بسنة الجاذبية ، فإذن هذه كلها تعد سماء ، قد تكون فيها درجات - طبقات - نفس هذه الأجرام ، وقد تكون ما فيها طبقات وإنما بقية السماوات فوق ذلك ، أنا في نفسي لا أستطيع أن أجزم بهذا وإنما أكل العلم إلى الله ، ولكن أقول: هناك احتمال كبير بأن يكون كل ما اكتشف من هذه الأجرام الهائلة والمجرات الواسعة غير خارج عن السماء الدنيا ، لا يبعد ذلك بدليل قول الله سبحانه وتعالى(إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ)(الصافات:6)، (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ )(الملك: من الآية5) فالله سبحانه وتعالى أخبر بأنه زين السماء الدنيا فلعل هناك بعد هذه الأجرام الفلكية ، سماوات أخرى سبع أوسع مما يمكن أن يتصور البشر ، وما ندري طبيعة هذه السماوات - والله أعلم .

* السائل يقول : قال تعالى: ( يكور الليل على النهار ) وقال أيضاً: ( يغشى الليل النهار ) فما وجه تقديم الليل على النهار في الايات القرآنية ، وهل معنى ذلك أن الليل خلقه قبل النهار ؟

** الليل هو الأصل لأن الظلمة هي الأصل ، الضوء يأتي ليغشى هذه الظلمة ليمزق هذه الظلمة ليسرى في هذه الظلمة ويبددها ، فإذاً الضوء يأتي بعد الظلمة، ولما كان الضوء يأتي بعد الظلمة فإذاً الليل سابق على النهار فلذلك ذكره الله سبحانه وتعالى قبل النهار ، وضرب الله تعالى مثلاً لسريان الضوء في الفضاء وطيه لهذه الظلمة ، بآية لها جلد ويسلخ منها هذا الجلد ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ) فكأنما النهار هو الجلد يحيط بهذا الليل ثم يسلخ منه النهار يسلخ منه هذا الجلد فإذا بالفضاء يبدو على طبيعته ، وهو مظلم .

* السائل يقول : قال الله تعالى: ( وأرسلنا الرياح لواقح ) ذكرتم أن المقصود بالتلقيح هو تلقيح السحاب . كيف يتم ذلك ؟

** الآية تدل على ذلك ، الترتيب يدل على ذلك - ترتيب الفاء التي تفيد التعقيب والترتيب ، فالله سبحانه وتعالى يقول: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ )(الحجر: من الآية22) إن الله على كل شيء قدير ، فالله عز وجل يجعل حرارة الشمس تؤثر على المياه في المحيطات وفي البحار وفي الشطوط والأنهار ، فترتفع هذه المياه حتى تتكون هذه الطبقة بسبب البرودة التي في الجو ، ثم بعد ذلك يجعل الله سبحانه وتعالى هناك ضغطاً حرارياً وعوامل من الرياح هي التي تؤثر على هذه البرودة فيذوب ذلك ويتنزل الماء من هذه الجهة العلوية إلى الجهة السفلية .

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى





قراءة في ندوة ابن دريد الأزدي العماني
مَنْهَجُ ابنُ دُرَيْدٍ في تَناوُلِهِ الشّاهدَ القُرْآنيَّ

الحلقة الأولى
ـ استشهد ابن دريد بآيات القرآن الكريم في أكثر من مائة وسبعة وخمسين موضعا في كتابه "الاشتقاق"
ـ اعتناؤه بلغات العرب ؛ خاصة لغة اليمن
ـ في بعض الآيات يقيد نفسه بقراءة واحدة دون سواها


قراءة ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
جاءت هذه الندوات ثمرة للعلاقات المتميزة بين السلطنة والأردن وتأكيداً على الحوار والانفتاح على ثقافات الأمم والشعوب العربية والإسلامية ، وتوفر الإطار العلمي للتقرب بين اتباع المذاهب الإسلامية ، وتعزيز نهج الحوار مع أهل العلم والمعرفة في شتي المجالات.
فمنذ الملتقي العلمي الأول الذي عقد في إبريل عام 2001 والجامعة مازالت مستمرة في طرح العديد من الندوات بعناوين مختلفة .
وهذه الندوة نظمتها وحدة الدراسات العمانية بجامعة آل البيت بالمملكة الأردنية الهاشمية بالتعاون مع سفارة السلطنة في الفترة من 17ـ19جمادي الأولى 1430هجري / 12ـ14 مايو2009ميلاي، بمشاركة أكثر من مائة عالم وباحث من مختلف أنحاء العالم .

وحول البحوث والأوراق التي قدمت في هذه الندوة كانت لنا هذه القراءة في ندوة ابن دريد بعنوان (موقف ابن دريد من القراءات القرآنية ) للباحث ناجح جميل صوافطة..


موقف ابن دريد من القراءات القرآنية

في البداية يقول الباحث : استشهد ابن دريد بآيات القرآن الكريم في أكثر من مائة وسبعة وخمسين موضعا في كتابه "الإشتقاق" ساق منها ثلاثة وثلاثين موضعا للمثيل فقط، حيث جاءت في معرض حديثه عن بعض الأعلام، فعند حديثه عن وهب بن عمير قال: "وكان من أحفظ الناس، وكانوا يقولون: له قلبان من حفظه. فأنزل الله تعالى: (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ([الأحزاب: 4]. فأقبل يوم بدر منهزما، نعلاه واحدة في يده، وواحدة في رجله، فقالوا: ما فعل الناس؟ قال هزموا. قالوا: فأين نعلاك؟ قال: هي في رجلي، قالوا: فما هذه في يدك؟ قال: ما شعرت. فعلموا أنْ ليس له قلبان وقد ذكر ابن عاشور أنّ هذا الرجل هو جميل بن معمر أو ابن أسد ابن حبيب الجمحي الفهري. وغير ذلك كثير من الآيات التي لم يأت به من أجل استشهاد على مادة لغوية، ممّا يدعوني للقول بأن كتابه هذا كان ابتداء في إثبات الأنساب عن طريق الاشتقاق، يظهر ذلك أيضا في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ([الأنعام: 93] يقول ابن دريد في ذلك: "ومنهم: عبد الله بن سعد ا بن أبي سرح، منافق وكان من المهاجرين، وكتب للنبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وكان إذا أملى النّبيّ ـصلى الله عليه وسلم ـ (وكان الله غفورا رحيما) كتب (عزيزا حكيما). ثم قال إن كان محمد يوحى إليه فإنه يوحى إليّ، فنزلت فيه ".
أمّا فيما يختص بأخذه بالقراءات حتى يوظفها في اشتقاقاته فسآخذ عددا من الآيات لنتثبت ذلك، ففي معرض حديثه عن رجال خزاعة وبطونها، يقول: "ومنهم: بني المصطلق، واسمه جذيمة. وسمي (المصطلق) لحسن صوته، كأنه مفتعل من الصلق. والصلق: شدة الصوت وحدّته، من قوله تعالى: (سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ( [الأحزاب: 19] ويقرر ابن منظور في اللسان بأن السلق شدة الصوت وان (سلق) لغة في صلق أي صاح، ويقول الفراء: سلقوكم بألسنة حداد معناه: عضوكم، يقول: آذوكم بالكلام في الأمر بألسنة سليطة ذربة، قال: ويقال صلقوكم ولا يجوز في القراءة، ويذكر أبو حيان أنّ هذه قراءة شاذة وهي قراءة ابن أبي عبلة. فنرى أنّ ابن دريد يأتي بقراءة شاذة منعت القراءة فيها لإثبات مادته اللغوية، فهو يعتد بها، ويعدها قراءة بدليل أنّه لم يشر قطعا إلى شذوذها، أو إلى أنها غير قراءة الجمهور فقال: والصلق: شدة الصوت وحدته، من قوله تعالى: (سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ(.
وفي حديثه عن نسب قبائل زهران بن كعب، يقول: ومنهم: بنو أنعم. فمن رجالهم ضحيان ابن سمّان بن ضحيان. . . و(سمّان): فعلان من السّم، والسّمُّ القاتل معروف. والسّمّ والسمّ: ثقب الإبرة. وقد قرئ: "في سَمّ الخياط "و" سُمِّ الخياط". نراه في تأويل هذه الآية يذكر أكثر من قراءة، فما يعنيه هنا بالضرورة هو إثبات عربية الاسم، وأن له مدلولا في اللغة، ولم يكن اختياره عبثيا بحال من الأحوال، ثم يضيف بعد ذلك قائلا: وقال أهل اللغة السّمّان: التزويق بألوان الغراء، فهو يتتبع المعنى ويحرص عليه. وفي تفسير الطبري ما يؤيد قولته، حيث جاء في تفسيره "وكل ثقب في عين أو أنف أو غير ذلك، فإن العرب تسميه" سما "وتجمعه" سموما و"السمام"، في جمع "السم" القاتل، أشهر وأفصح من "السموم". وهو في جمع "السم" الذي هو بمعنى الثقب أفصح. وكلاهما في العرب مستفيض. وقد يقال لواحد "السموم" التي هي الثقوب "سم" و"سم" بفتح السين وضمها. . . وأمّا القراءة من جميع الأمصار فإنّها قرأت قوله تعالى في سمّ الخياط، بفتح السين". وهذه دلالة أخرى على أنّ ابن دريد كان يحتجّ بالقراءات الشاذة.
ونلاحظه في بعض الآيات يقيد نفسه بقراءة واحدة دون سواها، ويبتعد عن لغات العرب فيها، على غير عادته في آيات أخرى، ففي معرض إثبات عروبة النسب لرجال خثعم يقول: "واشتقاق (خثعم) فيما ذكر ابن الكلبي أنّهم نحروا جزورا فتخثعموا عليه بالدّم، أي تطلّوا به. . . . ومن بطونهم: بنو يَحصُب. واشتقاق (يحصِب) وهو يَفعِل، من قولهم: حصبْت النار أحصبها حصبا، إذا ألقيت فيها ما تستوقد به. وقد قرئ: "حصب جهنم". وكلّ شيء ألقيته في النار لتشتعل فهو حصَب لها". فنجد أنه قد اكتفى بقراءة واحدة وهي القراءة المشهورة، مع أنّ هناك قراءات أخرى ليست شاذة، فقد قرئ "حضب"، و"حطب". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏: ‏ ‏)‏حصب جهنم‏ (قال‏: ‏ حطب جهنم بالزنجية‏، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏: ‏(‏حصب جهنم) قال‏: ‏حطبها‏. قال بعض القراء ‏"‏حطب جهنم‏"‏ من قراءة عائشة. وقال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: حطبها. وهي كذلك في قراءة علي وعائشة - رضي الله عنهما. ومع اعتناء ابن دريد بلغات العرب وبخاصة لغة اليمن إلاّ أنني وجدته هنا يغفل قراءة (حضب)، يقول صاحب فتح القدير: "وقرأ ابن عباس (حضب) بالضاد المعجمة. قال الفراء: ذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن الحطب، ووجه إلقاء الأصنام في النار مع كونها جمادات لا تعقل ذلك ولا تحس به. وهذا يعني أنّ ابن دريد لا يستقصي القراءات، وحقّ له ذلك إذ إنّ مداربحثه عن نسبة علم لا عن بحث في القراءات القرآنية، لكن هذا يدل على منهجية خاصة به، وهذه المنهج لنا فيه قولة، إذ لا يكون له أن يختار القراءة الشاذة تارة، وتارة يهمل قراءة مشهورة.
ونراه أحيانا يتتبع الشاهد القرآني حيثما ورد في كتاب الله، ففي بيانه عن بني عبد الدار، يقول: "ومنهم قاسط بن شريح بن عثمان بن عبد الدار، قتل يوم أحد ومعه اللواء كافرا. واشتقاق (قاسط) من قولهم قسط عليه إذا جار، وأقسط، إذا عدل". وكلاهما في التنزيل: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ([المائدة: 42]، وفيه: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا([الجن: 15].
وللتأكيد على أن ابن دريد كان يعتد بقراءة أحد القراء دون أن يذكر غيرها ما جاء في كتاب الإشتقاق عند الحديث عن قبائل اليمن ورجالها، يقول: "ولد يشجب: (سبأ) مهموز. قال الكلبيّ: اسمه عبد شمس. وقال قوم: اسمه عامر، وسبأ اسم يجمع القبيلة كلهم، وهو في التنزيل مهموز: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ([سبأ: 15] فمن صرف سبأ جعله الرجل بعينه، ومن لم يصرف جعله اسم القبيلة. واشتقاق سبأ من قولهم: سبأت الخمر أسبؤها سبْئا، إذا اشتريتها.
قراءة مساكنهم

وحول قراءة لكلمة مساكنهم يقول الباحث : نلاحظ هنا أن ابن دريد مال إلى قراءة (مساكنهم) دون (مسكنهم) كما هي قراءة الكوفيين، وهذا في رأيي راجع إلى أنه يعتد بقراءة دون أخرى، حيث أغفل القراءات الأخرى لأن هناك قراءة (مسكنهم) بفتح الكاف، وهي قراءة النخعي وحمزة وحفص، وهناك قراءة الكسائي (مسكنهم)، أي مفردا بكسر الكاف. جاء في تفسير الطبري قوله: "واختلفت القراء في قراءة قوله (في مسكنهم) فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين (في مساكنهم) على الجمع، بمعنى منازل آل سبإ. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين (في مسكنهم) على التوحيد، وبكسر الكاف، وهي لغة لأهل اليمن فيما ذكر لي. وقرأ حمزة (مسكنهم) على التوحيد وفتح الكاف.
وتَعْجَبُ أشدّ العجب لعلمه بالقراءات القرآنية وتوظيفه إيّاها بغية إثبات نسب العرب، فعند تعرضه لقبائل بني ضبة ورجالهم يقول: "واشتقاق (قبيصة) من قولهم: قبصت قبصة، أي أخدت بثلاث أصابعي شيئا. وقد قرئ: (فقبصت قبصة من أثر الرسول([طه: 96] و"قبضت قبضة" بالصاد والضاد" وجاء في فتح القدير ما يؤيد قولة ابن دريد سواء أكان في الاشتقاق أم في القراءة، يقول الشوكاني: وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة (فقبصت قبصة) بالصاد المهملة فيهما، وقرأ الباقون بالضاد المعجمة فيهما، والفرق بينهما أن القبض بالمعجمة هو الأخذ بجميع الكف، وبالمهملة بأطراف الأصابع، والقبضة بضم القاف: القدر المقبوض"وجاء في تفسير الطبري ما يؤكد ذلك أيضا، يقول: "وروي عن الحسن البصري وقتادة ما حدثني أحمد بن يوسف قال: ثنا القاسم قال: ثنا هشيم عن عباد بن عوف عن الحسن أنه قرأها (فقبصت قبصة) بالصاد، وحدثني أحمد بن يوسف قال: ثنا القاسم قال: ثنا هشيم عن عباد عن قتادة مثل ذلك بالصاد بمعنى: أخذت بأصابعي من تراب أثر فرس الرسول، والقبضة عند العرب: الأخذ بالكف كلها، والقبصة: الأخذ بأطراف الأصابع".

توقفه مع قبائل بني ضبة
وهنا يشير الباحث حول ابن دريد عند توقفه مع قبائل بني ضبة ورجالهم، يقول "ومنهم شغاف بن المقطع بن عمر ابن هلال. و(الشغاف): داء يصيب الإنسان في صدره ... وقد قرئ: "شعفها حبا" و(شَغَفَهَا حُبًّا([يوسف: 30] فتلاحظ هنا أنّه جاء بالقراءة الثانية "شعفها" دون أن يعلق على معنى (شعفها) وكأني به يقول إنهما في معنى واحد، وما يؤكد قولتي هذه ما جاء في تفسير البغوي، يقول: "وقرأ الشعبي، والأعرج (شعفها) بالعين غير المعجمة، معناه: ذهب الحبُّ بها كل مذهب. ومنه شعف الجبال وهو رءوسها. (إنا لنراها في ضلال مبين أي: خطأ ظاهر. وقيل: معناه إنها تركت ما يكون عليه أمثالها من العفاف والستر". والغريب أن في كلمة (شغفها) تقليبات أخرى في المعنى، فقد جاء في البحر المحيط" وقرأ ثابت البناتي شغفها بكسر الغين المعجمة، والجمهور بالفتح، وقرأ علي بن أبي طالب وعلي بن الحسين وابنه محمد بن علي وابنه جعفر بن محمد والشعبي وعوف الأعرابي بفتح العين المهملة، وكذلك قتادة وابن هرمز ومجاهد وحميد والزهري بخلاف عنهم، وروي عن ثابت البناني وابن رجاء كسر العين المهملة، قال ابن زيد: الشغف في الحب، والشعف في البغض، وقال الشعبي: الشغف والمشغوف بالغين المنقوطة في الحب، والشغف الجنون، والمشعوف المجنون، وأدغم النحويان وحمزة وهشام وابن محيصن دال (قد) في شين (شغفها). أقول وما دام ابن دريد لغوي بارع، ويبحث في الاشتقاق فلم لم يأت بالصور الأخرى من القراءات، إن كان حقا كتابه في الاشتقاق، وهذا ما يجعلني أميل كما ذكرت في مقدمة البحث إلى أن ّ ابن دريد كان يبحث عمّا يثبت النسب ليس أكثر، والحق أنّه لم يكن يسير وفق منهج محدد في كيفية أخذه بالقراءات، فتجده أحيانا يتتبع لغات العرب من خلال استشهاده بقراءة قرآنية وتارة لا يتتبع، فمن تتبعه، استشهاده بقول الله تعالى: (وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا([نوح: 23] يقول ابن دريد: "وودّ صنم. وودّ بفتح الواو وكسرها، وقد قرئ (وُدّا) و (وِدّا). ودّ جبل معروف، وتقول تميم: وتَدْت الوِتد أتدته وتدا. وأهل الحجاز يقولون: أوتدته إيتادا. ويقال الوَتد والوِتد لغتان".

تتبع اللغات
ويبين الباحث بقوله : نلاحظ من خلال النص السابق كيف أنه تبع اللغات في كلمة (ودّ) وراعى تقلباتها القادمة من اختلاف الحركة التي تؤدي إلى اختلاف المعنى، كما نسب كل لغة إلى أهلها فهذه حجازية، وتلك تميمية وهكذا.
وقد ظهر لي أحيانا أنّه كان يتجنب الخوض في بعض الأصول اللغوية، من ذلك حديثه عن أبي عبيدة بن الجراح، فقد ذكر قول الله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ([المائدة: 4] وكنت أحسب أنّه سيحدثنا عن اشتقاق الفعل من الاسم الجامد، لكنه لم يتطرق إلى ذلك البتة. لكنه اكتفى بالقول: وجوارح الطير والكلاب من هذا، لأنها كواسب على أهلها.
ولنا بقية بأذن الله تعالى ...


أعلى





أرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء
النظر للخاطب والمخطوبة

هذا وبعد ما عرفنا عن فضل الحث على الزواج وعن ما يبدأ فيه الولي ، في اختيار الزوجة أو الزوج لأبنائهم وبناتهم والتشاور بينهم ، وبعد ما أدركنا إن الخطبة هي الشرط الأول في مقدمات الزواج ، إذن ما لنا إلا أن نسرد في هذه الحلقة الشرط الأخير قبل بداية الحياة الزوجية وهو شرط مهم للخاطب والمخطوبة أن يرى بعضيهما ، وهذا شرط مهم للغاية حتى لا يغتر أحدهما بالآخر بأي حال من الأحوال ، وبكون الأبوين يعرفون عن أبنائهم وبناتهم كل شيء يتعلق بأمر حياتهم فعليهم أن يظهروا العلة المخفية سواء للخاطب أو المخطوبة مثلا إذا احدهم يعاني من مرض لا قدر الله سواء هذا المرض نفساني أو جسماني أو هذه الفتاه أو الفتى لا سمح الله أحدهما معوق بعاهة في جسده يجب ايضاح ذلك لولي أمر احدهما وكذلك إذا كان الخاطب يتعامل مع المسكرات بكافة أنواعها يجب إشعار أهل المخطوبة حتى يكونوا على بينة وإذا أخفي أي شيء مما ذكرنا فلا ريب إن الحياة الزوجية لا تدوم أيام قلائل وينهار ركنها وتنهدم أوصالها يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا خطب أحدكم المرأة ، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل ـ وروي عن المغيرة بن شعبة : إنه خطب امرأة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنظرت إليها ) قال : لا ، قال : أنظر إليها ، فإنه أحري أن يؤدم بينكما)أي أجدر أن يدوم الوفاق بينكما ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( إن رجلا خطب امرأة من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنظرت إليها ) قال: لا ، قال : فاذهب فانظر إليها ، فإني في أعين الأنصار شيئا .
هذا ومن سار على نهج ما ذكرناه فليعلم إن حياته الزوجية تكون في سعادة دائمة لا يعكر صفوها شيء إن شاء الله تعالى لأنه كانت قواعد الزواج أسست على رضوان من الله تعالى وتوفيق منه ، وبعد الخطبة واختيار الزوجة أو الزوج وبعد المشاورة ودفع المهر فإن عائشة أم المؤمنين تروي لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه الدفوف ) وبعد ذلك تبدأ الحياة الزوجية إلى الرحمة والمودة والسكن والزواج بين الرجل والمرأة يعد مناسبة من المناسبات الطيبة السعيدة كيف لا ؟ وبهذا الزواج تضاف إلى المجتمع أسرة جديدة ، والإسلام يرغب في أمثال هذه المناسبات السادة في جمع الأهل والأصدقاء يجمعهم الحب ويظللهم الود والصفاء واجتماعهم ينبغي أن يكون على ما تيسر من الطعام ، ومن هذا شرع الإسلام في الزواج إقامة وليمة والوليمة مأخوذة من الولم وهو الجمع نظرا لاجتماع العروسين من جهة واجتماع الأهل والأصدقاء من جهة أخرى وقد جاء في الخبر أن عليا كرم الله وجهه لما خطب فاطمة رضي الله عنها ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا بد للعرس من وليمه) ولما تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم أولم بشاة كما أولم الرسول صلى الله عليه وسلم مرة أخرى بتمر وأقط وسمن ، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا يحمل الدليل القاطع والبرهان الساطع على أن الوليمة على قدر حال الرجل : (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا )والله سبحانه وتعالى يقول : (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) ويقول سبحانه : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) فمن وسع الله عليه في رزقه وسع في وليمته في حدود ما وصف الله به عباد الرحمن وإن من الخطأ الشائع والشائن والجنون البائن الإسراف في الولائم فإن بعضا من الناس لا يقيمون وليمة الزواج على اعتبار أنها سنة تتحق بما تسير من الطعام بل يدخل فيها قدر من المفاخرة والرياء الأمر الذي يجعل الزواج يلجأ أحيانا إلى الاستدانة أو الإنفاق من ماله بإسراف وفي هذا حرج وعسر ، وخير الزواج ما يبني على السهولة واليسر ، والإنسان العاقل الفطن البصير هو الذي يصادق القصد والاعتدال ويعادي الإسراف والتبذير والله سبحانه وتعالى حذر المؤمنين من التبذير والإسراف لأن فيهما خطورة على الفرد نفسه والمجتمع الذي يعيش فيه وجاء تأكيد في الآية الشريفة إن المبذرين أخوان الشياطين مصداقا لقوله تعالى : (وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ،إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) هذا ومن ما نهى الله عز وجل عن الإسراف فيه الأكل والشرب يقول الله عز وجل : (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين ) ويقول الـرسول صلى الله عليه وسلم : ( كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا محيلة ) هذا وإني ادع الله لي أولا ولسائر المسلمين عامة أن يهدنا إلى الصراط المستقيم أن يهدي بناتنا وأولادنا وأولاد وبنات المسلمين عامة في مشارق الأرض ومغاربها ، وأنادي بصوت عال للآباء والأمهات وكل ولي أمر ، وأقول لهم اتقوا الله في أنفسكم ، واتقوا الله في أولادكم ، واعملوا بما أمركم الله سبحانه وتعالى عنه ، واعملوا وانتهوا عما نهاكم الله سبحانه وتعالى عنه ، واعلموا إنكم محاسبون على أنفسكم ومحاسبون على أولادكم ومحاسبون على ذويكم فإن الله تعالى يقول : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) وكذلك اتقوا الله في الذين جعلهم تحت أيديكم وأحسنوا سياسة أمورهم وإياكم والطمع فإن الطمع يردي في نار جهنم كما يؤدي إلى العار في هذه الحياة الدنيا واتقوا في أنفسكم بتعويدها على الخير ونهنهتها عن السوء وكفكفتها عن الشر ، والابتعاد بينها وبين جميع الريب والإبعاد بينهما وبين جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن وأعلموا أن الله سبحانه وتعالى قد ائتمنكم عليهم وجعل حياتهم امتداد لحياتكم فإذا كان هناك من خير أتوه فان الذكر الحسن يعود إليكم به ، ومنهما أتوا من سوء فإن الذكر الشائن ينقلب أيضا عليكم ، وعليكم بالصلاة في أوقاتها وامروا أولادكم بها خيرا لكم فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف أن يؤمر الأولاد بالصلاة لسبع حتى ينغرس ذكر الله سبحانه وتعالى في نفوسهم وتعتاد عبادته في ليلهم ونهارهم وينشئوا على ذكر الله تعالى وقواه في سرهم وعلانيتهم يقول النبي عليه الصلاة والسلام : ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ) ثم يأمر بعد ذلك بان يضربوا على تركها لعشر لئلا يستخفوا بأوامر الله وزواجره وبجانب ذلك يأمر بالتفرقة بينهم في المضاجع وفي هذا حكمة بالغة في المقصود بذلك إبعادهم عن مضان السوء ومواقع الريب وبهذا أوقف قلمي وأسال الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .


إعداد يونس بن حبيب السعدي

أعلى






استراحة القلم (6)


أم عاصم الدهمانية

ـ الذين يدورون مع الأفلاك ينظر الناس إليهم بمجهر التقديس!
ـ العودة: معرفة الطريق إلى الله.
ـ عند ارتفاع صوت التصفيق ِحولناَ يخفت ُصوت ُالضمير ِالذي يرشدنا إلى الحق.
ـ الأعمال مظلمة؛ ولكن إذا قصد بها وجه الله الأعظم؛ أشرقت وتجلت أنوارها.
ـ الغربة: قلم حر بين القبور.
ـ عندما يحتضر الأمل في العيون، في القلوب، في الحناجر، تجلجل الحشرجة.
ـ إن جاوزوا الحدّ؛ غدا الحد حدا.
ـ الدموع هي معقم القلب من جراثيم الأهواء، وغسله من غبار الدنيا.
ـ لا بأس أن تجعل من دعوتك حصيلة رزق؛ ولكن إياك أن تجعلها حصالة رزق!!

أعلى






العتق من النار

قال الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم )) البقرة 183 القول في تأويل قوله لَعَلَّكم تتَّقون قال أبو جعفر: لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم وطاعتِكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه وإفرادكم له بالعبادة لتتقوا سخطه وغضَبه أن يحلّ عليكم وتكونوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم وكان مجاهد يقول في تأويل قوله لعلكم تتقون أي تطيعون. وقيل أي كتب عليكم الصيام لتجعلوا لأنفسكم به وقاية من عذاب الله تعالى .
وروي عن أبي هريرة عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ( الصيام جنة وحصن حصين من النار ) رواه أحمد فالصيام وقاية من كل ما يُتقى ويُخاف منه وكذلك حصن قوي ومنيع من النار وقالت حفصة الصيام جنة ما لم يخرقها صاحبها وخرقها الغيبة وقال عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن كعبا قال : الصائم في عبادة ما لم يغتب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) رواه البخاري قال ابن العربي مقتضى هذا الحديث أن من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه
عليك وأنت صائم أن تتجنب الزور قولا وعملا من كذب وغيبة ونميمة وتدافع عن إخوانك المسلمين برد غيبتهم حتى يعتقك الله تعالى من النار وعن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من ذب عن لحم أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار ) صحيح الترغيب والترهيب
فرمضان شهر الدعاء كما قال تعالى (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) البقرة 186 عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل. قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويترك الدعاء ويقول ابن كثير ذكر الله تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشادا إلي الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وكذا كل فطر.
فاغتنم أوقات الإجابة فقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم بأن لك على الأقل في كل يوم وليلة دعوة مستجابة وادع بالأدعية الجامعة التي منها الحديث الشريف الذي يرويه أبي داود كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال ( ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله ) تذوق معنى هذه الكلمات الجامعة وثبت الأجر إن شاء الله ثبت أجر الصيام والقيام وكل الطاعات وذلك بمغفرة الذنوب وستر العيوب والعتق من النار ودخول الجنة مع الأطهار
وعليك كي تكن من العتقاء من النار الاقتداء بهم وأولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا) الأحزاب 21 هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله ومن أهل العتق أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن عائشة رضي الله عنها قالت إن أبا بكر دخل على النبي فقال ( أنت عتيق الله من النار ) فيومئذ سمي عتيقا وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر أنا قال فمن شيع منكم اليوم جنازة قال أبو بكر أنا قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا قال أبو بكر أنا قال فمن عاد منكم اليوم مريضا قال أبو بكر أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمعن في إلا دخل الجنة ) رواه مسلم
ويقول الشيخ صفوت نور الدين رحمه الله من تمنى شيئا عمل له فكانت همة أبي بكر عالية في طلب ما عند الله يبذل ما يملك لينال الرفعة لذا حاز أعلى درجة عند الله تعالى في هذه الأمة بعد نبينا لأنه كان سباق إلى كل خير ويطلب معالي الأمور ونحن في شهر الجود والكرم فعليك أخي القارئ الكريم أن تبادر بالأعمال الصالحة وتاجر مع الله تكن من الرابحين وبع نفسك لله
هذا والله تعالى أعلى وأعلم
أنس فرج محمد فرج


أعلى





الإسراء والعلاقات الأسرية

نزلت سورة الإسراء، ولها مقاصد نبيلة ، وأهداف كبيرة، لعل من أهمها إعادة بناء المجتمع بناء راشدا، وتوطيد أركانه، وتثبيت بنيانه على أسس من الطهر والنقاء في كافة أشكاله وألوانه، سواء أكان البناء عقديا أم فكريا أم ثقافيا أم اجتماعيا أُسْرِيًّا، وفي هذا المقال نتناول الإسراء وقضية البناء الأسري، حيث يقول الله ـ جل في علاه ـ موضحا ما على المرء تجاه والديه اللذين كانا سببا في وجوده بعد الله ـ سبحانه ـ :" وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ربكم أعلم بكم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا"، ونرى أنه في بدء هذه الآية قد أوضح بجلاء ارتباط قضية البر بالوالدين بقضية العبادة الأساسية؛ وذلك لأهمية بناء الأسرة على الودِّ والبر، والمحبة حيث يقول في بدئها:"وقضى ربك"، أي حكم وأمر، والفاعل هنا هو كلمة:"رب"، حيث إنه لا يمكن أن يقضي في هذا الكون ويحكم ويأمر إلا الله الواحد الأحد، وهنا أسلوب قصر: "ألا تعبدوا إلا إياه"، حيث قصر العبادة الحقيقية النقية التي تقوم على التوحيد الخالص وحُسْن التوجُّه عليه - جل جلالهـ ، فهو من قبيل قصر الصفة على الموصوف، بطريق النفي والاستثناء، وهذا يعني أن العبادة يجب ألا نتوجه بها إلا له، وألا تُقْصًرُ إلا عليه، وهو مفهوم يؤكد تلك الثوابت العقدية التي يجب على كل إنسان أن يعتقدها، ويعمل بها، ثم عقب بعدها مباشرة بقضية لم يكن المسلم ليتخيل بهذا الشكل حجمها وكبرها، وكونها تُعطف مباشرة على عبادة الله، فهَزَّ هذا التركيبُ كيانَ كلِّ مسلم، وأيقن بخطورة القضية، وجلال المهمة الملقاة على عاتقه، كما أدرك مكانة الوالدين بشكل صحيح، وبمعيار سماوي دقيق حيث يقولـ تعالىـ بعدها:"وبالوالدين إحسانا"، و(إحسانا) هنا مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره:"أحسن إحسانا"، فهو مأمور أمر إيجاب لا أمر استحباب أن يكون على الدوام محسنا للوالدين كليهما، والإحسان أعلى درجات العلاقة بين الإنسان وربه، حيث يكون في كل علاقاته اليومية بوالديه مراقبا ربه، كأنه يراه؛ ومن ثم تكون العلاقة مع والديه أطهر وأسمى ما تكون؛ لأنهـ في كل نفَس وحركة وسكنةـ يتيقن أن الله مطلع على تصرفاته، راصد حركاته، مسجل عليه خطواته ثم بعد هذا الإجمال عادَ ففصَّل في المسألة، وقال: "إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما"، وفي هذه الآية أسلوب شرط، بدأ بـ (إما) التي هي (إنْ) المدغمة في (ما)، وجاء بفعل الشرط مؤكدا بالنون، ثم جاء بجواب الشرط المبدوء بـ (لا) الناهية، ثم عطف عليه أسلوبا آخر بـ (لا) الناهية، ثم عطف عليه أسلوبا آخر مبدوءا بالأمر، ثم في الآية التي تليها عطف أمرين آخرين: (اخفضْ، قلْ)، ولعل القارئ يتبين من خلال هذه الأساليب المتتابعة أهمية الموقف وخطورته، وهذا يعني أنه إذا بلغ كلاهما الكبرَ، وهذا أمر محتم وقضية مسلم بها لكونها من البشرـ فيجب أن تكون هناك منظومة تربوية معهما،ترتقي لتصل إلى مستوى مطلوب السماء، ومعنى (عندك) ليس المقصود منها أن يكون الوالدان في ضيافة ابنهما أو بنتهما، وإنما يتسع المفهوم الحقيقي ليكون أحدهما أو كلاهما موجودا في حياة الولد أو البنت ، وإن كان هناك ظل تربوي، يُفْهِمُ بضرورة العناية بهما على أسمى ما تكون تلك العناية،وهذه المعاملة ومن مظاهر تلك المعاملة الراقية في هذه السن المتأخرة، وهذا الطعن في الكِبَرِ ألا تجري الهمزة أو الفاء (أف) على لسان أحد من الأبناء،
لا ظاهرا ولا باطنا، لا أمامهما ولا من خلفهما، ولعل تنوين التنكير (أفٍّ) هنا يؤدِّي دلالة تربوية لا يقوم بها غيره، فكلمة (أفٍّ) الفاء فيها مشددة منونة، ومعنى هذا ألا يتفوه بأقل كلمة فيها حروف تؤذي الوالدين، وهذا يعني أن يؤول لهما صنيعهما، فَكِبَرُ السِّنِّ له أحكامه ومعاملاته، فقد يعمل الأب والأم عملا يراه الابن غير لائق بهما، لكن لكبر سنهما وبلوغهما أرذل العمر ـ قد يتصرفان مثل هذا التصرف ، فعلى الابن ألا يتأفف من هذا الصنيع، ويعلم أنه يوما مَّا سيكون في مكانهما من الكبر والعجز، ويتمنى ساعتها أن يرحمه أبناؤه، وأن يقدروا فيه عجزه وانكسار نفسه، وهي مرحلة حساسة من حياة الوالدين ينبغي أن تقدَّر وتُحترَم، والذكيّ من الأولاد هو الذي يستغل الفرصة في حياة والديه بإرضاء الله بطاعة والديه ورحمتهما والرقة معهما، وهي لا شك فترة وستمر، وسوف يعيش الإنسان على ذِكْراها، ويظل يحكيها لعقبه لتكون قدوة لهم، ومن مظاهر ذلك ألا ينهرهما، وهي مسألة أفظع وأقسى من سابقتها؛ لأن النَّهْرَ له عدةُ دلالاتٍ، منها الزجر بلفظ قاس، وصوت عال، ومنها الضرب، ومنها الاجتناب النابي غير الكريم، وكلها تصرفات يرفضها الإسلام ويعاقب صاحبها وفاعلها؛ لأن مقام الأبوين مقامٌ كبيرٌ عند الله لا يستحقان معه أن يقابَلا بالنهر والزجر، ثم يعود فيلطِّف القرآنُ قلبَ الأولاد بقوله: (وقل لهما قولا كريما)، وتنكير كلمة (قول) فيها جميعُ ألوان القول اللطيف، واللفظ الرقيق، والتعامل الحسن، والخلق القويم، والعلاقة السامية، ثم عاد فوصف (قولا) بـ (كريما)، و(كريما) صفة مشبهة تعني أن يكون هذا السلوك مستمرا دائما في الحِل والترحال، في الإقامة والسفر، في الحزن والفرح، في الغضب والرضا، وكلُّ سلوكياتِ الإنسان، فاتصاف القول بأنه كريم يبين قدر الوالدين، وجعلها على سبيل الاستعارة المكنية حيث شبَّه الذل بالطائر الذي له جناحان يخفضهما، وينزل بهما على الأرض، فارشا إياهما ليصعد عليهما الوالدان، ثم جعل هذين الجناحين من الرحمة، فهو بذلك محوط بالرحمة، مشتمل على التواضع، وهو في الوقت نفسه كناية عن هذه الصفة الطيبة، وهي صفة التواضع للوالدين، ثم يختم الآية بهذا الدعاء الحاني: (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)، فاللهـ تعالىـ هو الذي يعلِّم الإنسان كيف يبر بوالديه، حيث يقول: (ربِّ)، أي (يا ربي)، فحذف (يا) لقربه من الله، ثم جاء بكلمة (رب) التي توحي بالرعاية والتربية، والعناية والشفقة، وبفعل هذا الدعاء:( ارحمهما)، والرحمة أوسع مفهوما من غيرها، ثم جعلهما في ضمير واحد: (ارحمهما)، ف(هما) عنده قلب واحد ونفس واحدة، لا فارق في التعامل بين أحد منهما فهما نور عينيه، وسعادة قلبه، وقُرَّة فؤاده، وموضع سعادته، فقد ربياه صغيرا، واعتنيا به، وعلَّماه وحدبا عليه حتى شبَّ عن الطوق، واشتد ساعده، وصارت له ذات، فعليه أن يعود عليهما رعاية، وشيئا من رد الجميل، غير أن هناك أناسا يُكِنُّون في قلبهم حبا للوالدين، وجميلَ عِشْرة، لكن لسانهم لا يتفوه بذلك حياء أو خجلا، فعقَّبت الآية لتنْظِم هؤلاء في سلكها: (ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا)، فهذه الآية التي هي ختام هذا التعامل المبارك في العلاقة مع الوالدين قد شملت الطائفتين؛ الطائفة التي تعبر بلسانها، ويسهل عليها ذلك، والطائفة الأخرى التي تستحيي وتخجل عن أن تعبر عن ذلك الحب للوالدين، وهذا من رحمة اللهـ سبحانه وتعالىـ لكن يجب على هذه الطائفة الثانية أن تدرِّب نفسها على البوح بما في نفسها؛ لأن الأبوين يسعدان بكلمة تقال هنا ، أو بعبارة ترسل هناك بشكل أو بآخر، تُفهمها مدى ما يكنُّه الأبناءُ في دواخلهم لآبائهم، نسأل اللهـ تعالىـ أن يجعل علاقة الأبناء بالآباء علاقة طيبة، وأن يسعد الآباءَ بالأبناء، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين،وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد،وعلى آله وصحبه، وسلم.

مها محمد البشير حسين نافع
ماجستير في الشريعة الإسلامية


أعلى





من أخلاق العرب في الإسلام
نماذج من دعاء الأعراب(2)


إعداد ناصر بن محمد الزيدي

الحلـقة الثانية :
لا زلنا نعيش مع نماذج من دعاء الأعراب , والتي تدل على صفاء النفس , وسرعة البديهة , وبساطة الكلمة , وقرب المأخذ ,وسلاسة التعبير:
روى الأصمعي قال: حججت عاما من الأعوام ,فرأيت أعرابيا يطوف بالكعبة المشرفة وهو يـقـول : يا خير موفود إليه الوفد , قد ضعـفـت قـوتي , وأتيت اليك بذنوب لا تغـسلها الأفهاد , ولا تحملها البحار , استجير برضاك من سخطك , وبعفوك من عقوبتك.
ثم التفت فقال : أيها الـمـشفـعـون , ارحموا من شملته الخطايا وغمرته البلايا , ارحموا من قطع البلاد , وخلف ما ملك من التلاد ارحموا من رنحته الذنوب , وظهرت منه العيوب , ارحموا أسير ضر وطريد فـقـر.
أسألكم بالذي أعملتكم الرغبه إليه , إلا ما سألتم الله أن يهب لي عظيم جرمي . ثم وضع في حلقة الباب خده , وقال ضرع خدي لك , وذل مقامي بين يديك ثم أنشأ يقول:
عظيم الذنب مكروب: من الخيرات مسلوب : وقد أصبحت ذا فقر: وماعندك مطلوب.
وذكر العتبي قال: سمعت أعرابيا بعرفات عشية يوم عرفة ,وهو يقول: اللهم إن هذه عشية من عشايا تحبيك ,أحد أيام زلفتك ,يأل فيها من لجأ إليك من خلقك , لا يشرك بك شيئا , بكل لسان فيها يدعى ,ولكل خير فيها ترجى ,أتتك العصاة من البلد السحيق ,ودعتك العناة من شعب المضيق ,رجاء ما لا خلف له من وعدك , ولا انقطاع له من جزيل عطائك ,أبدت لك وجوهها المصونة , صابرة على لفح السمائم , وبرد الليالي , ترجو بذلك رضوانك يا غفار , يا مستزادا من نعمه ,ومستعاذا من كل نقمه.
اللهم ارحم صوت حزين دعاك بزفير وشهيق . ثم بسط كلتا يديه إلى السماء , وقال: اللهم , أن كنت بسطت يدي إليك راغبا , فطالما كفيت ساهيا بنعمك التي تظاهرت علي عـند الغفلة , فلا أيأس منها عند التوبة , فلا قطع رجائي منك لما قدمت من اقتراف ,وهب لي الإصلاح في الولد , والأمن في البلد , والفافية في الجسد إنك سميع مجيب.
وقال الأصمعي : سمعت أعرابيا يقول في صلاته : الحمدلله حمدا لا يبلى جديده , ولا يحصى عديده , ولا تبلغ حدوده , اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره , واجعل القبر خير بيت نعمره , واجعل ما بعده خيرا لنا منه.
اللهم إن عيني قد أغرورقتا دموعا من خشيتك ,فاغفر الزلة ,وعد بحلمك على جهل من لم يرج غيرك.
فمع قصر هذا الدعاء , فإنه يدل على صدق لهجة صاحبه وسلاسة منطقه , وبعـد غـوره , خاليا من التعقيد.
وقال الأصمعي: خرجت أعرابية إلى منى فقطع بها الطريق ,فقالت: يارب , أخذت وأعطيت , وأنعمت وسلبت , وكل ذلك منك عدل وفضل , والذي عظم على الخلائق أمرك لا بسطت لساني بمسألة أحد غيرك , ولا بذلت رغبتي إلا إبيك , يا قرة أعين السائلين , أغثني بجود منك , أتبحبح في فراديس نعمته ,واتقلب في رواق نضرته ,احملني من الرجلة : (أي من المشي راجلا) , وأغـنـني من القـبلة , وأسدل علي سترك , الذي لا تخرقه الرياح ولا تزيله الرياح , إنك سميع الدعاء.
إنها دعت فأوجزت ,وتضرعت فألحت ,والله لا شك سميع الدعاء ,قال الله سبحانه وتعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) سورة النمل(62)0
وقال الأصمعي سمعت أعرابيا وهو يدعو يقول في دعائه : اللهم إن ذنوبي إليك لا تضرك , وإن رحمتك إياي لا تنقصك , فاغفـــرلي ما لا يضرك , وهب لي ما لا ينقصك . فهل رأيت أقصر وأوجز من هذا الدعاء , فسبحانه لا تضره المعصية إن ألم بها العـبـد ، و لا ينقص من ملكه شيء إن أنعم عـلى عـبده فرحمته وسعت كل شيء , وفي الحديث القدسي فيما يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل قال : (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألني كل واحد منكم فأعطيته مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا ) لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك تعز من تشاء وتذل من تشاء وترزق من تشاء بغير حساب لك الخلق والأمر.
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا وهو يقول في دعائه: اللهم إني أسألك عمل الخائفين ,وخوف العاملين ,حتى أتنعم بترك النعيم طمعا فيما وعدت .وخوفا مما أوعدت.
اللهم أعذني من سطواتك ,وأجرني من نقماتك ,سبقت لي ذنوب وأنت تغفر لمن يتوب ,إليك بك أتوسل ,ومنك إليك أفر. نعم الفرار إلى الله ,والله يقول وقوله الحق: (ففروا إلى الله) سورة الذاريات(50)
وقال زيد بن عمر: سمعت طاووسا يقول : بينما أنا في مكة المكرمة , إذ رفعت إلى الحجاج بن يوسف , فثنى لى وسادا فجلست , فبينما نحن نتحدث إذ سمعت صوت أعرابي في الوادي رافعا صوته بالتلبية , فقال الحجاج علي بالملبي , فأتي به.
فقال: ممن الرجل؟ قال: من أفناء الناس. فقال له الحجاج ليس عن هذا سألتك ,قال الرجل فعم سألتني؟. قال: من أي البلدان أنت؟. قال: من أهل اليمن ,قال له الحجاج: فكيف خلفت محمد بن يوسف (يقصد أخاه) وكان عامله على اليمن. قال له الرجل خلفته جسما خراجا ولاجا ,قال: ليس عن هذا سألتك. قال:فعم سألتني؟
قال: كيف خلفت سيرته في الناس؟ قال : خلفته ظلوما غشوما عاصيا للخالق , مطيعا للمخلوق . فأزور من ذلك الحجاج وقال : ما أقدمك على هذا , وقد تعلم مـكانه منـي ؟
فقال الأعرابي: أفتراه بمكانه منك أعز مني بمكاني من الله تبارك وتعالى .وأنا وافد بيته ,وقاض دينه ,ومصدق نبيه صلى الله عليه وسلم .
قال: فوجم لها الحجاج , ولم يحر له جوابا حتى خرج الرجل بلا إذن . قال طاووس فتبعته حتى أتى الملتزم فتعلق باستار الكعبة , فقال : بك أعوذ , وإليك ألوذ , فاجعل لي في اللهف إلى جوارك , الرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين , وغنى عما في أيدي المستأثرين .
اللهم عـد بفرجك القريب , ومعروفك القديم , وعادتك الحسنة . قال طاووس: ثم اختفى في الناس ,فألفيته في عرفات قائما على قدميه وهو يقول : اللهم إن كنت لم تقبل حجي ونصبي وتعبي , فلا تحرمني أجـر المصاب على مصيبته , فلا أعلم مصيبة أعظم ممن ورد حوضك وانصرف محروما من سعة رحمتك.
وفقنا الله للإخلاص في الدعاء وجعلنا من الذين يسارعون في عمل الخير ,ويدعونه رغبا ورهبا وجعلنا من الخاشعين آمين.
ولنا تواصل مع حديث آخر بأذن الله تعالى ....



أعلى





بادروا بالأعمال الصالحة

من صفات المؤمنين أنهم , يسارعون إلى مرضاته بجليل الطاعات، وعظيم القربات، واغتنام الفرص والأوقات، اغتنموا حياتهم , قبل فنائها، وأعمارهم قبل انقضائها، ونعمهم قبل زوالها، وعافيتهم قبل تحولها، ويسر أمورهم قبل عسرها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بادروا بالأعمال , فتناً كقطع الليل المظلم , يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا (بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال، فشر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر؟)).
إن الله تعالى قد حثنا على المسارعة إلى مغفرته وجنته، فقال سبحانه: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ) وأوضح ربنا سبحانه أن المسارعة إلى مغفرته وجنته ليست بالدعوى ولا بالتمني، وإنما تتحقق بفعل جليل الأعمال الصالحات، التي يحبها ويرضاها رب الأرض والسماوات، من الإحسان إلى الخلق ابتغاء وجهه، وكف الأذى عنهم، وتحمل أذاهم طمعاً في عفوه وإحسانه، ومنها البعد عن اقتراف المعاصي والسيئات، واجتناب الفواحش، وظلم النفس في سائر الأوقات، والمبادرة إلى ذكر الله وطلب مغفرته عند الوقوع في شيء من ذلك جهلاً؛ لعدم علم أو غلبة هوى، والحذر من الإصرار على ما يعلم من الزلات، فقال جل شأنه: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)
فحين ذكروا ربهم علموا خطيئتهم فبادروا إلى الاستغفار، وتجنبوا الإصرار، ولهذا تكرم الله عليهم فوعدهم بالمغفرة والجنة بقوله: أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين .
إن المسارعة في الخيرات صفة جامعة لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس وبالغير ، فإن من رغب في أمر سارع في توليه والقيام به، وآثر الفور على التراخي فيه، ولذلك يسابق إليه إحرازاً لقصب السبق، ولهذا أمر الله تعالى به حيث يقول: فاستبقوا الخيرات .
واستباق الخيرات يتضمن المبادرة إليها, وفعلها على أحسن الوجوه، وتكميلها بإيقاعها على أكمل الأحوال، والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل من صلاة وصيام، وزكاة وحج وعمرة، وجهاد، وبر الوالدين وصلة الأرحام، ونفع خاص أو عام. والمسارع في الدنيا إلى الخيرات هو السابق في الآخرة إلى الجنات، قال تعالى: [إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون]. فهذه شهادة من الله للمسارعين في الخيرات أنهم سابقون إلى الجنات، كما قال تبارك اسمه: والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً [سورة الواقعة:10-26].
فالسابقون إلى الخيرات هم أعلى أهل الجنة درجات، وهم أقربهم إلى الله تعالى وأعظمهم منهم كرامات: إن المتقين في جنات ونَهَر في مقعد صدق عند مليك مقتدر [سورة القمر:54-55].
فسارعوا رحمني الله وإياكم إلى المغفرة والجنات في استباق الخيرات، واغتنام الأوقات، فإن في ذلكم التجارة الرابحة.
إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور [سورة فاطر:29-30]. وقال تعالى في وصف هؤلاء: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب . نسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى فعل الخيرات , وترك المنكرات ,وحب المساكين , وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه , اللهم آمين .
إبراهيم السيد العربي



أعلى





الرجاء من رحمة الله

تحدثنا من قبل عن الخوف من الله، وذكرنا أن الخوف لا بد أن يكون معه رجاء من الله وطمع بما عنده من مغفرة وفضل ونعيم وتقريب. وكما أن معرفة الإنسان وإيمانه ببعض أسماء الله وصفاته يقتضي الخوف من الله؛ كذلك فالمعرفة والإيمان بأسماء أخرى وصفات يقتضي الرجاء من الله ويوجده.
فمن علم أن الله رحمن رحيم، رؤوف غفور، تواب عفو، معطٍ كريم؛ يوجد في قلب المؤمن رجاءً وطمعاً وتَوَقُّعاً لرحمة الله وإحسانه وفضله وتجاوزه عن ذنوب الإنسان، فيبقى طامعاً في رحمة الله، طامعاً في أن يخلِّصه من ذنوبه، طامعاً في أن يقيمه على ما أمره به وأن يهديه إلى الحق والطريق المستقيم، ولا يزال يتوقع ذلك دائماً من الله وينتظره من الله، مهما كان حاله ومهما أساء، ولكنه لا يكتفي بانتظار ذلك بقلبه؛ وإنما يسعى إليه بعمله الصالح وبطاعاته، وبتركه للمعصية ومجاهدته لنفسه فيها، وباستغفار وتوبته إن وقع فيما لا ينبغي، وبذلك يتعرض لرحمة الله وعفوه وفضله، مع ما في قلبه من رجاء وحسن ظن بالله تعالى أن الله تعالى يَعفو عنه ويُصلحه ويَقبله ويُرقيه ويكرمه ويعطيه من فضله وجنته وقربه، بإذنه وإحسانه.
ـ والمسلم يرجو من الله تعالى ويتوقع أن يثيبه على أعماله ويأجره عليها، وأن يدخله الجنة بها، رحمة منه سبحانه، كما يتوقع المسلم أن يكرمه الله من فضله زيادة على ما قَدَّمَ، قال الله تعالى : ? إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ? [فاطر: 29-30].
ـ ومن لم يكن عنده رجاء وتَوَقُّعٌ للرحمة والجنة والقرب من الله؛ فلن يكون عنده دافعٌ إلى طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فليس هناك شيء يرجوه ويطمع به ويتوقعه على العمل فلِمَ يعمل؟ ، لذلك نبهنا الله إلى أنه لا يقتدي بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا من كان راجياً لفضل الله وقربه وراجياً لجزائه وجنته في الآخرة، فقال : ? لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ? [الأحزاب: 21]. أي لمن كان يرجو من الله أن يكرمه، وكان يرجو من اليوم الآخر أن ينال فيه نعيمه.
فلا بد للمسلم أن يعرف من صفات الله ويعرف من وعده وما أعده من ثواب؛ ليوجد الرجاء لرحمة الله وفضله، فيندفع إلى العمل الصالح طالباً به ما يرجوه وما يتوقعه مما أعده الله له، فيكون هدفه الذي يتوقعه دافعاً له إلى العمل المطلوب، قال الله تعالى عن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ? تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً ? [الفتح: 29]، فذكر عملهم من ركوع وسجود، وذكر ابتغاءهم ورجاءهم للفضل والرضوان، وقال فيهم: ? لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ? [الحشر: 8].
ـ ورجاء القلب وتوقعه لرحمة الله لا يكون من غير عمل، وإلا كان كأنه استهتار بأمر الله واستهانة بجلاله، إذ كيف يرجو إحسانه وهو يعارضه ويعصيه ويتخلف عن أمره، لذلك فالله تعالى بين أن وجود العمل هو بذاته يمثل حالة الرجاء الصحيحة، فقال تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ?[البقرة: 218]، فكأن الآية تقول: بعملهم يرجون، فكأن الرجاء ليس هو شيء غير العمل، أو كأنه يقول: من صدر منه العمل وهو الإيمان وما تبعه من طاعات يمكن أن يصدر من الرجاء. وفي قوله تعالى: ? أولئك يرجون رحمة الله ? كأنه حصر وجود الرجاء في هؤلاء، فإن وُجِد الرجاء ولم يكن معه عمل فكأن صاحبه ليس من أهل الرجاء حقيقة، ولا ينبغي أن يتوقع رحمة الله ولا أن ينتظرها، بل هو ليس أهلاً لها.
ونبه الله تعالى إلى لزوم العمل مع الإخلاص لمن يرجو، فقال تعالى: ? فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ? [الكهف: 110]. [أي لا يكن مرائياً في عمله]
ـ وهذا لا يعني منع الرحمة والرجاء والتوبة عمن لا عمل له من الطاعات، فإن الإيمان إذا كان عند الإنسان فهو عمل، فتح الله لصاحبه باب الرجاء، فعن جابر رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان ؟ فقال: " من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يُشرك به شيئاً دخل النار " أخرجه مسلم. والحديث يدل على أن الكافر لا أمل له في رحمة الله، وهذا ما بينه قول الله سبحانه: ? وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? [العنكبوت:23].
ـ وإذا كان من مات لا يشرك شيئاً له أمل في رحمة الله؛ فلا ينبغي لهذا الذي لم يشرك أن يركن إلى مجرد الإيمان دون العمل الصالح، لأن الإيمان يقتضي الإقبال إلى العبادات، فحتى ترجو رحمة الله فلا بد أن ترغب بالعمل الذي ترضي به الله، قال تعالى: ? وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ ? [الأعراف: 156]، فذكر أن الرحمة كتبت لمن جمع بين الإيمان وهذه الفرائض.
ـ ومن غفل عن الله وعصاه وانشغل بشهواته فطبيعي أن لا يكون له رجاء من الله، وهذا ما أخبر الله تعالى به إذ جمع بين هذه الصفات وبين صفة عدم الرجاء من الله في قوله تعالى : ? إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [أي لا يتوقعون منا خيراً في الآخرة عند لقاء الله وحسابه والوقوف بين يديه] وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ? [يونس: 7-8].
ـ ولا ينبغي أن يكون ذنبك سبباً في ترك الرجاء، فالله تعالى كثير الغفران، ? إن ربك واسع المغفرة ? ? وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ? [الشورى: 30] فاطمع في مغفرة الله لك مهما كان منك واصدق فيما يأتي، وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا؛ لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم "، رواه مسلم، ورجاء العبد وأمله بالمغفرة باق لا ينقطع إلا بالموت، قال تعالى : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر [أي مالم تخرج روحه]" أخرجه الترمذي.
إذا خلا المسلم من الرجاء فإنه يكون يائساً من رحمة الله، واليأس من رحمة الله فيه نوع من التشكيك بعفو الله وسعة رحمته، وفيه شك بقدرة الله على تغيير حال الإنسان إلى خير، ومن هاهنا كان اليأس أخطر من الذنوب، فمهما كثرت ذنوب إنسان لا ينبغي أن ييأس ويقنط من رحمة الله، فإن يأسه أسوأُ من كل ذنوبه، إذ إن ذنوب الإنسان معاصي لله تعالى، لكن اليأس من مغفرتها ضلال واختلال في الاعتقاد والإيمان فهو يُدخِل في الكفر، قال تعالى: ? قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ? [الحجر:56]، وقال سبحانه: ? إنه لا ييأس من روح الله [أي لا يقطعُ أمله من الله ورجاءه في رحمته وإحسانه] إلا القوم الكافرون ?، فاليأس ليس من شأن أهل الإيمان.


محمد زاهد جول
كاتب وباحث تركي في قضايا الفكر الإسلامي


أعلى


 

" أبناؤنا والصيف"

الوقت من أكبر نعم الله تعالى على الإنسان، فهو رأس المال، وفيه يكمن الاستثمار الحقيقي، فبعمارة الوقت يمكن لنا أن نستثمر الأبدان والعقول، أن نسعى جاهدين في بنائها بناء صحيحا قويما، وها نحن أمام فرصة تتكرر كل سنة لا يمكن أن تعوض، لأن ما مضى منه لا يمكن أن يعود بحال من الأحوال، ولا يمكن أن يسترجع، بل يرسخ في شريط الذاكرة، ليس إلا.
ولا شك أنه لا يختلف اثنان في الأهمية القصوى التي يحتلها الوقت في حياتنا، ويصبح من نافلة القول أن نقول : أن الوقت هو عمرنا أصلا.
فبما أن فترة الإجازة أقبلت ، وصارت أوقات أشبال الأمة غير مشغولة بما كانت مشغولة به في السابق، فلا بد أن توجه هذه الطاقات نحو الوجهة الصحيحة، ولا بد أن يتم الأخذ بأيديها نحو بر السلام، فالحياة الآن أصبحت أكثر تعقيدا مما مضى، وسبل الانحراف والضياع أصبحت في كل مكان، ولا تحتاج مزيد عناء للوصول إليها.
إن الشباب والفراغ والجدة ** مفسدة للمرء أي مفسدة.
فلو تركنا هؤلاء الأشبال يتجهون نحو الشارع، ويتجهون نحو المجتمع دون أي ضابط أو قيد، فإنهم بسبب ميولهم في هذا السن، وهو سن المراهقة، قد يفسدون من حيث يظنون أنهم يصلحون، لأن مرحلة المراهقة مرحلة تحولات خطيرة في البدن والسلوك والتصرف والفكر، فهي بلا شك من أكثر المراحل العمرية خطرا على حياة الشاب، هذا إذا لم يجد صدرا حنونا يفضي له بهمة، ويرفع له مشكلاته، ويخرج ما في داخله، فالحل يمكن في أن نستثمر الصيف في برامج نافعة للجيل الناشئ، فلا يمكن أن نحصر لهم كل العلم في الجانب المدرسي، فذاك جانب من جوانب العلم ، والعلم ليس في الكراسة المدرسية فقط، المدرسة تفتح الباب للطالب أمام العلوم الأخرى، وتعطيه المفاتيح ليحل الأقفال، وهي كما يمكن أن نستعير من المثل الصيني تعلمنا كيف نصطاد السمكة، بدلا من اعطائها لنا.
فعلينا أن نجعل هذه الإجازة غنيمة يحسن الشاب استغلالها، بدلا من اضاعة الأوقات فيها دون جدوى وفائدة تذكر، فلا بد كما قلنا من توجيه واشراف في نفس الوقت، ولا بد من وضع جدول يتناسب فيه وقت المرح بوقت العلوم الأخرى التي تزيد من ثقافة الشاب، ومن علمه، فهذا الزمن لا يعرف مكانا للإنسان إلا بما يحسن من علوم وصنعة، وليس فيه مكانا للكسول أو الخامل ،فمن له شغف بالعلوم وجه إليها، ومن له شغف بالأمور المهنية أعطي المجال لممارستها، وهكذا في مختلف الجوانب الأخرى، فلا إفراط ولا تفريط، وهناك أمر مهم لا بد لنا أن نسعى لتعليمه لأبنائنا، وهو كتاب الله عز وجل، فهو الذي يربي فينا القيم والمثل العليا، وهو يزيد من قربنا من خالقنا، وعلينا أن نسعى لتعليمهم أمور دينهم، من فقه ونحوه، وأن يتعرفوا على سنة نبيهم، كي يحافطوا على هويتهم، وكي لا يكونوا فريسة سهلة أمام كل مفترس، بل يكونون متحصنين ولهم سد منيع يمنع الأيدي الطائشة من الوصول إليهم.
فما أجمل أن ترى حب العلم والتعلم قد انغرس في نفوس هؤلاء الشباب، وما أجمل أن ننظر لجيل مزج بين المرح والجد، فلا حرم نفسه وجسمه من المرح والترفيه المباح، وأيضا وهو الأهم أن لا يحرم عقله من العلوم النافعة التي تنمي التفكير والفكر معا، وأن لا ينسى نصيبه من كتاب ربه تبارك وتعالى، ومن حفظ كلام المصطفى - صلوات ربي وسلامه عليه-، وما أحلاه عندما يزين كلامه بشيء من ديوان العرب، بشعر ينبض بالحكمة.
فلنغرس في نفوس فلذات أكبادنا أن الوقت هو أغلى أمانة:
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه ** وأراه أسهل ما عليك يضيع.

فالوقت درة ثمينة هذه الدرة ينبغي أن لا تدنس، وأن يحسن استغلالها، كي تعود بالنفع والفائدة في مستقبل الأيام.


- كتبه: مصطــفى بن ناصر الناعـــبي،،،

 

أعلى


 


خلجات إيمانية
الأندلس

كتبتِ لي يا غاليه..
كتبتِ تسألينَ عن إسبانيه
عن طارقٍ، يفتحُ باسم الله دنيا ثانيه..
عن عقبة بن نافعٍ
يزرع شتلَ نخلةٍ..
في قلبِ كلِّ رابيه..

هكذا يصر نزار أن يكمل معنا قصة اسبانية ، قصة الأندلس ، الجنة المفقودة ، تلك القصة التي ارتحلت عميقا في جراحنا ومواجعنا .. وأشعارنا..
ورغم تلك المقدمة النابضة عذوبة ورقة .. تأتي لحظات المصارحة العنيفة حتى تكبو الكلمات ..
لم يبقَ في إسبانيه
منّا، ومن عصورنا الثمانيه
غيرُ الذي يبقى من الخمرِ،
بجوف الآنيه..
وأعينٍ كبيرةٍ.. كبيرةٍ
ما زال في سوادها ينامُ ليلُ الباديه..
لم يبقَ من قرطبةٍ
سوى دموعُ المئذناتِ الباكيه
سوى عبيرِ الورود، والنارنج والأضاليه..
لم يبق من ولاّدةٍ ومن حكايا حُبها..
قافيةٌ ولا بقايا قافيه..
لم يبقَ من غرناطةٍ
ومن بني الأحمر.. إلا ما يقول الراويه

ويعلل نزار الواقع والخسارة بالقبيلة والعشيرة إنها عبودية .. يعلل ذلك بشيوع القتال لا الحوار بين المسلمين ..
كتبتِ لي يا غاليه..
كتبتِ تسألينَ عن إسبانيه
عن طارقٍ، يفتحُ باسم الله دنيا ثانيه..
عن عقبة بن نافعٍ
يزرع شتلَ نخلةٍ..
في قلبِ كلِّ رابيه..
سألتِ عن أميةٍ..
سألتِ عن أميرها معاويه..
عن السرايا الزاهيه
تحملُ من دمشقَ.. في ركابِها
حضارةً وعافيه..
لم يبقَ في إسبانيه
منّا، ومن عصورنا الثمانيه
غيرُ الذي يبقى من الخمرِ،
بجوف الآنيه..
وأعينٍ كبيرةٍ.. كبيرةٍ
ما زال في سوادها ينامُ ليلُ الباديه..
لم يبقَ من قرطبةٍ
سوى دموعُ المئذناتِ الباكيه
سوى عبيرِ الورود، والنارنج والأضاليه..
لم يبق من ولاّدةٍ ومن حكايا حُبها..
قافيةٌ ولا بقايا قافيه..
لم يبقَ من غرناطةٍ
ومن بني الأحمر.. إلا ما يقول الراويه
وغيرُ "لا غالبَ إلا الله"
تلقاك في كلِّ زاويه..
لم يبقَ إلا قصرُهم
كامرأةٍ من الرخام عاريه..
تعيشُ -لا زالت- على
قصَّةِ حُبٍّ ماضيه..
مضت قرونٌ خمسةٌ
مذ رحلَ "الخليفةُ الصغيرُ" عن إسبانيه
ولم تزل أحقادنا الصغيره..
كما هيَه..
ولم تزل عقليةُ العشيره
في دمنا كما هيه
حوارُنا اليوميُّ بالخناجرِ..
أفكارُنا أشبهُ بالأظافرِ
مَضت قرونٌ خمسةٌ
ولا تزال لفظةُ العروبه..
كزهرةٍ حزينةٍ في آنيه..
كطفلةٍ جائعةٍ وعاريه
نصلبُها على جدارِ الحقدِ والكراهيه..
مَضت قرونٌ خمسةُ.. يا غاليه
كأننا.. نخرجُ هذا اليومَ من إسبانيه..


أترككم مع النص
أحزان في الأندلس
كتبتِ لي يا غاليه..
كتبتِ تسألينَ عن إسبانيه
عن طارقٍ، يفتحُ باسم الله دنيا ثانيه..
عن عقبة بن نافعٍ
يزرع شتلَ نخلةٍ..
في قلبِ كلِّ رابيه..
سألتِ عن أميةٍ..
سألتِ عن أميرها معاويه..
عن السرايا الزاهيه
تحملُ من دمشقَ.. في ركابِها
حضارةً وعافيه..
لم يبقَ في إسبانيه
منّا، ومن عصورنا الثمانيه
غيرُ الذي يبقى من الخمرِ،
بجوف الآنيه..
وأعينٍ كبيرةٍ.. كبيرةٍ
ما زال في سوادها ينامُ ليلُ الباديه..
لم يبقَ من قرطبةٍ
سوى دموعُ المئذناتِ الباكيه
سوى عبيرِ الورود، والنارنج والأضاليه..
لم يبق من ولاّدةٍ ومن حكايا حُبها..
قافيةٌ ولا بقايا قافيه..
لم يبقَ من غرناطةٍ
ومن بني الأحمر.. إلا ما يقول الراويه
وغيرُ "لا غالبَ إلا الله"
تلقاك في كلِّ زاويه..
لم يبقَ إلا قصرُهم
كامرأةٍ من الرخام عاريه..
تعيشُ -لا زالت- على
قصَّةِ حُبٍّ ماضيه..
مضت قرونٌ خمسةٌ
مذ رحلَ "الخليفةُ الصغيرُ" عن إسبانيه
ولم تزل أحقادنا الصغيره..
كما هيَه..
ولم تزل عقليةُ العشيره
في دمنا كما هيه
حوارُنا اليوميُّ بالخناجرِ..
أفكارُنا أشبهُ بالأظافرِ
مَضت قرونٌ خمسةٌ
ولا تزال لفظةُ العروبه..
كزهرةٍ حزينةٍ في آنيه..
كطفلةٍ جائعةٍ وعاريه
نصلبُها على جدارِ الحقدِ والكراهيه..
مَضت قرونٌ خمسةُ.. يا غاليه
كأننا.. نخرجُ هذا اليومَ من إسبانيه..

إعداد: سالم البوسعيدي

 

أعلى


 

قراءة بلاغية في سورة الإسراء (1)

نحن في شهر الله ، شهر الإسراء والمعراج ، رجب الفرد ، ذلك الشهر الذي حدثت فيه النقلة الكبرى للإسلام ، والذي فُرِضَتْ فيه الصلاة على المسلمين ، وقد نزلت فيه سورتان : سورة الإسراء ، وسورة النجم ، ونحاول قراءة تلك الآيات واكتشاف الجوانب البلاغية ، ودلالة أحرف المعاني فيها والبني الصرفية ، وطبيعة التراكيب النحوية التي نقلت هذه الحادثة نقلا رائعا تضمن كل ألوان البلاغة، وجلال الأسلوب ، ورصانة التعبير، وكمال الصورة ، قال - تعالى - : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" .
بدأت الآية بإشاعة جو التسبيح والعبادة ، ومناخ التحميد والجلال ، فالسين والباء والحاء تحمل معنى الطاعة والخشوع، والتسليم والخضوع ، بدأها الله - جل جلاله - بتسبيح نفسه؛ لأن الموقف يشمله الجلال، وتحوطه صفات الكمال حيث لا يقدر على إسراء أحد على تلك الصورة وبهذه الصفة إلا الله - سبحانه وتعالى - ، وهي مسألة من المسائل العقدية التي يلزم الذهاب إليها، واليقين بها ، فهذه العبادة في هذا المطلع كناية عن كمال القدرة وتمام المشيئة ، وهو لفظ يحمل أكمل معاني التنزيه ، وقد استعمل الفعل ( سبح) في القرآن متعديا بنفسه ومتعديا باللام، ومتعديا بالباء ، قال - تعالى - : " سبح اسم ربك الأعلى " ،وقال : وسبحوه بكرة وأصيلا " ، وقال : يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم " ،وقال : فسبح بحمد ربك واستغفره "، وقال : وسبح بحمد ربك حين تقوم " .
وقد ورد اللفظ (سبحان) مصدرا منصوبا " سبحانَ الذي " فهو إما مفعولا مطلقا، وإما نائبا عن المفعول المطلق لكونه اسمَ مصدرٍ ، وهو لفظٌ يُمنع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، إلا أن يكون مضافا فيُصرف كما هو الحال في الآية التي نحن بصدد الحديث عنها ، والتعبير بالاسم آكد من التعبير بالفعل لدلالته على الثبوت والدوام ، فالتسبيح لله ثابتٌ مستمر وأزليٌّ مستقر ، والتعبير بالموصول الذي هو الفاعل في المعنى ، وهو هنا مضاف إليه أوصفه للمضاف إليه المحذوف ؛ أي أن المعنى: سبحان الله الذي أسرى بعبده.
وعَبَّر عنه بالاسم الموصول دون الاسم الظاهر(الله) للعلم بأن جميع الخلق لا يشك في ذلك, وكلهم متيقنٌ من أنه لا يقدر على فعل مثل ذلك إلا الله, ومن ثَم لم يشأ أن يصرح بالظاهر على شاكلة: (وجُمِعَ الشمس والقمر)، ونحو: (وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفا)، ونحو: (وفُتحَتِ السماء فكانت أبوابا وسُيَّرتِ الجبالُ....)، والفعل أسرى مأخوذ من السُّرَى وهو السير ليلاً, وهي تفيد المعية والمصاحبة, فلم يتركه يسري وحده, وإنما أسرى بعبده أي مع عبده, فالمعية توحي بالاطمئنان والصحبة، والأمان والاستقرار, والفاعل وهو الله -عز وجل- وهو هنا ضمير مستتر تقديره (هو) , فالذي أسرى وفعل ذلك الفعل الدال على القدرة والاقتدار هو ال له-جل في علاه-.
وقوله : (بعبده)، الباء هنا للمعية، كما تقول:جئت بأخي (أي معه), ومعية الله هي نعمة النعم ويجب أن يستصحبها المسلم ليلا ونهاراً ، غُدُوَّا ورواحا، مساءً وصباحًا وحِلاًّ وترحالا, وهي تحمل في الوقت نفسه معنى الراحة الكاملة؛ لأن المرء إذا رحل مع شخص كبير، ومعه القدرة شعر بالعزة، وأنه لا تنغيص سيصيبه ولا تكدير, فما بالك إذا كان المُسْرِي هو الله القادر القدير المقتدر، صاحب القدرة المطلقة, والذي وصف نفسه كثيرا بأنه على كل شيء قدير، واختيار لفظ "عبد" يعد القمة في مكانه,والجلال في موضعه ؛ لأن مقام العبودية للإنسان هو أسمى مقام، وأجل منزلة,
قال القائل:
حَسْبُ نفسي عِزًّا بأنيَ عبدُ يَحْتَفِي بي بلا مَواعيـدَ رَبُّ
هـــو في قدسه الأعزُّ وأنـا ألقى متى وأين أحبُّ
وقول الآخر:
ومما زادني تيها وكـِدْتُ بأخـمَصي أَطـَـأُ الثُّرَيـَّا
دُخولي تحتَ قولِكَ ياعبادِي وأَنْ صَيَّرْتَ أحمدَ لي نبيـَّا
نعم, مقام العبودية هنا مقام تشريف للعبد, وخصوصا إذا أُسْند وأضيف إلى رب العالمين: (بعبده) فالإضافة هنا للتشريف, وهو كناية عن الخضوع الذي هو صفه ملازمة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- ، فإذا التقت العبودية من الإنسان الشريف، مع الإله المعبود الكريم اللطيف - كانت العلاقة سامية والصلة راقية، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- /هو العابد الكامل في عبادته لربه, المستحق لهذا الوصف الكريم، والسُّرَى لا يكون إلا بالليل ، كما قالت الحكمة، وصرَّح المثل العربي: ( عند الصباح يحمد القوم السُّرَى)، فما فائدة (ليلا)؟ ، لعل في هذَا الاستعمال هنا يُضفي على الجو لونا من السكينة والوقار، والهدوء حيث العبادة تحلو بليل، فيخلو العابد في معتكفه بربه، يبثه شكواه، ويفترش له الجِباه، يسبح مولاه، ويرجو رحمته وهداه، ويستمطر عفوه ورضاه، في دنياه وأخراه، كما أن "ليلا" توحي بالنور حيث طلوع القمر الذي يعكس ضوءه كاملا على صفحة الكون، في ليل داجٍ ساجٍ منير حالم، تتملى النفس بهاءَه، وترى بعين الفؤاد صفاءه، في رحلة قدسية علوية ربانية، يحتفي فيها الخالق بالمخلوق، والإله المعبود بالعابد له المحب الذليل.
قوله: (من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) : رحلة من بيت من بيوت الله ، بيوتِ الطاعة والطهر، إلى بيت آخر من بيوت الله بيوتِ العزة والصفاء ، ف(مِنْ) تفيد ابتداء الغاية المكانية و" إلى" تفيد انتهاء الطاعة المكانية ، فقد حُدَّدَتْ رحلة الإسراء من مسجدين، فَعُرِفَتْ حدودها الجغرافية ، وفي هذا إعلام بوراثة المسجدين لأهل الإسلام، فهما معا من ممتلكات المسلمين، ولا يحق لأحد في هذا الكون أن يَدَّعِيَ غير ذلك، وهنا لمحة أخرى هي تشبث المسلم ببيوت الله وتعلقه بها، فهو لا يخرج منها إلا ليعود إليها، وإذا كان في شأن من شؤونه تعلق فؤاده بها، كما في حديث السبعة :" ورجلٌ قَلْبُهُ معلَّقٌ بالمساجد " أو " معلَّق في المساجد"، فالمسلم فؤاده ونفسه وباطنه وظاهره مرتبط بالمسجد ارتباطا وثيقا ، فهو يعشق بيوت الله؛ لأنها مصانع توحيد، ومواضع طهر النفس، ومحالّ تصفية النفوس: ) وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحد)، فالرحلة بدأت بتسبيحٍ، وتخللتها عبودية كاملة، وحدثت في زمن هادئ ، وتمت في مساجد يُتَنَقَّل بينها، ونور وطهر، وصفاء وجلال ، وفي اللقاء القادم إن شاء الله نواصل كشف بعض تلك الجوانب البلاغية لهذه الرحلة المباركة، وهذا الحدث الجلل من أحداث الإسلام العظام، وتواريخه الجسام ، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .

د جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم
جمهورية مصر العربية

 

أعلى


 

من الإصدارات العمانية
المنهج الدعوي عند الشيخ خلفان بن محمد العيسري

عرض : مبارك بن عبدالله العامري
ميز الله سبحانه وتعالى الأمة الإسلامية بالعديد من الدعاة والمفكرين الذين نشروا دين الله في مشارق الأرض ومغاربها وضحى هؤلاء الدعاة بوقتهم من أجل نشر الإسلام والتعريف به ومن هؤلاء الدعاة الشيخ خلفان بن محمد بن خلفان العيسري الذي أصبح له بصمات خالدة وجاء كتاب المنهج الدعوي عند الشيخ خلفان بن محمد العيسري يحمل بين أوراقه المنهج المتبع للشيخ خلفان في مجال الدعوة.
الكتاب يقع في 110 صفحات ومن إعداد : نصر بن غالب بن خليفه البوسعيدي
في الفصل الأول من هذا الكتاب تطرق المعد إلى السيرة الذاتية والحياة العلمية والعملية للشيخ : لقد حبا الله الشيخ خلفان أبا صالحا محبا للدين وعلومه ، لذلك غرس ـ رحمه الله ـ في نفس الشيخ خلفان حب القرآن منذ نعومة أظفاره مما كان له الدور الأكبر في تشرب الشيخ بحب علوم الدين والدعوة إلى الله وكان الشيخ يدرس القرآن آنذاك تلاوة وحفظا وقد أدى هذا التوجه إلى تأخير التحاقه بالمدارس النظامية حتى سن التسع سنوات تقريبا ونظرا للحرص الكبير من والده ـ رحمه الله ـ على أن ينال الحفظ الأوفر من كتاب الله ، فقد ختم الشيخ خلفان القرآن عدة مرات وكان ذلك وهو في السادسة من عمره ومن السمات المميزة لشخصية الشيخ خلفان يتميز الشيخ بالعديد من الصفات التي جعلت منه رجلاًُ ناجحا وداعية مخلصاً حتى ذاع صيته وبات معروفا داخل البلاد وخارجها ويتحدث عن نفسه في هذا الجانب قائلا: أنا لست إلا رجلا عاديا ، ولكن الله عزوجل رزقني بعض الصفات التي أحاول استغلالها في حياتي اليومية وأحث عليها الآخرين فأنا والحمد لله إيجابي في حياتي ومتفائل دائما ولا أحب التشاؤم أو السلبية ، بل أعتبرها من الأمراض التي فتكت بأمتنا الإسلامية وأوصلتها لما هي عليه اليوم فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول :( تفاءلوا خيراً تجدوه ) فالتفاؤل إذا من شيم وصفات المسلمين ، كما أنني أتمتع بسعة الصدر وطول البال وعدم استعجال النتائج واستغلال الوقت0
وتناول المعد في الفصل الثاني الجانب الديني وبداية مسيرة الدعوة عند الشيخ : لقد بدأت الرحلة الحقيقية للشيخ الداعية في العلوم الإسلامية وهو ابن سبعة وعشرين عاما ذلك بعد عودته من بريطانيا حيث بدأ يستمع لمحاضرات مسجلة ، كما بدأ بقراءة كتب التفاسير ثم توجه إلى الأشرطة المرئية وأهمها المحاضرات والمناظرات ، وقرأ الكتب المتعلقة بالمذهب الأباضي مثل كتب سماحة الشيخ العلامة احمد الخليلي والشيخ على يحيى معمر وكتاب قواعد الإسلام للشيخ الجيطالي وشرح النيل للشيخ أطفيش وكتاب الوضع وغيرها وقرأ في مجال الزهد والعديد من الكتب وللشيخ خلفان العيسري العديد من الأساتذة من فرسان العلم ورواده وعلى رأسهم سماحة الشيخ العلامة أحمد الخليلي وفضيلة الشيخ حمود الصوافي فقد كان لأسلوبهما وحكمتهما في الدعوة الأثر الكبير في صياغة فكره ومنهجه الدعوي ، كما تأثر فكر الشيخ بالعديد من العلماء والدعاة الآخرين ،في عام 1997م ألقى الشيخ أول محاضرة له باللغة الإنجليزية وذلك بالكلية التقنية العليا بمسقط وهو ابن سبعة وثلاثين عاما في ذلك الوقت وكان موضوعها الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ، وكانت موجهة أساسا لغير المسلمين لدعوتهم إلى الإسلام وتعريفهم بهذا الدين الحنيف وكانت هذه المحاضرة هي باكورة محاضرات الشيخ الجماهيرية والتي اعتبرها بداية الانطلاقة الحقيقية في مجال الدعوة إلى الإسلام داخل السلطنة ، بعد ذلك ألقى الشيخ العديد من المحاضرات داخل السلطنة وخارجها وتعتبر هذه المحاضرات بمثابة الانطلاقة الحقيقة للشيخ المفكر للدعوة ونشر الفكر الإسلامي على الصعيد الدولي 0
و اللغات التي يستخدمها الشيخ حوالي 28 لغة يجيد منها 6 لغات ويحفظ الكثير من مصطلحات اللغات الأخرى وأكرم الله سبحانه وتعالى بأن الذين دخلوا الإسلام على يديه يتراوح مابين المائتين وخمسين وثلاث مائة شخص من جنسيات مختلفة أغلبهم من داخل السلطنة 0
وأشار معد الكتاب في الفصل الثالث إلى : المنهج الدعوي وخطوات الدعوة عند الشيخ 0
وبين معد الكتاب عن الأنشطة الدعوية التي يمارسها الشيخ محليا وعالميا : للشيخ خلفان العيسري عدة طرق ووسائل في مجال الدعوة وكان يركز على طرق ووسائل منها :
الحوار الصريح والمباشر مع الآخرين وذلك من خلال لقائه بمختلف الشعوب والجنسيات في الزيارات التي يقوم بها 0
التأثير في الآخرين من خلال تطبيق سلوكيات وأخلاق وآداب المسلمين الصحيحة والابتعاد عن كل ما يسيء إلى الإسلام والمسلمين 0
المحاضرات والخطب التي يحرص على إلقائها في المناسبات المختلفة وبلغات مختلفة بما فيها خطبة الجمعة 0
المقابلات واللقاءات الإعلامية المختلفة 0
الرسائل المكتوبة والرسائل القصيرة التي يتم تبادلها من خلال الهاتف النقال 0
الدعوة عن طريق الاتصالات الهاتفية من خلال الرد على مكالمات المتصلين الراغبين في التعرف على الإسلام 0
الدعوة عن طريق الشبكة العالمية ( الانترنت )
السفر والترحال بما فيها رحلات الحج والعمرة 0
الأنشطة الاجتماعية بما فيها جمع وتوزيع الصدقات والزكوات 0
إنشاء وتفعيل جمعيات الدعوة الإسلامية مثل جمعية الاستقامة العالمية 0
المشاركة الفاعلة في مركز التعريف بالإسلام بالجامع الأكبر

 

أعلى


 

قرآنا عربيا...
إخبار القرآن بأمور المستقبل الذلة والمسكنة

أيها القراء الأكارم: من الأمور التي ذكرها القرآن الكريم قبل وقوعها ما ذكر في كتاب الله تعالى عن يهود وقد ضربت عليهم الذلة والمسكنة اينما ثقفوا وأينما وجدوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس والذي نفهمه من هذه الآية الكريمة أن اليهود يستطيعون أن يقفوا على أقدامهم وليس بوسعهم أن يحيوا حياة العزة والمنعة وأنهم محتاجون دائما إلى حليف يحميهم ونصير يشد على أيديهم ونحن نجد أن وعد الله تبارك وتعالى يتحقق فهاهم اليهود اليوم يعولون في مسيرتهم وبقاء دولتهم على كثير من قوي البغي التي تمدهم بكل المقومات المادية من سلاح ومال وغذاء وبكل المقومات المعنوية هذا كله يندرج تحت قول سبحانه ( وحبل من الناس ) ولعل سائلا يسأل هذا حبل الناس عرفناه فماذا عن (حبل الله) ؟ ونجيب السائل عن هذا التساؤل بما يبدو لنا من الآية الكريمة وهو أن حبل الله تبارك وتعالى يكون لهؤلاء اليهود حينما يتنكب المسلمون الصراط ويعرضون عن حكم الله وهديه فليس حبل الله لليهود دليلا على حب الله لهم بل هو عقوبة للمسلمين وتذكره لهم ليرتدعوا عن إعراضهم وليرجعوا إلى الله ولتحيا كلمات الله في نفوسهم وليسد شرعة حياتهم كلها, ذلكم هو حبل الله وحبل الناس وهو بحق ويعلم الله إعجاز هذه الآية الكريمة أظهر من الشمس في رائعة النهار ويتصل بهذا ما أخبر به عن اليهود من تسلط الأمم النصرانية عليهم وذلك في قوله تعالى ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) والمتدبر للآية الكريمة يجد أنه قد ذكر فيها ( الذين كفروا ) مرتين الأولى ( ومطهرك من الذين كفروا ) والثانية ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ) والذين كفروا في المرة الأولى هم اليهود يقينا فهم الذين ناصبوه عليه السلام العداء وقد نجاه الله منهم وإذن ( فالذين كفروا ) في قوله تعالى ( فوق الذين كفروا ) هم اليهود كذلك فالآية الكريمة تبين لنا أن تسلط الأمم النصرانية على اليهود أمر مستمر والتاريخ خير شاهد على ذلك فما لاقاه اليهود من الأمم النصرانية على مدى االتاريخ من الشدة والقسوة والإيذاء والتعذيب والاحتقار لا يجهله أحد ولا ينكر اليهود أنفسهم وفي هذه الأيام التي يظهر أن لليهود فيها دولة لا ينكر أحد هذه الفوقية فاليهود ما زالوا في أمس الحاجة إلى هذه الأمم واالحكومات لبقاء دولتهم وإلى أن يقضي الله أمر مفعولا عندنا يهيئ الله لهذه الأمة من يرفع فيها علم الجهاد ليدكوا دولة الباطل ( وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ) ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا ) وإذا كان هذا وعدا بهزيمة عدو المسلمين من اليهود فلقد وعد الله المؤمنين كذلك أن يهزم عدوهم من مشركي العرب فقال تعالى ( ولو قاتلكم الذين كفروا لولوكم الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ) وعيد الله تعالى لأهل مكة ومن شايعهم في بدر ما سيلاقونه يوم بدر فقال تعالى ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) وهذه الآيات نزلت في مكة ولذا روي عمر ـ رضي الله عنه ـ قوله ( ما عرفت الجمع الذي تتحدث عنه الآية إلا يوم بدر وقال تعالى ( فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون* يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون ) ومن عجيب أمر القرآن الكريم أن هاتين الآيتين من سورة الطور جاءتا بعد قوله تعالى ( فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون* أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون * قل تربصوا فإني معكم من المتربصين * أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون* أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون000 ) إلى آخر الآيات فقد ذكرت أم في هذه الآيات خمس عشرة مرة وكانت غزوة بدر في السنة الخامسة عشرة من البعثة النبوية حيث مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة وكانت بدر في السنة الثانية للهجرة فهذه خمس عشرة سنة 0
إعداد/علي بن عوض الشيباني.

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept