الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ

شكلت قضية خلق القرآن منعطفاً خطيراً في احدى الفترات وامتد هذا المنعطف ليشمل عمان كجزء من العالم الاسلامية والعربي ، وكادت هذه القضية أن تشعل الكثير من الخلافات وتأجج الكثير من الغضب، ولكن في عمان تم التعامل معها بحنكة ، وجاء اتفاق "دما" السيب حالياً بمثابة بيان حكيم صادر عن كبار العلماء في ذلك الوقت.. عن هذه القضية الشائكة والتي أخذت طابع "المسكوت عنه" في كثير من الأحيان يكتب سعيد بن مبارك الطارشي قراءته الشخصية عنها.
أن يكون لك "بيت فوق سقف العالم" فهذا يستدعي نصاً كالذي يقدمه الشاعر أحمد الهاشمي، والذي يحمل نفس العنوان المقوّس.. يأخذنا الهاشمي في رحلة ابداعية مغايرة هذه المرة، حيث الجرأة في المخاطبة، واستشراف الآيل والقادم، بلغة رصينة ومحكمة يزيد رونقها رشاقة الكلمة وسلاسة التعبير، ليشكّل من التناقض جمالاً مختلفاً لم نعهده ، حيث النقيضين "البساطة والعمق" في نص واحد.
على ضفاف آخر من "أشرعة" يحدثنا أحمد الرحبي بالكلمة والرسمة عن "فن الموتيف" من خلال رسوماته التي يقدمها ، ليعلن عن نفسه رساماً بعد أن عهدناه كاتباً وقاصاً، وليكشف لنا جانباً آخر من جوانبه الإبداعية.
لمن لا يعرف "منشار" فإن المسرحي والقاص سعيد السيابي سيخبرنا عنه، وسيقربنا من حياته، وسنعرف أن "منشار" ليس اسماً بل لقباً حصل عليه بجدارة من كل الذين تعامل معهم.. النص يعرفنا كذلك على نهاية "منشار" التي يرسمها القاص بطريقته الخاصة.
نجدت أنزور وفي حوار خاص لـ"أشرعة" يحدثنا عن مسلسله "ما ملكت ايمانكم" والقضية التي أثارها أثناء عرضه في رمضان، والانتقادات التي واجهها والحملة التي قادها البعض ضد العمل، ويقدم لنا أنزور ردوده حول كل تلك الاتهامات ورؤيته الشخصية للعمل، كما يقدم لنا العديد من البراهين التي تؤكد نجاح العمل ، ومدى التفاعل الكبير الذي حظي به من المشاهدين.. وفي "أشرعة" باقة من المواضيع الاخرى.

المحرر


أعلى





حُب وكراهية ..

(1)
هي القلوب متى شاءت وكيفما شاءت تمنح الحب لمن تشاء وتصد في وجه من تشاء , تمنح الحب لمن يستحقه وتمنعه عمن لا يستحقه في سيناريو درامي تكون مشاعر الحب والكراهية حاضرةً فيه على الدوام .. فحيناً تسود مشاعر الحب لتصبح سيدة الموقف في أحايين كثيرة من حياتنا وفي أحايين أخرى ينقلب الحال رأساً على عقب لتنزوي مشاعر الحب خلف ستار وتظهر مشاعر الحقد في مشاهد مختلفة من حياتنا التي تمنحنا الأحقية بمنح الحب لمن يستحقونه ..ومنح الكراهية للآخر ..ليستمر صراع الحب / الكراهية حتى إشعار ٍ آخر .

(2)
وفي جُل محطات الحياة سنصادف أصنافاً شتى من الناس الذين يستحقون الحب عن وجه حق ومن دون مجاملة أو نفاق , فالأول يستحق الحب لأنه يُحب الخير للآخرين ,يهب السعادة لهم على حساب نفسه دون انتظار مقابلٍ يذكر سوى ابتسامة سعادة ترتسم على شفاهم احتفاءً بالوصول للغاية والمبتغى ..والثانية تستحق أن يهبها الحبيب حبه الأبدي لأنها بادلته مشاعر الحب الصادق دون تصنعٍ أو تكلف ..والثالث يشاركهم الاستحقاق لأنه يمتلك قلباً عامراً بالصفاء والنقاء والحب الصادق لجميع الناس في زمنٍ صار فيه الصدق العملة النادرة في خضم غمار الحياة المليئة بالصادقين ,,وبالكثير جداً من الكاذبين .

(3)
وكما يستحق أولئك أن نمنحهم مشاعر الحب الصافي من أية مشاعر مزيفة هناك آخرون يستحقون الكراهية مع سبق الإصرار والترصد , فذاك يحيك الدسائس للآخرين رغبة في قطع الطريق عليهم من أجل تحقيق رغباتهم وتحقيق أمنياتهم .. والثاني تملأ الأنانية قلبه رغبةً في امتلاك كل شيء ولو على حساب البقية ..والثالثة أودت بقلب حبيبها في خبرٍ كان بعد أن تجرع مرارة الخيانة من حبيبةٍ لم تراع في مشاعره إلاٍ ولا ذمة .. ليظل الصراع الأبدي قائماً , فاليوم حُب وغداً كراهية , والعكس هو الصحيح .

(4)
" الناجحون يبحثون دائماً عن الفرص لمساعدة الآخرين ,بينما غيرهم يسأل أولاً: ما الذي سأستفيده من تقديم يد المساعدة " براين تريسي .

يَعقُوب البُوسعيدي ..


أعلى





الطالعون الجدد!!

ـ 1 ـ

أبداً،
لكأن الطالع الجديد لا يأبه بأحد.
فلا يلتفت يميناً أو يساراً، ولا يستدير ليرى ما أنجزه الآخرون قبله. يطلع.. وإحساسه بأنه الأوحد، والفذ، والنابه، والمفرد! حواسه لا تعمل إلا على ما يغذي وهمه بأنه الخارق الذي لم تلد مثله الأمهات قط، وأن ما يكتبه هو الإبداع الداهش عينه، هو حلم الناس، وحلم البشرية كافة.
ورب القدرة، لا أدري كيف تتولد مثل هذه الخرافة في أذهان (البعض)، كيف تنمو وتكبر إلى أن تصير أهم من الكتابات التي ينتجونها، وأهم من الأحاديث التي يديرونها، وأشمل من تجربتهم الأدبية بعامة. وقد صار الأمر شائعاً في الأجناس الأدبية كلها، وليس مقصوراً على جنس واحد فقط كالشعر (وآفة نرجسية الشاعر)، فما أن يشعر الطالع الجديد بحضور موهبته، وقدرتها على كتابة نص حتى يحس بعد لحظات، أو ساعات، بأنه، وهو في مكانه، وقبل نشر النص، قد تجاوز المكتوب قبله طُرّاً في الفن الذي قاربه. يشعر بأن لا أحد قبله، ولا أحد معه، ولا أحد حواليه؛ هو وحيد زمانه، وسيد الإبداع، لذلك يتزيا بعلامات العظمة، والحضور، ويمارس طقوسهما أينما حلّت به قدماه.
والحق، أن ما من جديد إلا ونصفه، أو أكثر، موجود قبلاً، وأن ما من إبداع إلا وله جذر سابق، أو جذع.. فما عليه الجديد الطالع. هكذا تقول الطبيعتان: الطبيعة البشرية، وطبيعة الكون. وأعتقد أن مروراً متلبثاً بغابة من غاباتنا يعلمنا الكثير، لأن العودة إلى الطبيعة، طبيعة الكون ـ (الأم) تعلمنا في كل مرة دروساً لا أجمل منها ولا أغنى. وأن الطبيعة البشرية بصيغتها الأولى (أب ـ ابن) فيها الكثير من العبرة والعظة إذْ لا تنمو الأجساد إلا على فناء غيرها، ولا يتعلم الأبناء إلا على صدور أهليهم، ولا تستقيم الخُطا الأولى إلا مع يد أب (أو أم) ممدودة، ولا تأتي العافية إلا بالمساهرة والحب والمعاونة.

ـ 2 ـ

أقول هذا كله وأنا أرى مظهريات الصدود، والتعالي، والتنافر والتدابر، والعبوس توصيفات الأذى، والتقول، والاتهام، والشتم والتطاول من جهة ثانية تنال الكثير من التجارب الأدبية الهامة في حياتنا الأدبية، تلك التي علمتنا، وما تزال تعلمنا الكثير. وبعض أصحابها ما زالوا أحياء بيننا نراهم هنا وهناك يواصلون العطاء والحضور والإبداع!! يرمونهم بنعوت وتقولات شائنة نابعة من الحسد، وعدم الفهم والتبصر، وليس من داخل تجاربهم أو سلوكهم الحياتي. يقولون عن فلان: فلَّس، وعن فلان كتابته لا جديد فيها، وفلان بعيد في المنافي، وآخر بعيد في الأقاليم، ورابع آدمي ولكن كتابته إيديولوجية.. وهكذا إلى آخر شريط التوصيفات والتقولات الظالمة، أي إلى أن يأتي هؤلاء على آخر واحد في الساحة الأدبية قتلاً وتشويهاً، بحيث لا يبقى مهمّاً سوى المتحدث والسامعين.. للأسف!

ـ 3 ـ

لا أشك إطلاقاً، بأن هذا السلوك سلوك ابتدائي، أولي، فيه من العور والغث والفورة الصبيانية الكثير، إنه اندفاعة نبع جديد، فيه عكر كثير، وله انحرافات عديدة، لن تضبطها سوى الصخور العظيمة، والأشجار الباذخة في العتق، والتربة الصلدة.. ونحن مع هذه الاندفاعة تقديراً لحدوثها وانفجارها وزمنها المحسوب، لكننا نصير ضدها حين تصير عكراً وأذيات طوال الوقت، طوال الظهور!!
إن لغة التشاتم، والإقصاء، والإلغاء التي تصيب المنتوج الأدبي، والتجارب الأدبية السابقة معاً، والتي تمتدّ إلى أن تصيب السلوك، والحضور الاجتماعي.. كلها أيّاً كانت اشتقاقاتها وأشكالها.. مؤذية، وبعيدة عن أخلاق الأدب، وهي ليست من السلوك البشري الذي لا قيمة له من دون التعاون والتودد؛ وهي ليست بذات أهمية لأنها خالية من المحبة، ومن دون المحبة لا وجود للإنسان، ولا للمجتمع اللذين نحلم بهما دائماً.

ـ 4 ـ

رحم الله من قال:
الحياة: هات يدك،
وخذ يدي!!


حسن حميد


أعلى





منشار

في الصباح جاءت الممرضات إلى الجناح لتغيير الملاءات وأغطية الأسرة البيضاء، حملن معهن المطهرات والملابس النظيفة، كان ترتيبه الأخير بين المرضى على الرغم من قرب سريره للمدخل لم ينم ليلة البارحة كان يصدر أصوتا غريبة، بدأت حركة وجلبة تحدث بجوار سريره، الممرضات على غير العادة يركضن في كل اتجاه.
كان في زيارته ضيف، لم يُعرف أحد غيره قد زاره منذ سبعة أشهر ـ هكذا علق جاره المريض، وأكد كلامه مصدر موثوق في المستشفى ـ صرصور شوهد يمشي على سريره..... صادف توقيت ظهوره زيارة لجنة من المؤسسة المشرفة على الصحة، أمرت على الفور بإجراء تحقيق مع مسئول النظافة، لكن المسئول أرجع الأمر إلى سوء تصميم الجناح، وقرب الحمام من المدخل هو مدعاة لزيارات مباغتة من بعض الضيوف غير المرغوب فيهم، كانت أسبابه مقنعة لدى الضيوف المسئولين وقرروا إغلاق التحقيق، واعتباره مجرد حادث عابر.
"منشار" ليس اسم بل لقب مستحق لرجل امتلأت المدينة بأخباره وتجارته، حيث أصبح يملك أجزاء كبيرة من محلات المدينة وأراضيها، كثرت الإشاعات التي لاحقته قبل مرضه بأنه يتعامل بالربا، حذف من قاموسه كلمة صدقة لفقير، استحوذ بالطرق الملتوية على أراضي تعود ملكيتها لوقف المسجد، تزوج من بنت تصغره بثلاثين عاما.
قيل أن السائق هو الذي أحضره إلى القسم، كان لا يقوى على الحركة أصابه الشلل النصفي جاء ابنه في اليوم الثالث ولمدة ربع ساعة فقط منح والده فيها كلمات صادمة أمام مرأى ومسمع الجميع كيف كان ظلمه وقهره له ولأخته الوحيدة التي انتحرت عندما أراد إجبارها على الزواج، وقبل أن يخرج أسر في أذن الأب كلمات جعلته يصدر أصواتاً مخنوقة لم يفهمها أحد، واهتز سريره، ما زال لغز هذه الكلمات غير معروفة إلا لمنشار.
لم ينم الأب في تلك الليلة ولم يسلم كل من في الجناح من إزعاجه، حيث استمر في إصدار أصواته المبحوحة بدأت تتضح بعدها بيوم أنه يريد ماءً، فكان يحرك طرف يده إلى فاه يطلب ماء من كل ممرضه أو زائر يدخل إلى الجناح، كان الجميع يعرض عليه الماء إلا أنه لم يستطع أن يشرب لهذا اضطر الطبيب على وضع أنبوب التغذية في أنفه، حيث كان يُسقى منه، بدأت صحته تتحسن، وبدأ ينطق بكلمات أكثر فهماً، ومع ذلك كان يطلب الماء كجملة مفضلة لديه.
دخلت عجوز لزيارة أحد أقربائها سمعته ينادي يريد أن يشرب عرفت العجوز منشار الذي ابتاع منها قطعة أرض بسعر بخس قبل أن يُبنى الشارع عليها، أشفقت عليه ولكنها لم تتذكر اسمه نادته بلقبه:
ـ منشار تريد أن تشرب؟
قذفها طوال اليوم بكلمات السباب:
ـ منشار أبوك، منشار يقطعك، منشار يقتلك.
أخذ كل من في الجناح يضحكون، كانت ردة فعله صادمة للعجوز، التي لم تعد تفرق بين اسمه، ولقبه الذي طغى عليه لدرجة أنه أصبح يثور منه، بعد أن كان يتفاخر به، مع زملائه التجار:
ـ منشار قادر على كل شيء.
ـ منشار يقطع كل من تسول له نفسه بالوقوف في وجهه.
تدهورت حالة منشار بسبب توقف كليته عن طرد السوائل من جسمه، مات في الساعة السابعة مساء في نفس اليوم الذي ضرب الإعصار المدينة، حُِملت جثته إلى الثلاجة ريثما يرد أحد على الهواتف التي تُركت في سجله.
سعيد السيابي


أعلى





اتفاق دما وقضية خلق القرآن العمانية بين الدين والسياسية

في فترة إمامة المهنا بن جيفر (226-237هـ) اجتمع الأشياخ ـ أي كبار علماء الإباضيّة ـ في دما (السيب حالياً) ليقرروا التخلي عن التصريح بـ"مقالة خلق القرآن"، والرجوع إلى "قول السلف" غير المصرح بخلق القرآن أو عدمه، والمكتفي بوصف القرآن بأنّه كلام الله ووحيه وتنزيله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (1)، هذا التخلي عن التصريح بـ"خلق القرآن" فُهم منه أنّ الإباضية يقولون بـ"قدم القرآن"، وقد شاع هذا الرأي لدرجة أن شجع بعض مَنْ جاء مِن كبار علماء المذهب على القول "بقدم القرآن" مثل عزان بن الصقر (ت: 268 أو 278هـ)، ومحمد بن إبراهيم الكندي (ت:508هـ)، وابن النضر (ت:690هـ؟)، فهل مَثّلَ التخلي عن التصريح بـ"خلق القرآن" تراجع المذهب عن مقولته هذه، طبعاً لا. لم يغير علماء الإباضية موقفهم، والرأي الرسمي للمذهب الإباضي هو القول بـ"خلق القرآن" كما هو معروف (2).
من هنا فالسؤال الذي يطرح نفسه ـ بقوة ـ في هذا السياق: لماذا قرر "الأشياخ" كبار علماء المذهب التخلي عن التصريح بـ"خلق القرآن"، وفي هذا الوقت بالتحديد؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد لنا أنْ نقدم بعض التوضيحات حول عناصر الموضوع، وهي التعريف بـ"خلق القرآن"، والمنهج الذي سنتبعه في تحليلنا لهذه القضية في نسختها العمانيّة، ونموذجين سابقين لدراستها، ثم أخيراً نقوم بتحليلها في إطارها الديني والسياسي للإجابة عن سؤالنا.
1ـ محنة خلق القرآن في إطارها الإسلامي العام:
"محنة خلق القرآن" من أشهر القضايا في تاريخ الإسلام الفكري والسياسي، ونحن هنا نعرضها من زاوية محددة تخدم تحليلنا لقضيتنا، فليس هدفنا دراستها ـ أي المحنة ـ بل نتحدث عنها كمدخل لموضوعنا، وقد تحدثت عنها مصادر ومراجع كثيرة قديمة وحديثة، لكننا سنختار كتابين حديثين، يفسران هذه الحادثة تفسيراً موضوعاً وعلميّاً ـ كما نظن ـ بعيد عن التحيز والتحزب أياً كان نوعهما، ويكشفان عن أسبابها التاريخيّة وتداعيتها السياسيّة والفكريّة، وهما كتاب المثقفين في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد للمفكر الراحل محمد عابد الجابري، والكتاب الثاني المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام للأستاذ فهمي جدعان، لنلخص منهما أطروحتي الكاتبين في القضية.
(1)
نبدأ بالكتاب الأول كتاب الجابري، حيث يتعرض لقضية خلق القرآن في إطار حديثه عن دور المثقفين والثقافة والأفكار في التاريخ الإسلامي، ويصل في تفسيره لهذه القضية إلى أنّ المأمون (198 ـ 218هـ) والمعتصم (218 ـ 227هـ) والواثق (227 ـ 232هـ) وظفوا القول بخلق القرآن توظيفاً سياسياً، فالصراع بين القائلين بالخلق والقائلين بالقدم لم يكن فقط صراعاً كلامياً عقدياً بل كان صراعاً سياسياً هدد فيه القائلون بالقدم سلطة الخلفاء الثلاثة، فالقائل بالقدم معارض للسلطة، فما كان من المأمون إلا أنْ يتبنى المقالة المضادة أي القول بالخلق ليس على المستوى العقدي كما يبدو في الظاهر، بل كشعار سياسي يحافظ به على سلطته، من خلال استقطابه للقائلين بالخلق ضد القائلين بالقدم (3).
وأما الكتاب الثاني فيعيد قراءة القضية من خلال "نظر" يهدف إلى فهم أعمق لطبيعة النظام الديني ـ السياسيّ في الإسلام، ويصل إلى أنّه ليس هناك دليل على اتهام المعتزلة بتحريض المأمون على امتحان الناس، وما تبني المأمون لهذه العقيدة ـ أي القول بخلق القرآن إلا تعبير عن قرار سياسي(4).
إنّ الجيد في هذين الكتابين هو المنهج والرؤية المتبعين فيهما، وخروجهما عن التفسيرات التقليديّة الغارقة في التعصب المذهبي، والصادرة من رؤيا متحيزة، إنّه منهج بعيد عن الإيدلوجيا بمقدار كبير، وذلك يساعد في فهم الأمور كما ينبغي، وسنقوم بتفصيل الحديث في الفقرة التالية عن المنهج.
(2)
لماذا، وكيف نفسر حادثة "اتفاق دما"؟
إن تفسيرها ضروري، لأسباب منها: نحن بحاجة إلى اكتساب فهم علمي موضوعي لحوادث تاريخنا العماني يكون أقرب ما يمكن من الحقيقة الموضوعيّة، فتاريخنا العماني بنواحيه المختلفة لم يدرس دراسة كافية، وما أجري عليه من دراسات يسيطر عليها النواحي المدرسيّة والتوجه الدينوي المذهبي في تفسير التاريخ ـ إلا ما ندر ـ، فنحن في حاجة ماسة لتطبيق المنهج العلمي لدراسة تاريخنا واكتساب وعي صحيح عنه يفيدنا في فهم ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.
أما كيف نفسر حوادث التاريخ تفسيراً علميّاً موضوعيّاً، فإنّنا نحتاج لننجح في هذا الهدف إلى شيئين: منهج علمي، ورؤية تاريخيّة تربط بين مختلف الجوانب المكونة للأحداث؛ أما الرؤية: فهناك ارتباط بين الفكر أي النظريّة، والسياسة أي الواقع المعاش، وما النقاشات الفكريّة سوى تعبير عن المواقف السياسيّة، وأنّه لا يمكن الاعتماد في تفسير الأحداث التاريخيّة على البعد الديني أو المذهبي فقط، أو القيمي الأخلاقي، بل ينبغي الإنطلاق من نظرة شموليّة لجميع الأبعاد المكونة للتاريخ، وخاصة البعد السياسي.
وأما المنهج ـ لا نقصد طبعاً المعنى العام والواسع للمنهج ـ الذي سنسير عليه فهو منهج يضع له الأستاذ الجابري (5) ثلاثة شروط، وهي:
1ـ عدم التحزب، ويعني عدم الإنحياز لجانب دون الآخر، وكذلك يمكن أنْ يعني الفصل بين الانتماء المذهبي أو الديني وبين الموضوع حين يكون الباحث منتمياً إلى المذهب أو الدين موضعا الدراسة والبحث، فليس البحث العلمي الموضوعي مجالاً لتمجيد الأنا أو تأكيدها، أو تشويه الآخر المخالف وإلغائه، بل الوصول للحقيقة.
2ـ وضع الحوادث التاريخيّة في إطارها الحقيقي الذي تنتمي إليه، أي أنّ الحوادث التاريخيّة ليست معزولة عن الجوانب الفكريّة التي ينتجها العلماء، والنظر بصورة شمولية لكافة نواحي المجتمع.
3ـ كشف الغطاء عن الجوانب الغامضة والمهملة أثناء تحليل القضايا التاريخيّة المدروسة، كثير من المؤرخين غالباً ما يركزون على جوانب معينة من التاريخ حسب وجهة نظرهم.
2ـ وصف وتحليل القضية:
اتضح لنا السبيل لتحليل وتوضيح الأحداث التاريخيّة وتفسيرها التفسير العلمي القريب مِنْ الحقيقة، وقبل أنْ نطبق ذلك عمليّاً على قضية "اتفاق دما"، نعرض تحليلين سابقين لها، الأول للإمام نور الدين عبدالله بن حميد السالمي (ت: 1332هـ)، والثاني لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.
(1)
في كتابه تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان يتحدث الإمام نور الدين السالمي عن "قضية خلق القرآن العمانية" في سياق حديثه عن إمامة المهنا بن جيفر (226 ـ 237هـ)، حيث يشير إلى فتنة خلق القرآن التي حدثت في البصرة مبيناً أنّ سببها رجل يهودي حاقد على الإسلام، يهدف من خلال نشر تلك المقالة إلى إشاعة الفرقة والخلاف بين المسلمين، وتلقى المسلمون هذه المقالة وتناقشوا فيها، ثم انتشرت بين المسلمين في الأمصار الإسلاميّة ومن بينها عمان، يقول: "وفي زمانه (زمن إمامة المهنا بن جيفر "226ـ237هـ") وقع الكلام بعمان في خلق القرآن، وهي مسألة جيء بها من البصرة، فانتشر الكلام فيها، وعظمت بها البلية في عمان وغيرها، وسببها شبهة ألقاها إلى أهل الحديث في البصرة أبو شاكر الديصاني وكان ممن يقول بقدم الأشياء، فحسد المسلمين على حسن الحال الذي رآه فيهم، فأظهر الزهد والتقشف، ثم ألقى إليهم أن القرآن قديم ليس بمخلوق فقبلها قوم وأنكرها آخرون، وانتشرت في الآفاق وتكلم فيها علماء الأمصار(6)"
ثم ينتقل إلى توضيح ما حدث في عمان بعد أنْ وصلت إليهم القضية منْ البصرة منْ خلال ما ينقله عن الفضل بن الحواري:
"قال الفضل بن الحواري: اجتمع الأشياخ بدما في منزل منهم: أبو زياد، وسعيد بن محرز، ومحمد بن هاشم، ومحمد بن محبوب وغيرهم من الأشياخ، فتذاكروا في القرآن، فقال محمد بن محبوب: أنا أقول إن القرآن مخلوق، فغضب محمد بن هاشم، وقال: أنا أخرج من عمان ولا أقيم بها، فظن محمد بن محبوب أنه يعرض به، فقال: بل أنا أولى بالخروج من عمان لأني فيها غريب، فخرج محمد بن هاشم من البيت وهو يقول: ليتني مت قبل اليوم، ثم تفرقوا، ثم اجتمعوا بعد ذلك، ثم رجع محمد بن محبوب عن قوله، واجتمع من قولهم إن الله خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق، وأّن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد صلى الله عليه وسلم، وأمروا الإمام المهنا بالشد على من يقول أنّ القرآن مخلوق"(7).
بعد أنْ ينقل السالمي كلام الفضل بن الحواري (ت: 278هـ) يقوم بعملية تحليل للنص وتفسيره، حيث يعلل سبب اتفاق العلماء على التوقف عن إطلاق القول بخلق القرآن، تعليلاً ديناً كلاميّاً، يقول:
"وظاهره أنّ الأشياخ توقفوا عن إطلاق القول بخلق القرآن، وأمروا بالشد على من أطلق، وأدخلوه تحت معنى الآية من قوله تعالى: "خالق كل شي"، فيستلزم أنه من جملة الأشياء المخلوقة، لكن لا يصرحون بذلك نطقاً فراراً من مقالة الجهمية، القائلين بالمقالة الباطلة، المفترين على الله في صفاته، الزاعمين أن صفات الذات حادثة تعالى الله عما يقول المبطلون علواً كبيراً، فخاف الأشياخ أن تكون هذه المسألة مفرعة على اعتقاد الجهمية بحدوث الصفات الذاتية، فتوقفوا عن إطلاق القول بخلق القرآن صراحاً، مع اعتقادهم الحق في حكمه بإدخاله في جملة المخلوقات اعتقاداً، فهذا هو المعنى الذي لحظوه، ولم يكن مرادهم نفي حقيقة الخلق عن الكتب المنزلة، ولا أرادوا إثبات قديم مع الله حاشاهم عن ذلك، وإن الذي لحظوه لمعنى دقيق لا يسقط على فهمه إلا من منحه الله تعالى من مواهبه(8)"
فهو يفسر سبب قول العلماء بهذه القول أي عدم التصريح بمقولة خلق القرآن نطقاً، هو الفرار من مقولة الجهميّة أي المعتزلة الذين يقولون أنّ القرآن مخلوق انطلاقاً من كون صفات الذات حادثة، وهذا يخالف مقولة الإباضيّة الذين يرون قدم صفات الذات، إذن يجب الفرار من هذه المقولة حتى لا يُتوهم أنّ الإباضيّة يقولون بحدوث صفات الذات.
بعد ذلك ينتقل لتحليل موقف محمد بن محبوب (ت: 260هـ ) الذي كان مع التصريح بخلق القرآن، ثم أنّه تبين له مغزى بقية العلماء من عدم التصريح، فغير رأيه ورجع إلى رأيهم، يقول السالمي":

"وقد تبين لأبي عبدالله الفرق بين هذه المقالة، وهي القول بخلق القرآن، وبين مقالة الجهمية بحدوث الصفات الذاتية، فقال: القرآن مخلوق، فلما رأى ان أصحابه لا يوافقونه على هذا التصريح تركه ورجع إلى الإجمال الذي اتفقوا عليه إذ ليس في ترك التصريح بذلك محذور، لدخول القرآن تحت الإجمال، وهي العقيدة التي كان عليها السلف، وحصلت بها السلامة العامة، وإنما المحذور كل المحذور في إنكار صفة الخلق عن القرآن، وإعطائه صفة القديم تعالى، فتفطن لهذا المقام، فإنه مزلة الأقدام، ومضلة الأفهام(9)."
(2)
في كتابه الحق الدامغ يناقش سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في المبحث الثاني قضية خلق القرآن، ويتعرض للقضية في إطارها العام:
.."وقد أشعل نار هذه الفتنة بعض الدخلاء في الأمة الذين تقمصوا الإسلام لحاجات في نفوسهم أرادوا قضاءها، أهمها إذكاء نار الفتنة بين طوائف الأمة، وتقسيمها إلى شيع وأحزاب "كل حزب بما لديهم فرحون"، ولعل على رأس هؤلاء أبا شاكر الديصاني الذي قيل عنه أنه يهودي تظاهر بالإسلام(10)"، ثم ينتقل للحديث عن الفتنة في محيطها العماني، فيقول"
.."وهذا الذي اتفقت عليه كلمة علماء المسلمين بعمان في عهد الإمام المهنا بن جيفر، بعدما غشيتهم موجة من الخلاف في هذه القضية بعد أن طمى عبابه وهاجت عواصفه بمدينة البصرة الحافلة بمختلف التيارات الفكرية آنذاك وكانت للعمانيين صلة وثيقة بها بحكم العلاقات الثقافية والاقتصادية التي تربطهم بها (11)"
ويذكر رأي الإباضيّة العمانيين، مشيراً إلى "اتفاق دما":
"وأما أهل المشرق فقد حاول إمامهم الأكبر محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ أن يعلن ما أعلنه إخوانه أئمة وأعلام الجناح المغربي غير أن محمد بن هاشم اشتدت معارضته فانثنى عنه، واتفقت كلمتهم على الاكتفاء بما كان عليه سلف الأمة (...) على أنّ الله خالق كل شي، وأنّ ما سواه مخلوق، وأن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله(12)"، ويعلل هذا الموقف من علماء الإباضيّة، بقوله:
"ولا أراهم وقفوا هذا الموقف الصامت إلا سداً للذريعة، وتجنباً لمشايعة الظالمين، فإنّهم رحمهم الله من أرسخ مبادئهم وأبرز سماتهم مناهضة الظلم ومصارعة الظالمين (13)"، فهو يرى أنّ سبب "إتفاق دما" سد الذريعة التي تُوصل إلى مشايعة الظلم والظالمين.
ويعلق في هامش رقم 1 صفحة 107 على رأي الإمام السالمي في سبب "اتفاق دما"، حيث يشير إلى عدم تنافيه مع رأيه في هذه المسألة، ولا يستبعد ـ أي سماحة الشيخ الخليلي ـ أنْ يكون السبب للاعتبارين معاً، أي الفرار من مقولة الجهميّة، ورفض الظلم.
3ـ قول في القضية:
(1)
كما اتضح فإنّ الإمام نور الدين السالمي يفسر سبب "اتفاق دما" هو الفرار من مقولة الجهميّة أي المعتزلة، والشيخ الخليلي يرى أنّ السبب هو تجنب الظلم ومشايعة الظالمين، أما الفرار من مقولة الجهميّة أي المعتزلة الذين يقولون أنّ القرآن مخلوق انطلاقاً من كون صفات الذات حادثة، والإباضيّة وإنْ كانوا يقولوا بخلق القرآن لكنهم لا يقولون بذلك انطلاقاً من حدوث صفات الذات، فعندهم صفات الذات قديمة، فهل هذا سبب كاف لإصدار "اتفاق دما"، وتخلي الإباضية عن إعلان خلق القرآن والتصريح به عند العامة والخاصة، ولماذا هذه القضية بالذات التي يفر منها الإباضيّة من مقالات الجهميّة أي المعتزلة، ألا يوجد قضايا يتفق فيها الإباضيّة مع المعتزلة يمكن أنْ توهم باعتقاد الإباضيّة بأمور ومقالات لا يتفقون فيها مع المعتزلة، ولا نذهب بعيداً عن مسألة الصفات، إنّ "مسألة الصفات هل هي عين الذات أو زائدة عنها" ـ وهي مرتبطة أيضاً بقضية الصفات ـ من القضايا التي يتفق فيها الفريقان، لماذا يصرح بها الإباضيّة، ولا "يفروا" من التصريح بها من مقالة الجهميّة، ألن يؤدي هذا إلى التوهم بإنّ الإباضيّة يقولون بحدوث صفات الذات؟
إنّ إعلان توقفهم هذا عينه أدى إلى قول بعض علماء الإباضيّة بقدم القرآن ـ كما ذكرنا سابقاً، وهو يؤدي إلى القول بوجود قديم مع الله عزوجل، كما يُلزم القائلون بهذا مخالفيهم.
أما تحليل سماحته فهو تحليل يرتكز على رؤية دينيّة للأحداث في تحليلها وتفسيرها، وهو يفسر جانبا من الحقيقة التاريخيّة، إلا أنّه يمكن أن نضيف إلى ما ذكر الامام السالمي وسماحة الشيخ الخليلي سببا آخر يمكن يفسر لنا السبب الحقيقي لـ"اتفاق دما".
وقبل أنْ نعلن هذا السبب، نناقش ثلاث نقاط على قدر من الأهميّة، تساعدنا على وضع الأمور في نصابها التاريخي المنطقي، وهي: دور العلماء العمانيين في الحياة السياسيّة، وتحرج الإباضيّة من مناقشة القضايا الخلافيّة الشائكة كقضية القدر، وأخيراً نورد نص من كتاب الإمام السالمي التحفة.
(2)
من المعلوم في تاريخ الإسلام أنّه كان للعلماء أدوار هامة ومؤثرة في الحياة وسير أحداثها بصفة عامة، وفي السياسة بصفة خاصة، يصدق هذا وبصورة أقوى على ما كان في التاريخ العماني، حيث كان لهم دور كبير وخطير، فهذا الدور لم يقف عند الدور العلمي المجرد، بل امتد إلى الواقع أي السياسة.
وهو يرجع ـ في شيء منه ـ إلى النظرية السياسيّة الإباضيّة، ووجود الإمامة الإباضيّة فعلياً التي تأسست على يد علماء المذهب أهل الحل والعقد، فهم ـ فقط ـ الذين يختارون الإمام أي رئيس الدولة، وهم الذين يعقدون له البيعة، وهم أيضاً الذين يعزلونه من منصبه، وكل ذلك في إطار إقامة شرع الله عز وجل، إذن فدورهم كان خطيراً جداً في الحياة السياسيّة.
فإذا كانوا هم من يصنع الإمامة أي الدولة، فبالطبع والضرورة هم أيضاً من يحافظ عليها، من أي خطر يهدد بقائها واستمرارها، وعليهم لأجل ذلك أنْ يتخذوا كل ما مِنْ شأنه تحقيقه، فهاهم وفي مناسبات كثيرة يقدمون النصح والمشورة للإمام فيما من شأن مساعدته على القيام بأعباء الإمامة.
هذا الدور لم يبق في إطار النظرية بل تمثل من خلال وقائع عديدة كاختيار الأئمة كما هو معروف، وعزل بعضهم عندما لا يتمكنوا من القيام بواجبهم تجاه المحافظة على الإمامة "وسلطان المسلمين"، وللتأكيد على دورهم فإنّا نذكر ماقام به العلماء عام 179هـ من عزل محمد بن أبي عفان حين لم يرضوا سيرته.
(3)
من بين الاستراتيجيات التي استخدمها جماعة الإباضيّة كتنظيم في فترة الكتمان، أو حتى دولة في طور الظهور ـ للحفاظ على الوحدة ـ عدم نقاش القضايا التي يمكن أنْ تؤثر على وحدة الجماعة تنظيماً أو دولة، وهذا التكتيك يبرز منذ بدايات الحركة في البصرة فقد كانوا يتحرجون من الخوض في القضايا الشائكة التي يمكن أنْ تجلب الخلاف الفكري بين أعضاء الجماعة، والذي هو غطاء للخلاف السياسي، وأبرز قضية هي قضية القدر الشائكة والمعقدة والتي تجلب الخلاف بطبيعتها، ورد هذا النص في بيان الشرع فهو نص يدل دلالة قوية على ما نقول"
"البلية بأمر القدر شديدة، لانه سريع بخروج المرء من دين الإسلام، لأن مذهب المعتزلة أجمع ضلوا بكلمة في القدر، والعزير غضب عليه ربه على سؤال عن كلمة القدر، وكم من مذهب أهله في ضلال بسبب القدر فالقدر بحر عميق قد هلك فيه بشر كثير"(14)
كذلك ما أورده السالمي عن جابر بن النعمان: "اختلف المسلمون في صحار في الذي يعمل الحسنات والسيئات...، فخرجنا من صحار إلى سمائل فسألت هاشم بن غيلان عن ذلك فقال: كفوا عن هذا، فقد وقع بصحار وكتبوا إلينا فلم نجبهم، وعند هذا ومثله تقع الفرقة(15)"
يتضح من خلال المثالين تحرج الإباضيّة من الخوض في النقاشات الفكريّة التي يمكن أنْ تشق وحدة الجماعة، فمناقشة قضية مثل قضية القدر سريعة بخروج المرء من دين الإسلام أي المذهب، وقضية الحسنات والسيئات لا تستحق النقاش والإجابة عليها لأنها مما يقع منه الفرقة والاختلاف، الفُرقة هنا ليست ـ فقط ـ فُرقة كلاميّة عقديّة أي اختلاف في الرأي الكلامي، بل فُرقة واختلاف على المستوى السياسي، بمعنى آخر، فالكلام ليس كلاماً ـ فقط ـ أي أنّه ذو مضمون ديني عقدي بعيد عن الواقع، بل مرتبط أوثق ارتباط بالواقع أي بالسياسة.
(4)
ينقل الإمام السالمي نصاً على قدر كبير من الأهميّة التاريخيّة، لأنّه ـ كما نظن ـ يساهم في تفسير "اتفاق دما" تفسيراً علميّاً، يقول السالمي رحمه الله: "وفي زمانه (الإمام عبدالملك بن حميد (207أو208-226هـ)) أظهر قوم من القدريّة والمرجئة دينهم بصحار، ودعوا الناس إليهم وكثر المستجيبون لهم، حتى صاروا بتوام وغيرها من عمان فخاف هاشم بن غيلان رحمه الله تعالى على المسلمين من ذلك، فكتب إلى الإمام:
وأنّه بلغنا أنّ قوماً من القدرية والمرجئة بصحار، قد أظهروا دينهم، ودعوا الناس إليه، وقد كثر المستجيبون لهم، ثم قد صاروا بتوام وغيرها من عمان، وقد يحق عليك أنْ تنكر ذلك عليهم فإنّا نخاف أنْ يعلو أمرهم في سلطان المسلمين، فأمر يزيد أو اكتب إليه لا يترك أهل البدع على إظهار دعوتهم، حتى يطفأ الضلال والبدع، واكتب إليه رحمك الله أن يظهر الإنكار عليهم، ويرسل إلى كل من بلغه شيء من ذلك، فيعرض عليهم الإسلام، ويصف لهم الدين، وإثبات القدر، وتكفير أهل الإصرار، فإن قبلوا ذلك وإلا فاحبس وعاقب (16)".
يظهر هذا النص وجود حركة تمرد ضد دولة الإمامة الإباضيّة، يقوم بها قوم من القدريّة والمرجئة، وهذا الحركة بدأت في صحار وامتدت إلى توام (البريمي حالياً) وغيرها من مناطق دولة الإمامة، فأصبحت تهددها، من خلال كثرة المستجيبين، وتوسعها في بقية أنحاء عمان، وخوفاً من أنْ يعلو أمرهم في "سلطان المسلمين" دولة الإمامة، يوجه الشيخ هاشمُ الإمامَ ـ باعتباره شيخاً من شيوخ المذهب ـ إلى اتخاذ الإجراءات والتدابير التي من شأنها أنْ توقف هذه الحركة، حتى ينطفئ الضلال والبدع، حيث يتوجب عليه ـ حتى لا يترك أهل البدع على إظهار دعوتهم ـ: "أنْ يظهر الإنكار عليهم"، أي على جميع بدعهم، ومنها البدعة الأخطر في تلك الفترة التاريخيّة على خصوم المعتزلة، وهي القول بخلق القرآن.
(5)
نستطيع الآن بعد عرض المعطيات السابقة، أنْ نحدد ما نراه سبباً آخر يضاف إلى ما سبق يقف وراء "اتفاق دما"، إنّه الخوف على دولة الإمامة من أنْ تكتسحها حركة التمرد القدريّة/ المرجئيّة.
فالتصريح بمقولة خلق القرآن يعني توفير شعار جاهز للحركة القدريّة/المرجئيّة لكسب مزيد من المستجيبين، كما كانت شعاراً للمأمون ولمن جاء بعده من الخلفاء العباسيين، ووفرت لهم حماية سياسية باعتبار المعارضين لهم يتبنون المقولة المضادة، وبالتالي الشعار المعاكس وهو القول بقدم القرآن.
إنّ دور العلماء ليس فقط اختيار مقولة كلاميّة بدل أخرى، أو تغيير معتقد مكان اخر هكذا اعتباطاً، بل كان دورهم أخطر، إنّ الوضع يحتم عليهم اتخاذ السبل الكفيلة للمحافظة عليها، فاتساع نفوذ القدرية والمرجئة في مناطق نفوذ "سلطان المسلمين" أي دولة الإمامة الإباضيّة، وكثرة المستجيبين لهم، كل ذلك يهدد دولة الإمامة، مما جعل واحدا من الأشياخ وهو هاشم بن غيلان يمارس دوره السياسي كعالم لا يقف عند حدود العلم المجرد بل ينغمس في الواقع السياسي.
وفي ظل هذه الأوضاع سيقوم العلماء بدورهم الذي يتوجب عليهم، وهو رسم السياسة المناسبة لدولة الإمامة لمواجهة التمرد القدري/المرجئي، وتجلت في إجراءات عمليّة، هي: وضع شعار مضاد لشعار القدريّة والمرجئة، وشعار القدريّة في ذلك الوقت القول بخلق القرآن، وهذا من خلال إعلان عدم التصريح بمقولة الخلق، وأما من يخالف ذلك فقد "أمروا (أي العلماء) بالشد على من أطلق(17)"، أي كل من يصرح بمقولة خلق القرآن، هل يخيف إعلان مقولة الخلق ـ وهي رأي المذهب الرسمي ـ دولة بأكملها، لا، إذن هو إجراء سياسي.
القول الصريح بخلق القرآن والذي ينتشر على مستوى العامة، يشكل تهديداً لأمن الدولة ووحدتها، فلا يعرف من المنتمي إليها من عدوها لتشابه الشعارات المرفوعة، إنّه اجراء وقائي يُعرف من خلاله الموالي للإمامة مِنْ المستجيب لدعوة القدريّة والمرجئة، فالاختلاف فيها يعني الاختلاف في الموقف السياسي، إنّه يعني الإنتماء لهذا الطرف أو ذاك.
ولقائل أنْ يقول إنّ تمرد القدريّة والمرجئة كان في فترة الإمام عبدالملك (207 أو 208 ـ 226هـ) بينما كان اجتماع الأشياخ في فترة إمامة المهنا بن جيفر
(226 ـ 237هـ)، فأين العلاقة بين الأمرين، فنقول: إنّ سيرة ابن غيلان تُظهر توسع نفوذ حركة التمرد وعدم توقفها، وقد خلف الإمام المهنا الإمام عبدالملك مباشرة، لذلك لا شيء يمنعنا من تصور، استمرار تمرد القدريّة والمرجئة، خلال الفترة الممتدة من 207 ـ 237هـ، وبالتالي استمرار التهديد لدولة الإمامة الإباضيّة.
إن ما اعتبره الإمام السالمي من خلال قوله:" وإن الذي لحظوه لمعنى دقيق"، ليس فقط على المستوى الاعتقادي أو الكلامي بل الأهم هو ما لحظوه على المستوى السياسي، وهذا المعنى الدقيق "لا يسقط على فهمه إلا من منحه الله تعالى من مواهبه"، نعم، ولكن بلغة السياسة من كان على مستواهم في المسؤولية عن الدولة، فلا بد أنْ يفكر ويدبر للدولة ما يحفظ كيانها ووحدتها، وما تبين لأبي عبدالله محمد بن محبوب، وجعله عَدَل عن موقفه ـ إي إعلان القول بالخلق ـ ليس هو خطورة التصريح بهذه المقالة مقالة خلق القرآن كرأي كلامي، بل ما يشكله التصريح بها من خطورة على مستقبل دولة الإمامة الإباضيّة.
إنّ "اتفاق دما" بعدم التصريح بمقولة خلق القرآن، بين الأشياخ كان قراراً سياسياً لوقف تمدد الحركة القدريّة المرجئيّة، وحفظ استقرار دولة الإمامة الإباضيّة العمانيّة وبقائها.

* باحث في الفكر الإسلامي


هوامش:
1ـ عبدالله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان،153-155.
2ـ أحمد بن حمد الخليلي، الحق الدامغ،105.
3ـ محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية،97.
4ـ فهمي جدعان، المحنة،105.
5ـ محمد عابد الجابري، المرجع السابق، 85-86.
6ـ عبدالله بن حميد السالمي، المرجع السابق،1/153-154.
7ـ المرجع السابق، 1/154.
8ـ المرجع السابق،1/155.
9ـ المرجع السابق،1/ 155.
10ـ أحمد بن حمد الخليلي، المرجع السابق،105-106.
11ـ المرجع السابق، 106.
12ـ المرجع السابق، 107.
13ـ المرجع السابق، 107.
14ـ محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، 2/84.
15ـ السالمي، المرجع السابق،1/135.
17ـ السالمي، المرجع السابق،1/136-138.


سعيد بن مبارك الطارشي


أعلى





معظم الذين انتقدوا العمل لم يشاهدوه
نجدت أنزور: بعض المحطات خافت من عرض مسلسل "ما ملكت ايمانكم"
اتُهمتُ كثيراً في أعمال سابقة، وكانت نهايات أعمالي تثبت العكس

دمشق ـ "اشرعة":
لأن من عادته أن يثير الزوابع والعواصف في ساحتنا الدرامية ويحرك المياه الراكدة لقب ألقاباً كثيرة كالمتمرد والمشاكس والجريء والرافض وهذا ما جعله من المخرجين الاستثنائيين الذين تفوق شهرتهم أهم النجوم في الدراما السورية والعربية.. ولأنه كذلك تجاوز وبجرأته المعهودة في عمله الأخير "ما ملكت إيمانكم" كل ما هو متوقع وتخطى خطوطاً حمراء ما زال بعضهم يرفض مجرد الاقتراب منها فثاروا وتجاوزوا في ردود أفعالهم ما اعتدنا عليه.. انه المخرج السوري نجدت انزور الذي نلتقيه في السطور التالية:
*هل كنتَ تتوقع الردود العنيفة التي صدرت بعد عرض مسلسل "ما ملكت أيمانكم"؟
** بالتأكيد كنتُ أتوقع ذلك، وما حدث كان أمراً طبيعياً، خاصة وأن المسلسل مسَّ تابوهات (محظورات) معيّنة، ولكن ما لم أتوقعه أن تكون ردود الفعل بتلك الطريقة التي تمثّلت ببيانات لبعض علماء الدين والمسلسل ما زال في حلقاته الأولى.
* برأيك متى يصبح مثل هذا الهجوم أمراً خطيراً؟
** تصبح الأمور خطيرة عندما تصل حد التكفير وإهدار الدم، وهذا يجعل المبدع يبتعد ويحد من نمو وتطور أية فكرة قد تخطر على باله، حيث يفضّل حينها أن يبقى على الهامش من خلال تداوله لمواضيع سطحية وتافهة، وهذا بحد ذاته يشكل خطورة على تطور مجتمعاتنا، خاصة وأن من يطور مجتمعاتنا هم القادرون على التأثير في المجتمع، والفنانون هم الأكثر تأثيراً في الوقت الحالي.. إن التأثير الذي يحدثه مسلسل واحد يتابعه الملايين قد يعادل مئات المقالات التي تُنشَر ولا يقرأها أحد.
* وكيف تعاملتَ مع الاتهامات ؟
** تعاملتُ معها بمنتهى الهدوء، وأرى أن المجتمع السوري لم يتعود على مثل هذه الأمور، وما حدث غريب عنه، خاصة وأن التسرّع ليس من صفة المسلم الحقيقي الذي يفكر ويفتكر ويراجع نفسه وضميره قبل أن يحكم على الناس وقبل الإقدام على أي قرار.. أرى أن ما حدث يدخل في دائرة السجال، وكلٌ بأسلوبه وأعرف تماماً أن الناس ستقيّم عملي بعد الانتهاء من عرضه وسيكتشفون مدى صدقي ومدى صحة أو عدم صحة هذه الاتهامات.
* تابوهات عديدة حطَّمتَها في المسلسل من خلال طرح مواضيع شديدة الحساسية، فهل كانت جرعة الجرأة كبيرة برأيك؟ وهل كان ذلك مقصوداً؟

** بالتأكيد لم أفعل ذلك بالصدفة، فقد كان ذلك مقصوداً وأنا أرى أن هذا ما هو مطلوب مني كمبدع بالتحديد، وقد اكتشفتُ من خلال ردود أفعال الناس أنني كنتُ على حق عندما تناولتُ تلك المواضيع وسلطتُ الضوء عليها لمناقشتها والحديث عنها بهدف توعية الناس، خاصة فيما يتعلق بمفهوم الدين الذي أصبح موضوعاً شائكاً بعد أن أصبح أيٌّ كان يحلِّل ويحرِّم كما يريد، لذلك يجب وضع النقاط فوق الحروف، وليكن "ما ملكت أيمانكم" مفتاحاً لفتح حوارات جديدة.
* إلى أية درجة كنتَ تعتقد أن المسلسل سيفتح جبهات ضدّك أكثر مما سيفتح بابًا للحوار؟
** قد يكون المسلسل فتح جبهات عليّ، ولكن هذا في البداية فقط، ولكن بعد ذلك سيكون محرِّضاً للعديد من النقاشات والحوارات، وإذا كان المسلسل فتح عليّ النار فمن المستغرب أن ذلك حدث في الحلقات الأولى منه، ولكن منذ ما بعد منتصف العمل بدأتْ المواقف تتغير لأن شخصية المسلم الحقيقي فيه بدأت تظهر، وخلق وجودها نوعاً من التوازن، وبدأت الأمور تتضح شيئاً فشيئاً، وأنا متأكد من أن تسعين بالمئة من الذين انتقدوا المسلسل وتهجّموا عليه سيخجلون من أنفسهم في نهايته لأنهم أطلقوا أحكاماً متسرعة ولم ينتظروا الانتهاء من عرضه لتكون أحكامهم منطقية ومقبولة ومقنعة، وكان من الممكن أن يكون ذلك مقبولاً لو أن العمل كان فيلماً سينمائياً مدته ساعتان يمكن تقييمه مباشرة، ولكن أن يُقيَّم عمل مكوّن من ثلاثين حلقة وهو ما زال في حلقاته الأولى أمر مرفوض ومستغرَب.
* ألم يكن من المستغرَب أيضاً أن حكم بعض علماء الدين على المسلسل كان بناء على ما قيل لهم من انطباعات وليس بناء على مشاهدتهم ومتابعتهم للعمل؟
** أنا بالأصل استغربتُ تدخّل علماء الدين في مجال الإعلام والثقافة، فذلك من اختصاص وزارة الإعلام، وإلا فما فائدة وجودها إذا كان مسموحاً للجميع أن يتدخل؟
* ولكن ألم يكن من الطبيعي تدخّل علماء الدين باعتبار أن جزءاً من المسلسل يسلط الضوء على شخصيات ذات توجه ديني؟
** توقعتُ هذا التدخّل، ومع ذلك يبقى تدخّل السلطة الدينية في عمل فني أمر مرفوض وخطير ولا يجوز أن يحدث، وما حدث يجب أن يتوقف عند حد معيّن وألا يتكرر ثانية، وأنا متيقّن أن مجرد قرار عرض المسلسل والسماح به يصب في هذا الهدف، فلو مُنِع العمل بناء على تدخّل السلطة الدينية لأفسحنا المجال لها للسيطرة والتدخّل أكثر في شؤون الإعلام والثقافة، وهذا يجب ألا يحدث وهو أمر مرفوض ليس من قبلي بل من شرائح كثيرة من المجتمع.
*ألم يحزنك أن تُتهَم ـ كمسلم ـ بتشويه صورة الإسلام رغم أن غايتك ونواياك عكس ذلك تماماً؟
** اتُهمتُ كثيراً في أعمال سابقة، وكانت نهايات أعمالي تثبت العكس، والنتائج هي التي تفرض نفسها فيها.. أنا غايتي فتح باب الحوار والنقاش دائماً، وأذكر هنا أنني ومنذ أيام لبيتُ دعوة إفطار في احدى السفارات العربية في دمشق، وكان ذلك فرصة لتناقشني فيها مجموعة من علماء الدين حول عملي وأكدوا لي أن النموذج الذي قدمتُه في المسلسل لا يمثل الدين الإسلامي الحقيقي، وهناك نماذج أخرى كثيرة تمثله خير تمثيل واستغربوا أن أركّز على الاستثناء، فأكدت لهم أن النموذج المطروح موجود ويكاد يتحول إلى ظاهرة، وباعتبار أن الدراما عادة ما تكون انتقائية فهي تركز على بعض الظواهر السلبية الموجودة، وعندما سألتُهم إن كانوا قد شاهدوا العمل استغربتُ أنهم لم يفعلوا ذلك، وبالتالي فإنها مشكلة أن أتحاور مع أشخاص يناقشوني ويحكمون على العمل وهم لم يشاهدوه، بل وأصدروا بيانات بناء على ذلك.. إذاً هناك مواقف مسبقة جاهزة لدى البعض، وأعتقد أن هؤلاء عندما ظهرت شخصية الشيخ عمار في المسلسل والذي تمثل عالم الدين الحقيقي فقدوا مصداقيتهم نتيجة مواقفهم المسبقة وعدم تحققهم من صحة ما وصل إليهم من آراء، مع أن الإسلام يدعونا للتبيّن والتحقّق، وأنا أعذر من أصدر بيانات لأن هناك فئة ضلّلتهم ووضعتهم في الواجهة تحقيقاً لأهداف معينة، ولأنهم بالأصل لا يتمتعون بمصداقية عند الناس دفعت بعض علماء الدين أصحاب المكانة والذين يتمتعون بمصداقية لتنفيذ أغراضهم باعتبارهم الفئة المتضررة من العمل، فدفعوا الأمور بالاتجاه الذي حدث.
* هل نفهم من كلامك أن الضجة التي حدثت حول العمل فيها استهداف شخصي لك؟
** في أحد جوانبها فيها استهداف شخصي، ولكن تبقى المواضيع الحساسة التي طرحتُها في عملي أكبر مني كشخص.. لقد أردتُ أن أقول في عملي أن المجتمع السوري مثله مثل أي مجتمع آخر في طور التطور والنمو والتغيير باتجاهات مختلفة، وهي مرحلة انتقالية يعيشها مجتمعنا شئنا أم أبينا وستؤثر عليه كثيراً.
* ولكن ألا تعتقد أن مجتمعاتنا العربية تتجه اليوم نحو الدين بقوة؟
** بشكل أدق أقول إن مجتمعاتنا تسير باتجاه إما التطرّف الديني أو التطرف الذي يتجه نحو الانفلات، لذلك أردتُ أن أتحدث عن الفاصل الذي يفصل هذا عن ذاك، أي عن المنطقة الوسطى التي يجب أن تكون أكثر اتساعاً، وأعتقد أنها دعوة حق وباتجاه مجتمع سليم صحي ليستطيع أن ينجح وينتج أفراداً قادرين على الاستمرار.
* يتردد أن هناك شخصاً محدداً هو من أثار هذه الضجة، فماذا عن حقيقة الأمر؟
** هناك أكثر من شخص، والمسلسل يقدم نماذج عديدة منهم كشخصية نسيب الذي يمثل مجموعة من الشخصيات الموجودة في مجتمعنا والتي قدمتُها ولكن بعد معالجتها درامياً، إذ لا يجوز إلقاؤها في العمل كما هي في الواقع.
* كيف تفسر اعتراض علماء الدين على تسمية العمل بـ "ما ملكت أيمانكم" باعتبارها جملة مقتطعة من القرآن الكريم؟
** هذا السؤال يجب أن يوجَّه لهم، والسؤال لماذا لم يقولوا ذلك في مسلسل "الحور العيِن" الذي عُرِض قبل سنوات قليلة؟
* البعض قد يسأل إن كنتَ استشرتَ علماء دين في النص الذي كتبته هالة دياب؟
** نعم، هذا ما حدث تماماً، فهناك علماع دين أشرفوا على العمل من الناحية الدينية لأنه مهما بلغ كاتب السيناريو من حِرَفية تظل هناك أمور تحتاج لاستشارة، وخاصة الأمور الدينية، لذلك راجعتُ بعض الشخصيات الدينية التي لها مكانتها الدينية والعلمية وقد أفادوا العمل.
* متى تشعر كمبدع بخطورة ملامستك لبعض المحظورات؟
** لأنني ابن هذا المجتمع يبقى انتمائي هو البوصلة التي توجهني لمعرفة حجم الخطر، لذلك فأنا مؤمن بأنني طالما أسلط الضوء على العيوب فهذا أمر إيجابي ومطلوب، ولكن عندما أبدأ بتسلط الضوء على العورات يصبح الأمر خطيراً، وحتى الآن لم أعمل في هذا الاتجاه.. إذاً الحدود موجودة لأننا أولاً وأخيراً نطل عبر التلفزيون الذي تتابعه العائلة، وأنا لم آتِ بما يؤذيها لمجرد أنني طرحتُ موضوعات جريئة، في حين أن المحطات تقوم يومياً ببث مسلسلات تركية تقدم حالات مرفوضة في مجتمعنا، كأن تقوم إحداهن بإقامة علاقة مع شاب وتنجب منه ليقوم الجد بتربيته بكل بساطة وسهولة، في حين أننا لم نفعل ذلك ولن نصل لذلك أبداً لأن مجتمعنا ليس كذلك، وإذا كان في مجتمعنا بعض الحالات الشاذة فنحن لا نحاول التركيز عليها حتى لا تبدو أنها ظاهرة موجودة، في حين أن الحالات التي تناولتُها في "ما ملكت أيمانكم" هي ظواهر موجودة في مجتمعاتنا شئنا أم أبينا، فأنا لا أريد أن أدفن رأسي في الرمال وأنكر وجودها لأن ذلك لا يحل المشكلة، بل المطلوب أن نظهرها على السطح لنعالجها في النور.
* ولكنك بذلك تقوم بنشر الغسيل الوسخ على الملأ؟
** هذه هي وظيفتنا في الدراما، وهي ليست الهدف بل هو الأسلوب لأن غايتنا بالأساس هي تطوير المجتمع، وأعتقد أن العمل لو كان فيه تشويه للمجتمع السوري لما تمت الموافقة على عرضه في الفضائية السورية.
* رغم كل خصوصية عملك إلا أنك لم تبتعد في تقديم الشخصيات الدينية عن الشكل التقليدي الذي قدمتْه وما زالت الدراما العربية؟
** لا يعنيني الشكل، والدليل شخصية الشيخ عمار في العمل، فهو في الشكل لا يختلف كثيراً عن شكل عالم الدين التقليدي إلا أن ما يميزه مواقفه المختلفة تماماً، إضافة إلى وجود شخصية محمود عالم الدين العصري الذي يشكل المعادل الآخر لعالم الدين التقليدي، وبالتالي فإن كل هذه النماذج التي قدمتُها موجودة في الواقع، وأن تقديم شخصية دينية سلبية ليس معنى ذلك أن كل علماء الدين هكذا، ومن يعتقد ذلك هم أصحاب الأفق الضيق، وهذا ليس قصدنا إطلاقاً، فنحن نحترم كل الناس، وما يهمني في الفرد سلوكه وحركته داخل المجتمع ومدى تأثيره وليس شكله.
* كيف تم اختيارك للممثلين الذين شاركوا في العمل ومعروف عنك دقة الاختيارات؟ وهل رفض أحد الفنانين المشاركة خوفاً من المواضيع المطروحة؟
** اختياري للفنانين المشاركين تم بناء على الشخصيات التي بين يديّ، وكان يهمني ألا يحدث عدم تطابق بين الشخصية التي تؤدي الدور وبين واقعها.. لقد حاولتُ قدر الإمكان أن يكون هذا الهامش ضيقاً جداً، وقد وفِّقتُ في ذلك بنسبة ثمانين بالمئة، فمثلاً لم أرَ سوى الفنانة رنا الأبيض لتجسيد الشخصية التي لعبتْها، وكذلك لم أرَ سوى مصطفى الخاني لتجسيد شخصية توفيق، وأنا لم أحاول أن أستغل نجاحه في مسلسل "باب الحارة" كما أعتقد البعض وقد نصحتُه أن يقدم ما هو جديد حتى لا يكرر نفسه ليثبت أنه فنان يصنع الشخصية وليست الشخصية هي التي تصنعه، وبناء على ذلك تم التعاون بيننا مع العلم أنني قد تعاملت معه في "سقف العالم".
* صرَّحتَ ذات مرة بأنك تختار الموضوع، والكاتب حين يكتب فإنه يكتب لك، فماذا عن نص "ما ملكت أيمانكم"؟
** كتبتْ د.هالة دياب النص بناء على أفكاري التي قدمتُها، أما الجانب الديني فاستشرنا فيه علماء دين متنورين من سوريا، وهنا تكمن أهمية سوريا التي تحوي كل التيارات وتتسع لكل الأفكار والألوان والأطياف؟
* من أعمالك السابقة مسلسلات "الحور العين والمارقون وسقف العالم" ويبدو واضحاً أن لديك مشروعاً وهاجساً حول مفهوم الدين والإرهاب.. حدثنا عنه وماذا أنجزتَ منه؟
** هو مشروعي الوحيد وهاجسي، والدليل أنني أنجزتُ ثلاثة مسلسلات خلال خمس سنوات تصب في نفس الاتجاه، وأسعى من خلاله وبالدرجة الأولى إلى عدم الإساءة للدين الإسلامي ومحاولة توضيح حقيقته وأنه ليس كما يحاول البعض تشويهه.. هو مشروع وما زال هناك الكثير لإنجازه في هذا المجال، ولكن ما يؤخر إنجاز المزيد منه هو قضية الإنتاج لأننا لسنا أصحاب القرار في الإنتاج ولا نمتلك أدواته، والمشكلة الأكبر أنه حتى لو توفر المال فنحن نحتاج إلى محطة تعرض المسلسل في النهاية، وأنا لا أمتلك هذه المحطة.. إذاً هناك شبكة من العلاقات المعقدة جداً، فعمل تافه جداً قد تتبناه كل المحطات، وعمل جيد لا يجد محطة واحدة تقوم بعرضه.. إذاً نحن تحت رحمة هذه المحطات ومزاجها العام ورغبتها ومواقفها السياسية.
* وهل هذا ما جعل محطات قليلة توافق على عرض "ما ملكت أيمانكم"؟
** في البداية خافت بعض المحطات من عرض العمل، وبالتالي هي لم ترفضه بل كان هناك نوع من الحذر، خاصة في عرضه الأول، في حين أن محطات عديدة ستقوم بعرضه بعد شهر رمضان مباشرة (ربما بعد امتصاص الصدمة)، ورغم ذلك أرى أن العمل عُرِض في أهم محطتين مشاهَدتَيْن في شهر رمضان هما الفضائية السورية والمستقبل التي عادت إليها الدراما السورية من خلاله، إضافة إلى المحطة الليبية وفضائية مجان العُمانية.
* ماذا عن خصوصية مسلسل "سقف العالم"؟ وهو من الأعمال الهامة جداً في مشروعك وهل تعتقد أنه نال حقه؟
** كان المسلسل رداً على الرسوم المسيئة للرسول الكريم وقد عرضناه في الدنمارك وشاركتُ مع كاتب العمل حسن م يوسف في ندوة أقيمت هناك، كما أن الجريدة التي نشرت الرسوم أجرت معي حواراً تحدثتُ فيه عن الإسلام وحقيقته.
* إذاً أنجزتَ عدة أعمال تصب في مشروعك، فهل أنت راضٍ عن النتائج على أرض الواقع؟
** نعم، فقد وعّت الناس، وهذا ما هو مطلوب.. إن الوعي هو الذي يحمينا، لذلك عندما يحاول أحد تغييب هذا الوعي دورنا أن نواجه ونمنع حدوث ذلك لنبقى متماسكين، وهذا هو هدفنا الأسمى وغايتنا النبيلة، لذلك أقول وبكل تواضع لو أنني نجحتُ نجاحاً باهراً في تقديم عمل تافه لكن دون قيمة فسأشعر أنني إنسان تافه، لذلك أسعى دوماً لأن أقدم أعمالاً لها قيمة حتى لو دفعتُ ثمناً غالياً.
* ماذا عن المستقبل؟ وهل من جديد يصب في نفس المشروع؟
** هناك العديد من الأفكار بالتأكيد، ولكن أنا في كل عمل أنتظر ردود الأفعال عليه ومدى تفاعل الناس معه، وهذا بالنسبة لي مؤشر لإمكانية أو عدم إمكانية الاستمرار، وبالتالي فبعد انتهاء عرض "ما ملكت أيمانكم" ستتحدد مسيرة الاتجاه لديّ في المستقبل.
* برأيك كيف سينعكس ما حدث على واقع الدراما في المستقبل؟
** أعتقد أنه سينعكس إيجاباً على واقع الدراما السورية، فما حدث سيجعل الكثير من الأطراف تعيد النظر في مواقفها، وأنا مؤمن بأنه لا شيء يخيف طالما أننا في الدراما السورية نعمل انطلاقاً من وطنيتنا وإنتمائنا لبلدنا، لذلك فإن كل شيء قابل للنقاش، ونحن لسنا مدفوعين من جهات مشبوهة ـ كما يحلو للبعض أن يتهمنا ـ بل إن الإخلاص والوطنية يأتيان أولاً ليأتي كل شيء بعد ذلك.
* لك تجربة في موضوع تحويل الرواية لعمل تلفزيوني في مسلسل "نهاية رجل شجاع"، فما خصوصية رواية "ذاكرة الجسد" التي حوّلتَها أيضاً على مسلسل تلفزيوني؟
** الخصوصية تكمن في جزائريتها، كما تنبع من امتداد الأحداث بين فرنسا والجزائر، واختياري اللغة الفصحى لغةً للعمل لتتاح له فرصة العرض على كل المحطات العربية، إضافة إلى إصراري على مشاركة ممثلين عرب باعتبار أن الفصحى تفتح المجال لذلك، كما يجب أن أشير إلى أن الرواية بالأصل لا يمكن تجسيدها في ثلاثين حلقة ولا بأي شكل من الأشكال، لذلك كان هناك جهد كبير جداً بذلتْه ريم حنا لتطوير الأحداث بناء على ما بين السطور.
* ألا تعتقد أن الضجة التي أثيرت حول مسلسل "ما ملكت أيمانكم" كانت على حساب مسلسل "ذاكرة الجسد"؟
** لا، أبداً، فمسلسل "ذاكرة الجسد" يغرّد خارج السرب كله، والجمهور لجأ إليه للابتعاد عن الضجيج، وانطباعات الجمهور عنه ممتازة.
* في بداية التحضير لمسلسل "ذاكرة الجسد" عبّرت كاتبة الرواية أحلام مستغانمي مراراً عن إعجابها بالسيناريو الذي كتبتْه ريم حنا إلا أنها سرعان ما بدأت تصرّح عكس ذلك، فما هو تفسيرك؟
** من الصعب جداً أن يرضى كاتب الرواية عندنا بالعمل الفني لها وهي عادة متمكنة فيه حيث يتملّكه إحساس دائم بأن العمل الفني قد شوّه روايته، وهذا أمر غير صحيح لأن الرواية شيء، والعمل الدرامي شيء آخر مختلف، أما إذا كان السيناريو جيداً أو غير جيد فكاتبه يتحمل المسؤولية لأن الرواية مكتوبة وموجودة في السوق.. لقد حُوِّلتْ مجموعة من روايات ماركيز إلى أفلام سينمائية، فهل انتُقِصتْ قيمة رواياته؟ الرواية فن، والكتابة الدرامية فن مختلف، ولكن نحن في عالمنا العربي لا نستطيع أن نفصل بين هذه الأمور، في حين أن هذه الأمور في الغرب ليست مثاراً للجدل والنقاش أبداً.
* هل تابعتَ ما قُدِّم من أعمال سوريّة في رمضان؟ وما الذي لفت انتباهك؟
** تعرفتُ في بداية الشهر على المسلسلات المعروضة، وأعتقد أن هناك عدداً من الأعمال الاجتماعية بالتحديد يمكن أن أتابعها في عروضها القادمة مثل "تخت شرقي" الذي أعجبتني فيه عفوية أداء ممثليه، كما أعجبني مسلسل "وراء الشمس" وأعتقد أنه الأميز بين الأعمال التي قُدِّمت، وكان من الممكن أن يكون أفضل لو اتسعت دائرة الأحداث فيه لأن قضية المعاقين جزء من قضية المجتمع ككل، لذلك كنتُ أتمنى لو خُدِم السيناريو أكثر، ومع هذا أرى أن المخرج قدّم جهداً كبيراً فيه، أما الشخصية التي أداها بسام كوسا فقد انبهر الجمهور بأدائه وهو دون شك من أهم الممثلين السوريين، إلا أنها ليست صعبة ومن السهولة على ممثل مثله أن يقدمها، أما مسلسل "أسعد الورّاق" فأنا ضد فكرة إعادته بالأصل لأن له قيمة خاصة في ذاكرة الناس ووجدانهم ولم أشعر أن القائمين عليه خرجوا من إطار نسخته القديمة فلم يقدموا لنا ما هو جديد، وفي مثل هذه الحالات لا ألوم إلا المخرج الذي يجب ألا يقدم على مثل هذه المغامرة إلا إذا كان واثقاً أنه قادر على تقديم ما هو جديد، وأعتقد أن هذا لم يحصل في "أسعد الوراق".
* وهل أنت مؤمن بدور الدراما في إحداث تغيير في المجتمع؟
** يساهم العمل الدرامي مساهمة فعالة في ذلك، ويجب ألا نستهين بهذا الدور.



أعلى





قراءة في دراسات فقه العمران وكتاب (عمارة الأرض في الإسلام) (3)
درجة المسؤولية في البيئة المبنية بين الشرق والغرب!

بمقابل نظرة الغرب للمسؤولية تجاه البيئة نتساءل: "ما الحال في التعامل مع البيئة وأعيانها دام فضلكم في الدول التي يرفع فيها الأذان خمس مرات يوميا؟" الإجابة بسيطة! لو حدثت معي نفس الحادثة في حارة عربية, وأنا أجرّ عربة المتجر, فهناك احتمالان لهما ثالث ورابع, الأول ألا يهتم أحد من الموحّدين المحيطين ولا يلقي بالا, وربما "يطرح" عليّ السلام ثقيلا عشرات الجيران وفي الغالب فسنتبادل أحاديث الحب والوئام وعبارات المجاملة والنفاق الاجتماعي. الحالة الثانية أن تخرج عليّ جارتي المسلمة "وتردح" لي ويعلو صوتها في أرجاء الحارة ـ وهو "عورة" بمقاييس الشريعة الإسلامية", ليخرج بعدها زوجها "فازعا" لكرامة زوجته ويتطور الحال إلى شجار بين أهل الحي وربما المدينة برمتها. الحالة الثالثة أن تقرر الجارة من "عليائها" ومن خلف "مشربية", أو ميزاب الدار, أن ترشني خلسة بماء الغسيل عقابا على فعلتي وجزاء وفاقا لأنني لم أكن أرجو حسابا ولا عقابا من عقلاء الحارة ولا بابها ولا "زعرانها"! أما الحالة الرابعة, وهي الأرجح, فقد أتحول بعملي هذا في جر عربة المتجر إلى "قدوة" لبقية الجيران حيث ستشيع "ثقافة" جرّ العربات في الحي وتنتشر بسرعة انتشار النار في الهشيم "كأعراف اجتماعية", تنتقل للأجيال من السلف للخلف, وينضم كل جيران الحي لنادي "جراري عربات المتجر" ـ وأدخل بفعلتي هذه "تاريخ علم الاجتماع" العربي المجيد!
وبمقابل حادثة العربي الذي يجمع روث الكلبة في الطريق بإنجلترا, أذكر في مدينة عمّان أثناء دراستي في الإعدادية أن "زبالا" كان يمر بأحد أحياء المدينة أمر من خلاله في طريقي للمدرسة, التي كانت تبعد حوالي ميل مشيا على الأقدام, وقد ربط حول رقبة حماره "ربطة عنق" حمراء فاقعة على سبيل "السخرية المرّة" من واقع الحياة, ودار بعربته التي ما فتئت عجلاتها التي يجرها الحمار البائس تملأ الحي صريرا عاليا ولحنا "صباحيا" ـ لم يكن بحال "لحن المرور الأخير" للحمار أو صاحبه أو عربتهما صدئة العجلات! وقد رام الحمار "كيدا" بالحارة وأهلها فسار, وربطة العنق تتدلى من رقبته, ناثرا "روثه" في أرجاء الطريق. وبدلا من أن يعمل الزبال على جمع "زبالة" الحي, كانت النتيجة أنه وحماره يعملان كمكرهة صحية متنقلة يساهم الحمار بنصيبه في نثر "روثه" هنا وهناك ويبث بثا حيا ومباشرا وقائع الموكب المبجل المكون منه بمعيّة صاحبه والعربة بعجلاتها الصدئة في قاصي الحارات ودانيها - فيما تتبع موكبهما أسراب "غفيرة" من ذباب طنّان ورنّان من كافة الأنواع والأحجام والأوزان والألوان (منها الذباب "الأزرق" الأسطوري). وربما بعد ذلك تجد صاحب الحمار في الصف الأول في المسجد آخر النهار مسبّحا حامدا. أي شريعة هذه التي ستغير ما بقوم "ثقافتهم الاجتماعية" التي لا تكترث للبيئة وكأنهم سكان المدينة المجاورة ولا تعنيهم نظافة أو نظام بيئتهم وكأنه لا انتماء لها؟
وللمفارقة, فالمثال الذي يستشهد به الكاتب في زرع الأشجار, ومسلسل "الافتراضات" التي يقدمها في مستهل الفصل, يبرز ودون أن يدري الكاتب الطريقة البشعة لتعامل المجتمع العربي المسلم مع عناصر البيئة وأعيانها! فربما كان من السهل فعلا أن يختلف الجيران هناك على من سيروي الشجرة وأن الموظف المسؤول هناك سيطالب بزيادة وسيهمل سقايتها وسواه مما يذكر الكاتب وغيرها من مشاكل البيئة الحضرية العربية. وبالمقابل لنا مشاهدات مغايرة من الغرب للكيفية التي يرى فيها الأفراد البيئة المحيطة من حولهم ومسؤوليتهم التي لم تفرضها عليهم سوى "تنشئتهم الثقافية". فقبل سنوات وأثناء المشي مع مجموعة من زملاء الدراسة في الطريق بجانب مجموعة من الأشجار وبعض الأزاهير في مناطق عامة, مد أحد الزملاء يده وقطف زهرة وقدمها لزميلته المرافقة لنا ليلاطفها, فما كان منها إلا أن عاجلته بجملة توبيخية وبطريقة غاية في الأدب ولكن تظهر الحس الإنساني والفكر الرفيع وقالت له:" لقد انهيت لتوّك "حياة", وكنت أفضّل رؤية الزهرة في مكانها على التمتع بها تموت بين يديّ"! وكم أشفقنا على هذا "العاشق" المسكين "عدو البيئة" وقد تمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه! هذه هي نظرة الغرب لعناصر البيئة من حولهم وهي تنشئة يرضعها الأفراد مع الحليب منذ صغرهم. ونستغرب من الكاتب, وقد عايش الغرب لسنوات, كيف يرجع بانطباعات يعكسها في كتاباته مثل الجملة التالية التي يعاجل بها القارئ في الصفحة 32 مفسرا تفسيرا سطحيا وخاطئا وجود الأشجار في المناطق العامة في الغرب وندرتها في الشرق :" أما المقصود بتوزيع الأعيان في البيئة, فهو دراسة أماكن تواجدها, لماذا هذه العين هنا وليست هناك؟ ومن الذي قرر هذا ؟ لنأخذ الأشجار كمثال: ففي المدن التقليدية نجد أن غالبية الأشجار متواجدة في الأفنية الداخلية وحدائق العقارات الخاصة, مثل المنازل والقصور والمدارس, بينما تندر في الأماكن العامة كالشوارع. هذا خلاف المدينة الحديثة, حيث إن نسبة الأشجار في المناطق العامة مثل الساحات والشوارع مرتفعة. وهناك تفسيرات كثيرة لهذا الاختلاف: أحدها, وهو تفسير اجتماعي والأكثر شيوعا بين الباحثين: هو أن الحضارة الإسلامية تنظر إلى الأسرة من حيث الستر (الخصوصية) والبعد عن أنظار المتطفلين, ولذلك وفرت كل شيء للإنسان داخل بيته. هذا على عكس الحضارة الغربية التي تدعو إلى الاختلاط, فلا بأس عند الغربيين من استخدام الحدائق العامة مجتمعين, لذلك كثرت الأشجار في المناطق العامة". انتهى الاقتباس.
نحن نتّهم المستشرقين بأنهم يعودون لبلادهم بأفكار "نمطية" عنا نحن المشرقيين حين يزورون بلادنا ويروون عنا مشاهدات يومية "يندى لها الجبين"! لكننا في الوقت ذاته نسمح لمن عاش منا في الغرب أن يعود وأن ينقل عنهم انطباعات وترهات وهراء! فالحضارة الغربية لم توفر للعامة الأشجار في المتنزهات "بدعوى الاختلاط" كما يشير الكاتب بتجنّ على الغرب, بل هي منحة "ربانية" من أمطار شحّت في بلاد المسلمين, وعقليات منهجية منظمة من مختصين بعلوم البيئة قدّرت "محقّة" أن المدن بحاجة لمتنفسات طبيعية تعمل على التوازن بين عناصرها المختلفة ولتوفير متنفسات خضراء تشفي المرضى بمجرد رؤياها وتعين القاطنين على ممارسة الرياضة اليومية - التي تغيب عن المدينة العربية. فلم يخطط المخطط الغربي المتنزهات ليقول للناس "الكفار" في الغرب "هلموا سراعا أفرادا وزرافات "واختلطوا"! وإن كانت هذه المتنزهات العامة في الغرب هي "للاختلاط" كما يشير الكاتب, فلماذا يتيح لنفسه أن يقضي ساعات متجولا في متنزه (Hyde Park) في وسط مدينة لندن مستمتعا بجمال الطبيعة التي وفرها له المخطط الغربي الكافر!! فبطريق المصادفة المحضة, وفيما كان يسير كاتب هذه السطور في منطقة (Paddington) بلندن والمجاورة للمتنزه الشهير في مساء يوم صيفي من شهر يوليو من العام 1996, طالعني مؤلف الكتاب خارجا من المتنزه المذكور "المعدّ للاختلاط" كما يزعم, وهو يسير الهوينا وقد أنهى التجوال في المتنزه الذي صممه الغربي! ولهذا فبحسب رأي الكاتب فالمدن يجب أن تكون خاصة لأهلها فقط ويجب زراعة أشجارها في ساحات البيوت الداخلية, عملا بنظرية "الإذعاني المتّحد" بزعم الكاتب, أما زوار المدينة "الإسلاموية" التي يشيع فيها "الإذعاني المتّحد" حيث "يسيطر ويملك ويستخدم" كل فرد فيها على "أعيان" المدينة بما يلغي "نموذج الإذعاني المشتت" ويمحقه محقا, فعليهم المشي في ساحات ملتهبة عارية من الأشجار والظلال تتلظى بلهيب الشمس الحارق في شوارع متعرجة ضيقة لا تتيح لهم الوقوف لأن كل صاحب بيت سيسعى للسيطرة على عتبة داره ويطرد الأغراب بسبب "الخصوصية" التي تفرضها الحضارة الإسلامية كما يزعم - والتي بات الكثيرون من المتعصبين اللاعقلانيين يستخدمونها كسلاح مشرع في وجه الغرب "الإباحي". وكأن الخصوصية "خصّنا" الله بها دون غيرنا من عباده وعبيده وليست قانونا بشريا عاما نمارسه كبشر حين يحلو لنا الابتعاد عن أعين الرقباء والمتطفلين بغض النظر عن عقيدتنا وديننا! وبهذه الطريقة فسيبدو الزائر الغريب ـ المار بالمدينة "الإسلاموية" وبشوارعها المتعرجة وأفنية بيوتها الخاصة ـ كاللص الطريد تتناوشه نظرات, وربما "قبضات" وهراوات, أهل الحي من بيت لبيت ومن حارة لحارة حتى ينتهي به الحال إلى الصحراء مترامية الأطراف حيث يموت عطشا! وإذا كان الحال كذلك فعندما يزور الكاتب الفاضل مدينة لندن فلن يجد متنزها عاما مثل المتنزه الذي قضى فيه وقتا مستمتعا بجمال الطبيعة "مجانا"! وهناك مغالطة أخرى بالنص المقتبس, فالبيوت التي يشير إليها الكاتب في المدن التقليدية بأنها تحتوي على أشجار داخلية هي بيوت "الخاصة" ولا تنطبق على مجموع المدينة من بيوت الفقراء التي تخلو كتب العمارة من توثيقها بشكل شامل وواف, وبذلك فالكاتب إنما يسقط الخاص على العام مرة أخرى بتقديم صورة "ناقصة" وجزئية لتكوين فكرة أو أطروحة عامة.
أما محاولة الكاتب لتقديمه للتعريفات التي يستخدمها, فتعكس "انتقائية غير مبررة علميا". فحين يناقش كلمة "خطة" في الصفحة 46 يعكس خللا أساسيا في إدراك واستعمال كلمة "الفراغ" خطأ بدلا من "الحيز الفراغي" الشائعة في الخطاب المعماري الرصين. وبدلا من ذلك يكتب: "أما الخطة فتدل على موضع... ولقد تلافيت استخدام كلمة فراغ في الكتاب رغم شيوعها بين المعماريين لعدم حاجتي لها ولأن أي فراغ عمراني لا يكون إلا بوجود أعيان, وبذلك يصبح مكانا كالغرفة والشارع". - انتهى النص المقتبس. واللافت هو "مزاجية" استعمال المصطلحات بناء على رغبة شخصية (لعدم حاجتي لها!) وليس حجة علمية, كالدارج بين الباحثين في الدراسات العلمية بتفسير المصطلحات بالحجة والبرهان, بما يعكس رغائبية انتقائية نزوعا نحو نوع من "الماضوية" في استخدام مصطلحات الأقدمين لإضفاء طابع "تاريخي" على النص. ومن ناحية ثانية فكلمة "فراغ" المستعملة من قبل الكاتب هي من الأخطاء الأبجدية الشائعة التي يتلافى استعمالها الباحثون المبتدئون في مراحل الدراسة المعمارية الأولية حيث أنها لا تعبر بدقة عما يعنيه مصطلح "الحيز الفراغي". فالأولى تقابلها بالإنجليزية كلمة (vacuum) بينما تقابل الثانية كلمة (space). ومن ناحية ثالثة فالجملة المقتبسة تعكس قصورا واضحا عن فهم خصائص الحيز الفراغي الحضري وكيف يتشكل, وهو ما سنفرد له مساحة خاصة قادمة بما لا يسعه المقام هنا لأهميته - وهذا النص يجسد أحد الأمثلة الحية على سوء هذا الفهم والاستخدام! وحين يقول الكاتب في جملته المقتبسه (وهو تفسير اجتماعي والأكثر شيوعا بين الباحثين) فربما يقتضي البحث العلمي ذكر هؤلاء "الباحثين" ولو في الهوامش السخية التي يحفل بها الكتاب!
مشاهدات أخرى بين الغرب والشرق تبين بجلاء أن مسؤولية الأفراد تجاه البيئة المحيطة بهم منبعها "ثقافة اجتماعية" وليست نصوصا ثيولوجية. وإلا كيف يفسر الكاتب الفرق الصارخ بين هذين المثالين: أولهما أنني اعتدت منذ سنوات على "المشي والتفكير" في البيئة المحيطة ببيتي بلندن وهي منطقة طبيعية بها بحيرات وغابات صغيرة, وبجانب بيتي هناك طريق مشجّر اعتدت أن ألقي فيه بقطع الخبز للعصافير والطيور. وذات يوم مرت بي عجوز انجليزية فنهتني عن عملي بدعوى أن ذلك "مخالف لكودات البيئة" وبأنني في الحقيقة "ألوث" الطريق وأجذب "الفئران"! لهذه الدرجة من الحساسية المفرطة يتعامل الأفراد في الغرب مع العناصر العامة في الشارع والطريق ويتصدى أي فرد منهم لأية ممارسات يجدونها خاطئة برأيهم رغم عدم وجود قوانين تحدد ما يجوز وما لا يجوز.
وبالمقابل, قررت إحدى الدول العربية في مطلع التسعينيات توفير كابينات "هواتف" عامة في الطرقات كي يتمكن العامة والفقراء من استعمالها لخدمة مصالحهم! كانت النتيجة أنه تم تكسير هذه الكابينات والهواتف عن بكرة أبيها بعد أسابيع قليلة وكأنها حرب شعواء ضروس كأيام العرب في "داحس والغبراء" أو يومهم المجيد في "حرب البسوس"! إذن كل هذه الترهات عن زيادة حجم العين وحجم الفريق وزيادة حجم "الإذعاني المتّحد" وتقليص "الإذعاني المشتت" في بيئة "إسلامية" لن يزيد من درجة "المسؤولية" ـ كما يرى الكاتب ـ تجاه البيئة وأعيانها. وبالمقابل فلا تخلو المجتمعات البشرية القاصرة بطبيعتها من مشاهدات متدنية من التعامل مع البيئة "بفظاظة". فمؤخرا وأثناء ركوب قطار الأنفاق جلس غلامان مقابل المقعد الذي أجلس عليه وشرع أحدهما في إلقاء قصاصات ورق على الأرض, ولم يبال بالزجر, أتدرون لماذا؟ لأنه وافد "هجين" على المجتمع الإنجليزي من أصول زنجية إفريقية ـ بما يشير مرة أخرى للكودات الثقافية وتأصلها أو غيابها عن وعي الأفراد!
وقضية "الوافدين" وعدم الانتماء للمجتمع أو للبيئة, تستحضر مثالا واضحا لم يولّ شطره الكاتب في النص الذي بين أيدينا, رغم أهميته في تداعياته على المجتمع, وبخاصة في بعض دول الخليج العربي, بدلا من مجموعة الأمثلة "السطحية, مثل العامل المهمل الذي أخذ كرسي المكتب وجلس عليه ثم تركه في الشمس, وقام الكاتب بالتقاط "صورة" لهذا الكرسي "المسكين" الذي دار معه حوار "ساذج" يشكو حاله وسوء استعماله. ولم يكمل الكاتب الصورة فيذكر لنا الكاتب "جنسية" هذا العامل, هل مواطن أم لا؟ مع الفرق الشاسع والدلالات الكبيرة التي يرمز إليها كل من الجوابين للسؤال. فالخليج عموما, وفي شيوع ثقافة استخدام واستقدام الأغراب "دون تجنيس" بغض النظر عن طول مدة الإقامة والتي تصل لعشرات السنين يعاني من مشاكل اجتماعية جمّة لها أول ولا آخر لها. ولهذا فقوانين المجتمعات الغربية المتقدمة تمنح حق المواطنة بالتقادم لمن عاش في بيئاتها من مختلف ثقافات الأرض بعد بضع سنين, ليس حبّا في "الوافدين" بالضرورة, وإنما من نظرة استراتيجية ثاقبة من صانع القرار الغربي "لدمجهم" في البيئة الغربية بما يكرس ويعمق انتماءهم لها. أما إن كان هذا الذي "أهمل الكرسي تحت الشمس" مواطنا فكيف سيتغير الحال بالنسبة لمن يستخدم الممتلكات الخاصة للجامعة في غياب "وازع" ذاتي وثقافة مجتمعية؟ وربما ترك هذا المواطن الكرسي في الشمس لأداء فريضة الظهر.. وللحديث بقية.

د. وليد أحمد السيد


أعلى





في كتابه "رواد الفن"
مختار العطار: الأجيال الفنية العربية أثرت الثقافة الجماهيرية عبر التاريخ

القاهرة ـ من حسام محمود:
يعتبر الفن من أدوات صناعة الحياة والإبداع في مصر والعالم العربي, ولعل المراحل الفنية المختلفة بالمنطقة العربية قد أفرزت العديد من التيارات الثقافية المتشابكة التي أثرت وتأثرت بحياة الشعوب, وفقا لأنماطها الحضارية والثقافية علاوة على دعم قدراتها على صياغة أشكال جديدة من الرؤى الإبداعية التي تعد اليوم من أساسيات التراث الفكري والمعرفي بين الأجيال المتعاقبة.

أساسيات راسخة

في كتابه "رواد الفن وطليعة التنوير في مصر والعالم العربي" يشير مختار العطار إلى مفاهيم الفنون العربية القديمة والحديثة, والفروق الجوهرية بينها, حيث لا تزال القضايا الفنية الشغل الشاغل لطليعة المثقفين والمتابعين للحركة الفنية والإبداعية في العالم العربي, لهذا عكف الدارسون على توضيح مفاهيمها وأغراضها ومضمونها الثقافي والحسي من عدة زوايا, بدءاً من كيفية تحليل وتفسير المواد الفنية والقصص الأدبية المطروحة للنقاش والتمثيل وصولا إلى كيفية صناعة فنون السينما والتليفزيون والمسرح.
وهذا كله كان ولا يزال محط اهتمام الدوائر الإعلامية العربية الراغبة في استلهام التجارب المضيئة على الساحة الفنية, ومن ثم فالتحديث يبدأ من خلال معرفة مكنونات الماضي, وكيفية تأريخ الحاضر ليكون نواة لمستقبل يصنع طليعة المبدعين في عالم من الصعب فيه تكرار الروائع إلا بتوفير الظروف المناسبة.
ورواد الفن وطليعة التنوير في مصر والعالم العربي, يمثلون قمة العطاء الثقافي والابداعي للفنانين الجدد والمؤرخين التشكيليين, ولعل النقاد هم أكثر الناس إحساسا بمعاني التوارث الابداعي, والتألق الفني بين الأجيال المتتالية, خاصة أن البانوراما الثقافية والشاملة القديمة التأثير والمخيلات الفكرية للعقود الماضية, والتي تضمنت مقتطفات مضيئة لأبرز الفنانين العرب كانت البداية الحقيقية لسلم التاريخ الثقافي, التي شجعت الكثير من المبدعين على إخراج ملكاتهم وطاقاتهم في ميادينهم الرحبة عبر القنوات الإعلامية, وصفحات الجرائد, والفضائيات, وكلها شاهدة عيان على ما ترك من فنون وعمارة ولوحات وقصص, وما حفلت به العقول من نفائس الثقافات والتراث العربي الخالد الذي يحتاج إلى إعادة صياغة وترتيب وتوريق ليكون في أبهى صورة تخدم مقتضيات العصر الحديث.
ولعل طليعة التنوير في العالم العربي يحتاجون إلى موسوعات كاملة تتحدث عن العلوم والفنون لديهم وانعكاساتها, وارتباطها الجذري بأشكال من صور الثقافات الغربية والشرقية, والرؤى الذاتية للأدباء والكتاب في صياغتهم للتجارب الشخصية والعامة على صور فنية حافلة بالمؤثرات والمعاني والأفكار الذاتية.
أما لوحات الأبيض والأسود , وصولا إلى أفلامها الوثائقية التي حرص الكثير من الفنانين على تصويرها داخل حقولهم الثقافية , وبجدران مكتباتهم , وعلى صفحات دواوينهم فهي أشكال منيرة بالطموحات والبطولات برزت كتراث حضاري للإبداع , حيث تتداعى عليها السنون دون جدوى لكنها تبقى صامدة كالحجارة المنقوشة بالإبداعات في وجه الأيام لتعبر عن رؤى مستنيرة , وتطور قادم , وآت بين المراحل الفنية المختلفة , وهذه الإبداعات الوثائقية المهمة التي تركها الأجداد للأحفاد تشجع على تفعيل الفكر لخدمة التراث , وتحديث منظومة الفن عبر الأجيال , ودون الوقوع في مغبة التكرار , والتقليد أو المحاكاة لما مضى.

المضمون الثقافي

ينتقل الكاتب في حديثه الشيق عن مكنونات التنوير العربي إلى استعراض مراحل مسيرة الفنون الشرقية عبر التاريخ, وكيفية ارتباطها بقضايا الشعوب ومآسيها أو أفراحها وانتصاراتها, ودفاع هذه الألوان الخصبة من الفنون عن مشكلات الدول بالمنطقة العربية حتى صارت جزءا لا يتجزأ من كيانها الأصيل, بل وانبرى بعض الفنانين النابهين في الخوض أحيانا في غمار قصص البطولات, وتفعيل المفارقات التاريخية للأحداث الثقافية والتراثية لخدمة ما يستجد من مشكلات لحلها , وتوطيد علاقتها بأنماط الحياة , وبالسيرة الذاتية للشخصيات العامة , كي يستشرف المبدعون الجدد ما يريدونه من أسس للأداء الفني من خلال المكتبات الثقافية والتراث الحضاري لبلادهم.
ولعل الفنون التجريدية المصرية والعربية تأتي في مقدمة هذا التراث الزاخر , قد قامت لفترات طويلة على خدمة الأغراض الإبداعية للمثقفين والدارسين والطلاب والأساتذة العرب , وعبرت عن قيم ذاتية, ومبادئ شامخة , وموروثات شعبية وحضارية قليلا ما تنبري عليها الأيام, حيث أثرت في نفوس الجميع من المحيط الاطلنطي إلى الخليج العربي , وحركت أفئدة وضمائر الهواة والمحترفين إلى صياغة إعلام جديد للفنون, وتفننت في إطلاق أشكال الإعلام والصحافة والفكر المستنير على الساحة العربية, بجانب انعكاس ذلك على مجمل المنظومة التنويرية في كل بلد بالمنطقة, لتقود سفينة الإصلاح القومي ببلدانها نحو خير أممها.
وهناك الكثير من الفنانين التجريديين المصريين الذين اثروا الحياة الفنية والإبداعية, وفي مقدمتهم فؤاد كامل, وصلاح طاهر,, ومنير كنعان, وليلى عزت, وماهر رائف, وآخرين, قد ركزوا بقوة ثقافاتهم المستنيرة على ملامح الشخصية المصرية والعربية بصفة عامة, حيث كان فنانو البيئة الطبيعية الذين اثروا الحياة بروائع لا تنسى وتأثروا بالعالم المحيط من خلال تفاعلاتهم معه, وصنعوا لهم قيثارات من الإبداع لم تشهد الساحة لها مثل من حيث الجمال الفني, والمتعة الجماهيرية, والتأثير المتدفق, والانفراد بكوكبة من الفنون الطرازية والمعمارية والتشكيلية والغنائية بالنسبة لرواد الفن, بجانب أشكال خصبة من مقتنيات المتاحف وقصور الثقافة, حيث اثبت هؤلاء امتزاج الفنون التشكيلية بالتمثيلية واستهدافها جميعها تحريك الفكر المستنير للشعوب.

تواصل معرفي

يوضح المؤلف مختار العطار أن هناك مبدعين أكفاء , كادت سيرتهم الشخصية تغرق في بحور النسيان لولا تدارك دورهم التاريخي عبر سيرتهم الفنية والتراثية, وما تركوه من بصمات واضحة خاصة في فنون الكتابة والأدب والسينما والمسرح, وكلها أعمال رغم تغير مضامينها عبر الحقب, إلا أن جوهر الموهبة يظل هو الشغل الشاغل للدارسين والشباب من الراغبين في استكمال حلقات الإبداع والتنوير والثقافة.
ومن هنا يستطيع المرء بناء حضارته المعرفية عن طريق قنواته الثقافية, وإبداعاته الفنية, ورؤيته الفكرية الشاملة والمتدفقة, فليس كل ما يلمع ذهبا, وليس كل إنتاج فني يمكن أن يضع بصمة داخل النفوس البشرية, ولهذا تميز الفن المصري المعاصر على أنه جاء امتدادا لصناعات كثيرة بعضها تشكيلي والآخر وثائقي وبعضها معماري والآخر ادبي, حتى أن السينما القديمة التي احتضنتها مصر صارت بها هوليوود الشرق , وهو الأمر الذي يترك معه مهمة ضخمة لاستكمال هذه النجاحات المصرية لخدمة الفنون العربية على الساحة الثقافية بالمنطقة , حتى مع بزوغ عصر الفضائيات والسماوات المفتوحة.
أما رواد الحركة الفنية التشكيلية المصرية , فهم الذين شقوا الطريق الصعب , في غابة التغير الثقافي في النصف الأول من القرن العشرين , ليفسحوا المجال لأجيال الفنانين من بعدهم , فبدأوا كما بدأ الرواد على مر التاريخ , ورغم تكالب المحن خلال فترات الحروب على المنطقة العربية , إلا أن نبض الفكر الكلاسيكي صاغ وجدان الشعوب العربية الطامحة في الدفاع عن أوطانها , واستعادة كرامتها وتحرير أراضيها , والدفاع المستميت عن حقوقها ضد أخطبوط الفساد وطوفان المفسدين , في مفارقة بين الأحلام والواقع المادي المنظور , حيث يأبى كل شعب الثبات على مكانة معينة , ويريد أن يسابق الزمن عبر بوابة الفنون والعمارة والثقافة والفكر المستنير , رغم ما قد يشوب ذلك من ظلمات الجهل والتخلف.


أعلى




في كتابه "الثقافة العالمية.. الوجه الآخر للعولمة"
أحمد مشاري العدواني: سقوط أقنعة العولمة كشف وجهها القبيح

القاهرة ـ الوطن:
يذهب بعض المحللين إلى أن نهايات القرن الماضي كانت علامة فارقة في تاريخ البشرية بانتصار العولمة على الاشتراكية, وتغلب الرأسمالية على نهج الشمولية, مع صعود الخصخصة بدلا من القطاع العام, وتحقيق الليبرالية لانتصارات على الشيوعية, تمثلت في سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه, وسقوط سور برلين, لكن انتصارات الليبرالية لم تكن نهائية, فبعد عقود من سيطرتها مع تيارات الرأسمالية على مقاليد الرأي والفكر العالميين بدأت الشعوب تفيق على سلبيات العولمة لتنفضها عن كاهلها, لتحاول الخروج من دوامات الليبرالية.
أوجه العولمة
في كتابه "الثقافة العالمية.. الوجه الآخر للعولمة" يستهل احمد مشاري العدواني عرضه بالحديث عن الأوجه السلبية التي اكتشفتها الشعوب للعولمة وجعلتها تعترض عليها, بل وتثور ضدها, وكأنها صورة لاحتلال فكري وثقافي واقتصادي جاثم على صدرها, وتريد التخلص منه بكافة الوسائل العقلية والمالية والسياسية, ولعل المظاهرات الشعبية التي تندلع بين الحين والآخر داخل المدن والعواصم الدولية لرفض اجتماعات منظمة التجارة العالمية والقمم الكبرى وقراراتها تعبر عن مدى الانعكاسات الخاطئة للعولمة على معظم بلدان المعمورة, فضلا عن كراهية الشعوب للاحتلال الشامل التي تمثله العولمة للعقول والاقتصاد والفكر, وآثار هذه التحديات على مقدرات الشعوب وتاريخها وحاضرها.
ومن مفارقات الأقدار انه كان مع نهايات القرن الماضي بدا أن العالم مستسلم لقدره, وأن الرأسمالية حققت انتصارها النهائي, ولم يبق أمامها سوى وضع اللمسات الأخيرة على عالمها, الذي هو عالمنا, وان الإنسانية قد تخلت عن كل مثاليتها وأحلامها, بما في ذلك أفكارها النبيلة في صراع حول الماديات الصارخة, وباتت أفكار التضامن للخير والإيمان المشترك بالقيم والمثل قديمة وحال عليها القدر, لكن الواقع كشف عن حقائق أخرى كان ينبغي فهمها والعالم يروج للعولمة في كل شيء بلا روية أو رقابة كافية, حيث سقطت ورقة التوت عن جسد العولمة لتنكشف آثارها السيئة.
صراع فكري
يشير المؤلف في كتابه الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب إلى أن تصدير أفكار العولمة جاء بالسلع والخدمات الترفيهية معها, وجاء بنظم استهلاكية ونهم للأثرياء, وسقوط مدوي للفقراء وأصحاب الضمائر تحت عجلات وتروس الليبرالية, حتى أن الولايات المتحدة تحولت من أكبر مصدر للسلع والخدمات إلى اعتى مصدر للحروب والبارود والسلاح, واتخذت واشنطن من حروبها أداة لنشر أفكار الليبرالية, لتعود بالعالم قرون مضت إلى تاريخ صناعة الإمبراطوريات والتوسعات المسلحة والحروب من اجل الاحتلال ونهب الثروات بالقوة , وهو ما زاد من الحنق الدولي على أميركا ونظمها.
ورغم كل ما روج من أفكار لسياسات منظمة التجارة العالمية, فقد باتت الآن في عالم اليوم أمام عيون الفقراء مؤسسة تعمل في صالح أغنياء هذا الكوكب, فأهداف المنظمة وهي إزالة التعريفة الجمركية وحل النزاعات التجارية, كلها تلاشت وبقيت الآن سلبيات عديدة أفرغت اقتصاديات الفقراء من مقومات المنافسة , ووصل الأمر إلى تردي الأوضاع التجارية للشعوب النامية ودخولها تحت خط الفقر , ليزداد الأغنياء غنا ويزداد الفقراء فقرا, في حين يقبع حوالي ثلاثة بلايين شخص في إفريقيا يعيشون على اقل من دولارين يوميا بمنطقة جنوب الصحراء.
وهنا يبرز دور الشركات المتعددة الجنسيات عبر القومية المشتركة لمؤسساتها باعتبارها المحرك الرئيسي والمستفيد الأكبر من العولمة, ولنا أن نعلم أن من بين مائة اقتصاد في العالم, هناك واحد وخمسون ليست لبلدان وإنما لشركات, وتشبه هذه الشركات المقاطعات الإقطاعية القديمة, أي أن العولمة أعادت ثقافة الاحتلال مرة أخرى على الصعيد الاقتصادي للشعوب بتغلب الشركات على كيانات الدول ذاتها, وهبوط ايدولوجيات التنمية البشرية.
لكن العولمة لم تكن شرا مطلقا للجميع, فبفضل إصلاحات السوق والاقتصاديات الحرة , تجلت ثقافات مالية واستثمارية جديدة, وأصبحت بلدان كثيرة أكثر ديمقراطية , وساعدت شبكة الانترنت مناهضي العولمة على حشد قواهم لمحاربتها, وباتت الشركات العائلية والتكتلات والمنظمات المشتركة تحتضن المؤسسات المنهارة بسبب سلبيات العولمة ومساوئ الخصخصة.
الحداثة الثقافية
لقد صنعت العولمة أوهاما متلازمة داخل عقول الشعوب, فصبغتها بالنهم في جمع المال, وصرفتها عن صور القومية والوطنية, والأنظمة الشمولية والاشتراكية, وصار حب الماديات هو الطاغي في عالم الرأسمالية الذي لا يرحم, إلا أن هذه الأوهام اصطدمت بحقائق أخرى مثل صعوبة تعميم التراجيديا الأوروبية لأفكار الغرب على الشعوب, وفشل السياسات الأميركية في احتواء العالم بل واصطدامها بالفكر المستنير الرافض لقيام إمبراطوريات احتلالية تابعة للولايات المتحدة في بقاع المعمورة تحت مسميات الحروب الاستباقية والحرب على الإرهاب وغيرها.
ولم يعد خافيا أن المقامرة التي شكلتها العولمة بمصائر الشعوب النامية قد أطاحت بصناع الثقافة المستنيرة, والأدباء والكتاب والنبهاء, فصار البحث عن المال هو لغة العصر, والانكفاء على ثقافة العقول من تراثيات العصر الماضي الفاني.
أما الرومانسية فضاعت هي الأخرى وراء الشراهة التي أصبح عليها دعاة العولمة, وراسمي السياسات الاقتصادية والمالية من أغنياء العصر الحديث.
ولعل اسعد الناس بهزيمة العولمة هي القوى المارقة على السياسات الأميركية في العالم, والبلدان الرافضة لهيمنة الولايات المتحدة على صناعة القرار الدولي.
إن أهم سلبيات العولمة اتضحت في فوضى المفاهيم, والرغبة الجامحة في الثراء لدى معظم الطبقات التي باتت تلهث وراء المال من أي مصدر سواء شريف أو غير شريف, والآن صار اللغز الأكبر هو كيفية التحكم في سلبيات العولمة قبل أن تتفاقم, وتغرق سفن الشعوب الواحدة تلو الأخرى, إن المتأمل لمعاني العولمة يجب أن يدرك ضرورة عدم تركها بلا رقابة أو ضبط, حتى لا ينسلخ عقد الشعوب, وتصبح دمية في أيادي بعض الأفراد من الرؤساء والقادة والأغنياء.
فالسيطرة التي كان يصنعها كل شعب في حقب الأنظمة الشمولية كانت نابعة من القومية والمشاعر الوطنية, والثورات على الفساد, لكن العولمة الماجنة صارت تبرر الفساد والرشوة والجري وراء المال بلغة يستحيل لأصحاب الضمائر قبولها.
مفارقات أيدولوجية
إن الاضطراب الذي أحدثته العولمة بالفكر المستحدث, والثقافة الغربية الغريبة, والإرادة السياسية والاقتصادية الدولية المفبركة, جعلت جميعها الشعوب تترنح, بعدما فقدت الكثير من أوجه قوميتها, وباتت ترتدي أقنعة لتخبئ ذاتها وحضاراتها القديمة, بحثا عن مكاسب الليبرالية وأطماع الوصول إلى مكانة بين الكبار.
لكن الليبرالية لم تجعل البلدان النامية والفقيرة أكثر حظا مما كانت عليه أثناء حضاراتها القديمة التي ملأت الدنيا بالخير والأمن والجمال, فالعولمة حملت معها مفاهيم مغلوطة حول بيع كل شيء لمن يدفع الثمن, لتضيع الأخلاقيات والتراث أمام لغة واحدة هي المال, وحتى عبر الشبكة المعلوماتية (الانترنت) بات هناك صراع خفي حول من يكسب الأموال بلا مجهود, بمضاربات تجري بالضرب على الأزرار وانتظار النتائج.
وصارت البورصات في عالم العولمة ساحات لمنازلات رخيصة بين الشركات والمؤسسات تفتك خلالها بمقدرات المواطنين من البسطاء لصالح الأغنياء, لتصعد طبقات على حساب أخرى, بينما معظم الدول منهمكة في سياسات الإصلاح لأخطاء العصر التي قامت بها بسبب خطط العولمة غير العاقلة, فالرشد الاقتصادي والثقافة النافذة والتفكير الراجح هي الحلول المنطقية لإنقاذ شعوب المعمورة من طوفان العولمة الجامح الذي بات اليوم اقل وطأة, وأضحت أمواجه تتراجع بعد خسائرها الفادحة أمام الأزمة المالية والمصرفية من جهة , وثورات الشعوب على خطط التقشف والإفلاسات, ورفضها سياسات هيمنة القطب الواحد على العالم من جهة أخرى.


أعلى




( روايـة )
.. النهــــاية

ـ 11 ـ

أنا .. عبدالفتـاح، أكـبر أبنـاء الشـيخ بـدران .
كـبير العـائلة مـن بعـده ، وإليَّ سـوف يـؤول كل شـيء .. كل شيء .
سـأمسـك بزمـام الأمـور ، في الغيـط والبيت ، ونجـوم السـماء أقـرب إليك ... من هـذا الأمـر. ومـن لا يعجبـه ، فالباب يسـع لخـروج جمـل. هيا .. يا ابن فاطمـة ، خـذ أمك وأختك ، وارحـل عنـا . ارحـل من هنـا قبـل شـروق الشـمس . عـد إلى أخـوالك ، العـزايزة ، أهـل أمك فـي أبوحمص . لأنك لـن تهنـأ بيننـا بعـد اليـوم . لا أنت ولا هي . لـن تجـد من يلبي طلبـاتك ورغبـاتك ويصـرف على تعليمـك أو يقـدم لك المعـونة أو المسـاعدة . لقد ولى هذا الزمن الكريم ، كمـا ولى النقراشي باشا ..
كان الرجـل... يخصـك بأكـبر مبلغ من المـال كل عـام ، ظنـًا منـه أنك سـوف تصـير أكـبر محام في المـركز ، ولك شـأن كـبير وعظـيم وسـوف ترفع رأس العـائلة فـوق كل الرؤوس. لكـن .. هـا جاء يومك ، وبعـده سيـكون يـوم.. المخيـومية.
ماذا يريد الرجـل المنهـك، الذي يصـارع المـوت ، أن يفضي بـه إليـك، أنت وحـدك يا ابن العمـة ؟! هـل يطلب منك أن تتـولى زمـام الأمـور ومقـاليد الحيـاة اليومية في البيت من بعـده ؟! لا .. هـذا بالـذات لـن يفعـله الشـيخ بـدران ، لأنـه يعـرف الأصـول والتقـاليد، فـي أن يتـولى أكـبر الأبنـاء كل شـيء .. بعـد وفاة رب العائلة. وهـا قـد أصـبحت قدمه على حافـة القـبر ، وسـوف يمسي في الـتراب ..
ـ آآآه ، آآآه...
آفـاق عبدالفتـاح من أحـلامه وتخيـلاته ، على صـرخة حـادة صـادرة من غـرفة نـومه . ارتجف !! وهب واقفـا. تنبـه لما حوله . أدرك أنـه ما زال مكانه فـي غـرفة الرجل ، لـم يجـد ابن فاطمـة يقف أمامـه ، وجها لوجـه ، لقـد أخذتـه الأفكار والتخيلات بعيـدًا .. أعادته الصـرخة إلى غرفة المـوت . تذكـر أن الصـرخة ، صـرخة ظريفـة . لـم يهـتم .
وجـد الرجـل قد تنبـه واتسـعت عينـاه في خـوف :
ـ الريح . الريح ...
خرجت الكلمات من الأعماق .
احتار السمسار .
ماذا يقصد الرجل ؟!
هل يخاف من شيء ؟!
اقترب منه ، قال بصوت حاد :
ـ كلنـا رجال يا أبي ..
واستكمل وهو يبتلع ريقـه الجاف :
ـ ونفهمـك ...
تضـايقت الزوجـة من جفـاء الابن ، كأنما هـو موجـه إليهـا هي .
عقبت على كلامـه وهي ترمقـه بالعـين اليسـرى :
ـ لا داع لأن تغضب أباك ..
شحب وجهه ولـم يعقب ..
هـدَّأت من لهجتها ناصحـة :
ـ الضـرب . في الميت ، حـرام !!
عليه أن يتوقع منها كلمـات أشـد. أصبح الجـو مشـحونًا بالتـوتر والقلق في أعمـاقه، ومن حـوله، وهو الذي لـم يدخـل هـذه الغـرفة مطلقًا مـذ تزوج فيها أباه. يومها قال بإصـرار : لن أدخل الغرفة التي دخلت فيها، بنت عائلة المخيوم ..
وظـل لسـنوات طـوال ، لا يعـبر من فـوق عتبـة الباب.. إلى الداخـل . يمـر من فنـاء البيت ، ولا ينظـر ناحيـة الباب ، أو يخـترق نظـره إلى الداخـل عنـدما يكـون الباب مواربًا . ولا يطـرق بابها عنـدما يطلبـه الرجـل لأمر من أمـور البيت أو الغيط أو السـوق .. فإنـه يتهرب ويقـول لظريفة زوجته : أخـبريه بأنني خـرجت مبكرًا إلى سـوق خورشيد ..
ومع مرور الأيـام.. لاحـظ الأب والزوجـة الجـديدة تكـرار ذلك عليـه. فكان الأب عندما يلتقي بـه في فناء البيت ، ينظـر إليـه ويهـز رأسـه في صمت ولا يرغمـه عـلى الدخـول ، يقـول لـه حتى لا يحـرجه: تفضـل أنت مع السـلامة ، وابعث لي الولـد عبدالنبي .
وظلت العـلاقة بينـه وبـين غـرفة زوج أبيـه ، سـيئة ، إن لـم تكـن محـرمة ، طـوال السنـوات الماضيـة . وعادة قبـل قـدوم الشـتاء ، يقـوم الأب بـترميم سـقف البيت جيـدًا ، حتى لا ترشـح ميـاه الأمطـار فـوق رؤوس من بالداخـل ، وفـي نفس الوقـت ، تتحمـل الجـدران عوامـل التعـرية والرطـوبة وتقـاوم الأمطـار ..و.. والريـاح . لتصمـد أمام الزمن الخؤون. ليظل بيت العائلة قويًا ، مهيبًا ، يخشـاه الجميع ..
كان عبدالفتـاح يصـل في العمـل إلى هذه الغـرفة، وينسـحب بهـدوء دون أن يبـدي رأيًا، أو يهـتم بعمـل ما .. كأنما أصبحت الغـرفة هي زوج أبيـه ، وضُرّة أمـه ، وليسـت البنـدرية . العمـة فاطمـة !!
قال الرجـل بصوت هادئ وهو يبـذل مجهـودًا كبيرًا:
ـ الريييح.. قااادمـة...
سأله في دهشـة :
ـ أي ريح تقصد يا أبي ؟!
أجاب بثقـة :
ـ لا تبقي ولا تذر !!
قال ليطمئنه :
ـ كلنا عائلة واحـدة..
عقب رب العائلة بخوف :
ـ ما دمت حيًا ، لا شيء يهم ...
توقف الأب قليلا ليأخذ شهيقًا عميقا ويواصل:
ـ العـبرة ، بعـد وفـاتي ...
ردت المخيـومية سـريعًا :
ـ ربنا يعطيك طول العمر ، ويبعـد عنك السـوء ..
قال عبدالفتاح بطيبة غير معهـودة عليه :
ـ لا تخشى علينا ..
وصمت ..
برقت عيناه ، وفتح فمه .. تركه يتحدث ليفهم ما يقوله :
ـ ألم يفـكر . أحـد منكم . في ، في ...
لـم يظفر بشيء يريح الصدر، ويبل الريق الجاف !!
إقترب منه أكثر ومال عليه متسـائلا :
ـ في ماذا يا أبينا الشيخ ...
أجاب بصـعوبة :
ـ أراها الآن . قااادمة . من المجهول !!
عقب وهو يزدرد ريقه الجاف :
ـ لم أفهم !!
نظـر نحوه في حسـرة، خرجت الكلمات كالنصيحة :
ـ هـل . سـمعتم . ما قلت ؟!
لم يكن يسـأل ، كان ينصح من سيأتي بعـده ..
قال السمسار في نفسـه ، أي ريح !! بيت العائلة قوى الجدران، لن تهزه ريح الجنوب أو الشمال ، الغربي ، أو الشرقي .. بدأ الرجل يخرف ، هذه بداية النهاية .. لا أشم سوى ريح الموت قادمة من خارج الديار .. من الطريق الذي سيأتي منه. ابن المخيومية ...
مط رقبته ومال برأسـه عليه في دهشـة :
ـ لكن.. ماذا تقصد بالريح ؟!
جاء الصوت في حزن كأنما يخرج من أعماق رجل آخر :
ـ هـل ، هـل ستفهمون ...
احتار السمسار أكثر ، لأن الكلام أغلق عليه . سأل نفسه في حيرة : يكلم من هذا الرجـل ؟! هـل وصل إلى مرحلة الهـذيان ، اللحظات الأخيرة قبل أن يقابل وجـه ربـه ؟! الـبرزخ كما يقول سيدنا من على المنبر!! ربما يكلم أناسـًا آخرين غـيره ، فاطمـة وهـدى . يتفـاهم معـهن ، بالسـين ، المتفق عليـه معهما ، دون أن يـدري وهو يقف بينهما مثل ثـور اللـه في برسـيمه !! لا يفـهم هذه الأحـاجي والألغاز، فـهو يفهم جيـدًا في التجـارة والمكـسب والخسـارة ، اسـاليب البيع والشـراء ، أيام التسـوق ، أماكنها وطـرق الوصول إليـها . في السـوق يبرع في أنواع الـدواب . من نظـرة واحـدة هـذه أحسـن دابـة ، من عـدد اسـنانها التي سـقطت ، ماذا كانت تعمـل قبـل دخولها السـوق : هـل في حقـل زراعي ، أو في معجنة الطـين ، في جر عربة كارو ، أو ..أو ... لكـن .. هـذا الكلام يا أبي ، لا أفهمـه ، لا اسـتطيع أن أبـوح بذلك في حضور العمـة فاطمـة ، حتى لا تقـول بينها وبين نفسـها : إنـه ثور في حقـل برسـيم !! مثلما قلتها أنا في نفسي سـرًا ..هيييـه .. منـذ زمـن طـويل وأنا لا أفهمـك يا أبـي !! منـذ يـوم أن بعت أمي . بعتنا جميعًا حزمـة واحـدة . اشـتريت هذه المـرأة الغريبـة عنـا ، عن بلدتنا ، وتقاليدنا وعاداتنا . اقتحمت بيتنا .. امـرأة لا ترتـدي الطرحـة السـوداء ، مثل بقيـة نسـاء العائلة ، لا تخفي رأسـها وشـعرها بأكمله ، أذنيـها، وكذلك رقبتها مثل سـلو بلادنا !! تضع غطـاءً حريريًا للرأس ، شـفافًا ، فاتح اللـون ، يظهـر ما تحتـه ولا يخفي سـوى جزء ضئيل ، يبـدو مفـرق شـعر الرأس للعيـان . ومن خلف الرأس يتـدلى على ظهـرها ضـفيرتان طويلتان مجدولتان . أذنيها يتـدلى منهما قرط ذهبي كـبير ، مخروطي الشـكل يلمـع ويـبرق في ضـوء النهـار . تظهـر رقبتها الطويلة واضحـة جليـة وبهـا العقـد الذهبي الـذي يرتاح أعلى الصـدر ، ويختفي جزء منـه ، طرفـه السفلي داخل فتحـة الصـدر المثلثـة .. هي امـرأة بنـدرية لا تخجـل من هـذا الوضع المشـين الذي يعـاب عليها وتأباه النسـوة والأخـوات منها ، تقـول أمي عن ذلك : امرأة مكشوف وجهها . قليلة الحياء . لا تخجل من الرجال !!
كلمـا شاهدها في فناء البيت ، غض بصره . الرجـل لا يدعـها تخـرج إلى الخـلاء ، خارج الجـدران ، وإذا عزمت على زيارة الأهـل ، كان عليـها أن ترتدي الشـال الحريري الأسـمر الذي يخفي كل معـالم هـذه الأشـياء التي تبـاح لها داخـل الـدار .
تسـاءل الابن الأكـبر في حـيرة :
ـ نفهـم ماذا يا أبي ...
ونطق الرجـل الـذي كان في غيبـوبة منـذ لحظـات ، كأنمـا يردد ما يقـوله من لـوح مسـطور أمامـه يقـرأ منـه دون أن يدري :
ـ تفهمـون بدونـي ..
قـال مجـاملا :
ـ أنت الخـير والـبركة ، وبدونك .. نحن لا شيء!!
توقف ، نظـر نحو فاطمـة ، كأنمـا يخصـها هي بالعبـارة الأخـيرة ، فجـاء كـلام الأب مغلفًا بالغموض :
ـ كيف. ستظلون.. رجالا ؟!
شحب وجهه، وقلَّب يديه في حـيرة وعجب . نحن رجال . نأكل الزلط . أنا لا أفهم !! من كـثرة عشـرته مع السماسـرة في سـوق الحمـير والتعامل مع الـدواب فقط ، أكسـبه ذلك بلادة في الفـهم وسـوء التفـكير والروتـين الجـامد الثابت الـذي لا يتغـير . همـس بحـذر وخـوف :
ـ كلامك مغلق ..
وأضـاف بحـيرة :
ـ لقـد التبس.. عليَّ الأمـر !!
عنـدما بان جهـله ، تدخلت فاطمـة حتى لا تتضـح الأمـور ويفهـم شـيئًا ما.. قاطعته بحـدة هذه المرة أكـثر من قبـل :
ـ كفـى ياعبدالفتاح .. ودع أباك ينـام...
هذه لطمة قوية من المخيومية. قال في لين السماسرة وهو يغض طرفه :
ـ كنت أعتقد . أنه سيقول شيئًا . بشأن إخوتي وأمي...
عاود الأب الـكلام دون أن يحـرك رأسـه ناحيتـه . كان ينـام طـوال الوقت على ظهـره، وجهه نحـو السـقف ، مؤخـرة الرأس على الوسـادة التي تغـبر لونها ..
ـ لهـذا . كنت . أريـد .. أخاك ...
وهذه لطمة أشد جاءت من الرجل . قال وهو واجم :
ـ الأمر لك على أي حال ..
تدخلت العمـة ، لتقطع كل الطـرق عليه للوصول إلى السـر الدفـين ، قالت بصوت مرتفع ، مؤكـدة للرجـل :
ـ سـوف يحضـر يا شـيخ بدران . أرح نفسـك حتى يصـل...
غمـغم بكلمـات متقطعة غـير مفهـومة ..
اسـتطاع عبدالفتـاح أن يتـبين منها عـدة أحـرف مبعـثرة :
ـ هو.. هـوا...هـو..و..ا..
ودخـل فـي غيبـوبة ..
تراجع للوراء واسـتراح على حافة الكنبة.
اعتقد أنها غيبـوبة المـوت عندما طالت هذه المـرة . لقـد ظـل يكافـح ملك المـوت سـاعات طـويلة !! وها هو يستسلم أخـيرًا..
وتذكـر أول مـرة يدخـل في الغيبـوبة ، وبعـدها أفاق ، نظـر حـوله ، إلى الرجـال والنسـاء والأطفـال ، الوجـوه الحائرة القلقـة ، قال بصعوبة :
يا أولادي . لا تحزنوا ، ولا تبكوا بعـد .. بعد موتي . كونوا أقوياء أمام الريح التي لا تبقي ولا تذر ..
قالوا فيما بينهم ، في حـيرة : ما الداعي أن يقـول هـذا ، لا بـد وأن إحسـاسه بالنـهاية قد جاءت. فهذا رجل مكشوف عنه الحجاب .. يرى ببصيرته !!
وها قـد مـرت السـاعات ، ولم تأت سـاعته .. ولكل أجل كتـاب . صـدق اللـه العظـيم .
أشـارت الزوجـة الثانيـة على الابن الأكـبر ، أن يـتركه يسـتريح وينـام قليـلا ، حتى يخـرج من أمامها . لم يتحـرك من قعدته ، قالت:
ـ بعد أن يعود إلى رشـده ووعيه ، سـوف أهتف عليك لتحدثه ...
نظـر حواليـه في حـيرة وارتباك ، عليه أن يخـرج الآن ، وسـوف تطلبـه عنـدما يخـرج مـن الغيبـوبة ، في قـرارة نفسـه لا يـود الخـروج . ـ اخـرج الآن ياعبدالفتاح ...
تطلع إلى كل شـيء في غـرفة فاطمـة ، وجـدها نظيفـة وجميـلة ومرتبة ومنظمـة . فارق كبير بينها وبين غرفة أمـه !! اسـتقر نظـره على صـورة الأب المكـبرة داخـل الإطـار الخشـبي المذهب الباهت ، تحتـل مـكان الصـدارة على الجـدار المقـابل للبـاب ، كل من يدلف للغـرفة يجـدها في وجهه ، يجـد الهيبـة والقـوة والعظمـة ، كيف لم يلحظ ذلك منـذ دخـوله ؟!
ـ أقل بصـلة يا بني ، تـنزل الدمعـة !!
تذكر الكلمة المشهورة عن أمه الصابرة بعد أن جاءت هذه الضُّـرة لها !!
أشـياء أخـرى علقت على الجـدار ، صورة عبدالرازق يرتدي البنطال يقف وسط زملاء الدراسـة ، لوحات مزخرفة بها كلمـات من الأزكار والأوردة كتبت على ورق لامع وجميل ، هو لا يستطيع تبـين هذه الحـروف النسخ المتشـابكة المتداخله معًا ، ولا يعـرف كيف يفك ما كتب فيها . هيـه .. أشـياء أخـرى من الزمن القديم البعيد ، الكريم . صورة سعد باشا زغلول !!
وقف فاردًا طـوله ، الآن .. بان لـه الفارق واضحًا ، بين غـرفة أمه الفلاحـة البسيطة المهمـلة ، وغرفة البنـدرية التي سلبت المال والحلال.
تبادل النظـرات الحـادة ، مع الزوجـة الصغيرة .. ما زال عليها مسـحة من الحسن والبـهاء . تكسـرت نظـراته على أرضية الغـرفة.. حياءً وارتباكًا ، وانسـحب خارجًا ، دون أن يستدير وينظـر للباب المتجهم خلفـه .
توقف ، راح ينظـر في جنبات الفنـاء الداخلي للبيت ، سـاد الصمت الصادح ، الوجوه تتطلعً إليه ، عكست كميات القلق الداخلي للسـؤال عما دار ، طـوال هذا الوقت الفسيح ، بينـه وبين كبير العائلة ، داخل غرفـة البنـدرية ..
هز رأسـه ، وردد كلمات الرجـل المبهمـة :
ـ الريح ، قادمـة !!
عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصـري



أعلى




تـراثـيـات


ما المجد لولا الشعر؟!

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي: سمعت أبا عَمْرو بن العلاء ورجل يقول: إنما الشعر كالمِيسَم. فقال: وكيف يكون ذلك كذلك؟ والميسم يذهب بذهاب الجلد ويَدْرُس مع طولِ العهد، والشَعْرُ يَبْقَى على الأبناء بعد الآباء، ما بقيت الأرض والسماء! وإلى هذا نحا الطائي في قوله:
وأني رأيتُ الوَسْـمَ في خُلق الفتى
هو الـوَسْـمُ لا ما كان في الشَّعْـر والجِلْدِ
وقال عمر، رحمة الله عليه: تعلّموا الشعر؛ فإن فيه محاسِنً تُبتغى، ومساوئ تُتقى. وقال أبو تمام:
إنَّ القوافِيَ والمساعيَ لم تَـزَلْ
مثلَ النظام إذا أصـابَ فَـرِيدا
هِيَ جوهر نثر فإنْ ألـفْـتَـهُ
في الشعر كان قلائداً وعقـودا
من أجل ذلكَ كانت العرب الأُلى
يدعونَ هذا سُـؤدداً مـجْـدُودا
وتنِدُ عنـدهُـمُ الـعُـلاَ إلاَّ إذا
جُعِلَت لها مِرَرُ القصيدِ قـيودا
وقال علي بن الرومي: الطويل:
أرى الشعر يحيي الناسَ والمجدَ بالذي
تُبـقِّـيْهِ أرواحٌ لـه عَـطِــراتُ
وما المجدُ لولا الشعْرُ إلاَ معـاهـدٌ
وما الناسُ إلاَ أَعْـظُـمٌ نَـخِـرَاتُ

ـــــــــــــــــــــــ


إن شئتم...

ذكر أنه وصل إلى أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ مالٌ من البحرين، فساوى فيه بين الناس، فغضبت الأنصار، وقالوا له: فَضَلْنَا! فقال أبو بكر: صدقتُم، إن أردتُمْ أن أفضلكم صار ما عملتُمُوه للدنيا، وإن صبرتم كان ذلك لله عزَ وجل! فقالوا: والله ما عملنا إلاّ لله تعالى، وانصرفوا؛ فَرَقيَ أبو بكر المنبر، فحمِدَ الله، وأثنى عليه، وصلّى على النبي، صلى الله عليه وسلم؛ ثم قال: يا معشر الأنصار، إن شئتم أن تقولوا: إنا آوَيْناكم في ظِلاَلِنا، وشاطرناكم في أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا لقلتم، وإنَ لكم من الفضل ما لا يُحْصِيه العدد، وإن طال به الأمد، فنحن وأنتم كما قال طُفَيل الغَنَوي:
جزى الله عنا جعفراً حينَ أزْلَقَتْ
بنا نَعْلُنا في الواطئين فـزَلَـتِ
أبوا أن يملُونا ولـو أن أمـنـا
تُلاَقي الذي يَلْقَوْنَ منَّا لَمَـلَّـتِ
هُمُ أسكنونَا في ظلال بيوتـهـم
ظلال بيوتٍ أدفأتْ وأظـلَّـتِ


ـــــــــــــــــــــــ

لعلها

قال محمد بن زياد البكراوني: سمعت ابن عائشة يقول: دخلت امرأة من هوزان على عبيد الله بن أبي بكرة فقلت له: هي الأخيلية. فقال: لعلها. فقالت أصلح الله الأمير، أتيتك من بلاد شاسعة ترفعني رافعة وتهضبني هاضبة، لملمات من البلايا برين عظمي ونكهن جسمي، وتركنني أمشي بالحريض قد ضاق بي البلد العريض بعد عدة من الولد وكثرة من العدد، أفنين عددي وأوعزن تلدي، فلم يتركن لي سبداً ولم يبقين لي لبداً، فسألت في أحياء العرب من المرتجى سيبه والمأمون غيبه والمحمود نائله فدللت عليك- أصلحك الله- وأنا امرأة من هوازن هلك الوالد، وغاب الفاقد، فاصنع بي إحدى ثلاث.
قال: وما هن? قالت: تحسن صفدي أو تقيم أودي أو تردني إلى بلدي، فقال: بل نجمعهن لك. فجمع لها الخلال الثلاث. قال أحدهما: ثم أوصى لها بعد مؤته بمثل ميراث أحد بناته.

ـــــــــــــــــــــــ


عزاء

عن الأصمعي، قال: تزوج رجل من بني عقيل امرأة منهم، فدخل يوماً وهي تمثل بيت غزل فقال لها: ما هذا الذي تتمثلين به، لعلك عاشق? قالت: لا، ولكن أبيات حضرتني. فقال: لئن سمعتك إلى مثل هذا لأوجعن ظهرك وبطنك. فأنشأت تقول:
فإنْ تضربُوا ظهري وبطني كليهما
فليس لقلبٍ بين جنبـيَّ ضـارب
يقولون: عَزِّ النفسَ عمـنْ تـوده
وكيف عزاء النفس والشوق غالب
فطلقها.

ـــــــــــــــــــــــ

وهذا شعره

روى يوسف بن أبي سليمان قال: هجا الأحوص رجلاً من الأنصار من بني حرامٍ يقال له ابن بشير، وكان كثير المال؛ فغضب من ذلك، فخرج حتى قدم على الفرزدق بالبصرة وأهدى إليه وألطفه، فقبل منه، ثم جلسا يتحدثان؛ فقال الفرزدق: ممن أنت? قال: من الأنصار. قال: ما أقدمك? قال: جئت مستجيراً بالله عز وجل ثم بك من رجلٍ هجاني. قال: قد أجارك الله منه وكفاك مؤنته، فأين أنت عن الأحوص? قال: هو الذي هجاني. فأطرق ساعةً ثم قال: أليس هو الذي يقول:
ألا قف برسم الدار فاستنطق الرسما
فقد هاج أحزاني وذكرني نعـمـا
قال بلى. قال: فلا والله لا أهجو رجلاً هذا شعره. فخرج ابن بشير فاشترى أفضل من الشراء الأول من الهدايا، فقدم بها على جرير؛ فأخذها وقال له: ما أقدمك? قال: جئت مستجيراً بالله وبك من رجلٍ هجاني. فقال: قد أجارك الله عز وجل منه وكفاك، أين أنت عن ابن عمك الأحوص بن محمد? قال: هو الذي هجاني. قال: فأطرق ساعةً ثم قال: أليس هو الذي يقول:
تمشى بشتمي في أكاريس مالـكٍ
تشيد به كالكلب إذ ينبح النجـمـا
فما أنت بالمخسوس في جذم مالكٍ
ولا بالمسمى ثم يلتـزم الإسـمـا
ولكن بيتي إن سـألـت وجـدتـه
توسط منها العز والحسب الضخما
قال: بلى والله. قال: فلا والله لا أهجو شاعراً هذا شعره. قال: فاشتري أفضل من تلك الهدايا وقدم على الأحوص فأهداها إليه وصالحه.


ـــــــــــــــــــــــ

ثنتان لا أدنو لوصلهما

عبد الملك بن عبد العزيز قال: قال لي أبو السائب المخزومي: أنشدني للأحوص؛ فأنشدته قوله:
قالت وقلت تحرجي وصلـي
حبل امرئٍ بوصالكم صـب
واصل إذاً بعلي فقلت لـهـا
الغدر شيءٌ ليس من ضربي
ثنتان لا أدنو لوصـلـهـمـا
عرس الخليل وجارة الجنب
أما الخليل فلست فـاجـعـه
والجار أوصاني بـه ربـي
عوجوا كذا نذكر لـغـانـيةٍ
بعض الحديث مطيكم صحبي
ونقل لها فيم الصـدود ولـم
نذنب بل أنت بدأت بالذنـب
إن تقبلي نقبل ونـنـزلـكـم
منا بدار السهل والـرحـب
أو تدبري تكدر معيشـتـنـا
وتصدعي متلائم الشـعـب
قال: فأقبل علي أبو السائب فقال: يابن أخي، هذا والله المحب عيناً لا الذي يقول:
وكنت إذا خليلٌ رام صرمـي
وجدت وراي منفسحاً عريضاً
اذهب فلا صحبك الله ولا وسع عليك "يغني قائل هذا البيت ".

ـــــــــــــــــــــــ

سبب

حكى أبو الفتح عثمان بن جنى قال: سمعت أبا الطيب يقول: إنما لقبت بالمتنبي لقولي:
أنا ترب الندى ورب القوافي
وسمام العدا وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها اللـ
ـه غريب كصالح في ثمود
وفي هذه القصيدة يقول:
ما مقامي بأرض نخلة إلا
كمقام المسيح بين اليهود


ـــــــــــــــــــــــ


شهادة

قال سهل بن سعد الساعدي: دخلت على جميل بمصر أعوده في مرضه الذي مات منه، فقال: يا ابن سعد، ما تقول في رجل لم يزن قط، ولم يشرب خمراً قط، ولم يقتل نفساً قط، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ فقلت: أظنه قد نجا، فمن هذا الرجل؟ قال: إني أرجو أن أكونه، فتضاحكت وقلت: أبعد عشرين سنة تأتي بثينة وتقول فيها الأشعار؟ والله، ما سلمت من قول الناس، قال: إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فلا نالتني شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إن كنت حدثت نفسي بحرام قط، فضلاً عما وراء ذلك.


ـــــــــــــــــــــــ


من نوادر جحا

- سألوه يوماً: هل تعرف أحداً يحفظ الأسرار في البلدة؟ فأجابهم: حيث أني علمت بأن صدور الخلق ليست بمستودع فلم أبح بسري لأحد حتى الآن.

- كان يوماً راكباً جملاً فأخذ يسف سويقاً (وهو الدقيق الممزوج بالسكر) وكان الهواء شديداً، فكلما وضع شيئاً في فمه يتطاير ولا يدخل جوفه شيء منه، فسأله رفيق له: ماذا تأكل؟ فأجابه: ما دامت الحال على ما ترى فلا شيء.

- كان يوماً ضيفاً عند أحدهم، فتأخر قليلاً، فتعشى صاحب الدار ظاناً أن جحا تعشى أيضاً، وجاء جحا فسامره ولاطفه وأمضى معه هزيعاً من الليل، ثم دخل أصحاب الدار للمنام بعد أن قالوا للشيح (تصبح عل؟ خير خذ راحتك) وكان الخادم قد أعد له فراشاً نظيفاً جيداً وذهب. ولما خلا الشيخ بنفسه جاع وأراد النوم فلم يقدر، فأخذ يجول في الغرفة فلم يفده ذلك واشتد عليه الجوع، فتقدم من الباب الداخلي وقرعه، فرد عليه من الداخل: ما هذا؟ ما هذا؟ فأجابهم مسترحماً: أني عصامي وفراشكم الواطئ حرمني النوم فهل لكم بشلتة اجعلها فراشاً وأخرى لحافاً ووسادة حتى أنام بهناء وراحة ولكم الفضل؟

- سلمه يوماً أحدهم علبة مغلقة وقال له أرجو أن تحفظها إلى أن أعود. ومضت بضعة أيام ولم يحضر الرجل، فقال جحا: عجباً! ماذا تحتوي هذه العلبة؟ ثم فتح الغطاء فوجد فيها عسلاً مصف؟ من أجود ما يكون فسال لعابه وغمس إصبعه ولحس.. فأعجبه، فصار كلما دخل وخرج لعق لعقة وينتحل أسباباً ليدخل إلى المكان الموجودة فيه العلبة إلى أن لم يبق فيها شيء، فأخذ حفنة ذرة ورشها في أسفل العلبة. وبعد مدة حضر صاحب العلبة وطلبها فناوله إياها بكل فتور فوجدها خفيفة ففتحها فلم يجد فيها شيئاً من العسل فقال له: أين العسل؟ فأجابه الشيخ: لا أنت تسألني ولا أنا أتكلم.

- غافل بعضهم الشيخ يوماً وأخذوه شاهد زور للمحكمة. فأدعى المدعي على خصمه بحنطة. فأحضروا الشيخ وسألوه فشهد بشعير، فقالوا له: غلطت فكان يجب أن تقول حنطة. فأجابهم: أيها الجهلاء طالما الشهادة كاذبة فالحنطة والشعير سيان.

- ضاعت دجاجة الشيخ فأتى بخرق سوداء وربطها في أعناق الفراريج وتركها، فقالوا له، ما هذا؟ فقال: حزنوا على موت أمهم!


أعلى




الأدب الشعبي


بوح..
من الشعر وللشعر.. لا أكثر

الحريصون على الشعر كانوا وما زلوا يحملون على عاتقهم صراع البقاء ليس لأنهم أنانيون يستأثرون لأنفسهم هذا البقاء بل من أجل أن لا يتركون المكان شاغرا لمن يستسهله ويراه فضاء للنزهة ـ لا أكثر ـ فالعمل من أجل الآخرين يتطلب نفسا طويلا رغم كل المعوقات التي ربما لا تخطر في البال ومن أشخاص لا تتوقعهم في أحيان كثيرة، ولأن العمل التطوعي عمل غير مجد ماديا فإن نفس المشتغل عليه لا يطول أمده، خاصة مع البعض الذي لا يرى أبعاد ما يثمر عنه هذا العمل على المدى البعيد.
بدأ العمل في مشاريع "الشعر الشعبي" منذ زمن بعيد بحسب المتاح من الإمكانيات والاشتغالات التي قام بها الافراد والجماعات المهتمه بهذا الجانب سواء على مستوى الانتاج أو تطويره، ومنذ ان بدأ هذا المشروع تنوعت أساليب العمل بحسب مقتضيات كل فترة ورغبة اولئك في تنويعه وإيصاله بشكل أو بآخر بمختلف الصور والأشكال التي من الممكن ان تؤدي إلى النتائج المرجوة بمختلف النسب.
وقد شكّل هذا العمل هاجسا وتحديا صعبا لدى المشتغلين عليه من عدة نواح ابرزها صعوبة التعامل مع عقليات كثيرة تنظر إلى رغبة التطوير من زوايا انفرادية وضيّقة، ومع بيئة ربما تعودت على البذل من أجل الكسب في بعض الاحيان، ومع صعوبة تفعيل القرار العاجل المرتبط بأفراد من الضروري ان تؤول لهم سلطة إقراره والموافقة عليه وهؤلاء في أغلب الأحيان من الصعب الوصول إليهم، فكيف تتم الموافقة بين ما نطمح له في سبيل الرقي بالتجربة وبين العوائق التي تعترض العمل في مقابل "لا شيء"!
إن حركة تنقل الشعراء بين مختلف مناطق السلطنة في السابق كان لها الأثر الكبير في تفعيل هذا الدور من خلال نقل التجربة وتقديمها إلى الآخر اما بالاسلوب النمطي "الاصلي" للفعِل، او بالأسلوب الذي توافق مع أساليب المنطقة الأخرى المستضيفة، وطرأ عليها ما طرأ من تطوير سواء على مستوى المفردة أو الشكل العام لبناء النص إلى الأداء الذي يمارسه المهتمون بمختلف الأشكال.
ربما ـ البعض ـ لم يلتفت "الشاعر العماني الجديد" إلى الخلف قليلا كي يرى كيف بدأ الشعر الشعبي أساسا والمراحل الكبيرة التي مر عليها وصولا بالتجربة الحديثة، وعدم الإلتفات هذا هو أحد أهم المعوقات التي تضع حدا للتواصل والعمل بشكل إيجابي للمراحل القادمة من عمر الشعر الشعبي سواء في السلطنة أو هي التجربة عموما، فصوت الشاعر طوقته وسائل الاتصال سابقا، وظروفه التي تمنعه ان ينفذ إلى مسامع جديدة من البشر من خارج منطقته، كون ان الكثير من المبدعين عاشوا لا يمتلكون سوى قوت يومهم وإن امتلكوا فهو للقوت لا مجال لتفريغه في تجربة إبداعية لا تملئ البطن، وبرغم ذلك كان البعض من اولئك المبدعين الذين ساهمت ظروفهم التنقل بأي شكل من الأشكال لا يبرح ان يستقر حتى ملأ القرية وشغل شعرائها، فكان للتجربة وصعوبتها ومعوقاتها طعم يؤسس للعمل الجيد ويؤكد على مبادئ الكتابة ويقدم رؤية ثاقبة للمستقبل تزرع تلقائيا النفس الطويل للبقاء من أجل الشعر لا من أجل نفسي!.
الظروف والوسائل المتاحة سواء للتنقل أو لإيصال صوت القصيدة بسهولة ويسر أثنى كثيرا عزم الشعراء الذين حاول بعضهم ان يقدم دوره في مجتمعه (ساحته الشعرية) كون انه ربما يرى ما يقدمه من جانبه فقط، ويرى أن خلافا للرأي قد ينشأ ويحطم ما يسعى إليه سواء على مستواه الشخصي أو على مستوى تجربته في مقابل "لا شيء" من المال، إذن الانسحاب هو أسهل طرق الهروب من المعركة التي لم تبدأ اساسا، فالعمل الشاق الذي بدأ عليه الأولون وما مر عليه من ظروف يتشكّل من جديد (كما هي حداثة الشعر) بصورة حديثة للظروف فقط تحتاج إلى فكر أعمق وعزم أكبر وصلابة لا يزعزعها الملل ويد سخية لا ترتجي مقابل، ولكل زمان رجاله.. تختلف الظروف والأمكنة وتبقى القضية قائمة وتحتاج المشاريع من يستطيع أن يفعلها للسير إلى بر الإبداع وبأقل الخسائر من النفوس.


فيصل بن سعيد العلوي *

ـــــــــــــــــــــــ

* قصيدة مختارة ..

يا ذا الخيال

أمــْر بك يا سديرة البال الظليل ,, وما لقيت مواري
وتمر بك كل الهجوس جليسها جذع ٍ كسير الحيله
واليوم يا عيدانة المسرى ترى عقبك تلوح أفكاري
عنيت غر سحايبك في لمعة ٍ تبرق وعيني تخيله
لليل ألملم من دبيب الفجر شي ٍ يرتقي بـأطواري
و بالفجر أشتت حس ليل ٍ يحتويه أما العطايا جزيله
أجزل من طعون الحنايا الغايرات أو محجر ٍ مدراري
و أجزل من نهار ٍ يشح بجود عذر ٍ فايض ٍ في قيله
هذا الهشيم اللي يـوّدر للدروب الموحشات أعذاري
هذي السنين اللي ارتمت بصروفها مرت علي ثقيله
ما قلت لك أبطى رفيقك ما يجيك ولا تجيه أخباري؟!
دامك تمر سديرة ٍ .. مجلاسها من باردك و ظليله
وان هب ذعذاع العنا في خاطري لا تلتفت لـأغواري
ان جيت لأغوار الحشا, ياسيدي أمر ٍ عجزت أشيله
و الا أنت يا ربكة هجيرك ياالخيال الممتلي بالذاري
هذا فضاك اللي سريته وان طرالك, كنت قبل نزيله
أتعبت قلب اللي يراوغ بعض هم ٍ: يا فديت الطاري
والشوق وأطراف الحديث وكلمتين ٍ بالاماني هزيله
قبل الشجون اللي تجر الصبر فيني جر ظل ٍ ساري
قبل العنا من لاشعورك كان ضيك يسكب هماميله
ملئ الحلوم الواهنه ترحل بعيد أسفارها أسفاري
كن السهر لو يثمله جفني عرفت البارحه أسري له
و البارحة ولمّت قاف الشعر لك فيه النوى تذكاري
و أسرجت خيل الحايمات أنفاسها .. يالله تــّولم ليله
لاهي بدت في عتمة ٍ يا صاحبي لاهي بجوف نهاري
تسلب من الظلما تباريح السواد .. العالق بقنديله
يا ذا الخيال اللي تسند كاهلي .. حر الجوانح واري
أفرع من أعطاف الثرى يا سيدي من أجدبه وحصيله
أشتاق لك كني أخذت الحلم ذا من خافق ٍ منهاري
وأرجع أرد الشوق بي في هاجسي يوم الحلوم تجي له

هجير

ـــــــــــــــــــــــ


نفسي أنا

لو بغيت أنسى حياتي
قلت : لك .. أنتي أنا
فيك أحيا .. جو آمن
وأنتصار لْغربتي ..
لا وصلت لضي قلبك ..
أرجع لآخر رجوع ..
وأتذكر .. وجه نفسي
ما يشابهني أبد .. !!
واصرخ أب ..وجهي كثير ليش ضيّعت الوجوه
يالله .. أرحل ..
روح .. دوّر..
نفسي ما بين النكوص..
وراح راح .. وجهي ..
راحلٍ .. ما قد رجع ..
ولا بقالي شيء يذكر ..
حتى نفسي .. وهيّا نفسي ...
....... !!!!
أسألك ..؟؟؟. ويش تعريف النفوس..
مبني للمعلوم لكن !!
كلنا يجهل .. هيا ..
وهيه نفسي ..
راحلة عن هالجسد ...
تائهة وسط الحدوس...
ولا بقالي إلا أنتي ..
نصف وجهك ..
نصف نفسك ..
نلتحم أنتي وأنا ..
........ !!!!
وكلها يرفض يقول ....
يمكن أكون أللي أكون ...
بس... !
أنت ما يمكن أنا ...
آمنّت-- أنّي لا كيان ..
إلا على الماضي أعيش ...
الوجه خائنأعذره ..
الوجه .. ما ريد الوجوه
يفنى .. فالاول ...
أو ..آخير
وجهي أنا غربة .. وطن.!!


صالح السنيدي

ـــــــــــــــــــــــ


سهاد

مطر و الساعة وحدة و حزني و سهادي
وأنا بدوني و غرفة تختنق ظلما
فتحت الباب ظامي فيني عنادي
و فيني ه الهروب و ذاكرة تدمى
اوديني لظماي هناك و اصفادي
مدام ان الدروب لخطوتي عسما
من المنفى إلى المنفى و ميعادي
سكيكٍ تنطوي من وحشتي و تظما
و اصوّت للعمى لو يسمع إنشادي
ابي ليلة أنام بقلبها الاعمى
تنام و حلمها ما يبري ضمادي
و هي كل الوجوه و زحمة الاسما
تفك بضيقتي ازرار حسادي
و تتركني لضيق أيامي البكما
تخون الشمع و اطوي وحدي اعيادي
سنين و ارتمي باحلامي العتما
و صرت بوحدتي اتسند بعادي
و سلمى لا ابد ما عادت بسلمى
زهق دربي كثر ما كان متمادي
و ترمّد هالحكي في شفتي البلما
رجعت و ما بقى غير احضن سهادي
و افتح غرفتي و تخنقني الظلما

عبدالعزيز السعدي

ـــــــــــــــــــــــ


اخباري

خل الحكاوي لأهلها واسمع اخباري
ماني من اللي نشدها ثم يخليها
بعض الحكاوي ان لفت سمعي لها شاري
صدقتها ما يهم اسمع حكاويها
وبعض الحكاوي إذا ما يابها طاري
ما عدت معني صدقها من خوافيها
لو كل واحد تغنى بلحن أوتاري
عزا لله إني خسرت و ما بغنيها
مواجع الناس و الإحزان وأسراري
لو تجتمع داخلي بستر بلاويها
جاري ولو هو قسى سكنته بداري
لا خير فيني إذا بخلف هقاويها
ما جيت اماري احد وافخر ب أشعاري
لكن في داخلي كلمه ابحكيها
مدام هالمجتمع ما يقبل اعذاري
من هو جروحي من الأيام يشفيها
ناسٍ جفتني وأنا لقلوبها شاري
وناسٍ تبيني وأنا بالفعل ما بيها
ابسط حقوقي اذا تبتاع من جاري
الله يستر وش الايام تاليها
لا دار فيني الزمان بفعله سياري
وش لي بكف الدمع لا صار يبكيها
عين لحزن صاحبي تلتاع واداري
وعينٍ شجوني بلا مقياس تشريها
حتى رفيقي الذي دفيته بناري
لا جا يكحل فعوله صار يعميها
الليل طول متى تشتاق يا ساري
ابد اخلي مليون قصه أبرويها
البعد يضمي مشاعر وأنت ما داري
كم لي وأنا زحمة الأشواق أخفيها
لك صرت أنادي بجروحي واحمل أعذاري
عل و عسى التقي بطيفك يداويها
لا الشوق واساني ولا دمع تذكاري
والحلم والأمنيات أرجوك خبيها
انته مثل دمعةٍ هليتها إجباري
صعبه أترجع ولو حاولت ترجيها
اسرفت ف اخباري وشديت باسفاري
عن درب حالف ندم ما ارتمي فيها

أحمد المعمري


ـــــــــــــــــــــــ


قصيدة مسافرة ..

الــوَرَقْ

أحمد الدنقلي *

فِيْدي ورقْ .. فِيْدي هواء ..
فِيْدي هواء .. ما فيه فِيِْدي شئْ ..
وبالله.. شِنْ جَدوى الشِّعر ؟
ماهوش كيف .. سِحْر السِّحرْ ..
يكذب علي السِّر الخَفي ..
ولا بْصُحبتَه .. يطول العُمر ..
ولا .. صاحبَه .. يولِّي نَبِيْ .
فِيْدي وَرَقْ .. ما فيه فِيْدي شئْ .
فِيْدي ورق .. يعني أنا .. شَايل هْمُوم .. هْمُوم .
حُلمي القريب .. نعيش بِيْه .. كيف أمْسْ ، كيف اليوم .
وحُلمي البعيد .. بحور تِيْه .. بحور حُلم .. مُوش مَحْلُوم .
مالي حُدود لِنشدتي .. ولا فيه شكل تْخُوم ..
ومَجْذُوب بين المنَطقي ، والواقعي ،
واللُّغز .. سِرْ العَجز ، والمَفْهوم .
حُلمي القريب ، وحُلمي البعيد .. يعني أنا ..
عِدَّة أجزاء ، وحتى الجُزءْ مَقْسوم .
جُزئي .. يتنَفَّس في الهواء ..
وجُزئي .. رِضَاء باللي جَرى .. بالبَخْت ، والمَحْتوم .
والجُزء الآخر .. ضَال في .. ما يُقال ، ولا يُقال ،
في الحِلْ ، في التِّرحَال ، ولا مُجْدي ، واللالزوم .
وكلِّي عقيدة راسخة .. في سطوة القيُّوم.
ولما أنا مَنْفُوخ فِيْ .. روح العَلي .. يمكن نكون ..
إلى حَدْ ما .. حتى أنا قَيُّوم .
لكن .. وهذا عيب فِيْ .. ماني خَلئْ .. مالهْلع ،
مِنْ الأطماع ، مالكذِب ، مِن كُوني .. ظََلُوم .. ظََلُوم .
وننسى .. بغير إرادتي .. ويطغى على النوم .
وتقِلْني .. رَفَّة هوى .. وتجيبني هَبّة نسوم .
زعمه أنا .. بضعفي أنا .. قيُّوم ؟
كذّاب .. ياللي .. مُدّعي عِلْم العِلْم .. مافيه شئ مَعْلُوم .
كذّاب .. ماهْنَاكِشْ قوي .. غير القوي اللي يدوم .
وانت وأنا .. ياصاحبي .. زي الورقْ ..
هُوْ شئ .. بَسْ لا شئ..
لا بصحبتَه .. يطول العُمر ..
ولا صاحبه .. يصْبَح نَبِيْ .
فِيْدي وَرَقْ .. مافيه فِيْدي شئ .
فِيْدي وَرَقْ .. يعني أنا .. يعني .. صديق الريح .
كيف سندباد البَحَرْ .. لا ظِل .. لا عنوان .
كيف قَبَل ، واللي بَعَدْ .. والكان ، والماكان.
موش مُبْتَكِرْ .. لون الحبر ..
موش مُبْتَكِرْ .. وهَجَ الشِّعر ..
ولا .. الحرف أنا اللي بادعَه .. ولا واضِع الميزان ..
نُضْت الصُبَح .. لقيت الورق في كَفِّي .
نضت الصُبح .. لقيت روحي تهفي .
نُضْت الصُبَح .. سمعت صوت آذان .. كتبت .. صوت آذان .
وسمعوا .. غَناوي خاطري .. عالحُبْ والتِحنَان ..
باسوا أطراف صوابعي .. قالوا علي : إنسان .
ولمّا الظلم .. شُفته .. ظلم .. ورسمته لهم عُريان ..
صبُّوا علي لعناتهم ، وْظَنُّوا إنِّي سكران .
هَللي صَحَى .. شن دار ؟ واللي ضَحَكْ ..
واللي بكاء ، واللي سكَتْ حيران ؟
فعلا أنا ـ كيف ظنهم ـ سكران لين سكران .
الصَّحُو .. شِنْ بنْدير بِيْه ؟
إذا كان .. وإذا كان .
الصَّحُو.. شن بندير بيه ..
إذا كاني نَسْيَان ـ في زَحمَةْ البهتان ـ
إنَّه .. بعدْ نِفسي هذا .. قد .. يلتقي الثَقَلان ..
وقد يَخْسِف الله الأرض ، وتأتي السماء بِدُخَان.
الصَّحُو .. شِنْ بندير بيه ؟
وراسي يزن .. يزن ، وما يكف عالدوران .
وكل ما نريد نقول : مَنْ .. !!
ونذكر سْمَاي للناس .. نلقاه صَحْوي خَان ..
ونخاف من .. دَرَكِي قََمِِيء ، ونتوجَّس الجُدران .
وفي عِوَضْ ما .. نخشى الله ..
ونُبدي خضوعي للسماء ..
نستغفرالضَّعْف القوي .. الأشْطن من الشَيْطان .
حاجة إسْماها .. أي شئ ..
حاجة سْمَاها .. نُقَطْ ..
حاجة إسْماها (جِنْ سَان) .
الصَّحُو .. آه مالصَّحُو .. وَحْشَان أنا وَحْشَان ..
بين الكتابة ، والمَحُو .. قداش من بُركان ..
وقداش من معنى ، وفَحُو.. وقداش من غثيان .
مَلْعُون .. مَلْعُون الصَّحُو .. زيدني .. ثلاث كيسان .
كاسين .. بيش ننسى التَّعبْ .. وكَاسْ .. للفُقدان .
وانت وأنا .. ياصاحبي ..
زي الوَرَقْ .. هُوْ .. شئ .. بَسْ لا شئ
لا بصحبتَه .. يْطول العُمر ..
لا صاحبَه .. يصبَح نَبي ..
فِيْدي وَرَقْ .. مافيه فِيْدي شئ .

*شاعر ليبي


أعلى




سيرة الحجر
الحمامة

كان منظر الحمام وهو يطير في سماء القرية متنقلا من سطح إلى آخر يبعث فيك أحلاما وردية، كم تمنيت لو امتلكت حمامة واحدة منها، حمامة واحدة فقط، كان شعورا رائعا، وكنت تصعد على تلة تطل منها على البيوت، ومن هناك تتأمل أسراب الحمام وهي تطير متنقلة، كنت تجلس هناك لبعض الوقت، تتأمل الحمام وتحلم.
يقول أقرانه إن حصوله على حمامة واحدة كفيل بأن يملأ سطح بيته بقبيلة كبيرة من الحمام في وقت قصير، الأصدقاء لا يتحدثون في جلساتهم تحت ظل شجرة القرط الكبيرة على ضفة الوادي إلا عن الحمام وأنواعه، وكنت تستمع إليهم بكل جوارحك ، صرت تعرف الكثير عنها ولا ينقصك إلا واحدة حتى تزرع حلمك في تربة صالحة ثم تسقيه وتقوم عليه إلى أن يكبر ويتكاثر.
صار لدي نقود كافية أخيرا لكي أشتري واحدة ، ذهبت إلى بيت أحد أصدقائي وتحدثت معه ليبيعني حمامة من حماماته ، على أن يختار لي واحدة من أجود ما عنده ، أخبرني بأن سعرها كبير ولكنني قدمت إليه كل ما معي ، فرح بالمبلغ وقال لي: هذه هي المرة الأولى التي أبيع فيها واحدة من حماماتي ، ركض مسرعا إلى سطح الدار ومن هناك ناداني أن أصعد إلى عنده ، ثم أخبرني بكل ما يملك من حمام معددا لي صفات وخصائص كل واحدة ، ثم اقترح عليّ أجملهن ، كانت بيضاء ، فوافقت ، واتفقنا أن أجيء ساعة المغرب بعد أن يدخل الحمام كله إلى بيوته.
أخذ الحمامة فرحا بعد أن هيأ لها مكانا فوق سطح الدار ، كان العش الجديد عبارة عن صندوق معدني من صناديق زيت الطعام ، وضع الحمامة داخل الصندوق ، ثم وضع الماء والحبوب على السطح ، وجلس هناك يتأمل حمامته وهي هادئة ونائمة بالداخل ، ثم هبط ليحلم بها في فراشه ، تمنى لو يطير معها حتى يغيبا في زرقة السماء ، أو أن يسافرا خلف تخوم تلك الجبال البعيدة.
صحوت مبكرا وصعدت إلى السطح لترى حمامتك ربما تحتاج إلى شيء ، فقد جهزت لها بعض الحبوب والماء من جديد ، وهناك تفاجأت بأن المكان أصبح خاليا منها ، لقد رحلت الحمامة ، شككت في الأمر ، ربما صعد بعض القطط إلى السطح وافترسها ، ربما حلقت بالليل ولم تستطع العودة ، هرعت إلى صديقك فأخبرك بأن الحمامة عادت صباحا إليه ، قال لك: كان عليك أن تسجنها لبعض الوقت حتى تتعرف على بيتها الجديد ، لم تستسغ فكرة السجن، فاقترح عليك نتف ريشها حتى تستطيع أن تتجول فوق السطح وما هي إلا أيام حتى ينبت الريش من جديد وقد اعتادت على سطح بيتكم ولم تعد تفارقه.
نتفنا ريشها وعدت بها معي إلى البيت ، كان أخوتي الصغار ينتظرون عودتي ، الكل يود أن يمسكها ويتلمس ريشها ، الكل يود أن يلعب معها ، اخترعت لهم لعبة فصعدت إلى سطح البيت ومن هناك رميت الحمامة عاليا لكي تطير ، ولكن لأنها منتوفة الريش ، رفرفت كثيرا وسقطت على الأرض ، تراكض أخوتي إليها ، أمسك بها أحدهم ، أمرته أن يقذف بها عاليا ناحيتي ، فرمى بالحمامة ناحية السطح ، رفرفت الحمامة قريبا مني فأمسكت بها بعد إن كادت تسقط ثانية على الأرض ، أعجبتنا اللعبة ، صرنا نقذف بالحمامة من وإلى السطح ، وبعد فترة من اللعبة شاهدت الدم يخرج من منقارها ، أخبرتهم بأن الحمامة قد تعبت ، أخذتها وأدخلتها إلى عشها ، قربت إليها الماء ، حاولت أن أجعلها تشرب ولكنها بقيت صامتة ، كان المساء قد حل ، هبطت من السطح ونمت ليلتي ، وفي الصباح عندما صعدت لأرى الحمامة وقد أحضرت لها ما تحتاجه ، وجدتها جثة هامدة ، وهي ترقد متيبسة داخل العش.
زهران القاسمي

أعلى




مصطلحات من الفن التشكيلي (6-9)

ما زال تواصلنا قائماً في التعريف ببعض مصطلحات الفن التشكيلي ، وسنتعرض في هذا العدد لحرفي الطاء والظاء متمنياً المتعة والفائدة.
حرف الطاء: (طراز كلاسيكي) ينتمي هذا الطراز عادة إلى الطرز الإغريقية القديمة حيث اعتمد الأغريق على قواعد منطقية وذهنية محسوبة حساباً دقيقاً عندما كانوا يصوغون أعمالهم الفنية سواء كانت معبداً بأعمدته وتيجانه أو تمثالاً أو إناء أو عمل فني آخر حيث كان العقل هو الذي يتحكم في الصياغة والتشكيل بينما يبتعد الفنان عن الرومانتيكية العارضة ،والطراز كان يُعبر عن الإنسان في أحسن تقويم وفي نسب جمالية وحركة حية ديناميكية مقننة حيث سُمي أحياناً بالفن الإنساني ولقد أثر ذلك الطراز في الطرز الرومانية بعده وكذلك أثر في فنون عصر النهضة في أوروبا.(طينة صينية) هي طَفْل أبيض ناصع البياض صيني البيئة يستخدم في فن الخزف ويطلق عليه أيضاً "الكاولين" يدخل في خلطات الخزف ويعطي بياضاً للأجسام.(طراز هندسي) ظهر هذا الطراز منذ القدم في عصور ما قبل التاريخ السحيقة عامة وفي فنون حوض البحر المتوسط خاصة ، حيث عبر الفنان عن الطبيعة حوله بالأسلوب الهندسي مستعيناً بالخطوط المتنوعة والدوائر والمساحات الهندسية والنقط وغيرها حتى عندما عبر الفنان عن الإنسان رسمه في حركات خطية هندسية المظهر بوضوح تام كما في الفنون الإسلامية. (طراز فطري) هو طراز لا يرتبط بقواعد الفن الموضوعة وهو يعبر ببدائية وفطرية وأحياناً يطلق المصطلح على فنون الأطفال الريفية والشعبية والفنان "روسو" مثل واضح لهذا الاتجاه.(طراز تسكاني) هو طراز معماري روماني تكون الأعمدة فيه قائمة على قواعد مرتفعة وهو هنا يخالف أعمدة الدوريك اليونانية فضلاً عن رشاقته وجمال هيئته.(طباعة حجرية) هو الرسم على الحجر كوسيلة لطباعة عدة نسخ متكررة وهذه الطريقة كانت تنفذ عام 1798م ويمكن استخدام أكثر من حجر واحد بسبب تعدد الألوان وبرز فنانون في هذا المجال منهم"بونار،تولوزلوتريك" وفنانون معاصرون كثيرون. (طوب محروق) استخدمه الآشوريون القدماء في مبانيهم وكساء جدرانهم وكانت هذه القوالب والألواح الطوبية يُرسم ويحفر عليها ثم يطبق عليها طلاء زجاجي براق أو ملون حتى تحدث أثرها التعبيري وفي العمائر الحديثة المعاصرة اتجه المهندسون للاستفادة من لون وتأثير هذه الألواح والقوالب في كساء واجهات العمائر والمؤسسات في أساليب فنية جذابة.(طاحونة الكرات) طاحونة تستخدم لطحن خامات الخزف ، فيها "كُور بورسلينية" صلبة مختلفة الأحجام تستخدم في عملية الطحن.(طينة الكرة) نوع من الطينات الخزفية رمادية اللون لدنة القوام تستخدم في فن السيراميك لتعديل اللون أو لمساعدة التماسك في عملية التسوية الحرارية.(طلق) الطلق هو حجر طبيعي وهو نوع من الصخور يتكون أساساً من معدن الطلق ومواد أخرى ويستخدم في خلطات الطينات الخزفية وكذلك الطلاءات الزجاجية ويحتاج لدرجات حرارة عالية حتى يتفاعل مع باقي المواد ، وقد استخدمه قدماء المصريين وعملت منه بعض التمائم وأدوات الزينة وغيرهما ، وتمتلئ بها متاحف العالم كما يستخدم في أغراض أخرى.(طباعة المنسوجات) هو فن تطبيق التصميم على الأقمشة المنسوجة وينفذ هذا بعدة وسائل منها استخدام قوالب الطباعة والشاشة الحريرية والإستنسل واستخدام الشمع وتتم الطباعة إما بطرق يدوية أو ميكانيكية.(طلاء زجاجي من رماد الخشب) ظهر هذا النوع من الطلاءات الزجاجية الخزفية في الشرق الأقصى حيث اعتمد على الرماد المُتَخَلِف من حرق بعض النباتات مثل نبات الأرز والذرة وحطب القطن حيث يصبح هذا الرماد أحد المواد الصاهرة ، إلا أن الحريق وتسوية الطلاء تحتاج إلى درجة حرارة عالية تصل إلى 1250 درجة مئوية تقريباً.
حرف الظاء: (ظل) وهو الظل الساقط على الجسم نفسه وهناك أيضاً الخيال الذي هو الظل الساقط من الجسم على سطح آخر أي خيال الشكل.(ظليّة) يُطلق المصطلح على الصور السالبة فتظهر بلون واحد فقط دون أية تفاصيل وقد أخذ المصطلح عن السياسي الفرنسي "ديسلويت".

* عبدالكريم الميمني

أعلى




وجوه وظلال (42)
قراصنة


"قـرصان"، رافائيل ألبيرتي:

قـرصان البحر والسماء،
إذا لم أكن كذلك، فسأكون.
إذا لم أسرق فجر البـِحار،
إذا كنت لم أسرقـه بعد،
فإنني سأسطو عليه.
قرصان السماء والبحر،
على متن مدمرة،
وبـرفقة ستة بحارة أشداء، يتناوبون، ثلاثة.. فثلاثة..
إذا كنت لم أسِرق فجر السماوات،
إذا كنت لم أسرقـه بعد،
فإنني سأسطو عليه.
ت.صالح علماني وعاصم الباشا
******
بدأ الروائي الأميركي جون شْتايْنْبـِكْ حياته الأدبية بكتابة رِواية "كأس من ذهب" عام 1929، وكانت تدور حول حياة السير هنري مورجان، القرصان البحري الشهير، الذي دوّت شهرته الآفاق في القرن السابع عشر. لكن هذا الاتجاه الذي يستمدّ مضمونه من التاريخ، لم يستمر بعد ذلك في روايات شتاينبك المتعاقبة، التي استمدت مضمونها من صراعات الفلاحين والأجراء الكادحين في منطقة كاليفورنيا، وهي الروايات التي اكتسبت شهرة عالمية، ولاقت نجاحاً كبيراً، مما جعل اسم شتاينبك يلمع بين أسماء إيرنست هيمنجواي ووليام فوكنر وسكوت فيتزِجيرالد.

موسوعة الشعر الأميركي ج1 - نبيل راغب

******


"تاريخ القرصنة في العالم" للكاتب الصحفي البولندي الـشهير ياتسيك ماخوفسكي، يحاول من خلاله أن يطرح تصوراً لكل المراحل الرئيسة للقرصنة، حيث يمتد زمن الأحداث من العالم القديم وحتى عصرنا الحديث. أما مسرح هذه الأحداث فهو كوكبنا بأسره، كـل البحار، حيث كان أسطول القراصنة، على حد قول كيبلنج:"هنا وهناك: يُرسل بالتحية إلى السفن التي يلتقي بها".
يقول دافيدسون عنِ كتاب ماخوفـسكي "تاريخ القرصنة في العالم":
قام ماخوفسكي على نحو مفعم بالحيوية بحكاية أوضح حكايات تاريخ القرصنة، بل ووضع بعض صفحاته في قالب روائي.
ستمر أمام القاريء أسماء هنري مورجان، ملك قراصنة وِسْتْ أندْيا، وهـو النموذج الأصليّ للكابتن بلاد، في رِواية رفائيل ساباتيني الشهيرة، وجون إيفري الذي كرس له دانيال ديفو -مؤلـف رِواية روبنسون كروزو- اثنين من كتبه، الأول في الأدَب الاجتماعي، واتخذ له عنواناً:"ملك القراصنة، أو تقرير عن المآثر المجيدة للكابتن إيفري"، الذي ادعى لنفسه لقب إمبراطور مدغشقر في خطابيه اللذين كتبهما بنفسـِه"، والثاني روايتـه"حياة الكابتن سينجلتون العظيم ومغامراته". إلى جانب الشخصيات الرائعة الأخرى لعالم القرصنة التي تم تأسيسه في جزيرة مدغـشقـر، وعلى رأسه جيمس بلانتين "ملك" رانتر باي، وعـرّوج وخير الدين، وقد اْشتهرا باسمِ بارباروسا الأول وبارباروسا الثاني، حكام ما كان يسمى بدولة القراصنة البربر التي قامت في الجزائر، على مدى عدة قرون، وحتى الثلث الأول من القرن التاسع عـشر، أي حتى سقوط سيطرة الباب العالي العثماني.
حوى عالم القراصنة أناساً من شتى الأجناس: أوروبيين، عرباً، صينين، ومن الملايو وأندونيسيا. هؤلاء الناس وتلك الأحداث، تساعد القاريء في رؤية جوانب مختلفة تماماً للقرصنة، وكذلك في اكتشاف جذورها الاجتماعية والنفسية إلى حد ما.
إن معاصري الأحداث، ومن تلاهـم من مؤرخين: لم يولوا دور القرصنة كشكل من أشكال الاحتجاج الاجتماعي: سوى أقل القليل من اهتمامهم.
وعلى الرغم من أنه لا يمكن إطلاقاً تبرير مهنة القرصنة أو تصورها في قالب مثالي ككل، إلا أنه لا يمكن في الوقت ذاته أن ننكر أنها كانت في بعض الأحيان شـكلاً من أشكال الاحتجاج: خـروجاً من مجتمع قائـم على الظلم، مجتمع تنظـمه عـلاقات تعسفية، وتتحكم فيه بشكل صارم مؤسسات جائرة.
وقد كانت القرصنة في أحيان أخرى مرتبطة أيضاً، لا بمجرد كونها احتجاجاً اجتماعياً، وإنما بالسعيِ لتحقيق نظام اجتماعي جديد، وفقاً لأفضل مثل ذلك الزمن.

مختارات: صالح العامري

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept