الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ

"لم يؤمن المستكشف والمسّاح البريطاني جيمس ريموند ولستد بأبعاد المهام التي أوكلتها إليه حكومته، بل راح يبحث عن إرضاء شغفه بالبحوث الانسانية، ضارباً عرض الحائط بكل الأوامر الصادرة من مسئوليه، وهو ما كلفه حياته في نهاية المطاف.
ففي الوقت الذي تكالبت على جميس ولستد تقريعات المسئولين، أثارت نتائج بحوثه غيرة العديد من زملائه فاتهموه بهضم حقوق أصدقائه تارة، وبالمبالغة في وصفه تارة أخرى.
تقطعت نفس جميس ولستد حسرات لما ألم بها من ظلم وجحود، فتناول مسدسه ذا الماسورتين وصوّب على فمه، وأطلق الرصاص على نفسه.. حصل هذا في ميناء مسقط، في بدايات القرن التاسع عشر وتحديداً في العام 1836م".
مزيد من التفاصيل عن هذه القصة المشوقة يسردها لكم الزميل سالم الرحبي في قراءته لكتاب "رحلة في شبه الجزيرة العربية.. تاريخ عمان" لمؤلفه سابق الذكر ، والذي يطلق عليه "العمدة" في مجال البحوث الانسانية التي تخص عمان، لأنه أول رحالة اوروبي تطأ قدمه أرض عمان الداخل، واصفاً تضاريسها وعاداتها وتقاليد أهلها، مغرقاً في تفاصيل الحياة اليومية للعمانيين في ذلك الوقت الذي كانت فيه عمان بمثابة منطقة مجهولة لأوروبا.. ولم يستطع أي رحالة او مستكشف جاء بعده أن يتجاهل الأبحاث التي قدمها ولستد.
عن التاريخ القصصي في عمان يكتب حارث بن سيف الخروصي عن سيرة الإمام ناصر بن مرشد التي وثقها الشاعر عبدالله بن خلفان بن قيصر، وهو كتاب نادر قامت وزارة التراث والثقافة بطبعه، يصف جوانب عدة من حياة الامام، بطريقة فيها من السرد الشيق الكثير، وهو ما يكشف اهتمام العمانيين بتقنية السرد والقص منذ أمد بعيد.
على ضفاف الصورة الفوتوغرافية يعقد المصوران العراقي احسان الجيزاني والايطالي انطونيو سانتوروا مقارنة بين أهوار العرق وفينيسيا ايطاليا، من خلال باقة من الصور التي تسعى الى المقاربة بين المدينتين اللتين تئنان تحت وطأة التغيير والتغيرات المتسارعة للحياة، تلك التغيرات التي نهشت من جمالهما الكثير.. كما يحفل "أشرعة" في هذا العدد بباقة من المواضيع المتنوعة الاخرى.

المحرر


أعلى






شماعة مطفئة

تختلف تفسيرات المفاهيم, والعناوين حسب رأي كل شخص وكل جماعة من زمن إلى آخر ، فهناك من يفسر من بمفهوم سلبي ، والآخر بالإيجابي ،كما يطغى مجال معين على مجال آخر أيضا حسب ظروف كل فترة زمنية ومستجداتها ، والإنسان بطبيعته تواق للجديد وللمزيد من التطور ، وليس من السهل إحداث تطويرات إن لم تكن تغييرات في مجال بعينه ونحن مكتوفي الأيدي ، نشاهدها في بلداننا المجاورة فتصيبنا الغبطة منها، كما أن العقل والمنطق اللذان يرأسان عملية الإنتاجية الفكرية يستغيثا من الستار الذي أغلق عليهما، وما نردده بل نطالبه في محاضراتنا ومجالسنا أينما كنا هو تنشيط مفهوم "ثقافة الحوار". في هدا الموضوع المتواضع جدا" بوضوح وبدون إسهاب" أود أن أطرح تساؤلا حول غياب الكتابات الثقافية الإعلامية والفكرية "البحتة" في الصحف المحلية، فأين كتابنا ومفكرونا وإعلاميونا القدامى؟ مع شديد احترامي للجيل الصاعد.
كثيرا ما نتحدث عن تطور المجلات وازدياد أعدادها مند السبعينيات وحتى ما بعد سنة الألفين ميلادية، وقد استنتجنا بأن الفترة الحالية شهدت تراجعا في أعداد "المجلات الثقافية" لأسباب معينة أهمها القدرة المادية.... الخ ، فلمادا نطفئ نور شماعتنا الثقافية الإعلامية في جميع وسائل الإعلام مرئية كانت أم مقروءة.
صحيح ان هناك الكثير من الكتابات الخاصة بالأنشطة والفعاليات الثقافية المحلية، وفي المقابل فإن تفعيل الفكر الثقافي الإعلامي في قمة الأهمية لدعم حركة الانتعاش الثقافي بكتابة مقالات وآراء جديدة تعبر عن وجهات نظر كبار المفكرين "لا أستطيع بأن أقول كبار المثقفين" ، باعتبار اختلاف المفاهيم حول "مصطلح المثقف" إلى الآن..
إدا كانت التكنولوجيات والتقنيات والمصطلحات ذات العلاقة بها قد فرضت واقعها على المجتمعات، إضافة إلى أن الفرد إذا نأى بنفسه عنها يصنف في خانة العصر التقليدي، فما هو سبب تراجع تلك الكتابات في هدا العصر الدي تبنى وأحتضن لهدا العالم مفاهيم التجديد والإضافات والتعدديات في مجالات العلم والتقنية، وهل هدا يعني أن نطفئ نور العمل الثقافي أم أننا ننتظر من يكتب لنا على طبق من دهب ؟ أنيروا شماعتنا "الثقافية" الإعلامية، وقد آن الأوان أن تضيء إلى جانب أقرانها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية وغيرها من المجالات المضيئة.
أيمن بن راشد الحراصي


أعلى





لقاء الأدب والشعر والعمارة في لندن الشاعر والمعماري العُماني سعيد الصقلاوي

قلما يجتمع العلم والأدب في عالم ومفكر في عالم اليوم ـ ونعني بالأدب, ليس الخلق القويم فحسب, بل القدرة الأدبية والملَكة الذهنية على الكتابة والتأليف الأدبي بما تحمله روعة البيان التصويري! وعالم اليوم "المتخصص" قدم تصورا حتميا للفرد بضرورة سبر أغوار العلوم والآداب النظرية أو المجردة البحتة بما يفني حياة الواحد منهم أحيانا دون سبر أكثر من مجرد السطح فقط. ومع تطور وغزو عولمة الاتصالات باتت مهمة الفرد في الإحاطة بجزئيات العلم الواحد مسألة تقترب من دوائر المستحيلات في خضم أمواج متلاطمة في محيطات التوسع المعرفية التي لا شطآن لها.
في القديم, وفي مجالات الفكر والعلوم القروسطية, ونظرا لمحدودية العالم واتصالاته وعلومه النظرية والفكرية فقد كان من السائد والممكن أن تجد عالما واحدا يجيد الطب والفلسفة واللغة والفلك وسواها ـ وأمثلة ذلك لا حصر لها من الفارابي وابن سينا لابن الهيثم وابن رشد والغزالي وغيرهم. لكن وفي عالم اليوم جلبت مسألة "التخصص العلمي" آفة وإشكالية كبيرة بات يعاني منها المثقف عموما, والمتخصص خصوصا, وهي تحييد وتهميش ملَكات أساسية وضرورية لتكوين احداثيات تفكيره وأساسيات عليه الإلمام بها أصلا كي يصنف ضمن إطار العلم والمعرفة والثقافة. وباتت العلوم المتمددة باطراد ـ تمدد الكون من حولنا ـ تهدد من يتقاعس عن الثقافة والقراءة الخاصة ما بعد مراحل الدراسة الأساسية والجامعية بإنتاج "أنصاف مثقفين" و "ثلاثة أرباع متعلمين" و "كسورا مئوية لباحثين" وهلم جرا. وبات من الشائع أن تجد طبيبا مثلا لا يحسن الكتابة السليمة بدون لحن أو خطأ إملائي أو قواعدي أو نحوي ـ فعذره الباهت هو أنه أضحى متخصصا بالطب وليس عالما نحويا! وأصبح لزاما أن تحتاج "لشامبليون" جديد لفك طلاسم الرموز التي يكتبها الطبيب في "وصفته الطبية" للمريض كي يصرفها من الصيدلية, ولا يفهم هذه الرموز "الهيروغليفية" بوصفة الطبيب إلا "متخصص" آخر أفنى جزءا من حياته هو الصيدلاني البارع في فك طلاسم "خربشات" الطبيب! ولذلك فمن سابع المستحيلات مثلا أن تجد طبيبا وخطاطا يجتمعان في شخص واحد! وبتنا نرى مهندسا مثلا لا يعرف أي شيء في الفلك أو أساسيات الإسعاف الأولي الضرورية للطوارئ ولا يجيد الرياضيات أكثر من جدول الضرب ـ وربما حتى هذا الجدول نسيه مع انتشار الآلات الحاسبة, أما اللغة العربية وقواعدها أو الكتابة ما خلا الرسائل النصية القصيرة على الجوال فقد ولّت إلى غير رجعة مع انتهاء آخر امتحان للثانوية العامة! وتتفاقم المشكلة ويزداد الفصام النكد بين "العلم والأدب" منذ مرحلة الثانوية العامة بفصل التخصص العلمي عن الأدبي, بما يوحي في روع ووجدان الطبيب والمهندس أن علوم اللغة العربية التي فاق بها أقرانه قبل سنوات علما وتحصيلا وإدراكا هي ليست له الآن بل أضحت من "اختصاص" من توجه للفرع الأدبي.
وتتناقص وتضمحل هذه العلوم في فكره وضميره ووعيه حتى يرفع المفعول به وينصب الفاعل. في نفس الوقت الذي تموت فيه "الثقافة العلمية" في عقل ووعي من توجه لدراسة "التخصصات الأدبية" حتى ينسى جدول الضرب والحساب.
وقس على ذلك الكثير من أحوال "المتخصصين" ذوي النظارات السميكة التي لا يضاهيها إلا "قاعدة كوب الشاي التقليدي". أما أحوال "غير المتخصصين" من الدهماء ومن لم تسعفهم الظروف بإكمال دراستهم الأساسية والحصول على "قطعة من الكرتون المقوّى" من جامعة ما لتشهد لهم بالذكاء المفرط أسوة بأقرانهم فحدث ولا حرج فقلما تجد منهم مجيدا في علوم أساسية, أو هذا ما يدفعهم إليه المجتمع, وتوضع أمامهم "عقبات التخصص" الأكاديمي ـ رغم أن بعضهم يتذوق الشعر والأدب ويجيد الرياضيات البسيطة بطريقة ذهنية أسرع من آلة للمهندس الحاسبة وغيره.
نسوق هذه المقدمة لا للتقليل من أهمية التخصص مطلقا, وليس لإعلاء شأن فئة على أخرى فكل خلق لما هو ميسر له! لكن الشاهد هنا هو ندرة "تعددية المواهب الفكرية والعلمية" في شخص واحد في عصرنا الحاضر. ومن هنا فحين نرى فردا وقد أجاد أكثر من علم بما حضه عليه اجتهاده الشخصي ينتابنا العجب وتطالعنا الدهشة. برغم أن الإبداع هو قاسم مشترك بين العلوم والآداب وهو ملّكة كامنة في الشخص ويمكنه التعبير عنها بأكثر من طريقة ومنهج. ويمكن لكل فرد منا بما حباه الخالق من طبائع أن يطور هذه الملكات الذهنية أو يميتها في نفسه بحسب كده واجتهاده الخاص. ولذلك نرى أحيانا, رغم ندرة ذلك للأسف لطبيعة المجتمع ونظرة الأفراد السلبية لطاقاتهم الدفينة المكبوتة والتي لا يحسنون تنميتها أو رعايتها والتعبير عنها, نرى نماذج لأفراد أجادوا أكثر من علم وأدب إجادة تامة وعلى حساب وقتهم وضمن منهج شخصي اختطوه لأنفسهم لرسم معالم شخصيتهم بما يضفي جمالا على جمال وعلما على أدب.
لكن نظرة المجتمع القاصرة باتت تحتم على عالم الشريعة عدم تذوق الفن, ويرى أن تدخلات الطبيب مع تذوق الشعر وإجادته لها هو "تطفل" على العلوم الأخرى, ولو كتب مقالا أو نظم قصيدة شعرية لجوبه بسؤال مباشر أو ضمني تفضحه النظرات الشزراء المرتابة: ما الذي يحشرك في علوم الآخرين"؟
نسوق هذا كله بمعرض لقاء جمع العلم والعمارة بالأدب ـ الخلقي والفكري ـ في أحد طلائع مثقفي السلطنة, ولأهل سلطنة عُمان الكرام مكانة خاصة في عقلي ووجداني من معايشة امتدت سنوات عديدة امتدت خلال العقد الأول من الألفية الثالثة, كونت خلالها أمتن الصداقات وأعز الروابط في حياتي المهنية والخاصة على حد سواء, حيث لمست خلالها أصالة العمانيين بعامة, وكأنهم على أكرم وأنقى وأطهر سريرة رجل واحد. توّجت هذه الخبرة الخاصة مؤخرا بأن تعرفت وتشرفت بلقيا شاعر ومعمار عماني في قلب العاصمة البريطانية لندن وهو الشاعر الأستاذ سعيد الصقلاوي. وبالإضافة لكونه مخططا ومعماريا, فسعيد الصقلاوي هو شاعر بالفطرة والخبرة وله باع وذراع في عالم الشعر العربي. ومن علامات النبوغ للمعماريين وكما يمكن لحظه في الكثير من رواد العمارة العربية المعاصرة هي قدرتهم على الجمع بين الفن وضرب من ضروب الأدب لارتباطهما الوثيق من حيث البنية التكوينية. فكما أن العمارة هي موسيقى متجمدة بتجلياتها وانسيابية وتناغم علاقاتها التركيبية بما يحاكي جمالية الحروفية العربية والخط العربي, فكذلك الشعر والكتابة والأدب عموما هي صنو الفن حيث تتراقص الكلمات وتصطف في تناغم بديع في النص الأدبي أو القطعة الشعرية بما يجعلها موسيقى منسابة تشنف الآذان وتلامس الوجدان بروعة ما فيها من بيان ـ وإن من البيان لسحرا!
سعدت بلقيا الأستاذ الصقلاوي وكان لي أعظم الشرف وخاص الحظوة بالتعرف إليه. وكان سباقا للخير, كسجية العمانيين عموما, بقراءة بعض كلمات لي في مساحة على منبر ثقافي أسجل فيه كلماتي وخطراتي فاتصل بي مشكورا وتم اللقاء أثناء زيارة له في لندن صيف هذا العام. يحدثني شاعرنا الأستاذ سعيد في جلسة حوار ممتع عن ذكرياته مع شيخ المعماريين العرب حسن فتحي في زيارته التاريخية لسلطنة عمان في أواخر الستينيات, وكان الأستاذ الصقلاوي يعمل يومها في وزارة التخطيط العمراني كرئيس للدائرة حين كانت زيارة فتحي التاريخية محل اهتمام وعناية الوزارة لاستشارة المعماري الفذ حسن فتحي في مشروع تطوير عمراني. ولم تخرج قصة مقابلة المعماريين فتحي والصقلاوي عن إطار يختلف عن شخصية حسن فتحي الرائعة والمعبرة بصمت عن فصاحة وبلاغة الكلمات المقتضبة التي تسجل بكلمات خالدة, فقد بادر حسن فتحي للتعريف نفسه بكلمات معدودة لكنها غدت تاريخا في ذاكرة الأستاذ الصقلاوي حين هتف حسن فتحي قائلا: أنا حسن فتحي"! ولم يزد على هذه الجملة القصيرة أي كلمات مسهبة أو مطنبة, فهو وإن فاقت شهرته الأباطح والروابي في أصقاع الغرب المتوحش إلا أنه لم يكن يرجو حمدا زائدا أو تكريما خاصا سوى ما تطمح له نفسه المتواضعة حتى وإن عزت المعرفة وتنكرت له العشيرة كما ساد حتى وقت متأخر من حياته المهنية الحافلة. بيد أن أصالة العمانيين وكرم طباعهم وسجيتهم كانت على موعد مع قدر حسن فتحي كي يستضاف في سلطنة عمان ولم يكن ذلك بغريب أو خارج المتوقع مطلقا! وقد كان لمجدد العمارة العربية المعاصرة أستاذي الدكتور راسم بدران نصيب في جلستنا وحديثنا, إذ يحدثني الأستاذ الصقلاوي عن ذاكرة وزيارات تاريخية مماثلة امتدت منذ منتصف الثمانينيات حين قدم راسم بدران للسلطنة لتحكيم مسابقة معمارية, وانتهاء بعهد قريب قبل سنوات معدودة حين ألقى محاضرة عامة في جمعية المعماريين العمانيين وكان ثمة لقاء مماثل مع الأستاذ الصقلاوي.
تزاوج العمارة والأدب أو الشعر أو أية موهبة فنية مصاحبة في شخص معماري واحد, يضاف إلى ذلك طول الخبرة وتقادم السن مع ما تضفيه السنون والعلم من حكمة وأدب, تجعل مجالسة أمثال هؤلاء الرعيل الأول من المعماريين ممتعة بدرجة متميزة تنسيك دقات الساعة ودوران عقاربها. وبالرغم من أن الشعر عموما لم يكن يوما من أولويات تذوقي الفني ـ رغم حبي للغة العربية والبلاغة والفصاحة لاعجازها وجمالها, إلا أن قراءة ديوان الأستاذ الصقلاوي وبخاصة قصائده التي تدرّس رسميا في المناهج المدرسية العمانية ومنها قصائد وطنية لفلسطين عبقت أرجاء المطعم الذي جلسنا فيه وأوقفت عقارب الزمن الذي كاد أن يتجمد فيما راحت الأبيات الشعرية تتراقص عبر أثير المطعم اللندني معانقة الروائح الزكية التي تعبق أجواء المكان. جلسنا نتبارى, معاذ الله بل نتذاكر, قواعد اللغة العربية المجيدة في جمل مثل (نحن المعماريين) حيث تنصب كلمة"المعماريين" على الاختصاص بحسب ما تقضيه أصول قواعد اللغة العربية.
سعدت كثيرا بهذا البعث الفكري اللغوي مجددا في قلب عاصمة اللغة الإنجليزية وبعد عقدين أو ثلاثة من أيام مجيدة عشقت بها اللغة العربية وأهلها وحال بين مطالعتها وإعادة مذاكرتها لسنوات دراسة العمارة بين لغتين عربية وأجنبية ـ وإن كانت لا تزال حية في العقل والفكر والفؤاد!
راح الأستاذ الشاعر والمعماري يقرأ على مسامعي مقطوعات جميلة من كتابه الشعري الأخير "نشيد الماء" ـ والذي تشرفت بنسخة منه ممهورة بكلمات إهداء خطتها يده مشكورا. راح يقرأ شاديا ومنشدا (والشعر يزداد حلاوة إن قرئ عليك من كاتبه) من قصيدة "غرناطة":

حبيبتي
هناك في غرناطة في موسم النماء
حيث الزهور الفاتنات تسكب الأشذاء
والنخل كالقيان في محافل الغناء
والأرض كالعروس في الغلائل الخضراء
من حنطة (الشآم) وجهها ومن "صنعاء"
ومن صفاء "طنجة" عيونها الحوراء
ومن مياه "دجلة" عروقها ضياء
ومن "ظفار" طيبها يعطر الأرجاء
ومن حقول "تونس" بسماتها الغناء
وشعرها فلّ وزنبق وكستناء
تهزها الأشواق والهوى إلى اللقاء
هناك يا حبيبتي يا فرحة الرجاء
تزهر الأحلام والمنى بلا انتهاء

تراقصت الأبيات الشعرية على مسامعي, كتراقص سطور من الخط العربي البديع الذي اعشقه وأجيده, ولامست بروعة التصوير الأدبي قوة التعبير وانسجام المعاني والمباني في اللبنات الشعرية حلاوة في قلبي أعادت لنفسي حنين أيام الصبا في مدارس مدينة عمان حيث أفنت جحافل من معلميها زهرة شبابهم في زرع العلوم والآداب في وعينا حتى صرنا إلى ما صرنا عليه. سادني شعور غامر بالحنين والشوق لتلك الأيام المجيدة حيث الأصالة وحيث صدق العطاء لمعلمي المراحل الأساسية, ووالدي واحد منهم أجاد علوم اللغة والرياضيات والعلوم الطبيعية والخط العربي والشريعة ـ بما يعيد في ذهني طرح أسئلة أساسية في المنحى الذي نحاه عالم اليوم المعاصر ومثقفوه في "جزئية المعرفة" والتخصص التي وقفت أمامهم عقبة كؤودا, وكأداء, حالت بينهم وبين الإجادة أو الإفادة والريادة.
الأستاذ سعيد الصقلاوي غني عن التعريف بهذه السطور التي كانت مجرد وقفة تأمل وتسجيلا لهذه المحطة في لقاء ممتع في غرب لندن. فقد سبقني كتاب ومفكرون عرب بسطور نورد بعضها. يكتب الأستاذ فخري قعوار رئيس اتحاد الكتاب العرب سابقا:"تمتاز قصائد الصقلاوي ببساطتها ووضوحها وعفويتها, الأمر الذي يؤهل الشاعر للإقتراب من المتلقي, ويؤهل شعره للترجمة إلى اللغات الأجنبية. وتمتاز قصائد الصقلاوي أيضا بإبراز البعد الروحي والوجداني العازف على وتر الإنسان اليومي وهمومه الداخلية وأشجانه وتعلقه الحميم بوطنه".
وتكتب الأستاذة الدكتورة وجدان عبد الإله الصائغ رئيسة قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية الآداب بجامعة ذمار باليمن:" إن قصائد الشاعر سعيد الصقلاوي تصدر عن إحساس مرهف بدور الكلمة ومسؤولية الحرف. والشاعر يمزج مهمة المبدع ورسالته السامية بنبضات قلبه. قصائده مرايا تعكس شعرية الإلتزام, إذ يسري وقد النص إلى شغاف القارئ تاركا في الذاكرة بصمة مميزة ونقوشا لا سبيل لنسيانها". أما الأستاذ الدكتور صبري مسلم عميد كلية الآداب والألسن في جامعة ذمار باليمن فيكتب:" تتماهى قصيدة الشاعر سعيد الصقلاوي مع الحياة حين تتسق مع مباهجها وهمومها على حد سواء, إذ تتناغم مع دورة الفصول وتجدد عطائها, وهي المستقبل والطموح والتحدي فضلا عن أنها الملاذ والخلاص عبر رحيل هادئ صوب عالم ضاج بالخضرة وبنبض الطبيعة الحي".
ويكتب الأستاذ الدكتور عبد الجبار القزاز رئيس قسم الدراسات اللغوية بكلية التربية في الرستاق بسلطنة عمان:"الشاعر الصقلاوي يرفرف بأجنحة طائر سلام حالم, يستفيق لينتفض, فيناجي, وينادي, ويحاكي, ويناشد. يسكنه وطنه, وأمته, وعشقه للحياة. يهندس الموروث فينجز المبتدع الحديث, بألفاظ شفافة, وعبارات حالمة, وجمل موسيقية متجددة. يشيد عالما مروجه الأمل, وجداوله المحبة, وفضاؤه الحرية".
وختاما نسطر موجزا من سيرة الأستاذ الصقلاوي العلمية والعملية. فهو من مواليد مدينة صور, حاصل على بكالوريوس في هندسة التخطيط من جامعة الأزهر, وماجستير في التصميم الحضري من جامعة ليفربول بانجلترا. له إصدارات شعرية غزيرة منها "ترنيمة الأمل" عام 1975, و"أنت لي قدر" عام 1985, و"أجنحة النهار" عام 1999, و"صحوة القمر" عام 1996 وقد ترجمها د.عبد الله الشحام إلى اللغة الإنجليزية وترجمتها إلى الفرنسية الشاعرة المغربية فاطمة الزهراء العلوي. وله أيضا "لآلئ عُمان" مختارات ترجمها إلى اللغة الأوردية الأديب الدكتور سيد بشير أحمد. ومختارات مترجمة إلى اللغة الإسبانية نشرها الشاعر الإسباني كارلوس أجانزو. وله أيضا "شعراء عمانيون" دراسة في تاريخ الشعر العماني 1992, وموسوعة التحصينات العُمانية من سبعة أجزاء, بالإضافة لعدد من البحوث والدراسات في التاريخ والأدب والهندسة في عُمان.
للشاعر والأستاذ والمعماري سعيد الصقلاوي منا كل المحبة والمودة والتقدير, فهو علم وقلم فكري متميز عربي قل أن تجد له نظيرا ممن يجمع علم العمارة والأدب, الخلقي والفكري, وغزارة الإنتاج. نرجو أن يكون قدوة لنا ولغيرنا فيما يمكن أن يبرع فيه ويتقنه الواحد منا في حياته إن أحسن استغلالها وأدب نفسه على منهج السلف في العطاء. نفع الله بعلمه الأجيال وأطال في عمره وأبقاه شعلة عطاء وعلم في سماء سلطنة عمان العزيزة والعالم العربي الكبير الذي لا يضنّ علينا بنخبة معطاءة تجدد له مجده ولو مطلع كل قرن.

د. وليد أحمد السيد


أعلى





جيمس ريموند ولستد.. "العمدة" الذي قاده عشق محبوبته الى الانتحار

يروي القصة ـ سالم الرحبي:
لم يؤمن المستكشف والمسّاح البريطاني جيمس ريموند ولستد بأبعاد المهام التي أوكلتها إليه حكومته، بل راح يبحث عن إرضاء شغفه بالبحوث الإنسانية، ضارباً عرض الحائط بكل الأوامر الصادرة من مسئوليه، وهو ما كلفه حياته في نهاية المطاف.
ففي الوقت الذي تكالبت على جيمس ولستد تقريعات المسئولين، أثارت نتائج بحوثه غيرة العديد من زملائه فاتهموه بهضم حقوق أصدقائه تارة، وبالمبالغة في وصفه تارة أخرى.
تقطعت نفس جيمس ولستد حسرات لما ألم بها من ظلم وجحود، فتناول مسدسه ذا الماسورتين وصوّب على فمه، وأطلق الرصاص على نفسه.. حصل هذا في ميناء مسقط، في بدايات القرن التاسع عشر وتحديداً في العام 1836م.
لمعرفة المزيد من تفاصيل هذه القصة سنغوص في أعماق كتاب "رحلة في شبه الجزيرة العربية.. تاريخ عمان" لمؤلفه سابق الذكر جيمس ريموند ولستد، أول مستكشف بريطاني يزور عمان الداخل، ويتعرف على مناطقها، في الوقت الذي كانت تبدو فيه هذه المنطقة غامضة بالنسبة للأوروبيين.
ترجع تفاصيل الحكاية الى العام 1820 وهو العام الذي فرغت فيه حكومة شركة الهند البريطانية من ضرب آخر جيوب المقاومة العربية الإسلامية في الخليج العربي، حيث كان من الضروري العمل على تقصّي كل الأحوال في الخليج، ظاهره وباطنه، وقضت الخطة بمعرفة كافة الظواهر والمؤثرات الطبيعية في الخليج وعلى سواحله، خصوصاً بعد أن تأكد للبريطانيين أن حملاتهم كانت تصيب نجاحاً مؤقتاً، حيث تفر سفن الجهاد العربية من وجه قوتهم الى الخيران والشروم ثم تكرّ راجعة ما إن تعود القوة الباغية الى قواعدها.
بدأت مسوحات أسطول شركة الهند البريطانية في مسح سواحل شبه الجزيرة العربية، وبدأت مهامها في منطقة البحر الأحمر، والسواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، وقد خرج المساحون تترى في إثر بعضهم البعض لرسم خارطة دقيقة لهذه المنطقة، وتتابعت حملاتهم بشكل كبير، وكانت أشهر الفرقاطات التي عملت على المسوحات هي الفرقاطة بالينورس "palinurus"، والتي كانت تحمل على متنها كاتبنا جيمس ريموند ولستد، وهو الجندي الذي لم يأبه بكل المهام العسكرية الموكلة إليه بقدر ما كان يشده الاقتراب الانساني من هذه المنطقة والذوبان مع تفاصيل حياة أناسها.
لذا فقد عمل جاهداً على القيام برحلة على الأرض لاستكشاف وادي حضرموت، وراح يعد العدة لذلك مع جيش محمد علي باشا المنطلق من مرتفعات عسير، ولكن أمله خاب حين تمت هزيمة الجيش وانقطع رجاؤه في ذلك.
بعدها أقنع ولستد حكومته لإرساله في مهمة لاستكشاف عمان، ورغم أن المهمة كانت تأخذ في أجندتها مهام استكشاف عسكرية وسياسية، إلا ان ولستد لم يكن مقتنعاً بهذه الأجندات السطحية، وإنما كان يحلم بالغوص في داخل الثقافة العمانية واستكشاف تراث الشعب العماني واستقراء تاريخه.
والدليل انه لا يسمي ما قام به في عمان (مسحاً) بل يطلق عليها (أبحاث في أجزاء من شبه الجزيرة العربية) وهي بالفعل ابحاث غير مسبوق اليها البتة. ولا معروفة لدى الرأي العام الاوروبي الذي لا تزيد معرفته عن شبه الجزيرة العربية في تلك الفترة عن المعرفة السطحية جداً، حتى أن البعض يعتبره (العمدة) في معالجة فروع الدراسات الانسانية الخاصة بعمان، تحديداً في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ولم يفلح أي من المؤرخين او الفلكلوريين المحدثين الذين أدركوه، في معالجة أي من فروع الدراسات الانسانية الخاصة بعمان دون الرجوع الى ما كتبه ولستد.
الكتاب الصادر عن دار الساقي في بيروت عام 2002 ترجمه عبدالعزيز عبدالغني ابراهيم في ما يزيد على المئتي صفحة، عمل خلالها على التصرف في بعض أجزاء الكتاب، وهو يذكر ذلك في مقدمة الكتاب، فهو كما يقول لم يقم بترجمة الفصل الأخير من الكتاب الخاص بنقب الحجاز لأن موضوعه يختلف عن موضوعات السياق العام للكتاب، كما أنه تجاوز بعض الكتابات التي تطرقت الى بعض المسائل الفقهية، وهي مسائل كما يرى الكاتب لا تفيد القارئ المهتم بأدب الرحلة من جهة، ولا يمكن لولستد أن يلم بحيثياتها وتعقيداتها ببساطة من جهة اخرى، وباستطاعة القارئ أن يجدها بشكل أعمق وأدق في الكتب الخاصة بهذا المجال.
ولكن هناك ما يعيب الترجمة وهي كثرة الأخطاء في ترجمة مسميات الأماكن فهو يكتب قلهات "قليهات"، ويسقط أل التعريف في بعض الاحيان من السيب، كما يكتب قرية قاروت بإزكي "كاروت"، ويكتب إمطي "المضيي"، ويكتب وادي بني رواحة "وادي رويحة"، وغيرها من الأخطاء في مسميات البلدان، وهو ما كان يمكن تداركه من خلال الاستعانة بأحد المختصين.
انطلقت رحلة ولستد من ميناء مسقط في 25 نوفمبر 1835 ، قصد بعدها صور ثم اتخذ منها الى الصحراء طريقاً جنوبياً غربياً ليصل الى ديار البني بوعلي، توجه بعدها ولستد في اتجاه الجنوب الغربي عبر الصحراء ، ثم انقلب راجعاً بعدئذ سالكاً في عودته اتجاهاً شمالياً شرقياً، يمم بعدها ولستد الى الشمال وجاب عدداً من المستوطنات والواحات حتى وصل الى بدية، ورحل من بدية الى ابراء ثم سار حتى بلغ سمد ، وتركها الى منح. ثم نزوى ، التي واصل طريقه منها الى الجبل الأخضر ، بعدها عاد الى نزوى ثانية واتخذها قاعدة للقيام برحلات برية قصيرة لدراسة أحوال السكان وطبائعهم ، وهناك سقط صريعاً لحمى أوهنت جسده ، وبعد أن أحس بدماء العافية حزم أمره وذهب الى السيب على الساحل للاستشفاء.
ثم ذهب الى السويق ، ومنها دلف الى الداخل عبر وادي الحواسنة .. وصل الى مقنيات ثم الى عبري ، وخرج ولستد من عبري الى السويق من جديد.
ومن السويق اتخذ طريقاً الى شناص على أمل ان يسير منها الى البريمي حيث يمكن ان يجد قافلة هناك تأخذه الى الدرعية، ومن شناص زار مسندم ووصفها.. ولأنه لم يستطع الذهاب الى الدرعية عاد الى مسقط ومنها عاد الى الهند.
ورغم ان البعض يرى بأن عبارة "تاريخ عمان" في عنوان الكتاب هي عبارة فضفاضة ولا تعكس مضمونه، فكلمة "تاريخ" اكبر من ان تختصر في أدب الرحلات، إلا ان ما قدمه ولستد في تلك الفترة يعد بمثابة تاريخ عن هذه الأرض التي كانت غامضة بالنسبة للأوروبيين، خصوصاً وأنه قدم أبحاثاً انسانية غير مسبوقة، فهو لا يقدم معلومات جغرافية سطحية أو وصفاً طبوغرافياً أو بحثاً هيدرلوجياً فقط، بل يغوص في عمق التركيبة الديموغرافية للكثير من الأماكن التي زارها ويصف العادات والتقاليد بشكل مغرق، ويغوص في أعماق الحياة اليومية للعمانيين في تلك الفترة، ويصف الأشكال والأجسام والسحنات.
ويمكن أن نلحظ في الكتاب أيضا ولستد وهو مأخوذ بحياة البدو ونقاء سلالتهم، فهو كما يرى يختلفون عن البدو الذين قابلهم في الشام أو في غيرها من المناطق، كما نجده دقيقاً في وصف عاداتهم اليومية بدءاً من الصباح وحتى موعد النوم.
وفي الكتاب تأثر واعجاب من ولستد بالحياة العربية والبداوة وبعض جوانب الشخصية العربية والصحراوية وبساطتها، فنجده يتحدث بشكل مسهب عن سعي العمانيين الى الحفاظ على أنسابهم ، وعن كرمهم وسماحتهم في التعامل مع الغريب، وعن انفتاحهم المبكر على العالم ، كما يتحدث عن حبهم للزراعة والفلاحة ، ويصف العمانيين الذين استوطنوا الواحات في مقابل اخوانهم البدو بأنهم لا يختلفون عنهم في الكرم والنجدة .. ويتحدث عن الطقوس الحياتية البسيطة خصوصاً في احتفالاتهم الدينية فهم لا يحبون البهرجة الكثيرة ، أما النساء فلا يتوانين عن المبالغة في تزيين أنفسهن ويصف امرأة شاهدها كانت تضع في كل أذن من اذنيها خمسة عشر قرطاً من الفضة ، كما يتحدث ايضا عن المشغولات الفضية التي تزين رؤوس النساء ونحورهن وصدورهن وأذرعهن وحتى رسوغ أقدامهن.
ويخلص ولستد الى ان الصراحة والبساطة هي أكثر ما يميز العمانيين. بل انهما تحكمان سائر علاقاتهم الاجتماعية وكل مظاهر الحكومة. فهو يصفهم بالتحرر من الادعاء الكاذب وانهم يمتازون بالتواضع، وهو ما يجعل العمانيين حسب قوله مختلفين تماماً عن جميع أهل الشرق الآخرين، وهو ما يرفع أيضا من شأنهم في نظر الأوروبيين ويضعهم في كفة أرجح من نظرائهم الشرقيين.
زيارة ولستد لعمان كانت في عهد السيد سعيد بن سلطان، وقد تحدث عنه في زوايا كثيرة من كتابه، وأفرد له فصلاً كاملاً أسماه "كرم الأمير"، فهو يصف السيد سعيد بن سلطان بأنه رجل فارع الطول ذو وجه وضاح معبر، ويمتاز بأنفة وعزة، ويتميز سلوكه بروح المجاملة، وتتسم عاداته بالبساطة المستمدة من مجتمعه البدوي. يتزيا السيد بالملابس نفسها التي يرتديها أفراد شعبه، وأنه في حياته الخاصة صادق المشاعر، يزور والدته التي لم تزل على قيد الحياة كل يوم، يتحسس رغباتها، ويستجيب لما تريده.
ومما يذكره عن السيد سعيد أن حكومته لا تلجأ في تعاملها مع مواطنيها الى التعسف، وعرفها في القانون هو التسامح الذي تسوى به حقوق جميع الأطراف، ويولي السيد كل اهتمامه لما يحقق رفاهية الرعية، الأمر الذي جعل السكان يوقرونه ويكنون له الاعجاب. أما أهل البادية فيقدرون له تسامحه، ويحترمون فيه صفة الشجاعة. ويولي السيد سعيد تجار كل الأمم الذين يفدون الى بلاده للإقامة في مسقط كل رعاية وعناية، ويمتد تسامحه ليشمل كافة الأجانب المقيمين لديه من دون تمييز.. وهذا التسامح هو ما جعل من مسقط مدينة تهوي اليها الافئدة من مختلف الدول والجنسيات والأعراق، والذي يستنتجه القارئ من خلال قراءته لأحد فصول الكتاب المعنون بـ"سكان مسقط".
وفي وصف ولستد لمسقط نجد ان وصفه شاعري جداً، فهو يتحدث عنها وكأنها محبوبته ويصفها وكأنها معشوقته، ونجده مأخوذاً بها.. فهو يتحدث عن منظر مسقط بقلاعها وتلالها المتشابكة ويصفه بأنه منظر غير مسبوق، ويمكن القول انه رومانسي خلاب يأسر ألباب الوافدين الى البلدة بحراً، ويقول ولستد عن مسقط، على الرغم من أنه لا توجد أي أشجار أو شجيرات أو حتى أي أثر للنبات، إلا ان منظر مسقط بسطوح منازلها البيضاء وبروجها المتناثرة حين تختلط مع السواد الفاحم الذي تتشح به كتل الغرابيب السوداء المحيطة بالبلدة، يهدي للعين تناسقاً فريداً.
ويتحدث ايضا واصفاً مسقط: انها تقوم على منحدر من الأرض عند البحر الذي تغسل مياهه أقدام المنازل التي تقف قبالته، ثم يأخذ هذا الانحدار في الارتفاع التدريجي كلما اتجهنا صوب الداخل.
ويتحدث عن المنازل قائلا: اذا كانت المنازل الصامدة قرب البحر تفتقر الى وسائل الدفاع، فإن المنازل التي تعلوها الى الداخل تتحصن داخل سور يبلغ ارتفاعه أربعة عشر قدماً يحيط به خندق جاف. ولهذا السور بوابتان تغلقان كل مساء عندما تأخذ الشمس في الأفول وتنحدر للمغيب.
فصل خاص يفرده ولستد عن دور المرأة في المجتمع العُماني في تلك الفترة (أي بداية القرن التاسع عشر)، ويسوق برهانه على ذلك بزوجة السيد هلال وهو احد ابناء عمومة السيد سعيد بن سلطان، والذي كان يسكن السويق، وكيف أن زوجته تذود على قلعة السويق في غياب زوجها، وكيف انها كانت كريمة ومعطاءة ونافذة البصيرة حتى أن السيد سعيد يستشيرها في كثير من أموره.
وفي حديثه عن الزراعة في عمان في تلك الفترة يصف ولستد أنواع المزروعات ويشرح طريقة الري بالأفلاج ويشرح الطريقة المشهورة في عمان والمعروفة "بالزاجرة"، كما يقدم شرحاً أيضا لبعض الأدوات المستخدمة في الزراعة، وتحدث عن بعض المنتجات الزراعية وهي منتجات لا تختلف عن المنتجات الموجودة حالياً، ولكن ما يشد الانتباه هو حديثه عن زراعة الأرز ، وإن كان بكميات قليلة، ومن المنتجات الزراعية التي ذكرها أصناف عدة من البرتقال والحمضيات مثل البرتقال الحلو واليوسفي ونوع آخر من البرتقال يصف (صفار قشرته الرقيقة الفاقعة اللون) بأنه يخلب الأنظار ـ وأعتقد انه يقصد هنا ما نسميه بالبالنج ـ كما يتحدث عن ثلاثة او اربعة أصناف من الليمون ، والتمر هندي والمانجو وكروم العنب والبطيخ والشمام واللوز والجوز والتين اضافة الى الحبوب كالقمح والشعير، وبالطبع التمر العماني.
كما يتحدث عن الحيوانات الموجودة في عمان كابن آوى والثعالب والغزلان والوعول والجرابيع والجرذان والإبل العمانية التي أسره جمالها وسرعتها في مقابل الإبل التي قابلها في مناطق اخرى من شبه الجزيرة العربية، ويذكر حادثة عن جمل حمل السيد سعيد بن سلطان من السيب الى صحار في ست وثلاثين ساعة فقط، وهي مسافة تقطعها الإبل الاخرى عادة في ستة أيام.
خيّب ولستد ظن مسئوليه فيه، فهو لم يقدم لهم المعلومات التي كانوا يصبون اليها، بل تغلب على الجندي في داخله، وأضاء مصباح العلاقات الانسانية التي توحد معها في أبحاثه، وهو ما أدخله في دوامة من الغبن ونكران الجميل لما قدمه، ناهيك عن اشتداد غيرة بعض زملائه من استكشافاته غير المسبوقة، عاد من الهند يائساً ومحبطاً في عام 1836، نزل مسقط وهو يكاد يفقد الوعي جراء حمى نزلت به، هنا قرر أن ينتحر فتناول مسدسه وصوب نحو فمه وأطلق الرصاص على نفسه.
ولكن القدر شاء أن يمهله ثلاث سنوات، قبل أن يتوفى متأثراً بجراحه جراء محاولته الانتحار، قام خلال تلك السنوات الثلاث بإفراغ ما كتبه بطريقة أدبية سبكها بحرفية وشاعرية جميلة، ليقدمها لنا في كتابه سالف الذكر.. ثلاث سنوات قضاها وهو يكابد آلام محاولته الانتحار قبل أن يموت متأثراً بجراحه وهو لما يصل الثامنة والثلاثين من عمره.

سالم الرحبي


أعلى





مساحات شاسعة من المياه تتشابك فيها حقول البردي
فينيسيا وأهوار العراق .. المباني والأكواخ والزوارق الصغيرة

ألمانيا ـ من فاتن الجابري:
مساحات شاسعة من المياه تتشابك فيها حقول البردي هذا ما يتبادر إلى الذاكرة حين تمر كلمة الاهوار التي تحولت منذ الثمانينيات إلى صحراء جرداء تتخللها السواقي الطينية، بعد أن هجرها سكانها بعد الجفاف والعطش والجوع، لكن الاهوار بقيت ساكنة في ارواحهم حيث عادوا إليها وفتحوا السدود لتجري المياه من جديد وتروي الاراضي العطشى بنسبة 10 بالمئة ، ولكن اليأس تسرب إليهم مرة ثانية لما عانوه من إهمال وعدم توفير اسباب العيش في منطقة الاهوار وأبسطها الماء النقي حيث تختلط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب، الحرمان ومعاناة اهالي الاهوار الذين سكنوها وتألفوا مع طبيعتها منذ الاف السنين جاءت الصورة الفوتوغرافية في التقاطاتها الذكية لتوضحه وتقارنه بمنطقة تمتلك نفس الخصوصية هي فينيسيا الايطالية، عبر المعرض الفوتوغرافي المشترك الذي يقام في مدينة شتوتجارت الالمانية، للفنانين الايطالي أنطونيو سانتوروا الذي يعيش في المانيا وحاصل على عدة جوائز عالمية في فن الصورة الفوتوغرافية ورئيس نادي كاميرا 66 في المانيا، بالاشتراك مع الفنان العراقي الفوتوغرافي والمخرج إحسان الجيزاني المقيم في المانيا والحاصل على جوائز عديدة من خلال معارضه الفنية الكثيرة التي أقامها في العراق وعدة مدن أوروبية.

كارثة بيئية

ولان أهوار العراق تؤلف أكبر أنظمة الاراضي الرطبة في الشرق الاوسط، مع أهمية خصائصها البيئية والاجتماعية والثقافية، تعرضت الاهوار إلى الضرر منذ عقود ماضية، وذلك بإقامة السدود وقبلها عمليات التجفيف من قبل النظام البائد ..
وبعد سقوط النظام العراقي السابق عام 2003 كانت الاهوار بتراثها الثقافي الفريد والتنوع الحياتي الفني، لكنها دمرت بدرجة كبيرة، عموم الاهوار، وهجرها معظم تجمعات السكان الاصليين، وفي السنوات السابقة أطلق برنامج الامم المتحدة للبيئة والبنك الدولي مشروعا لتقييم الاحتياجات لاعادة إعمار منطقة الاهوار واعتبارها إحدى الكوارث البيئية التي يعانيها العراق، بعد أن فقدت 90 % من مساحة الاهوار حيث أشار الخبراء إلى أن الاهوار قد تختفي نهائيا من العراق في غضون 3ـ 5 سنوات ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة بهذا الشأن، فقد تعالت أصوات كثيرة بتوضيح خطر هذا الاختفاء والخسارة ومنهم الفنان الفوتغرافي احسان الجيزاني الذي وثق بالصورة طبيعة الكارثة التي أطلقها للعالم معرض فينيسا وأهوار العراق في ألمانيا.

فينيسيا وأهوار العراق

يقول الفنان الجيزاني عن فكرة المعرض وهي المرة الاولى التي يشترك فيها فنان إيطالي مع فنان عراقي في معرض فني فوتوغرافي: في هذا المعرض حاولنا اظهار أوجه التشابه والاختلاف بين منطقتين على هذه الارض، كل منهما تتميز بجمال طبيعتها الخلابة والقاسم المشترك بين فينيسيا والاهوار هو المياه التي تعوم فيها المباني والاكواخ التي يتنقل الناس فيها بنفس الوسيلة الزوارق الصغيرة، في حياة بسيطة وهادئة لأناس يعيشون من فترات طويلة لا بل من دهور الحضارات على ضفاف الانهار والمسطحات المائية، وهناك صفة مشتركة بين الناس في فينيسيا والاهوار ألا وهي الكرم عندما تذهب الى فينيسيا سوف يشاهد الزائر الحفاوة والترحيب الذي أصبح ميزة الناس هناك وهو بالحقيقة ليس كرما وإنما يحتفون بالسياح ويرحبون بهم, لأن السياحة لها مردود اقتصادي جيد للبلد وهم بهذا يقدمون صورة ايجابية، لكن أهالي الاهوار فإن سمتهم الكرم الجنوبي، يغدقون على الضيوف الترحيب والكرم، بالرغم من المعاناة التي يعيشونها سابقا، وامتدت بهم إلى هذا اليوم حيث ما زالوا يعانون الاهمال في كافة مرافق الحياة، أبسطها الحصول على مياه شرب صحية وأكبرها الحرمان من فرص التعليم لأبنائهم، فمن المهزلة أن يبقى ابن سومر أميا وهو الذي علم الانسانية أصول القراءة والكتابة. ويضيف "الجيزاني": هناك اختلافات جوهرية تتقاطع بين فينيسيا والاهوار في ايطاليا هناك جهات متتالية تحرص وتعتني بفينيسيا لانها تشكل لهم قيما اقتصادية وحصارية وسمة مميزة لايطاليا، اما في العراق الذي عانت الاهوار التهميش والاهمال وكانت الاحلام تتجه ببذل جهد أكبر للنهوض حضاريا وانسانيا بهذه المنطقة وهي مقارنة ما بين أرض حية دافقة بالحياة وأخرى ميتة تعاني الاهمال.

التوثيق بلغة الضوء

الفنان إحسان الجيزاني يتميز في استخدام لغة الضوء في تصوير افكاره وتوضيح رؤيته الفنية، وتشهد المعارض العديدة التي اقامها في شتى المواضيع على عمق الفكرة وحرفية في المنظور الفني، وهذه ليست المرة الاولى التي يقيم فيها الفنان معرضا عن منطقة الاهوار ، فقد سبق أن عرض مجموعة كبيرة من صوره الفوتوغرافية في اسبانيا، عام 2003 تحت عنوان البيئة واهوار العراق وثق بالصورة الدمار الذي لحق بأهالي الاهوار والخراب والحرمان والقتل في التقاطات ذكية ولماحة تميز بها الفنان في أسلوبه التصويري، فضلا عن فلمه الوثائقي الجذور وثق به الحياة القاسية وما حل بالناس من ظلم وقهر وتهجير عرض هذا الفلم في العراق ومدن أوروبية وعالمية.

فينيسيا لألف عام قادم

وعن التوأمة بين فينيسيا والاهوار كما يراها الفنان الايطالي أنطونيو سانتوروا يقول: إن بعض الخبراء المختصين، قالوا إن فينيسيا سوف تغرق بعد خمسين سنة، لكن الدولة الايطالية بذلت جهودا كبيرة في ترميمها على أسس علمية وقوية، والآن يقدر عمرها الجديد واستمرار الحياة فيها إلى أكثر من ألف سنة قادمة، وفي المقابل تم تعويض أهالي فينيسيا الذين تضررت بيوتهم وممتلكاتهم ماليا، فأعجب للدمار الذي حل بالاهوار الحرق والتجفيف والاهمال، وتساءل الفنان باستغراب: لماذا لم تهتم الجهات الرسمية التي أتت ما بعد النظام السابق بشكل جدي بمنطقة الاهوار لأنها مصدر اقتصادي وسياحي كبير للعراق، وسأزور مع الفنان إحسان الجيزاني بعد انتهاء المعرض منطقة الاهوار العراقية وسأقوم بتصويرها وهي تعود للحياة, وأنا بشوق كبير لرؤية مناظرها الطبيعية وجمالها والاستمتاع بالأجواء هناك، لأني قرأت عنها الكثير وتابعت ما حل بها منذ عقود.
وعن طبيعة الصور التي قدمها في المعرض يقول الفنان الايطالي: قدمت صورا توثيقية لجمال فينيسيا القوارب الصغيرة الملونة والمياه المزرقة وهو ما يميزها، والمهرجانات الفنية والاحتفالية التي تقام فيها على مدار العام واغلب الصور فيها الناس يرتدون الاقنعة التنكرية التي يتنكرون فيها في الاحتفالات، وصورت الابنية القديمة التي تمتاز بجمالها وعراقتها على مر السنين، حيث تتخلل المياه الشوارع والازقة والأحياء السكنية.

كتاب بثلاث لغات

ويتحدث الفنان إحسان الجيزاني عن ما تميزت به صوره في المعرض: حاولت في صوري أن أوثق حالة التصحر التي تعرضت لها الاهوار بسبب التجفيف، ففي الصور تظهر واضحة غربة القوارب المهجورة المقلوبة بعد أن غادرها أصحابها، وصورت جانبا من جمال الاهوار خضرة القصب ونقل علف الحيوانات في القوارب والبيوت الصغيرة المبنية من قصب البردي والعائمة على مياه الهور.
وفي المعرض أيضا صور للبصرة القديمة شارك بها الفنان لأنها تشبه فينيسيا والنهر الذي يجري بها ولكن للأسف انه جف من المياه ولا حياة فيه، وفي الصور بدت المرأة العراقية الريفية بصورة جميلة، حتى يعطي الفنان إحسان انطباعا حسنا عن المرأة العراقية لدى المشاهد في أوروبا وهي تعمل وتكد وتشارك الزوج في تحمل أعباء العمل لصالح الاسرة، وكذلك تعاملها بشفافية وسلاسة مع الكاميرا في التقاط الصور.
الجدير بالقول إن جميع الصور والكتابات عن المعرض سواء في العراق وألمانيا وايطاليا ستوثق في كتاب سيصدر باللغات الثلاث، وفي النهاية يبقى هاجس الفنان إحسان الجيزاني وجهوده الشخصية لأجل إيصال رسالة إنسانية إلى العالم عن حجم معاناة العراق .


أعلى





إطلالة على التاريخ القصصي في عمان
السيرة البلاغية في سيرة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي لكاتبها الشاعر عبدالله بن خلفان بن قيصر

مثل الإمام ناصر بن مرشد مكانة عالية في التاريخ العماني وذلك لتوحيده الصف العماني ورد الغازي البرتغالي الأجنبي وهكذا فإن اتحاد الأمم ورص صفوفها سبيل في رقيها وتقدمها وإن تشرذم الأمم سبيل إلى اضمحلالها بل وهلاكها.
وقد كتب الشاعر البليغ عبدالله بن خلفان بن قيصر كتبا في سيرة الإمام ناصر بن مرشد وهي وثيقة نادرة تكرمت وزارة التراث والثقافة بطباعتها وقد حقق النسخة النادرة المشار إليها الأستاذ عبدالمجيد القيسي (1977) ميلادية. وقد تقدم الكتاب المطبوع بإهداء إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ جاء ما نصه (الإهداء إلى باني عمان الحديثة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم الذي حقق لبلاده الازدهار والرفعة والمنعة "وزارة التراث القومي").
قال المحقق: "لا نعرف لهذا المخطوط خارج عمان على الأقل إلا نسخة واحدة هي النسخة الموجودة في المتحف البريطاني وعن هذه النسخة حققنا النص"
ويشير المحقق إلى القول: "ولا شك عندنا بأن مؤلف هذا الكتاب ابن قيصر قد وضع كتابه هذا وأتم تأليفه في حياة المترجم له الإمام ناصر بن مرشد اليعربي والأدلة على ذلك كثيرة في ثنايا الكتاب, وهي أشعار المؤلف التي مدح بها الإمام أو يهنئه على انتصاراته أو يعزيه بمقتل أخيه أو بعض أصحابه في المعارك والحروب, ويدعو الله له بطول العمر ودوام الانتصار".
وقد تم تأليف السيرة البليغة في يوم الثلاثاء (20 محرم 1050 هجريا) الموافق (15 مايو 1640 ميلادية).
وقد أغفل الكاتب السنوات التسع الأخيرة من حياة الإمام ناصر بن مرشد لأنه أتم الكتابة قبل وفاة الإمام بتسع سنوات إلا أنه يذكر إلحاقا في نهاية المخطوط خبر وفاة الإمام ناصر بن مرشد في بيتي شعر وكانت وفاة الإمام ناصر بن مرشد وذلك في (10 ربيع الآخر 1059) هجريا.
أما شخصية المؤلف الشاعر عبدالله بن خلفان بن قيصر فهو مجهول الشخصية فلم يرد في التاريخ العماني ما عدا ما كتبه بنفسه أي ذكر له.

البلاغة الأدبية العجيبة في السيرة

تحوي سيرة الإمام ناصر بلاغة عجيبة ونسقا بلاغيا كبيرا تجمله الأبيات الشعرية وكل ذلك المضمون لا يخرج عن نطاق ذكر سيرة الإمام في توحيد عمان ورد الغازي البرتغالي ما جعل السيرة شيقة وسهلة الحفظ والإدراك.
قال المؤلف في بداية السيرة بعد البسملة:
"مما قال المعتصم بالله المنان, عبده عبدالله بن خلفان * بن قيصر بن سليمان* في إمام الزمان * الذي أظهره الله نورا لأهل عمان * فأقام فيها العدل والإحسان".
ونلاحظ السجع الجميل في مقدمة المؤلف وعليه سار في باقي المخطوط وسنشير إلى بعض ما كتبه حتى يتسنى للقارئ الإلمام ببلاغة المؤلف.
فعلى سبيل المثال يقول في فتح بلدة نخل (ثم توجه مولانا الإمام لقرية نخل لوقوع السبب * وكان مالكها ابن عمه سلطان بن أبي العرب * فحاصرها أياما وافتتحها وقضى الأرب * وكان أخذه إياها دونما مشقة ولا تعب)...الخ
وهكذا نرى بأن المؤلف استعمل الأسلوب البلاغي في السيرة ما جعلها شيقة للقارئ حبيبة إلى النفس سهلة إلى الفهم فكأنما هي رواية واقعية بأسلوب قصصي بليغ فجمع الكاتب بين عناصر ثلاثة في بوتقة واحدة (البلاغة السجعية, والسيرة التاريخية, والصورة القصصية) وهذا بحد ذاته إبداع وتطور فكري. ولم ينس المؤلف تطعيم السطور ببعض الأبيات في نهاية الأحداث كما في خبر افتتاح قرية مقنيات في مسيره ضد بني هلال حيث ذكر قصيدتين بليغتين ذاتي إيقاع موسيقي حماسي يشبه إلى حد كبير قصائد الرزحة العمانية وتخضع لكثير من عناصرها حيث يقول:
لقد ثرن القساطل للسماء *** كذا الغبرا تخضب بالدماء
لقد وقع الفنا بنفوس قوم *** وقتل ليس يحصر بانتهاء
وأيضا في القصائد الشعرية لا يغفل الكاتب بعض الأحداث المكملة لما جاء في النثر أو شارحة له.
واخر ما تطرق اليه كاتب السيرة حملات الإمام ناصر بن مرشد على البرتغاليين وخاصة في صحار وذكر الأحداث السياسية التي رافقت ذلك, من تحالفات وحروب وقد قسم الكاتب الكتاب إلى سير كل سيرة مختصة بحدث معين كبير ولكنها متناسقة من ناحية ترتيب الأحداث.
وهكذا سلطنا بعض الضوء على كتاب سيرة (الإمام ناصر بن مرشد اليعربي) للمؤلف عبدالله بن خلفان بن قيصر والذي طبعته وزارة التراث والثقافة عام (1977) ميلادية.
ورأينا كيف أن المؤلف جمع بين الأدب والتاريخ والأسلوب القصصي الممتع وإنشاده لبعض القصائد التي تشبه إلى حد بعيد قصائد الرزحة العمانية وهذا يعطي الباحثين في الفنون العمانية مجالا للبحث في تاريخ الكثير من الفنون الشعبية.
ولكن ما هو الغرض من هذه السيرة الفريدة في التاريخ العماني غير المعتادة لباقي السير والتواريخ حيث يبدو بأن هذه السيرة كانت ذراعا إعلامية مباحة لتثقيف الناس بخبر الإمام وإطلاعهم على فتوحاته وتذكيرهم بها. انسجاما مع فتوحات الإمام وسبيله إلى توحيد عمان.
مرت أكثر من (380) سنة على إتمام السيرة المشار إليها لكنها تمثل الكثير من الإمتاع القصصي البليغ الذي يعجز عنه الكثير من القاصين في العصر الحاضر بل ويعطي إطلالة على التاريخ القصصي في عمان وإننا نطمح من أبنائنا الباحثين والباحثات تسليط المزيد من الضوء على هذه السيرة وغيرها واستخراج العديد من المعلومات التاريخية ونرجو التكرم من وزارة التراث والثقافة في إعادة طباعة السيرة لما لها من مكانة مهمة في الأدب والتاريخ العماني المروي.
حارث بن سيف بن حارث الخروصي


أعلى





بيت جبرا إبراهيم جبرا

أعرف، وتعرفون، أنه في الصباحات ليس هناك ما هو أجمل من قولة صباح الخير، وليس هناك من رائحة أجمل من رائحة الأمهات والحبيبات وقد امتزجت برائحة القهوة، وليس هناك ما هو أجمل من الروح الرضي الذي يُقبل على النهارات مثلما تقبل طيور القطا على الغدران..
ولكن شواغل الحياة، والأذيات التي يأتي بها سادة الأذى والكواره، أهل الغطرسة والتوحش.. تجعلنا نقابل أحبتنا القراء بما لا يسر للأسف الشديد، ذلك لأننا نحاول ما استطعنا أن نوجه الأنظار إلى اليد الدموية، يد الخراب التي تمتد نحونا بكل ما تحمله من شرور ووحشية.. كي تدك هويتنا القومية، وتمحو شخصيتنا الوطنية، وتدمر بنيتنا الثقافية.. وهذا ليس بالقليل، ويحتاج إلى الحديث وإن كانت الدنيا صباحات تترى.
من هذه الكواره التي حملتها لنا أخبار البلاد العراقية العزيزة التي طالها العنف، والأذى، والقتل، والدم.. حتى وصل إلى حليب الأمهات، وخبز الأطفال، وكتب المدارس، ومقتنيات المتاحف، وبيوت الأدباء...
من هذه الكواره، وعلى الصعيد الثقافي، هو أن بيت الروائي، والمفكر العربي الكبير جبرا إبراهيم جبرا.. دمّر تدميرًا نهائيًّا على ساكنيه من البشر (أخت زوجة جبرا إبراهيم جبرا وأطفالها)، وعلى ساكنيه من الكتب (وما أعظم شأنها وقيمتها)، وعلى المخطوطات العربية الثمينة التي اقتناها جبرا إبراهيم جبرا من أكبر المكتبات العالمية لندرتها وأهميتها الثقافية، وعلى أهم اللوحات العالمية التي اشتراها كخرائط ونفائس فنية لا تقدر بثمن، وعلى المؤلفات المخطوطة بخط اليد التي حازها لأهم كتّاب اللغة الإنجليزية وعلى رأسهم شكسبير.
دُمر البيت بالمتفجرات كونه هدفًا ثقافيًّا، أو قل دونما حرج كونه قلعةً ثقافيةً، دمر البيت الذي عاش فيه جبرا إبراهيم جبرا طوال حياته، دُمر مكتبه، وأحرقت كتبه وأوراقه ومخطوطاته التي خلّفها وراءه، فسال دم أهله ساكني البيت، كما سال الحبر في مشهد صاعق أليم.. مشهد يشبه الشهقة الأخيرة القاتلة.. شهقة أخيرة تصرخ:
يا إلهي.. أإلى هذا الحد وصل حقد أعدائنا فطال الكتب، والفنون، وأعمال الترجمة، وأدوات الكتابة؟! أإلى هذا الحد أنت تخيفهم أيها المبدع الكبير.. يا ابن القدس العزيزة؟! أإلى هذا الحد ما زال صوتك الداوي يردد: عراق، عراق.. فيرعبهم وأنت طي رقدتك الأخيرة؟! أإلى هذا الحد من العماء والجاهلية يريد هؤلاء القتلة إطفاء شعلة الثقافة والإبداع والاستنارة؟!
بلى، الأمر أكثر من محزن، وأكثر من مؤلم، وأبعد من جرح، وأكبر من مأساة، وأوجع من كارثة.. أن يدمر بيت جبرا إبراهيم جبرا لا لكي تمحى علامته المكانية، ودارته الثقافية التي تجيء الدروب إليها من كل جهات الأرض وحسب، وإنما لكي يدمر الروح الإبداعي الذي طوّف بالبيت عقودًا من السنين الثماني، ولكي تطوى النورانية الإبداعية والثقافية التي تحلَّى بها هذا الكاتب الكبير في كل شيء، في السلوك، والعطاء، والمعنى.. بحيث لا يعرف أحد ماذا اقتنى جبرا من كتب ومؤلفات، ولوحات فنية، ومنحوتات خشبية، ومعدنية، ورخامية، وكي لا يعرف أحد ماذا ترك جبرا وراءه من مخطوطات روائية وقصصية، وترجمات.. وهو الذي كان اجتماع رجال وعقول وطاقات في رجل واحد، وهو الذي انهمَّ بالثقافة كلها أدبًا، وفكرًا، وفنًا، وترجمة، وهو الذي أيّد الحواس الإنسانية في كل جولانها ونشورها، وتدمير البيت حدث.. كي لا يعرف أحد صداقات جبرا التي عقدها مع أهم الكتّاب والمبدعين والفنانين في العالم.. والتي تفصح عنها الرسائل الكثيرة.. والكثيرة جدًا التي كانت بحوزته، وكي لا يعرف أحد الأرشيف الأدبي والثقافي الخاص بجبرا والذي يعدل أرشيفا واحدة من أهم المكتبات العالمية، وكي لا يعرف أحد الكتابات المخطوطة المتعددة لرواياته قبل أن تصدر.. والتي تفصح عن جوانبه المشغل الإبداعي لـ جبرا وسهره الدؤوب الطويل على نصه الإبداعي قبل صدوره احترامًا للإبداع والقراء معًا..
أجل، وعى أعداء الثقافة والحضارة والإبداع أهمية جبرا إبراهيم جبرا في مؤلفاته، ونشاطه الثقافي قبل رحيله فقد كان أستاذًا برتبة فارس في كل منشط ثقافي عمل عليه، وفي كل منجز إبداعي خلص إليه، كما كان في الوطنية والمقدامية سيدًا.. ولأنهم لا يستطيعون القضاء على مؤلفاته التي انتشرت في جميع أنحاء الدنيا وبلغات العالم المختلفة ولا على سمعته ذائعة الصيت.. مضوا بحقدهم إلى داره، إلى عرينه الثقافي.. فدمروه، وأحاطوه بالنيران.. وحين اكتمل المشهد الفجائعي في صورتهم المرادة.. نهض مشهد آخر لم يتوقعوه.. مشهد رائع تمثل بأدباء العراق الذين هرعوا إلى البيت فأحاطوا به.. مثلما تحيط الأشجار بغدرانها.. وساكنوه يوميًا، كما تمثل بنساء البيوت المجاورة للبيت اللواتي لبسن الثياب السود حدادًا، وجمعن رماد الكتب.. وقلن للأعداء جهارًا نهارًا: هذا الرماد.. رماد الكتب، والمخطوطات، والصور، والترجمات، والرسائل... هو ثروتنا، وهو دليل بربريتكم.. أيضًا.
يا إلهي .. أي مشهد هذا؟! إن أمةً فيها مثل هؤلاء الأدباء حراس الوجدان، مثل هؤلاء النساء حارسات المعنى.. هي أمة الروح العفي أبدًا.

حسن حميد


أعلى






أسميك حلماً وأنتظر ليلي

تشدني نسمات الشوق لرام الله، فأغادر (سيدة الجبال والسهول والوديان، عمّان) بعد أسبوع من العناقِ (باتجاه ما تبقى من البيت)، أحلم أن أعانق مدينة العشق والجمال، أجول دروبها (لأروي شجرة الياسمين حتى تظلل أسماء الشهداء)، فتصل الحافلة إلى النهر المقدس، فيغلق الاحتلال بوابة العبور، وتضمنا الحافلة مع صراخ الأطفال، ومع تأفف النساء، ومع تعب الشيوخ، فأحلم بطيفي، أهامسه، ففي ساعات تمر لا تلوح لها نهاية، وحافلة مغلقة كزنزانة، أحلم بفنجان قهوة ولفافة تبغ، ففي الحافلة المغلقة (لا أثر لرائحة الخبز والقهوة)، فأنظر إلى النهر المقدس وأتأمل الحافلات المصطفة، وأهمس لنفسي (في قانا كما في بيروت، في غزة كما في بغداد، كان القاتل واحداً)، هو من يغلق البوابة.
ساعة إثر ساعة تمر، لا نعرف إن كنا سنعود إلى شرق النهر حيث (سيدة النور والحب والشعرِ) أم نمر إلى غربه حيث الاحتلال و(خفافيش الظلام وخدام الموت ورسل القبح)؟ يهبط الظلام فيتحول الخارج إلى قطع من الليل، أتساءل: ترى من غيرنا يطيل بأمد الاحتلال؟ فالإخوة من تصارعوا مع بعضهم البعض (والذي أطلق النار على وجه القمر كان أخي)، فهم من في صراعهم (وسوس لهم الشيطان وهو يسرق روحهم)، فأهمس لرام الله: (ماء البحر مالحٌ ودمعكِ) أشد ملوحة من حجم القهر والألم، أنتِ هناك أرنو إليك وأنا هنا على معبر الدخول لا أشتم سوى (رائحة الموت في ظهيرة قائظة)، وأنظر من النافذة فلا أرى سوى (فرق إعدام ومعسكرات اعتقال)، وأنظر إلى الجسر فلا أسمع ولا أرى إلا (رنة عودٍ حزينة وآثار أقدام الغزاة)، وينظر إليّ طفل من فوق أكتاف والدته التي تتلوى من طول الانتظار فأرى فيه (الشمس) وأفكر (أظن أنها أجمل وأكثر دفئاً)، وأفكر بحبيبتي و(العشق) وأبتسم وأهمس لنفسي: (أظن أنه مؤلم وأكثر من الفراشاتِ احتراقاً)، وأن الحب (حيث تكونين جاهزة للقطافِ وحيث أكون).
أنظر إلى السماء فأراك قمراً ينير ليلي وطول الانتظار، (كنت أظنني أمشي وحيداً)، لكنني وجدت روحك معي (وأن الطريق تمشي معي والقمر)، فأحلم بمعانقة الوطن على بعد خطوات، تحجبه عني بنادق الموت والاحتلال، فأفكر كثيراً (كأنني أتوق لبعض الجنون)، فمن إلاك إليها (يسبقني قلبي)، ومن غيرك للهمس إليها (يسبقني فمي)، ومن غيرك أناديها صحواً وحلماً (يا سيدة الكرم، يا جنية الليل الأزرق، افتحي لي الباب)، فـأنا قادم إليك (الندى يبلل وجهي)، وما زلت أنتظر أن أدخل الوطن، والوقت يمضي ويمضي و(كان الوطن يشير إلى وجع القلب)، فأنظر إلى أعلى (للسماء عينان جميلتان)، ربما هما عيناك تأتيان لتخففا من تعب الطريق وقرف الاحتلال.
يقترب الليل من منتصفه، أغفو قليلاً، فأحلم أني (كنت أغني للبنادقِ وللبرتقال الحزينِ وكان الليل رفيقي وكان الذئب رفيقي)، فأفتح عينيّ على بدء حركة الحافلة، فأرى إلى السماء (هناك قمرٌ يبكي)، فهل في سهوتي (كنت أحرس الأغنياتِ وأحلام الصبايا)، أو كنت (أنثر أغنياتي على نوافذكم)؟ تسير الحافلة ببطء حتى المحطة الأولى، ننـزل من الحافلة ليفتشوها، وتتحرك أقدامنا قليلاً بعد طول صلبنا في الحافلة، فأهمس إلى صحبي (تستطيعون الآن سماع تأوهاتِ شجرة الرمان)، فالرمان يتأوه ويتألم (عندما يستبدل الفدائي البندقية بالعصا)، وننشغل عن الوطن بممارسة (سفاح قربى).
يا برعم ياسميناتي، كل شيء يشدني إليكِ، (الورد الذي ينمو على جانب الطريق) لمدينة القمر، حلمي بأن أتنشق (رائحة القهوةِ عند النهوض من النوم)، فنجان القهوة أرتشفه متمازجاً مع رضابك (من بين شفتيك)، كل شيء منذ اجتزنا بعد منتصف الليل الطريق إلى أريحا (يأخذني إليك)، فمن غيرك (أشهد): (أنك قد ملأت الأرض ورداً)، و(أشهد): (أنك سيدة الحب والمقاومة) و(أن قمر ليلك أجمل)، فأستعجل الوصول إلى رام الله، ففي رام الله وحيث عبق حبك (الليلة نمضي صوب الشعر وصوب الحب)، وفي رام الله أرى شهداءنا يجولون الليل يبحثون عن مأوى، ففي دروبها (كان الشهداء يعبرون من تحت النوافذ إلى الأغنيات)، ومع حجم التعب والألم (القمر تغطيه ظلال سوداء) والليل طويل (وهذا الليل حالك)، حتى يخيل إلي أن (عصافير الدوري كفت عن الغناء) على نافذة صومعتي ككل صباح.
هي رام الله أصلها مع تباشير الصباح وحبكِ، فأجد (قهوة مرةٌ وعواء ذئب في ليل طويل)، وفيها (سأسمي الأشياء بأسمائها، سأسمي الحزن حزناً، الحب حباً)، وأصرخ بملء الصوت: لا تتوهموا فالاحتلال لا يعرف السلام (كل ما يعرفه ممارسة القتل، مغمض القلب والعينين ورائحة الدماء)، وهذه الأرض ستبقى مطمعاً لأنها تشابه (طعم شفاه النساء)، وأهمس لكل من يعشقون رام الله ويحلمون بلقائها: (الطريق إلى رام الله مغلقة، والذين أطلقوا النار على زهرة الخزامى، كانت وجوههم مظلمة)، ويبقى الحلم بالصباح الأجمل (بين المؤذن وصلاةِ الصبح)، مع شدو عاشق (يغني لها من خلف البحر، خذوووووووووني إلى حيفا).
أما أنت حبيبتي فسأهمس لك: ترى أين سألتقيكِ؟ هل سنلتقي (تحت شجرة الياسمين؟ في أغنية فيروزية؟)، هل ستجولين معي التلال الغربية ونتنشق نسمات بحرنا المستلب، أم سيضمنا (جدارٌ مغطى بالأغاني وأغنية حُبلى بالشموسِ)، فأنا عائد إليك كي (أمنح قلبكِ قليلاً من الحب والوجد، وأنتظر أن يزهر في كفيكِ المستحيل)، لذا وحتى ألتقيكِ وأضمك إلى صدري، أراقصك تحت ضوء قمر، فليس غيرك (فمك وشفتاك نبعان)، اسمحي لي أن أغفو وقبل أن تغمض عيناي بعد أحد عشر ساعة من التعب والمعاناة للوصول إلى رام الله، أنني (سأسميك حلماً وأنتظر ليلي).

* كل ما هو بين أقواس للشاعر ماجد أبو غوش من ديوانه (أسميك حلماً وأنتظر ليلي) الصادر عن دار النهضة العربية 2009

زياد جيوسي

أعلى





حول تراثنا الشعبي العربي

حظي الأدب الملحمي باعتراف العديد من الباحثين العرب والمستشرقين وتناولوه بالأبحاث والدراسات المنصفة.
ويقصد هنا بالأدب الملحمي مجموع ما يعرف عند دارسي الأدب الشعبي باسم "السير الشعبية" ومفردها "سيرة" باعتبارها أدباً سردياً مجهول المؤلف، متواتراً بالرواية الشفوية عبر الأجيال، ويحكى بطريقة سردية سير حياة بطل، أو بالأحرى قصة البطولات العربية والتغني بمآثر كل بطل شعبي .. بمآثره البطولية والعسكرية والقومية والدينية والسياسية والأخلاقية والإنسانية على نحو مثالي، وتعكس من خلاله أحلام المجتمع الشعبي وتجسيدها في هذا البطل الملحمي.
وهذا التأريخ في حقيقته مزيج من الوقائع التاريخية والمبالغات الأسطورية، حتى قيل "إن السير الشعبية هي التاريخ ينشد على أبواب الأسطورة".
ويرى الباحث د. محمد رجب النجار أن من المعروف أن لكل سيرة من هذه السير رواة متخصصين، ينفرد كل فريق منهم بإنشاء سيرة بعينها، يتوارث روايتها جيلاً بعد جيل، وذلك منذ أن تكاملت في منتصف العصر المملوكي، وإلى وقت قريب في بدايات القرن العشرين، منها سيرة عنترة بن شداد، وسيرة الظاهر بيبرس، وسيرة حمزة العرب، وسيرة الأميرة ذات الهمة أما السيرة الهلالية فلا تزال حية تروى حتى اليوم في معظم البيئات العربية.
وقد قسم الباحث كتابه عن الأدب الملحمي في التراث الشعبي العربي إلى خمسة أبواب يندرج تحت كل باب عدة فصول.
تناول في الباب الأول الأدب الملحمي في التراث الشعبي العربي من خلال عدة فصول أكاديمية وبحثية وتاريخية وفلكلورية.
الفصل الأول : تعريف وتأريخ الأدب الملحمي العربي.
الفصل الثاني : البنية المورفولوجية والدلالية الكبرى.
الفصل الثالث : البنية المضمونية قراءة وظيفية أو بمعنى أصح قضايا البطل الملحمي في السير الشعبية وتلك السير هي :
1ـ سيرة عنترة وقضية تحرير الفرد اجتماعياً.
2ـ سيرة حمزة العرب وقضية الاستقلال الحضاري.
3ـ سيرة الأميرة ذات الهمة وقضية تحرير المرأة.
4ـ السيرة الهلالية بين النزعة القبلية والنزعة القومية.
5ـ سيرة الظاهر بيبرس ومجتمع الكفاية والعدل.
أما الباب الثاني فتناول فيه مصر في السير الشعبية وعبقرية المكان من خلال عدة فصول هي: سيرة الملك سيف أو ملحمة النيل، وسيرة الظاهر بيبرس، وملحمة مصر المملوكية، وسيرة علي الزيبق.
أما الباب الثالث فتحت عنوان: تحرير المرأة العربية في الخطاب الملحمي الشعبي.
وتناول فيه: خطابنا الملحمي بين الرؤية والرؤيا، وسيرة الأميرة ذات الهمة نموذجاً، ونماذج نسوية أخرى.
*******
الباب الرابع: سيرة فيروز شاه أوشا هنامة الفردوس الشعبية.
أما الباب الخامس: فتناول فيه سيرة حمزة العرب أو الصراع بين الأنا والآخر الحضاري من الاستقلال السياسي إلى الاستقلال الحضاري من خلال فصلين:
1ـ المقاربة السوسيوسردية للسيرة. 2ـ المعالجة السردية ورمزها.
*******
ويوجه الباحث نقداً شديداً لإهمال الأدب الشعبي العربي، وتهميشه والاستعلاء عليه، فيدعو إلى إزالة الخلاف المصطنع بين الثقافة الأكاديمية وبين الثقافة الشعبية في بعديها المعرفي والجمالي، باعتبار الثقافتين في الحضارات والثقافات الناضجة وجهين لعملة واحدة هي الثقافة القومية الأصيلة والمتكاملة، وذلك حتى نستعيد لأدبنا العربي وجهه القومي الفاعل والمعبر عن هويتنا وأصالتنا الفنية ـ مقابل الآداب العالمية ـ خاصة في عصور "العولمة الثقافية" فلا نستشعر عندئذ الإحساس بالدونية، أو تبخيس الذات، بسبب هذا الفصل التعسفي بين شقي أدبنا القومي، الكتابي والشفاهي.
ويتفاءل الباحث بإعادة الاهتمام بالأدب الشعبي العربي، فيرى إن من شأن هذه الرؤية الجديدة والمعاصرة، أن تفك عقدة الدونية الإبداعية في نقص فنون الأدب العربي، وأن تعيد إلينا الثقة بذواتنا وتراثنا الشعبي بعيداً عن التبعية المطلقة للثقافة الأجنبية ولو أن نهضتنا الأدبية سارت مسارها الطبيعي، وسايرت حركة التطور الطبيعية، فتطورت عن فنوننا الشفاهية أو الشعبية لكان لها وللدراسات الأدبية والنقدية في جامعاتنا العربية ـ شأن آخر.
إنه كتاب يقدم لنا تراثنا الأدبي الملحمي العربي برؤية جديدة فيها الاعتزاز والفخر بهذا التراث الإنساني الخالد.

سالم بن محمد الغيلاني

أعلى




(سنوات العشق والدم)
مدافع عيون موسى

* مدافع نافارين..
(في التاسع من أكتوبر المصري ، استولت قوات الجيش الثالث الميداني على منطقة العيون ، وعلى بطاريتي مدفعية عيار 155مم سليمتين داخل دشم خرسانية قوية موجهة ناحية مدينة السويس . استولت على الموقع الحصين . ودمرت المدفعية الرهيبة .. التي كنا نطلق عليها مدافع نافارين!!)
***
كل شيء هادئ في البر الغربي ؛ رواية أحملها معي ، وأنا جالس مع أفكاري ، في كابينة الشاحنة بجوار غريب السائق . الشاحنة بنية اللون كرمال الصحراء ، تشق طريقها بصعوبة ، على المدق الجبلي غير الممهد ، نحو السويس..
ندخل حي الأربعين مع تباشير الصباح . أتطلع حولي ، الحياة مقفرة بين دروب المدينة التي تحولت إلى خراب . شاهدت الاستحكامات والدشم الخرسانية ، من قبل ، وبقايا البنايات كثيراً . ولا أمُّـل ؛ في كل مرة ، من التدقيق والتطلع إلى الجدران المتهدمة ، تملؤها الثقوب السوداء ، وطلقات المدفعية الواضحة على الجدران ، وبقايا دخان القذائف الظاهر للعيان.
نعبر بجوار سيدي الغريب ، حامي السويس ، لم ينج من القصف . المدينـة . أصبحت أكوام حطام وركام . كلما توغلنا بين البنايات ، تبدوا آثار قذائف المدفعية الثقيلة بعيدة المدى .. تأتي من البر الشرقي ، تأتي فجأة دون سابق إنذار أومقدمات.. كالموت!!.
توقفت الشاحنة بالقرب من مقهي السمسمية ، يظل ساهراً طوال الليل ، يكتظ برجال الدفاع الشعبي والدخان والرشاشات الخفيفة . الريس عرفه السويسي لا يتوقف عن العزف على آلة السمسمية . حوله أبناء شط القناة يرددون الموايل معه بحماس . نقضي فترة استراحة قصيرة ، نشرب الشاي الساخن ، نركب الشاحنة .. نعاود السير مرة أخرى إلى المعسكر .خرجنا من حي الزيتيات والملاجي والمساكن الشعبية المثقوبة بالطلقات ، إلى الطريق الخلفي للسويس . طريق الأتكة.. من بعيد ، لاح لنا المعسكر .. ينام في حضن جبل عتاقة ، في مواجهة موقع العيون . لاحظ غريب السائق ، أن الكتاب مازال في يدي . أخرجنى من أفكاري .. سألني بفضول ونظره معلق بالغلاف الخارجي الملون :
ـ ما معك يادفعـة ؟!
ضايقني ذلك كثيراً ، هو ليس دفعتي ، أجبت بدون اهتمام :
ـ كتـاب...
ابتسـم بغبـاء : عدت تذاكر من جديد ..
بهـزة خفيفـة من رأسـي: نعـم ..
روايـة ، وجدتها على رصيف شارع النبي دنيال ، تصفحتها ، أعجبت بها ، دفعت للبائع ثلاثة قروش وأخذتها . أحرص دوماً على الاحتفاظ بها قريباً مني . لا أفرط فيها لأحد ولا أعيرها لرفاق السلاح . طوال رحلة السفر إلى الجبهة .. أتسلي بقراءة فصول منها ، الدار القومية تبيع هذه الروايات المترجمة بسعر زهيد .. خمسة قروش فقط !! كل شيء هادئ في البر الغربي . ظلت معي طوال سنوات الجبهة ، وذكريات السويس ، وجبل عتاقة ، ومعركة حرس الحدود .. تجـرأ السائق وطلب الكتاب كما قال ، لا للقراءة ، ولكن ليراه . ناولته إياه . كعادته ، قلبَّـه بين يديه وأعاده ليَّ وهو يسأل بدهشة: تذاكر.. وأنت مقاتل مؤهلات ؟! أوضحت وأنا أعرضها له:إنها رواية . كل شيء هادئ في البر الغربي.حملق فيَّ بغرابة وهمس بخجل: لا أفهم ماتقـوله !!
أوضحت له أكثر : حكاية ..عن الحرب العالمية الثانية .
هز رأسه وعقب بخجل لأنه لم يستطع قراءة العنوان على الغلاف عندما عرضتها أمام وجهه : هييـه . عندما تنتهي منها ، أريدها ..
أعرف أن غريب السائق لايجيد سوى القراءة المكسرة ، وكتابة اسـمه كاملا بصعوبة وربما عنوانه ، سـألته بغرابة :
ـ لمـاذا تريدها ؟!
أجاب : أتسلى بها وقت راحتي بالخنـدق ..
عقبت دون مجاملة : أنت لا تجيد القـراءة ..
اعـترض بضيق :
ـ معي شهادة محو الأمية ، من مدرسة البساتين الإبتدائية ...
ولم يكمل كلامه ، اهتزت الشاحنة ، هـزة عنيفة واصطدم رأسي بسقف الكابينة ، وعلا لغـط الرفاق في الخلف ، قلت بحـدة :
ـ انتبـه إلى الطريق ..
نظـر إلى الأمام حيث يكثر الغبار ، وتوقف عن الكلام ..
غريب السائق . من قسم النقليات . شهرته في أنحاء المعسكر : غريب الفنطاس .
سـائق عربة نقل المياه المدهونة باللون الأزرق . يعمل من أول ضوء .. حتى غروب آخر شعاع الشمس خلف عتاقة . عندما تشـح المياه داخل المعسكر ، في الصهاريج المتوارية بـين الأشجار والبنايات المتهدمة .. يصر على الخروج وإحضار ماء الشرب النقي من منطقة الزيتيات عند الطريق الخلفي للسويس . برغم القذائف فإنه لايتوقف . وعند العـودة يصيح الرفاق :
ـ الفنطاس وصل .. الفنطاس وصل..
في إحدى المرات ، في طريق العودة ، حاصره القصف من موقع مدفعية العدو .. توقف ثم عاود السـير من جديد بسرعة أكثر للوصول إلى المعسكر قبل عودة التراشق مرة أخرى . سـقطت دانة بالقرب من الفنطاس ، العربة ، ألقت بها على جانب الطريق ، قريباً من نهاية سـور المعسكر . حمل رشاشه الخفيف من داخل الكابينة ، وزحف بصعوبة حتى خرج ، بدأت المياه تتسرب ، أمسك بالزمزمية وملأها .. ومشى . دخـل من فتحة متهدمة من أثر القذائف . طلب من بقية الرفاق الخروج للحصول على التموين من المياه قبل أن تنفد على الأرض وتضيع في الرمال ، ربمـا يستمر التراشق بالنـيران أياماً ولن يجدوا المـاء خلال هـذه الفـترة . خرجنا.. سرب طويل ، من فتحة السـور ، ينتهي عند عربة الفنطاس . نتحلق حولها .. نملأ الزمزميات والجراكن ونتجرع المياه ونغسل الوجوه المغبرة بالتراب والرمال ، ونتراشق بالمياه .. ونعود مسرورين . يومها قال فريد الملك ضاحكاً ، برغم هذه الأزمة :على من سنطلق الفنطاس ياغريب ، بعد أن ضربوا فنطاسك ؟! .الآن يقوم بإحضار الإجازات ليلا من منطقة جبل عوبيد ، آخـر محطة للقطار الحربي .. يتوقف ويعود إلى باب الحديد .فجـأة !! تنبهت . عندما تساقطت بالقرب منا قذائف مدافعية العيون. تعالى الصياح :
ـ مدافع نافارين ..
وبسـرعة ، مال غريب السـائق على جانب الطريق الصخري ، وتوقف .. قفزنا ، تفرقنا ، انبطحنا على الرمال وبين الصخور . لم نلق بالا بالأشواك البرية المنتشرة على جانبي الطريق . قال غريب ابن السويس مازحاً :
ـ إنهم يستقبلونكم بالمدفعية الثقيلة ...
لم ينبس أحدنا . مدفعية موقع العيون ، عندما تفتح فمها ، فوهة من فوهات الجحيم .. تدمر الزيتيات وتدك عتاقة ، تثير الغبار حول غرفة العمليات ، تنشر رائحة الموت على رصيف ميناء الأدبية ، ولسان بور توفيق .. يعم الدمار فوق بنايات السويس !! عندما توقف القصف أو الترحيب بنا كما قال غريب الفنطاس !! تجمعنا ..أخذنا نزيل التراب الذي علق على ثيابنا. بدأ الرقيب متطوع فاروق الحمادي بسرد القصة القديمة عن مدفعية عيون موسي . نافارين كما يطلق عليها. وكما سردها من قبل عدة مرات.عاد يقول : تسللنا لرصد المدفعية بعد القصف .. لكنها اختفت !! سأل الشرنوبي الفلاح :
ـ أين أختفت ؟!
صوت الرقيب فاروق يجيب في هدوء وثقة :
ـ دخلت في بطن الدشـمة..
وجذب نفساً عميقاً واستطرد : عندما تبدأ في القصف ، تفتح البوابة ، وتخرج فوهات المدفعية ، تقذف الدانات وتنسحب إلى داخل الدشمة الخرسانية مرة أخرى .. لأنها مركبة على قضبان حديدية ومحمية بأبواب من الفولاذ الصلب ، ومموه تمويها جيداً يصعب التعرف عليها من بعيد .. من موقع المراقبة الذي كنا نختبئ فيه .
سـأله علام الصعيدي : والعمـل ياخال ؟!
أجاب بهدوئه المعهود عليه : برغم هذا التمويه الجيد وشدة الاستحكامات رجال الضفادع البشرية ، أخذوا على أنفسهم عهداً بتدميرها عندما نعبر القناة ..
عاد علام يسأل بعدم ثقة:
ـ هل حقيقة سنعبر ؟!
أجاب : سوف نعبر ، وندمر هذه المدفعية الرهيبة ..
عدنا إلى الشاحنة . عاودنا السير نحو المعسكر . بدأت تسرع وتنهب الأرض قبل عودة التراشق مرة أخرى ، ترج الجميع داخلها بلا رحمة . تثير الغبار حولها..الرقيب فاروق حمادي.. مقاتل فارع الطول ، المعتز بنفسه وبـدنه وخطوات سـيره المعتادة النشطة داخل المعسكر ؛ عندما وجد إحدى القنابل اليدوية في مخزن الذخيرة تفوح منها رائحة دخان ، حملها وجرى خارج الموقع ، همَّ بإلقائها بعيدا ..ً انفجرت ونسـفت ذراعه . بعد الشـفاء أصر على العودة في حضن جبل عتاقه ، ظلت ذراعه الوحيدة رمزا لتقديرنا ، نقف له كلما شاهدناه يمر من أمامنا ويرفع يده الوحيدة بالتحية .
عندما وصلنا بوابة المعسكر ..وجدت علي الصغير يجلس على الدشمة المجاورة كعادته ، والجندي حمزة النحيل يحرس البوابة ، عندما شاهدنا ، قال وهو يرفع الحاجز لمرور الشاحنة : الحمد على السلامة ، حصل القصف على طريق الأتكة ، كيف وصلتم ؟! لا أحد يجيب .. دخلنا . تذكرت المقاتل أحمد حميدو الإسكندراني . مازالت الصخرة المستطيلة التي وضعت في مكان استشهاده قائمة ، مازالت باقية حتى الآن ؟ أمر عليها وأنا قائم بالإجازة وعند العودة . كتب عليها باللون الأحمر : هنا سقط الشهيد أحمد حميدو .
مازالت ذكراك قائمة في نفوسنا وقلوبنا وأنت تؤدي واجبك والدانات الثقيلة تنهال على القاعدة البحرية من بطاريتي مدفعية العيون . سقطت وحملك المقاتل البدين القروي . الشرقاوي . محمد يوسف . حمل الإسكندراني عندما سقط ، برغم استمرار القصف المتواصل . حمله وهرول بصعوبة وهو البدين الثقيل . لماذا سقط الأسكندراني على الأرض ؟! لم نعرف السبب ؟! ماهي إصابته ؟ أين كانت ؟! . حمله على عاتقه وركض ، نقطة الإسعاف كانت قرب الشباك في نهاية المعسكر. هناك فارق الحياة . اكتشف الأطباء دخول شظية صغيرة جداً أسفل مؤخرة الرأس !!
الشرقاوي عاد وحيداً بدونه . اكتشف وجود بقع على ملابسه من الدم الأحمر القاني . ظل هذا القروي البدين الساذج الذي كنا نضحك من بدانته ، محتفظاً بالقميص وعليه بقع الدم ، معلقاً في الخندق الكبير المجاور للبوابة الرئيسية ، كلما مر أحدنا من جوار القميص توقف لحظات صامتا ولم يقو على الكلام ..
نحيا في الخنادق ، تحت سطح الأرض ، نأكل ونشرب ونمرح ويحتدم النقاش ونسهر .. ولا نتوقف عن مراقبة العـدو لحظة واحدة من خلال فتحات الدشـم الخرسانية الحصينة المطلة على المياه الرقراقة الزرقاء . ننام وفي أحضاننا الرشاشات الآلية والذخيرة . نحلم بلحظة بزوغ الفجر . لحظة المخاض . أن نولد من جديد . من رحم الأرض الحنـون ..
الجندي علي الصغير.. يجلس على الدشمة القريبة للبوابة . لم أعرف بقية اسمه!! الشاب الصغير الهادئ الطيب ، له وجه طفولي ولا ينطبق عليه صفة المقاتل . كان بالجزيرة الخضراء ، وانهالت الدانات ، تهز الأرض الصخرية وتصل الاهتزازات إلى الشاطئ وتتكسر عند أقدام جبل عتاقة . الدانة الواحدة زنة الألف رطل ـ يا ألطاف اللـه ـ عندما تصل الأرض ، تصنع حفرة عميقة يخرج منها الماء ، وتهرس الأجساد الطرية التي تربض تحت المواقع الحصينة . ظننا أن الجزيرة قد غاصت بمن عليها في قاع الخليج ، وأن الحياة انتهت وأبيدت وأن العدو قضى على الأخضر واليابس !!
علي.. ما بقية اسمه . لا أتذكر . خرج بين الأموات . عندما توقف القصف بدأت عملية إجلاء جثث الشهداء . لكن إشارة من يده توقفوا . كان لايزال ينبض ، به رمق أخير .. إنه حي !! يامن يحيي العظام وهي رميم . برغم الجروح والشظايا والإصابات والدماء .. مازالت تدب فيه حياة !! عندما عاد إلى المعسكر بعد الشفاء .. يظل جالسا طوال يوميه على البوابة الرئيسية يحدث نفسه . يناجي شهداء الجزيرة الخضراء . يطلب منهم أن يهبوا من تحت ، من الخنادق التي وضعوهم فيها في مقابر الشهداء . يروي لنا مشاهد لا يستطيع عقلنا البشري أن يسمعها أو يتحملها !! وقبل يوم العيد كان المقاتلون على الجبهة لا يتذوقون لحم الأضاحي قبل الذهاب إلى مدينة السويس لقراءة الفاتحة على أرواح رفاق السلاح في مقابر الشهداء ..
في المساء نجتمع في الخندق الصغير ، أوقات الراحة ، خلف مبنى الإدارة المدمر .. نستمع إلى موال السويس . معزوفه بسيطة رقيقة . الريس عرفة . لايتوقف عن العزف ، ليل نهار ، أحياناً نجده في مقهى الأربعين . عمل على مركب صيد الأسماك في خليج السويس قبل اندلاع الحرب . هجر المدينة مع الأهل ، وعاد مجندا إلى الجبهة ، استقر في معسكر الأدبية . في أشد اللحظات وأصعب الأوقات ، في خندقه يعزف على آلة السمسمية ليخرج منها لحناً شجياً يترامى إلينا بقوة ، يهزنا جميعا..ً نبدأ نهتز ونصفق ونغني ، في ترقب وصول الموت إلينا . يحفزنا اللحن الجميل إلى أن نقدم الدم رخيصاً تحت أقدام المحبوبة .. ست الحسن والجمال !!
ما شدني إليه ، إنه يعرف كل أنواع الأسماك ؛ البحر الأحمر والبحر المتوسط . أحياناً يتحداني في التفريق بين : دنيس السويس ، وسمك قشر البطيخ السكندري ، يقول لي : أنت يا اسكندراني عندكم قشر البطيخ . سمك الدنيس الأصلي عندنا نحن السويسه .. أنتم جدعان تأكلون الترسـة والنسوان تشرب دمها لأجل الخلفة والإنجاب ، أين الفحولة يا أولاد البلد ؟! وعندما أساله عن دشمة مدافع نافارين
يرفع صوته : طول عمري عايش على البر الشرقي وأعرف كل شبر فيه وكل ثغرة ، وإن شاء الله ندمر الموقع ونرجع نصيد سمك الدنيس من مياه الخليج مرة ثانية ... عرفة ابن حي الأربعين رفض أن يهجر مدينته ، كلنا نعرف إنه صياد سمك وبنبوطي وحرامي بحر ، ورجل أمن ، وهمزة وصل مع غرفة العمليات المدفونة في قلب عتاقة ، وعلى صلة بضابط الأمن والعقيد هلودة قائد الضفادع البشرية !! دوما يختفي من المعسكر لعدة أيام ، وعندما يظهر نعرف بإنه كان في مهمة بالبر الشرقي ، لكنه يخبرنا بإنه كان بالمقهي ، يعزف على السمسمية مع فرقة أولاد الشط !!
كل شيء هادئ بالبر الغربي ؛ الرواية شاهدها العريف فريد ، شهرته في أنحاء المعسكر ..الملك . ذات يوم ، وأنا أقرأ فيها ، طلبها .. رفضت . لم يعقب أو يكرر الطلب مرة أخرى .. أو يغضب مني . لم يظهر أي شيء !!.
الملك .. كان من الوجوه البشوشة المرحة ، الذاهب إلى رحلة صيد وليس جبهة قتال ، لهذا الثبات كنا نطلق عليه.. الملك . يكفي أن نقول الملك ، يعرف المعسكر من تعني بحديثك . والشيء المتناقض فيه أنه ضئيل البدن وخفيف الحركة ، الغرابة إنه يقود شاحنة ضخمة !! لم نكن نتصور كيف يقودها ؟! ومن أعطاه الرخصة على قيادتها !! يشير إلى رأسه وهو يبتسم عندما نسأله عن ذلك ،
قائلا : هنـا مخ .. وليس زلابية ياغجر !!
عمل على هذه الشاحنة الضخمة ، بعد إصلاح عربة الفنطاس ، وعودة غريب للعمل في جلب الماء من منطقة البساتين ، وترك عربة نقل الأجازات الليلية ، التي تصل الجبهة مع أول ضوء النهار ، عندما يبدأ القصف من البر الشرقي !! .
الملك هواياته إخفاء كتبي وقصصي داخل الخندق . عندما فقدت الرواية ، كان هو أول من سألته عليها ، ابتسم . قال جواباً غريباً: عندما تأتي إليَّ ـ يقصد الرواية ـ سوف أردها لك . يقول رفاق السلاح إن يديه ، مغناطيس ، تجذب الأشياء التي يريدها !! في إحدى الدوريات على طريق الغردقة فقدت خزنة الرشاش ـ الإضافية ـ محشوة بالطلقات التي تصل إلى سبعين طلقة !! .
قال وهو يضحك : أنتظر محاكمة عسكرية من العقيد هلودة ..
توقف ونظر بعيداً .. وعاد يستكمل : عندما طلبت منك الكتاب ، رفضت!!
ابتلع ريقه ، ثم سألني سؤالا غريباً : هل أخبرت الريس عرفة عن فقدانها ؟!
أجبت بالنفي . حدق في وجهي ليتبين صدقي أو كذبي . بان له همي وغمي مع تقطيب الجبين . ابتسم على حالي ، كعادته ، وقبل أن يستدير ويعطني ظهره ويمضي.. هز رأسه بثقة:
ـ لا تخف . ستكون عندك في المساء ...
..ومثلما كان يعيد إليَّ كتبي المفقودة ، أحضر لي خزنة الذخيرة كاملة!!
قلت للريس عرفه مسئول الأمن على البوابة الرئيسية ، عندما سألني عن حقيقة فقدان الذخيرة : إنه أخفاها لمشاكستي ..
قال وهو يهز رأسه الأسمر الصغير ويزم فمه :
ـ إنه لم يكن معكم بالدورية . لقد أحضرها من مقهى الأربعين عن طريق السائقين زملائه . هناك توضع كل المفقودات التي يتم العثور عليها ..
فريد الملك..عندما تطلق مدفعية العيون قذائفها ، يقف خارج الدشمة وينظر نحو خليج السويس ويصيح بغيظ :
ـ من أعطاكم أمر الضرب ياغجر ؟!
عتاقة .. العمـلاق الصابر طوال سنوات المحنة ، أمام المدفعية الثقيلة التي تدكه ليل نهار من موقع العدو في العيون . يقف صامداً وراء ظهورنا ، اتذكر أمل دنقل : السيف في صدورنا ، وخلف ظهورنا الجدار ..
يوم العودة من الجبهة ، جاء صوت فريد الملك من بعيد وهو مقبل نحوي :
ـ يا اسكندراني ..
عندما استدرت وشاهدته ، استطرد وهو يبتسم كعادته :
ـ تعود من الجبهة دون إذن من الملك ...
لم أجب . حيرني السؤال . ماذا يخفي هذا القصير اللئيم في جعبته . استطرد قائلا : ألا تريد أن تعبر معنا ؟! اتسعت عيناه وهو يستكمل في تحد :
مازالت مدفعية العيون قائمة . لم أعقب ، واصل حديثه : ألم تقسم معنا على تدميرها ؟! أجبت بإنكسار : أنا ملحق على كتيبة الإبرار بسيدي كرير ..
ضحك عالياً : سوف تقضي الصيف على الساحل الشمالي ..
عقبت بخجل : إنها الأوامر ... عاد يقول ليخفف العودة عليَّ : أسرق كتب من ؟! لم استطع أن انطق بالجواب . تبادلنا النظرات في صمت ، قبل أن أتجرأ بالسؤال مرة أخرى عن روايتي ، فتح جاكت الأفرول الكاكي المموه ، دس يده وأخرج من صدره كتاباً وقدمه لي.. دهشت ، الرواية التي فقدت مني منذ مـدة ، لا أود أن أقول سرقت ، ولا أتجرأ على اتهام الملك ، بعدما انقذني من المحاكمة بسبب إهمالي وفقد خزنة الذخيرة أثناء الدورية الليلية على طريق الغردقة / رأس غارب الساحلي ..
قال وهو يقدمها لي بابتسامة : كانت أمانة عندي . خذها نصيحة مني ، طلب المـلوك لايرد ..هززت رأسي بخفة وفرح ، وأنا متلهف على أخذها:
ـ هل قرأتها ؟
عقب بثقته المعهودة عليه في أقواله وتحركاته :
ـ رواية محزنة . لا أتمنى أن يكون حظي مثل بطل هذه الرواية .
وأنا في بطن العربة الجيب الصغيرة ، عندما بدأت تتحرك ببطء للمرور من البوابة الرئيسية للخروج ..هتف ملوحاً بذراعه القصيرة ، وابتسامة غامضة تعلو وجهه البشوش:
ـ أربح ، قدامك عمار . أقسم بأننا سنحرر الأرض . شبراً ، شبراً...
الآن ، تذكرت رفاق السلاح ، والمحبوبة ، وسنوات العشق .. والدم.

عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصري



أعلى




مصطلحات من الفن التشكيلي (7ـ9)

ما زلنا نواصل التعريف ببعض مصطلحات الفن التشكيلي، وسنتعرض في هذا العدد لحروف العين والغين والفاء والقاف متمنياً المتعة والفائدة.
حرف العين: (عجينة الخزف المصرية) مصطلح يُطلق على تركيبة خزفية ابتكرها الخزاف المصري القديم وعمل منها أنواعاً من الحلي والتمائم وغيرها باستخدام كربونات النحاس وكربونات المنجنيز والكوبالت مع الكوارتز ومواد صاهرة لتعطي اللون التركوازي المصري المعروف. (عناصر البناء الفني) تتركز العناصر على الخط والتكوين والضوء واللون والمساحة والفراغ والشكل والملمس وأحياناً يُطلق المصطلح على عناصر التصميم. (عتمة) مصطلح يُطلق على الألوان المطفية بسبب وجود بعض الألوان التي تسبب العتامة وتخفي شفوفية الألوان مثل أبيض الزنك. (عرائس التناجرا) هي تماثيل صغيرة شعبية المظهر عملت من الفخار الملون وتمثل أحداثاً متنوعة من حياة الشعب في "أقليم تناجرا" حيث انتشرت هناك في بلاد اليونان. (عمى طوطمي) يلجأ البدائيون في أفريقيا واستراليا وجزر البحار الجنوبية إلى حفر وتلوين ساق من الأشجار أو شكل من الخشب عادة رأسي الهيئة ويُنحت ويُلوّن ويُوضع أمام المسكن وذلك لأغراض سحرية وأسطورية تتصل بالموتى والأرواح وغير ذلك، وعادة يتراوح ارتفاع النصب ما بين 3و7 أقدام، ويُنحت غالباً في هيئات أسطورية والأسلوب الفني يميل إلى التجريد وقد استفاد منه الفنان الحديث المعاصر كوحي لموضوعاته التجريدية والتعبيرية.
حرف الغين: (غزل الخيوط) هي خيوط النسيج التي يتم غزلها يدوياً وميكانيكياً لتكون مُعدة للنسج بها.
حرف الفاء: (فن مجسم) اتجاه وتسمية فنية جديدة ابتكرها "ثيوفان دوسبراج" عام 1930م، وأصبح الاسم الجديد بديلا عن الفن التكعيبي، وقد أصدرت جريدة بهذا الاسم في عام 1930م حيث انتشر الأسلوب بين الفنانين لفترة زمنية محددة حيث فقد الاتجاه قوته وحرارته ثم استبدل بالتجريدية التي قاد حركتها في سويسرا "ماكس بيل" الذي درس في معهد الباوهوس، ومن فناني هذا الاتجاه "جابو، بيفزنر، ناجي، تاتلين، ليشتيركى". (فن المينا) هي عبارة عن زخارف وتصميمات تنفذ على الخزف أو الزجاج أو المعادن بألوان خاصة تنصهر في الأفران وتثبت على الأجسام مزججة لامعة وقد عرفت الطريقة منذ القدم في مصر وآشور والعالم الإسلامي. (فيانس) اسم فرنسي أطلق منذ القرن 16م حتى القرن 18م على نوع من الخزف مسامي الشكل اشتهرت به "فاينزا الإيطالية" كان يستخدم فيه الطلاء الرصاصي القصديري، وقد اقتبست طريقته وأسلوبه من الخزف الإسلامي. (فانتازيا) طراز فني يرتبط بالأحلام والخيال والشاعرية، ويمثل هذا الطراز المدرسة السريالية بصفة خاصة، والفنانون البارزون في ذلك "شاجال، ميرو، بول كلي، توبي". (فوفية) الفوفية عبارة عن اتجاه حمل لواءه "ماتيس" استخدم فيه ألوان نقية صافية وأنغام وسطوح زخرفية وخطوط تحدد الأشكال بوضوح وقد أقيم أول معرض للحركة في باريس عام 1905م وقد لقبت الحركة بهذا الاسم عن طريق نقاد الحركة الفنية آنذاك حطاً من شأنها لأنها جاءت بأشياء وأسس جديدة لم يتعارف عليها بعد في عالم الفن ، ولُقِبَ فنانوها بالوحوش الكاسرة نظراً لغرابة أسلوبهم ومقاربته للفنون البدائية في الأحراش والمجاهل التي تخضع لقوانين فنية موضوعة يسيرون على فلكها، وقد أثرت الحركة على الفن المعاصر في القرن العشرين ومن بين فنانيها "ماتيس، روو، دوفي، براك، فلامنك". (فروتاج) كلمة فرنسية بمعنى احتكاك ومسح وتدليك وهي طريقة استخدمها بعض السرياليين منهم "ماكس أرنست" في بعض أعمالهم، وتتلخص الطريقة في وضع سطح الصورة على اشياء مثل الخشب أو الأقمشة أو الحجارة أو أوراق نبات أو غيرها ثم يدلك السطح ويحك هنا وهناك بأقلام وألوان فيحدث أثراً غريباً وأشكالاً غير متوقعة نتيجة هذه العملية. (فنان) الفنان هو الذي يبدع ويبتكر العمل الفني ويحمل موهبة الإبداع.
حرف القاف: (قوالب الصب) عندما يُراد عمل أكثر من نسخة من العمل الفني النحتي تعمل له قوالب خاصة لذلك إما من الجص أو الأخشاب أو المعادن أو غيرها. (قالب الطباعة) هو القالب الخشبي أو المعدني أو المصنوع من أية خامة والذي يحفر عليه التصميمات المطلوبة المناسبة ليكون بعدها مُعداً لطبع عدة نسخ من الأصل.
عبدالكريم الميمني


أعلى




عُيونٌ تَنظرُ مِنْ بَعيدْ...

(1)
من بعيد حيث تبدو المسافة جد شاسعة بين رؤيتك أو افتقاد طلة وجهك البهي حيث يبلغ الاشتياق مَبلغاً لم يبلغه من قبل, وحيث يبدأ الانتظار العدد التنازلي قبل أن ينفد الوقت والصبر.. من بعيد حيث كنت هناك قبل أن تبتعد حيث بدأت رحلتك التي قد تنتهي في أوانٍ قريب وقد تطول الرحلة, حيث غادرت الزمان والمكان تاركاً العيون تذرف الدمع حزناً على فراقك والقلوب تتفطر حزناً في لحظات بعادك, من بعيد كانت عيون أحباءك تَعد اللحظة تلو اللحظة وترتوي من كأس الانتظار حتى الثمالة, حيث كانت اللهفة حاضرةً في مشهد حياتهم اليومي دون انقطاع مسيطرةً على تفكيرهم الذي ظلت صورتك القديمة مع بقية أحباءك راسخةً في ذاكرتهم في صباحهم ومساءهم ...

(2)
وأنتَ أجل أنت, أنت الذي كنت بعيداً عنهم في الواقع ولكنك كنت الحاضر الغائب كصورةٍ متخيلة كمسافرٍ سافر جسده فقط ولكن روحه ظلت حاضرةً مع أرواحهم الطاهرة التي تُبادلك الحب الصادق المتدفق الذي ظل يمد قُلوبهم بالشوق المتجدد دون انقطاع, باللهفة المشوبة بالترقب, وبالأمل الذي يجعلهم متمسكين بحلم رؤيتك بعد طول انتظار , وبفرحة مناظرة وجهك من بعد طول غياب..

(3)
ومن بعيد كانوا ينتظرون منك رسالةً بخط يدك تطمئنهم عليك أو بريداً إلكترونيا يُطفئ ظمأ اشتياقهم لمقدمك أو مخابرةً هاتفية تُعيد الحياة للانتظار الذي أوشك على النفاد رغم كل المقاومة المبذولة من قبله, ومن بعيد أطل الحنين الجارف للقياك ليفرض سلطانه عليهم دون استئذان, حينها تذكروا جميع لحظات وداعك الأخيرة لحظةً بلحظة, تلويحة وداعك الأخيرة, الدموع التي ذرفتها عيناك, خوفك من الذهاب بعيداً عن هنا, هاجس التفكير الذي اعتراك حينها, خطواتك التي تأخذك بين التقدم خطوتين ومن ثم التراجع إلى الوراء بعد حين, مشهد تحليق الطائرة لا يزال حاضراً بجل تفاصيله , حضورك التخيلي رغم غيابك الواقعي, ابتسامتك الحاضرة الغائبة..

(4)
وبين حينٍ وحين يحضر السؤال الصعب في مشهد الأحداث عن أوان عودتك وكما هي العادة يحضر السؤال وتغيب الإجابة ليظل الانتظار هو البطل الأوحد, ولتظل جميع العيون تنتظر من بعيد أوان عودتك المنتظرة, وسأظل معهم أردد حتى تعود من بعيد: عُد يا مسافر عُد من بعيد..

يَعقُوب البُوسعيدي ..


أعلى




ضائعون ولم نستطع أن نصل إلى قصة سورية
الكاتب السوري عادل أبو شنب لـ"أشرعة": لو لم تولد الصحف والمجلات لما انتشرت القصة

دمشق ـ أشرعة:
يمتلك ذاكرة يحسد عليها، وقد حافظ عليها لأنه يقرأ ويكتب دائما، ولأنه كاتب محترف بامتياز فقد نجح في الإبحار بكل الاتجاهات في مجال الكتابة، فتنقل ما بين القصة القصيرة وما بين الرواية والمسرح والكتابة للإذاعة والتلفزيون، وكتابة المقالة والتاريخ الفني والفولكلور، وحتى الرياضة لم تسلم من قلمه السيّال!... في حين يفسر تعدد اتجاهاته لندرة الكتاب في زمانه، فكانت الحاجة في السوق تضطره لارتداء كل تلك الملابس التي كان يرتديها خلال مسيرته الطويلة والغنية في عالم الكتابة. ورغم أنه يقول "أكتب لأرضي نفسي أولاً" ولكن يبدو أن إرضاء نفسه كانت غاية لا يمكن إدراكها بشهيته تلك التي كانت وما زالت مفتوحة أمام لذة الكتابة التي تملّكته حتى العظم. انه الأديب السوري عادل أبو شنب.
قصتي أنا
هناك في حي القيمرية أبصر النور وعلا صراخه الأول لأم أمية لا تقرأ ولا تكتب ولوالد من الحجاز قرر الرحيل وعدم العودة للعائلة بعد زواجه بعشرين يوماً، فشب في ظروف صعبة، كان ملاذه فيها حضن جدته التي كان يصغي إليها وهي تحكي الحكايات، وشيئاً فشيئاً أمسك القلم ليعبّر عما يجول في نفسه وليصف ما يحدث حوله، لذلك لم تكن الكتابة بالنسبة له في يوم من الأيام حدثاً طارئاً وغريباً، بل رفيقاً رافقه منذ أن كان طفلاً صغيراً. وعندما ترك حضن جدته بقيت حكاياتها التي استكملها فيما بعد في المكتبة الظاهرية، الحضن الآخر الذي لجأ إليه: "في المكتبة الظاهرية قرأتُ بواكير القصص والكتب المترجمة".. وبعمر صغير أرسل قصته الأولى التي كتبها عبر البريد إلى مجلة "النقاد" التي كانت تصدر في دمشق أسبوعياً، وبعد فترة قصيرة جداً نُشِرت القصة على صفحاتها مع ملاحظة أنها كُتِبَت بأسلوب جديد لأنه أراد أن يكتب القصة التي يريد: "أنتجتُ قصصاً لا تشبه قصص الآخرين.. فنية القصة شيء من أشيائي.. عندما بدأتُ أكتب القصة كنتُ أريد أن تكون قصتي أنا".. واستمر الشاب في نشر قصصه في "النقاد" لمدة سنة كاملة دون أن يعرفه أحد، إلى أن شاءت الظروف أن يقوم بزيارة المجلة والتعرف إلى صاحبها فوزي أمين وسعيد الجزائري سكرتير تحريرها الذي دعاه مرحِّباً به ليكون من كتّابها الدائمين، إلى أن اتفق معه ذات يوم على أن يقوم بنقد القصص التي يتم نشرها، وهذا ما فعله لمدة طويلة ولكن باسم مستعار هو "جهينة" وقد أصدر هذه الكتابات فيما بعد في كتاب حمل عنوان "من ملامح النقد الأدبي في سوريا في الخمسينيات" وربما لم يكن عادل أبو شنب القاص الوحيد في تلك الفترة في ظل وجود عدد كبير منهم، إلا أنه كان وبشهادة الجميع السبّاق في تطوير فن القصة: "كان يتملّكني دائماً هاجس أن أكسر نمطية السرد القصصي المتعارف عليه في فترة الأربعينيات".. وهذا ما جعله بحق رائداً في التغيير الشكلي للقصة في وقت مبكر، لإحساسه بأن الموضوعات موجودة على قارعة الطريق وأن الأسلوب هو الذي يميز كاتباً عن آخر، لذلك كان لديه هاجس التجريب والبحث دوماً عن أساليب جديدة لإنجاز قصة مميزة.
عالم ولكنه صغير
في العام 1956 أصدر مجموعته القصصية الأولى التي حملت عنوان "عالم ولكنه صغير" واعتبر نشره مغامرة بكل معنى الكلمة، لتتالى بعد ذلك مجموعاته "زهرة استوائية في القطب" عام 1961 و"الثوار مروا في بيتنا" عام 1963 و"أحلام ساعة الصفر" عام 1973": في البدايات وفي كتابي الأول استخدمت المونتاج في القصة ولجأت إلى تكسير الحدث، وفي تقديم الماضي وتداخل الأزمان، وبالتالي هذا تأكيد لتأثير السينما علينا وعلى القصة، وكنت حين أكتب مثل هذا أقابَل بالاستهجان".
ويوضح أبو شنب طريقته في كتابة القصة القصيرة بعد طول تجربة وخبرة: "اعتمدتُ في الكتابة على الدفقة المستمرة، بمعنى أنني لم أتوقف عن السرد قبل إنهاء أية قصة من قصصي، وما تقرؤونه من قصص اليوم يتكئ على أنني لم أبدأ قصة إلا وأنجزتُها تماماً، وكل مشروع قصة لم أكمله نبذتُه إلى الأبد..
القصة عندي اليوم بعد نصف قرن من كتابة القصة هي دفقة واحدة مستمرة لم تتطلب مني بعد الفراغ من كتابتها إلا بعض التصليحات والرتوش الجانبية، ربما لأن الظروف الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والمعيشية، وحتى السياسية قد فرضت هذا النبض الكتابي الساخن جداً الذي لم يحتج إلى تحوير أو تزويق أو إعادة كتابة".
وعن تاريخ نشوء القصة الحديثة ذات الشكل الأدبي في سوريا يرى أنها بدأت مع غزو إبراهيم باشا لبلاد الشام وبدء ظهور الصحافة، وتعتبر قصة مثل "سيد قريش" لمعروف الأرناؤوط علامة من علامات الفن القصصي في سوريا. ورأى أنه بعد ذلك بدأت تظهر أسماء في الصحف والمجلات التي كانت منتشرة في سوريا ولبنان، وبعد الاحتلال الفرنسي وظهور عدد كبير من المجلات ظهرت فيها العديد من القصص باستمرار، بعضها كان يُنسَب لأسماء، وبعضها لا، بحيث بدت وكأن الأخيرة مترجمة، ليخلص إلى القول ان الفن القصصي بردائه الأوروبي أتى على شكل قصص مترجمة، أما القصص التي كانت تُنسب لأسماء فقد تجلى فيها برأيه المضمون وليس الشكل وهذا ما يجعله يؤكد أن القصة كانت غير واضحة في أذهان كتّابها ولم يتضح ذلك إلا بعد الثورة السورية الكبرى.
وبالتالي يحاول أبو شنب من خلال كلامه التأكيد على العلاقة الوثيقة بين وجود الصحافة وانتشار القصة القصيرة: "لو لم تولد الصحف والمجلات لما انتشرت القصة".. مشيراً إلى أن قصص شكري العسلي نُشِرت في "المقتبس" 1907 التي نُشِر فيها العديد من القصص: "من يعود إلى صحفنا ومجلاتنا التي صدرت في سوريا ولبنان يجد مجموعة هائلة من القصص".. ومن المعروف أن عادل أبو شنب قام شخصياً في كتابه "صفحات مجهولة من تاريخ القصة السورية" بالعودة إلى بعض هذه الصحف والمجلات التي أخذ منها القصص المنشورة فيها، ووضعها في إطارها المكاني، وسجل بواكير القصة في سوريا.. إذاً لا يريد أبو شنب أن نفصل نشوء القصة عن وجود المطبعة والعدد الهائل من الصحف والمجلات.
ويعترف أبو شنب أن الكتّاب المصريين قد استطاعوا أن يصلوا إلى قصة مصرية، ولكن نحن في سوريا وبسبب التجريبية والاختلاط الذي حدث عندنا لم نصل إلى تحديد ملامح محددة للقصة السورية: "وكلما قلنا إننا مسكنا الخيط نجد أننا ضائعون ولم نستطع أن نصل إلى قصة سورية، وبالتالي لم نصل إلى قصة عربية، وهذه حقيقة لا بد أن نعترف بها جميعاً".
كما يتهم القصة النسائية في سوريا بأنها قصرت بشكل خاص عن حفر أقنية في المجتمع فيما يخص السياسة أو الاقتصاد أو البنية الاجتماعية: "وغالباً ما كانت القصة النسائية قصة ذاتية وتجريبية، بمعنى أن كل امرأة كانت تحاول أن تجرب نفسها ككاتبة، وحتى الآن ما تزال تمر في هذه المرحلة بعض الكاتبات، وقلة من خرجن من هذا الإطار، ولعل ألمعهن غادة السمان لأنها خلقت عالماً خاصاً بها واستطاعت أن تمشي به ولكن ضمن مقولة القصة النسائية التجارية، بمعنى أنها أرادت النجومية أكثر من أن تحقق أهدافاً معينة عن طريق القصة"..
ويؤكد أبو شنب اليوم أن القصة السورية تبشر بظهور أسماء ما تزال غضة: "ولأنني مرضتُ مرضاً شديداً تعذر عليّ متابعة هذه الأزهار الواعدة".. رغم إيمانه أن أحوالها في الخمسينيات والستينيات كانت جيدة، وفي السبعينيات كانت متألقة بشكل خاص إلا أن ظهور التلفزيون ـ برأيه ـ جعلها تنحسر وتخبو: "الأدب بشكل عام انحسر، ربما مؤقتاً لصالح الانترنت".

ق.ق.ج

ورغم أن فن القصة القصيرة جداً لم تُحسَم الآراء حوله بعد، وهو الفن الحديث في أدبنا المعاصر، إلا أنه غامر بأن أقدم على التجريب فيه أيضاً.
يقول عادل أبو شنب في تصدير مجموعته "المتفرج": "ألحّت عليّ فكرة أن أكتب قصصاً قصيرة جداً إلحاحاً غير عادي، ربما لأنني صرتُ شخصاً برماً بالمطولات من القصص والكتب والمقالات والزوايا في الصحف المكتوبة، وأظن أن قراءً كثيرين صاروا برمين بها مثلي.. إن هذا العصر هو عصر السرعة، ولمن المستحب لقارئ منهمك بشؤون يومه يتعرض لضغوط وسائل الإعلام والتثقيف الحديثة أن يفرغ من القراءة بعد دقيقتين أو ثلاث من بدايتها، وهكذا فرض عليّ النبض اليومي للحياة في بداية الألفية الثالثة أن أطوع كتابتي له فكانت هذه القصص القصيرة جداً.. ولستُ أزعم أن كتابة قصة قصيرة جداً، أمر سهل لأن عدد كلماتها قليل، بل إنني لأزعم أن أمر كتابتها صعب جداً، لأن فكرة كاملة تصاغ بكلمات قليلة، وتأتي الصعوبة أيضاً في أن القصص القصيرة جداً تبنى على عدد كبير من الأفكار، ومجموعة قصص عادية تضم بضع عشرة قصة لن تتطلب سوى بضع عشرة فكرة، في حين أن مجموعة كهذه تضم ستين قصة قصيرة جداً تتطلب ستين فكرة قد تصلح الواحدة منها لتكون أساساً لقصة طويلة أو حتى لرواية".. ويتابع عادل أبو شنب: "وتأتي عملية الخلق الفني للقصة القصيرة جداً من كونها تتطلب صياغة مختزلة، وهذا ما نهضتُ له، مع توخي البساطة التي صارت شرطاً من شروط التلقي الملائم لأن التعقيد في قصة قصيرة جداً قد يحيلها إلى لغز وطلسم".

من وردة الصباح الى ذكر السلحفاة

ولإيمانه أن التجريب في الشكل هو نزوع دائم عند الكاتب لإيجاد ما هو مميز خرج بروايته الأولى "وردة الصباح" عام 1976 بأسلوب القص الشعبي الذي كان جديداً في الرواية العربية، وإن كان يصر على أنه لم يكتب هذه الرواية تحت وطأة هذا الهاجس: "شعبيتها تنبع من كونها تصور قطاعاً شعبياً من قاع المدينة، والمضمون لا بد وأن يترك بصماته على الشكل".. إذاً لم يستعبده الشكل التقليدي للرواية فأبدع أسلوباً ينسجم مع ما كتبه، وما بين ما هو واقعي في هذه الرواية وما هو خيالي فالمادة الخام فيها كانت من الواقع القديم الذي عاشه في حي القيمرية: "المادة الخام عجنت وخرجت أرقى من الواقعي والفوتوغرافي وأكثر غنى".. وقد تحولت هذه الرواية في الثمانينيات إلى مسلسل إذاعي من إخراج داود يعقوب وآخر تلفزيوني من إخراج لطفي لطفي.
وقد كانت حصيلة أبو شنب في مجال الرواية ثلاث روايات، فبالإضافة إلى "وردة الصباح" كانت هناك رواية "الأول والأخير" التي أصدرها في قبرص ورواية "ذكر السلحفاة" وهي آخر رواياته حتى الآن.. وعن خصوصية كل رواية يقول: "وردة الصباح كانت نمطاً يغوص في أعماق الناس العاديين (قاع المدينة) ودافعتُ فيها عن ماسحي الأحذية الذين كانوا يتعرضون لأبشع استغلال".. في حين روايته "الأول والأخير" رواية عاطفية تتحدث عن علاقة حب بين شاب وشابة التقيا في باريس وتزوجا في دمشق : "الرواية تناسب السلسلة التي كان يصدرها ناشرها لذلك كانت رواية بسيطة عبّرت عن مكنونات عاشقين".. أما رواية "ذكر السلحفاة" فتحدث فيها أبو شنب عن مرحلة تاريخية بدأت منذ قيام الثورة في سورية إلى ما بعدها بسنوات عديدة": كانت غايتي في هذه الرواية وصفيةً، وصفتُ فيها عائلة أرستقراطية تعرضت للظلم".

ما بين الإذاعة والصحافة

في العام 1950 بدأ بتقديم قصصه عبر الإذاعة السورية: "كنتُ أصغر قاص يذيع قصصاً في أوائل الخمسينيات".. وفيها عرض عليه مديرها الراحل يحيى الشهابي العمل في الصحافة وقد وافق دون تردد ليجد نفسه يعمل وحيداً في صحيفة يومية هي "لسان الشعب" التي كان لها الفضل في أن يتقن (كار) الصحافة ـ كما يقول ـ من ألفه إلى يائه، لينتقل بعد ذلك إلى العمل في صحف "الشام" و"الجمهور" و"العَلَم" و"الوحدة" التي صدرت أيام الوحدة السورية ـ المصرية ومن ثم في مجلة "ليلى" التي أصدرها مع رفاقه أيام الانفصال.
بعد تصفية صحيفة "الوحدة" كان عادل أبو شنب قد جاء إلى وزارة الثقافة موظفاً بعد أن دعاه د.عبد السلام العجيلي الذي كان وزيراً لها، وعندما قامت ثورة الثامن من آذار جاء سامي الجندي وزيراً للإعلام والثقافة وأصر على عودته للصحافة: "وبذلك انتقلتُ إلى صحيفة الثورة التي تصدر عن مؤسسة الوحدة وأصبحتُ رئيساً لقسم الثقافة والمنوعات فيها".
وعن صفحاتنا الثقافية الحالية يعتقد أبو شنب أن وجود صفحة ثقافية في صحيفة يومية ضرورة كبيرة بالنسبة إلى قسم كبير من مثقفينا وأدبائنا: "صفحاتنا الثقافية في صحفنا اليومية تحتاج إلى أن تكون صورة عن ثقافتنا المحلية بالدرجة الأولى وأن تكون محركاً لنشاطات مثقفينا وأدبائنا ومفكرينا، والوضع الثقافي في بلدنا غير مشجع، والخلل كامن في الوضع الاقتصادي الذي أجبرنا على الاهتمام باللقمة على حساب الثقافة".

استبدل ميكي ماوس وسوبرمان بالفتى الفدائي

في العام 1968 اختارته وزارة الثقافة ليساهم بتأسيس مجلة الأطفال "أسامة" التي بقي فيها نحو ثلاث سنوات ونصف ثم تركها بسبب العبء الكبير الذي كانت تشكله عليه فعينوا الكاتب سعد الله ونوس رئيساً لتحريرها: "وكان لا يعمل في المجلة لانشغاله بالمسرح الذي أبدع فيه، وبصفتي مدير تحرير المجلة كانت كل الأعباء تنصب عليّ فاستقلتُ منها".. لتختاره مؤسسة أبو ذر الغفاري في بيروت مستشاراً لمجلة الأطفال "سامر" وبقي فيها خمس سنوات، وكانت حصيلته فيها العديد من القصص والسيناريوهات التي أحبها الأطفال.. ويأسف أبو شنب اليوم لتراجع مجلة "أسامة" عن مستواها وقد كان حريصاً على أن تصدر في وقتها تماماً ويعترف أنها أصبحت مجلة غير ذات قيمة مقارنةً مع المضمون الذي أوجده فيها : "استبدلتُ فيها ميكي ماوس وسوبرمان بالفتى الفدائي، وصنعتُ عدداً من السيناريوهات التي تتحدث عن فتيان فدائيين في الأرض المحتلة مما شوّق الطفل وأوجد بديلاً للسوبرمان الغربي".. ويؤكد أبو شنب أن كثرة الأقنية التلفزيونية التي تخاطب الأطفال بروحية مشوقة أبعدتهم عن مجلتهم، إضافة إلى ضعف الكادر الفني والأدبي فيها غير القادر على مخاطبة الأطفال، لذلك دعا إلى ضرورة وجود كتّاب أخصائيين في الفن والأدب والكتابة للمساهمة فيها والارتقاء بها.

بكائيات الدراما السورية

اتجه إلى الرواية التلفزيونية بهدف الوصول إلى الجمهور الذي لا يقرأ، مستخدماً لغة الصورة كما يصفها: "التلفزيون ترك بصماته على الحياة العربية أكثر مما تركها على أي مجتمع آخر".. فالمسلسل التلفزيوني برأيه هو في الحقيقة رواية ولكن بصيغة تعبيرية، وهي أكثر التصاقاً بشرائح الناس وبالجمهور من الرواية المكتوبة، ويرى أنها رواية المستقبل: "لأنها أضافت للمتلقي حاسة جديدة هي الإبصار، وبذلك صار الأميّ يستطيع أن يتابع عملاً تلفزيونياً درامياً".
وعندما أبصر التلفزيون السوري النور كان عادل أبو شنب من الصحفيين المعروفين في سوريا وقد اختير للعمل فيه، فقام بإعداد برنامج حمل عنوان "آخر الأسبوع" وبُث في العام 1963 واستمر في إعداده حتى منتصف السبعينيات، واستمر البرنامج حتى يومنا تحت مسمى آخر هو "مجلة التلفزيون" وقد استفاد أبو شنب من وجوده في التلفزيون فاكتسب خبرة كبيرة إلى جانب موهبته في الكتابة القصصية، وهذا ما جعله شيئاً فشيئاً يتجه نحو الكتابة الدرامية، فكان من القلة الذين يجيدون هذه النوعية من الكتابة آنذاك، وقدم للتلفزيون مسلسل "حارة القصر" الذي يعد من الأعمال السورية التي مازال البعض يتذكرها نظراً للنجاح الكبير الذي حققه، وهذا ما جعل البعض يعدونه من أبرز محطات الدراما السورية التي كانت غائبة في تلك الفترة في ظل الحضور الطاغي للمصريين في هذا المجال. ويحن أبو شنب لتلك الفترة التي كانت مليئة بالحماس والرغبة في العمل دون النظر للمسائل المادية، حيث كان الهدف الأسمى هو التأسيس للدراما السورية: "لذلك قدمنا أعمالاً عالية الجودة".. في حين يأسف لما يحدث اليوم على الساحة الفنية حيث طغى الكم على النوع.. كما كان أبو شنب أول من كتب مسلسلاً تلفزيونياً يمنياً هو "وضّاح اليمن" ليساهم بعد ذلك في كتابة مسلسل الأطفال التلفزيوني الشهير "افتح يا سمسم" لصالح التلفزيون الكويتي.
ويرى أن الدراما السورية أثبتت وجودها في الآونة الأخيرة: "والفضل في ذلك يعود إلى أعمال كان القصاصون الشعبيون، من أمثال حكمت محسن وتيسير السعدي وغيرهما، قد قدموها في الفترة التي سبقت إنشاء التلفزيون السوري ما شكل أرضية لظهور وانتشار الدراما السورية هذه الأيام".. ولكن أكثر ما يزعجه في الدراما السورية هذه الأيام تلك البكائيات التي أصبحت تضج فيها. ويشير أبو شنب إلى وجود حوالي أربعة أو خمسة أعمال درامية مكتوبة له لم تصوَّر وليست مبيعة، باستثناء واحد منها عنوانه "الجراد" في حين كان آخر عمل عُرِض له بعنوان "الزاحفون" إخراج طلحت حمدي وبطولته.

دمشق أيام زمان

ولأنه ابن دمشق وينتمي إلى أحد أحيائها الشهيرة فقد تحدث عنها وعن أبنائها وتناول سلوكياتهم وعاداتهم وتقاليدهم: "أردتُ من خلاله تعزيز السلوكيات الجيدة والقيم الجميلة".. وسلط الضوء على المهن المشهورة بها وكاراتها ولم ينسَ أن يحدثنا عن جمال منازلها في النصف الأول من القرن العشرين وذلك كله من خلال كتابه الشهير "دمشق أيام زمان".


أعلى




تـراثـيـات


واهتدى بضلاله

ما بين ضال المنحني وظـلالـه
ضل المتيم واهتدى بـضـلالـه
وبذلك الشعب اليمـانـي مـنـية
للصب قد بعدت علـى آمـالـه
يا صاحبي هذا العقيق فقف بـه
متوالها أن كنت لسـت بـوالـه
وانظره عني ان طرفي عاقنـي
ارسال دمعي فيه عن ارسـالـه
واسأل غزال كناسه هل عـنـده
علم بقلبي في هـواه وحـالـه
واظنه لم يدر ظل صـبـابـتـي
إذ ظل ملتهياً بعـز جـمـالـه
تفديه مهجتي التي تـلـفـت ولا
من عليه لانـهـا مـن مـالـه
اترى درى أني احن لـهـجـره
إن كنت مشتاقاً له كـوصـالـه
وابيت سهراناً امـثـل طـيفـه
للطرف كي القى خيال خـيالـه
لاذقت يومـاً راحة مـن عـاذل
إن كنت ملت لقيلـه ولـقـالـه
فوحق طيب رضا الحبيب ووصله
ما مل قلبي حـبـه لـمـلالـه
واهاً إلى ماء العذيب وكيف لـي
بحشاي لو يطفا بـبـرد زلالـه
ولقد يجل عن اشتـياقـي مـاؤه
شرفاً فواظمئى لـلامـع آلـه

ابن الفارض

ـــــــــــــــــــــ


الوطن في ميزان الأعراب


قيل لأعرابي: إنكم لتكثرون الرحل والتحول وتهجرون الأوطان، فقال: إن الوطن ليس بأب والد ولا أم مرضع، فأي بلد طاب فيه عيشك، وحسنت فيه حالك، وكثر فيه دينارك ودرهمك، فاحطط به رحلك، فهو وطنك وأبوك وأمك ورحلك.

ـــــــــــــــــــــ


شفاعة الشعر

لما قتل الحارث بن أبي شمر الغساني المنذر بن ماء السماء وهو المنذر الأكبر، وماء السماء أمه أسر جماعة من أصحابه، وكان فيمن أسر شاس بن عبدة في تسعين رجلاً من بني تميم، وبلغ ذلك أخاه علقمة بن عبدة الشاعر صاحب امرئ القيس، وهو معروف بعلقمة الفحل، فقصد الحارث ممتدحاً بقصيدته المشهورة التي أولها:
طحا بك قلب بالحسان طروب
بعيد الشباب عصر خان مشيب
فأنشده إياها، حتى إذا بلغ إلى قوله:
إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي
لكلكلها والقـصـريين وجـيب
إليك أبيت اللعن كان وجيفـهـا
بمشتبهات هولـهـن مـهـيب
هداني إليك الفرقـدان ولا حـب
له فوق أعلام المتان عـلـوب
فلا تحرمني نائلاً على جـنـايةٍ
فإني امرؤ وسط القباب غـريب
وفي كل حيً قد خبطت بنـعـمةٍ
فحق لشاس مـن نـداك ذنـوب
فقال الحارث: نعم وأذنبة، وأطلق له شاساً أخاه، وجماعة أسرى بني تميم، ومن سأل فيه أو عرفه من غيرهم.

ـــــــــــــــــــــ


إحياء العقل

قال ابن المقفع: من أخذ كلاماً حسناً من غيره فتكلم به في موضعه وعلى وجهه، فلا ترين عليه في ذلك ضؤولة. فإن من أعين على حفظِ كلامٍ المصيبين، وهدي للاقتداء بالصالحين، ووفق للأخذِ عنِ الحكماء، ولا عليهِ أن لا يزداد، فقد بلغ الغاية، وليس بناقصهِ في رأيه ولا غامطهِ من حقه أن لا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه. فإنما إحياء العقل الذي يتم به ويستحكم خصالٌ سبعٌ: الإيثارُ بالمحبةِ، والمبالغة في الطلب، والتثبتُ في الاختيارِ، والاعتيادُ للخيرِ، وحسنُ الرعي، والتعهد لما اختير واعتقد، ووضع ذلك موضعهُ قولاً وعملاً.


ـــــــــــــــــــــ

إحدى ثلاث

روى ابن عائشة قال: دخلت امرأة من هوازن على عبيد الله بن أبي بكرة فقلت له: هي ليلى الأخيلية. فقال: لعلها. فقالت أصلح الله الأمير، أتيتك من بلاد شاسعة ترفعني رافعة وتهضبني هاضبة، لملمات من البلايا برين عظمي ونكهن جسمي، وتركنني أمشي بالحريض قد ضاق بي البلد العريض بعد عدة من الولد وكثرة من العدد، أفنين عددي وأوعزن تلدي، فلم يتركن لي سبداً ولم يبقين لي لبداً، فسألت في أحياء العرب من المرتجى سيبه والمأمون غيبه والمحمود نائله فدللت عليك ـ أصلحك الله ـ وأنا امرأة من هوازن هلك الوالد، وغاب الفاقد، فاصنع بي إحدى ثلاث..قال: وما هن؟ قالت: تحسن صفدي أو تقيم أودي أو تردني إلى بلدي، فقال: بل نجمعهن لك. فجمع لها الخلال الثلاث. قال أحدهما: ثم أوصى لها بعد مؤته بمثل ميراث إحدى بناته.


ـــــــــــــــــــــ


مضى الجود!

قال الحُسَين بن مُطَيرٍ الأسَدِيّ في رثاء معن بن زائدة الشيباني:
ألِمَّا على معـنٍ وقُـولا لـقـبـرِه
سقتكَ الغوادي مُربِعاً ثمّ مُـربِـعـا
فَيا قَبرَ معنٍ كُـنـتَ أوّلَ حُـفـرةٍ
من الأرضِ خُطَّت للسماحِ وموضِعا
ويا قبر معـن كـيف واريتَ جـودَه
وقد كان منه البَرُّ والبحرُ مُتـرَعـا
بلى قد وسِعت الجودَ والجـودُ مـيِّتٌ
ولو كان حيّاً ضقت حتى تصـدّعـا
فلمّا مضَى مَعنٌ مضى الجودُ والنَّدى
وأصبحَ عِرنينُ المكـارمِ أجـدعـا
فَتىً عِيشَ في مَعروفِهِ بعد مـوتـه
كما كان بَعدَ السّيلِ مَجراهُ مَرتَـعـا
تَعزَّ أبا العبـاس عـنـه ولا يكُـنْ
جَزَاؤُكَ من مَعنٍ بأنْ تتضَعضَـعَـا
فما ماتَ من كُنْتَ ابنَـه لا ولا الـذي
لهُ مثل مَا أسدَى أبوكَ وما سَـعَـى
تمنَّى أناسٌ شَأوَه مـن ضـلاَلِـهـم
فأضحَوا على الأذقانِ صَرعى وظُلَّعا


ـــــــــــــــــــــ


لا تجعل نفسك غرضا

روى الأصمعي عن أبان بن تغلب قال: مررت بامرأةٍ بأعلى الأرض، وبين يديها ابنٌ لها يريد سَفَراً، وهي توصيهِ فقالت: اجلسْ أمنحْك وصيَّتي وباللَّه توفيقُك، وقليل إجدائها عليك أنفَعُ من كثير عقلك: إيّاك والنَّمائم فإنَّها تزرع الضَّغائن، ولا تجعل نَفْسك غرضاً للرُّماة، فإنّ الهدفَ إذا رُمِي لم يلبثْ أن ينثلم، ومثِّلْ لِنَفسك مثالاً، فما استحسَنتَه من غيرِك فاعمَلْ به، وما كرهتَه منه فدعه واجتَنبْه، ومَن كان مودّته بِشرَهُ كان كالرِّيح في تصرُّفها، ثم نظرَتْ فقالت: كأنك يا عراقيُّ أُعجيبتَ بكلام أهل البدْو? ثم قالت لابنها: إذا هزَزتَ فهزَّ كريماً؛ فإنَّ الكريمَ يهتزّ لهزّتك، وإيّاك واللئيمَ فإنّه صخرةٌ لا ينفجر ماؤها،و وإيّاك والغَدْرَ فإنّه أقبحُ ما تعومل به، وعليك بالوفاء ففيه النَّماء، وكنْ بمالك جواداً، وبدينك شَحيحاً، ومَن أُعطي السّخاءَ والحِلم فقد استَجادَ الحُلَّةَ: رَيطتَها وسِرْبالَها انهَضْ على اسم اللَّه.


ـــــــــــــــــــــ


تحقيق

قال الصولي‏:‏ سمعتُ أبا العباس ثعلباً يقول‏:‏ إنما وقع الغلطُ في كتاب العين لأنَّ الخليل رسَمهُ ولم يحشه ولو أن الخليل هو حشاه ما بقّى فيه شيئاً لأن الخليلَ رجلٌ لم يُرَ مثلُه‏.‏..وقد حَشَا الكتاب قومٌ علماء إلاّ أنه لم يُؤْخذ عنهم رواية إنما وُجد بنقل الورَّاقين ومن الدليل على ما ذكره أبو العبّاس من زيادات الناس فيه اختلافُ نُسَخِه واضطرابُ رواياته إلى ما وقع فيه من الحكايات عن المتأخِّرِين والاستشهاد بالمرذول من أشعار المُحْدَثين فهذا كتابُ ابنُ مُنذر بن سعيد القاضي الذي كتبه بالقَيْروَان وقابلَه بمصر بكتابِ ابن وَلاّد وكتابُ ابن ثابت المُنتسَخ بمكّة قد طالعناهما فألفينا في كثير من أبوابهما‏:‏ أخبرنا المسعريّ عن أبي عُبيد وفي بعضها‏:‏ قال ابنُ الأعرابيّ وقال الأصمعي هل يجوزُ أن يكون الخليل يروي عن الأصمعي وابن الأعرابي أو أبي عُبيد فضلاً عن المسعري وكيف يروي الخليلُ عن أبي عبيد وقد تُوفِّيَ الخليل سنة سبعين ومائة وفي بعض الروايات سنة خمس وسبعين ومائة وأبو عبيد يومئذ ابنُ ست عشرة سنة‏.‏

ـــــــــــــــــــــ


لا خير في الحب..!


أنشد الأصمعي لجميل بن معمر العذري:
لا خَيْرَ في الحب وقفاً لا تحـركـهُ
عوارضُ أليأس أو يَرْتَاحه الطَّمَـعُ
لو كان لي صَبْرُها أو عندها جَزَعِي
لكنتُ أَمْلِـكُ مـا آتـي ومـا أدَعُ
إذا دعا باسْمِها داعٍ لـيحـزنـنْـي
كادت له شعْبةَ من مُهْجَتي تـقـعُ
ويقرب من معناه قول علي بن العباس الرومي:
لا تكْثِرَنَّ ملامةَ الـعـشـاقِ
فكفاهُمُ بالوَجْـدِ والأشـواقِ
إن البلاءَ يطاقُ غيرَ مُضاعَفِ
فإذا تضاعَفَ كان غير مُطَاقِ
لا تُطْفئَنَّ جَوى بِـلَـوم؛ إنـهُ
كالريح تُغرِي النار بالإحراق


أعلى




الأدب الشعبي


بوح..
سلّوم بوتيله ـ شاعرا !

سلوّم بو تيله شخصية خيالية ـ ربما ـ تتشابه كثيرا وحال البعض القلّة ممن ارادوا ان يكونوا "الكل" في "واحد"، هذه الشخصية الخيالية تتقاطع في واقع الحياة بمجمل تفاصيلها فقط تختلف الأمكنة، وتختلف التفاصيل في بعض الأحيان.. ربما تختلف اللغة ولكنها في واقع الحال موجودة بيننا نسمعها ونراها يوميا من واقعنا المعاش!.
فـ"سلّوم بو تيله" (الشاعر) حينما كان الشعراء يتقاذفونه بين مدح وهجاء رأى الكثيرين من هم معجبين برباطة جأشه بأنه "اشعرهم" وحينما كذب "بو تيله" صدّق كذبته فمشى بها حيث النهاية.. وحتى في الموت حينما يذكر بين الحاضرين يترحّم الجميع على سلّوم بو تيله فيدرك الجميع بأنه "ميت"، وحينما تذكر الحياة يُذكرونه فيعتقد البعض بأنه "حي".. تستغرب كثيرا ولا تعلم هل الحقيقة!!
ذهب "بوتيله" ذات يوم لحضور مقابلة في التلفزيون فوجد ان المذيعة التي تحاوره هي الأخرى "شاعرة" وتصغره بكثير.. سلّوم بو تيله في الحقيقة قال "ما عرفتها" في إشارة منه بأن ما نشاهده على شاشة التلفاز يختلف كثيرا عن الواقع، ورغم المعاناة التي كان يراها في وضع البرنامج بعمومه استجاب للوضع بغيّة عدم الإحراج، وبعدها بفترة ذهب إلى مقابلة أخرى في الإذاعة فوجد مذيعا شاعرا آخر عرفه من النظره الأولى.. ولكن رأى ان الوضع في التلفزيون هو نفسه في الإذاعة، ولأنه استجاب للوضع هناك فلا بد ان يستجيب هنا.. يقول سلّوم بو تيله عن هذه الحادثة: الكثير من شعراء الساحة وجدوا انفسهم مذيعين... فكان للنساء مثل حظ الذكرين.. لا يهم النتيجة فقط شاهد واسمع ولكن إياااااااك ان تتكلم!!
اراد "بوتيله" ان يدخل عالم "الشبكة العنكبوتية" لطرح احدى قصائده الجديدة ولأنه تخّوف ان يقع في تلك الشبكة.. سجّل في منتدى إلكتروني وطرح نصه وقرأ قصيدة لشاعرة معروفة ورّد عليها وهرب.. ويرى الزائر تحت معرفه بأنه "خاطر" وعدد مشاركاته "2" ، يغيب بوتيله اكثر من ثلاثة أشهر وفي لحظة من اللحظات يتذكّر ان ما طرحه ودفعته الرغبة لمعرفة ردود الأفعال حول نصه، وحينما دخل المنتدى الإلكتروني وجد ان عدد مشاهدات نصّه "4" ولم يجد سوى ردا واحدا من الشاعرة التي رد على قصيدتها قبل ثلاثة أشهر، ووجد اكثر من 50 ردا على قصيدة الشاعرة.. يستهجن بو تيله الوضع ويقرر ان يخترق المنتدى لمعرفة "IP" المشتركين الذين ردوا على قصيدة الشاعرة وتجاهلوا قصيدته.. يقول بو تيله عقب ذلك: وجدت 30 ردا كانوا من معرفّات مختلفة لشخص واحد، وعشرة ردود أخرى من الشاعرة نفسها واخرى متنوعة من النسبة الأخرى الباقية!
"سلّوم بوتيله" لم يكن له ان يكون شاعرا لولا ان صنعه البعض خوفا من رباطة جأشه كما ذكرت سابقا.. ولكن بعد إن صدق "الكذبه" عانى ابو تيله مرارة لم يعانيها من قبل فقرر ان يتنحنى جانبا عن "الشعر" بعيدا عن حكاياته حتى هذه اللحظة آملا (كما صرح في احد اللقاءات الصحفية) ان يعاود مرة أخرى إن وجد ما يستدعي العودة.
فيصل بن سعيد العلوي*


ـــــــــــــــــــــ

جسد

مرِّيتني
كنت المسجَّى في فم التَّابُوت
ينزفْني دَمي
كنت انْكسار الظِّل
شَكْل الشَّكْل
خارِطة لأرْبَع جِهاتْ
مَأوى لصَمْت الأَمْكِنَة
حلْم بجسَدْ
ذكرى وَلَدْ
وللصَّمت ظِّلً أبيضً
ورَّقْ على ثَغْري وماتْ
كنت الوَحيد اللِّي تساقَطْ منْ دَمَهْ
تفَّاحة البَدْء
ضروري الشَّبَقْ
تمرير بيتٍ منْ قَصيدَة
يمنَح أحْلامي بَلَدْ
كفٍّ تحاول ترسم الدُّنيا سَما
بين المُسدَّس والسَّلامْ
حُرِّيتي
أُنْثَى تعلِّمني الشعرْ
رفّ الكلامْ
موعد على مَقْهى ونِيلْ
تفسير ما قد لا يفسَّر
ثورة وَطَنْ ..
شعبً تكسَّر في مَقاهي
غارِقة في الظِّلِّ يحْملها الدُّخانْ
ريحً تفتِّش عَنْ صَدا
بحرً توزِّعه الجُزُرْ
رملً يعذِّبه السَّرابْ
شمسً تسيل من الفَجرْ
فجرً يبَرْوزه السَّحابْ
ليلً تعذِّبه الشُّمُوعْ
شمعً كَسَرْ ليلَهْ وذابْ
خُوف الأَغاني من النَّشازْ
أُرجُوحَة إيقاع اللُّغَة
صوتً توزَّع بالتَّساوي
بين أضْلاع الغِيابْ
يا صاحبي
هذا أنا؟!
هذا أنت .. يصرخ صاحبي
كيف اشْتَعَلْت ولا صَرَخْت إلا السُّكُوتْ؟
كيف احْتَرَقْت
ولا احْتَرَفْت إلاَّ غيابك عَن دَمي؟
كيف انْكَسَرْت ولا كَسَرْت إلاَّ الفَرَحْ؟
كيف اسْتَعَرْت الإنْفِلاتْ؟
كيف اسْتدرْت ولا رجَعْت؟
كيف اسْتطَعْت انَّك تنام ولا انْتبهْت؟
وأنتَ الوَحيد اللِّي تردّد ما كتبْت
من منِّنا يقدَرْ يموتْ؟
هذا أنْت ميِّت لا أحَدْ
هذا أنت
تنْقص أو تزيدْ
يبقَى السُّؤال بلا عَدَدْ
وحدَكْ كبرْت ولا سَألْت
وحدَكْ تعلَّمت وكَتبتْ
وحدَك سرقْت النَّاي ومن عُمْرك عَزَفْت
وحدَك صَرَخْت ولا انْتَبَهْت
وحدَك بَنيت ولا مَلَكْت
لا .. لا جَسَدْ
لا ..لا بَلَدْ
ويبقى السُّؤال بلا عَدَدْ
هذا أنْت ميِّت لا أحَدْ

أحمد العريمي


ـــــــــــــــــــــ


َتائهْ

َهذَا اناَ وْشَطرٍ مَنْ الرُوحْ مَنْسَابْ
عَلى الوَرَق ْلحْظَةْ تجلّي مَع الذْاتْ
بَعِيدْ َمتْلهَفْ قَرِيبٍ منْ الْبَابْ
َغرَيبْ يَسْتوْطنْ حَدُودْ النْهَايَاتْ
َمحْسُوبْ لَهْ عَمْرٍ لَقاء دَفْع الاْتعَابْ
َمهْما تسَدّد منْهْ بَاقي حَسَابَاتْ
َيا سكّر اللّقياء عَطشْ مَلْحنَا ذَابْ
كَفّي وتشّققْ لهْ يَبَاسْ المْسَافاتْ
لاَبُدْ مايَخْضّر غَصْنَكْ عَلى ْكتَابْ
واكْتَبْكْ لوْشَابَت فَصُول الْعبَاَراتْ
واهْدِيكْ مَعْ نَزْوة تَخلّيكْ مَا َطابْ
َهيأتْ لكْ صَدْري وللْغَير هَيْهَاتْ
بَاغْصَانهْ يَرَفْرَفْ لكْ الْشَعْرْ زَرْيابْ
ْوغَنّت لكْ انْفَاسهْ تَقَاسِيمْ نَاَياتْ
َرتّبْ َشغْبْ لَيْلكْ نَعْمْ بِيْدَكْ اسْبَابْ
َحزْني وَمَوتْ احْلامَنَا والمْتاهَاتْ
اعْرفْ دَفاكْ ان َضمّني فيكْ يَرْتابْ
َواكْره بَروُدْكْ فيْ شتاءْ بَرْدَه ْشْتَاتْ
َهجْرة وَعْزلهْ وارْتَحَالاتْ/ غياب ْ
صَوْتٍ يَوَارِي في ثَرَاهْ انْكَسَاراتْ
َابجْبَركْ عنْ كَسْر خَاطَرْ إذا تَابْ
َليْلَهْ وبَطَفْي لكْ شَمَوُسْ وَنهَارَاتْ
هَذا انا جَيتِكْ مَشارِيهْ وعْتَابْ
َتايهْ ما َبينْ حَدوُدَنا والاْماراتْ


خالد الداؤدي


ـــــــــــــــــــــ


الأمل اليــائـس

أجيك و( خطوة أقدامي ) تسابق ( عقرب الساعة )
ولجْـل ألقاك فـ الموعد أسابق ( خطوة أقدامي )
نسيت أنك ( غرست الجرح ) ونّك تسقي أوجاعه
وذكرت انّي على صخرك نثرت ( بذور أحلامي )
تجاهلت ( الألم ) - لما الملا - قالت : له الطّــاعة
وصاحبت ( الأمل ) - ليما ملى - أحبار أقلامي !
ألا وينك ؟.. - سؤالي لك - .. يشابه لي بـ ( فـزّاعـــه )
واجاباتك .. ( طيورٍ ) تبتعد عن " حقلي النامي " !
تحمّلت الجفا لنّي ..تأملت الهجر ( ساعـــة ) !
وأبطت ساعته حتّى .. غدت أطول من أيّامي
تيّتم حلمِيَ و ( كلّي ) / و دربي عنْك . . . ضيّــاعــه
مشيت .. و فوق كتفي شلْتَ ~ جرْح .. وشلْت أيتامي !
وجاملت ( التّعب ) حتّى ( تفرّسته ) بأنواعه
وجمّلت ( العتب ) لجْلك و ( أسرفته ) فـ أنغـامي !
رحلت وما تركت الّا ( غياب ) و ( نفس طمّاعة )
تبي توصل لك ولكن " غيابك " للوصل حامي !
تصّوب سهمك ف صدرٍ غدت م تشيـله أضلاعه
وصوّب ( صدْرِيَ ) لْـسهمك .. واْصير ( المرمِي - الرّامي ) !
هَجرتْ ..! / وْجهرِك بْتركي كشف قلبك وأطباعه !
جَهرت ..! / وهرجك " بنفسه " نزع عنْ وجهِيَ " لثامي "
تصدّق ؟ ... ما أبى أترك لك احساسي فـ ( شمّــاعة )
أخاف يمرّ به عاري .. ويسرق ( معطف اِلهامـــي ) !
وأْخاف أهدي لك " أوراقي " .. و جنبك ( نار ولاّعــة )
وجي في " بردك القارس " ..أباك اتدّفِيَ عظامي
واقول ( الجمر ) يا خلّي .. وش اللي يقدر اِشباعه ؟
تقول : ( أوراقك الغبرا ) كفيله تجعَله حامي !
تمثّل ! .. مثـْــل من ( باع الضّمير) .. وقال : من باعه ؟
قناعك انزعه لنّــي أريدك صاحبي سامي
أريدك مثـْـل من لو طحت ، ألقى " مدّة ذراعه "
مثل: ( صيت الحضور ) اللي يروّع " جرحِيَ الدّامي "
مثل ( ضوء النهار ) اللي " طرد " ليلي و أتباعه :
من آهاتي / و أحزاني / و دمعاتي / وآلامي !
( أصوم ) العشـْق.. ما دامه ..كذا .. ما تثْبت أوضاعه
واْساير " وضـعِيَ الحالي " .. لجل ما يبْطَل صـْيامي !
أجيك وللأسف مقدر ..على ( وصلك ) و اخضاعه
كفاني أحلمك ( ليلة ) .. وأشوفك ( صبح ) قدّاامي !

حمود المخيني

ـــــــــــــــــــــ


الدرس الأخير

بسألك
كيف كنتي أمس...؟
بعد ما غطى عيونك هالنعاس
وصرتي للحلم منهج أساس
وبسألك
ما مر بك درس الغلا والذكريات
وإلا انمحى من دفترك
واصبح من الماضي وفات...
ودي أمر يمك وأشوف
كل نقطة ترتسم فوق الحروف
ودي أعانق منهجك
لو مرة تسمحلي الظروف
والمشكلة انك حلم
يبحر على كتاب الضفاف
يدرس مناهج من جفاف
ما بلله دمع السطور
ولا يروي حروفك نفاف
تخيلي...
طيفي عناوين الدروس
ويا كثر ما مرك دروس
أول بدايتها كلام
وآخر نهايتها غرام
وعيوني جملة من نصوص
تصدقي لو قلت لك
فصلك سألني البارحة
وياطوووول وقت البارحة
من يشبهك...؟
لاصرتي بأنفاس الورق
أو حلم بفصلك اسير
أو حرف بسطرك غرق
وعيونك الدرس الأخير

محمد مبارك البريكي

أعلى


 

سيرة الحجر
الحمير الضائعة

أتذكر عندما جئت إلى قريتنا يا مصبّح بن سلطان وأنت في عز شبابك ، حين نزلت ضيفا على الشايب محمود ، كانت تلك هي المرة الأولى التي تبيت فيها بقريتنا لأيام ، نتذكر تماما شعرك الطويل وطريقة لبسك للغترة ، عندما لمحتك وأنت تهبط الدرج من الحارة صوب بيت مضيفك رأيت فيك رجلا قادما من حكايات ألف ليلة وليلة ، التي كان المعلم يقرأها لنا بعد صلاة العشاء ، كنّا نتحلق حوله كبارا وصغارا ، نجلس صامتين ونحن نتخيل تلك القصص الغريبة التي رسخت بأذهاننا من حكايات شهرزاد ، أنت لا تعرف شهرزاد بلا شك ولم تسمع عن كتاب يقال له ألف ليلة وليلة ، أليس كذلك ؟ ، قلت حين لمحتك خُيل لي أنك أحد تلك الكائنات التي لا توجد إلا في تلك الكتب، وتمنيت أن يكون بقربي أحد، حتى لو كان المعلم ذاته لأخبره بما تخيلته في ملامحك.
جاء مصبّح من الجبال حيث يسكن هو وأسرته مع الأغنام التي ينتقل بها من مكان إلى آخر بحثا عن المرعى والماء ، جاء وبصحبته ثلاثة من الحمير التي جهزها ليحمل عليها مئونة التمر التي سيحتاجها لفصل الشتاء ، ولأن الكمية التي طلبها تحتاج إلى وقت لذلك قرر أن يبيت في القرية حتى ينتهي من شراء التمر ، فنزل ضيفا على أحد معارفه ، كان هو الشايب محمود الذي رحب به وأكرمه ، وفي اليوم التالي اقترح عليه الشايب محمود أن يعلمه كيفية الصلاة ، لأن مصبّح لا يصلي ، جلس معه وأقنعه بفائدة الصلاة ، وذكر له الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث عليها ، حتى اقتنع مصبّح وبدأ في تعلم الصلاة ، بدءا من الوضوء وانتهاء بالدعاء بعد الصلاة ، والشهادة أن مصبّح كان سريع التعلم ، بل أنه حفظ بعض قصار السور ليقرأها في ركعات صلاته ، كان سعيدا بذلك ، وشعر بأن حياته الآن صارت لها معنى كبير ، وزاد احترامه للشايب محمود وشكره على تعليمه ما يفيده في دنياه وآخرته.
صليّت الفجر معهم في المسجد ، ثم جلست مع الشايب محمود وشربت معه قهوة الصباح ، كان ذلك في اليوم الخامس ، كنت قد اشتريت ما يكفي من التمر وكومته فوق بعضه لأبدأ صباحا بحمله على ظهور الحمير ، فساعدني بعض الأهالي في ربط أجربة التمر ، شكرتهم ثم ودعتهم متمنين لي رحلة طيبة ، وقد حملنني بعض النساء تحياتهن إلى زوجتي وأهل بيتي ، وطلبن مني أن أجيء بصحبتهم في المرة القادمة ، أسعدني ذلك كله ، كان الوقت بعد صلاة العصر حين انتهينا من ربط المئونة ورحلت عائدا إلى بيتي بين الجبال.
غربت الشمس وأنا في الطريق إلى البيت ، لكن المسافة المتبقية قصيرة ، ومن هنا كانت الحمير تعرف الدرب إلى البيت لأنها تقطعه جيئة وذهابا مرات ومرات ،ولأني خفت أن يفوت موعد الصلاة فأفلت لهن الحبال ووجهتهن على الطريق ، فقمت وتوضأت ثم صليت ، وبعد ذلك مشيت في أثر القافلة ، وبعد أن وصلت وسلمت على أهل الدار ، سألت زوجتي عن الحمير ، لكنها قالت بأنها لم تصل ، أخبرتها بأنها تقدمتني بوقت طويل ، وأنني أطلقت لها الحبال وهي تعرف الدرب ، ترى أين ذهبت في تلك الظلمة ، ومن أين سأبدأ بالبحث عنها ؟ تمنيت لو أنني ربطتها بجانبي أو أنني ذهبت معها ، قلت أن السبب في كل ما حدث كان من الشايب محمود ، فلقد ضاعت الحمير ولا بد لي الآن أن أبدأ في البحث عنها في هذه الجبال.

زهران القاسمي

أعلى


 

وجوه وظلال (44)
لاعبو شطرنج

قال المأمون يصف الشطرنج:" إنه بحرٌ يمكن أن تسبح فيه النملة ويغرق فيه الفيل"..
******
يعتبر جاري كيموفيتش كاسباروف أعظم لاعبي الشطرنج على مرّ العصور. ولد فى مدينة باكو بأذربيجان عام 1963. اسمه الحقيقى جاري وينستون ولكنه غيّره فيما بعد الى كاسباروف ليكون الاسم أكثر روسيّة، واشتقه من اسم عائلة والدته الأرمينية كاسباريان.
تعلّم جاري الشطرنج فى سن الخامسة وفاز فى سن الحادية عشر ببطولة أذربيجان. وفى عام 1980 فاز ببطولة العالم للناشئين. وحمل في نفس العام لقب أستاذ دولي كبير. ووصل به الامر عام 1996 إلى تحدّي الحاسوب بعد هزيمته لأعظم لاعبي الشطرنج في العالم أمثال كاربوف وشورت وأناند وفوزه ببطولة العالم لأكثر من مرّة. وقد فاز كاسباروف فعلاً على الحاسوب الخارق "ديب بلو" رغم أنّ هذا الحاسوب كان يحسب 180 مليون نقلة فى الثانية الواحده! وكان أجمل ما قاله كاسباروف بعد اللقاء "إنني أدافع عن الجنس البشري أمام هذه الآلة"!!
******
البطولة العالمية لكرة القدم، التي جرت في آسيا، عام 2002: كانت اثنتان. في إحداهما لـعب الرياضيون الذين من لحم وعظم، وفي الأخرى، وجرت في الوقت نفسه، لعبت الروبوتات.
مباريات الروبوتات الدولية تجري-كل سنتين- في مكان مختلف. منظموها يأملون، من الآن وحتى بعضِ الوقت، في المنافسة ضد المنتخبات التي من لحم وعظم. وهم يقولون أن حاسوباً قد تمكن، في نهاية المطاف، من هزيمة البطل جاري كاسباروف: على رقعة الشطرنج. ولا يكلفهم جهداً كبيراً تخيل أن يتوصل الرياضيون الآليون إلى تحقيق مآثر مماثلة في ملعب كرة القدم.
الروبوتات التي يبرمجها مهندسون: صلبة في الدفاع، وسريعة في الهجوم، وهي لا تتعَب أبداً، ولا تعترض، ولا تلهو بالكرة. إنها تنجز -دون أن تنبس- أوامر المدير الفني. ولا تقترف في أي لحظة جنون الاعتقاد بأن اللاعبين يلعبون. وهي لا تضحك مطلقاً.
الرياضي المثالي، لإدواردو جاليانو،"أفواه الزمن"، ت.صالح علماني
******
يورد أبو منصور الثعالبيّ في "تتمة اليتيمة" عن أبي الحسن المصيصيّ الشاعر قوله: "لقيت بمعرة النعمان عجباً من العجب، رأيتُ أعمى شاعراً ظريفاً يلعب بالشطرنج والنّرد، ويدخل في كل فنّ من الجدّ والهزل، يكنى أبا العلاء".
******
عن الشطرنج، يكتب محمد بن أبي طالب الأنصاريّ الدمشقي:
.. كشّافٌ - لمن تدبّر حركات قطعه، وتدبّر في صورة وضعه- عن سر من أسرار القضاء والقدر؛ وذلكَ أن الواضع له، حَـكَـمَ في ما قدّره وقرّره وأمضاه وقضاه، وسـبق به عـلـمُهُ، وجرى بوضعـه قدَرُهُ، ولم يشاركه في اختراعه له مشارك:
إنْ جعل أمرَ كل لاعب به من الناس: راجعاً إليه وعائداً عليه: إن غَلب فباجتهاده، وإنْ غُلِب فبتفريطه.
وأن اللاعِبَيْن كليهـما - مع تفويض الأمر إليهما، في الجـد والاجتهاد والفكر والتدبـير والاكتساب والتحيـل منهما- لا يخرجان مع جميع ذلك: عما قضـاه الواضعُ وقدّرَه، وشَرَعه لهـما ولكـلّ مُتلاعـِـبَيْن بـشـطرنج.
فـهـم فيه مجبورون في صورة مُختارِين، ومُختارون في صورة مجبوريـن.
******
أُعْجِبَ ملكٌ من ملوك الهند: بذكاء لاعب شطرنج، فسأله أن يتمنى عليه ما يشاء. فطلب لاعب الشطرنجِ من الملك أن يمنحه قمحاً بعدد مربعات الشطرنج (وهي أربعة وستون مربعا) بشرط أن يضاعف له عدد حبات القمحِ حتى نهاية الرقعة: أي أن توضع حبة واحدة في المربع الأول، وحبتان في المربع الثاني، وأربع حبات في المربع الثالث، وثماني حبات في المربع الرابعِ، وهكذا...
فاستصغر الملك شأن هذا الطلب في باديء الأمر، لكنه لم يلبث أن أدرك أن مستودعات الهند من الحبوب لا تكفي لسد حاجته من القمح.
ذلك أنه إذا جمعتَ حبات القمحِ المضاعفة وفقاً لمربعات الشطرنج: كونتَ هَرَماً من القمح ارتفاعه 60 ميلاً، وطول قاعدته 60 ميلا وعرضها 60 ميلا. ويقولون أيضاً أن حبات القمح هذه تستطيع أن تغطي سطح الكرة إلى سُمك واحد ونصف من السنتيميترات.
******
الكاتب المغربي أحمد العمراوي يكتب عن شطرنج الشعراء قائلاً:
بين شطرنج الشعراء وشطرنج العارفين من جهة، وبينهما وبين شطرنج اللاعبين من جهة أخرى تداخل وتشاكل يذيب السائل في كأسه والجبة في جسدها إلى درجة الاحتراق. الشطرنج آلة عقلية تمارس فعلها اعتماداً على العين واليد معاً. حركة ذهنية سريعة متعددة الأبعاد. لعبة الشطرنج لا معنى لها في الأصل بدون اليد. سلاسل فكرية إبداعية يصعب وضع حد نهائي لها. رقعة حربية في الظاهر، لكن حربها تتعدى المؤقت والاستثنائي إلى اليومي. حرب يومية في الليل كما في النهار، في العادي كما في الاستثناء، في اليقظة كما في الحلم .
يخوض لاعب الشطرنج حربه متسلحاً بجيوش متفاوتة العدد والعدة والقيمة. حرب ضرورية لا اختيار له في رفضها أو قبولها. منازل الشطرنج متفاوتة الدرجات: من العدم إلى السلب، ومن الولادة إلى شهوات تَهيج على العقل والجسم، قد تصيب الذات بالجهالة، قد تصيبها باضطرابات لغوية تقود للتمرد، ولكنّ الرُقعة ومكانَ اللعبِ واحدٌ هو الشعر، هو القصيدة، هو خروجُ البوحِ من الظلمة: أي النص من مكان، لا أحد يدري كيف ولا متى يخرج.


مختارات: صالح العامري

 

أعلى


 

نافذة لغوية (11)
من خصائص العربية النادرة

عزيزي القارئ نسعى اليوم للوقوف على خصيصة من خصائص لغتنا الخالدة ، تلك الخصيصة تقوم على الدلالة المركزية للأصول المتقاربة في بناء المفردات.
حيث يرى عدد من فقهاء اللغة قديماً وحديثاً أن الألفاظ العربية ترجع في منشئها التاريخي القديم إلى أصول ثنائية زيدت حرفاً ثالثاً في مراحل تطورها التاريخي، وقد جاء هذا الحرف الثالث منوِّعاً للمعنى العام الذي تدلّ عليه تلك الأصول الثنائية.
ومن هنا كان المقياس الذي جاء به علماء الصرف لمعرفة أحوال أبنية الكلمة مكوَّناً من ثلاثة أحرف أصلية هي : الفاء ، والعين ، واللام " ف ع ل " وجعلوه مقابل الكلمة المراد وزنها ، فالفاء تقابل الحرف الأول ، والعين تقابل الحرف الثاني ، واللام تقابل الحرف الثالث ، على أن يكون شكل الميزان مطابقاً تماماً لشكل الكلمة الموزونة من حيث الحركات والسكنات.
وقد أختار الصرفيون كلمة " فَعَلَ " لتكون ميزاناً صرفياً لأسباب نجملها في الآتي:
1 ـ لأن كلمة " فعل " ثلاثية الأحرف ، ومعظم ألفاظ اللغة العربية مكوَّنة من أصول ثلاثة ، أما مزاد على الثلاثة فهو قليل.
2 ـ أن كلمة "فعل" عامة الدلالة ، فكل الأفعال تدلّ على فِعْل ، فالفعل : أكل ، وجلس ، ومشى ، ووقف ، وضرب ، وقتل ، ونام ، وقام ، وغيرها تدلّ على الحدث بمعنى فَعَلَ الشيءَ.
3 ـ صحّة حروفها ، فليس فيها حرف يتعرّض للحذف ، كالأفعال التي أصولها أحرف علة كالألف ، والواو ، والياء ، فالأفعال المعتلة قد تتعرّض للإعلال بقلب ، أو نقل ، أو حذف.
4 ـ أن كلمة " فعل " تشتمل على ثلاثة أصوات تشكل أجزاء الجهاز النطقي ، فهي تضمّ الفاء ومخرجها من أول الجهاز النطقي وهو الشفتين ، والعين من آخره أي من أخر الحلق ، واللام من وسطه.
وللميزان الصرفي فائدة كبرى ، فهو الذي يحدد صفات الكلمات ، ويبيّن إنْ كانت الكلمة مجرّدة ، أو مزيدة ، أو كانت تامة ، أو ناقصة ، وباختصار فهو يبيّن لنا : حركات الكلمة ، وسكناتها ، والأصول منها ، والزوائد ، وتقديم حروفها ، وتأخيرها ، وما ذكر من تلك الحروف ، وما حذف ، ويبيّن صحّتها ، وإعلالها.
إن أصل المواد اللغوية في العربية ـ كما أسلفنا ـ مؤلّفة في الغالب من ثلاثة أحرف هي مدار المعنى بوجه عام ، وإبدال الحرف الثالث منها بغيره يعني ضرباً من التغيير أو التبديل اليسير يطرأ على دلالة الأصل ، لكن مع الإبقاء على الروح العام للدلالة المركزية . وقد شغلت هذه الظاهرة بال بعض العلماء وإن لم يكن لها صفة الاطّراد والشمول.
ومن الأمثلة على ذلك في العربية الأصل اللغوي المكوّن من (الكاف والميم المشدّدة) ومحور الدلالة المركزية له معقود على فكرة السّتْر والتّغطية ، فكُمّ القميص سمي كذلك لأنه يغطي اليد ، والقَلَنْسُوَة المدوّرة سميت كُمَّة لأنها تغطي الرأس ، وكُمّ الزهر وأكمامه من هنا أخذت تسميتها لأنها تغطي الزهر الكامن قبل أن يتفتّح وينتشر... ومن هذا الأصل أخذوا اسم هذا الاختراع الحديث الكَمَّامَة الذي يغطي الرأس ويمنع تسرب الغازات السامة إلى المنافذ الموجودة فيه كالفم والأنف والأذنين ، ومنه أيضا الكناية المشهورة في قول المحدثين على الطاغية: كَمَّ الأفواه ، أي حرم الناس من حرية الكلام.
فإذا ما أضفنا إلى هذا الأصل حرفاً بديلاً من الثالث فيه وقلنا كَمَنَ مثلاً ، نجد أن معنى الاستتار والتغطية ما يزال قائما في الدلالة المركزية العامة ، فالكُمُون ينطوي على معنى الاختفاء وعدم الظهور ، وكَمَنَ فلان: أي استخفى في مكان أو مكمَن ، لا يفطن له. ولكل حرف من الحروف التي تنطق بها مكمَن إذا مرّ به الصوت أثاره.
وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر جاءا فكمنا في بعض حِرار المدينة ، أي استترا واستخفيا . ومنه الكَمِين في الحرب ، وله معنيان ، تقول: نصب الثوّار كميناً للعدو ، أي اختاروا موضعاً غير مكشوف ربضوا فيه ليباغتوا العدو بالهجوم عليه. كما أن الكَمِين: الجماعة في الحرب يكمُنون ، بمعنى الكامِن ، كما تقول: القوم قَطِين في الديار ، أي قاطنون ، ومن ذلك أخذت دلالة المُكْتَمِن ، أي الحزين ذي الحزن الخافي المضمر.
فإذا أردت أن تضع حرف الدال عوضاً من النون في هذه المادة فإنك ستجد أيضا معنى الاستتار والتغطية ما يزال قائما ، فالكَمَد: الحزن المكتوم الدفين ، والكِمَادة: كالكِمَامة تحمل معنى التغطية والستر على ما ينطق الناس بها هذه الأيام ، وهو نطق صحيح للكلمة إلا في لفظ الكِمادة وهي على حدّ تعبير الأزهري في تهذيب اللغة : (خِرْقَة دَسِمَة تُسَخَّن وتُوضع على موضع الوجع).
ولو استغنيت عن الحروف السابقة ، ووضعت عوضاً منها الياء حرفاً ثالثاً في هذه المادة نفسها لرأيت المعنى يدل على خفاء أيضا ، يقولون منها: كَمَى فلانٌ الشهادةَ إذا كَتَمَها ، ولذلك سُمِيَّ الشجاع الكَميّ ، وجمعه الكُمَاة ، قالوا: هو الذي يتكمَّى في سلاحه ، أي يتغطّى به ، وتَكَمَّت الفتنةُ الناسَ: إذا غَشِيَتْهم.
وتبقى في هذه المادة اللغوية دلالة الخفاء والاحتجاب لو وضعت الهاء حرفاً ثالثاً كذلك ، فالكَمَه يعنى العَمَى ، ومَن يُولد أعمى يُسمّى الأَكْمَه. وفي ذلك كله يبقى المعنى المركزي معقوداً على الاختفاء والستر والتغطية.. وإلى لقاء في نافذة لغوية متجددة بمشيئة الله.
د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير

 

أعلى

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept