الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ

يعتبر حسن حميد ان القول بموت الاجناس الأدبية لا يعدو كونه "خرافة ليس إلا"، والقول بموت الأجناس الأدبية هو قول انفعالي لا يتعدى أن يكون مجرد زفرة نقدية أطلقت هنا وهناك فشاعت.. من هذا المنطلق يفند حميد موت أي جنس من أجناس الأدبي في مقال تفصيلي ينشره اشرعة في هذا العدد.
من تراثنا العماني يقدم محمد العيسري استعراضاً لكتاب "منثورة جوابات المشائخ" وهو مخطوط لم يرد ذكر اسم مؤلفه.. في هذا الاستعراض يلتقط العيسري بعض المصطلحات والمسائل لوصف معطيات الزمن الذي خط فيه الكتاب، وتفاصيل الحياة والمفردات الحياتية المستخدمة في ذلك الوقت، ويفرد العيسري مجالاً واسعاً لبعض القراءات الفقهية لما تعكسه من جوانب عميقة تصف طبيعة التعامل بين الناس في تلك الفترة.
(..من لبنان) هي القراءة التي يقدمها الزميل سالم الرحبي عن مشاهداته هناك واصفاً الحال أن لبنان لا يعرفه غير اللبنانين أنفسهم. ففي ليلة ماطرة عاد فيها مشيا، اضطر إلى السير تحت المطر مسافة طويلة، قبل الوصول إلى الفندق، وخلال أقل من دقيقة خلت الشوارع من المارة واختفى الجميع، وكأن الأرض ابتلعتهم! بقي يركض من المطر، لا شيء أمامه سوى لافتات الشوارع المضاءة، والمطر المنهمر، فكل لبناني يعرف مخابئ بيروت. بدهاليزها وممراتها وأزقتها، التي تشبه حال السياسة فيها. بما يؤكد على أنه لا يمكن للقادم من الخارج، أن يلم بتفاصيلها، حتى وإن كثرت جلساته مع المثقفين. رحلة قصيرة في زمانها، طويلة بتفاصيلها، سريعة بإيقاعها، بطيئة عندما تستوقف زمانها، فتكون أسئلتك فرض عين.
من أدب الرحلة، إلى التشكيل، تأخذنا الخزافة السورية آمال مريود إلى عالمها، حيث المرأة محور معظم أعمالها، وقد شعرت بضرورة التواصل مع الناس، من خلال أحاسيسها التي تضعها في العمل، مؤكدة أن العالمية ليست هدفها الأساسي، فجمهورها المحلي هو الذي يهمها بالدرجة الأولى، زاوجت في أعمالها الأخيرة بين الزجاج والخزف، فالزجاج يملك خاصية الشفافية والخزف يملك خاصية الكتامة، وقد أحبت هذا التزاوج لقربه من العين، فالعين بقدر ما تحمل من شفافية، بقدر ما تحمل من أسرار وعمق وبعد داخلي.. وفي أشرعة العديد من المواضيع الاخرى

المحرر


أعلى






ما زِلت تَبحثُ عن وطن ..

(1)
ذات سفرٍ تأجل أكثر من مرة , سافرت قادما من البعيد البعيد إلى نقطةٍ أبعد وأبعد, رميت خلفك ذكريات الأمس في أقرب زاوية للنسيان مع سبق الإصرار والترصد.
اقتطعت تذكرة ذهاب من دون تحديد أوان إيابٍ معلوم, رحلت من وطنك المعلوم بحثاً عن وطنٍ مجهول, وطنٌ آخر يحتضن الحلم وهو ذات الحلم الذي زارك ذات ليلة, ذات ليلة بحثت فيها جاهداً عن مستقرٍ لحلمٍ أثير طاردته شر مُطاردة وحتى اللحظة لم تستطع النيل منه أو بلوغ أراضيه التي ستغدو قريبةً جداً لو استطعت النيل منه وكذا ستبدو بعيدةً كل البعد لو لم تستطع بلوغ الحلم..
(2)
في أول الطريق بدت المسافة بعيدةً جداً أمام ناظريك ورويداً رويداً غدت المسافات تتلاشى تدريجياً أمام رغبتك الجامحة التي تدفعك على عجل لعبور المسافات دون تفكير في العودة إلى الوراء حيث كانت البداية .. طويت البداية ومضيت في طريقٍ قد ينتهي بك إلى الغاية والمراد وقد ينتهي بك إلى بلوغ نهايةٍ غير منتظرة , وقد تكون هناك أكثر من نهاية قد تُطل برأسها في آخر المشوار الذي يبدو قريباً جداً وهو بعيد ويبدو بعيداً جداً وهو قريب ..وبين القرب والبعد تتسع المسافات تارة وتتقلص تارةً أخرى ..

(3)
وأنت لا زلت حائرا ,لا زلت هائما في سفرٍ قد ينتهي بعد حين وقد يمتد إلى أبعد من الحين , ولو طال أو قصر فالأهم هو بلوغك للنهاية المرجوة التي تصل بك إلى الوطن الذي خُيل لك وجوده في أكثر من حلم .. وفي نهاية كل حلم كنت تستيقظ على وقع الصدمة بتلاشي المشهد المتخيل أكثر من مرة ورغم حدوث ذلك كنت تُحدث نفسك بأن الحلم الذي تلاشى عديد المرات سيتحقق من دون شك في حتمية تحقيقه, وأجلُ تحقيقه قادمٌ لا محالة ..ورغم الثقة المفرطة في حدوث التحقيق يأتي الصباح من بعيد ليبعثر حدث الليلة إلى أوراق متناثرة في انتظار أوانٍ جديد للملمة الشتات..لو أطل ذلك الموعد من نافذة الحضور من جديد ..

(4)
" نعم أنا رجلٌ حالم ,لأن الحالم هو من يستطيع أن يجد طريقه على ضوء القمر , وهو أول من يرى بزوغ الفجر في العالم " أوسكار وايلد ..

يَعقُوب البُوسعيدي ..


أعلى





"الخزف فن الحياة" يحكي معاناتي بعد رحيل والدي
الخزافة السورية آمال مريود: لا اخرج من المشغل إلا بعد ان اترك جزءا من ذاتي فيه

دمشق ـ من وحيد تاجا:
تعتبر الخزافة السورية آمال مريود من أهم الفنانات التشكيليات اللاتي يعملن في مجال الخزف.. حازت على الشهادة العليا التخصصية في الخزف في جامعة الفنون التطبيقية العليا في باريس، ومارست الخزف تحت إشراف الخزاف العالمي فيليب ديبيك في باريس.
تعمل حاليا أستاذة مادة الخزف في كلية الفنون الجميلة وتاريخ الفن في الجامعة الأميركية في بيروت منذ عام 2000. شغلت منصب أستاذة الخزف في المركز الثقافي الفرنسي في دمشق (1991 ـ 2000).
نشرت كتاب "الرسوم والزخارف الإسلامية" الذي ترجمته إلى العربية بالإضافة إلى مقالات حول الخزف وتاريخ الخزف الإسلامي ، أعمالها الخزفية مقتناة في سوريا ولبنان ودبي والنمسا وهولندا وبلجيكا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية.
أقامت سلسلة من المعارض الفردية في فرنسا وسوريا ولبنان والإمارات العربية المتحدة، وشاركت في معارض جماعية في فرنسا والقاهرة ودمشق وبيروت.. بمناسبة معرضها الأخير الذي أقيم في صالة (السيد) في وسط العاصمة السورية كان معها هذا اللقاء..
* بداية، هل نستطيع اخذ لمحة عن البدايات.. لماذا توجهت الى الطين والخزف وهو تخصص صعب بشكل عام ، فكيف به على المرأة؟
** بصراحة لا اعرف لماذا توجهت بالتحديد نحو الخزف ولكني أردت عمل شيء بيدي، وعندما اخترت هذا التخصص (في السبعينات) لم يكن عددنا يزيد عن ثلاثة طلاب في القسم في الجامعة الأميركية في بيروت، وكنت الفتاة الوحيدة في تلك المرحلة التي كانت تعمل في الخزف، ومعروف انه يحتاج الى جهد عضلي في البدايات، وربما كان للبعد المنزلي أثر كبير في هذا التوجه، فقد كان لوالدتي اهتمامات كبيرة في الفنون التطبيقية وتعمل من اللاشيء شيء جميل.. وقد زرعت هذا الحب والاهتمام فينا وجعلتني اختار هذا الطريق .. كما قد يكون السبب هو إحساسي الداخلي بأنني موجودة في منطقة من اعرق مناطق التاريخ وأغناها بآثارها الخزفية.. وبالتالي كان توجيها إلهيا حتى أعيد لهذا الطين شيئا بسيطا من قداسته وفتنته.. فالطين مادة مقدسة ورب العالمين يذكرنا دائما في كتابه المقدس بأننا خلقنا من طين.. فماذا نريد اكثر قدسية من هذه المادة لكي نتعامل معها، وذلك هو السبب الأساسي الذي يجعلني انتقد بشدة بعض الناس الذين يتعلقون على الخزف تعلق الفطريات ويحاولون استغلاله لتحقيق للمكاسب المادية، وانا اشعر بان هذه المادة مقدسة لا يجب استغلالها الا اذا كنا نعرف جيدا ما نعمل.
* وكيف انتقلت لتدريس هذا التخصص؟
** بعد تخرجي في مجال الإعلام والإعلان تخصص السيراميك سافرت الى باريس حيث تخصصت بالخزف تحديدا لمدة أربع سنوات، ورغم النجاح الذي لاقته معارضي وأعمالي الخزفية هناك.. ورغم تعلقي بها كمدينة نور وحضارة.. ولكني شعرت بان مكاني هنا في بلادي.. ولذا عدت وفتحت مشغلا للخزف في دمشق وقمت بتدريس الأطفال والكبار الراغبين بالتعرف على هذه المادة، وبقيت فترة عشر سنوات، وبسبب نجاح معارضي التي أقمتها في سوريا ولبنان طرح علي أساتذتي في الجامعة الأميركية فكرة فتح قسم في الجامعة لتدريس الخزف، وبالفعل تم هذا الأمر واقوم منذ عام 2000 بتدريس مادة الخزف هناك. وقد حقق القسم نجاحا كبيرا وعدد الطلاب الان يفوق العدد المطلوب مع لائحة طويلة من الانتظار للفصول القادمة، وانا سعيدة جدا لأنني استطعت تحقيق جزء بسيط من حلمي بان اجعل الأجيال تؤمن بهذه المادة كي يستطيع أحد منهم إكمال مشواري الذي بدأته.
* نلحظ في المعرض الحالي أعمالا نحتية مشغولة من مادة البرونز؟
** الخزف ليس فن فقط .. إنما هو بحث علمي مستمر .. فيه الخزف الوظيفي، الذي يجب ان يملك أيضا منحا فنيا وجماليا، وفيه الخزف النحتي الذي يعبر كما في أي لوحة تشكيلة.. إلا انه يتميز عن اللوحة التشكيلية بكونه ثلاثي الأبعاد فتستطيع الالتفاف حول العمل لا ان تراه فقط وجها لوجه، وهو ما تحمله تجربتي الأخيرة في معرضي الحالي، وقد بدأت هذا المنحى "النحت الخزفي" في نهاية الثمانينات عندما كنت في باريس، حيث اشتغلت بعض الأعمال النحتية وحولتها الى مادة البرونز، ولكني لم اعرضها سابقا، لعدم قناعتي انها وصلت الى درجة كافية من النضج لعرضها على الجماهير.. وهكذا بقيت في أعماقي.. حتى عام 2007.. ولا أخفيك ان الذي فجر احتياجي الى "النحت الخزفي" هو غياب والدي عن ساحة الحياة.. عندها شعرت بوجود الكثير من المشاعر والتفاصيل في حياتي والتي كنت بحاجة للتعبير عنها بأكثر من صحن جميل وإناء رشيق.. شعرت بحاجتي الى تجسيد تلك الأحاسيس من خلال العمل النحتي.. وما كان هناك اقرب واصدق من الطين الذي اعتدت ان اغمس به أصابعي ونتعاون معا لتشكيل عمل جميل يحمل كل ما املك من مشاعر وأحاسيس.. وخرجت اول مجموعة نحتية لي عرضتها بدمشق عام 2007. تحت اسم (الخزف فن الحياة) وهو اسم له علاقة بشريط حياتي القديم، وكانت معظم الأعمال في حينها مستوحاة عن احتياجي لوجود الوالد معي، فقد أحسست بان أي عمل سوف اشتغله من وقت غيابه الى وقت رحيلي يجب ان يعبر عن والدي بعنفوانه ورجولته وعطائه.. أصبحت أحاول ان أتمثل به اكثر فاكثر بان اترك شيئا لبلادي لانه هو أيضا أعطى الكثير لوطنه.
* كنت من أوائل من استغنى عن استخدام الدولاب والميل الى التجريد؟
** بالنسبة لي ارتبط الدولاب تقنيا بالأعمال الخزفية التقليدية .. وبالتالي هو يحدد مسار عملك لان له تقنية معينة يجب ان تعتمد عليها، فضلا عن تحديده مكان إقامتك، لانك حتى تشتغل على الدولاب لابد ان تتواجد في المشغل .. وانا اختلف مع هذه التقنية، فأنا احب الترحال والتنقل من بلد الى اخر.. فإيجاد مشغل بشكل ثابت في مكان واحد كان من الصعوبة بمكان. صحيح أني اتقن العمل على الدولاب واعمل عليه الأشياء الوظيفية مثل الفنجان والصحن .. ويمكن أحيانا ان استخدم الأعمال التي أقوم بها على الدولاب كجزء من العمل ، ولكني افضل العمل اليدوي لاني اشعر بأنني تعاونت مع الطين دون وسيط ثالث بيننا .
* المرأة هي الموضوع الأساسي عندك. هل السبب انك امرأة؟
** ربما كانت المرأة هي محور معظم الأعمال، ولكن ليس بالضرورة ان تكون موضوعي الدائم.. عندما ادخل مشغلي لا أفكر بأنني سوف اشتغل عملا بقصد تقديمه الى جمهوري فقط .. ولكن القصد ان لا اخرج من المشغل الا بعد ان اترك جزءا من ذاتي فيه.. وطبعا كوني امرأة فان اصدق تجسيد لأحاسيسي ومشاعري هو الشكل الأنثوي، وبالتالي لا أستطيع ان أقول بأن الأمر صدفة.. وفي معرضي الأخير في بيروت مثلا أسميته مذكرات فخارية وبالطبع كوني فنانة فان أسلوب تعبيري عن ذاتي وعن ما يجول في أعماقي لن يكون بالكتابة وإنما من خلال تجسيد تلك الأحاسيس بأعمال نحتية ثلاثية الأبعاد تحمل الشكل الأنثوي بطبيعة الحال.
* كان هناك تغييب وتحييد للأوجه.. هل جاء هذا مقصودا؟
** لم اقصد التغييب أو التحييد ولكني لجأت الى إبعاد الأوجه بشكل ما، وهي طريقة جديدة في التواصل مع المتلقي، فالطريقة التقليدية والمنطقية للتواصل مع الآخرين هي من خلال العيون والكلمة، ولكني شعرت بضرورة التواصل مع الناس بطريقة مختلفة.. من خلال أحاسيسي التي أضعها في العمل.. وبالتالي غيبت الوجه عن قصد لإيجاد طريقة تواصل داخلية ..وجدانية اكثر من كونها اعتيادية من خلال العين أو النظرة أو الكلمة، لم اعد بحاجة لهذا النوع من التواصل، وإنما بحاجة ان انقل إليك مشاعري من خلال هذا العمل.. اشعر بشيء من الراحة ..او من الأسى.. احب ان اقدم لك شيئا .. أو اعبر عن شيء ما.. فكانت بطريقة مختلفة.. سواء عن طريق حركة اليد أو من خلال رمز معين هو القلب مثلا.. او من خلال انحناءة رأس.
* أيضا تغييب الوجه أحيانا يعطي للعمل درجة عالية من النبل؟
** لا أستطيع ان أضفي على مسألة تغييب الوجه فقط هذه الخاصية "النبل"، ويفرحني ان يلحظ المتلقي هذه الناحية في العمل، فأنا أريد في النهاية ان يكون عملي صورة عني، وحتى عندما يكون هناك انحناء في الرأس، فلا بد ان يكون هذا الانحناء برغبة مني وليس لأنه يجب ان انحني..فهناك مواقف من الجميل فيها ان تقدم بعض التنازلات، ولكن في أعمال أخرى تجد الرأس شامخا بكبرياء، والرقبة ممدودة الى الأعلى.
في منحوتة (الوجه الاخر) التي تحمل وجها اسود من جهة ووجه ابيض من جهة أخرى قصدت ان أقول صراحة ان لكل إنسان وجهين .. ولكن يجب ان يكون واضحا، فأنا عندما أريد ان اظهر قسوتي يجب ان تعرف إنني إنسان مكون من أحاسيس معينة إذا مسست بإحدى أحاسيسي سأظهر لك الوجه القاسي.. لن استسلم أو أتعامل معك بأنوثة ونعومة دائمة.. فهناك مواقف يجب ان أكون فيها قاسية وحادة، وهناك مواقف أخرى يجب ان أكون فيها بيضاء ناصعة كاللؤلؤ.. لقد حاولت في أعمالي بشكل عام ان اظهر جميع هذه التفاصيل التي أؤمن بها، والتي يمكن في المستقبل ان يكون هناك قارئ لها، بمعنى ناقد فني يضع هذه الأحاسيس في مكانها السليم، ويقول بان آمال مريود قد قدمت الخزف بطريقة مختلفة محليا وعالميا.
* هل افهم ان الوصول الى العالمية هدف أساسي عند الفنانة آمال مريود؟
** قطعا لا.. العالمية ليست هدفي إطلاقا.. عندي طموح ان نتخطى جميعا عتبة المحلية للوصول الى العالمية.. ولكن هذا لا يعني ان العالمية هي هدفي الأساسي، بالعكس تماما فان جمهوري المحلي هو الذي يهمني بالدرجة الأولى.. يهمني ان يرى دائما الأشياء الجديدة ويكون راضيا عنها ويتفهمها .. ليصبح هناك تعاون بيني وبينه ونصبح نحن الاثنين على درجة من الوعي تضعنا جميعا في مصاف الفن العالمي .
* عندما تدخلين إلى المشغل، هل يكون الموضوع جاهزا في ذهنك قبل تناولك للصلصال ام ان الموضوع يتشكل أثناء العمل؟
** قد يكون هذا الأمر موجودا في البدايات، أي عدم وجود موضوع معين في ذهني، ولكن بعد مرور سنوات طويلة من العمل مع الطين والصلصال والمواد المختلفة والألوان، فأنا لا اعتمد على المواد التقليدية وإنما أحاول دائما تقديم ألوان وتقنيات وتشكيلات خاصة، خلال كل هذا العمل والذي هو بحث مستمر بالتعاون مع الطين والمواد، أكون منهمكة أيضا في البحث عن شيء معين او موضوع معين يتحدث عن تجربتي القادمة.. او يجعلني أعيش التجربة التي أتحسس تفاصيلها العامة. بمعنى لم اعد ادخل الى المشغل واترك للطين حرية التعبير، بل أتعاون مع الطين كي أستطيع من خلاله وبمعاونته التعبير عن أفكاري، ولكن ، كوني محترفة، لا اترك للطين ولا للنار أي مجال للصدفة أبدا، بالتالي عندما ادخل مشغلي ابدأ بعمل تجاربي .. وهذه التجارب هي نتيجة أفكار تشغلني طوال الوقت، حتى عندما أنام أفكر كيف أستطيع ان أجسد فكرة ما لمعت خلال تجربة معينة الى عمل فني متميز عما قمت به سابقا.. ومتميز دائما على الساحة المحلية والعالمية، لأنني على اطلاع دائم بما يجري في العالم كله في مجال الخزف.
* ماهي المواد التي ترتاحين للعمل معها ..وهل لكل موضوع مواده الخاصة، بمعنى هل الموضوع هو من يفرض نوعية المادة التي تتعاملين معها؟
** بداية أقول ان الموضوع هو الذي يحدد نوعية المادة المستخدمة، وانا عندما ادخل الى المشغل أكون مثل ذاك الطفل الذي يدخل الى محل كبير للألعاب ويشعر بأنه ضائع ويريد كل شيء في ان معا.. فأنا كذلك أكون مليئة بالطموحات والأفكار والحب لكل ما حولي .. ارغب بتجريب جميع الأشياء والمواد لأصل الى عمل اصل به حد الكمال واجعله متميزا عن كل ما عملت سابقا او ما عمله غيري، فالعمل بمجرد انتهائه يصبح هو آمال مريود ، وبالتالي أريد ان يكون عملي ناجحا.. يستطيع ان يعبر ويدافع عن نفسه من غير ان أكون موجودة معه، بمعنى عند دخولي للعمل واختيار المادة يجب ان اعرف لماذا اختار هذه المادة او تلك ..اذا اخترت البرونز مثلا هذا يعني اني أريد لعملي البقاء لفترة طويلة من الزمن لان الخزف قد يتعرض للكسر أحيانا، وقد لا يكون اختيار البرونز لهذا الهدف فعلا ، فكما نعرف بان متاحف العالم مليئة بخزف ما قبل التاريخ، فالخزف رغم خاصية الكسر والتلف الا انه حمل تاريخ الحضارات وقاوم الزلازل، وهذه إحدى أهم خصائص الخزف المحببة. وبالتالي فان الموضوع هو الذي يقرر نوعية المادة المستعملة.
* لجأت مؤخرا للمزاوجة بين الزجاج والخزف؟
** في أعمالي الأخيرة حاولت المزاوجة بين الزجاج والخزف، لان الزجاج يملك خاصية الشفافية والخزف يملك خاصية الكتامة، وقد أحببت هذا التزاوج لقربه من العين، فالعين بقدر ما تحمل من شفافية بقدر ما تحمل من أسرار وعمق وبعد داخلي .. فالزجاج مع الخزف هي بمثابة العين من الجسد، وانا بشكل عام أحاول استخدام جميع المواد..الحديد ..التنك.. الورق، أحيانا اجعلها تتعاون سوية وأحيانا اخرى اجعلها تتزاوج سوية أو تتشابك فيما بينها، وهذا الخيار بالنهاية هو ملكة الابداع عند الفنان.. كيف تضع تنكة مهملة وتستخدمها في عمل فني إبداعي بحيث تجعلها ملفتة لنظر الكثير من الناس بان ما يقومون برميه في الطرقات يمكن ان يتحول الى عمل فني من غير ان نضطر الى وضعها في مكب النفايات، وهذا يخدم البيئة ويخدم الطبيعة. واذكر اني أقمت معرضين في دمشق لهما علاقة بإعادة تدوير النفايات واستخدامها في أعمال فنية، وقد تفاعل معها الجمهور بشكل جيد وكانت لفتة ودعوة لتخفيف الاستهلاك وتخفيف رمي الأشياء في النفايات.
* اذكر قول الفنان التشكيلي الياس زيات عن أعمالك: إنه الشعر الموشى بالرقة، فيتحول الصلصال واللون المزجج إلى ضوء يترجم خد فاكهة الريان؟
** اشكر بداية رب العالمين على انه خلقني في منطقة فيها جمالية تفوق الوصف والتصور.. الألوان والشمس والطبيعة والبحر .. فحرام على الإنسان ان يقف 24 ساعة امام البحر المتوسط يتأمل ألوانه ولا يمتلك حسا باللون وجماله .. او ان يخرج الى الصحراء يراقب ساعة الغروب والشروق ولا يمتلك ذائقة لونية مدهشة.. ان الله تعالى وهبني خاصية الشعور بالجمال والألوان وتحسسها.. وهو ما أحاول نقله الى لوحتي. كما ان وجود الإنسان ضمن عائلة، وتحديدا الام ، تقدر الفن وتتحسس الجمال تستطيع ان تؤسس فيه حساسية جمالية معينة، أضف إليه الدور الذي لعبته معلماتي في المدارس اللاتي علمنني التقاط عناصر الجمال.
* تلفت أسماء معارضك الانتباه بما تحمله من ذاتية وخصوصية (مذكرات فخارية..الخزف فن الحياة..)؟
** هذا صحيح لان كل معرض من معرضي هو نتيجة تجربة عشتها من فترة بعيدة او عشتها مؤخرا، بالتالي فان عملي مرتبط جدا بأحاسيسي ووجدانياتي و بحالة نفسية معينة .. فمثلا معرض (الخزف فن الحياة) جاء بعد رحيل والدي، ورغم اني لم اكن حينها في حالة نفسية مناسبة لاقامة معرض، ولكن شعوري باني يجب ان اقدم شيئا أتحدث من خلاله عن والدي.. ماذا يعني لي.. وماذا ترك في داخلي، فجاء المعرض بمثابة كلمة شكر له بأنني من قام بهذا العمل وأرجو ان تكون راضيا .. وهكذا فان أسماء معارضي اللاحقة جاءت دائما لتعبر عن حالة أو تجربة إنسانية عشتها او مازلت أعيشها.
* يشكل الخزف أهم مصدر من مصادر التراث في المنطقة .. وسؤالي كيف تتعاملين مع هذا التراث .. وهل تعتبرين ما يقدم حاليا في العالم العربي يمكن ان يشكل تراثا للأجيال القادمة؟
** أريد بداية التركيز على موضوع التراث وأقول للأسف بأنه لم يكن لدينا الوعي الكافي للاهتمام بتراثنا الخزفي أو غيره، ومعظم البحوث والتنقيبات تأتي من قبل الأجانب، الذين يقومون، مهما حاولوا ان يكونوا موضوعيين، بتفسير الأشياء حسب مصالحهم الخاصة وليس بحسب حقيقة التاريخ الذي ترك لنا، وحلمي في يوم من الأيام ان يكون لدينا باحثين ومنقبين من هذه المنطقة لنكون حريصين اكثر على موضوعية نتاج هذه التنقيبات والحفريات.
ثانيا, الخزف هو اكثر ما ترك لنا من جميع الفنون .. ترك لنا تراث عريق أصيل.. تقنيات رائعة.. وكل ما يقدم حاليا في مجال الخزف ، سواء على الصعيد المحلي او العالمي، يعتمد على التراث وما تركه لنا القدماء. فالخزف هو تاريخ وعلم ومهارات فنية، وكل ما قدمناه حتى الان لا يتجاوز الـ 10% من ما ترك لنا، نحن لم نضف الشيء الكثير الا في المجال الصناعي..، اما على الصعيد الفني والعلمي فهذا كله قد ورثناه ، وكل ما أضفناه مجرد محاولات فردية للتعبير عن مشاعر معينة او أفكار معينة بطريقة الخزف.
ثالثا: للأسف أيضا فان من يتعامل مع الخزف في منطقتنا لا يعمل بمنهج بحثي بل يستعملونه كحالة معاصرة.. فهم لا يدرسون أو يتخصصون بالخزف لان الناس أيضا يفكرون بمصادر معيشية فهم يعتقدون ان الخزف لا يمكن ان يؤمن لهم مصادر معيشية كريمة اذا اكملوا دراستهم فيه، بعكس الطب او الهندسة او غيرها، ولهذا أحاول من خلال تدريسي لمادة الخزف في الجامعة ان اظهر للأجيال وأهاليهم ان دراسة الخزف والتخصص به يمكن ان يؤمن لهم مصدر معيشي، ومثلما هناك الكثير من الفاشلين في الطب هناك الكثير من الفاشلين في مجال الفنون، وعلى العكس هناك الكثير من الناجحين في الطب وهناك الكثير من الناجحين في الخزف، فأنا أحاول ان أكون مثال يحتذى بين هذه الأجيال لكي يأخذوا هذه الخطوة ويكملوا لانه ان لم نقم نحن بنهضة للتراث الخزفي فلن يكون له مستقبل وللأسف فان كل هذه النشاطات التي تحدث هي نشاطات فردية ونحن بأمس الحاجة الى من يدعمنا في هذا المجال.
* انحصر الخزف والطين في مرحلة سابقة بالقضايا الاستعمالية ..هل افهم انك تدعين الان لاستخدام الخزف تعبيريا وتشكيليا والابتعاد عن وظيفته الاستعمالية؟
** بالعكس تماما .. أنا من المدافعين بشدة عن الجانب الوظيفي، ولكن الفني، للخزف، وإذا رجعنا الى تراثنا نرى ان خزافي العالم الإسلامي تحديدا هم الذين أوجدوا تقنية الخزف الجميل ذو البريق المعدني (السيراميك) والذي يحتاج الى تقنية عالية، كما أوجدوا الخزف المطلي بطبقة بيضاء يدخل فيها القصدير.. بمعنى ان الخزف الوظيفي ليس بالضرورة ان يكون بشعا وغير جميل .. ، بالتالي يجب ان ندافع عن فكرة الجانب الوظيفي في الخزف ولكن الفني، لانه يخدم ويعايش الإنسان في كل مرحلة من حياته .. من فنجان القهوة الا الإناء الى المزهرية .. فلا يوجد بيت لا يوجد به قطعة خزفية .. ولكن صالات العرض التي تسيطر على السوق ترفض اعتبار الخزف الوظيفي قطعة فنية باعتباره حرفي، حتى ولو كان مشغولا بشكل فني جميل ، ولكن في الحقيقة ان كون الخزف وظيفي لاينقص من قيمته وبالعكس يجب ان ترفع قيمته لانه يخدم الإنسان وجمالية حياته اليومية .. فلماذا لا نستعمل اجمل فنجان قهوة لتناول قهوة الصباح.. واجمل فنجان شاي ..واجمل مزهرية لنضع ورودنا فيها.. واجمل صحن حتى نعيش حياتنا بشكل جمالي ..لقد حولوا حياتنا الى صحن بلاستيك وصحن من الميلامين أو صحن خزف مشغول بشكل سيئ ..لماذا نضطر للعيش هكذا ..ان عمر الإنسان قصير وسطيا فلماذا لا يستمتع بجماليات الحياة..
من هنا أؤكد ان اتجاهي الى الخزف النحتي لا يعني أني أهملت الخزف الوظيفي، فقد اشتغلت الخزف الوظيفي طوال فترة تجربتي الفنية، وما زالت اشتغله وأقدمه في معارضي .. ولكن هناك بعض المشاعر وبعض المواقف لا يمكن تجسيدها بالشكل الوظيفي بل يجب ان تكون مجردة، ولذلك لجأت الى الخزف النحتي..
* سؤال أخير. حول ترجمتك كتاب الزخارف الإسلامية؟
** الكتاب هو " الزخارف الإسلامية" للكاتبة البريطانية ايفا ولسون وهي مسؤولة في المتحف البريطاني، وكما نعرف فان متاحف الدول الغربية تحتضن أعمالنا الفنية للأسف، وهذا يحز في قلبي ويقهرني، والكتاب يتحدث عن الرسوم والزخارف الإسلامية الموجودة ضمن مجوعة المتاحف البريطانية، وقد شعرت ان اقل ما أستطيع عمله هو ترجمة هذا الكتاب الى العربية حتى يطلع المهتمون على الأقل على مجموعة الأعمال الموجودة في المتاحف الأوروبية والغربية. ويبدو ان هذا الكتاب الذي ترجمته عام 1990 من اكثر الكتب المطلوبة في مجال الزخارف.
وانا اعد حاليا كتاب في مجال "الخزف المعاصر في العالم العربي"، كما اعد كتابا اخر سينشر قريبا في " تقنيات الفخار والخزف"، لان هناك نقص هائل على هذا الصعيد وخصوصا باللغة العربية .. وأتمنى ان أكون قد ساهمت من خلال أعمالي وكتبي مساهمة متواضعة في التأسيس لحركة خزفية عربية مستمرة.

أعلى






.. من لبنان

يشوب الغبطة من التطور الكبير والنمو المتسارع الذي يشهده الخليج الحسد المبطن لدى البعض، وهو إحساس لا يستطيع ـ هذا البعض ـ إخفاءه من خلال النظرة الاستعلائية التي يحاولون تحليل الوضع الخليجي على أساسها، ويبرهنون على ذلك بالدراسات التي تؤكد نضوب النفط خلال الأربعة أو الخمسة عقود القادمة، لنصبح حضارة ينطبق عليها وبكل امتياز اسم "حضارة الومضة".
هذا الحديث يكثر حين زيارتي لعديد من المدن، وقد تردد أمامي كثيراً، وفي غير جلسة. رغم ان الحديث عن هذا الموضوع وبهذه السطحية يبدو انشائياً وبعيداً عن التحليل الدقيق للوضع، من تداخل وتضارب وتقاطع للمصالح والقضايا والمصير.
في بيروت وخلال مشاركتي في أول دفعة مبتعثة الى الخارج تنفيذاً للتوجيهات السامية نحو الارتقاء بأداء العاملين في الصحافة المحلية، لم يكن الوضع مختلفاً كثيراً، ولم يكن الحوار يخرج عن هذا النقاش لدى بعض الزملاء الصحفيين، وفي الجلسات العامة التي تجمعنا في الخارج.
الحسد المبطن يظهر لدى البعض نتيجة الجمود الذي تعيشه بعض المدن العربية في كثير من أوجه حياتها الضاجة بالنشاط والحركة والتثوير في يوم ما، والراكنة الى وتد الأمس في يومها الراهن. تلبّس التقدمية والحداثية والتطويرية يضرب حتى النخاع لدى هذه الفئة، وأن الحركة بدأت أوجها من هنا ـ كلٌ حسب مدينته أو قطره ـ فيما كانت تقبع خيام البعض تحت الظلام الدامس تسامر نفسها بدق القهوة وترديد بعض القصائد البدائية.
الحديث عن الخليج العربي في بيروت، يشبه كثيراً الحديث الذي يمكن أن تصادفه في أي مدينة اخرى، مع استثناءات قليلة، تجدها في الأغلب من المثقف الحقيقي، أكثر من المدعي.
****
"الحمد لله أنكم لم تفعلوها".. عبارة بقيت أرددها كثيراً هنا في بيروت، مع عاملين في الصحافة اللبنانية، خصوصاً بعض الأقلام العربية المهاجرة اليها. كلما سألني احدهم من أي البلاد أنت؟ أجيب من سلطنة عمان. فيرد: "والله كنا رح نعملها بظفار"، فأجيبه بالعبارة السابقة.
في معرض أحد الفنانين التشكيليين، الذي تزامن مع وجودي هناك، نعى الفنان اليسار، بل وفتح حانة في وسط المعرض وزع فيها النبيذ بالمجان، حيث شرب البعض، وتجرّع الآخر في حفل الافتتاح نخب الانتهاء والتلاشي.
يرى البعض ضرورة الحديث عمّا يسمى بـ"ثورة ظفار" كجزء من الذاكرة الكلية للوطن العربي، وليس السلطنة فقط، والحديث عنها ضرورة حتمية تعكس الصراع الذي كان يتجاذب أطراف المنطقة.
معظم المتحدثين عن ظفار، كانوا ممن عاشوا ردحاً من الزمن في "الخليج" وكسبوا رزقهم بين ظهرانيه.
****
تتباين الآراء وتختلف وجهات النظر لدى المثقفين اللبنانين عن الخليج، وقياداته ودوله.
في جلسة مع الكاتب زهير ماجد، صحبني اليها خلف مقهى "ستار بكس" في الحمرا، قال لي بلهجته اللبنانية: "تمسكوا بإجريه للسلطان قابوس، هذا رجل عظيم"، بمعنى عليكم ان تتمسكوا بأفكاره وأن تعوا مقدار النعمة التي تعيشونها معه.
حدثني عن مجموعة من الكتب أهداها له معالي وزير الاعلام كشفت له عن رجل استطاع ان يعيد أمجاد بلده بحنكة العربي الحكيم، رغم الصراعات التي كان يموج بها العالم أجمع آنذاك، والسعي الغربي الى الاستماتة في تطويق كماشته على المنطقة.
عرجنا بالحديث عن دار الاوبرا لدينا والتي ستفتتح قريباً، وقالي لي: "في مسرحية شكسبير جاء على لسان يوليوس قيصر (احذره.. انه لا يحب الموسيقى).. عليك ألا تخاف من الرجل الذي يحب الموسيقى فنفسه راقية وروحه طاهرة ونظرته سليمة، وهو ما يعكس نظرة حضرة صاحب الجلالة، في عمان".
أخذنا الحديث عن زياراته للسلطنة والمناطق التي أحبها، أخبرني بأنه حين زار نخل تمنى أن يقضي حياته بين أزقتها الرابضة تحت الجبل، وعيونها المتدفقة بانسياب بين الأحجار ناصعة البياض.
أخبرني عن الرستاق التي استمتع بجوها، وعن نزوى التي أدهشته بقلاعها، وعن صحار التي عشق دماثة أناسها.
****
"يخرب بيتكون شو مشتألكون، انتوا ولادي".. هي العبارة التي تستفتح بها كل اتصال مع المشرف على الدورة الاستاذ حسان الزين، صاحب كتاب "ميلاد المثابة العمانية"، الذي سبر في صفحاته محطات مضيئة من مسيرة النهضة العمانية.
مع كل اتصال تجد قائمة من الأسماء والمهام والكتب التي يقترح عليك إما محاورتها أو الكتابة عنها، وفي الأخير تذكير بدعوة أو عزومة.
للزين رؤية خاصة عن السلطنة، فهو يرى ان كيانه تداخل مع نسيجها، وانها الدولة التي أخذته في بداية التعرف عليها الى دهاليز من الحيرة والتساؤل، فهي لا تنتمي الى أي تيار سياسي شائع في تلك الأيام التي تعرف اليها، إنما بلد له خصوصيته السياسية ورؤيته الاقتصادية وعلاقاته الاجتماعية الخاصة، مع نفسه ومع الجوار.
لذا وبعد قراءته لتاريخ البلد وظروفه وملابساته وخطوبه تعرف على حضارة عربية لم يكن الذكر يأتي عليها سوى عابراً أو من وراء تجاهل متعمد مارسه التاريخ على هذه الأرض.
قدم كتابه مأخوذاً بالتجربة العمانية، ونهضتها التي استطاعت ان تقول كلمتها بين كل بلدان العالم، باعثة جمر التوهج من تحت رماد الزمن.
****
على قمم جبال لبنان، تأسرك دماثة القروي اللبناني، بساطته في الحديث وابتسامته الدائمة وتماهيه مع الطبيعة، في الوقت الذي يطل من نظراته توجس خفي وهو يحدثك عن ثلاثة ملايين لبناني فقط يقيمون في لبنان، واثنا عشر مليوناً مشتتون في بقاع الأرض. ثمة شيء غامض يشبه العمانيون فيهم، يصعب وصفه أو تحليله، ولا أجد غير الجملة التي يرددها الشاعر سيف الرحبي في كثير من احاديثه ان "المجتمع العماني منذ عصور قديمة مجتمع مسكون بيقظة الحرب".. لذا فإن اللبناني كما العماني امتطى البحر وسافر الى المجهول منذ أيام أجداده القدامى.
حين تقترب من تاريخ لبنان تصل الى قناعة أن سكان الجبال تتولد لديهم تلك الحاسة التي توفرها لهم الطبيعة، وهي الرغبة في الاستكشاف وركوب الخطر، والقدرة على التمرد حين يقررونه.
يعيش اللبنانيون بين الجبال، وقد اختاروها لتكون سكناهم، حيث وفرت لهم الملاذ الآمن من سطوة مختلف القوى على مر العصور، وهو تقريباً ما وفرته جبال عمان للعمانيين في حقب تاريخية متعددة، وما قدمته لهم في حروبهم التاريخية العديدة.
****
الولاء المطلق في لبنان للحزب، ولا ولاء آخر فوقه ـ إلا من رحم ربي ـ، حين يحدثك اللبناني عن حزبه فهو يحدثك عن مسلمات لا تقبل النقاش أو الجدال.
يقر البعض ان مرجعية الأحزاب اللبنانية خارجية في معظمها، وتغيراتها مريبة ومحيرة وباعثة للإستغراب في كثير من الأحيان، ومتقلبة كالعاصفة تماماً. ورغم ايمانهم ان التغيير الدائم في قناعات الاحزاب هي تغييرات مفروضة من الخارج، فهم يرون ان خدمة مساندي الحزب الخارجيين أمر بالغ الأهمية لاستمراره، حتى وإن كان على حساب قناعات تم تبنيها منذ اسبوع واحد فقط!!
****
لا يعرف لبنان غير اللبنانين أنفسهم. في ليلة ماطرة عدنا فيها مشياً، اضطررنا الى السير تحت المطر مسافة طويلة قبل الوصول الى الفندق، خلال أقل من دقيقة خلت الشوارع من المارة واختفى الجميع، وكأن الأرض ابتلعتهم!
بقينا نركض من المطر، لا شيء أمامك سوى لافتات الشوارع المضاءة، والمطر المنهمر، كل لبناني يعرف مخابئ بيروت. يعرف أين يختبئ إذا حل طارئ. هم الوحيدون الذين يعرفون دهاليز مدينتهم وممراتها وأزقتها.. الممرات والأزقة والدهاليز تشبه حال السياسة في لبنان. لا يمكن للقادم من الخارج أن يلم بتفاصيلها.. حتى وإن كثرت جلساته مع المثقفين، وبات المثقف اللبناني يستريح بحديث سياسي بين كل حديث سياسي وآخر ـ كما المواطن العادي تماماً ـ، فإنه سيكتشف لاحقاً بأنه لا يعرف شيئاً عن هذا البلد الملتبس والمعقد والمتشابك.
****
كاد أن يلقى "أبو وليد" حتفه في وادي عدي. انهمر المطر بشدة، وجاء الوادي بهديره الذي لم يألفه، ولم يشاهده من قبل، جرفه الوادي مع سيارته "الوانيت". لولا لطف الله لمات غرقاً.
حكى سائق سيارة الاجرة "أبو وليد" الذي ركبت معه بعد زيارتي للشاعر الياس لحود، عن سنواته الثلاث التي قضاها في السلطنة، حين أخبرته اني من سلطنة عمان، صرخ: "آه مسقط". وبدأ يسرد قصته.
شارك "أبو وليد" في بناء مستشفى النهضة، يحفظ تفاصيل روي ومسقط القديمة، أخبرني عن صيدهم للسمك، وعن السينما الوحيدة في روي، التي كانوا يذهبون اليها جرياً عصر الجمعة، كي لا تمتلئ، يسارعون ليحجزوا مكاناً، "كانت السينما لا تقدم سوى الأفلام الهندية، ولكنا في الأخير نحتاج الى مشاهدة السينما"، هكذا وصف لي والوضع.
أخبرته ان الوضع تغير الآن وأن السنوات التي قضاها في السلطنة من 70 وحتى 73، ليس لمناظرها وجود. فقال: "أشاهد مسقط الآن في التليفزيون، وأقول في نفسي لو بقيت هناك لكنت حصلت على الجنسية الآن، لكن الله كريم".
****
يخبرك سائقو سيارات الاجرة هنا عن أغنياء الحرب الأهلية التي مزقت البلاد، وتقف البنايات شاهدة على فظاعة الحرب وشراستها، تلك التي أهلكت البلد، ومزقته في وقت ما. يتحدثون عمّن امتلأت جيوبهم في أوقات الحرب، وعن متاجرتهم بالسلاح ليتقاتل به الأخوة.
لا تستقي أخبار لبنان من الصحف او المذياع او التليفزيون، بل استقيها من أفواه سائقي سيارات الأجرة، فهي إن بدت مبهّرة ومملحة ببعض الطرف والشطحات، إلا انها تظل أقرب الى قلبك من تلك المغلفة بالتسييس القسري.
لا يكتفي سائقو سيارات الاجرة في بيروت بإخبارك عمّا يعجز عنه الاعلام او ما يدور همساً بين البعض، بل يغوصون في عمق المجتمع ليطلعوك على أدق التفاصيل، حتى تفاصيل الولادة والطلاق إن أردت.. ولكن لا يخلو الأمر من بعض ممارسات سائقي سيارات الأجرة التي تجدها في العديد من المدن العربية، خصوصاً حين تنقده ورقة كبيرة الأرقام فيأخذها وهو يقول: "والله ما معي فراطة، فتشني إذا بتريد"!
****
في الطائرة ومن الأعلى، يبدو لبنان بجباله الخضراء شديدة الإنحدار، غابة من الاسئلة التي تسيج الإجابة بين أغصانها. تتقاذفك اسئلة كثيرة كنت تود لو طرحتها على من التقيتهم هناك.. هذا البلد ذو الحجم الصغير، لا يختلف وضعه عن البلدان العربية الملتبسة، مهما اتسعت مساحتها الجغرافية أو ضاقت...


سالم الرحبي


أعلى




لكل شيء حكاية


(1)

السقف القديم نسجت فيه العنكبوتة جهدها ووهنها وعندما شاخت وشحب عمرها أغلقت بابها وصاحبت الوحدة وماتت حزينة.

(2)

الحمام يغني على الجسور وفوق المنارات والقبب والنوافذ
زوجين من الحمام يتعانقان على عود شجرة يلتصقان بحب فتصطدم المناقير في حركة وادعة شغوفة
إنهما يقبلان بعضها سبحان من أودع الحب في قلبيهما.

(3)

شمس بعيدة تتوارى خلف الجبل تبوح بسر الظلال وبعشق البحر وتحكي عن كوخ مهجور مات صاحبه ذات شتاء في بلد بعيد.

(4)

سقطت وردة نضرة على رصيف حزين فبكتها قطرات الندى وأجنحة الفراشات
وأهتزت لأجلها الأراجيح وماتت شجرة وصرخت رياح الخريف
وبكت الوريقات حزنا تلو آخر
سقطت فأهتزت نافذة وتأوهت صورة على الجدار وتشظت مرآة
ومات ظل وانكسر جناح.
ليس سهلا أن تسقط الورود أو تذبل، العالم كله يتأثر لأجل تلك الجميلة الشفيفة المسماة بالوردة.

(5)

الأريكة الحمراء المخملية تتمدد فيها قطة كسولة
تبعثر كرات الصوف والجدة لن تصبر عليها بعد اليوم فقد كسرت مزهرية الخزف وصحن زجاجي ثمين وسرقت من المطبخ سمكة مقلية، الجدة لن تصبر كثيرا ستسحبها وتجرها للشارع لتعبث بخيوط الظلال وتمشي مشردة في الدروب ولن تهتم لها فلتذهب لمكان آخر.
يتسع للغرباء أمثالها.

(6)

الشرفات في المدن المكتظة والصاخبة تبكي حظها التعس
كانت تتمنى لو علقت على صدر بيت ريفي هادئ أو على مبنى ينظر للبحر لتتنسم عبقه وعطر رماله وتنصت جيدا لحديث الغروب وتختلس النظر لنورسين عاشقين يذوبان حبهما على رمل الشاطئ.

لكنها الآن تلك الشرفات تبكي بألم وتحن لقرية ناعسة تنام في أحضان الجبال ،من يمسح غبار المدن عنها؟من يهديها شتلات ياسمين تعلقها على حافة قلبها الحزين؟ كيما تتنفس بعمق أكبر.


عزيزة الوهيبي


أعلى





خرافة .. ليس إلا!!

أتابع مهموماً كل ما يقال عن موت الأجناس الأدبية، وأشفق على كل من يقول إن أجناساً أدبية ظهرت للوجود وقد راحت تتبلور وتشكل كينونة لها في غير مشهد ثقافي عربي، أقول هذا لأنني من غير المؤمنين بموت الأجناس الأدبية، ذلك لأن هذه الأجناس أثبتت موجوديتها وحضورها قروناً عدة من الزمن عبر أجيال تترى من الأدباء والكتّاب، وأنها أوجدت مدونات أدبية هامة في مجالاتها من المحال إزالتها أو غمطها أو تجاوزها..
إن الأقوال والآراء السلبية تتكاثر كالفطر المسموم حول الشعر، والقصة القصيرة، والمسرح، بعضها يقول بتراجع الشعر والمسرح والقصة القصيرة، وبعضها الآخر يقول بموتها جميعاً، ونحن ندرك ونعي معطيات هذه الفنون الأدبية الأصيلة وما تنتجه العقول النابهة التي أوقفت حياتها من أجلها وفي جميع البلدان العربية دونما استثناء، لا بل إن بعض البلدان العربية ما زالت تؤسس مدوناتها القصصية والشعرية والمسرحية، أي أن أجيالها الأدبية اليوم هي في ذروة عطائها وخصبها، وإن قيضت لي المساحة والوقت سأسمي عشرات الأسماء في المغرب والمشرق العربيين.
إنني على قناعة تامة بأن الأجناس الأدبية تتدافع وتتزاحم وتتداحم وبعضها يسبق بعضها الآخر من حيث الحضور والموجودية، وبعضها الآخر يتلبث قليلاً في الشيوع والانتشار، وبعضها الآخر يلمع ويشع أكثر من بعضها الآخر وذلك حسب الظروف، أو الاتجاهات، والمواهب الإبداعية المؤيدة له.. أما موتها فهو خرافة ليس إلا.. ذلك لأن تاريخ الأجناس الأدبية عرف تقدم بعضها على بعضها الآخر، ولكنه لم يعرف موتها، أو أي شكل من أشكال الموت أو الإماتة.. لأن الأجناس الأدبية باتت أشبه بالغابات الكبيرة، أو الأنهار العظيمة فهي ذات روافد وتجارب واتجاهات وأنماط ومدارس ومذاهب فنية. صحيح أن الرواية اليوم تتقدم الأجناس الأدبية رتبة وموقعاً، لكن الصحيح أيضاً هو أن الأجناس الأدبية التي تتأخر عنها ليست بميتة إطلاقاً، إنها موجودة، وموجودة بكثرة، ولها جمالياتها وتقنياتها وأسماؤها وتجاربها.. فالتقدم أو التخطي أو التجاوز لأي جنس أدبي لا يعني موت الأجناس الأدبية الأخرى، فأمس، وقبل عقدين من الزمن أو ثلاثة كانت الصدارة للشعر، ومن بعد عَرفت القصة القصيرة ازدهاراً مرموقاً في جميع أنحاء العالم.. ولم يقل أحد آنذاك إن الأجناس الأدبية الأخرى، ومنها الرواية، تتأخر وتعاني أو إنها شبه ميتة. وحين تقدم فن المسرحية وازدهر كتابة وتمثيلاً في عقد السبعينيات لم يقل أحد إن الشعر انتهى وتلاشى أو إن القصة القصيرة سحقت وبادت أو إن الرواية لا مستقبل لها.. إطلاقاً إن تعابير كهذه لم يستخدمها النقاد العارفون بطبيعة الأجناس الأدبية، لكن بعضهم اليوم، للأسف الشديد، يستخدمونها وهم يرون التقدم الكبير، والحضور الطاغي اللذين تستحوذ عليهما الرواية، دون أن يقدموا برهاناً مؤكداً على أن باقي الأجناس الأدبية استكانت وخمدت أو أنها ماتت بالفعل، فالقصة القصيرة ما زالت موجودة وذات فعالية، ولها أسماؤها، وتجاربها، ومنابرها، ومهرجاناتها، وندواتها.. والمسرحية (نصاً وتمثيلاً) هي الأخرى موجودة طباعة وتمثيلاً، فالمسرح في البلاد العربية لم يرتو بعد من معطيات التجريب، وعمره لا يزال عمر الشباب قياساً مع فعالية المسرح في البلاد الغربية.. ومهرجاناته كثيرة ومتعددة في بلادنا، ومعاهد المسرح تواصل تخريج كوادر المسرح في الكتابة، والنقد، والتمثيل، والإخراج، وسائر التقنيات المسرحية المصاحبة للعرض المسرحي.. والشعر هو الآخر لم يؤكد أحد أنه توارى أو حيّد أو انطفأ.. فالشعر يكاد يكون خبز حياتنا اليومية، فالشعر حاضر في أحاديثنا وكتاباتنا، كما هو حاضر في المهرجانات والندوات والجوائز والمناسبات الكثيرة والجامعات، وللشعر في بلادنا مدونات ثقال، وتجارب عظيمة، وأسماء تعدّ من أكابر شعراء العالم.
إذن، موت الأجناس الأدبية خرافة ليس إلا، وتقدم بعضها على بعضها الآخر هو الحقيقة، ولكل تقدم أسبابه وموجباته، فالرواية تتقدم الأجناس الأدبية كتابة، وطباعة، ونشراً، وقراءةً، وحضوراً، ونقداً.. لأسباب لها علاقة بطبيعتين اثنتين، الأولى: طبيعة المجتمع الذي تسارعت حركته على نحو غير مسبوق فتسارعت الذات البشرية حتى ليكاد يسمع تلاهث البشر في كل مكان.. في الطرقات، والحقول، والمدارس، والقرى، والمدن، والمعامل، والحافلات، والبيوت، والحدائق، لأن كل شيء متسارع، وعجول، ومتحرك على نحو محموم.. لذلك فإن النفوس، والأذهان، والأرواح راحت تطلب الهدأة من أجل التوازن وعدم الوقوع في اللامعنى، وبذلك صارت قراءة الرواية مجالاً للهدوء الاجتماعي كمعادل موضوعي لهذا الدوران الصَّخّاب في كل مجالات الحياة. والطبيعة الثانية هي طبيعة الذات البشرية الميالة إلى التأمل والتفكر، والانفراد.. ليس حباً بالعزلة، وإنما حباً بمعرفة الذات ومواجهتها من جهة، وانتشالها من عالم الضجيج من جهة ثانية..
إن تلاقي الطبيعتين الاجتماعية والفردية عند هدف واحد يتمثل في الفرار من هذا التسارع اللاهث المحموم هو الذي جعل من الرواية فضاءً رحباً للقراءة ومرآة مفضلة لرؤية الذات وقد عادت من لوبانها وصخبها وركضها منهكة لتعيش قصة التأمل والهدوء. لقد باتت الرواية، في هذه الحال من التسارع والاضطراب وتداخل الأحداث والأخبار وتعدد الحادثات، أشبه بالدواء المضاد لحمّى السرعة طلباً للتوازن الداخلي/ الفردي، والخارجي/ الاجتماعي.
إن القول بموت الأجناس الأدبية هو قول انفعالي لا يتعدى أن يكون مجرد زفرة نقدية أطلقت هنا أوهناك فشاعت.. فالفنون لا تموت لأن وجودها قرين بوجود الإنسان والمواهب في آن، لعلنا نسلم بأنها تعرف الدوران، والتلبث، والهدأة، والتواري.. لكننا لا نسلم بأنها تعرف الموت إطلاقاً لأنها هي روح الإنسان ودائرة إبداعه ومجاله التعبيري الأبدى.
د. حسن حميد


أعلى






الوادي الأسود

يصّاعد الدخان، ليشكل سقفا من غيوم سوداء.. ولا نار للدخان سوى الدخان.. بينما ينشغل "ود سويعد الشايب" بنحت جذع نخل في صورة طفل. وحين أحسّ باختفاء النهار خارج جدران بيته، ترك مابين يديه، خطا باتجاه مطبخه، سحب كيسا من منضدة المغسلة ممتلئا بلحم خروف طازج، وانطلق في طريق زراعيٍّ ضيّق مظلم وسط ساقية جافة.. يحمل الكيس بيد وفي الأخرى يتكئ على عصى غليظ.. توّغل كثيرا في الظلام، توقف بجانب نخلة طويلة عجفاء لا أسنان لها، يسمع طقطقة سلاسل، ثم يتحدث بصوت آمر هادئ: تعال هنا، عشاءك جاهز.
في صبيحة اليوم التالي، حينما أذيع خبر موت ابن عيّاض الهني، ذو العشرة أعوام، بعد اسبوع من مرض غريب لم يهتدي الأطباء لدواء له، كان "الشايب" يمدّ بلِعب أطفال وحلوى صغار لجذع شجرة موز.. في الوقت نفسه الذي كان يقلّب فيه عيّاض جثة ابنه "المتخشبة" بسبب المرض الغريب، وحينما نزل الليل مجددا، وعاد "الشايب" من مشواره المعتاد، غسل يديه من بقايا اللحم النيّئ، ثمّ ذهب لشجرة الموز، وأنزل منها طفلاً لم يتعد ربيعه العاشر، فتح له بابا تحت قدميه، قاده من يديه تحت الأرض، بين أناس يعلو الضجيج تجمعاتهم دون أن يلحظ أحدا ما يتحدث.
في يومٍ، ما، ممتلئ بالظلام، خرج "الشايب" وفي يده كيس ممتلئ بلحم نيئ، لكنه كان هذه المرة كثير الالتفات، رطوبة الليل تنبئه بوجود غريب ما في الظلمة، وكلما توقّف ليتحسس مصدر الصوت أو يتبين ملامح صاحبه اصطدم بسكون الليل، وحين أفرغ كيس اللحم، ظلّ صوت السلاسل بعيدا عنه مترددا في الإقبال عليه. حين أحسّ بتسارع خطاً ما باتجاهه لم تسعفه خفّة يده في التقاط عصاه الغليظة.. فارتطم وجهه بقطع اللحم واختلط دم رأسه النازف بالتراب واللحم، واختفت ضوضاء السلاسل.
حين استيقظت القرية على نداء "جمّوع ود الغلايات"، توافد رجالها على مكان مصدر الهتاف، وكان جسد "ود سويعد" ممدا على ساقية مزرعة "ود الغلايات". ممتلئ رأسه بالدم المختلط بالتراب.. ولا وجود لقطع اللحم!
***
منذ حادثة مقتل "ود سويعد" كان يتجنب أهل القرية الخروج إلى مزارعهم بعد هبوط الظلام.. إلا "عيّاض الهني".. كان في كل سواد يوم، يخرج من بيته خلسة، يجري بحذر حتى يبتعد عن منازل القرية، بعدها.. يبطئ من خطواته، يمشي يتكئ على عصى غليظة، ويحمل في يده الأخرى كيساً مملوءا بلحم نيئ!!!
وحين توّغل كثيرا في الظلام، توقف بجانب نخلة طويلة عجفاء لا أسنان لها، تحدث بصوت آمر: تعال، عشاءك هنا!!!
نبهان الحنشي


أعلى





بغداد ناجي جواد

كتب أفاضل كثيرون عن بغداد، مدينة وعاصمة وحاضرة حضارية، محبة وذكريات أو بحثا ودراسات، ولكن ناجي جواد الساعاتي الأسدي البغدادي، (1922 ـ 2009) كتب عنها جامعا بين الفضيلتين، وراسما لنفسه ولبغداده التي ولد فيها وعاش حياته فيها حتى قبيل رحيله بعيدا عنها، ما يعجبه فيها وما أراد ان يبقى في الذاكرة من بعده، عنه وعنها، جاهدا التوثيق والتشويق، متسما بسماتها وعرفها الشذي الذي بثه بين طيات كتابه عنها، الموسوم: بغداد، سيرة ومسيرة أو سيرة ومدينة. وأشفعه بالعديد من الصور الفوتوغرافية الجميلة، رغم أنها بالأسود والأبيض، والمعبرة عن تسلسل أيامه فيها، وأحداثها الجسام.
وفي الكتاب سيرته الشخصية ومعالمها الثقافية والحضارية وأحداثها السياسية، فلم يترك قلمه القصصي أمرا مهما في سيرته إلا واختصره لقارئه الذي أراده ان يتغنى به كما حصل له أو سعى ان يكون.
تساءل في مقدمته عن مبعث الشوق في تدوين سيرته، "إذ لم يغب عن علمي بأنني لن أجني من وراء كتابتها غير النصب والتعب، والنقد والعتب، فتدوين مسيرة شعب، أو سيرة إنسان، يعني تسجيل هموم ذلك الشعب ومتاعب ذلك الإنسان" مستشهدا بمقولة لفولتير، تختصر ما سطره في الصفحات الأكثر من مائتين وأربعين من القطع الكبير ، "التاريخ هو سجل جرائم الإنسان، والحظ وسوء الحظ". وبعدها اعترف أو أراد تواضعا تسجيل وقائع حياته، من انه عاش حياة عادية، وامتهن مهنة مشرفة متواضعة (صناعة تصليح الساعات) ونشأ نشأة شعبية في حارة جل سكانها (حرفيون وكسبة) وتنعمهم في هذه الحياة مشفوعا بأحاسيس وطنية عارمة وقومية ملتهبة، حتى انه ينتقد نفسه لوقوفه متفرجا حتى السبعين من عمره قابعا مداريا بالتأسي لقضية الشعب الفلسطيني. إلا انه شجع نفسه في الكتابة لما اشتمل عليه من شمائل الإطلاع والمعرفة ورضاه عن نفسه وعن تجربته وحياته، وما قدمه فيها من جليل الأعمال وكريم الخصال.
في الفصل الأول بحث عن بغداد.. الاسم والمعنى، مستعيرا من بحوث العلامتين مصطفى جواد واحمد سوسة ليرصع كتابه بعد ان عزم على الكتابة. "فكلمات هذا الكتاب ومضامينه أضحت تعيش مع كياني. منذ الساعة التي عشت فيها أيام (بغداد)، بتقاليدها وعاداتها، حتى صهرتني ببودقتها الحضارية الذهبية، فتفاعلت بأحداثها وحوادثها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. كما تفاعل أبناء جيلي، جيل (العشرينات) الذي تحمل تبعة دور الانتقال بكل مردوداته التاريخية المجيدة...". ونقل عن العلامتين ما أورداه في كتابهما الموسوم: بغداد في أدوارها الأولى. ومن ثم واصل حديثه عن اختيار موقعها وتخطيطها وتلاه بغداد في نهاية العصر العباسي حتى الاحتلال البريطاني لها وخراب عمرانها خلال الغزوات والهجمات من جيرانها ومن أعدائها. ومن بغداد المدينة وتاريخها انتقل إلى فصول ميلاده ورحيل والده وما خالطه من تقاليد وعادات ذلك الزمان. ومنها إلى بدايات وعيه ودراسته في الكتاتيب وما قاربها من أحداث عائلية واجتماعية.
وقد وصف الكتاتيب والمدارس والمحال التي عاش فيها وصفا جغرافيا واجتماعيا، وكأنه أراده ان يكون مصدرا من مصادر دراسة تلك الفترة من تاريخ المدينة وتطوراته. وفي وصفه لسيرته الدراسية يقارب مختارا سنوات منها واضعا عنوانين أدبية لمختاراته منها، دون ان يبتعد عن الأحداث الجسام التي مرت عليه وعلى معشوقته المدينة. فمصرع عبد المحسن السعدون وإضراب العمال واستشهاد الطيار (ناطق) وتمرد الاثوريين ورحيل الملك فيصل الأول وانقلاب بكر صدقي ومقتل الملك غازي وانتفاضة الشعب والجيش في مارس عام 1941 وغيرها من الأحداث كما سماها وسجلها ضمن سيرته وتأثره وتأثيرها عليه تحتل قائمة سيرته. ولا تخلو الذكريات من طعم المشقة والصدفة أو الحظ وسوء الحظ كما اقتنع مع فولتير ان يثبته بين صفحاتها. وسجل راسما ما عاشه بصدق ومحبة، جامعا اكبر ما استطاع من توثيق وأرشيف لبغداد أيام زمانه، من مدارس وخانات وأسواق وجوامع ومقاه وأدباء وفنانين ورياضيين وحرفيين وكسبة وطرائف بينهم تظرف الجد والهزل في الحياة اليومية.
صنعته الأساسية التي افرد لها فصولا لم تثنه عن مواصلة دراسته والتثقف الذاتي والإبداع في كل منها. "ولما نمت شخصيتي المهنية، وأصبح لي (دكان) صغير في شارع الرشيد وتبلورت ميولي الأدبية، نشرت لي بعض الصحف والمجلات العراقية مقالاتي وقصصي القصيرة، وكان أول من تلطف علي بنشرها الأستاذ جعفر الخليلي في مجلته الرائدة (الهاتف) وجاري الأستاذ رفائيل بطي في جريدة (البلاد) والصحفي الوفي عبد القادر البراك في جريدة (الأيام)" وغيرها من النشاطات الأدبية والمكتبات والأسواق. جامعا بين دقة صناعة تصليح الساعات والتجارة فيها وبين صناعة الأدب والنشر وحب القراءة والكتاب. ومن شغفه في الكتابة والقراءة زاد ولعه في البحث عن الأوائل في الكثير من الأمور، مسجلا أول مقهى وأول مكتبة وأول مطبعة وغيرها، بنيت أو تأسست في مدينته، بغداد. ملخصا جهده وجهاده في الرد على سؤال ملح مطروح عليه كثيرا: كيف وفقت بين أعمالك التجارية ومبادراتك الأدبية؟." انه التنظيم.. فقد نظمت أوقاتي بين هذه وتلك، تنظيما دقيقا، وكيف لا أستطيع ذلك، وأنا (الساعاتي) الذي استطاع ان ينظم ذبذبات (بندول الساعة) بدقة جيئة وذهابا... فقد كنت استيقظ مبكرا متوجها على عجل إلى كلية الحقوق، كي احضر المحاضرة الأولى ثم الثانية، وكثيرا ما كنت استغني عن الثالثة، أما الرابعة فلم يكن لها نصيب من وقتي... المهم إنني لم أتخلف يوما عن دراستي.. وكنت حين أعود إلى محلي مسرعا يكون السوق في بداية نشاطه التجاري.. فأمارس عملي طيلة نهاري، وفي الليل تكون عندي فسحة لتدوين ما فاتني من المحاضرات أو للمطالعة ان كان هناك امتحان يستدعي التحضير له، أو لمعانقة كتاب اشتاق لمطالعته أو لأكتب مقالا أدبيا انشره في (الهاتف) الأسبوعية، أو ابعث فيه إلى (الأديب) اللبنانية وكم كان لهاتين المجلتين من فضل علي وتأثير في بلورة (شخصيتي الأدبية) وكما كان لأسفاري إلى الأقطار العربية والأوروبية تأثير قوي في ازدهار ارتباطاتي وعلاقاتي المهنية والتجارية".
يوميات ناجي جواد الموثقة لا تخلو من انتباهات سياسية والتفاتات وطنية واضحة، وهو الساعاتي المتفرغ لمهنته وهواياته الأدبية، فتراه منسجما مع نفسه في الحماس للقضية الفلسطينية والدفاع عن الشعب الفلسطيني، ومن ثم خاتمة الكتاب عن الوثبة، انتفاضة الشعب العراقي في 27 يناير 1948. التي وصفها بشهادة عيان موثقة بالأسماء والأحداث وبروح وطنية جياشة وحماس أدبي، جامعا ما قاله الشعراء فيها. ومسيرة الشعب في أيامها، مستخلصا من التجربة دروسا له، معتزا بما كان لوثبة الشعب من تأثير بالغ "في انفتاح وعيي سياسيا وبلورة موقفي وطنيا. كما كانت تشكل ـ بكل مبرراتها ونتائجها ـ مرحلة انعطاف فكري بالنسبة لكثير من أبناء جيلي، شباب الأربعينات، إذ كنت وكنا لا ندرك من هذه المناورات السياسية والمؤامرات الدبلوماسية والمؤتمرات الدولية والمعاهدات إلا ظواهرها الخلابة ودعاياتها الكاذبة ودعوات ولائمها المستطابة".
وعند الوثبة وتداعياتها وقف الكاتب من تسجيل يومياته في هذا الكتاب، خاتمة عرف فيها بكل الجهود والفعاليات الثقافية والسياسية التي اطلع عليها أو تأثر بها، وكان موضع ثقة وملتقى أبناء جيله الطامحين من علماء وشعراء وأدباء وصحفيين وفنانين وغيرهم لغد أفضل في عراق حر سعيد. ومسجلا في كتاب صفحات من تاريخ وطني وموروث شعبي غني لا تستغني عنه اليوم أية دراسة أو بحث في تاريخ العراق عن تلك السنوات التي عاشها منذ العشرينات من القرن الماضي والى أواسطه.
بغداد سيرة ومسيرة.. كتاب لكاتب عاش أيامه بين وسطه المهني والثقافي وسجلها كما هي بأسلوب أدبي متميز ، شهادة ووفاء ووثيقة تاريخية صادقة.

كاظم الموسوي
* لندن مطلع يناير 2010

أعلى





من مصادر التاريخ العماني في عهد اليعاربة
"كتاب منثورة جوابات المشائخ"

المنثورات أنموذج يقترب من نمط التأليف الجماعي
أرض الباطنة .. جدل فقهي تاريخي امتد لقرون
في أحد النصوص : التسامح العماني في التعامل مع البرتغاليين
لمدينة صحار حضور بارز في نصوص الكتاب

إبان العصر الذهبي لعهد أئمة اليعاربة الذين حكموا عمان إبان القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين شهدت عمان حراكاً علمياً خلّف تراثاً علمياً لا نزال نتفيأ ظلاله إلى اليوم.
ومن أشكال التأليف التي انتشرت آنذاك جمع الآثار العلمية دون ترتيب لعدد من العلماء والفقهاء، وعكس هذا النوع من التأليف حضور العلماء في شتى نواحي الحياة وتأثيرهم في حركة المجتمع .
ويقترب هذا الصنف من التآليف مما يعرف بالتأليف الجماعي مضموناً ، وهناك من التآليف عند العمانيين ما عرف بالمنثورات وهي جمع مسائل عدد من العلماء في قالب واحد دون ترتيب ، لذا عرفت بالمنثورات. ومن النماذج لذلك متاب منثورة الأشياخ وديوان الأشياخ.

كتاب منثورة جوابات المشائخ

من أوعية التراث العلمي التي حفظتها لنا الأيام كتاب (منثورة جوابات المشائخ من علماء المسلمين) والأصل المخطوط من الكتاب محفوظ بدار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة برقم 1265 . صدر المؤلف الكتاب بعبارة (هذه منثورة مختصرة بجوابات المشائخ من علماء المسلمين متعنا الله بوجودهم).
وفي ذلك ما يشير إلى معاصرة المؤلف أو جامع المسائل لأولئك العلماء أو بعضهم ، مع أن اسم المؤلف لم يرد في أول الكتاب ولا في آخره ، كما لم يأت الكتاب مبوباً ولا به ترتيب للأبواب كما في أكثر المخطوطات العمانية ، ولعل ذلك ما يميز المنثورات غير المبوبة وغير المرتبة. غير أنه رتب نصوص الكتاب حسب العلماء الذين أجابوا على تلك المسائل فجعل لكل عالم مسائله التي أجاب عليها ، ويظهر ذلك من التحمير (الكتابة بالمداد الأحمر) وهو ما يستخدمه النساخ في كتابة عناوين الأبواب ورؤوس المسائل.
وفي آخر الكتاب ورد اسم الناسخ (قاسم بن مسعود بن مقدح) ساكن مدينة صحار ، وسنة النسخ (1061هـ) أي في عهد ثاني أئمة اليعاربة الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي . وذكر أنه نسخه لراشد بن عبدالله الوالي.
تضمن الكتاب عدد كبيراً من المسائل الفقهية عن علماء الصدر الأول من عهد اليعاربة وتصدر نصوصه مسائل عن الشيخ محمد بن عمر بن أحمد بن مداد وهو قاض وفقيه تتلمذ على بعض علماء القرن العاشر الهجري كالشيخ عمر بن سعيد بن معد البهلوي والشيخ عبدالله بن محمد القرن المنحي وأدرك قيام دولة اليعاربة وعاش في عهد الإمام ناصر بن مرشد وتولى القضاء له . والشيخ مسعود بن رمضان بن سعيد النبهاني الذي أخذ العلم عن الشيخ عبدالله بن محمد القرن أيضاً وكان أحد قضاة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي وأحد قادة جيوشه . والشيخ صالح بن سعيد بن مسعود بن زامل النزوي الذي أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عمر بن مداد وكان قاضياً للإمامين ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف اليعربيين وله مسائل كثيرة في كتب الأثر. والشيخ عبدالله بن محمد بن غسان بن محمد بن غسان الخراسيني النزوي وهو أحد كبار العلماء في صدر عهد اليعاربة وكان والياً وفقيهاً وله كتاب خزانة الأخيار في شرح بيوعات الخيار ويقع في ثلاثة مجلدات.
ثم ينتقل المؤلف إلى أجوبة أكثرها عن الشيخ العلامة خميس بن سعيد بن علي الشقصي الرستاقي ، وهو رأس العلماء الذين عقدوا البيعة على الإمام ناصر بن مرشد اليعربي سنة 1034هـ وقد كان الإمام ربيباً له وتربى على يديه . تتلمذ على يد عدد من العلماء منهم الشيخ صالح بن محمد بن صالح النزوي ، وتتلمذ على يديه عدد من العلماء . كان أحد أركان دولة الإمام ناصر بن مرشد وأحد قادة جيوشه في إجلاء البرتغاليين . ترك الشيخ خميس الشقصي عدداً من التآليف أشهرها موسوعته الفقهية (كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين).
والناظر في كتب الفقه على مر الحقب التاريخية العمانية يجدها حافلة بالمادة التاريخية ، وقد أشرنا إلى ذلك غير مرة في قراءات سابقة. ولم يكن عهد اليعاربة عن ذلك بمعزل فكتب الفقه التي ظهرت في ذلك العهد مشحونة بالتاريخ. وبالنظر في الكتاب المذكور نجده احتوى على مادة تاريخية غزيرة حازت منطقة الباطنة ومدينة صحار نصيباً وافراً منها.
فمن النصوص التي تحفل بالكثير من الإشارات التاريخية: (ومنه في رجل من العمور بعد ظهور الحق في صحار بملك الإمام لها جاء إلى مال في يد رجل وقال هذا المال مالي وفي حوزي ومنعي إلى أن أصبحنا طايرين من صحار يوم أخذ عمير بن حمير والإفرنج لها ، قال الذي في يده المال القابض هذا المال مالي مخلف علي أو قال غير مخلف إلا مالي وملكي أحوزه وهو في يدي إلى هذه الساعة ، فهل تجب البينة بينهما قبل طيرة صحار والعمور منها ؟ أم هذه الساعة عند الدعوى؟ كيف الوجه في ذلك؟)
وفي نص آخر نقرأ إشارة إلى الصناعات الفخارية والخزفية التي اشتهرت بها مدينة بهلا: (ومن جواب الشيخ مسعود بن رمضان : فيمن أقر لزوجته بجميع ما في بيته ، ويخلفه من بعد موته من آنية الخزف إقراراً منه لها بحق وضمان لزمه لها ومات ، هل تكون الآنية التي من صنعة بهلا داخلة في الإقرار ، وكذلك الوعاء الخشفي الذي يجي من العجم ومن الهند؟ بين لنا ذلك . الجواب: أما أوعية بهلا فهي داخلة في الإقرار ، وأما الخشفي والأوعية التي تجي من الهند فليست تلك من أوعية الخزف ولا تدخل في الإقرار ، والله أعلم). ونجده في المقابل أشار هنا إلى ما يستورد من أوان بقوله: (الذي يجي من العجم والهند). ولعل العجم هنا بلاد فارس آنذاك.

البيدار والهنقري .. أنموذجان لخصوصية المصطلح العماني

حول الزراعة التي عرفها العمانيون منذ القدم ، وترتبت على الكثير من أشكالها أحكام فقهية وعرفت تفاصيلها باصطلاحات متداولة لا تخلو في كثير من الأحيان من خصوصية عمانية نجد النص الآتي حول العلاقة بين الفلاح (البيدار) وصاحب المال (الهنقري) وهو قوله: (في بيادير أهل الباطنة يتجر البيدار للقيض أو للصيف بكذا كذا جراب من القيض، أو بكذا كذا جري حب من الصيف ونفاق كذا كذا جري حب وكذا كذا جراب نفاق وكذا كذا لا يوة رشوة وكذا كذا لارية قرض لعى خدمة الصيف ، والبعض منهم يجعلوا أجرة البيدار قطاعة من الزرع كذا كذا من جلب الزرع شيء معلوم متفقين عليه ودخل البيدار في العمل عند الهنقري في الصيف أو القيض وتم عنده قدر نصف شهر أو أو أو أقل وطلع عنه وخدم عند غيره فرفع عليه الذي كان خادماً عنده أول وطلب منه إما أن يرجع إلى خدمته أو يسلم له ما سلمه إليه ، فقال البيدار ما عندي شيء ولا أرجع إليك وأنا أخدم وأوفيك ، ما الذي يجب في ذلك؟ وإن طلب البيدار الحساب من الهنقري بقدر ما خدم وقال الهنقري إما أرجع في الخدمة وأما مالك حساب عندي ، وإن اطلعه الهنقري من عمله من غير سبب أله جميع ما قوطع عليه من الإجارة أم به بحساب الأيام التي خدمها سوى أن طلع من ذات نفسه أو أطلعه من سبب أو بغير سبب ، كان الشرط عند الدخول إلى الصيف أو إلى القبض أو إلى كذا كذا شهر ، أكله سوي أم بينهما فرق في ذلك ؟ أنعم برد الجواب. الجواب: وبالله التوفيق ، أرجو أن هذا يخرج من الإجارات المجهولة)...

أرض الباطنة .. جدل فقهي وتاريخي امتد لقرون غابرة

في كثير من نصوص التراث العماني تطرح قضية أرض الباطنة وإشكالات حيازتها وزراعتها وما إلى ذلك من أشكال التملك والتصرف ، وتلك قضية تاريخية تعود إلى جذور بعيدة تشير بعض النصوص إلى أنها تعود إلى الجوائح التي حدثت في بعض أنحاء عمان سنة 251هـ في عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي أحد أئمة القرن الثالث الهجري ، بالإضافة إلى استيلاء بعض ما عرف بالجبابرة في اصطلاح الفقهاء والمؤرخين العمانيين على بعض بقاع الباطنة.
وفي الكتاب الذي نحن بصدده نجده تعرض لهذه القضية في عدة نصوص وبأشكال عدة منها مثلاً ما نصه:
(في الأفلاج التي تظهر في الباطنة من توابع صحار ، ناس أجبوا إلى فلج ودخلوا في عمله وخدموا فيه زماناً قدر النصف أو أكثر ، ولم يسقوا بمائه وساروا عنه وجبوه ناس آخرون أرادوا يحفروه بعد الأولين فعارضوهم فيه أصحاب الخدمة الأولى وأرادوا منعهم منه ، ألهم ذلك عليهم من أجل أنهم سبقوا عليه قبلهم وجرت فيه خدمتهم؟ أم هذا الفلج من الغوايب وحكمه للإمام يمنع من يشاء من خدمته ، وإن وجب حكمه للإمام وطلب الذين خدموا هذا الفلج أجرة خدمتهم من الإمام ألهم أجرة أو لا؟ وسواء جرى هذا الفلج أو لم يجر؟ وما حكم فلج غرابة أهو جاهلي أم إسلامي؟ أنعم برد الجواب.
الجواب: وبالله التوفيق إن الذي معي إنه كان الحافر الأول حفر هذا الفلج وتركه قبل أن يسيح منه الماء على أن لا يعود إليه فليس له منع غيره عنه ، ويسمى هذا الترك ترك اختيار ، وإن كان هذا الحافر تركه ليستعد له ويعود إليه فلا يجب لمن جاء من بعد أن يعارضه ،وهذا الترك يسمى ترك اضطرار ، فعلى هذا الوجه الأخير إذا جاء العاقب بعد المبتدئ وأخرج الماء وسقى به فالفلج لمن أحرجه وسقى ولمن حفر من قبل أجرته عليه ولا يبطل عناه إذا كان في نيته الرجوع إليه . وأما فلج غرابة فلم أجد فيه أثرا أعتمد عليه وإنما جاء الأثر في فلج صحم أنه كان يسقى في الإسلام وكان الإمام أطلقه للإمام في العلم والدين محمد بن محبوب رحمه الله . وأما أفلاج الباطنة في هذه الأيام لا يجوز فيها الدخول لأحد إلا برأي الإمام لأنها أرض يطؤها خف دولة الإسلام والله أعلم).
فنجده هنا تعرض لمسألة الأفلاج التي أحدثت فيما بعد، بينما نجده نص صراحة باسم أحد أفلاج الباطنة وهو فلج غرابة ، ثم استطرد المجيب وأشار إلى فلج صحم بأنه حكم فيه الإمام محمد بن محبوب وهو أحد علماء القرن الثالث الهجري كما هو معلوم.
وفي نص آخر حول الإشكال ذاته (أرض الباطنة) نجد ما نصه: (ومنه وفي أرض الباطنة التي هي ليس بملك لأحد إذا جاء رجل لأرض منها وقرح فيها طوياً أو قشب منها الشجر أو هاس أرضاً وسار عنها إلى غيرها ، ثم جاء رجل آخر فطلب الأول أجرة خدمته في هذه الأرض ، او أراد أن يمنع من أردا الزرع فيها لأنه يريد زرعها في السنة القابل ، أله ذلك أم لا ؟ . الجواب : قد جاء الأثر أن من جاء إلى موات من الأرض ليس فيها أثر عمارة ولا بناء ورثها وسقاها الماء فهو وورثته أولى بها من غيره ، ولا يجوز نزعها منه . وأما أرض الباطنة اليوم حكمها للإمام لا يجوز لأحد أن يتخذها إلا من تقدمت له فيها يد من قبل فلا تنزع من يده حتى يصح أنه مغتصب أو متغلب عليها ، وحكم الباطنة حكم الغوايب على ما جاء في الأثر والله أعلم).
ونجده في نقله لجواب من الشيخ خميس بن سعيد الشقصي أيضاً في أحكام أرض الباطنة يقول: (في الأرض الخوارج من الباطنة ، وما حكم المسلمين فيها؟ أعندكم أنها من الغوايب أم لا؟ أرأيت إن كانت من الغوايب فأين حدها من الغرب والشرق والجنوب والشمال؟ بينوا لنا ذلك لنا نجد في بعض الأماكن أثر أطوى وجلب للزرع يكون ذلك بقرب البلدان أو بعيدا عنها ، وأكثر الأماكن ما فها إلا السمر والغاف ، ومن حكم مولانا الإمام ناصر بن مرشد بن مالك الرستاقي والناس يفسلوا ويعمروا في تلك الأرض ، وولاة الإمام يأخذوا من تلك النخل والزرع العشر من قليل أو كثير ، أيكون هذا الأخذ على الصواب أو لا؟ الجواب: وبالله التوفيق أما أرض الباطنة فقد نطق بها الأثر مجملاً أنها من الغوايب ولا يجوز تمليكها أصلاً ، وأما حدها فلا نحفظ شيئاً في تحديدها ، والنظر يوجب أن يكون القول فيما فيه أثر العمارة دون الخرابات الخارجة عن العمار).
ففي هذا النص الأخير نجد التأكيد صراحة على عدم جواز تمليك الأرض من الباطنة عدا الحدود التي يراها أهل النظر ، والإشكال حاصل منذ قرون كما أسلفنا ، ويستنتج ذلك من خلال ما ورد من إشارات في بعض المصادر.

مدينة صحار في نصوص الكتاب

أشرنا في ديباجة هذه الأسطر إلى ناسخ المخطوط وإشارته إلى كونه من مدينة صحار ، كما ورد ذكر مدينة صحار في النصوص السالفة حول قضايا وإشكالات أرض الباطنة ، ونجد في نصوص الكتاب حضور المدينة في عدد من المسائل الأخرى ، منها مثلاً قوله : (ومنه في معرفة قياس حد الفرسخ من صحار إذا أراد أحد قياس ذلك أيبتدي بالقياس من جامع البلد الكبير الذي تجب فيه صلاة الجمعة السالف؟ أم حد عمران البلد يبتدي بالقياس وهل يكون بالذراع الذي جاء به الأثر ثلاثة اشبار أم بذراع الناس اليوم ، بيّن لنا جميع ذلك). وقوله: (ومنه في حد عمران صحار من الغرب والشرق لمعرفة القصر والجمع.
الجواب: يكون حكمها على ما سلف من غربي حدها وادي صلان ومن شرقها حدها وادي مجز وقول الوادي الصغير الذي دونه ، وكل بلاد على ما تقدم حكمها. والله أعلم).
وحول ذات الموضوع (قصر الصلاة) نجده يقول: (ومن غيره زيادة زادها الناسخ لهذا الكتاب الفقير لله ناصر بن ثاني في معرفة حد الفرسخين من جامع صحار الذي في الحارة المعروفة بحصن بالأحم بقرى ساحل البحر ، فإذا كنت قاصدا للشمال فإذا انتهيت إلى الشرجة المعروفة بأم الخلاقين من قرية عمق فهناك نهاية الفرسخين حساب كل فرسخ اثنا عشر ألف ذراعاً بذراعنا اليوم ، وإن كنت قاصداً إلى الجنوب فإذا أخذت الحساب من المسجد الجامع المذكور إلى حد موضع يقال له الحد وهو ما بين عوتب ووادي مجز من قرى صحار فهناك نهاية الفرسخين على ما قد بينته والله أعلم بصحة ذلك ، وبه التوفيق).
وهنا يصرح الناسخ بأنه النص زيادة من نقله وفي ذلك يتضح أنه ليس هو المؤلف أو الجامع ، ويشير إلى بلدان ومواضع في صحار كحصن الأحم وشرجة أم الخلاقين وقرية عمق وعوتب ووادي مجز والمسجد الجامع.
وفي سياق مسائل المعاملات نجد الإشارة إلى سوق صحار والعملات المتداولة آنذاك كما في النص: (ومنه إذا باع سلعة في سوق صحار بكذا أو كذا لارية فضة ، وكان صرف اللارية في البلد بالشاخ الفرخ والفلوس الصفر ، ولم يشترط الدلال بشيء معلوم عندما وجب السلعة بل قال قد بعته بكذا لاية فضة واختلفا عند تسليم الثمن صاحب السلعة طلب اللارية الخلاص والمشتري يريد أن يسلم جواز البلد من شاخ أو فلوس ، ما الذي يجب في مثل هذا؟ الجواب: إن كان نقد البلد مختلفاً فلا يجوز البيع إلا بشرط نقد معروف ، وإن لم يكن شرط بنقد معروف بين المتبايعين فالبيع منتقض حتى يكون على نقد معروف ، وإن كان نقد البلد واحد فله نقد البلد ، والله أعلم).
وفي سياق متصل نجد الإشارة إلى أن الأفلاج كانت تستخدم لتدوير الرحى التي تطحن بها الحبوب ، وتشبه هذه التقنية ما يعرف بالنواعير في بعض البلدان ، ونجد ذلك في قوله: (ومنه والأفلاج التي ظهرت في صحار والباطنة والقرايا إذا أراد الوالي أن يركب رحى على إحدى هذه الأفلاج لبيت المال رضوا أهل الفلج أو كرهوا أيجوز ذلك أم لا ؟ الجواب : أرجو أنه لا يجوز إلا برضى أرباب الأفلاج إلا أن تكون هذه الأفلاج محكوم بها لبيت المال والله أعلم).
كما أشار نص آخر إلى ظهور أفلاج في صحار في ذلك العهد وما نتج عن ذلك من إشكالات ، وذلك في قوله: (وكنت قد سألتك سيدي عن حجة هذه الأفلاج التي ظهرت الآن في صحار وممرها في أملاك الناس وتحت طرق ، وقلت لي في جوابك لي الأول أن الذين يتبعون السواقي المأثورة من قبل فهم أن يجددوها كما كانت ويصلحون الطرق حتى لا يكون مضرة على من يمر فيها فهذا الجواب يكون عاماً في أفلاج الباطنة التي تحفر اليوم؟ أم تعني إلا أفلاج عمان خاصة؟ فأنا أسألك سيدي عن هذه الأفلاج التي تخدم اليوم الآن وهي قديمة ، ما أحد يعلم بها أنها سقت في الإسلام ، خص لي سيدي الفرق في ذلك . الجواب: والله الهادي لطريق الحق والصواب : الحكم سواء في جميع الأفلاج التي في القرى كلها والله أعلم).
وحول أفلاج صحار والباطنة أيضاً نجد ما نصه: (ومنه ما تقول سيدي في هذه الأفلاج التي ظهرت في الباطنة في صحار وغيرها وتخطف تحت طرق المسلمين ألأصحاب هذه الأفلاج أن يتبعوها ويخدموها من أين تخطف إن كان في طريق أو في ملك أد إذا كان ممر الفلج سابق له من أول وله رسوم بالصاروج؟ أم لهم أن يخدموا في أملاك الناس إلا برضاهم ولأهل الأرض قيمة أرضهم من مجرى الفلج بما تقوّمه العدول؟ أو كيف السبيل غلى خدمة هذه الأفلاج؟ أنعم برد الجواب . الجواب : أما الذين يتبعون السواقي المأثورة من قبل فلهم أن يجددوها كما كانت ويصلحون الطرق حتى لا تكون مضرة على من يمر فيها ، وأما السواقي الحدث في الطرق فلا يعجبنا ذلك ، والمسملون ينهون عن الأحداث في الطرق ، والله أعلم).
ونجد من خلال النص أن تلك الأفلاج قد أحياها من أحياها وقد وجدت من قبل بدليل قوله: (أما الذين يتبعون السواقي المأثورة من قبل) وفي ذلك إشارة إلى قدم وجود الأفلاج في منطقة الباطنة من عمان رغم اندثار الكثير منها منذ قرون.

البرتغاليون في مسقط وصحار

ولما كانت عمان إبان الصدر الأول من العهد اليعربي والذي جاء الكتاب بنصوص علمائه ، كانت مشغولة بدحر الاحتلال البرتغالي، فللشأن ذاته نصيب من النصوص التي عالجت الكثير من القضايا الشائكة آنذاك، فنقرأ في الكتاب جواباً من الشيخ خميس بن سعيد الشقصي في حرب النصارى (أي البرتغاليين) ونصه: (وعن الإفرنج وأعوانهم من الكفار من صحار إذا كان الإمام محارباً أهل مسكد أيكون المشركون وأتباعهم من صحار حرباً للمسلمين أم لا؟ الجواب: ما دام الإمام لم يأمر بحربهم ولا بدأوا هم بحرب فترك الحرب أسلم ، وإن أمر الإمام بحربهم فيستعان بالله على حربهم ، وكل من دخل بأمان من الكفار وغيرهم وأعطاه المسلمون الأمان فهو في ذمتهم ، ولا يجوز للمسلمين استباحة مالهم ولا دمهم ، وكل من ظفر به أهل الحرب بعد مناصبة الحرب حل منه ما يحل من أهل الحرب وحكم فيه بحكم المسلمين كان من أهل الشرك أو من بغاة أهل القبلة ، والله أعلم).
وهنا يتضح بجلاء إنصاف العمانيين لعدوهم وحكمتهم في التعامل مع من دخل في ذمتهم مع توفر القدرة عليهم .
وأخيراً فإن الكتاب أنموذج للتآليف العمانية في عهد اليعاربة التي يمكن اعتبارها مصادر أساسية للتاريخ الاجتماعي لعمان لتلك الحقبة ، وليس ما أوردناه هنا سوى نزر يسير.

محمد بن عامر العيسري

 

أعلى




نافذة لغوية (2)
هل تعرف معنى اسمك ؟؟؟

عزيزي القارئ أهلاً وسهلاً بك في نافذة لغوية جديدة نعرّج من خلالها على معاني أسمائنا، فهل سبق لك أن حاولت التعرّف على معنى اسمك؟
إن معاني أسماء الأعلام تفتح نافذة فسيحة تطلّ منها على مذاهب العرب في اختيار أسماء أبنائهم وتذوق لغتهم والتفنن في الإفادة منها في هذا المجال، كما تفصح لنا عن بعض مثلهم وقيمهم وما يدور في أنفسهم من تصور ومشاغل، وتشير إلى بعض مراميهم وأغراضهم حين يطلقون الأسماء، فضلاً عن أن بعض الناس يجهل معنى اسمه، أو معنى الاسم الذي تنتمي إليه أسرته ، أو معنى أسماء الشعراء والقادة وغيرهم من المعروفين في التاريخ والتراث ، لذا رأيت أن أختار بعضها مع معانيها.
وقد قيل لبعض العرب: لم تسمون عبيدكم نافعاً ومرزوقاً وأولادكم حَرْباً ومُرَّة؟ فقال: إنّا نُسمِّي أولادنا لأعدائنا ونُسمِّي عبيدنا لأنفسنا.
فمن أسماء الأعلام المشهورة في التراث ، أو من الألقاب ما له صلة بعلل العيون كالأخفش أي الضيّق العينين ، الضعيف البصر خِلْقَةً وقد أطلق هذا اللقب على ثلاثة من علماء النحو البارزين وهم: الأخفش الأكبر أبو الخطاب عبد المجيد بن عبد الحميد ، والأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي ، والأصغر علي بن سليمان بن الفضل النحوي. والأعشى : السَّيئ البصر ، والذي يبصر في النهار دون الليل وتلك صفة أطلقت على العديد من الشعراء الجاهليين والإسلاميين منهم ثلاثة شعراء في العصر الجاهلي، من أشهرهم: أعشى بني قيس صاحب المعلقة ، وأعشى باهلة ، وأعشى بني نهشل. وفي الإسلام: أعشى بني ربيعة ، وأعشى همدان ، وأعشى تغلب ، وأعشى طِرْوَد من سُليْم. والأحوص: أي الضيقة زاوية عينيه الخارجية ، اسم أطلق على كثيرين منهم: الشاعر الأموي عبد الله بن محمد الأنصاري الذي يقول
يا بَـيْـتَ عـاتِكةَ الذي أَتَـعَزَّلُ
حَذَرَ الهَوَى وبِكَ الفـؤادُ مُـوَكَّلُ
إني لأمنَحُكَ الـصُّـدُودَ وإننـي
قَسَماً إِليكَ مع الـصُّـدودِ لأمْيَلُ
والجاحظ: الذي عيناه ضخمتان ناتئتان وهو غني عن التعريف. ثم الطماح: أي البعيد النظر والشَّرِه.
ومما له صلة بالأذنين: الأخطل: وهو لقب لطويل الأذنين مسترخيهما ، سمي به الشاعر الإسلامي المعروف قرين الفرزدق وجرير. والأصمعي: من الصمع ، والأصمع: الصغير الأذنين ، ويعني أيضاً العقل الذكي والسيف القاطع ، والأصمعي من أوائل علماء العربية الثقات.
ومن أسماء الأعلام مما يتصل بأوضاع الأجسام وحالاتها اسم أكثم وهو الكبير البطن ، وكذلك البطين الذي يعني أيضاً: البعيد . وأحنف وهو المعوجّ الرجلين إلى الداخل . وأشعب أي ذو منكبين أحدهما بعيد عن الآخر ، وأشعب من ظرفاء العرب المشهورين . والبحتري الشاعر العباسي المعروف يعني القصير ، ومثله: بُهْصُل، واسم الشاعر المعروف الحطيئة يعني أيضا القصير والقبيح الوجه، ومن الأسماء في معنى القصر بعد: حَيْدَر وجُخْدُر وحَنْبَل وهو القصير الضخم البطن.
ومن معاني الأسماء العامة: غسان ويعني حدَّة الشباب ، وهشام ويعني السخاء ، وأما هاشم فهو حلاب اللبن الحاذق أو من فتَ الخبز وبلَّه بالمرق فجعله ثريداً ، ونزار: لمن كان قليل الخير، ومَعَن: أي لما ينتفع به ، ونوفل أي الشاب الجميل والرجل المعطاء ، وكعب أي الشَّرَف والمجد ، وزهير للمشرق الوجه ، وطَرْفة وطلحة: نوعان من الشجر، وصفوان: الصخر الأملس ، وعروة: للنفيس من المال وما يعتمد عليه. وخلف: يخلف غيره ، وهو مأخوذ من قولهم: الخلف الصالح ، والخلف: العوض والبدل ، وخليفة الشجر: ثمر بعد ثمر ، وقد روعي هذا المعنى في خليفة ، وقد سمَّت العرب: خلفاً، وخليفة، وخليفاً. وخليفة، والخليف: المستخلف، والسلطان الأكبر، وقد نسبوا إلى خلف فقالوا: خلفاوي. وراشد: مهتد بلغ الرُّشْد، والمستقيم على طريق الحق مع تصلُّب فيه.
ومن أسماء النساء: سلمى: اسم نبات وكذلك خزامى ، ودعد: تعني الحرباء ، وعبلة: أي السمينة ، وزينب: اسم شجر حسن المنظر طيب الرائحة ، وليلى: أي الليلة الشديدة السواد كما تعني الخمر أو نشوة الخمر ، وهند : أي مئة أو أكثر من الجمال ، ولُبانة: أي الحاجة الغالية ، وبُنَانَة: أي الروضة المعشبة ، وبَانية: أي المنضمّة إلى أهلها ، وخديجة للمولود قبل الأوان ، وكِنانة أي جعبة للسهام ، وليان أي الرغد والرَّفاه ونعمة العيش كما تحمل معنى الليونة والسهولة والنعومة. وموزة وهي الواحدة من شجر الموز ويطلق في الخليج على نوع من اللؤلؤ. ورِهام: الرَّهمة المطرة الضعيفة الدائمة ، والجمع رِهَام وفى المطر خير وفى الرِّهام رفق وجمال.
والخيار وهو الاسم من الاختيار فقد نص الخليل بن أحمد في معجمه العين على أن (امرأة خَيِرَة : أي فاضلة في صلاحها ، والجمع خِيار). ومزون اسم كان يطلقه العرب على عُمان ومنه (المُزن: أي السَّحاب ، والقطعة منه مُزنة. ومَزَنْتُ الرجلَ أي مدحته).. وإلى لقاء في نافذة جديدة بمشيئة الله تعالى.
د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير


أعلى



 


الصناعات الحرفية العُمانية "بين الماضي والحاضر" (6)

الصناعات الحديدية

في الفترة الإسلامية كانت عُمان معروفة باستخراج الحديد وصناعة المواد والأدوات الحديدية
يشترك الحداد والصفار في أدوات العمل المتمثلة في النار والكير والملهاب وأدوات الطرق
تلعب حرفة الحدادة دوراً مهماً في الصناعات المعدنية التي توفر السيوف والخناجر


اكتشف رجال الآثار نوعيات من السيوف الحديدية والبرونزية الطويلة والقصيرة في عدد كبير من المواقع الأثرية العُمانية. وفي هذا دليل على أن العمانيين قاموا بصناعة سيوفهم وأسلحتهم الأخرى. ويحتمل أيضا أن أهل عُمان قد قاموا باستيراد سيوف هندية أو فارسية أو رومانية كعادة بقية العرب. وبما أن أصول الأزد من اليمن فمن المرجح أنهم جلبوا صناعة السيوف معهم إلى عُمان. وقد عرف العرب الخناجر إلى جانب السيوف، والخنجر أقصر من السيف، وغالبا ما كان يستعمل في المباغتة، وكذلك استُعمل في الهجوم، والدفاع عن النفس.
ولرخص الخناجر وسهولة حملها مقارنة بالسيوف، انتشر استعمالها بين الناس في العصور القديمة لحماية أنفسهم. وربما يفسر هذا كثرة الخناجر التي عُثر عليها في القبور والمستوطنات القديمة في عُمان.
وقد اشتهر العرب بالرماح وكان من بين الرماح الردينية، المنسوبة إلى امرأة، والمهرية المنسوبة إلى زوجها، وهما من إقليم البحرين. وعرف العرب رماحا مشهورة هي الرماح الخطية نسبة إلى الخط، ويقال أن هُزيز بن شن بن أفصى العبدي هو أول من صنع هذه الرماح. وقد اختلف الجغرافيون والمؤرخون في تحديد مكان الخط، فقيل إن الخط : جزيرة بالبحرين، وقيل هو خط عمان، ومن قرى الخط العقير والقطيف وقطر، أوهو سيف عُمان والبحرين. ويبدو أن هذا الاختلاف نتيجة للاختلاف في تحديد حدود إقليمي عُمان والبحرين وامتدادهما. والراجح أن الخط هو كل سيف البحر من جنوبي البصرة إلى شبه جزيرة مسندم، فهو بالتالي يشمل البحرين وعُمان.
أما السهام والنبال والنصال فتعد من الأعمال العسكرية والترفيهية عند العرب في الجاهلية، وأصبح الرمي بالسهام من أهم العلوم عند العرب. وكان الرمي بالسهام من أهم أسلحتهم. ووضعوا لها أسماء خاصة بها. وتفنن العرب في وصفها في أشعارهم بل كثر وتكرر ذلك، مما يدل على أهميتها عندهم. وقد استعان الرومان (ثم البيزنطيون) والفرس بالعرب في جيوشهم وأنشأوا فرقا خاصة بهم، نظرا لدقة العرب في التصويب ومهاراتهم فيه. وقد شاعت صناعة السهام والنبال عند العرب عامة في شبه الجزيرة العربية. كما عُثر في قبر بموقع سمد الشان على حديدة صغيرة مسننة في طرفيها، تشبه الفأس قليلا، وهي من النوع النادر الذي يعثر عليه ضمن اللقى الآثرية العائدة لهذه الفترة. وهي تشبه تقريبا ما يُعرف محليا في مسندم الآن باسم الجرز، وهي كثيرة الاستعمال عند القبائل الجبلية، وقد تنوعت منتجات الصناعات المعدنية فشملت المسامير والسيوف والسهام والأدوات المنزلية الأخرى، والأرجح أن هذه المنتجات كانت تصنع محليا، فالحديد متوافر في جبال عُمان كما ذكر ذلك عدد من الرحالة الأوربيين في بدايات القرن التاسع عشر.
وفي الوقت الحاضر، توجد خامات الحديد في أجزاء من جبال عُمان، ويوجد في موقع مليحة مكان مخصص لصهر وتصنيع المنتجات الحديدية، ربما نطلق عليه ورشة عمل. وفي جبل فاية القريب جدا من مليحة، توجد خامات الحديد المناسبة للصهر والتعدين، ولكن لا يمكن معرفة العلاقة بين خامات حديد جبل فاية وخبث، ومنتجات الحديد المكتشفة في موقع مليحة. ويقال أيضا إن خامات الحديد كانت تستورد من الصين التي باتت من أكبر الموردين للحديد في القرون الميلادية الأولى.
وفي دراسة تحليلية قام بها فريق كندي على نماذج من خبث ومخلفات حديدية قديمة عُثر عليها في أماكن مختلفة من جبال عُمان، توصلت دراستهم إلى عدد من النتائج أهمها: أن هذه النماذج أتت من أماكن صهر قديمة، يختلط خبث الحديد فيها بفلزات معدن النحاس، وأن عمليات الصهر والتعدين وأدوات الصهر تمت في أفران خاصة.
وفي الفترة الإسلامية كانت عُمان معروفة باستخراج الحديد وصناعة المواد والأدوات الحديدية. وتتعدد الأدلة على إنتاج النحاس في عُمان في فترات قديمة، وقد عُثر على بعض اللقى النحاسية في مليحة، ومناجم وأماكن صهر النحاس في موقع عرجا العائدة على حوالي القرن الخامس الميلادي، مما يدل على وجود هذه الصناعة.
وما عُثر عليه من أنواع من الأسلحة الحديدية كالسهام والرماح والسيوف دليل واضح على قيام نوع من صناعة هذه الأسلحة المشهورة في عُمان وعموم منطقة الخليج العربي. وهذه الصناعة من أهم صناعات العرب في الجاهلية نظرا لكثرة استخدام منتجاتها في الحروب والمعارك، واعتبارها من عدة الرجل الفارس المحارب. وكان العرب قبل الإسلام أهل فروسية وأهل سلاح، وكان سلاحهم يرافقهم في حلهم وترحالهم. ولذا لا نستغرب وجود هذه الأسلحة في قبور الرجال، مما يدل على فروسيتهم وكونهم محاربين أشداء. وتقوم صناعة الحدادة في غالبية المدن العمانية.

الصناعات الحديثة

تعتبر الصناعات الحديدية من أقدم الصناعات المعدنية وأكثرها توسعا في عُمان وذلك لتعدد مجالات استخدامها إن كانت في المدن والحضر، أو البادية، في السلم أو في الحرب. والحداد هو: الصانع، الذي يقوم بتشكيل الحديد لاستخدامه لأغراض فيها منفعة للناس. ويشترك الحداد والصفار في أدوات العمل المتمثلة في النار والكير والملهاب وأدوات الطرق، وقد أثمرت مهنة الحدادة العديد من الصناعات: ففي مجال الزراعة صنع الإنسان العماني بعض الأدوات لكي تعينه في عمله الزراعي مثل المحراث والمنجل والمسحاة والهيب كما صنع الأدوات المنزلية كالسكاكين وغيرها، وكذلك صنع أدوات تعينه في قطع الأخشاب كالمنشار، والقدوم. كما صنع لنفسه أدوات تعينه في الدفاع عن نفسه في أيام الحرب كالحراب، والسهام، والأقواس، والخناجر، والسيوف، ثم الدروع، والتروس، وما يستخدم للخيول من لجم وسروج.
وتلعب حرفة الحدادة دوراً مهماً في الصناعات المعدنية التي توفر السيوف والخناجر بصنعة يدوية متميزة وذلك بتسخين المعدن علي النار وطرقه، وتشكيله مستقيماً أو منحنياً ثم تصنيع السيف بالطرق، وتصنيع المقبض، وتزيينه بالنقش والأحجار، وتصنيع الغمد من الخشب، ثم كسوته بقطع من الفضة المزخرفة. وتقوم صناعة الحدادة في غالبية المدن العمانية. وقد ارتبطت هذه الحرفة كثيرا بالزراعة، إذ أن الحدادين ينتجون عدة أنماط من الأدوات التي تستخدم في الزراعة. وإذا ما أمكن تطوير طريقة الإنتاج، فإنها ستحتل مكانا مهما بين الحرف اليدوية الأخرى في عُمان. وغالبا ما تقام أماكن الحدادة، في خارج الأحياء السكنية، أو في الأسواق، على أن تكون منعزلة عن بقية المحال التجارية.
ومن أهم المناطق المعروفة بمهنة الحدادة في السلطنة: صحار، وعبري، والكامل، وبركاء. وتستخدم العديد من الأدوات في هذه المهنة كالمطرقة والكالوب: وهي عبارة عن زردية ذات مقبض طويل، وتستخدم في تحريك المواد الساخنة، والملزم: آلة ضغط من الحديد أو الخشب.
والمشل: المبرد، والملهب: جهاز هواء. والكير وهو أنبوبة لشفط الهواء، والمهبش وهو عبارة عن ملقاط، والمقدح، وهو آلة شبيهة بالقوس والسهم ويستخدم في التثقيب، والمقطع وهو مسمار كبير مسطح الرأس، والمثقب ، والمنشار، وهي التي تستخدم في قلع المسامير وإزالتها عن أماكنها. والسندان، وهو كتلة من الحديد يوضع عليها الحديد أثناء طرقه، والقدوم: يشبه الفأس الصغير ويستخدم في تشكيل أيدي الفؤوس، والمثقاب، وهو نوع من المسامير الكبيرة في صحار.

المنتجات التقليدية

المخلب: وهو أداة شبيهة بالمجز إلا أن استخدامه مخصص لقطع الزور من على جذع النخلة، كما أنه لا يكون مسننا إنما يكون ذا انحناء واضح من أعلاه, وأكثر حدة من الجذع.
المجز(المنجل): وهي سكين محنية حافتها مسننة تستخدم في قطع علف الحيوان.
المجيس: عبارة عن نوع من السكاكين محني مسنن الشفرة.
السكاكين العادية.
الداس: سكين محنية تستخدم في قطع النخيل.
العتلة: قضيب معدني طرفه حاد يستخدم في عملية الحفر.
المكدة: وهي نوع قديم من المثاقيب يستخدم في "إبرا" يتكون من عصاتين، إحداهما مثبت بها مسمار ومثبت على طرفيها سيور من الجلد وقشرة ثمرة جوز الهند.
أحيانا تستخدم مثل هذه الأداة في بذر البذور في الأرض.
المخطة: وهي المنشار وتستخدم لأغراض متعددة أشهرها عملية جداد ثمار النخيل أي حصاد ثمارها وفي تقليم أغصان حرمة النخلة وهي بنتها. كما تستخدم المخطة في قطع الأشجار، وتجميعه للاستخدام أو البيع.
القراز: وهو أداة لتسوية التربة بعد حرثها، وعمل القواطع الترابية اللازمة لمسارات المياه داخل الحقول وبين الأشجار. والقراز عبارة عن صفيحة من الحديد مستطيلة الشكل لها مقبض خشبي طويل يمسك به أحد المزارعين ويمسك مزارع أخر بحبل مربوط أسفل الصفيحة لجر القراز، ويقوم القراز بنفس فكرة عمل الآلة الحديثة المسماة محليا القلابة.
الهيب: وهو قطعة حديدية صلبة، ويبلغ طول الهيب حوالي المتر، وبه نهايتان مختلفتان واحدة حادة مدببة والأخرى عرضية، ويستخدم الهيب لأعمال الحفر والأعمال الزراعية المختلفة كقلع صرمة نخلة ما وأعمال الهدم.
الفأس الشحية: مثل هذه الفؤوس التقليدية التي تحدثنا عنها تصنع في مسندم وكانت تستخدم في وقت من الأوقات كسلاح لقتل الثعابين والدفاع عن النفس في تلك الجبال الوعرة. أما الآن فهي مجرد زينة ولكنها مازالت تحتفظ بمكانتها كجزء من العادات والتقاليد الوطنية في ليما. ويصنع رأس الفأس عادة من الحديد أو الصلب ولكن يفضل الصلب نظرا لأن الحديد يتأكسد بعد نظافته, ويستغرق عمل الفأس الواحدة من 20 يوما إلى شهرين.
الأقفال والمفاتيح: وهذه الأنواع منتشرة جدا في المنازل العمانية القديمة والقلاع، حيث إن المفتاح يبلغ طوله حوالي 30 سم وبه سمك، كما أن طريقة الأقفال والمغاليق العمانية شديدة الإحكام.
الشيول والمسحاة: وهما أداتان لإزالة التربة من منطقة الحفر، وتستخدمان كذلك لتقليب الأرض تحت الفسائل وفي عملية الزراعة وإصلاح القنوات، والمسحاة تشبه الشيول إلا أن اليد الحديدية الموجودة في نهايتها أقل اتساعا من الشيول وأكثر قوة.


فتحي عبدالعزيز الحداد

أعلى





.. النهــــاية

ـ 3 ـ
عنـدما أصبح عبدالنبي وحيـداً ، خـارج جـدران الـدار ، وجهاً لوجـه مع الحمـارة البـدينة .. تمهـل برهـة وهـو يربـط على ظهـرها الـبرذعـة ويشـدها بقـوة ويحـكم الرباط المجـدول أسـفل مقدمـة البطـن ، ويتأكد من جـودة كل شـيء .
أمسـك بهـا من خصـلة الشـعر الطـويل التي تعـلو الرأس بين الأذنـين ، وتوقف . طافت نظـراته القلقـة على كل شـيء حـوله بالبـلدة ، ابتعـدت النظـرات الحـائرة إلى التـرعة الصغـيرة والكـوبري القـديم ، وتسـللت للـبر الآخـر من الجسـر ، تمتـد مساحات الحقـول الخضـراء والأشـجار الموريقـة والنخيـل العالية .. وفي البعيـد تبـدو البـلدان الطينيـة السـمراء متناثرة تحت السـماء وخـط الأفـق ..
لأول مـرة في حيـاته يمعـن النظـر ويفـكر في المهمـة الموكولة إليـه .. فكاد يبـكي . هـمّ أن يعـود للداخـل ، أن يتراجع عن الذهـاب .. لكنهم لن يتركـونه في حالـه ، سـوف يطعنـون في رجولتـه ، ويقولـون إنـه غـير قادر على إداء هذه المأمورية السـهلة البسـيطة ، فكيف سـيتحمل مسـئولية بيت وزوجـة وأولاد ؟!
فجـأة .. قفـز فـوق ظهـرها ، ظـل مـتردداً برهـة ، نخس بطـن الـدابة بطـرف عـود الصفصاف بعنف . هـز ساقيـة وحث الـدابة على السـير . حدث نفسـه فـي سـرور . سـوف تصبح مثل البني آدمين ياولـد ياعبدالنبي ، تذهب إلى المركـز لأول مـرة في حيـاتك ، هيـه ، وتعـود لتحدث الأهـالي عمـا شـاهدت هناك في المركـز ، وعمـا حـدث لك في هـذا اليـوم ، ولا مانع من أن تضيف من عنـدك بعض الشـيء .. و.. و.. حاااا يامكلوبة حااااه.. خفي رجلك...
عـبرت الـدابة الكوبري الخشبي ، تنفس الصعـداء وهـدأ ، تسـاءل بينـه وبين نفسـه لمـاذا يرسـلونه ، هو ، بالـذات إلى المدينـة البعيـدة ؛ المـركـز ، الزحـام ، الشـوارع المكتظـة بالبشـر والباعـة ، على ماسـمع ، الحوانيت والعـربات . البيـوت العاليـة الشـاهقـة ؟! وتعجب .. لمـاذا في هـذا الوقت بالـذات يريـدون التخلص منـه بإرسـاله بعيـداً عن حـدود الديـار ؟! بعيـداً عما يـدور بـين جـدران غـرفة فاطمـة والرجـل الراقـد في انتظـار .. ملك المـوت الذي يأتي ، على حين غفـلة ، يخطف روحـه ويرحـل !!
هـو أولى بأن يظـل بجـواره ، يسـمع مايقـول وما يخـبرهم من أسـرار ، ربما يخـبرهم كيف يـتم توزيع الـتركة عليهـم ، وهو غائب !! غاااائب !! آه ، ياعبدالفتـاح !! فعلها هـذا السمسار اللـئيم ، تاجـر الحمـير ، اليهودي الخسيس ، اسـتطاع بكل وسـيلة أن يجعلني أرحـل عن الـدار . هيـه . طـوال عمـري وأنا غائب ، غاااائب عن إدارة شـئون الدار والأمـلاك . عبدالفتـاح ، الداهيـة الحويط .. صـدق من قالها من الدَّراويـة .. بأنك ابن أمك !! ابن امرأة ولسـت ابن رجـل !! من أدراني هـل تنـوي إحضـار عبدالرازق حقيقـة أو ماذا تنـوي أن تفعـل ؟! تضـرب عصفورين بحجر واحد ؛ إبعـادي عن الدار ، وعـدم وصول عبدالرازق .. لكنني سـأحاول بكل طريقة الوصول إليه وإحضاره . هـل الرقم الذي أعطـاني إياه صحيحاً أو فالصـو ، ليفـوت الفرصـة عليهم وعليّ ؟! كيف يمكن الإتصال بأخي عبدالرازق ؟! هنـاك طرف البقـال الذي يسـكن عنده . فوق السطـوح . كما أخـبرنا كـثيراً وحدثنا عن ذلك ، عنـدما يأتي في الأجـازة السـنوية ..آه ، ماالعمـل ؟! ل..ل.. لكنني لن أعطيـه هذه الفرصـة . حااا.. يامكلوبة . خفي رجلك . أنتِ والسمسار ضدي !!
هـل أذهب وأعـود سـريعاً قبـل أن يأتي ملك المـوت ؟! يجب أن أحصـل على نصيبي في المـيراث ؟! هل أعـود وأقـل له ، لـم أوفـق في الإتصـال بـه ؟! ويهـز السمسار رأسـه ويقـول لي ساخراً مني ، كعـادته ، أنت طول عمرك خائب ، لكن محسـوب علينا ، أمام الأهـالي ، إنك رجل.. طويل وعريض !! دوماً يرددها ليّ بسـبب أو بلا سـبب !! أو ، أو ..أأأقـل ..اتصلت وسـوف يحضـر عما قريب . ماالحـل ياعبدالنبي الآن ؟! فـكر جيـداً قبـل أن تخـونك نفسـك ويتـوه ذكاؤك وتخـرج من المـولد بلا حمص !! وأنا الذي عشـت طوال عمـري كالجاموسـة التي تـدور في السـاقية . معصـوبة العينـين تدور لتخـرج المـاء ، تروي الأرض ، ورخو الفرقـلة ينهـال على ظهـرها . ماذا أخـذت طـوال هذه السـنين ؟!
لا شـيء !!
وهـل كان ينقصك شـيئاً ياعبدالنبي مادمت تأكل وتشـرب ؟! وأين نصيبك وحقـك في الحيـاة ، مثل بقيـة أفـراد العائلة ؟! طول عمـرك تأكلها لقيمـات خـبز بحصـوات ملح ، وتصحـو مبـكراً كالطائر وأنت راضي النفس سعيد بذلك ، من أجـل الرجـل الذي وضع بذرتك في باطن الأم الحنون . ل . ل.. لكنـه الآن على حافة القـبر ؛ إن لـم يمت الآن ، سـيموت بعد سـاعة ، أو اثنـتين ، عنـدما أغادر حدود البـلدة ويصـبح الرجوع صعباً ، ربمـا.. الروح تنتظـر الابن المحبب لـديه . ابن فاطمـة وهي الأثـيرة عنـده . وابنتها الصغـيرة يرسـلها إلى مدرسـة النخـلة البحـرية مثل أولاد أعيـان الدَّراويـة . تنتـعل الحـذاء الجـلد وتلبس الفسـتان النظيف ، أمها تمشـط لها شـعرها كل صبـاح ، قبـل مغـادرة البيت ، تحمـل في يدهـا شنـطة جـلد بها كراريس وكتب وأقـلام ، وتحصـل على العمـلة المعدنية من أبيها كل يـوم . وفي يوم الجمعة . عندما تعـود من المدرسـة بعـد ظهـر الخميس ، لاتـبرح غـرفة أمها . تعيش في نظـافة وراحـة . تأكل وتلبس ولا تعمـل في البيت أو الغيـط طالعة لأمها . ابن الوز عـوام . وأخوالها من أكـبر عائلات أبوحمص ، عائلة المخيوم . أصحاب شاحنات النقـل الكـبيرة والأجـرة الصغـيرة ، والجراجات الواسـعة ، هكذا تقـول فاطمة المخيومية عندما تتحـدث عن أهلـها وثرائهـم وما أعطاهـم اللـه من فضـله .
وكـم من مـرة اشـتقت الذهـاب إلى المركـز لمشـاهدة كل ذلك ، ل..ل ااا لكـن ظـروف العمـل فـي الغيـط لا تسـمح لي بذلك أبـداً ، فكل يـوم لا بـد وأن أعمـل من الصـباح حتى المسـاء ، في الحقـل . يـوم الجمعـة ، أعاون محروس وزوجـه في أعمـال البيت وتنظيف الزريبـة ووضع الـتراب الجاف تحت أرجل الـدواب .. حتى ترقـد الماشـية ولا يتلوث ضـرعها ويلوث اللـبن أثنـاء الحـليب ، هكذا يقـول محروس العجـوز المحنـك .
العجـوز ، محـروس ، الذي يعمـل في خدمتنا ، منـذ أن كنت صغـيراً وأنا أعـي لـه . يقـال ، قبـل أن أنـزل من بطـن أمي وهو يعمـل مع أبي ، يسـاعده فـي الغيـط والبيت . لذا يحبـه أبـي ويكرمه ويرعاه ويعطيـه كسـوة الصيف وكسـوة الشـتاء .
أيـام الحصـاد ، يعطيـه مايكفيـه من الحبـوب ويزيـد . وفـي العيـد الكـبير لا ينسـاه فـي لحـم الخـروف الذي نضحي بـه . آه ، يامحروس .. من سيعطيك بعـد ذلك ، سمسار الحمـير المريضـة ، ذلك الشـح اللئـيم ، ال.. ال...
وسـقط من فـوق الحمـارة ، عنـدما غفـل في النـوم ، وهي تسـير . عنـدما أحسـت الـدابة بأن الحمـل فـوق ظهـرها قـد خف ، أخـذت تركض وهي تنهـق بأعلى صـوت . وانطلق يجـري خلفهـا ، خـارج حـدود البـلدة ، وهو يسـب ويلعـن ويصـيح بأعلى صـوته يطلب منها أن تتوقف ...
وهي تركض ..
وهـو خلفهـا يجـري ..
ـ 4 ـ
الرجـل ، مازال يحتضـر .
طـال الوقت وهو يعاني سـكرات المـوت .
دعـوه يمت فـي هـدوء .
كلمـا راح فـي الغيبـوبة ، ظـن الجميع أنهـا إغفـاءة المـوت . يصمتـون وينتظـرون حتى يفيـق ، أو يتحـرك أو يتنفس ، يفتـح عينيـه ، أو يحـرك شـفتيه أو ذراعيـه .
وطـال الانتظـار هـذه النـوبة..
لقـد مات.. وانتهى الأجـل ..
جـال في نفوسـهم هـذا الخـاطر وبقى حيناً يطفو ويرسـب .. حتى جـددت نبضـاته وأنفاسـه ، الأمـل في سـريان الدمـاء في عـروقه . تنفسـوا الصعـداء ، وحمدوا اللـه واسـتراحوا في مجلسـهم .
فـي آخـر زيـارة للطبيب الشـاب القادم من أبوحمص . كشـف عليـه وفحصـه جيـداً وجمع معـداته في الشـنطة السـمراء ودون روشـتة العـلاج وطمـأنهم على الحـالة والشـفاء العاجـل ، بإذن اللـه ، بالرغـم من علمـه بأن مرض الكبـد الوبائي حالـة ميئوس منها !!
وعندما أوصـله الابن الأكـبر إلى الباب الخارجي ، تمهـل قبـل الخـروج وسـأله عن تدهـور الحـالة ، قال لـه بهـدوء وثقـة :
ـ الأعمـار بيد اللـه .. ولاحيـلة لنا أمام القضاء والقـدر . الكبـد مُتلّيف من أثر البلهارسـيا ، وسـوف يزداد التضخم ، ولم يكتشف العـلاج لـه بعـد . كل مانعطيـه له هو مسـكنات ، والشـفاء من عنـد اللـه ..
قال الابن الأكـير للطبيب وهما خـارج جـدران البيت الكبـير :
ـ المـوت مكتـوب علينا جميعـاً ، ويجب أن تخـبرنا بحالته حتى نسـتعد لذلك اليـوم ، ونعـد العـدة لـه ..
قال لـه الطبيب فـي تـردد ، عنـدما أصبحا يتوسطان السـاحة الفسـيحة الممتدة أمام الباب الخارجي :
ـ الأمل في الشـفاء من هـذا المرض اللعـين .. ضعيف . وحالته في تدهـور مسـتمر ... ولكـن لاتيأس من رحمـة اللـه .
وهـز رأسـه الحليق وصمت .
ودع الطبيب الشاب ، عنـدما ركب الأوتومبيل الواقف بجـوار الكوبري . طفح الدخـان من الجكمان وأثار الغبـار ، واختفى عن الأنظـار . أحس بأنـه وقف مـدة طـويلة على جسـر ترعـة الدَّراويـة .
عـاد ..
وهـا قـد بـدأ الأب يدخـل في دور الغيبـوبة ، كل يـوم والثانـي ..
وفي هـذا الصـباح الباكـر ، هـزته زوجتـه الثانيـة ، لـم يتحـرك ، أو يسـتيقظ ، طنت أنـه قـد مـات ، صـرخت ولطمـت .. وانقلب البيت عليهـا ، عرفـوا الأمـر ..ارتفع الصوات وعويل الصغـار . بعـد مـدة قصـيرة ، فتـح عينيـه وحـرك رأسـه وذراعيـه . أحضـروا له كـوز لبن حليب ، فشـرب عدة جرعات ، وتحسـنت حالته قليـلا ، ثـم عاود الإغفـاءة الثانيـة ، والثالثـة ... تماسـكوا وتحمـلوا السـكوت في ترقب.
بـدأوا ينصـرفون من الغـرفة ، إلا عدداً قليـلا .. فاطمـة وابنتها هـدى ، وبعض الأحفـاد ، وابنـة الرجـل الصغـرى ، نـوال .
وبـدأ الجميع ، خـارج الغـرفة ، يتململون في وقفتهـم أو جلستهم ، فانزوى كل منهم فـي غـرفته أو في أحـد الأركان .. وكل مـدة يأتـي محروس الأجـير من مخـزن التـبن ، يسـأل عن أحـوال الرجـل .. يصمتون ، وينظـرون إلى بعضهـم ، ويهـزون رؤوسـهم :
ـ لا شـيء .
يعـرف أنـه لا جـديد . يسـتدير ، يمشي محني القامـة ، يعـود من حيث أتـى . يجلس بجـوار وديـدة زوجتـه التي تصـغره كثيراً ، لـم ترزق منـه بولد ولا بنت .. ومع ذلك قانعـة وراضيـة بحكمـة اللـه ، تخـدمه وترعـاه وتهتـم بشـئونه وتسـهر على راحتـه .
ومحروس الفاعـل الأجـير ، بالرغم من أنـه قـد بلغ من العمـر أرزلـه ، إلا أنـه مازال قوي الذاكـرة .. والبـدن . قادر على العمـل في الصيف والشـتاء ، في الحرورات والـبرد القارس . ومازال في عينيـه بصيص من الضـوء ليشـاهد طريقـه ، ومازالت ذكـريات المـاضي واضـحـة في مخيلتـه ، قادر على أن يروي تاريخ البـلدة ويتعـرف على وجهـاء وأعيـان زمـام العمـدية أجمع ، من أول بـلدة الدسـانسة إلى كـوم عزيزة .
ومحـروس العجـوز ، ظـل طـوال حيـاته يعمـل في خـدمة هـذه العائلة منـذ زمن بعيـد . يسـاعد الأب ، الرجل الكبـير ، في ري زرعـة القطـن بالسـاقية الخشبية في المسـاء ، على ضـوء القمـر .. يظـل سـاهراً بجـوار الجاموسـة المربوطـة بالسـاقية ، يضـربها بالرخـو المجدول كلمـا توقفت أو تكاسـلت ، يطرقع برفق فوق عجـيزتها وهـو يحثها على السـير .. خفي رجلك ياغالية .

والرجـل الكـبير ، يكـون هنـاك في وسـط الأرض العطشـى حتى تصـله الميـاه ويفتـح لها الخطـوط لـتروي الشـرائح والمصاطب ويغلقها بعـد أن ينتهي من ريها . يجلس مع محروس بجـوار السـاقية ، يشـربان الشـاي السـاخن الذي أعـده محروس على راكية النـيران ، يدخنان السـجائر المـبرومـة ، يتحدثان عن الماضي البعيـد ، وذكرياته السـعيدة ، أيام الشـقاوة البريئـة ، والأحداث الجسـام ، ونفـي سـعد باشا زغلول ، والاسـتقلال التام أو المـوت الزؤام...
( الجزء التالي الأسبوع القادم )

عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصـري

أعلى




تـراثـيات

لولا المشقة

قيل إن الصاحب جمال الدين بن مطروح كتب لبعض الرؤساء رقعة إلى صديق له يشفع فيها عنده. فكتب ذلك الرئيس هذا الأمر عليَّ فيه مشقة فكتب ابن مطروح في جوابه، لولا المشقة. فلما وقف عليها فهم الإشارة إلى قول المتنبي:
لولا المشقة ساد الناس كلهمُ
الجودُ يفقر والإقدام قتَّـالُ
وقضى الشغل على الفور.

ـــــــــــــــــــــــ

ما أحدثت بعدنا؟

قال الأصمعي حضرت مجلس الرشيد وفيه مسلم بن الوليد إذ دخل أبو نواس فقال له الرشيد ما أحدثت بعدنا يا أبا نواس فقال يا أمير المؤمنين ولو في الخمر فقال: قاتلك الله ولو في الخمر فأنشد:
يا شقيق النفسٍ من حكمِ
نمتَ عن ليلي ولم أنم
حتى انتهى إلى آخرها فقال:
فتمشت في مفاصلهـم
كتمشي البرءِ في السَّقمِ
فقال أحسنت والله يا غلام أعطه عشرة آلاف درهم وعشر خلع فأخذها وخرج قال الأصمعي: فلما خرجنا من عنده قال لي مسلم بن الوليد: ألم تر إلى الحسن بن هانىء كيف سرق شعري وأخذ به مالا وخلعا فقلت له وأي معنى سرق لك قال قوله فتمشت في مفاصلهم البيت. فقلت وأي شيء قلت فقال:
كأنَّ قلبي وشاحاها إذا خـطـرت
وقلبها في الصمت والـخـرس
تجري محبتها في قلب وأمقِـهـا
جري السلافة في أعضاء منتكس


ـــــــــــــــــــــــ


مشاكلة

أنشد الأصمعي لجميل بن معمر العذري:
لا خَيْرَ في الحب وقفاً لا تحـركـهُ
عوارضُ اليأس أو يَرْتَاحه الطَّمَـعُ
لو كان لي صَبْرُها أو عندها جَزَعِي
لكنتُ أَمْلِـكُ مـا آتـي ومـا أدَعُ
إذا دعا باسْمِها داعٍ لـيحـزنـنْـي
كادت له شعْبةَ من مُهْجَتي تـقـعُ
وهذا البيت كقول علي بن العباس الرومي:
لا تكْثِرَنَّ ملامةَ الـعـشـاقِ
فكفاهُمُ بالوَجْـدِ والأشـواقِ
إن البلاءَ يطاقُ غيرَ مُضاعَفِ
فإذا تضاعَفَ كان غير مُطَاقِ
لا تُطْفئَنَّ جَوى بِـلَـوم؛ إنـهُ
كالريح تُغرِي النار بالإحراق


ـــــــــــــــــــــــ


ما المجد لولا الشعر؟!

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي: سمعت أبا عَمْرو بن العلاء ورجل يقول: إنما الشعر كالمِيسَم. فقال: وكيف يكون ذلك كذلك؟ والميسم يذهب بذهاب الجلد ويَدْرُس مع طولِ العهد، والشَعْرُ يَبْقَى على الأبناء بعد الآباء، ما بقيت الأرض والسماء! وإلى هذا نحا الطائي في قوله:
وأني رأيتُ الوَسْـمَ في خُلق الفتى
هو الـوَسْـمُ لا ما كان في الشَّعْـر والجِلْدِ
وقال عمر، رحمة الله عليه: تعلّموا الشعر؛ فإن فيه محاسِنً تُبتغى، ومساوئ تُتقى. وقال أبو تمام:
إنَّ القوافِيَ والمساعيَ لم تَـزَلْ
مثلَ النظام إذا أصـابَ فَـرِيدا
هِيَ جوهر نثر فإنْ ألـفْـتَـهُ
في الشعر كان قلائداً وعقـودا
من أجل ذلكَ كانت العرب الأُلى
يدعونَ هذا سُـؤدداً مـجْـدُودا
وتنِدُ عنـدهُـمُ الـعُـلاَ إلاَّ إذا
جُعِلَت لها مِرَرُ القصيدِ قـيودا
وقال علي بن الرومي: الطويل:
أرى الشعر يحيي الناسَ والمجدَ بالذي
تُبـقِّـيْهِ أرواحٌ لـه عَـطِــراتُ
وما المجدُ لولا الشعْرُ إلاَ معـاهـدٌ
وما الناسُ إلاَ أَعْـظُـمٌ نَـخِـرَاتُ

ـــــــــــــــــــــــ

لعلها

قال محمد بن زياد البكراوني: سمعت ابن عائشة يقول: دخلت امرأة من هوزان على عبيد الله بن أبي بكرة فقلت له: هي الأخيلية. فقال: لعلها. فقالت أصلح الله الأمير، أتيتك من بلاد شاسعة ترفعني رافعة وتهضبني هاضبة، لملمات من البلايا برين عظمي ونكهن جسمي، وتركنني أمشي بالحريض قد ضاق بي البلد العريض بعد عدة من الولد وكثرة من العدد، أفنين عددي وأوعزن تلدي، فلم يتركن لي سبداً ولم يبقين لي لبداً، فسألت في أحياء العرب من المرتجى سيبه والمأمون غيبه والمحمود نائله فدللت عليك- أصلحك الله- وأنا امرأة من هوازن هلك الوالد، وغاب الفاقد، فاصنع بي إحدى ثلاث.
قال: وما هن? قالت: تحسن صفدي أو تقيم أودي أو تردني إلى بلدي، فقال: بل نجمعهن لك. فجمع لها الخلال الثلاث. قال أحدهما: ثم أوصى لها بعد مؤته بمثل ميراث أحد بناته.

ـــــــــــــــــــــــ


عزاء

عن الأصمعي، قال: تزوج رجل من بني عقيل امرأة منهم، فدخل يوماً وهي تمثل بيت غزل فقال لها: ما هذا الذي تتمثلين به، لعلك عاشق? قالت: لا، ولكن أبيات حضرتني. فقال: لئن سمعتك إلى مثل هذا لأوجعن ظهرك وبطنك. فأنشأت تقول:
فإنْ تضربُوا ظهري وبطني كليهما
فليس لقلبٍ بين جنبـيَّ ضـارب
يقولون: عَزِّ النفسَ عمـنْ تـوده
وكيف عزاء النفس والشوق غالب
فطلقها.


ـــــــــــــــــــــــ


عتاب

روى خالد بن عمارة: أنّ أميّة بن أبي الصلت عتب على ابنٍ له فأنشأ يقول:
غذوتك مولوداً ومنتك يافـعـاً
تعلّ بما أجني عليك وتنـهـل
إذا ليلةٌ نابتك بالشّكو لـم أبـت
لشكواك إلاّ ساهراً أتملـمـل
كأنّي أنا المطروق دونك بالّذي
طرقت به دوني فعيني تهمل
تخاف الرّدى نفسي عليك وإنّني
لأعلم أنّ الموت حتمٌ مؤجّـل
فلمّا بلغت السّنّ والغاية التـي
إليها مدى ما كنت فيك أؤمّـل
جعلت جزائي غلظةً وفظاظةً
كأنّك أنت المنعم المتفـضّـل

ـــــــــــــــــــــــ


وهذا شعره

روى يوسف بن أبي سليمان قال: هجا الأحوص رجلاً من الأنصار من بني حرامٍ يقال له ابن بشير، وكان كثير المال؛ فغضب من ذلك، فخرج حتى قدم على الفرزدق بالبصرة وأهدى إليه وألطفه، فقبل منه، ثم جلسا يتحدثان؛ فقال الفرزدق: ممن أنت? قال: من الأنصار. قال: ما أقدمك? قال: جئت مستجيراً بالله عز وجل ثم بك من رجلٍ هجاني. قال: قد أجارك الله منه وكفاك مؤنته، فأين أنت عن الأحوص? قال: هو الذي هجاني. فأطرق ساعةً ثم قال: أليس هو الذي يقول:
ألا قف برسم الدار فاستنطق الرسما
فقد هاج أحزاني وذكرني نعـمـا
قال بلى. قال: فلا والله لا أهجو رجلاً هذا شعره. فخرج ابن بشير فاشترى أفضل من الشراء الأول من الهدايا، فقدم بها على جرير؛ فأخذها وقال له: ما أقدمك? قال: جئت مستجيراً بالله وبك من رجلٍ هجاني. فقال: قد أجارك الله عز وجل منه وكفاك، أين أنت عن ابن عمك الأحوص بن محمد? قال: هو الذي هجاني. قال: فأطرق ساعةً ثم قال: أليس هو الذي يقول:
تمشى بشتمي في أكاريس مالـكٍ
تشيد به كالكلب إذ ينبح النجـمـا
فما أنت بالمخسوس في جذم مالكٍ
ولا بالمسمى ثم يلتـزم الإسـمـا
ولكن بيتي إن سـألـت وجـدتـه
توسط منها العز والحسب الضخما
قال: بلى والله. قال: فلا والله لا أهجو شاعراً هذا شعره. قال: فاشتري أفضل من تلك الهدايا وقدم على الأحوص فأهداها إليه وصالحه.



أعلى






الأدب الشعبي

اصفاد الحناجر

يقول ميلان كونديرا (صراع الانسان ضد التسلط هو صراع الذاكرة ضد النسيان) ، صرخة من شاعر عراقي ما بين نار الوطن وقسوة المنافي .. ربما كان خيرا للشعراء ان يموتوا خارج وطنهم .. رحل البياتي و السيـَّاب وظل المطر يهطل حزنا ً في بلاد الرافدين..

للثرى حلم الشتات
وْللعطش عين السراب
ياااه كم ميعاد فات ؟؟
واحنا احْـنا
جالسين نـْعدّ ساعات الغياب
حاملات النور طاحت
وْهدهدات الغيم راحت
تشرب الذكرى نبيذ
وْصرْت انادي يا [نبوخذ]
للجناين ذاكره ت ق ط ر حزِن
وتـْصيح بااابل
مامحى التاريخ وابل ؟!!
هيه يا آخر قصيده
مازرعْـنا في عظام الصبْـر جرحك
بسَّ كنا
نحْـقن الشريان حبك
ياعظيمه
بعْـد ما اغـْــتالوا الكلام
اشتريتي الصمـْت من سجن الظلام !!
ثم رحتي
تكتبين اللي ركع عشرين عام
وْلادرى معنى الحياه
وْلادرى من دثــَّـر الشمْـس بـْسماه
بسَّ راح
يهدي احلامه لنايات الرياح
وْما اسْـتراااح

العدْل عاري والأمل طير مذبوح
والوقـْت يغـْرس في ضلوعي رماحِك
راحل.. مادام الصبْح يصْـلب على لوح
بحكي لإسْــفلـْـت المنــافـي كفــــاحـك


دسَّيت في جيبي ..محطات للبوح
مدي يدِك معذور خنـْجر جراحِك
صبَّيت دمْع الحبـْر في بير مفـْضوح
والطين يغـْرف لك من الـْبير ضاحِك
صارت منافينا إلى الـْـموت ونـْروح
لو طلقة الرحمه تجي من سلاحِك

كنا نجْمع للفرَحْ سلات توت
وْجينا نكـْـتب عـ البيوت
من رمى للبيد طلح ؟!
وْمن هدأ للصدْر جرْح ؟!
ياعظيمه
وْلو اتى السيَّـاب ينـْـشدْ لك مطـَرْ
وتــْراقص بْوجه المسا [ أحمد مطـَر]
من يعْـزف الليله [ابوذيِّة] ح زن؟
لاتسألي / لاتزعلي / وجهك امامي !!
طفـِّيئ الذكرى وناااامي!

مرَّت فلول الريح والباب مفـْـتوح
عرَّت وجوه الغـدْر يــوم اجْـتياحـِـك
( الرخَّ) شمّ الموت في ليلك يْـفوح
والصبح أشرق من جماجم صلاحك
ياقبلة التاريخ والـْعــلم والــــدوح
من قصّ خيط النور واحْرق جناحِك؟!
من شبـَّـك الاصفاد في حنجرة روح؟!
وْمن أجْبر المسجون يكـْره سراحِك ؟!
تـتـْـثائب شـْـموع الحياة.. ابْـتدى النوح
والدرْب موحش وين وجْهة فلاحك
جوع الشتا لو خانه الـْـقمـْح مسْموح
بفــطر تعَب وانتي صباحك صباحِك

هوامش :

الأبوذية : هي فن من الفنون الشعبية العراقية ولها عدة أنواع
نبوخذ نصـَّر: هو ملك من ملوك بابل بنى الجنائن المعلقة
الرخ : هو طائر خرافي مفترس يوجد في الاساطير القديمة يأخذ جثث الموتى بمخلبيه.

عبدالعزيز العميري


ـــــــــــــــــــــــ

بعد ما تخفت الأقدام

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه .....) حديث صحيح .

لعلي أحضن الرهبه، بعد ما تخفت الأقدام
وأضم الخوف في صدر "المغامر" وانتعل دربه
رحلت وما معي غير الذنوب وْصفعة الأوهام
سلام اللهْ: على لحدي الجبيب "وْمن قضى نحبه"
يـهز القبْر أغصان الظلام وْتسقـط الآثام
وأنا كلْـما سأل (منكر)، أقـول: "الــــــدود" لهْ ربّه !!
سألني : ليـه أكفر بالسنين وْفطرة الإسلام
وأسل الفكْر من غمد الجحود وْاطعن الصُحبه ؟
سألني :ليه يشتاق الحجيج لْخلقة الإحرام؟
وأنا من وين ما "مكه" دعتني .. اخنق الرغبه !
سألني لين ما شاخت جعبْتي وامْتليت "كْلام"!
"وفيني وجْه أتكلّم بَعَدْ!!" شفْ حالتي الصعبه !!
يـ (منكر): والقبر "منفى" أخير وْيقطع الأرحام
أنا أدْري من بكى فوقي، تبرّا منّيْ فـ "الغربه" !
وش الحيله؟! يَدي قصْرتْ، غديت فـ حسبة الأيتام
ومـا لـي فـ (بـرْزَخي) غـير الأماني ورفـقة التـــربه !
ويا كثر الأماني الحالمه .. (لو) ترجع الأيام:
"أبـكذب كـذبةٍ بيـضا، واصـدّق وحـــدي الكــذبه !!"
بقول أني الثّـلاثه اللّي يـــِـرفْعوا عنـهم الأقلام:
"أنا (المينـون) و(النايم)، أنا (ياهل) فقـد لعـبه !!"
بقول أي شيْ، مثل حال السجين فـ غرفة الإعدام
كـثر ما قالها: "مظلوم" .. يعرف عن "كبر ذنبه"!
يـ (منكر) و"الحكي واقف" بعد ما تخفت الأقدام
سـلامي "للـمغامر" لـو قــدر يتـحمّل لـــرهبـــه !
علي الأنصاري


ـــــــــــــــــــــــ

للموت وصفه

بدري عليك من الفقر ، والفـَـقِرْ:حِرْفَهْ |
فـي (حارتي ) ~ كلن ع بــابه و صابر
ما صام ثلث الليل بـِ جـْــرُوْحَهٌ وْنَزْفه
إلا لأن الجوع : سبعيـــــــــن كافر
لا راح "مالك" ~وش بقى لك بَعَدْ صرفه؟
معنى الفرج كذبه وان ضقت، هـاااااجر
يوم الأرض غبرا و يوم الرزق صدفه
كان المطر يأتي بـ كــــــــــل غيم عابر
ما تـنتـهي اديــــونهم والعـــمر رشفه
واللي يموت اليوم ننــــــــــساه باكر
وين الذي ذلوه من مـهده لحتفه
ما بان هم إلا وهو كان حاضر
ما خانــته حاجه ولا خـــانتـه سلفه
كان الكريم وصـــــــابته عين جاير
صار الحلم أي شي وما همنا قطفه
وصار الوطن أي شي ،وله ربع خاطر
ما مرهم قــــاسي ولا مرهم عطفه
مثل الفقير الحي فـ دنياه حاير
عمر النخل ما يموت لا مات به سعفه
قل للجرح ارقد ،ترى القيظ ساهر
لا تفزع الماضي ولا تهز له كتفه
يا كيف تلقى في عذوقه بشايـر؟
خذها غبينة "حارتي " للـ زمن وصفه
لأن الفقر قادر وقادر وقادر ..
أصيلة بنت سعيد المعمرية

ـــــــــــــــــــــــ

وقر حطـّــاب

لمن تبكي اذا جباه الصحاري تدفن الأكباد
ندب بعروقها حمل الثقيل وصاح راعيها
ومرتني النخيل الضارية شمعة ضما وعناد
تصوفني كذا من دون وجهه ولا اسمّيها
خذيني للعتب.. للريح// لشعور ٍ بدون زناد
عتادي الصبر ما هو سالفة أطفال نرويها
لجل ما ينولد طين الرضى .. تنبت عذوق بلاد
أنا حر ٍ سكبت الصبر من رحم السما فيها
انا اللي زارع ٍ صوت المنايا في سنا الميلاد
تكبلني حكاوي المسأله واركن .. واخبيها
وديعه كل ما نرعى .. ذياب الرمل حولك زاد
علام الراعي القاطن وقف للموت يبكيها
ويدوي القوم .. نادى هالعجوز الابن لا تنقاد
وخلك للوصايا تسقى الأفنان .. ترويها
كسيرة الحاجة بعين الملك يا دمعة الأسياد
وانا اشْهد يا أمير الفقر عرشك ما يساويها
يا ابني أرضك توادي سردها والمتن جلاد
دمى هذا الظهر من كثر ما يفرك// يداويها
وقدت الساري ويم الرقاب الشاهقة يا عاد
تعالى الله عن شرك ٍ فسد بعروق أراضيها
يا ابني قد ما ودك تعلّى وأرخي المعتاد
لان اللي يبي يرقى يموت ولا يدنيها
"وقر" حطاب لا علّى الجباه المعْرقة امجاد
تجي ذيك العجوز مروّية دمي واسقّيها
ألا يا عاري الاردان غدّر ما بقى لي زاد
(خذته القوم) من فم السحاب وشح واليها
هنا مال النخيل وأذنت للريح للاكباد
ترى الآجال أحيانا تموت ف كف راعيها
أحمد البلوشي

ـــــــــــــــــــــــ

ماريا

يا "ماريا " تعـبـت أسـتجدي المجفين
رغـيـف وصـال يـشبع نهمة أحـزاني
أنا الـواقـف عـلى حـد الـقـسـا والليـن
أواسـي مـا بـقـى مـن جــذوة إيـمـاني
تـقـول : الـعـمـر ما يـسـوى بلا غالين
تشـيـخ وتـنـطـفي في داخــل أجــفاني
تعبت أزرع وسط هذا المدى "آمـين"
ومـا به "فـاتـحـه" تـصـرخ ف آذانـي
عتبت وكل ما أجلد بسوط ال "وين ؟"
"بـكـربـاجـك" يمر الصوت : انساني
تبعـت خـطـاك لـين أرداني الـتخـمـين
علام رضاك ما يستوعـب أشـجـاني ؟
جـسـد يحـكـي لـظـله عـن قساوة طين
سـجـد يـبـكـي ويـلـعـن زلـّـة الجــاني
مــ دام الجــرح أدمـن غـرزة السكـين
ألــوم الـنـصـل يــوم يـحـز شرياني !!
جـفــافي راود الـمـا / غـيـمـة الـوافين
ضفافي حـيل تـظـمى والـمـطـر داني
هــديـت لخـطـوتك خلخال من نسرين
وفــاسـك يـحـطـب الأخضر بوجداني
كـتـبـتـك في قـصـيـدي والخـيال يدين
لـقـيـت أنـّي نـسـجـت بـإيــدي أكـفاني
يا "ماريا " عرفت ان الحنين طـحـين
خـبـزته لجـل أشـبـع زاد حــرماني
تـنـاسـل هـالـوجـع مـن غيبة المجفين
وما بـاقـي ســوى ذكـــراهـم أوطــاني

حمد البدواوي

ـــــــــــــــــــــــ

صدى الذكرى

أرق يسكن صدى الذكرى رسمه بـدفتري الطبشور
هناك في ردهـة آمالي شبابيك وفتات اسرار
ملامح فـي أريج العمـر تنبش صمتها المغمـور
تفتش عـن بقايـا عشق نـايم في أنين الـدار
يمد الـوجــد أنفاسه ويسلب من شـذاها النـور
جنـونـه كسّر الـواقع وهدّ ف داخلي أسوار
مـواني معتمة وْجسر الأمـل في خـافقي مكسور
عيوني تحتـري البسمه وأوارقي جفاف أمطار
سأمت الإنتظـار المختبي في غرفـتي مقهــور
وفي الشارع وامـانـي الفجر وليل أسوده منهار
قريت الأبجـديـــه في ثنايا حلمي المبـتـور
عزفني بحر أيـامـي ويطويني العباب أسفـار
رؤى إحساسي المغـدق فــراشه معلقّه بزهور
تحـاول تعبث بـذاتـي تبعثر رعشة الأزرار
أحـاول أغـزل البسمه وأبـني للوداد جسـور
رفعت شـراع إصراري وزادي نجـمة السمّار
أخبي فـ شنطتي هـم السنين المجـدبـه بالبور
أدوّر أختلق كلمه تــذوّقني رحيـق أزهـار
مللت البحث واجهدني الفضاء في عنفوانه يـدور
ويخنقني يـباس الفكـرْ ظني أمتلك أفكـار
شربني شعوري المُجهد تحديـت المـداد يـثور
أبـي إحساس متفجـر يرافق رحلة الإبحار
قرأني قبل لا أكتب شعـورٍ بالحزن مأسور
صعب يــا ذاكرة انثى جبال المغفـره تنهار
سهر واحـداقـه الثكلى تـداري دمعها المغـدور
في ثوب الليل تتركني أواسي وحـدتي وأحتار
أحـاول طبطبت همي وأوجــد للجـراح قبـور
جبرني الوقت خانتني السوالف أحتمل تذكـار
ولا زال الصدى ذكــرى يحاول يفهمه الطبشور
ولا زال البحث جـاري على تـرنيمة الأشعار

فاطمة الفرعية


أعلى




سيرة حجر
أريد اسمي

عندما صحا سليمان ود المرجل من رقدته صباحا، كان كل شيء يبدو طبيعيا من حوله، البيت الذي بناه منذ زمن بعيد وزاد في اتساعه مع مرور الوقت، مزرعته الجميلة والهادئة، حضيرة الأبقار التي يدور في وسطها ثور ضخم وعجوز، قضى جل وقته وهو يحرث عليه الأرض، يتنقل معه من مزرعة إلى أخرى، كل شيء كما كان البارحة، لم يتغير أبدا، لكن شيء ما بدا مختلفا ، بحث في ذاته ومن حوله ، ترى ما هو الشيء الذي أشعر به اليوم ولم اشعر به طوال السنوات التي مضت؟ هنالك قلق يطرق ضلوعه ، قلق لم يعهده ، لقد فقد شيئا لكن لا يعرف ما الذي فقده.
قام من مكانه ، استقبلته زوجته على الباب ، القت عليه تحية الصباح ، وبادلها التحية ، جلس في مكانه متكأ على الشجرة الكبيرة التي تتوسط حوش المنزل ، قربت له التمر والقهوة ، تبادلا بعض الحديث ، لم تلحظ عليه تغير ما ، كان يبدو بصحة جيدة وعلى أهبة أن يغادر البيت كعادته متجها صوب الحقول.
في ذلك النهار، لم يذهب سليمان ود المرجل إلى عمله ، لم يأخذ الثور معه ، ولم يعتذر للمواعيد التي اقتطعها مع الناس لحراثة أراضيهم ، اتجه ناحية الجبال ، دخل واديا من الوديان ، توغل بين جباله حتى مشى كثيرا ، إلى أن أدركته شمس الظهيرة ، فجلس يستريح تحت شجرة ، يدور في رأسه سؤال وحيد منذ انطلق من الصباح ، لم يشأ أن يسأل زوجته عنه حتى لا تسخر منه ، وبكل تأكيد لم يسأل الذين صادفهم في طريقه.
استلقى تحت الشجرة ، راح يتذكر حديث زوجته صباحا ، أراد أن يبحث بين طيات حديثها شيئا يخصه ولكن بلا فائدة ، حدق بنظره إلى أغصان الشجرة ، كانت القمة تبدو قريبة جدا خلف الأوراق الكثيفة ، اصغى إلى طائر الحربوق يغرد بالقرب منه ويتردد صدى صوته بين الجبال ، قال في نفسه هذا حربوق ، أغمض عينيه ، السؤال يأكل جمجمته ، سمع رفرفة على الشجرة ، عرف أنها حمامة جبلية ، فتح عينيه ناحية الصوت ، رآها واقفة على أحد الأغصان ، بدت متوجسة ، كانت تدور حول نفسها ، رأته ، شعرت بالخطر ثم رفرفت محلقة ، راقبها حتى رآها تحط على القمة ، رأى خيالها من خلف الأوراق ، بدأ يكرر في داخله ، حمامة ، قمة ، حربوق ، صدى ، جبال.....
من أنا؟ من أنا؟ .... كان يحاول منذ الصباح أن يتذكر اسمه ، سأل نفسه كثيرا ، يتذكر كل شيء اسم زوجته واسم امه وأسماء الجيران والمزارع والجبال والوديان ، يتذكر اسم ثوره العجوز أبو محجان ، لكن لم يستطع أن يتذكر اسمه ، قام من مكانه تحت الشجرة ، وقف في الشمس وتطلع إلى الجبال من حوله ، وضع كفه على جبهته متحسسا حرارته ، لم يكن يشعر بحمى ، قفل راجعا إلى بيته ، وعندما اقترب من مدخل القرية ، ناداه أحدهم مساء الخير سليمان ، لكن الصوت الذي وصل إلى سمعه عبارة عن مساء الخير فقط ، لقد كُتم اسمه ، لم يسمعه ، أقترب من الرجل ، بادله التحية ، تحدث معه عن بعض الأمور ، ثم اتجه إلى بيته.
دخل غرفته بعد أن نادى زوجته ، سألها : من أنا ؟ نظرت إليه حائرة ، سألها مرة أخرى من أنا ؟ سألته : ماذا بك اليوم يا..... لماذا تسألني من أنت ؟ قال لها كرري أسمي فقط من أنا ؟ قالت بشيء من العصبية وقد اعتقدت أنه يسخر منها ، أنت....... ، أيوا من أنا ؟ قولي اسمي ، قلته ، ألم تسمعه ، لا ، أنت...... ، ....... ، ...... ، قلته ثلاث مرات ، شيء عجيب ، سأخبرك بمشكلتي اليوم ، أنا لا أتذكر اسمي ولا اسمعه عندما يكرره أحد على مسمعي ، هل أنت محموم ؟ لا ، إذن مابك ، لا أعرف ، قلت لك لا أتذكر اسمي ، كل الأسماء أعرفها وأتذكرها إلا اسمي لا أعرفه.
خرجت زوجته بين مصدقة لقوله ومكذبة ، قد يكون صادقا لكن هل يعقل ؟ ربما أصابه شيء البارحة ، لكنها أيضا بدت متيقنة أنه حتى وقت نومته كان معافى ولا يشكو من شيء ، اتجهت صوب الشيخ حمود ، أخبرته بما حدث ، ضحك الشيخ وقال لها ممازحا: ربما يريد أن يتزوج بأخرى ، امتقع وجهها ، قالت له: هو في انتظارك فلا تتأخر عليه أرجوك.
تبعها الشيخ إلى البيت ، طرق الباب ودخل ، كان سليمان ود المرجل جالسا تحت الشجرة ، سلم عليه الشيخ حمود لكن سليمان لم يسمعه ، اقترب منه وحركه ، سأله مابك ، لم يسمعه ، أحس سليمان بجسد الشيخ وبهزته ، قال وكأنه يكلم نفسه ، أنا لا أسمع و لا أرى ، لقد أصبت بالصمم وبالعمى.
زهران القاسمي


أعلى




وجوه وظلال (32)
رسامون

الربيع الرسام، لجورج ماورر- ت. عادل قرشولي:

خرج الربيع الرسـام
بلوحة ألوانه إلى الشوارع
ولوّن الأحجارَ الملساء
بالأحمر والأخضر.
تـرك السكة للترام
وجلس في منتصف الغابة
وطـَلى حتـى ممشى الدار
بالأخضر ثم بالأزرق.
بعد هذا كله، ذهب إلى الماء الملـطخ بالزهر
ورسـم نفسه، تماماً كما يرى نفسه:
ضائـعاً وبريئاً ومـغروراً...
وأحسّ كيف بدأتْ شفافـيته تـزهـر.

******

مات جون ميرو قصيدة للشاعر العراقي الأب يوسف سعيد- من"انفرادات الشعر العراقي" لعبدالقادر الجنابي:

في هذا الصباح، مات جون ميرو، كموت العضـلة في فخذ الجبابرة،
وحده مات ميرو كما تموت الغابات في سيبيريا،
وكما تموت الحياة في أصابع نملة خضراء

وفي اللوحة الأخيرة التي تركها: حنط فيها حنينه
وفي دفتـره القديم الملقى عند وسادتـه

كانت ريشتـه السوداء قد رسـمتْ وجهاً للقحط والجدب والأشواق الظامئـة
إلى غديره الثرّ.
أبداً، كان ميرو يـبثّ أحلامه فوق أقمشة بسيطة،
مثل سذاجة قلبـه...

******

الرسام- لعبدالرحمن طهمازي، مهداة إلى الرسام العراقي فايق حسن- من مجموعة "ذكرى الحاضر":

الرّعاة الذينَ مددتَ إليهم يديك، وقاطعتهم فجأة
دونَ أن يـدركوا أنكَ الآنَ تحرث الأرض للمرة القادمة
يطلبون سماحك كي يدخلوا حضرة الزّيت
إنهم يضعون العصا في يد السعادة
ويـدارون أغنامك الشاكرة
ويـفكّون ألغاز واحتك الأجنبية
إنهم يصلـحون للزيت، للأزرق المتمدد كي يطعم الخرافا.
الرّعاة الذين قد ألـفوا الأوديـة يألفون فرشاتـك التي تـرشـد القطيعا.

الزّبائـن في قاعة العرض كانوا يـغـضون أبصارهـم عن مصائرهـم، مثلـما أودعوها
إنها زلـة البـرجـوازي إذ يغذ المسير إلى أصله، ويـفرّ على عـقبه: إذ يـراه
ثمّ ينهض مستـنـداً بين أسمالـه، بين عار انتصاراته، بين ما نخجل منه.
إنه جاء كي يشتـري اللوحة المنزلية
بينما يتلقى لطمة من يد اللوحة العاشـرة
إنني أتحمس للشعر واللون وهـو يسيل على العاطفه
يفتدي الليل بالأفول يمنع الآفة السائده: أن تجور عليه
ويـمدّ يديه إلى الأخت والوالدهْ
حيث تجثو على ركبة اللوحة العاشـره.

كنتَ في دعـة، كـنتَ في الجمرة الطائره
كنت في دفة اللوحة العاشره
تـنقـذ اللون من أن يـمـسّ القتيلا
كنتَ تمسـك بالخائف المستجير بأقرانه وتمدّ عـروقـك في خوفـه: مثلـما يهبط الزيت في الخوف يستكشف المجزره
مثلـما يفتـح اللونُ أبوابه للطّريده
مثلما يعجـب الزّيت بالمنظر الجانـبي الذي تاهَ فيه
مثلما يدرس العـراقيّ أهوالهُ/
مثلما ينكر الصبيّ صباهْ
أو يدبِر أعذارَهُ للطفوله
أو يتصالح كـلّ فقير مع قمصانه
أو مثلما في العراق: كـلّ شيء يطاق.

تضع الآن كـفك في جبينك الأمينِ
وتجيل النظر
في "مِريسا"
أنت إذ تتمرغ في لَحمك الدّفين
وترى الطفل مرتـهـناً في الملاحة والصبر أو في الدّلال:
تتعلـم ألوانُكَ اليائسه
محنة َ الأعزبِ- اليتيم..

******
إلى مـصوّر، لأحمد رامي:

.. إذا صوّرتْ كـَفكَ النهرَ يجري سمعْتُ خريرَ مِياهِ النهَـــرْ
وإنْ صـوّرتْ كـفـكَ الطيرَ يشدو خـيّلَ أنّـيَ أسمَـعُـهُ يستجــِرْ
وإنْ صـوّرتْ كـفـكَ الغـصنَ يهفو ينوءُ بِــحِمل ٍ نضيجِ الثـمَـرْ:
سمعتُ حفيفَ الغـُصونِ وتـقـــتُ إلى قطفِ أثمارِها والزّهَــرْ
رسمتَ لـيَ البحرَ طاغي العُـــبابِ تحطـمَ أمواجُهُ في الصـخَرْ
وصوَّرْتَ في البحرِ في هدأةٍ تجلـتْ صحيفـتُهُ كالغـــــــدُرْ
كذلكَ حالاتُ نفسي تـــــرَدّدُ بين الصـفاءِ وبينَ الكـــــدَرْ
وأهديتَ لي صـورة ًمَثــلــتْ سكونَ الدُّجى وطـلوعَ القـمـرْ
كأنـك تعلـمُ أني أقـضّـــــي لـيالـِيَ يكحَـلُ جفني السـهـــرْ
أسامرُ بدرَ الدُجـى مـفـــرداً إذا عزَّني في الليالي السـمــرْ

******

عن الرسامة المكسيكية التي انتصرت على آلامـها بالرسم، لإدواردو غاليانو:

..كانت فـريدا كاهْلو تمتـلـك ضـحكة وحشية، ورسمـت لوحات زيتية رائعة منذ ذلك اليوم الذي حكـم عليها بالألم الذي لا ينتهي. عرفت ألماً آخر منذ طفولـتها حين ألبسها والـداها جناحـين مـن القشّ، لكنّ الألم المتواصـل، والذي يشل، جاء فقط منذ الحادث الذي تعرضت له، حين اخترقـت شـظية من سيارة متـفجرة جسدها كالرّمح، وأصابتْ عظامها.
إنـها الآن ألمٌ يعيش كشخص. أجرَوا لها عدّة عـملـيـات عـبـثاً. وبدأتْ ترسـم في فراشها في المشفى: صـوراً شخصية كانت تمجيداً يائساً للحياة المتـبقـيـة لها.

******

الرغبة في أن يكون المرء رساماً، الرغبة في الرسم، في رسمِ امرأة تحديداً، بودلير، من "سأم باريس" قصائد نثر-ت.بشير السباعي:

قد يكون الإنسان تعيساً، لكن ما أسعد الفنـان الذي تـمزقـه الرّغبة!
أحتـرق بالرّغبة في رسم تلك التي ظهرتْ لي نادراً جداً وهربتْ سريعاً جداً: كشيء جميل يـؤسـف لـفقده خلف المـسافـر الذي يعدو في الليل. ما أطول اختفاءها بالفعل!
إنّها جميلة، وأكثر مـن جميلة؛ إنـها مـدهـشة. فيها تفيض الحلكة. عيناها كهفان يلمع اللغز فيهـما لـمعاناً غامضاً، ونظرتها تـضيء كالبرق: إنـه انفجار في العـتـمات.
فلأقارنْها بشمس سوداء، إن كان بالإمكان تصور نجم أسود ينشر النور والغبطة. لكنها تذكِّر بشكل تـلقائيّ أكثر بالقمر، الذي لا ريب في أنه قد تـرك عليها أثره المخيف. ليس قمر الغزلـيـات الأبيض، الذي يشبه عـروساً باردة، بل القمر الخبيث والمسكر، المعـلق في قلب ليلة عاصفة، والذي تؤرجحه السحـب الرّاكضة. ليس القمر الوديع الوقور الذي يزور نعاس الرجال الأطهار، بل القمر المنتـزع مـن السماء، المغلوب والساخط الذي ترغمه ساحرات تيساليا بقسوة على الرقص على العشب المفزوع!
في جبينـها الصغير تسكن الإرادة الثابتة وعـشق الفريسة. إلا أنـه، أسفل هذا الوجه المزعـج، حيث يتبخر مـنخاران متحركان من المجهول والمستحيل: تنفجر بجمال لا يـمكن التعبير عنه. ضحكة فـم كبير، أحمر وأبيض ولذيذ: تجعل المرء يحلم بمعجزة زهرة رائعة ناتئة في ساحة بركانية.

مختارات: صالح العامري

أعلى


 

أمل

يقول أحمد شوقي: الأماني هي حلم في يقظة والمنايا يقظة في حلم ، ومعلوم أن سر حياة البشر وسعادتهم تكمن في جانبها الأكبر على الأماني والكثير من الشعوب بنت مجدها بالآمال والأمنيات ، وأعدت كل عتاد لتحقيقها حتى صار لها الشأن والأمر الذي تريد. وفي وطننا عُمان تُشرّع الأبواب للأماني ولكل واحد الحق في سرد أمنيته وطرح آماله ، فلعلها تكون الجالبة لأمر جلل فترفع معها من شأن هذا الوطن درجة ، أو تنير مسالكه بهالات الخير إلى كل سبيل ، ولو أننا توقفنا عن طرح آمالنا والتحدث بها لوقعنا في هوة الرجعية التي لن ينتشلنا منها سوى عظماء الألباب والصدور في وطننا ، ولطالنا من البعد عن ركب الحضارة العالمية الشيء الكثير. إذن هي آمال نطرحها وأحلام نتعايش معها يوماً إثر يوم ونتمنى أن تكون سبباً في المزيد من الرقي والتطور لما يشهده وطننا من نقلات نوعية كبيرة في شتى الميادين والمجالات . وما أتمناه من أمل في هذا الوطن أن تُعطى الفنون جميعها في ميزان التطور والاهتمام والرعاية مساحة أكبر مما هي عليه الآن . وذلك لأننا دائماً ما نجدها تحتل في مراتب الأمم الأخرى مكاناً رفيعاً لأن له أثره البعيد والقوي في نشأتها وتكوينها ، وكيف لنهضة أن تقوم من غير أن يمهد لها الروح والفكر والشعور ، وأي سلطان له تأثيره على الروح والفكر والشعور من سلطان الفنون . والنهضة الثابتة الأركان الفعالة الأثر تجدها تمهد الطريق للشعور والفكر وتذوق الجمال بمختلف الطرق والأساليب ، فأي أمة تبغي نوال الارتقاء لمجدها ولشعبها يجب أن تحس أولاً وأن تفكر وأن تهذب وأن تفهم الجمال الحق لتكون نهضتها قوية ، إلا أن لتشتت الجهود وذبذبة التنظيم ، وتضارب لعب الأدوار ، لا يمكن بأي حال أن يؤديا إلى النهوض المنشود في هذا الحقل ، ولكن النظام الذي هو وليد الفكر والجمال والاتساق هو وحده كفيل بنهضة فنية قوية تقوم على أساس متين يعنى بتنظيم الطاقات والجهود بشكل متسق ومنسجم.
ولأن الفنون في أصلها تشد الروابط الاجتماعية وتدعو إلى التفاهم القومي والإنساني فهي في ظني مدعاة لاهتمام الدولة بها والوقوف على شأنها بشكل أكبر وتوسيع دائرة رعايتها ، حيث أن هذا الشعب بحاجة للتعامل مع الفن للانطلاق به إلى نهضته الحاضرة والمستقبلية ولا أقصد بذلك أن يمارس كل الناس الفن ، بل أن تكون لهم ثقافة فنية تجعلهم يتذوقون هذه اللغة وأن يتعودوا أن يروا بعيونهم وقلوبهم ليحسوا بالحياة التي تحيط بهم ، تلك الحياة التي هم جزء منها . وعلى ذلك أتمنى أن تقوم حكومة السلطنة بإنشاء وزارة متخصصة في مجال الفنون تجمع تحت مظلتها كل الأطياف الفنية المنتشرة والموزعة بين الدوائر الحكومية المختلفة ، وبإنشاء هذه الوزارة سيكون للفنون العمانية بشتى مجالاتها المختلفة الحضور الأقوى والتعريف الأسمى والانتشار الأوسع محلياً ودولياً . وتقديراً لأهمية الفنون عند الأمم الراقية فقد جعلت الحكومات لها وزارات خاصة وأنشأت لها متاحف كبيرة عرضت فيها أروع الأعمال الفنية من آثار نوابغها لتمثل أمجد الحوادث في تاريخها حتى صارت محجاً يقصده أفراد الشعب ومورداً فياضاً يغترفون منه ويتثقفون به ويسيرون على هديه في طريق الحضارة ، ومن شاكلة هذه المتاحف التي لعبت دوراً في بلورة الفكر والثقافة الفنية بين الشعوب والأمم ، المتحف الوطني بلندن حيث يفيض هذا المتحف بالروائع والمجد لذلك الشعب ، وكذلك قصور فرساي واللوفر التي تعج بالعظيم من تاريخ الأمة الفرنسية ، ومتاحف برلين وإيطاليا وغيرها التي لعبت الدور الكبير في التأثير الإيجابي على فكر أبنائها وأسبغهم بجليل الفن وروعته وشموخه وهيبته . فلماذا لا يكون لنا وزارة للفنون تلعب هذا الدور وتنظمه وتنظر له بشكل أوسع مما هو عليه الحال الآن ، خصوصاً وأن لعُمان أثراً فنياً ضارباً بجذوره في أعماق التاريخ ، وحاضراً فنياً لا يُستهان به . هذا مجرد أمل ونشوة فكرية نبتت في أعماق النفس أتمنى أن ترى ضياء النور ونسعد بتحقيقها في يوم من الأيام ، وليس ذلك بغريب على هذا الوطن وسلطانه الحكيم.
عبدالكريم الميمني


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept