|
فتاوى وأحكام
*هل الكفارة المغلظة هي الإطعام؟
** الكفارة المغلظة قد تكون عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، وقد
تكون أيضا إطعام ستين مسكينا، وقد يكون الانتقال فيها من العتق إلى
الصيام ثم إلى الإطعام تخييرا وقد يكون تدريجيا، وتكون الكفارة المغلظة
بسبب قتل الخطأ وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وتجب
بالظهار قبل المس بنص القرآَن، وهي عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين
متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، وتجب لفطر المتعمد من
غير عذر في نهار رمضان، وهي أيضا بالترتيب المذكورآَنفا. والله أعلم.
*ما قولكم فيمن زاد على كمية الإطعام، فأعطى كل فقير صاعا كاملا، فهل
عليه حرج؟
**لكل مسكين نصف صاع، ويقدر بكيلو جرام وعشرين جراما، ومن ضاعف ضاعف
الله له. والله أعلم.
*ما قولكم في دفع القيمة بدل الطعام، لا سيما
لمن يملك الطعام ويحتاج إلى القيمة؟
**الأصل إخراج الطعام فإنه الذي دلت عليه السنة، ولا يصار إلى النقود
إلا مع تعذر قبول الطعام من قبل الفقراء، وفي هذه الحالة تخرج قيمة
الطعام المفروض ، ولا تحدد القيمة بمقدار من النقد، لأنها تعلو وتنخفض
بحسب غلاء الأسعار ورخصها، وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. والله
أعلم.
*قضيت حقبة ليست باليسيرة في الدول الأوروبية.
كانت نتيجتها ترك الصوم في شهر رمضان لمدة ثلاثة عشر عاما، فهل لي
العدول عن القضاء إلى الإطعام أو الكسوة؟
**ما دمت قادرا على الصوم فلا عذر لك في تركه والعدول عنه إلى الاطعام،
لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، وإنما
الفدية على من عجز عن الصوم، وعليه فاقض ولو في عام شهرا واحدا، والله
يعينك على الخير. والله أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
تنبيهات رمضانية
اليوم هو العشرون
من شهر الصيام والقيام..شهر الخيرات العظام..ما يعني أننا على مشارف
الختام لهذه الأيام المباركة والليالي العظيمة التي لا تساويها ليال
أخرى طوال الأعوام كلها.
العشرون من شهر رمضان يعني التشمير عن ساعد الجد والاستعداد الجاد
لاستقبال الأيام العشر الأواخر المتبقية من شهرنا الفضيل..فما مضى
قد مضى وكل أدرى بما نوى وقال وعمل..سواء كان ذلك الفعل بوقت النهار
أم بوقت الليل(قل كل يعمل على شاكلته..)،(ولا تزر وازرة وزر أخرى..)..إلى
غيرها من تلك الآيات الكريمة التي تتحدث عن ذلك الجانب.
عزيزي الصائم:ماذا تنتظر؟!..قف مع نفسك لحظات..وتفكر ماذا قدمت في
تلك الأيام الماضية؟هل تواصلت مع قراءة كتاب الله منذ بداية الشهر؟
وهل تكثر من الاستغفار والدعاء طوال النهار والليل وتحافظ على الصلوات
الخمس في جماعة حتى يضاعف الله لك في ثوابها أضعافا مضاعفة؟ وهل...
وهل... إلى غيرها من تلك الأسئلة حتى تدرك انك قد قصرت في حق نفسك
وحق الله معك.
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)..آمين.
علي بن صالح السليمي
أعلى
(وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)
(مسؤوليات المربين في الإسلام)
على الوالدين أن يربوا أولادهم على محبة الله
ومحبة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لقول الرسول ـ صلى الله عليه
وسلم ـ: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده
وولده)، وفي رواية: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده
والناس أجمعين).
وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:
أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا
لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار).
فمما هو معلوم أن المحب يذوب في هوى محبوبه، ويسارع فيما يرضيه، والله
ـ تعالى ـ ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحق بأن يحبا أكثر من غيرهما؛
فالإنسان عادة يحب غيره لأحد أمرين: إما لتفوق ذلك الغير عليه، وإما
لتفضله وإحسانه.
والله ـ سبحانه وتعالى ـ له صفات الجلال والكمال والجمال المطلق فلا
يدانيه في صفاته أي مخلوق مهما بلغ شأوه، ومع ذلك كله فهو المتفضل
بجميع النعم والإحسان (وما بكم من نعمة فمن الله)، (وإن تعدوا نعمة
الله لا تحصوها).
وبهذا كله فهو أحق أن يحب أكثر من غيره.
فيحرص الوالدان على تعليم ولدهما صفات الله العلى وأسمائه الحسنى،
ويحرصا كذلك على تعريفه وتذكيره بنعم الله عليه في كل فرصة وسانحة،
وبذلك يحب ربه عن معرفة واقتناع.
وكما يطالب الوالدان بربط ولدهما بكتاب الله المسطور وهو القرآن الكريم
تلاوة وتأملا وفهما وتطبيقا فإن عليهما أن يقوما بحثه للتفكر دائما
في كتاب الله المنظور وهو الكون، ذلكم المتحف الإلهي الذي جعله الله
دالا عليه وعلى صفاته وإحسانه، فيتعرف على الله وعلى صفاته من خلال
خلقه، ويشعر عندها بنعم الله الكثيرة التي تغمره والتي لا يمكنه عدها،
ولا القيام بحق أدنى نعمة منها.
ثم تأتي بعد ذلك محبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ لأنه المتصف
بجميع صفات الكمال البشري، وهو صاحب أكبر إحسان علينا بعد الله، فعن
طريقه جاء الدين، والله ـ سبحانه ـ عند ما وصفه وصفه بقوله: (وما أرسلناك
إلا رحمة للعالمين)، فلم يصفه بأنه رحمة لقريش وحدهم، أو أنه رحمة
للعرب أو للإنس أو للإنس والجن، بل وصفه أنه رحمة للعالمين، والعالمون
جمع عالم، وهو شامل لكل ما كان فيه علامة أي دلالة على وجود الله ـ
سبحانه ـ، وهو بهذا شامل لجميع الخلق.
فيحرص الوالدان على تعليم ولدهما صفات رسوله العظيمة، ويبينا فضله
وإحسانه على أمته، بل وعلى جميع العالمين، فيربطاه بسنته وبسيرته ـ
صلى الله عليه وسلم ـ.
ومحبة الله ومحبة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس مجرد عاطفة سرعان
ما تثور حتى تغور، وسرعان ما تتقد حتى تنطفئ، كلا، بل الأمر يتعدى
ذلك إلى القول والسلوك، فيكون ترجمة لذلك الحب.
وقد بين الله في كتابه أن المرء لن ينال محبة الله ولن يكون مصدقا
لمحبته لله إلا إذا ما أطاع الله: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني
يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم).
فلا بد أن يُفهِم الوالدان ولدهما أنه حتى تكون محبته لله ولرسوله
صادقة وكاملة غير منقوصة فلا بد أن يكون ذلك مترجما ترجمة واقعية،
بالمشاعر والعواطف والقول والعمل وسائر الأمور، وذلك كله يدفعه ليتحرى
مرضاة الله في حركاته وسكناته وفي جميع أحواله؛ فيكون تصرفه دائما
على بينة من ربه وبصيرة من دينه؛ فلا يقدم على أمر إلا إذا علم أنه
مرض لله أو أن الشارع قد أباحه، ولا يحجم عن أمر إلا إذا علم أن الشارع
يمنعه منه.
ويبين له أنه لا يمكنه فعل ذلك إلا من خلال طلبه للعلم، ومعرفته ما
يصح له وما لا يصح.
حمد الحوسني
أعلى
تربية الأولاد على هدي النبوة"2"
فمن الناس من يهبهم الله تعالى إناثاً أي: بنات،
ومنهم من يهبهم ذكوراً أي: بنين، ومنهم من يهبهم ذكوراً وإناثاً، ومنهم
من يجعله عقيماً؛ كل ذلك لحكمة اقتضتها مشيئته تبارك وتعالى، وفي ذلك
خير لهم، علموا ذلك الخير، أو لم يعلموه، فالله تعالى عليم بسر عطاء
هذه الهبة، وكيفية توزيعها، وبسر منعها، وهو سبحانه وتعالى على كل
شىء قدير، فهو قادر على أن يهبها للجميع، وقادر على أن يمنع الجميع
منها، فما على المسلم إلا أن يرضى بما قسمه الله تعالى له، ويفوض أمره
إليه، ويسلم بحكمه ففيه الخير والسعادة له في الدنيا والآخرة، فمن
سلم لله تعالى فيما يريد، كفاه الله تعالى ما يريد.
والأولاد فتنة، أي: ابتلاء، يقول الله تعالى: { واعلموا أنما أموالكم
وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم } سورة الأنفال الآية"28"،
ويقول تعالى: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم }
سورة التغابن الآية"15"، وبين سبحانه تعالى إن من الأزواج
والأولاد عدواً، فأمر بالحذر منهم، فقال سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا
إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا
فإن الله غفور رحيم } سورة التغابن الآية"14"، كما بين سبحانه
أن الأولاد يلهون عن الآخرة، وعن الاستعداد لذلك اليوم، وعن ذكر الله
تعالى، فقال عزَّ شأنه: { ألهاكم التكاثر* حتى زرتم المقابر } سورة
التكاثر الآيتان"1ـ2" وفي آية يقول تعالى: { يا أيها الذين
آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك
هم الخاسرون } سورة المنافقون الآية"9"، ويروى أن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه بُشر بمولود، فقال: " ريحانة أشمها، ثم هي
عن قريب ولد بار، أو عدو ضار"، وقال بعض الحكماء: " ولدك
ريحانة سبعاً، وخادمك سبعاً، ووزيرك سبعاً، ثم هو صديق أو عدو".
الأولاد أمانة في أعناق الوالدين، وهما مسؤولان عنهم، قال الله تعالى:
{ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة
عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون
} سورة التحريم الآية"6".
فللأولاد على الآباء والأمهات حقوق كثيرة منها: حقهم في التربية السليمة
الصالحة المتكاملة، وهذه التربية واجب مشترك بين الزوجين، لا يعذر
أحد منهما من أداء هذا الواجب، والقيام به، فهما يكملان بعضهما بعضاً،
فتربية الأولاد مسؤولية مشتركة بين الوالدين بنسب متفاوتة، فأحياناً
تكون مسؤولية الأم أكبر، وذلك مع البنات، وفي مرحلة معينة، أو في ظروف
خاصة طارئة، وأحياناً تكون مسؤولية الأب أكبر، وذلك مع البنين، وفي
مرحلة معينة، أو في ظروف خاصة طارئة، والتربية تنقسم إلى قسمين هما:
التربية البدنية الجسدية، والتربية الروحية المعنوية، وحديثنا هنا
عن التربية الروحية المعنوية. لا ريب أن تأثير الوالدين في تنشئة الأبناء
كبيرٌ، فهم الذين يوجهونهم الوجهة الصالحة، ويرعون فيهم الفطرة السليمة،
وهم الذين في المقابل يحولون بينهم وبين الهدى، ويسلكون بهم سُبل الضلال
والرَّدى، في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله
عليه وسلم: " ما مِن مولودٍ إلا يُولَد على الفطرة، فأبواه يهودانه
وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تُحِسون فيها
من جدعاء؟"، ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: { فِطْرَةَ
اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ} سورة الروم الآية"30".
يقول الشاعر: ويَنشأُ ناشئُ الفتيانِ منا
على ما كان عودَه أبوه
الدكتور/ يوسف بن إبراهيم السرحني
أعلى
رائع ثوب الحياة
إذا انتقلنا إلى الفكرة الثانية في قول أبي العلاء
المعري :
تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد .
أدركنا أن القرآن والأدباء والشعراء مع أبي العلاء على شقاء الحياة
،وهم لا يجادلون في ذلك ولا ينكرون هذه الحقيقة ،ولكنهم ليسوا معه
على عجبه ممن يطلب المزيد ولا يندهشون معه من هذا الأمر ،فإن كان طلب
المزيد لا يروقه ،فهو يروق الكثيرين سواه ،وإن لم يكن جميعهم يرغبون
في المزيد ،فمن الأرجح إن لم يكن من المؤكد أن الأغلبية تشتاق إلى
المزيد وفوق ذلك تشتهي البقاء ،وتكره الموت وما يمت إليه بنسب أوصلة
وتتمني الخلود وهيهات .
فإذا كان السأم من الحياة والنفور منها وتجافيها ،يرجع إلى المرض والعمي
،فإن معظم الناس ـ والحمد لله ـ معافون في بدنهم آمنون في صحتهم رائحون
غادون في عنفوان قوتهم وفتوتهم .وإذا كان هذا الملل والكراهة ترجع
إلى رؤيته التشاؤمية لهذا الوجود وحيرته المستمرة أمام ألغازه العويصة
وأستاره المسدلة والأسئلة الحائرة في أفق عقله لا تجد ردا شافيا ولا
إجابة حاسمة ؛فإن معظم الناس لا تعنيهم هذه القضايا من قريب أو بعيد
،ولا يؤمنون بهذه الفلسفة التشاؤمية العدمية ،ولا حتى يبطنون فلسفة
تفاؤلية ،إنهم في الواقع يعيشون بلا فلسفة ولا بوصلة توجه مسيرة حياتهم
،إنهم يحيون هذه الحياة هكذا ،وينطبق عليهم قول المتنبي :
ذو العقل يشقي في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم .
الحقيقة لو كان المعري منصفا مع نفسه ومعنا ،لأشار
إلى ازدواجية الحياة التي تجمع بين الصفو والكدر والسعادة والشقاء،والفضيلة
والرذيلة ،والكمال والنقصان والخير والشر،إلا أنه قصر نظرته على جانب
واحد من جوانبها ،أي الجانب المحزن المظلم ،كما ذهب إلى ذلك توماس
هوبز وشوبنهاور ،وجميعهم أغفلوا جانب الفرح والسرور والبهجة والسعادة
التي تقابلنا بلا شك في مشوار حياتنا.
لذلك نعتقد أن الشاعر علي بن الحسين البستي (ت400هـ) كان أشد صدقا
وأقرب إلى الواقع حينما صور حقيقة الحياة كما نحياها في قوله :
زيادة المرء في دنياه نقصان
وربحه غير محض الخير خسران .
زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها
فصفوه كدر والوصل هجران .
وكذلك موقف أبي البقاء الرندي في قوله :
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر
بطيب العيش إنسان .
هي الأمر كما شهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان.
وعلى كل حال الذي نشاهده في حياتنا ونلمسه في معاملاتنا أن الناس يسعون
لطلب المزيد ويحاولون بجميع السبل الظفر بلذة الحياة ،ويبذلون الغالي
والرخيص للتمتع بطيباتها ،ويجهدون أنفسهم في الحصول على أكبر قدر من
متعها ،ويرددون مع هذا الشاعر المتفائل المقبل علي الحياة قوله :
رائع ثوب الحياة ...عيبه ذاك القصر .
خلاصة القول ،إن القلة القليلة هي التي ربما توافق المعري في كراهيته
للحياة،وإشاحتها بوجهها عنها وتولي وجهها شطر الموت تطلبه بوسائلها
الخاصة أو تنتظر مجيئه المعلوم والمقدر ، بعد أن أصابها الهم والمرض
والهرم ،ومع هذا سوف نظل نردد ما أجمل أنشودة الحياة وما أروع طيباتها
؛لأنها هبة من الله .
الدكتور/ محمد الزيني
أستاذ الفلسفة الإسلامية
أعلى
أهداف التزكية ومقاصدها
الحلقة الثانية
3. الإحسان: وهو أن يكون العبد طالباً للأحسن
في كل شيء، فهو يجعل عبادته على أحسن حال في أداء أركانها وهيئاتها
وسننها وخشوعها وتحقيق مقاصدها، وهو في كلامه يتكلم بأحسن الكلام وأزكاه،
وفي معاملاته يتصرف بأرقى التعاملات وأحسنها، وفي أخلاقه يكون على
أرفعها وأجملها وأرقها وألطفها أعظمها وأحسنها.
ولو طلب العبد الإحسان وجعله مقصداً في حياته، لكان على أرقى حال وأكمل
درجة، فكلما أراد عبادة وتصرفاً وقولاً وفكراً وشيئاً؛ سأل نفسه: كيف
يكون على أحسن حالٍ ؟ ثم تَبِعَ أحسن حال فيه.
فذلك من أعظم سبل التزكية، كيف لا وقد أمرنا الله بالإحسان وبين لنا
أن المحسن محبوبٌ عنده: " وأحسنوا إن الله يحب المحسنين "
(البقرة: 195)
والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما عرف الإحسان بقوله: إن تعبد الله
كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك (2)؛ إنما عرف الإحسان بأعظم
وسائل الوصول إليه، وهي مراقبة الله وتذكر رؤيته لك.
4. طلب التقوى وآثارِها: لما كانت المكرمة عند الله بالتقوى فهي مطلب
الصادقين وسبيل الفلاح " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " ،
والتقوى هي حالة الحذر والخوف من الله تعالى التي تحجز العبد عن فعل
المعاصي وتدفعه إلى فعل الطاعات ليقي نفسه من غضب الله وعذابه.
والتقوى لا تخرج عن هذا المعنى حقيقة، لكنّ من العلماء من عرّف التقوى
بثمراتها وآثارها، ومنهم من عرّفها بمقدماتها، ومنهم من عرفها بما
يرافقها من الأحوال، وغير ذلك.
والتقوى درجات، قال تعالى: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات
جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا
ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين "، فذكر الله تعالى التقوى
مع رتبة الإسلام، ثم التقوى مع رتبة الإيمان، ثم التقوى مع رتبة الإحسان،
ثم ندبنا الله تعالى إلى أن نتطلع إلى تقوى المحسنين فقال: "
والله يحب المحسنين "، والله يحب المسلمين والمؤمنين لكنه ذكر
حبه للمحسنين لنتطلع إلى رتبة التقوى العليا التي هي التقوى مع الإحسان.
والتقوى عدا عن كونها مطلوبة لذاتها، ولما هي سبب في نجاة صاحبها؛
فإنها سبب في ثمرات عاجلة في الدنيا، يطلبها الصادقون ليزدادوا بتلك
الثمرات قرباً ورضواناً:
يقول الله تعالى: " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ
اللهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ " [الأنفال:
29]، والصادق الراغب في تزكية نفسه يحتاج إلى تفريق بين الحق والباطل،
حتى لا يزيغ من حيث لا يشعر، وقد جعل الله التقوى سبيلاً إلى ذلك،
وعدا منه سبحانه.
ويقول عز وجل: " وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً،
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ " [الطلاق: 2-3]، فالتقوى
سبيل السعادة والراحة والاطمئنان والنجاة، فلا يقع العبد في مأزق أو
مصيبة إلا ويجد من الله العون والخلاص، فيصفو قلبه، ويركن إلى ربه،
وذلك من أعظم أسباب وسُبُل الإقبال على الله والاشتغال بطاعته ودعوته.
ويقول جل جلاله: " وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ
يُسْراً " [الطلاق: 4]، وبتيسير الله تقضى الحوائج وتتيسر المطالب،
وتُبارك الأعمال والأوقات، وتنتفي المنغِّصات والمكدرات.
ثم إن التقوى سبيل بركة الأجر وتكثيره، كما هي سبيل مغفرة الذنوب،
يقول سبحانه: " وَمَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ
وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً " [الطلاق: 5]، فهنيئاً لأهل التقوى.
5. طلب الكمال: ولا يزال الرجل يطلب الأعلى والأكمل، حتى ينافس الرجال
في الكمال، أي الكمال في العبودية، وليس هذا كمال ألوهية، فإن كمال
الألوهية والربوبية هو لله وحده، لا يشاركه فيه أحد لا بقليل ولا بكثير،
أما كمال العباد فهو كمال عبودية، وقد بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم
ـ أن هذا الكمال موجود وممكن وأهله كثير، فَلِمَ لا تتطلع لأن تكون
واحداً من الكاملين ؟
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم
ـ : " كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة
فرعون ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على
سائر الطعام "(3)، ومن لم يستطع نوال الكمال فليبذل جهده للقرب
منه، وللسير في طريقه.
على أن هذا الكمال نسبي يتفاوت فيه أهله، فليس كمال الصديقين ككمال
الأنبياء.
يتبع ....
محمد زاهد جول
أعلى
الروح إذا تنفست
دعاة ولكن؟!(1)
ـ من لا يحتوي الناس فليس بداعية، فالدعوة احتواء
الآخرين.
ـ آمنت أن ما من شيء قام لغير الله إلا واندثر،
وما من شيء قام لله ـ تعالى ـ إلا دام واستمر.
ـ هل تعلمون أن الدعوة تشرق على قدر ما نعطيها
لله ـ تعالى ـ من أوقاتنا وأجسادنا وأعمارنا وأموالنا،(وهنا مربط الفرس)؛
فكم من داعية يأخذ من دعوته (المال) فتظل تظلم دعوته حتى يظلم قلبه
ـ والعياذ بالله ـ.
ـ لو تأملنا حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم
ـ لرأيناها خلقا رفيعا ، وكم من داعية أبعد الخلق وأخذ يهتف بالخطب
الرنانة، زلزل القلوب نفورا، فلم يبق ولم يذر، وأين المفر من الذين
يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟!
ـ يحاسب الداعية على ما لم يحاسب به غيره؛ لأنه
يمثل هذا الدين العظيم، فهلا أدرك الدعاة مسيرهم في الحياة.
ـ كم من الناس من يملك دعوته الصامتة (خلقه)،
وهؤلاء هم الدعاة حقا ؛ لأنهم يأسرونك بهذا الخلق.
ـ (حبست هرة) فقال عليها الصلاة والسلام هي في
النار، فماذا عن الذين يحبسون مشاعر حب الدين في زنازين الكراهية،
ويقولون أنهم دعاة، وما هم إلا للأهواء رعاة.
ـ ملئت القلوب نفورا من هذا الدين، وشوهت صورة
الدعاة، فليتنا ندرك كم أساءنا لهذا الدين الجليل فتتدارك مسيرنا قبل
أن تنفر النفوس وهي تحسب الإصلاح.
ـ إذا امتلأ قلبك بالبقع السوداء فأنى لك أن
تصلح الناس وصاحب الأمر أولى به؟!
أم عاصم الدهمانية
أعلى
" قبس من نور محمد"
نواصل الحديث حيث توقفنا بالأمس وهو أن النبي
- عليه السلام - ينتظر الإذن بالهجرة من ربه، وقد كان المسلمون يهاجرون
سرا، خوفا من بطش قريش، أو تمسك بهم لتفتنهم عن دينهم، وكان ممن هاجر
علنا عمر بن الخطاب، فقد طاف بالبيت، ثم مر على نوادي القوم ، وناداهم
: من أراد أن تثكل أمه ويركل زوجه وييتم ولده فليلحقني خلف هذا الوادي،
وما تبعه منهم من أحد، فيالها من جرأة في دين الله تعالى، وشجاعة نادرة
يتحلى بها الفاروق، الذي بإسلامه اشتد عود الإسلام وقوي.
وكان الصديق يريد الهجرة، وكلما ذهب ليستأذن النبي - عليه السلام -
كان يقول له: لعل الله يجعل لك صاحبا، حتى اتي اليوم الموعودن ودخل
النبي - عليه السلام - على أبي بكر في وقت لم يتعد فيه الزيارة، فقال
له النبي - عليه السلام- :أخرج من عندك، فقال له الصديق : إنما هما
ابنتاي، فداك أبي وأمي، فقال له النبي الكريم :قد أذن لي بالخروج والهجرة،
فقال : الصحبة يارسول الله، قال: نعم، تقول السيدة عائشة رواية الحادثة
: ما رأيت أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبي بكر يبكي يومئذ، إنها لمنزلة
عظيمة للصديق، كيف لا ، وقد نزل في ذلك قرآن يتلى إلى يوم القيامة
وفيه منزلة عالية للصديق :" إذا يقول لصاحبه"، فياله من
لقب أتاه من رب السماء، ويالها من رفقة مباركة أن كان صاحب آخر الأنبياء،
وهنا صارت الأحداث أن أهل مكة عندما رأوا من أمر المسلمين في الهجرة،
وأن الأغلب الأعم قد خرج إلا الضعيف أو المريض أو المحبوس عن الهجرة
، اجتمعت في ناديها كي تتدارس فيما بينها ماذا في أمر محمد، فكان لهم
ثلاث خيارات:
الأول: نفي النبي الكريم من مكة، وهذا قد استبعدوه لأنه هذا سيجعله
يلتحق بأصحابه وبالتالي سيؤلب عليهم العرب كافة، وذلك بدعوت التي يزعمون
أنها السحر.
الثاني: حبسه في مكة، وأن لا يلحق بأصحابه، وهذا أيضا تم استبعاده
لأن أصحابه سيسعون للإفراج عنه، ومن ثم اللحاق بهم.
الخيار الثالث: وهو بطبيعة الحال الخيار الأخطر، وفيه دهاء ومكر من
فرعون هذه الأمة أبو جهل، وهو أن يجتمع من كل قبيلة شاب قوي جلد، ويعطى
سيفا مشحوذا، وينتظر عند باب البيت عندما يخرج النبي - عليه السلام-
فإنهم يقومون بقتله، وبالتالي وحسب زعمهم أن دمه سيتفرق بين القبائل،
وبالتالي لن يستطيع بنو هاشم مقارعة كل قريش، وبالتالي سيكتفون بالدية
ويرضون بالأمر، وإلى هذا الرأي استقر أمرهم، وأجمعوا على تطبيقه عزمهم.
وبالفعل في تلك الليلة التي سيهاجر فيها النبي الكريم كان هؤلاء الشبان
على الباب، فأيد الله تعالى نبيه في أنه خرج من بين أظهرهم، "فأغشيناهم
فهم لا يبصرون"، وخرج متوكلا على ربه ومتخذا في ذلك الأسباب المعينة
على نجاح هجرته، فالله تعالى بقدرته العظيمة قادر على أن ينقل نبيه
في لمحة بصر من مكة إلى المدينة، وما حصل في الإسراء والمعرج - وإن
كان هناك خلاف بين أهل العلم هل كان بالروح أم بالجسد والروح- ، لكننا
نؤمن ونوقن بقدرة الله المطلقة في كل شيء، وما ذلك على الله بعزيز
، ولكن هي أسباب لا بد أن تطرق،كي يكون درسا لأمته من بعده إلى يوم
القيامة، فمن ضمن تلكم الأسباب أنه سلك دربا ملتويا، ولا يسلكه عادة
من أراد يثرب، فذهب إلى الجهة الأخرى المعاكسة لطريق يثرب، حتى يخف
عنهم الطلب، وبالتالي سيخرجون بعد ذلك وهم في مرحلة يكون فيها الطلب
أهدأ من أوائل الأيام، فعلى هذا سلك الطريق المؤدية في أول الأمر إلى
غار ثور، ومكثا هناك ثلاثة أيام، وكان الصديق قد أعد العدة لذلك، فأشترى
راحتلين، وأستأجر دليلا كي يدلهم على الطريق، لأنهم سلكوا الطريق الساحلي،
وهذا مسار لا يمكن أن يفكر فيه أحد لأنه يكون آخر الاحتمالات، وكان
هناك من يجمع لهم الأخبار، وهناك من يسمح الآثار برعي الغنم على مدخل
الكهف، وفي نفس الوقت يشربون من لبنها، وعندما يئست قريش من البحث
جن جنونها، وأعلنت بين القبائل أن من يأتيهم بمحمد له مئة ناقة، وهذه
تعد ثروة عظيمة، بل كانت وما زالت كذلك، فسال لعاب الطامعين لهذه الجائزة
السخية، فمن ضمن من تحركت همته لذلك سراقة بن مالك، فأعد العدة وهيأ
الراحلة، وأنطلق في كتمان من أمره يريد أن يظفر بهذه الجائزة وحده،
فسعى لهم، وعندما كان قريبا من الوصول منهم غاصت قدم خيله في الرمل،
وتكرر عنده هذا الأمر لأكثر من مرة، وفي كل مرة يطلب من النبي الأمن
فيؤمنه، ويغدر مرة أخرى ويلحقه ما لحقه في سابقتها، حتى قال له النبي
- عليه السلام- كيف أنت يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟!، فطلب كسرى
كتابا من النبي - عليه السلام- فكتبه له ابن اريقط على أديم، ورجع
سراقة، وصار يخذل الناس عن تلكم الجهة، ويقول لكل من لقيه قد كفيتم
- أي أن هذه الجهة كفيتكم إياها- فسبحان مقلب القلوب، وسبحان مصرفها،
ويروى أن سراقة بعدما أطمأن أن النبي قد وصل إلى المدينة صار يحدث
بما حصل له، فعاتبه أبة جهل على ماكان منه، وعلى تفريطه في الإمساك
بمحمد ، فرد عليه سراقة:
أبا حكم والله لو كنت شاهدا ** لأمر جوادي إذ تسوغ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدا ** رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
عليك بكف الناس عنه فإنني ** أرى أمره يوما ستبدو معالمـه.
فأنظرو ا إلى تغير حال سراقة ، أنظروا إلى ثقة النبي الكريم بربه،
فهو مطارد خارج من أرضه التي يحبها، وهو القائل على مشارف مكة :إنك
لأحب البقاع إلى ولولا أن أهلك أخرجوني ماخرجت، يقول لسراقة في هذه
اللحظات العصيبة، وفي هذه المواقف يعده النبي - عليه السلام- بسواري
كسرى، يعده بأخص خصوصيات أعظم ملك ملوك الأرض في ذلكم الزمان، ولكن
ذاك هو الإيمان بوعد الله الصادق، وذاك هو قمة الثقة بما عند الله
تعالى، وأي أحد أكثر يقينا بالله من محمد بن عبدالله؟! لا شك أن الجواب
لا أحد أنه رسول الله، وهو المبلغ لرسالة الله لخلقه، فحق له هذا الوصف
العظيم، ومن رب عظيم "وإنك لعلى خلق عظيم"،،،
نواصل في الغد مشوارنا مع هذه الرحلة المباركة، وسنقف عند خيمة أم
معبد، ونقرأ وصفها للحبيب المصطفى ذلكم الوصف الذي بلغ من الكمال منتهاه،
ومن الدقة أبلغه.
حفظكم الرحمن ، وأنار دربكم بنور القرآن، وسنة الهادي العدنان،،،
مصطفى بن ناصر الناعبي
أعلى
الاعتكاف .. والعشر الأواخر
الناعبي : الاعتكاف الإتيان بصنوف العبادة بعد تحقيق المكث في مكانه
وزمانه
ـ أقله يوما واحدا ، ولا أكثر له ما لم يخرج عن حد المعقول والمعهود.
ـ نيته أن يعقد العزم على أن يعتكف طاعة لله تعالى، ويحدد اليوم الذي
سيبدأ فيه
اجرى اللقاء ـ أحمد بن سعيد الجرداني:أوله رحمة
وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار وإن من أعظم أعمال العشر الأواخر
المتقرب بها إلى الله والذي يمكن الصائم فيه من الجمع لكثير من الأعمال
الصالحة هو الاعتكاف الذي ينقطع فيه الصائم عن دنياه ويتعلق بآخرته
فيكثر من الصلاة وقراءة القرآن والذكر وتدارس العلم وغير ذلك من أعمال
البر وحول هذا كان لنا هذا اللقاء مع الشيخ سليمان بن ناصر الناعبي
رئيس محكمة هيماء الإبتدائية....
? في البداية لنَعرف القارئ عن الاعتكاف ؟
ـ هو المكث واللبث ، يقال اعتكفت في المكان الفلاني مكثت فيه ولبثت
، هذا لغة ، أما اصطلاحا فهو المكث في المسجد لمدة معلومة وبصفة مخصوصة
، وهو قربة من القرب العظيمة إلى الله تبارك وتعالى .
? وما الذي يشترط له ؟
المكان وهو المسجد ، والزمان وهو المدة الكافية ، والصيام ، واعتزال
النساء . يقول تعالى : ( .... ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد
. ) فتضمنت الآية الشروط الأربعة : عدم المباشرة ، المسجد ، الصيام
، حيث إن الحديث كان في معرض الصوم ، الزمن أكثر من يوم، حيث إن النهي
عن المباشرة يقتضي المبيت بالمسجد فدل على أنه من يوم بكامله فأكثر
.
? وما ركنه ؟
ـ الإتيان بصنوف العبادة بعد تحقيق المكث في مكانه وزمانه .
? وما هو حكمه ؟
- سنة فعلية ، لما ثبت عنه عليه السلام أنه اعتكف في العشر الأواخر
من رمضان . لما جاء عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : كان سول
الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخلت العشر الأواخر شد مئزره وأيقظ
أهله وأحيا ليله .
? وما المدة الكافية للاعتكاف ؟
- أقله يوم واحد ، ولا أكثر له ما لم يخرج عن حد المعقول والمعهود.
? المسجد من شروطه فهل هو خاص بالرجال دون النساء ؟
- لا بل هو عام للجنسين معا .
? وإذا لم تستطع المرأة الذهاب إلى المسجد لعدم وجود المحرم معها ،
أو كثر المعتكفون بالمسجد ، أو ما كان هناك من مكان خاص بالنساء هل
تحرم من أجره ؟
- لا تحرم بل أجازوا لها الاعتكاف في مكان تعينه بذاته لمعتكفها في
بيتها .
? ما الصفة العملية للاعتكاف ؟
- أن يعقد العزم على أن يعتكف طاعة لله تعالى ، ويحدد اليوم الذي سيبدأ
فيه الاعتكاف فلو أراد مثلا أن يعتكف من الغد عليه أن يدخل المعتكف
أي المسجد قبل غروب شمس هذا اليوم ويخرج بعد غروب شمس اليوم الذي يختم
به اعتكافه سواء كان يوما أو أكثر من يوم ، وقيل بجواز الدخول قبل
طلوع الفجر لمن أراد أن يعتكف ليوم واحد فقط ، ويلبث في معتكفه طوال
المدة التي أراد أن يعتكف فيها مستغلا جل وقته في الصلاة مع الجماعة
فريضة ، والإكثار من صلاة النفل والطاعة، وقراءة القرآن والذكر والدعاء
ومدارسة العلم ، وله تناول طعامه ليلا ، والنوم للراحة واستعادة النشاط
والحيوية ليقوى على مداومة العبادة واستمراريتها .
? للمعتكف تناول الطعام ليلا فمن يأتي له بطعامه ؟
- أهل بيته زوجه ابنته ابنه أحد أقاربه أو خاصته .
? لو تعذر تيسر أحد هؤلاء أو كان معدما لهم .
- ذهب بنفسه ولا حرج عليه ، ولا ينس أنه معتكف فلا يدنو من أم العيال
فهو ممنوع .
? ماذا لو مرض أحد أهل بيته ولم يجد من يحمله إلى العيادة إلا هو أيأخذه
؟
- نعم فهو ملزم بذلك ويضاعف له أجره .
? هل من ضرورات أخرى تبيح له الخروج ؟
- نعم ، يخرج لمعالجة نفسه ولعيادة مريض وتشييع جنازة وخدمة أسرة وما
شابه ذلك من ضرورات .
? في نهاية اللقاء هناك من لدى يجد البعض من الأصحاب والخلان مجالا
للحديث مع صاحبه وخليله في المسجد ، ماذا لو كان أحدهما معتكفا ، وهل
الحكم سواء داخل المسجد وخارجه ؟
- لا بأس أن يبادله الحديث اليسير لمرادة الحال ومعرفة الأخبار الهامة
عن أحوال المسلمين ، وكذا لو دفعته الضرورة للذهاب إلى البيت له الحديث
مع أهله وأسرته ، لا كما يفعله البعض كما أخبرت أنه يذهب إلى بيته
مع أهله ولا يتحدث معهم بل يتبادل معهم الإشارات فقط للتفاهم فيما
جاء من أجله
(*) كاتب تركي mohdzahidgol@hotmail.com
(2) رواه البخاري ومسلم.
(3) رواه البخاري رقم 3230 ومسلم رقم 2431، وفي رواية عند النسائي
رقم 8357 قال: أربع وزاد: خديجة وفاطمة رضي الله عنهما.
(1) 27/ شوال/ 1429هـ / 2008م / مسقط
أعلى
قراءة بلاغية في قصار السور
سورة قريش 2-2
سورة مكية ،وآياتها أربع ، وقد تحدثت عن مِنَّة
الله ونِعمه على قريش ، وهم قبيلة النبي - صلي الله عليه وسلم- وهم
بنو النضر ابن كنانة ،كانت لهم رحلتان إحداهما شتاء إلى اليمن؛ لأنها
بلاد حارة ، والثانية إلى الشام؛ لكونها بلادا باردة ، وهي صورة من
صور العلاقات الدولية والتجارات الخارجية ، وبينت أن لهم نعمتين لم
تكونا لغيرهم؛ نعمة الأمن والاستقرار ( التي لم تكن لأية قبيلة من
قبلُ حيث كان العرب يُغير بعضهم على بعض ،ويسبى بعضهم بعضا ،فأمنت
قريش من ذلك لمكان الحرم)،ونعمة الغنى واليسار (بسبب ما يعود عليهم
من أموال وأمور عينية ومعنوية ومكانة ومنزلة) حيث هابهم غيرهم، بعد
أن ازدادت مكانتهم بحادث أبرهة وقضية الفيلة وهدم الكعبة ، فارتفعوا
في أنظار جميع القري والقبائل والمدن والدول بذلك.
ونتابع اليوم ما بدأناه أمس حول بقية السورة
*( فليعبدوا رب هذا البيت ):أمر للنصح والإرشاد ، وجاء بالهدف من الخلق
وهو عبادة الحق بمفهومها الواسع والصحيح، أي في عبادة الله في بيعهم
وشرائهم وتجارتهم وأخذهم وردِّهم وصلاتهم وزكاتهم وحجهم وحياتهم ومماتهم
،واستعمال واو الجماعة هنا له دلالته في أن الأصل أن يعبدوا الله جميعا،
لا يشرك أحدٌ بسبب هذه الأفضال والنعم التي لم يَحْظَ بها غيرُهم،
ولا نالها سواهم وسيعود على كل فرد منهم مردودها ، و"رب"
هنا لها ظلها الحـاني لأنها تحمل معني التربية، والحدب، والإشفاق،
والعناية ، فهو رب البيت وصاحبه والرقيب عليه ، واسم الإشارة (هذا)
يبرز جلال البيت؛ لأن (هذا) تستعمل لتشير إلى عظائم الأمور ، وما يملأ
العين والقلب على نحو:( هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه)ونحو:
(إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم )،ونحو: (هذا ربي هذا أكبر ) ، والإضافة
للتشريف، واللام للملكية الحقيقية فهو - سبحانه- صاحبه، وواضعه لهداية
الخلق إلي طريق الحق .
و(أل) في البيت عهدية ذهنية، أو تفيد الكمال، أو تفيد الغلبة، فإذا
أطلق البيت انصرف الذهن إلي بيت الله الحرام، البيت العتيق، أول بيت
وُضِعَ للناس ، وكان سبب توحُّدهم، وتجمُّعهم، وقيادتهم للعالم وهدايتهم
إلي ربهم.
*الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف : فيه مقابلة بين التركيبين؛ بين
الجوع والإطعام من جانب، أول بيت أوبين الأمن والخوف من جانب آخر؛وذلك
ليظهر التمايز بين المعنيين ، ولتدرك العظمة الإلهية معه ، وأي بلد
لا تجد فيه هذين الأمرين فلا حضارة لديه، ولا توطيد لأركانه، ولا مجال
لتحضُّره، وريادته ، فالإطعام من جوع يعنى القوة الاقتصادية الخارقة،
واستتباب الأسعار، ووجود السلع والمؤن بوفرة ، وعدم شعور الناس بمشكلة
الغذاء والطعام، ومن ثم إذا آمن الناس على بطونهم صفت عقولهم، وبدؤوا
يُنتجون، ويعملون، ويطوِّرون، وينشرون الخير والنعمة ، فقد ارتاح بالهم
في قضايا الأكل والشرب والطُّعْم الذي هو استقرار في النهاية للمجتمعات
وانســاحوا في الأرض للنظر في العمل والإنتاج، والهمزة للتعدية، أي
قدَّم لهم الطعم وافرا ،"ومِنْ " إما أنها على أصله، وإما
أنها على معني البعدية، أي أطعمهم بعد جوع أو أنها تفيد السببية والأجلية،
أي أطعمهم لأجل أن يتألفوا رحلة الشتاء والصيف ،والفرق بين (مِنْ)
و(عَنْ) أنَّ (عن) تقتضي حصول جوع ، وقد زال بالإطعام ، و(مِنْ) تقتضي
المنع من إلحاق الجوع بهم أصلا، والمعنى على هذا : أطعمهم فلم يلحقهم
جوعٌ، وآمنهم فلم يلحقهم خوفٌ ، أو هي هنا لابتداء الغاية، والمعنى
عند ذلك:أطعمهم في بدء جوعهم قبل لحاقه إياهم ، وآمنهم في بدء خوفهم
قبل لحاقه إياهم، وتنكير (جوع وخوف) لبيان شدتهما، أي أطعمهم في الرحلتين
من جوع شديد كانوا فيه قبلها، وآمنهم من خوف عظيم ، كانوا على وشك
الدخول فيه، وهو خوف أصحاب الفيل أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم،
والأمان من الخوف كناية عن استقرار المجتمع ، وهو الأمن السياسي الذي
يكون للدولة معه من المهابة والمنزلة ما يقع موقعا صحيحا وواضحا في
عيون الآخرين، بحيث لا يجرؤ أحد على الاقتراب منهم، فضلاً عن أن ينال
منهم، فالأمان الاقتصادي والسياسي داعية إلي الاستقرار الداخلي والخارجي؛
ومن ثم ينصرف الناس إلى النظر إلي التطوير، والتعمير، والارتقاء إلى
قمم المجد والحضارة، وأخْذ مكان قوي على خريطة هذا الكون.
والهمزة في (آمن) كذلك للتعدية ، وفيها كناية عن طلاقة القدرة في الموضعين:
( الإطعام والتأمين ) اللذين هما سبب ومفتاح الاستقرار الاجتماعي والأمان
الدولي، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : من قرأ سورة لإيلاف قريش
أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها (كما ورد في
الكشاف للزمخشري) ، وقال الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير :"اعلم
أن الإنعام على قسمين :أحدهما دفعُ ضر، وهو ما ذكره في سورة الفيل،
والثاني جلب نفع، وهو ما ذكره في هذه السورة ، ولما دفع الله عنهم
الضر، وجلب لهم النفع - وهما نعمتان عظيمتان - أمرهم بالعبودية، وأداء
الشكر،فقال:( فليعبدوا رب هذا البيت).
* والناظر المتأني للسورة يجد أنها أدخل في علم نحو النص فيها عن علم
نحو الجملة ، هذا جانب،ويرى جلال استعمال أسلوب القصر الذي أضفى دلالة
كبيرة على المعنى الذي سيقت له السورة ابتداءً ،وبيان لمكانة قريش
ومنزلتها بذكر اسمها، حيث لم يذكر في القرآن أسماء بلدان أو قبائل
إلا لماما كمكة المكرمة، والمدينة المنورة ، والقدس فهي مذكورة مع
تلك القرى العظيمة ذات الأهمية العظمى والمقدسة في حيوات الناس ،وإظهار
لتلك العلاقات التجارية القديمة ، والنظام الدولي في قضية العلاقات،
ومنظمات المجتمع المدني التي تنظم شأن تلك العلاقات الإنسانية وتثريها
وتنظر في تمدن القرى ، بحيث تضحي بلادا مستنيرة متحضرة، واعية، مثقفة
، وفيه تنبيه على أن النعم والمنن لابد أن تُقَابَل بالحمد والشكر،
والعبادة بمفهومها الواسع الشامل المترامي يتسع ليدخل كل شيء حتى الحياة
والموت ، وكل حركة وسكنة ، وإقامة وترحال، ونحوه من متطلبات الحياة
، وأشار القرآن الي أهم سببين لاستقرار المجتمعات الإنسانية،وهما نعمة
الغذاء ونعمة الأمن ،استقرار بطن، يؤدي إلى استقرار عقل ونفس وفكر
يدعو الي استقرار مجتمع، ونهضة أمم ، وتحضُّر شعوب، وارتقاء بلدان،
وتعمير أرض؛ ومن ثم شموخ منزلة، وعلو قدر، وأخذ مكان علي الساحة الدولية،
وتأثير على خريطة الكون، والحمد لله رب العالمين.
د جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم
جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com
أعلى
من أخلاق العرب في الإسلام
الشباب قادة المستقبل (2)
ما زال الحديث متواصلا عن الشباب قادة المستقبل،
فنقول: والإيمان بأن الله متفرد بالوحدانية، له في الإسلام أثر إيجابي
في توجيه الإنسان نحو الكمال، ولقد كان الشرك في عبودية الله أبغض
شيء في التعاليم الإسلامية البيضاء السمحة.
قال الله تبارك وتعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون
ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) سورة النساء 116.
وقال تعالى أيضا: (قل إنما أنا بشر يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد،
فمن كان يرجو لقاء ربه، فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)
سورة الكهف 110.
لذا كانت الوحدة في عبادة الله، هي رسالة السماء إلى الأرض في كل عهد،
قال الله تبارك وتعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نحوحي إليه،
أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) سورة الأنبياء 25.
الالفاضلة، والمزايا الكاملة، ومظهر هذه الأخلاق له أثر محمود في الأعمال
الصلحة، التي تدل على أخلاق الفرد.
ومما لا شك فيه أن الأخلاق هي الدعامة الأولى لحفظ كيان الأمم، ولهذا
نرى الباحثين والفلاسفة، قد اتفقت كلمتهم على ضرورتها للفرد لصالح
نفسه، وللمجتمع في جملته، فكما أن الفرد يضره ويفسده من أعماله أن
يكون كاذبا مرائيا حسودا شريرا ماكرا، كذلك تفسد المجتمعات بشيوع هذه
الصفات المذمومة في أفرادها.
قال الشاعر:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
قال الله سبحانه وتعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك هم
خير البرية، جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، خالدين
فيها أبدا، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه) سورة البينة
7\8.
والعمل الصالح، هو العمل الذي يقوم على الاعتدال، والتوازن لا إفراط
ولا تفريط، وهو الذي يقوم على الاعتراف، بوجود الفرد مع غيره، وبمشاركته
في الحياة، ثم بمراعاة هذه المشاركة في التصرف والسلوك، مراعيا لحرمات
الغير، فإذا احترم حرمات الآخرين، احترمت بالمقابل حرماته، فكما يدين
الفتى يدان، وعاش المجتمع كله في هناء، وسعادة، وأمن وأمان.
وقد أوضح الإسلام للبشرية معالم الطريق لمن أراد أن يسلكها سلكها بأمن
وأمان واطمئنان، فارتاح وأراح غيره، وانعكس ذلك السلوك على أفراد المجتمع
كلهم، قال الله سبحانه وتعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة،
ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد
في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين) سورة القصص 77.
فهنا أقر الإسلام الإنسان على أنه كائن حي يعيش في هذا الوجود الأرضي
مع غيره، ولذا فهو محتاج إلى التآلف، والتراحم والتعاون، قال الله
تبارك وتعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الأثم
والعدوان) سورة المائدة 2
وأن له الحق التمتع بنعم الله عليه، مع ربط هذه النعم بالشكر والاعتراف
بفضل الله عليه، واحسن كما أحسن الله إليه، قال الله تبارك وتعالى:
(لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) سورة إبراهيم 7.
وتوجيه الإسلام للإنسان هذه الوجهة الحسنة، هي لفائدة الإنسان نفسه
بالدرجة الأولى، ولفائدة المجتمع بالدرجة الثانية، وحتى يخرج الإنسان
من الأنانية الذاتية إلى حب الآخرين فوجه الإسلام الفرد لكي يعترف
بكيانه، كمشارك في الحياة ومشارك، وأن يكون صنعة مع غيره صنعا حسنا،
ويعامل الآخرين كما يحب أن يعامله الآخرون.
وأن يجرد إحسانه من المن والأذى، فيؤذي من أحسن إليه بمنه، وحتى لا
يبطل عمله، فيعود عليه حسرة وندامة، قال الله تبارك وتعالى: (يا أيها
الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كالذي ينفق ماله رئاء
الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر) سورة البقرة 264.
والواجب على المؤمن الذي يرجو الله واليوم الآخر، أن ينفق من النعم
التي أنعم الله بها عليه، وما أكثرها لو تدبرها، فهي كثيرة ومتعددة،
قال الله سبحانه وتعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، ومما
رزقناهم ينفقون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم الفلحون) سورة البقرة
3\4 .
فليحسن ولينفق من ماله إن كان له مال، ومن جاهه إن كان له جاه، ومن
علمه إن كان له علم، ومن صحته إن كان يملك صحة في جسمه، بمساعدة المريض
في حمل شيء من أمتعته، ومن رأيه إن كان له رأي ولا يبخل برأيه، وليأخذ
من موقف الحباب بن المنذر في غزوة بدر الكبرى، إذ لما رأى رسول الله
صلى الله عليه وسلم مبديا رأيه، فقبل الرسول رأيه، ولم يقل أنه رسول
الله ولا يقبل رأي من جاء به، وبذلك أعطى رسول الله صلى الله عليه
وسلم المثل الأعلى للخلق العظيم وحسبه وصف الله له بقوله: (وإنك لعلى
خلق عظيم) سورة (ن) 4.
وللحديث بقية سنواصله إن شاء الله في حلقة قادمة والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته.
ناصر بن محمد الزيدي
أعلى
قبسات قرآنية
صفات من يحبهم الله
إن محبة الله تعالى لعباده هي نعمة عظيمة وخير
عظيم وفضل كبير يحصل عليه من استحق المحبة، فيكفيه أنه يعيش في حفظ
الله، ويعيش حياة السعداء في الدارين.
والإنسان العاقل عليه أن يسعى بالعمل المرضي لله تعالى، والذي بسببه
يحظى بمحبته له، فهذه المحبة الأولى التي يجب أن يكافح ويجتهد للحصول
عليها، وليس عليه أن يكون سعيه وهدفه في الحياة أن ينال محبة أحد من
البشر على حساب محبة الله تعالى، لأن محبة الله تعالى يجب أن تكون
مقدمة على غيره قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ
وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا
وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ
إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ
حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الْفَاسِقِينَ)، وعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وحتى يقذف
في النار أحب إليه من أن يعود في كفر بعد إذ نجاه الله منه ولا يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
وبين الله لنا في القرآن الكريم من يحبهم من عباده فقال تعالى: (بَلَى
مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)
فالآية الكريمة تبين أن من أوفى بالعهد واتصف بالتقوى فقد استحق محبة
الله، ومن الذين يحبهم الله تعالى الصابرين قال تعالى: (وَاللّهُ يُحِبُّ
الصَّابِرِينَ) والصبر هو الطريق الموصل للجنة وبه يتحمل المسلم الشدائد
ويتسلح به في مواجهة الابتلاءات، وبه يستعين على طاعة الله.
والإحسان عمل يحبه الله تعالى، فقد جاء في القرآن الكريم: (وَأَنفِقُواْ
فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وقال تعالى :
(الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ
الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
وكذلك التوكل على الله تعالى عمل يحبه الله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
والتوكل على الله تعالى هو الأخذ بالأسباب ثم الاعتماد على الله تعالى
في تحقيق النتائج.
ومن الذين يحبهم الله تعالى أهل التوبة وأصحاب الطهارة قال تعالى:
(إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)
وكذلك العدل والقسط بين الناس قال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ
إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى
تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
وورد في السنة أن الله تعالى يحب من يتقرب إليه بالفرائض والنوافل
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الله عز وجل قال من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب وما تقرب إلي
عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه وما يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى
أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي
يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني عبدي أعطيته ولئن استعاذني
لأعيذنه.
إعداد: عبدالله الحارثي
المراجع: مسند أحمد بن حنبل
السنن الكبرى للبيهقي
أعلى
|