الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ

أربعون فناناً شاركوا في أوبريت "شموس الخير" الذي أنتجه التليفزيون احتفاءً بالعيد الوطني الأربعين المجيد، كتب كلمتها الشاعر علي الرواحي ولحنه الفنان فتحي محسن، وجمع العديد من الفنانين العمانيين من مختلف الأجيال، متغنين بحب الوطن ومترنمين بأعذب الألحان الشجية التي تفيض ولاءً وعرفاناً لباني نهضة عمان الحديثة ومفجر طاقاتها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ.
في هذا العدد تقف الزميلة هاجر بوغانمي على الأوبريت وتلتقي بمجموعة من القائمين عيله لتسلط الضوء على تفاصيله.
تقوم "دائرة التنقيب والدراسات الأثرية" بوزارة التراث والثقافة بمجهودات كبيرة في مجال التنقيب والترميم إضافة إلى رسم الخطط والخرائط المستقبيلة للتنقيبات والتنسيق مع مختلف البعثات فضلاً عن الدورات المتعددة في مجال إعادة ترميم وتهيئة اللقى الأثرية وفي هذا العدد ننشر تقريراً مفصلاً عن نشاطات الدائرة وأبرز إنجازاتها، كما نتتبع أبرز وأهم المواقع الأثرية في السلطنة.
سالم بن محمد الغيلاني يكتب خواطر عن القصيدة الشعبية في السلطنة مستعرضاً مكنونات الجمال فيها ومتحدثاً عن التنوع التضاريسي الذي يوجد بيئة شعرية ثرية ومتنوعة ومفردات عديدة تجعل من القصيدة النبطية في السلطنة قصيدة ثرية وباذخة بالمفردات المنوعة.
على ضفاف آخر من أشرعة نتناول المسرح الفلسطيني ودعوات القائمين عليه إلى ضرورة إنقاذه من التمويل الاجنبي الذي يحاول ان يشوه رسالته وأن يفرض عليه شروطه ، وهي عدوة يوجها مجموعة من القائمين على هذا المسرح الذي يعاني نقصاً حاداً في التمويل، ومضايقة كبيرة من الكيان الصهيوني.
زهران القاسمي في "سيرة الحجر" يكتب لنا عن ذلك الشق الغامض الذي لا تزال حكايته مجهولة، تحوم حوله العديد من الاساطير والحكايات التي لا تعرف أيها الصحيح، ليأخذنا ـ كعادته ـ في جولة من جولاته في الحكايات الشعبية التي تفيض إبداعاً وصفاء.
أما صالح العامري وفي اسلوب لا يخلو من السخرية الجميلة يختار لنا في هذا العدد باقة من الكتابات عن المتقاعدين والتي تحمل بعض التندر وبعض المرارة وبعض المرح أيضاً، مستكملاً سلسلة "وجوه وظلال" التي يكتبها عبر صفحات أشرعة.. كما يحفل الملحق بباقة من المواضيع المنوعة الاخرى.

المحرر

أعلى






خواطر حول الشعر الشعبي في عمان

الشعراء هم وجدان كل أمة وضميرها المتيقظ وحسها النابض بالحياة سواء كانوا شعراء فصحى أو شعراء شعبيين هم الناس في تحليقهم بطائرة الحياة، وفي تحقيقهم لمعنى الحياة وفي تحديقهم للإنسان والعالم والكون والحياة هم الذين يكتبون ديوان الحياة ليبقى، فللكلمة الشعرية وهجها ونورها ووضاءتها وبريقها ورحيقها فالقصيدة تفيض على القلب بجمرها وسحرها وسرها وعذابها وعذوبتها راكضة باتجاه العمق، نابضة بارتفاع الشوق.
هم الذين يهزون بجذع القصيدة، تتساقط قطعًا من قلوبهم مفعمة بالحرية والنور والحب والجمال.
ويزداد الأمر في قيمته وموضوعيته إذا كان الشاعر له في شئون الفكر باع طويل، وله في الفلسفة ما يدمج رؤيته بها، وله من السياسة ما يتعامل مع مفاهيمها الكبرى. وليست المشاركة اليومية المؤقتة والموسمية.
فيصل الشعر هو ذلك الكلام الموزون المقفى والذي يحمل طابع العربية الفصحى، سواء حمل في طياته تلك الشاعرية على توقيع الموسيقى التي لا يستطيع تبينها إلا الذوق سليم، وهل هناك ميزان أو مقياس أو أحد يرتكز عليه ذلك الذوق النقاد إلا الموهبة التي توجي إليه وقائع تلك الموسيقى من خلال نبرات صوته وتتجلجل بين حنكة ولسانه تضع الكلمة على الكلمة وتؤلف الحجلة على الجملة حتى ترضي عنها، وغالبًا ولعل أعمقها شاعرية هو ما يكاد يسبق حركة اللسان وجريان القلم.
بقي علينا شيء آخر وهو هل نسمي الشعر الشعبي الذي لا يخضع للفصحى شعرًا له طابع الشعر الفصيح وصورته الحية وعليه، وقد قلنا إن الشعر تعبير حي بصورة من صور الحياة، فلذلك نجد في الشعر الشعبي صورًا تعبر تعبيرًا دقيقًا عما يرتسم حياتها عن كثب وتجده أمس لما يحيط بالمجتمع كما أنه يحمل كل صور البيان الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام أنه السحر، كما يحمل المعاني الرقيقة ولا يهمنا إن أغفل قاعدة الإعراب لأنه معرب عن نفسه، ولكن تهمنا أهدافه ومبادئه.
وليس كلامنا هذا في الشعر الشعبي لنمط في الشعر الفصيح الذي له السابقية سواء جاء في منظمة أو منثورة مع سلامة المآخذ، وفي المثل قيمة الإنسان فيما يحسنه ولينفق كل ذي سعة سعته.
الأدب والشعر ميراث الإنسانية كلها، لا يستوعبه قوم دون قوم، ولكل شعب ميزانه، وكما يقول المثل العربي (الإناء مما قلبه ينضح) فكل أمة لها عاداتها وفقًا ليدها وعلومها وآدابها، تتدفق على ألسنة شعرائها، والشعراء هم العنصر الحساس في الشعب، وهم الذين يشتغلون ليل نهار كالنحل في بناء قصر الأدب وتخليد مآثر الشعب، ولا يتقدم الأدب ولا فن الشعر إلا إذا درسنا أشعارهم أجمعين، ولا يحقق هذا الغرض إلا إذا قدم إلينا كل شعب أدبه وشعره فشعر كل شعب له قيمته في تشييد الصرح الأدبي.
في اختلاف الشعر لآيات مثل اختلاف الألسنة والألوان، ونحن في حاجة إلى معرفة الشعر العربي الشعبي لكل منطقة من مناطق البلاد العربية وخاصة دون الخليج العربي لأنه يتضمن الكثير من صنوف المعاني والتعبيرات المتقاربة بل أكاد أقول المتشابهة، وفيه من الحكمة والعلم والأمثال والتاريخ ما لا يستغني عنه أدب اللغة ولا يزخر بحر الدب واللغة إلا إذا انصبت أنها الآداب الشعبية والشعر الشعبي لما فيه من مؤثرات اجتماعية وثقافية وبيئية.
وهو سهل المنال لكونه أقرب إلى الحياة، يعبر عن كل ما يشاهده بغاية البساطة بدون تصنع وبدون تعمد، ويتمتع به العامة كالخاصة، ولذلك فإنه فيه إمكانية الشمولية والعالمية، إنه يشتمل على عواطف متشابهة ومواضيع أساسية مشتركة وتكون لفتة سهلة ساذجة منعزلة عن الصناعات اللفظية ويدخل إلى القلوب بدون حاجب، وإنك لتجد في الشعر الشعبي والقصص الشعبية تشابهًا من ناحية الموضوع والغرض، حتى إن الشعر الشعبي في لغة ما إذا ترجم إلى لغة أخرى لما يتعذر على الشعب الآخر فيهم معاينة، فإنه شيء يجدونه أو مثله عندهم.
إن الشعر الشعبي في ظروفنا الحاضرة بأحداثها ومسئولياتها وأهدافها ومفاهيمها الجديدة وقيمها التي استحدثتها ظروفنا الخاصة والمحيطة، هذا الشعر الشعبي أحب بالحرص وأجدر بالإعزار وأولى بالرعاية، من أجل أن نحقق وجودنا الجديد في الزحام العالمي بصفة عامة والعربي بصفة خاصة، بعد تلك العزلة عن العالم والتي انتهت والحمد لله بتلك النهضة المباركة التي غيرت كل شيء في عمان خلال الأربعين سنة الماضية بقيادة ابنها البار حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ.
وعلى ضوء هذا التغير نجد أن علينا أن نفتش عن أنفسنا أولاً، ونكشف عن طاقاتنا وقدراتنا، ونعرف مزايانا وعيوبنا أيضًا، ويقيننا أننا لا يمكن أن تحقق ذلك إلا بإحياء أدبنا الشعبي وثرائه، إذ ليس مثل الشعر الشعبي مقياس لسير هذا كله، فهو المرآة التي تظهر الصورة في غير زيف.
وتاريخ الحضارة العربية، وخاصة تاريخ العصور الوسطى، يحفل بمجموعات الأدب الشعبي كقصص ألف ليلة وليلة وسيرة عنترة والظاهر بيبرس وسيف بن ذي بزن. والأدب الشعبي العماني واسع شامل متنوع، فعمان متعددة الأطراف ذات اختلاف كبير في عاداتها ومعتقداتها وتقاليدها وأهازيجها وشعرها الشعبي بشكل عام.
فعلى سبيل المثال إذا ما ذهبت إلى ساحل الباطنة ستجد على طول الشريط الساحلي مئات القرى والمدن لا تبعد الواحدة عن الأخرى بأكثر من عشرة إلى عشرين كيلومترًا وستندهش عندما تلاحظ أن سكان هذه القرى والمدن، بالرغم من قصر المسافة بينهم ـ يختلفون اختلافًا متباينًا في عاداتهم وتقاليدهم.
وربما يعود السبب في ذلك إلى ما كان سائدًا في الماضي من صعوبة المواصلات وتمزق المجتمع إلى وحدات منغلقة على نفسها تعتمد على الحمير والجمال في البر وعلى السفن الشراعية في البحر، ويكون الاتصال بين المنطقة والأخرى صعب المنال إلا للقادرين، وتنحصر الاتصالات على زيادات المجاملة وليس للاختلاط والاحتكاك والتمازج.
ما يؤدي إلى خلق العديد من الألوان واللوحات والأشكال الشعبية المختلفة في إيقاعاتها وأدائها بين مدينة عمانية وأخرى أو طرف وآخر من المدينة الواحدة.
إن مقالتي هذه لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تكون النافذة المطلة على الأداب والفنون والأعراف العمانية فهناك جوانب كثيرة من هذا التراث الذي لا يستطيع أن يكون سجلاً للشعر الشعبي العماني على مر العصور، ولا هو "شامل للتراث الشعبي في إحدى مناطق السلطنة" فهذا يحتاج إلى جهود وتضحيات بشرية ومادية هائلة، وهي مسئولية الدولة والشباب والعلماء والمنظمات العالمية.
إنما نحن نضيء شمعة في السرداب المظلم الموصل إلى الكنز العظيم، لنعطي الفرصة بعدنا لحملة المشاعل والمصابيح وما لفتة حضرة صاحب الجلالة ـ أيده الله ـ وتكليفه بالاهتمام بالشعر العماني إلا رغبة من جلالته ـ أعزه الله ـ لحملة هذه المشاعل والمصابيح للقيام بإحياء هذا التراث العظيم.
إن الشعر العماني يجمع بين بداوة الصحاري وطلاوة البحر وهو دائمًا مزيج من الصدق والحلاوة حين يقدم القيم والتجارب الإنسانية والحكم وهو ينشد مفتخرًا أو مادحًا أو منعزلاً. والجانب البدوي في الشعر العماني يمتد إلى العصور الجاهلية الأولى يوم كان عرب البادية يضربون في الصحاري والقفار ويواجهون المشاق والأخطار، متحلين بالصبر والشجاعة والكرم والنجدى والصدق والأمانة. والشاعر العماني يشهر شعره سيفًا في وجوه المعتدين ومظلة تحمي الأعراض وتزود على الأفلاج والرياض فيقول:
لا يأتي خلوًا الفعل شاني
أهلكوا اللي يعاديكم
لا باتي دمروا الخاين
المخمس في أياديكم
وهذا النوع من الشعر يسمى الهمبل وهو نوع من أنواع الرزحة فما الهمبل وما الرزحة ومن حق القارئ العربي خارج السلطنة ان يسأل هذا السؤال فإن المعلومات عن بلادنا لم تخرج إلى العالم إلا منذ سنوات قليلة مع المسيرة الظافرة بقيادة حضر صاحب الجلالة ـ حفظه الله ورعاه ـ.
ومن واجبنا أن نملك الصبر لتوضيح ما عندنا وعرض كنوزنا وللآلئ تراثنا المجيد. فما أكثر الدواوين التي ظهرت لشعراء النبط في الخليج العربي وأكثر منها دواوين الفصحى، ولكن الوضع يختلف بالنسبة للسلطنة، هذا البلد الذي عاش لفترة طويلة بعيدًا عن الأضواء معزولاً عن العالم، لا يكاد الآخرون يعرفون عنه غير اسمه ولا يعود ذلك بالطبع إلى ندوة الثروة الشعرية، نبطها وفصيحها. بل إلى أسباب أخرى، ما أدى إلى حفظ هذه الثروة في صدور الرواة أو حفاظ الشعر ولم يصل إلى المطابع.
أما الآن فإن المدينة تزحف زحفًا سريعًا إلى المناطق الريفية والبدوية وتعلو البنايات وتكثر المتاجر والمؤسسات المالية والاقتصادية وتدور آلات التصنيع، وهذا التقدم السريع يمكن أن يسحق تحت عجلاته، الفنون الشعبية، أليس حري بنا أن نسرع نحو حماية هذه الثروة الإنسانية الغالية. أما أساليب وصور الشعر الشعبي فأعتقد أنها لا تختلف في عمان عنها في منطقة الخليج فهي تكاد تكون متشابهة منذ القدم.

سالم بن محمد الغيلاني



أعلى






في كتابه: "هل اليهودية التلمودية دين؟ قراءة في كتاب إسرائيل شاحاك"
الباحث السوري سامي عصاصة: لا أتهجم على اليهودية ولكني أرفض التلمودية

دمشق ـ من وحيد تاجا:
هناك مقاطع من التلمود لا تصلح إلا كمبادئ لعصابات عنصرية ولصوصية دموية حاقدة أشد سوءا من كل تصوراتنا عن المافيا، فالمافيا لا ترتكب الجرائم إلا عند الضرورة من أجل المصلحة اما التلمودية فتدعو لإبادة الشعوب من أجل الابادة البحتة.. بهذه الكلمات بدأ الدكتور سامي عصاصة كتابه الهام: "هل اليهودية التلمودية دين؟ قراءة في كتاب إسرائيل شاحاك"، حيث يتعرض خلاله بالنقد والتحليل للتوراة، العهد القديم، مؤكدا انه لا يتهجم على اليهودية ولكنه يرفض التلمودية، كما انه يميز بين دين يهودي إنساني يعتمد على الوصايا العشرة وما يترتب عليها من قيم وتوصيات وأحكام، وبين التوصيات التلمودية التي لا يمكن لها أبدًا أن تمثل واحدة من الديانات التي تدعو إلى الخير منذ آدم وحواء حتى قيام الساعة. ليخلص إلى انه لا يجوز ائتمان أي يهودي يؤمن بحرفية ديانته لأنها غير إنسانية ولأنها تدعو إلى إبادة الشعوب. لافتا في الوقت نفسه انه لا يجوز التجني على كل اليهود بوضعهم في بوتقة واحدة لأنه يوجد بينهم أخيار يرفضون الوحشية في حرفية الديانة ويشجبون التفسيرات التلمودية الجائرة.
في دمشق التقينا الدكتور عصاصة وحاورناه حول كتابه المذكور وأسباب اختياره كتاب شاحاك وتطرق الحديث إلى التوراة والمعتقدات اليهودية ومسألة اليهود الخزر.
والدكتور سامي عصاصة باحث سوري مقيم في ألمانيا منذ خمسين عاما صدر له 21 كتابا منها: "أسرار الانفصال عن الوحدة السورية المصرية"، و"عربدة السياسة"، و"هل انتهت حرب الخليج"، و"وثائق حرب الخليج"، و"القرآن ليس دعوة نصرانية"، و"دور المخابرات الأنكلوأميركية في صنع الإرهاب"، و"أي إرهاب أدى إلى 11 سبتمبر؟"..
* حملت غلاف كتابك هجوما مباشرا على التلمودية واعتبرت انها لا يمكن ان تشكل قواعد لدين سماوي أو غير سماوي؟
** ان كل ما كتبته في كتابي لا يتجاوز الواقع المؤلم لجرائم الصهيونية قيد أنملة واحدة، ولعل أخطر ما في التعليمات التلمودية أنها لا تقيم وزنًا للحياة الإنسانية لغير اليهود، وأشير إلى أنني لم اكتب أي شيء إلا بعد التدقيق والتمحيص العلميين استنادا لمراجع اصلية من كتاب يهود مثل البروفيسور إسرائيل شاحاك (أستاذ الكيمياء العضوية في الجامعة العبرية، ورئيس سابق لمنظمة حقوق الإنسان في إسرائيل)، وامنون كابليوك (الصحافي والكاتب الفرنسي الإسرائيلي)، بالإضافة إلى استقراء دقيق لمراجع كثيرة واهمها النصوص التوراتية الأصلية في العهد القديم.
* ولماذا اعتمدت أساسا على كتاب إسرائيل شاحاك "الديانة اليهودية وتاريخ اليهود ـ وطأة 3000 عام"؟
** ان شاحاك هو صاحب الدفعة المباشرة التي فرضت على البحث في معتقدات اليهود وفي كتبهم التي يعتبرونها مقدسة لإبطالها، فشاحاك هو الذي جعلني اندفع للبحث في العهد القديم (التوراة) الذي يعترف به معظم يهود العالم، كي اتأكد من أنها محرفة وناقصة ومنقحة وفريدة حسب الأهواء، وحسب المتطلبات العرقية الأنانية وبما يتفق مع المصالح الخاصة للحاخامات. لقد وجدت لدى شاحاك خصوصا استشهادات أوردها في كتابه، كنا قرأنا مثيلا لها في الإعلام النازي نفسه ولم نعرها اهتماما لمجرد شكوكنا بمضمونها وبمصدرها النازي، أما وقد وردت على لسان رجل أكاديمي كبير يدين باليهودية ويعيش في قلب الكيان الصهيوني ويتبع في كتاباته أسلوبا علميا وإنسانيا بحيث لم يستطع عنده التطرف اليهودي من دحض مقولاته، ويذكر ان المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد هو الذي قدم للترجمة العربية لكتاب شاحاك.
* وما الذي تريد الوصول إليه من كتابك هذا؟
** يوجد لدي هدفان أصليان في الكتاب: الأول هو هز القاعدة التاريخية والدينية التي استخدمتها اليهود لتأسيس "إسرائيل"، فإذا تمكنا من زعزعة هذه الأركان واثبات زيفها وضحالتها وتجاوزها للحق والمنطق والتاريخ تمكنا من شغل الموقف الاكثر ثباتا في كل نقاشنا مع العدو. اما الهدف الثاني فهو اثبات واقع, لأن الديانة اليهودية التلمودية ليست بديانة على الإطلاق.
* كيف تهاجم الديانة اليهودية والإسلام يعترف بها؟
** انا لا أتهجم مطلقا على الديانة اليهودية, ولكن أميز بين ثلاث معتقدات يهودية, الأولى: هي اليهودية الصافية والأصيلة التي شوهها مدونو التوراة على مر العصور فقلبوا مضامينها رأسا على عقب فلم تصل إلينا سليمة على الإطلاق, واليهودية النقية لا تتعارض أبدا مع معتقد سيدنا إبراهيم التي اعترف بها القرآن الكريم وهي الوحدانية الحنيفية. ونحن لا نتعرض لها ونتعامل معها بكل قدسية واحترام ان عاد يهود العصر عن غيهم وابرزوا لنا الأصول الصافية السليمة الخالية من التحريف.
الثانية هي اليهودية التي تستند إلى العصر القديم: من التوراة, أي الجزء الذي يعترف به معظم يهود العالم وخاصة هؤلاء الذين يصرون على احتكار تسيير الشؤون الدينية اليهودية في "إسرائيل" وفي كل أنحاء العالم. وهي محرفة وناقصة ويكفينا دليل على تزييفها, هو عدم الاتفاق بين اليهود أنفسهم على صحتها حيث يقول البعض بأصلية الأسفار الخمسة الأولى فقط بينما البعض يعتبر البعض كل التوراة صحيحة لنجد ان البعض الآخر يحذف أسفارا بكاملها ويضيف أخرى بدلا منها.. وهكذا. ولكن الإثبات الأكبر نجده في التعامل مع التوراة مع الأنبياء في التاريخ الذي يعتز بهم القرآن الكريم والإسلام والمسيحية. فلقد أساء يهود العصر الحديث كثيرا إلى هؤلاء الأنبياء ووصفوهم بأوصاف نابية. وهذا أمر مرفوض.
إنما الثالثة: فهي الديانة اليهودية تلك التي تعتمد على تفسيرات التلمود الدموية الداعية الى الإبادة الجماعية أكثر ما تعتمد على التوراة المحرفة أصلا! وهي لا تقتصر على الهجوم على الأنبياء وإنما تدعو إلى احتقار كل الاغيار (أي كل من هو ليس يهوديا). ان هذه اليهودية التلمودية هي التي نرفضها, وقد تم إدانتها استنادا إلى نصوص من صلب تعاليمها.
* نقدك العنيف للعديد من نصوص العهد القديم, التوراة, يطرح سؤالا عما اذا لم نتجاوز حدودا لا يجوز المساس بها فيما كتب حول التوراة؟
** أتمنى مناقشة نقدي لصحة مضمون التوراة لدى اليهود بكل موضوعية بعيدا عن كل الحساسيات وبعدها يقرر جدية الاستنتاجات التي توصلت إليها من عدمها.
* تقصد نظرية تحريف اليهود للتوراة؟
** هذه ما أقصده وقد ضمنت الكتاب أمثلة مقتبسة حرفيا من التوراة لا يمكن لقارئ مهما بلغ من طول البال وسعة الأفق ان يتقبلها كنصوص دينية لأنها أكثر شناعة من ان يشملها كتاب مقدس.
* أشرت في كتابك إلى انه من اخطر الحقائق التي لا يجوز للعربي نسيانها اعتراف اليهود بان أكثريتهم العظمى من يهود الخزر؟
** الحق يقال بان جميع قيادة الكيان الصهيوني تقريبا هم من يهود الاشكيناز الذين لا يمتون ليهود التاريخ القديم في فلسطين بأية صلة، انهم مستعمرون حديثون أصلهم من قبائل الخزر الذين انتشروا في العالم بعد انهيار امبراطوريتهم في القرن الثالث عشر من مناطق الخزر (بحر قزوين) الى شرقي أوروبا ثم إلى غربها ومنها إلى الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية، وقد بدأ هذا الحدث بعد هزيمة شعوب الخزر التركية على يد مروان الثاني قبل ان يصبح خليفة عام 737 فاعتنقوا اليهودية عام 740 ليتخلصوا من الهجمات الإسلامية بعد ان أصبحوا من أهل الكتاب. ومنذ ذلك الوقت استطاعوا الالتفاف إلى تقوية أنفسهم وشكلوا امبراطورية لعبت دورا في التاريخ تحت اسم امبراطورية الخزر، وقد حاول قادة "إسرائيل" ومعظمهم من الخزر في الفترات السابقة إقناع بعض الفئات العلمانية في تركيا بأن ثمة فرصة لاستعادة امجاد الخزر في هذه الفترة من ضعف الوطن العربي المجزأ شر تجزئة.
* اشرت في كتابك الى قول لهرتزل ان اللا سامية لا تؤذي اليهود.. اني أرى فيها حركة مفيدة للطبائع اليهودية.. هل يمكن إيضاح ذلك؟
** اللا سامية ـ كما هو معروف ـ تعبير عن المواقف العدائية للشعوب الأوروبية تجاه المواطنين اليهود الذين يعيشون بينهم. وحين يرى هرتزل ان عدوانية الشعوب على اليهود لا تؤذي اليهود فلا بد ان له أسبابه التي يستفيد منها هو وحركته كلما أصيب اليهود بأذى. فان لم يتضرر اليهود لن يكون ثمة سبب لانعزالهم في داخل الفيتو وإنما سيعملون على التأقلم في داخل هذه المجتمعات حيث يعيشون، وهذا التأقلم يحرر اليهود من سلطة الحاخامات وهذا غير مطلوب، ولهذا يتسبب الحاخامات انفسهم بالعمل التي توقظ اللا سامية التي أكد هرتزل أنها لا تؤذي اليهود.
* ما هي النتيجة التي توصلت إليها من كتابك؟
** بعد الغوص في متاهات اليهودية والحاخامات توصلت الى مجموعة من النتائج التي لا يجوز إغفالها، منها: انه لا يجوز ائتمان أي يهودي يؤمن بحرفية ديانته لأنها غير إنسانية ولأنها تدعو إلى إبادة الشعوب. وهذا موثق من صلب التوراة والتلمود، ولا يجوز التجني على كل اليهود بوضعهم في بوتقة واحدة لأنه يوجد بينهم أخيار وأفاضل يرفضون الوحشية في حرفية الديانة ويشجبون التفسيرات التلمودية الجائرة، ولن يستطيع العرب مواجهة الوباء اليهودي التلمودي إلا بوحدة الصف وبتشجيع العلم وحرية الفكر وسيادة القانون واستقلال القضاء.



أعلى





أربعون فناناً يجسدون رمزية الاحتفاء بالعيد الوطني الأربعين المجيد
"شموس الخير" .. ملحمة غنائية تصدح بحب عمان وتجدد الولاء للقائد المفدى

جمعتها ـ هاجر محمد بوغانمي
الكمانجات القادمات من أندلس، تهدين سحر الشرق للوطن.. يهتز "الرومبه" .. تدوي "الرزحة" في أصقاع الأرض .. يحرك السماعي سواكنه على إيقاع "طبل النساء" .. تنهمر الشموس فرادى وجماعات .. يطلع في الليلة المقمرة نجم .. يرسم كلمة .. ثم يغيب .. يخرج من خلف الغيمة نجم آخر .. ينفث في صدر البيت كلمة .. ثم يغيب .. تتوالى النجوم .. بلغ العدّ حدود العيد .. الأربعين..
الأربعون نجما يتجاذبون أطراف الفرح .. الأربعين.. في صوت واحد:
بلاد لو تهون النفس .. عزيز ترابها ما هان
يزدحم العيد بومضات من الذاكرة الشعبية العمانية.. "العيالة".. "ابو الزلف" "الليوا".. "المديمه".. "المشعير".. "المدار".. "الدان"..
في أوبريت "شموس الخير" تتحد القلوب والأيادي والخامات الصوتية كي تقول للقائد العظيم: شكرا يا صاحب الجلالة.
وفي هذا العدد من "أشرعة" باحت أوبريت "شموس الخير" بأسرارها، ورددت أصواتها عبارات الولاء والعرفان كما لم تردد من قبل فكان التالي:


فكرة .. مشروع

حول فكرة الأوبريت ودوره في هذه الملحمة الوطنية قال الملحن والفنان فتحي محسن: فكرة الأوبريت تبنتها وزارة الإعلام وتمت دعوتي أنا والشاعر علي الرواحي لتقديم عمل غنائي يضم أربعين فنانا بعدد سنوات النهضة المباركة، وخلال اجتماعاتنا التحضيرية بمقر الوزارة دار النقاش حول مدى إمكانية وجود أربعين فنانا في السلطنة في المرحلة الحالية، والشكل الفني الذي يفترض أن يظهر به العمل هل هو عرض مسرحي كبير أم أوبريت مسرحي درامي مصور، بالإضافة إلى العديد من الأفكار التي تم طرحها في هذا الموضوع لنصل إلى اتفاق في النهاية على أوبريت (أغنية واحدة) تصوّر فيديو كليب ومدتها 55 دقيقة ، وكان الأمر بالنسبة إلي تحد كبير وأيضا مغامرة لأن أي خطأ قد أرتكبه سأظلم به الفنان أو ربما أظلم به نفسي أو أظلم الفن الذي سأقدمه، من ناحية أخرى وجدت أن التجربة جديرة بأن أخوضها لأن الأمر يتعلق بأربعين فنانا وبمجموعة كبيرة من الفنون الشعبية العمانية (قرابة 11 لوحة) ووجدتني أتعامل مع شريحة من الأصوات المختلفة من النساء والرجال، وكان لابد أن تخرج هذه الأصوات بشكل مرضي خصوصا وأن الميزانية التي رصدت للعمل كانت كبيرة، والمسؤولون بوزارة الإعلام كانوا هم أيضا على قدر من المسؤولية، وتعاملوا مع الموضوع بأريحية طالما أن الأغنية العمانية والفنانين العمانيين سيظهرون بمستوى راق.. كل هذه العوامل شجعتني على خوض التجربة التي لم تكن الأولى في رصيدي الفني لأنه سبق وأن لحنت العديد من الأوبريتيت والأعمال التلفزيونية.

بين الكلمة واللحن

وتابع فتحي يقول: بدأت تلحين العمل منذ شهر يوليو الماضي وكان ذلك بالتوازي مع كتابة الكلمات التي أبدع في رسمها الشاعر علي سالم الرواحي وهو شاعر أجاد في الفصيح والنبطي، ولديه فسحة كبيرة من الخيال.. وقد جمعتني بهذا الشاعر العديد من الأعمال الموسيقية في السابق، وربما ذلك ما خول لنا العمل في جو من الانسجام والتفاهم.

أربعون شمعة.. أربعون فنانا

وفي سؤال حول معايير اختياره للفنانين قال فتحي محسن: كملحن تعاملت مع أغلب الفنانين وأنا متابع لمستجدات الساحة الفنية التي تزخر بعدد كبير من الفنانين المعروفين على المستويين المحلي والخليجي، وهناك أصوات جديدة ومواهب شابة تعرفت إليها في لقاءات تلفيزيونية وإذاعية، وبالتالي المهمة كانت سهلة.. والطريف أنني تقدمت للوزارة بقائمة من سبعين إسما اختير منها أربعون.. عشرةٌ منها ظلت على سدة الاحتياط.. ولكن الإشكالية التي واجهتنا في عملية الاختيار هي أن العديد من الأصوات المهمة والمعروفة على الساحة لم يتسن لها المشاركة بسبب ارتباطاتها الفنية والأسرية، فلجأنا إلى بدائل بعضها كان جيدا والبعض الآخر كان مقبولا، ولكن بشكل عام الجميع أدوا ما عليهم في وقت قياسي حيث قدم كل فنان دقيقة فقط أي بمعدل أربعين دقيقة لأربعين فنانا، بالإضافة إلى 15 دقيقة ما بين موسيقى وكورال.. ومن الفنانين القدامى من كلف نفسه عناء السفر ومشقة الطريق من أجل أن يشارك في هذا العمل الوطني بغض النظر عن المقابل المادي..

إحدى عشرة لوحة

وحول اللوحة الافتتاحية قال محسن: كانت عبارة عن تمهيد أو استهلال أوركسترالي على إيقاع موسيقي دارج في الجزيرة العربية وهو إيقاع البستة أو "الرومبه" .. وأحيي بالمناسبة نشوان طلال من العراق الذي ساعدني في التوزيع الموسيقي لهذه اللوحة، حيث وظفنا الآلات الأوركسترالية وأسلوب العزف الاوركسترالي وأضفينا على الأوبريت الطابع العالمي كي نبين أنها جزء من ثقافتنا.. واللوحة الثانية هي لوحة الرزحة وهو من الفنون الرجالية.. واللوحة الثالثة من فنون "الدان" وبالتحديد إيقاع الزفة وهي من الفنون الرجالية والنسائية، ثم لوحة "العيالة"، ولوحة "ابو الزلف" وهي من الفنون النسائية المشهورة في السلطنة، ولوحة "الليوا" ولوحة "المديمه" وهو فن مشهور في السواحل، ولوحة "المشعير" وهي من الفنون التي يؤديها الأطفال والنساء دون إيقاع ولكننا أخذنا الجمل الأساسية وأضفنا إليها جملا لحنية مبتكرة.. وفي لوحة "المدار" اعتمدنا ايقاع هذا الفن وروحه وجددنا في اللحن، وفي لوحة "العازي" قدمنا قصيدة جديدة وحافظنا على اللحن، وختمنا بأغنية وظفت فيها إيقاع السماعي الثقيل وهو من الإيقاعات العربية الجميلة التي تستخدم في الموشحات كاستهلال طبيعي للدخول في الأغنية وأضفت إليه الإيقاع العماني السريع الذي يسمى بإيقاع "طبل النساء"، كما وظفت بعض الإيقاعات الدارجة في الخليج العربي أو اللغة البيضاء في الموسيقى وجعلتها تتداخل مع الموروث الغنائي العماني ومع الخصوصية العمانية، وحرصت على أن تكون هناك جمل لحنية مبتكرة متشابكة مع الجمل اللحنية التراثية حتى أقدم الأسلوب الحديث في تناول التراث وهذا ما يسمى بتحديث التراث الموسيقي.

شكرا.. كلمة ولحنا..

أما الشاعر علي الرواحي صاحب كلمات "شموس الخير" فوصف القصيدة قائلا: إذا أردت أن أختصر ما تعنيه "شموس الخير" فإني سأقول: هي كلمة "شكرا" لجلالة السلطان ـ حفظه الله ورعاه ـ شعرا ولحنا وتوزيعا موسيقيا وإخراجا .. على مشروع نهضوي تاريخي.
وحول الأوبريت قال الرواحي: اشتمل العمل على عشرة فنون شعبية إضافة إلى بعض الألحان الجديدة والإيقاعات العربية المعروفة كإيقاع السماعي الثقيل.. إضافة إلى هذين الوجهين للموسيقى كان لابد من مستوى لغوي بسيط مع الحفاظ على المستوى الشعري.. لقد كانت الأوبريت تحد مشتركا بيني وبين الملحن فتحي محسن للحفاظ على المستوى الإبداعي الذي يستصيغه المشاهد والمستمع..
أما عن الأصوات المشاركة في العمل فقال: الأربعون فنانا هم أربعون تجربة فنية مختلفة وهذا الاختلاف يحتاج إلى تعامل مختلف مع الكلمة من جهة ومع الطبقة الصوتية من جهة ثانية، والتحدي الكبير هو تحدي ذائقة لأننا أمام جمهور يريد أن يشاهد عملا فنيا بينما يريد طاقم العمل والمخرجة أن يقدموا عملا وطنيا.

لقاء الأجيال

من ناحيتها قالت مخرجة العمل أمل الكثيرية: جمعت الأوبريت بين ثلاثة أجيال من الفنانين: الجيل القديم، والوسط والجيل الجديد، والجميل في العمل أن بعض هؤلاء الفنانين شاركوا في اللوحات التي أدتها الفرق الشعبية، وهذا أمر في غاية الأهمية لأنه يدلل على مدى ارتباط الفنان العماني بتراثه الفني..

مضامين وأبعاد

وتابعت الكثيرية تقول: جميع اللوحات كانت تحيل إلى مضامين وأبعاد تتجاوز الصورة أو الحركة أو الأداء إلى شيء أعمق يتخفى وراء الإنجازات التي تحققت على يدي مولانا حضرة صاحب الجلالة ـ حفظه الله ورعاه ـ وبالتالي فإن اختيار اللوحة لم يكن اختيارا اعتباطيا بقدر ما كان موظفا ومدروسا، وكان هدفنا أن نقدم شيئا ذا قيمة للوطن الغالي والقائد المفدى.. أنا سعيدة جدا بهذا العمل الذي أتاح لي فرصة الالتقاء بأربعين فنانا بغض النظر عن أقدميتهم في الميدان أو جدتهم، بالإضافة إلى أن تجربة الأوبريت نفسها تجربة جديدة بالنسبة إلي كمخرجة، والأمر الثالث أن التحدي ليس في العمل في حد ذاته بقدر ما هو في كيف ترسم صورة وتنفذها على الواقع.

فخر واعتزاز

الموزع الموسيقي رائد الفارسي تحدث عن مشاركته في "شموس الخير" قائلا: شاركت في العيد الوطني الخامس والثلاثين بأوبريت "مواكب النور"، ثم تكررت التجربة مع "شموس الخير" بعد خمس سنوات أي في احتفالاتنا بالعيد الوطني الأربعين ولم تزدني المشاركتان إلا فخرا واعتزازا بانتمائي إلى الوطن الغالي وبولائي للقائد المفدى..

لوحات الفنون

وأضاف الفارسي: كُلفت بتوزيع لوحات الفنون العمانية التقليدية الثمانية بينما تكفل زميلي نشوان من العراق بالافتتاح والختام .. إن مثل هذه الأعمال تتطلب عناية كبيرة في مستوى تنسيق الفنون وتوزيع الجمل الموسيقية وهي تجربة جديدة حاولنا تقديمها بشكل حديث حيث أضفنا بعض "الروتوش" الموسيقية مثل توزيع الوتريات الحديثة، بمعنى أننا أخذنا القالب نفسه وأضفنا إليه لمسات حديثة.. وأنتهز هذه الفرصة لأرفع أجمل التبريكات والتهاني لحضرة صاحب الجلالة حفظه الله ورعاه.
أما الفنان ماجد المرزوقي فقال :أغلب الفنانين الذين شاركوا في الأوبريت لديهم حضور عربي وخليجي، وأنا سعيد جدا بمشاركتي في "شموس الخير" وكنت أتمنى أن يظهر العمل بمستوى إخراجي أفضل مما قُدم.

إضافة حقيقية

من جهته عبر أيمن الناصر عن سعادته بتواجده ضمن مجموعة "شموس الخير قائلا: كنت محظوظا لأنني أول من سجل في هذا العمل وأنا راض تمام الرضا على "الكوبليه" الذي قدمته .. وكمشاركة أعتبرها إضافة حقيقية لرصيدي الفني، باعتبار حجم العمل وضخامة العدد الذي جسده فنيا، ووجودي ضمن أربعين فنانا من مختلف الأعمار والتجارب والخبرات يمثل بحد ذاته حافزا كبير لكل فنان كي يقدم الأفضل على مستوى الأداء.

إنجاز كبير

وقال يحيى الرواحي في الموضوع ذاته: "شموس الخير" إنجاز كبير لفرقة فن العازي وكان هدفنا أن نقدم الفرقة لدى الجمهور العماني العريض في هذه المناسبة الوطنية العزيزة على قلوبنا.. الإضافة كانت في مستوى اللحن والأداء فن العازي كان بلبس موحد والمصر موحد.
أما الفنان القدير عوض حليس فتحدث عن مشاركته قائلا: بعد تلقينا خبرا من الوزارة بالمشاركة في أوبريت للعيد الوطني الأربعين المجيد وهي مناسبة نعتز بها جميعا شاركت في العيد الوطني الأول وأفتخر بأنني أشارك في العيد الأربعين.
وقال خالد الفيصلي: الشكر موصول لوزارة الإعلام وللأستاذ فتحي محسن، وهي مناسبة وطنية الجميل فيها التقاؤنا بفنانين قدامى وفنانين جدد وهذا العمل يخدم الفنان العماني ويوثق له.

لقاء استثنائي

من جيل الثمانينيات باح محمد المخيني بسر مشاركته في الأوبريت حيث قال: لم تقنعني الفكرة في البداية لأنه لا يوجد في اعتقادي شيء اسمه "أربعون" فنانا لأن عُمان ولادة، وإذا أردنا أن نحصي عدد ما أنجبت هذه الأرض من مبدعين في مجالات الثقافة التي لا حصر لها فسنقول حتما(40 شاعرا) و(40 ملحنا ) و(40موسيقيا) إلخ.. ولكن بعدما تجسدت الفكرة على أرض الواقع أحسست بشيء من الرضا وراحة البال خصوصا وأن الأمر يتعلق بلقاء استثنائي مع جيل السبعينيات وجيل التسعينيات والجيل الجديد وانا واحد من جيل الثمانينيات .. هذا اللقاء أسفر عن ملحمة جميلة التقت فيها الخبرة بالطموح وهذا ما أسعدني لأنني كنت ضمن من حباهم الله بهذه المناسبة العظيمة وشرفت بمعية زملائي الفنانين بالمشاركة في هذه الملحمة الوطنية التي تتجاوز حدود الوصف، وأتمنى أن يكون لدينا في المستقبل مساحة زمنية أكبر وأحيي المخرجة لأنها كابدت من أجل عمل لم يكن أبدا بالسهولة التي يعتقدها البعض..
مضيفا قوله: قدمت للوطن أغنية "نسل السلاطين" من كلمات محمد البوسعيدي وألحان عادل المسيلم من دولة الكويت، وانتهيت مؤخرا من تصوير أغنية "منتهى الإلهام" بصور وهي من كلمات ناصر البدري وألحاني، بالإضافة إلى أغنية وطنية ثالثة بعنوان "عرفان" كلمات خميس المقيمي وألحان السيد شبيب.

عمل محلي

من بين الفنانات الشابات تحدثت ليلى نصيب عن مشاركتها في العمل قائلة: أوبريت "شموس الخير" هدية من الشعب العماني لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ولهذا البلد الذي نحن مدينون له بأرواحنا وأفئدتنا ومهما قدمنا له فإننا لن نفيه حقه.. أنا أعتبر الأوبريت عملا وطنيا محليا كلمة ولحنا وإخراجا وهي تجربة أضافت لرصيدي الفني بصمة ولمشاعري تجاه وطني فخرا واعتزازا..
وأضافت ليلى: إلى جانب "شموس الخير" قدمت أغنية وطنية بعنوان "قبلة الشمس" كلمات مسلم الحمر وألحان مسلم الكثيري وهي من إنتاج تلفيزيون سلطنة عمان.

مساحة للاعتراف

أما هدى الخنبشية فقالت: هي مشاركة وطنية بالدرجة الأولى وهي هدية بسيطة لباني الوطن في مناسبة أقل ما يقال عنها إنها غالية علينا جميعا.. والجميل في العمل ذلك اللقاء الذي تم بين أجيال مختلفة من الفنانين والموسيقيين رغم أننا لم نكن نلتقي إلا في أوقات التصوير .. التجربة جميلة والتعامل مع المخرجة أمل الكثيرية كان تعاملا راقيا وفي منتهى الحب لهذه الرسالة التي جمعت بين الفنانين في مساحة للاعتراف بالولاء والعرفان لباني الوطن.
من جهتها قالت سميرة الطوقية: تعودت اختيار خطواتي ودراستها قبل خوض أي عمل أو مشروع فني مهما كان حجمه إلا أن عنان العادة استسلم هذه المرة للوحة شاركت في رسمها مع تسع وثلاثين فنانا من أجيال مختلفة، ولم يسعفني حبي لهذا الوطن وولائي لقائده المفدى أن أظهر ترددا في الموافقة على دعوة المخرجة أمل الكثيرية للمشاركة في الأوبريت بل وافقت كما لو أني كنت أنتظر هذه الدعوة وكنت سعيدة جدا بوجودي ضمن المجموعة.

قصيدة .. لعيد آخر

جئنا نقبلُ هذي الأرض من شغـفٍ
فما نلامس إلا المجد و الشهــبا
إن كانَ للمجد يوماً والعُلا نســبٌ
فما لغيرِكَ منسوباً ومنتســــبا
ماذا سنهديك هذا اليـوم يا وطـني
وأنـت أعظـمُ ممـا قيل أو كُتِـبا
فيا عمان خـذي أرواحنا قبـــلاً
تعانقُ الأرض والتاريخ والحقبــا
قابوس أهدى بنيك اليـوم معـجزة
ترنو لها الشمسُ والأقمـارُ والدولُ
راياتها في ذرى الجوزاء تنشـرها
وللســـلام صدى أفعالـها زحلُ
أفضى إليها بسر المـجد فارتسمت
على رباها نجوم النصرِ والشـعلُ
في كل شبـرٍ بها عـيدٌ ومفخـرةٌ
كأنها فَلَـــكٌ بالعــزِ مكتمـلُ
هل في القلوب سوى نجواكَ تغمـرنا
وفي السماء تثيرُ العطر والسحبــا
قابوسُ شكراً فـدى ما تطلبُ المـقلُ
شكــراً تفيض بعطر حروفه الجملُ
قطعـــتَ وعداً له السبعون شاهدةٌ
والوعــدُ يشهــدُ والأيام والأمـلُ
ونحـــن خلفَ نداك الحــر يُلهمنا
والمجدُ خلفكَ والإخلاصُ والعمـــلُ
أنجزتَ وعدكَ ، لا قولٌ ولا صخبٌ
و الأربعـــون شموسُ الخيرِ تبتهلُ

أعلى





فطر مسموم في حقل الثقافة الإنسانية

بتُّ على قناعة أكيدة، وقد أتيت على نماذج كثيرة، وكثيرة جداً من الأدب الصهيوني، أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عدواني، عنصري، ديني، مغلق، يؤمن بالتفرد والتفوق والسيادة للعنصر اليهودي، مثلما يؤمن بأن الآخر، أياً كانت هويته أو دينه أو جغرافيته، أو ثقافته هو من فصيلة (ال[وييم) التي تعني العوام، الجهلة، العبيد، الخدم، الـ (دون).. فالذهنية الصهيونية، وهي ذهنية مؤسسة على الأفكار السياسية والعقائدية، لا تفترق عن الذهنية الدينية اليهودية المغلقة إلا في تعبيرات القول، وما تقتضيه موجبات السياسة والحضور الإعلامي، بقولة أخرى لم أر فوارق جوهرية وأساسية ما بين المنطوق الصهيوني والمنطوق الديني إلا في الصورة، أما المؤدى والفحوى فهما واحد، والمرامي والأهداف واحدة. أقول هذا لأنني آمنت بأن الثقافة الحقيقية هي التي توجد الفارق ما بين الثابت والمتحول، والجوهري والنافل، والمتن والهامش، والفعل والقول، والأصيل والدخيل.. لا شيء مثل الثقافة يبدي الفوارق ما بين الجعجعة والطحن، وما بين الظاهر والمستبطن.. لذلك ذهبت إلى الثقافة الصهيونية فاحصاً ومتأملاً، وقارئاً، ومحللاً كي أرى الفارق ما بين منطق الرواية الصهيونية ومنطق الـ"F16"، وما بين رؤى القصيدة ورؤى بن جوريون، وتقاطر المشاهد الإبداعية في المسرحية وتقاطر المشاهد الدموية في قطاع غزة أو الجنوب اللبناني.. غير أنني وكلما تعمقت أكثر في قراءة الشعر الصهيوني المكتوب قبل قيام (إسرائيل) وفي أثناء تأسيسها، وما بعد التأسيس والأمر نفسه ينطبق على النصوص السردية.. رأيت الأمور الآتية والتي لها معاضدة حاشدة ومشابهة في الأجناس الأدبية الأخرى (الرواية، القصة القصيرة، المسرحية، أدب الأطفال):
أولاً: تسيّد الروح الدينية للنص الأدبي الصهيوني لأن أطيافه تجول داخل القصيدة مثلما تجول القطعان في المراعي، بحيث يصير الروح الدينية هو المرجعية، ونقطة الانطلاق لأي هدف أو غاية. فالتاريخ داخل القصيدة الصهيونية هو تاريخ ديني، والاجتماع داخل القصيدة الصهيونية هو اجتماع ديني، والمعاني داخل القصيدة الصهيونية هي معان دينية، والتربية داخل القصيدة الصهيونية هي تربية دينية، والنوازع داخل القصيدة الصهيونية هي نوازع دينية، وحال التفوق اليهودي التي تؤمن بها القصيدة الصهيونية هي حال التفوق الديني عينه.
ثانياً: العنصرية، وروح الاستعلاء.. هما أكثر صفتين وضوحاً وإبانة في القصيدة الصهيونية.. فالادعاء، والاستحواذ، والأنانية، والتفوق، والسيادة.. هي صفات متلاصقة بالشخصية الصهيونية، في حين أن صفات الغدر، والجبن، والخسة، والنذالة، والعبودية هي صفات لاصقة بالشخصية العربية على الإطلاق.. إن العنصرية الصهيونية هي الماء الذي تسبح فيها أسطر القصيدة الصهيونية، وهي الخُطى التي تمشي بها نحو غاياتها وأهدافها، وهي الهواء الذي تتنفسه.. بل لا تكاد العين الرائية الفاحصة للقصيدة الصهيونية ترى شيئاً ملحاً في الحضور والتكرار والمناوبة مثل الروح العنصري الذي يبدو مثل سؤال لجوج لا يكف عن الترداد والصخب واللجاجة.
ثالثاً: تشكو القصيدة الصهيونية من عدم الصفاء والوضوح، فهي بلا بكورية، وبلا فطرة، وبلا نقاء.. ذلك لأن أنفاس الثقافات الأخرى تغرقها بالتأثيرات الوافدة، فالقصيدة الصهيونية التي يكتبها اليهودي الروسي هي قصيدة ذات أنفاس روسية في الثقافة والاجتماع والصوغ، والقصيدة الصهيونية التي يكتبها اليهودي الحبشي هي قصيدة ذات أنفاس أفريقية في المعطى والدلالة والرموز، والقصيدة التي يكتبها اليهودي البولندي هي قصيدة مستلة من الثقافة الغربية في النهج، والإيقاع، والصورة.
إن المشترك الثقافي ذا الأنفاس المتعددة في رؤاها وغاياتها.. هو الأكثر بدواً ووضوحاً في القصيدة الصهيونية، فهي قصيدة مستلبة ثقافياً، قصيدة لا تعرف الصفاء أو الإبداع النابعين من جوانيتها.. وإنما هي قصيدة استتباع وإلحاق بقصائد أخرى سابقة عليها تشكل المرجعية الأساس لها من الناحية الفنية.
وأرى أنه، وقبل الخوض في بيان صورة العربي، أو الفلسطيني، أو (الاسماعيلي) كما تحب الثقافة الصهيونية تسمية (العربي) داخل الأدب الصهيوني أرى أنه لا بدّ من الوقوف على التعريفات الأربعة الآتية:
أولاً: يقصد بالأدب الصهيوني الأدب الذي يتبنى الفكر الصهيوني القائل بالتفوق، والسيادة والتميز للعنصر اليهودي من جهة، والقائل بأن فلسطين هي الأرض التاريخية لليهودي، وأن العمل على تجميع اليهود وعودتهم إلى هذه الأرض هو الهدف والأصل للحراك الصهيوني من جهة ثانية. وهذا الأدب قد يكتبه اليهودي (تبعاً للديانة اليهودية) وقد يكتبه غير اليهودي كالانجليزي، أو الروسي، أو الأميركي.. الذي يناصر العقيدة الصهيونية والفكر الصهيوني. وقد يكتب باللغة العبرية أو بغيرها من اللغات العالمية.. لأن المهم هنا هو الفكر الصهيوني والدعوة إليه.
ثانياً: الأدب الإسرائيلي وهو الأدب الذي كتب بعد قيام (إسرائيل) في عام 1948، أي الأدب الذي استحوذ على صبغة الدولة والسيادة، وهو أدب يتبع المرجعية المكانية ويدور حول تأسيس (إسرائيل) وقيامها والدفاع عنها، والمعطيات والظروف والمشكلات التي واجهتها.
الأدب العبري، وهو الأدب المكتوب باللغة العبرية تحديداً، أي الأدب الذي أراد أن يجعل من اللغة عنصراً مؤسساً لـ(إسرائيل) كدولة من جهة، ولثقافتها كمرجعية من جهة أخرى.
رابعاً: الأدب اليهودي، وهو الأدب الذي يمثل الدائرة الأوسع لكل التسميات السابقة (الصهيونية، الإسرائيلية، العبرية)، ذلك لأن مرجعية هذا الأدب هي مرجعية دينية واسعة تضم بين تضاعيفها ما قالت به الصهيونية، وما قالت به التوجهات الإسرائيلية، وما أرادته اللغة العبرية.. وهو أدب يستند في مرجعياته كلها إلى المرجعية الدينية، أي إلى الدين اليهودي بوصفه المنطلق والكينونة في آن.
وهذه الآداب، على اختلاف مسمياتها وتوصيفاتها، تتشارك في أمور عدة، لعل في طالعها:
1ـ أنها جميعاً مؤمنة بالمرجعية الدينية التي يمثلها الدين اليهودي.
2ـ القناعة المطلقة بأن العالم كتلتان: واحدة تخص اليهود/ الأسياد، والثانية تخص الجوييم/ العبيد، وللعبيد أدوار لابدّ لهم من أن يقوموا بها تجاه الأسياد/ اليهود.
3ـ الإيمان الكلي بأن أرض الفلسطينيين هي أرض اليهود التاريخية، وأنه لا يوجد شعب اسمه الشعب الفلسطيني، وإن كان هذا الشعب موجوداً فقد حدث هذا في سهوة من اليهود ومن التاريخ البشري أيضاً.
4ـ التوكيد الدائم على أن اليهود تعرضوا خلال حقب تاريخية متعددة، لويلات ونكبات وظلم.. لعل آخر موجهاتها تلك التي حدثت في أثناء الحرب العالمية الثانية على يد هتلر.
5ـ الدعوة الملحاحة على ضرورة عودة اليهود إلى (أرض الميعاد)/فلسطين.. ليس بوصف هذه العودة عودة سياسية/قومية/، وإنما بوصفها وجهاً مهماً من الوجوه المتممة للإيمان اليهودي، فالإيمان اليهودي يظل إيماناً ناقصاً إن لم تتم مثل هذه العودة إلى أرض (إسرائيل) كما يدعون.
بعد هذه العتبة.. أقف عند الصورة التي بدا عليها الفلسطيني أو العربي في الأدب الصهيوني. ومنذ البدء أود الإشارة إلى أن الفلسطيني قد لا يسمى بالفلسطيني داخل النص الأدبي الصهيوني، والعربي قد لا يسمّى بالعربي أيضاً وذلك لأن الكتَّاب الصهاينة، ومن منطلق ديني، يسمون العربي والفلسطيني بـ (الإسماعيلي) توكيداً على نظرتهم الدونية التي تخلص الفلسطيني من صبغته الفلسطينية الوطنية، وتخليصاً للعربي من صبغته القومية أيضاً.
صورة (الإسماعيلي)، أي الفلسطيني والعربي، في الأدب الصهيوني ظهرت عبر تجليات عدة، أخذةً بالحسبان المراحل الزمنية التي ظهر خلالها الأدب الصهيوني..
فـ (الإسماعيلي) في الأدب الصهيوني قبل قيام (اسرائيل) هو شخصية غاصبة، متوحشة، قاتلة، بربرية، ومتعدية على الدوام، شخصية لا تراعي ذمماً أو حقوقاً أو مرجعيات دينية، شخصية لا ثقافة لها سوى ثقافة القتل والتوحش والبربرية، شخصية غامضة، وكريهة، لا تؤمن بالحوار، ولا بحقوق الآخرين، شخصية نهّابة سفاكة للدم، عقيدتها الجوهرية قائمة على القتل والخيانة.
في مرحلة قيام (إسرائيل) أصبحت الشخصية (الإسماعيلية) شخصية موسومة بالغدر، والسرقة والجبن، والمذلة، والخسة، والكراهية، شخصية منفرة.. تلصق بها الأفعال المقززة التي تبعد الإنسان من الدائرة البشرية تنحيةً إلى الدائرة الحيوانية، شخصية لا حول لها ولا قوة، مطبوعة على النذالة والغدر والخيانة.
فيما بعد، أي بعد سنوات من قيام (إسرائيل)، تحسنت صورة (الإسماعيلي) في الأدب الصهيوني فصارت تُشكَّل على هيئة: حارس، أو عامل بناء يعتمد في كل حياته على قوته الجسدية، أو دليل يعرف الأمكنة فيرشد إليها، أو تابع لا عمل له سوى تنفيذ الأوامر، أو خادم في مطعم أو ملهى، أو كناس في الشوارع، أو عامل في مجارير أو شخص لا يقيم أي اعتبار للمواعيد، والعهود.
وللتمثيل أقول: لقد أقام روائي إسرائيلي اسمه عاموس كينان روايته (عين حارود) أي عين جالوت، على شخصية عربية لا دور لها سوى أن تقوم بدور الدليل الذي يرشد القادة الإسرائيليين إلى الأمكنة غير الظاهرة منها أي الأمكنة المستبطنة مثل (المُغر)، ويظل (الإسماعيلي)، ولا اسم له سوى هذا الاسم، يعمل دليلاً وخادماً وملبياً للرغبات الإسرائيلية وكأنه كائن بشري رماه الله في الطريق اليهودية كي يخدم اليهود وينفذ أوامرهم. وفي رواية يزهار سيملانسكي (خربة خزعة) وهو من الروائيين الاسرائيليين الذين ظهروا مع بدايات قيام الكيان الصهيوني، يصف الشخصيات العربية، أو الفلسطينية، وهي تغادر قراها تحت الحراب الصهيونية بأنها شخصيات أشبه بالجرذان الهاربة من (القط الكبير/ الاسرائيلي) وهي طي ذعرها وخوفها، شخصيات عاجزة عن الدفاع عن بيوتها وحقولها، بل عاجزة عن الدفاع عن حقها في الحياة وذلك لأنها (كما تدعي الرواية) تعرف جيداً بأنها اغتصبت الأرض اليهودية ولا حق لها في الوجود فوقها.
وفي أدب الأطفال الذي كتبه الصهاينة نقرأ الكثير من القصص والقصائد التي تحدث عن الفلسطيني القذر، الهمجي، البربري، الغدار، العبد، السارق، من هذه القصص قصة تروي أن أباً إسرائيلياً خرج بصحبة ابنته الصغيرة للنزهة بوساطة سيارته مساءً، وقد كانت الليلة مقمرة والقمر تاماً أو شبه تام، وكان الأب يقول لابنته انظري إلى القمر ما أجمله، تابعي حركته ومسيره في السماء، وكانت الطفلة تراقب القمر فعلاً.. وبعد أن قطعا مسافات طويلة بوساطة السيارة تسأل الطفلة أباها: أبي لماذا القمر يرافقنا ويدور معنا، يمشي بموازاتنا وينظر إلينا؟! فيجيب الأب: لأنه قمرنا. وفي ليلة أخرى وبعد مرور أيام يخرج الأب كعادته مع ابنته للنزهة الليلية، وقد غاب القمر.. فتسأل الطفلة أباها: أبي أين القمر/قمرنا إنني لا أره في هذه الليلة؟ فيجيب الأب بأسى: لقد سرقه الفلسطينيون يا ابنتي. فتغتم الطفلة وتنخرط بالبكاء.. هذه هي صورة الفلسطيني في الأدب الصهيوني، وهذه هي النوازع التي يريدون زرعها في نفوس أبنائهم.
وفي قصة أخرى يأخذ أب طفله الصغير إلى مزرعته وهي في موسم القطاف.. فيمشي معه وسط أشجار التفاح، فيبتهج الطفل بحبات التفاح، ويقول لأبيه وهو يشير إلى حبات التفاح: هذه لي.. وهذه لي، هذه شجرتي، والتفاحات الحمر تفاحاتي ويقوم بكتابة أرقام ويعلقها بحبات التفاح.. انتظاراً لنضجها، وتشاء الظروف أن يقع الطفل مريضاً فلا يتعافى من مرضه إلا بعد مرور أسابيع، وحين يطلب الطفل زيارة المزرعة، يأخذه أبوه إليها، فيجد أشجار التفاح خالية من الثمر، لأن الموسم انتهى، فقد تم قطف حبات التفاح وبيعها، والأرقام التي كتبها وعلقها على حبات التفاح طارت وبعثرت.. فيسأل الطفل أباه: أين تفاحاتي الحمر، من أخذها وأين أرقامي التي كتبتها؟! فيجيب الأب بكل الطمأنينة والأسى: سرقها الفلسطينيون ليلاً يا بني.. فيشتم الطفل ويلعن لأن الفلسطينيين، كما أوهمه أبوه، لم يعتدوا على المزرعة وحسب، وإنما سرقوا تفاحاته... وبعثروا أرقامه، أي عاثوا فساداً في الأرض، وألغوا خصوصيته ولم يحترموا طفولته!.
وفي قصة أخرى يرى طفل كومة من القمامة في أحد الأحياء، ومجموعة من السكان الإسرائيليين يتجمعون بقربها، وقد علا صياحهم، وبدا الغضب عليهم.. فيسأل الطفل أباه عن الذي يحدث، ولماذا السكان غاضبون. فيقول الأب: إن الفلسطينيين رموا أوساخهم في الحي ويريدون الإساءة إلى السكان كي يتهموهم بالوساخة والقذارة، فيلعن الطفل ويشتم، وفي طريق العودة، يمر الأب وابنه بالقرب من مكان القمامة فلا يجدانها، فيسأل الطفل أباه عنها، فيقول: لقد أجبر السكانُ بعضَ الفلسطينيين على أخذ القمامة ورميها بعيداً. ويسأل الطفل وماذا يعمل الفلسطينيون يا أبي؟! فيجيب: إنهم عمال نظافة، لا عمل لهم سوى كنس الشوارع، ورفع القمامة، وحملها إلى البعيد البعيد. إنهم خدم يا بني!.
ها هي ذي صورة الفلسطيني في الأدب الصهيوني الموجه إلى أطفالهم، وهذه هي النوازع التي يريدون زرعها في نفوس أولادهم.
إن فعل الكراهية، والعداء، والعنصرية، والأنانية.. هي من أبرز التوجهات التي يتبناها الأدب الصهيوني في علاقته مع الآخر/الفلسطيني، وهي علاقة عدائية، كارهة، نابذة.. وصفات مثل الخيانة، والغدر، والجبن، والنذالة، والقذارة، والسرقة، والبربرية، والتوحش، وعدم الوفاء، والكسل، والجهل.. إلخ هي الصفات التي يريد الأدب الصهيوني إلصاقها بالفلسطيني، ولهذا أرى، وبعد قراءة متأنية للأدب الصهيوني، الأمور الآتية:
1ـ إن الإطلاع على الثقافة الصهيونية، والأدب الصهيوني جزء منها، أمر ضروري جداً من أجل أن يقف المثقف العربي.. على غايات هذا الأدب ومراميه والتي لا تقل في همجيتها وعدائيتها عن الأفعال البربرية التي تقوم بها الـ "F16"، وذلك لأن الثقافة الصهيونية ثقافة بنية تشمل الطائرة والكتاب والسلوك .. وهي مؤسسة على الكراهية ونبذ الآخر، والدعوة جهاراً نهاراً إلى قتله والخلاص منه.
2ـ لا بدّ من ترجمة الأدب الصهيوني ترجمة بأيدي المثقفين العرب، ووضع المقدمات الفطينة لهذه الأعمال الأدبية، وبيان مقاصدها.. كيلا تُترك هذه الترجماتُ فتقول ما تقوله من دون بيان أو شرح.. لأن بعضها لا يخلو من القدرة على التغرير والإيهام والمراوغة والخداع.
3ـ إن مواجهتنا للعدو الصهيوني بوصفه عدواً استعمارياً استيطانياً، هي مواجهة عامة.. تشمل الأدب والثقافة، لذلك لابد من تحري معطيات هذه الثقافة، وقولات هذا الأدب وتوجهاته.. لأن الشخصية الإسرائيلية البادية تماماً في عدوانيتها ووحشيتها من خلال أفعالها الهمجية.. تتوضح لنا أكثر فأكثر وهي في المختبر الاجتماعي الاسرائيلي تكتسب عدوانيتها وشراستها يوماً بعد يوم.
4ـ لابد لنا من أن نشرح أهداف الثقافة الصهيونية العنصرية ونبني مراميها العدوانية الهادفة إلى سرقة التاريخ والجغرافية.. أمام جميع المحافل الثقافية في العالم.. كي يعي العالم أجمع عدوانية الصهيونية وعنصريتها من أجل عزلها والحد من خطورتها.. ومن بعد القضاء عليها لأنها ثقافة لا تعرف الصدق، أو التسامح، أو الاعتراف بالآخر، إن كل ما تعرفه يتمثل في أقوالها الجهورة بأن اليهود هم أسياد العالم، والعالم كله قطيع من العبيد ليس إلا.
إن هذه وقفة عجلى مع الأدب الصهيوني للإشارة فقط إلى أنه فطر مسموم ينتشر في حقل الثقافة الإنسانية نشراً، وتوزيعاً، وترجمة، وتطبيلاً، ومدحاً.. وعلينا مواجهته من أجل.. اجتثاثه لأنه أدب عنصري..
الحقد بادٍ في حشو كل سطر من سطوره العاتمة.


حسن حميد



أعلى






المسرح الفلسطيني.. دعوات للإنقاذ من التمويل الأجنبي وتوفير البديل

جمال الرزي: المسرح الفلسطيني يعتمد على التمويل الخارجي
سعيد البيطار: الممول الأجنبي للمسرح يسعى لترسيخ ثقافة قبول المحتل
سعد كريّم: الانقسام سبب رئيسي وراء عزوف المسرحيين عن العمل المسرحي
نبيل سقا الله: الرسالة الفنية الفلسطينية تركت صدىً كبيراً في جميع أنحاء العالم

غزة ـ من عبد القادر إبراهيم حماد:
فن المسرح من الفنون التي صنعت لها مكانة كبيرة وبارزة بين القطاعات الفنية المختلفة، حتى تربعت على رأسها، إلى درجة أننا لا نستطيع محو بعض الأعمال المسرحية الشهيرة من الذاكرة، ومازلنا نحفظ مقاطع منها ونرددها حتى اللحظة.
يطلق على المسرح "أبو الفنون"، فهو الفن الذي يكون فيه الاحتكاك مباشرا بين الفنان والجمهور، بل وصفه البعض بالمرآة التي تعكس واقع الشعوب من هموم وآمال وأفراح وأتراح بشكل واضح وجلي، وربما جعل هذا الاحتكاك المباشر المسرح سبباً في حاجة هذا الفن إلى إمكانيات وتجهيزات كبيرة لانجازه.
فلسطينياً.. انعكست خصوصية الشعب الفلسطيني وقضيته على المسرح والمسرحي على حد سواء، فبرز مسرح مثقل بالهموم والآلام التي عاشها ويعيشها الشعب الفلسطيني، بجانب ذلك ظهر المسرحي الفلسطيني المناضل بحركاته جسده وكلماته على خشبة لو نطقت لكان أول نطقها دموعاً على ما شهدت من هذا الفنان المجروح في وطنه.
وعرفت فلسطين الفن المسرحي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، من خلال عدة محاولات لها قيمتها التاريخية برزت وارتقت في مطلع القرن العشرين، خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى، حين نشطت المدارس في تقديم المسرحيات الخاصة والمسرحيات الوطنية والتاريخية, وقد جاءت محاولات إنشاء مسرح فلسطيني واضح الرؤية في زمن الانتداب البريطاني في فلسطين، وتحديدا عام 1918 واستمرت هذه المحاولات نشطة حتى نكبة 1948.
ومنذ النكبة وحتى اللحظة والمسرح الفلسطيني يمر في تموجات ما بين ارتقاء وصل لأن يزدهر المسرح في داخل فلسطين وخارجها، وانحسار وصل لانعدام وجود المقومات لإقامة أعمال مسرحية، ولأن الحاضر هو ما يهمنا، ولنستوضح حالة المسرح الفلسطيني الآن، فقد توجهنا إلى عدد من المسرحيين الفلسطينيين عاشوا نهوض المسرح وانكساره.
المخرج المسرحي جمال الزري يؤكد أن المسرح الفلسطيني شهد تطوراً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين، إلا أن المحاولات لجعل هذا المسرح جماهيرياً باءت بالفشل.
ويقول الرزي وهو يترأس فرقة "مسرج للجميع" في غزة: "عندما انطلق بعض المسرحيين منذ عشرين عاماً، كان لديهم أمل كبير في أن يرسخوا ثقافة مسرحية فلسطينية، ولكنهم لم ينجحوا، وذلك لصعوبة تبديل المفاهيم لدى الجمهور".
ويتابع "من أبرز المشكلات التي واجهها المسرحيون، هي مفهوم المسرح لدى المجتمع الفلسطيني، حيث وصل الأهالي في وقت من الأوقات إلى منع أبنائهم من حضور المسرحيات، جزء آخر من الجمهور لم يكن مقتنعا بناتج المسرح، الآن نشهد تغيرات جوهرية، والأعمال المسرحية أسهمت في تغيير مفهوم المسرح لدى الناس إلى حد ما".
جمال الزري بدأ عمله المسرحي في عام 1987، حيث أسس فرقة "حناظل" المسرحية، بالتعاون مع بعض المسرحيين في ذلك الوقت، حيث أقام العديد من العروض المسرحية في داخل وخارج فلسطين.
وأشار الرزي إلى أن مشكلة المسرح الفلسطيني هي مشكلة مركبة، موضحاً أن أي عمل مسرحي متكامل، يحتاج إلى بنية تحتية وكادر مدرب، بجانب وجود بيئة مساعدة من السلام والأمن والاستقرار.
وحول الادعاءات التي تقول بأن المسرح الفلسطيني هو مسرح سياسي فقط، رد قائلا "المسرح الفلسطيني ليس مسرحاً سياسياً فقط، ولطالما حاولنا كمسرحيين أن نقفز من دائرة المسرح السياسي إلى المساحة الإنسانية، حيث ناقش هذا المسرح مواضيع اجتماعية وثقافية واقتصادية، ولكن ارتباطات الفلسطيني بالحالة السياسية، والتغيرات التي طرأت خلال السنوات الماضية كانت دائما تشده إلى السياسة، فحصلت حالة من التموج لدى المسرحي الفلسطيني وبرز سؤال يقول ماذا نعرض للناس؟".
وتابع المسرحي الفلسطيني "الجميع ساهم في حالة التكسر التي تسود المسرح الفلسطيني، ومن بينها المؤسسة الرسمية، لأنها لم تسع إلى توفير متطلبات المسرح الفلسطيني من كوادر وإمكانيات وبنية تحتية، والميزانيات التي صرفتها السلطة الفلسطينية على الثقافة خلال السنوات الماضية ضعيفة جداً ولا تذكر مقارنة بما كان يصرف على القطاعات الأخرى" مضيفاً "السائد الآن هو المسرح المدعوم من جهات دولية، ويتناول موضوعات الصحة والثقافة والديمقراطية وغيرها من الموضوعات، والممول دائماً لديه أجندة وليست بالضرورة أن تكون هذه الأجندة دائماً سياسية".
وأوضح الرزي أن 95% من المسرح الفلسطيني في الوقت الحالي في كل من غزة والضفة الغربية يعتمد على التمويل الخارجي.
وشهد المسرح الفلسطيني نقلة نوعية إبان وجود منظمة التحرير في الخارج، وذلك من خلال إقامة عروض مسرحية فلسطينية في دول عربية وغربية، إلا أن هذه الجولات قلت بشكل كبير بعد اتفاقية أوسلو.
وحول هذه الجولات يؤكد الرزي بأنها ساهمت وبشكل كبير في جلب التعاطف مع الشعب الفلسطيني وقضيته، وتغيير نظرة العالم نحو هذا الشعب من جانب، ومن جانب آخر أدى إلى احتكاك المسرحي الفلسطيني بالتجارب العربية والغربية إلى زيادة خبرته في هذا المجال.
أما الفنان المسرحي سعيد البيطار فيعلق على مسألة التمويل قائلاً: "المسرح الفلسطيني تعرض للغزو من قبل المانحين الأجانب، وذلك من اجل ايجاد مسرح فلسطيني من وجهة أجنبية، والتي تريد مسرحاً فلسطينيا وفق الرؤية الأجنبية، والممول يسعى من خلال دعمه إلى أن يرسخ ثقافة قبول الآخر أي المحتل وثقافة التعايش المشترك".
ويتابع " لمن يدعي بأنه لا يوجد بديل عن الدعم الخارجي للمسرح، أرد عليهم بأننا صنعنا مسرحاً مولناه من المواطن الفلسطيني مقابل تذكرة، والفنان المشهور والمحبوب هو الذي يدفع المواطن مقابل تذكرة للدخول إلى المسرح لمشاهدته، وأصحاب التمويل الخارجي يتوسلون الناس لحضور عروضهم بالمجان ولا يجدون أحداً".
وسعيد البيطار هو مخرج وممثل فلسطيني، بدأ مشواره الفني بالعمل في المسرح الوطني، وقدم العديد من الأعمال المسرحية والتليفزيونية والأفلام التسجيلية، كما شارك في العديد من المهرجانات الفنية العربية، قام بإخراج بعض المسرحيات الناجحة منها "اغتيال حنظلة" للشاعر عبدالرحمن الأبنودي، ومسرحية "عرس عروة" للأديب عبد الحميد طقش، ومسرحية "إبريق الزيت" للأديب جهاد سعيد، ومسرحية "الصخرة" للشاعر معين بسيسو، ومسرحية " نساء غزة وصبر أيوب ".
وينوه البيطار إلى أن المشهد الثقافي الفلسطيني في غزة يشهد انتعاشاً، قائلاً "في ظل التوقعات التي كانت سائدة بأن حكومة حماس ستهمل الفن والمسرح بحكم صبغتها الإسلامية، إلا أنني فوجئت بالمبادرات التي قامت بها حركة حماس على هذا الصعيد، حيث أنتجت فيلما سينمائيا، وقامت بدعم مسرحية "نساء غزة وصبر أيوب"، وتنتج أعمالاً مسرحية لكوادر شباب، وقامت بتأسيس رابطة للفنانين الفلسطينيين.
ودعا البيطار المعنيين بالثقافة الفلسطينيين من الحكومتين في الضفة وغزة والقطاع الخاص إلى إنشاء نقابة للفنانين الفلسطينيين بعيدا عن الحزبية لتجمع كل الفنانين الفلسطينيين، كما دعا أيضا إلى إنشاء مسارح في مختلف المناطق.
وقال "لدينا العديد من المبدعين والموهوبين وهم يحتاجون للدعم والمساندة، كما أن لدينا نصاً قوياً، ومخرجين وممثلين وكوادر مسرحية ممتازة إن توافر لهم التمويل، فسيصنعون أعمالاً مسرحية مميزة".
وناشد البيطار الفنانين والاتحادات الفنية في الوطن العربي، أن يقوموا بمساعدة ودعم الفن الفلسطيني، مثلما يتم دعم الجوانب الأخرى.
من ناحيته قال المخرج المسرحي ومدير عام رابطة الفنانين الفلسطينيين سعد كريم: "بنظرة متواضعة بعيداً عن التشاؤم والتفاؤل، واقع المسرح الفلسطيني هو واقع متوسط الحال، ولا يوجد فنان مسرحي أكاديمي، والأغلب لم يحصل على دورات تدريبية على أيدي أهل التخصص، لذلك العمل الموجود يعتمد على الخبرة الذاتية بجانب ذلك، لا يوجد تمويل للمسرح، ولا توجد مؤسسات تتبنى الأعمال المسرحية".
وحذر كريّم من استجلاب التمويل الخارجي لدعم المسرح الفلسطيني، مؤكداً أن الجهات الممولة تستهدف نشر أفكار غريبة عن عادات وتقاليد وأعراف الشعب الفلسطيني، مشدداً في الوقت نفسه على أن هذا يُحتم على الجهات الحكومية مثل وزارة الثقافة، توفير بديل عن التمويل الخارجي غير المأمون للمسرح الفلسطيني على حد وصفه.
وحول تأثير الانقسام قال كريّم "توجد كوادر أكاديمية مسرحية، ولكنها قليلة العدد، وغير فاعلة والانقسام سبب رئيسي وراء ذلك، حيث نجد عزوف بعض المسرحيين عن العمل مع جهة معينة، وذلك لأنها تختلف معهم في الرؤى السياسية"
وحول واقع المسرح الفلسطيني وعلاقته بالسياسة يقول كريّم "المسرح يجب أن يلامس هموم الناس، والقضايا البارزة لدينا تتعلق جميعها بالاحتلال والحصار والأسر واللجوء، والمسرح الفلسطيني تطرق لمواضيع مختلفة ولكن الوضع السياسي يطغى على المضمون، حتى أنك وعلى سبيل المثال، تجد بأن المسرح الفلسطيني يعرض القضية الاجتماعية بمذاق سياسي".
أما بخصوص مشاركة المرأة في الأعمال المسرحية يقول كريّم "أؤمن بأنه لا يوجد فن بدون المرأة، ولكنني أستهجن التقليد الأعمى للمسرح الغربي والذي يقوم به البعض، من خلال ابتذال وإهانة المرأة واستخدامها كسلعة، والمرأة الفلسطينية قدمت وناضلت، فالواجب أن تكون شريكة في العمل الفني بضوابط وحدود، ووجودها في العمل المسرحي يجب أن يعززها ويحفظ كرامتها".
من ناحيته قال المخرج المسرحي نبيل سقا الله: "المسرح هو وسيلة لمحاسبة النفس، من خلال ما يقدمه من وجهين.. وجه للخير والآخر للشر، وهو يجسد الصراع بين الوجهين، والمسرح في قطاع غزة وجد حيث وجد الاحتلال والظلم والمعاناة التي كابدها الشعب الفلسطيني خلال العقود الماضية".
وأشار سقا الله إلى أن المسرح الفلسطيني شهد خلال الفترة الماضية تطورا ملحوظاً، وذلك بسبب إقبال أبناء الشعب الفلسطيني على الفن وفروعه ومن بينها المسرح ممارسةً ودراسةً، حيث جاء ذلك نتيجة الوعي والفهم للرسالة الإنسانية للفن والمسرح، ودورها في خدمة القضية الفلسطينية ومقاومة الاحتلال.
وشدد على أن المسرح هو أداة من أدوات المقاومة بجانب البندقية، قائلاً "إن الفن تفوق في بعض المواقف على الرصاصة في قوتها وتأثيرها، ومجرد إرسال رسالة من خلال مسرحك بأنك باق على هذه الأرض تعد إحدى صور المقاومة، والفصائل يجب أن تولي اهتماماً اكبر للفن بشكل عام والمسرح بشكل خاص".
ونوه المسرحي الفلسطيني إلى أنه وبعد فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، برز دور الفن في توصيل معاناة الشعب الفلسطيني إلى العالم أجمع، مؤكداً على أن الرسالة الفنية الفلسطينية تركت صدىً كبيراً في جميع أنحاء العالم، واستجلبت التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني وقضيته.
وقال "وزارة الثقافة ومنذ إنشاء السلطة لم تقم بالدور المنوط بها تجاه المسرح، وأدعو الجميع للاهتمام بالفن والمسرح الفلسطيني من حكومة وقطاع خاص، خاصة وأن الصهيونية العالمية حاربتنا بعشرات الأعمال الفنية عن المحرقة، ونحن لم نقم بمواجهتها بعمل فني واحد".


أعلى




"دائرة التنقيب والدراسات الأثرية" بوزارة التراث والثقافة..
أعمال تنقيب واسعة واكتشافات ولقى تحكي عراقة عمان وقدمها
تعد مدينة الدقم من أهم المواقع التي ينتشر فيها الكثير من المواقع المنتمية للعصر الحجري
تعتبر مستوطنة رأس الحمرا امتدادًا جغرافيا وموردًا ثقافيًا لمحمية القرم الطبيعية

التعاون مع متحف التعدين بمدينة بوخوم الألمانية لترميم المدافن تمهيدًا للبدء في مشروع التأهيل السياحي لمستوطنة بات الأثرية

تنتشر النقوش الصخرية في العديد من ولايات السلطنة، وتحمل الكثير من المظاهر التي كان الإنسان القديم يجسدها


تزخر السلطنة بالعديد بالمواقع الأثرية التي تروي قصة حضارات ضربت بجذورها في عمق النشأة الأولى للإنسان، كما أن المواقع الأثرية التي تعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد والمنتشرة في مناطق متعددة في السلطنة وغيرها من المواقع التي تم التنقيب فيها على فترات مختلفة، تشير كلها إلى العصور والحقب الزمنية المختلفة التي مرت بها عُمان على مدى التاريخ ، وإبداع الإنسان العماني وإسهاماته وتواصله مع الحضارات الإنسانية آنذاك، وفي هذا الصدد تقوم "دائرة التنقيب والدراسات الأثرية" بوزارة التراث والثقافة بمجهودات كبيرة في مجال التنقيب والترميم إضافة الى رسم الخطط والخرائط المستقبيلة للتنقيبات والتنسيق مع مختلف البعثات فضلاً عن الدورات المتعددة في مجال إعادة ترميم وتهيئة اللقي الأثرية.

التنقيبات والدراسات الأثرية

تعود بواكير العمل الآثاري في السلطنة إلى عام 1952، حين قامت البعثة الأميركية لدراسة الإنسان بإشراف ويندل فليبس بمسوحات آثارية شملت عدة مواقع في شمال وجنوب عُمان كالبليد وخور روري والمغسيل وصحار ومواقع في المنطقة الشرقية، ومنذ بزوغ فجر النهضة المباركة في يوليو 1970 م، أولت حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ التراث الثقافي العماني اهتماما استثنائيا، ففي عام 1973 قامت أول بعثة من جامعة هارفارد بمسح آثاري نتج عنه اكتشاف عدة مواقع تعود للألف الثالث قبل الميلاد، وفي عام 1974 اكتشفت الدكتورة بياتريس دي كاردي مواقع المنطقة الممتدة من ولاية إزكي إلى ولاية عبري، وبلغت الاكتشافات الأثرية في عُمان الذروة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين الميلادي.
ومنذ أن أنشئت وزارة التراث والثقافة في عام 1976 تم تأهيل كادر وطني في مجال المسح والتنقيب الآثاري، ووضعت خططاً وبرامجاً علمية بالتنسيق مع الجامعات والمعاهد الدولية، فتواترت أعمال مسح وتنقيب آثاري منظمة، تكشفت خلالها العديد من المواقع الأثرية التي يتسلسل تاريخها من العصور الحجرية إلى العصور الإسلامية.
ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي، يشهد حقل المسح والتنقيب والدراسات الآثارية تطوراً ملحوظاً، من أهم ملامحه اضطراد عدد البعثات الآثارية وزيادة عدد الكوادر الوطنية المتخصصة في مجال الآثار، الذين تتاح لهم فرصة التدريب داخل وخارج السلطنة بما في ذلك مواصلة الدراسات العليا في ذات المجال، وكذلك نظمت الوزارة العديد من حلقات العمل في مجال صيانة وترميم المنقولات الثقافية المكتشفة في المواقع الأثرية، وفي إطار تأهيل الكوادر الوطنية تم إيفاد عدد من موظفي الدائرة إلى خارج السلطنة للاستفادة من خبرات الدول في مجال الآثار.
وترتب على زيادة عدد المواقع الأثرية التي بلغ عددها ضمن قاعدة البيانات الشاملة والموثقة بالصور والخرائط حوالي 1421 موقعاً، وأيضاً التوسع في حقل المسح والتنقيب الآثاري، الذي نتج عنه تضاعف عدد المكتشفات الأثرية حيث بلغ عددها حوالي (25990) قطعة أثرية ، تمت المشاركة ببعضها في معارض إقليمية ودولية.
وازدهرت البحوث و الدراسات الآثارية ، فوثقت خلاصتها في ثلاثة عشر عددا ـ حتى الآن ـ من (مجلة الدراسات العمانية)، التي تتضمن بالإضافة إلى ذلك دراسات تاريخية وبيئية، وجسد كتاب (في ظلال الأسلاف) مرتكزات الحضارة العربية القديمة في عُمان، تمت أيضاً طباعة أوراق العمل التي تم تناولها في ندوة آثار شبه الجزيرة العربية في إصدار حمل عنوان حصاد ندوة آثار شبه الجزيرة العربية.
وفي إطار الملتقيات العلمية وتبادل الخبرات للعاملين في مجال الآثار والمتاحف شاركت الدائرة في العديد منها ومن أبرزها الحفرية الخليجية المشتركة التي تنظم سنوياً في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي.
وبهدف توثيق المواقع الأثرية أنتجت الوزارة في عام 2005 م ، خارطة لأهم الموقع الأثرية في السلطنة واحتوت على 185 موقعاً .

أهم المواقع الأثرية

من أهم المواقع الأثرية التي تحضتنها السلطنة مواقع العصور الحجرية حيث هدفت المسوحات الآثارية التي أجريت في جبال القرا بمحافظة ظفار وفي ولاية محوت بالمنطقة الوسطى وبالتحديد في صحراء الحقف، إلى تحديد المواقع التي لها علاقة بالهجرة البشرية المبكرة من قارة إفريقيا إلى قارة آسيا عبورا بشبه الجزيرة العربية، إذ تشير الدراسات إلى أن بداية نزوح الهجرة البشرية كانت منذ حوالي 1.8 - 1.9 مليون سنة حيث سلك النازحون طريقين: من إثيوبيا عبورا بصحراء سيناء متجهين إلى بلاد الشام. أو من جيبوتي عبر مدخل البحر الأحمر عند باب المندب إلى جنوب غرب اليمن.
وقد أسفرت المسوحات الآثارية في جنوب شبه الجزيرة العربية (حضرموت) عن اكتشاف خمسة مواقع قديمة تؤرخ إلى أكثر من مليون سنة، وفي المنطقة الممتدة من جبال القرا بمحافظة ظفار إلى الغرب من ولاية ثمريت تم اكتشاف 67 موقعا تحتوي على أدوات حجرية تعود للعصر الحجري القديم يقدر عمرها بحوالي 500.000 سنة.
كما استمرت المسوحات في صحراء الحقف بالمنطقة الوسطى (ولاية محوت) وتم اكتشاف 41 موقعا تحتوي على أدوات حجريه تم تأريخها إلى أكثر من مليون سنة، وأثمرت المسوحات في المنطقة الوسطى عن اكتشاف مواقع تتوفر فيها المادة الخام وتؤرخ إلى الحقبة الجليدية المتأخرة ( 50.000 - 15.000) وهي قرية الكبريت بولاية أدموموقع وادي جميجم ومواقع عند مصاب الأودية وموقع بئر خسفة.
كما تم اكتشاف عدة مواقع تعود للعصر الحجري في السلطنة تؤرخ للفترة ما بين (125,000 ـ 10,000) قبل الميلاد ، فقد تم اكتشاف 47 موقعاً أثرياً منها 14 موقعاً تعود للعصر الحجري الحديث تم التعرف عليه من خلال الأدوات الحجرية المكتشفة في الموقع ، و منها أيضاً 12 موقعاً بها مزيج من أدوات أثرية تعود للعصر الجليدي و عصر الهولوسين عثر عليها على سطح الأرض ، و منها أيضاً 9 مواقع تعود لعصر الهولوسين ، و لايزال 12 موقعاً تحتاج للمزيد من البحث و الدراسة للتعرف على الزمن الذي تعود إليه.
ومن خلال العمل الأثري الذي أنجز في المنطقة الواقعة في المنطقة الداخلية والمنطقة الوسطى ومحافظة ظفار تم التعرف على ثلاثة مناطق تعود لما قبل التاريخ وهي: المناطق المحيطة بمدينة نزوى في نطيح وتعد أقل كثافة سكانية بين مواقع العصر الحجري، ربما بسبب ندرة المواد الخام ذات النوعية الجيدة، وأهم هذه المواقع جبل الحمراء وجبل الصفرة وفهود حيث تتواجد بها أنسب المواد الخام التي تصلح لإنتاج الأدوات الحجرية التي اتنشر استخدامها في العصر الحجري القديم.
وولاية أدم ومناطق غابة وحوشي وسيوان تقع جنوب المنطقة الأولى، وتميزت بوفرة المواد الخام وصخورها تنتمي لعصر الكمبري والرواسب السطحية الرباعية، وعثر في موقع قبة الملح (قارة الكبريت) على مدفن أثري بني على نتوء صخري، والقطع الأثرية المكتشفة في هذا الموقع تتميز بجودة عالية من حيث الصناعة وتبدو أنها تعود للعصر الحجري الحديث الأعلى (50,000 ـ 15,000 قبل الميلاد) كما عثر في موقع قبة الملح على 27 قطعة حجرية ، وكذلك تم التعرف على موقع أثري مهم يقع في وادي جميم غرب حوشي وشمال غنيم (موقع جميم4) تميزت الأدوات المكتشفة فيه بأنها عبارة عن شفرات حجرية أحادية الاتجاه مع وجود تشابه بين الأدوات الحجرية المكتشفة في هذا الموقع ونظيراتها المكتشفة في اليمن ومحافظة ظفار وفي غنيم، وتبين لعلماء الآثار انتماء هذه الأدوات إلى فترات زمنية مختلفة تعود للعصر الحجري القديم الأدنى 1000,000 ـ 250,000 قبل الميلاد و إلى العصر الحجري الحديث 7,000 ـ 5,000 قبل الميلاد و بالتالي فالهدف من هذه البحوث هو تحديد التسلسل الزمني من خلال هذه الأدوات المكتشفة للمناطق العربية التي أُهِلَتْ بالسكان و الأنشطة التي قامت فيها.
ومنطقة تصريف الأودية من جبال سمحان على هضبة نجد، وفقد تميزت بكثافة عالية لانتشار مواقع العصور الحجرية القديمة والتي بدورها تميزت بانتشار كثيف للأدوات الحجرية المختلفة، وذلك بسبب وجود منطقة تصريف الأودية في هضبة سمحان تراكمت بعد ذلك البحيرات المائية وأيضاً لكثافة الكتلة الحيوية المرتبطة بمصادر المياه وتواجد المواد الخام ذات الجودة العالية في كافة أرجاء المنطقة.
ويعد موقع بير خسفة من المواقع الكبيرة التي كانت عبارة عن حلقة عمل كبيرة لإنتاج الأدوات الحجرية التي تعود للعصر الحجري القديم ، واكتشف كذلك موقع عندور في وادي عندور والمؤلف من أكثر من أربعة أمتار من طبقات الرواسب والرمل المختلطة ببعض الحصى وأرخت للعصر الحجري القديم الأوسط (250,000 ـ 50,000 قبل الميلاد) مع الإشارة إلى تآكل سطح الطبقة الأولى، هذا ويعد هذا الموقع من أهم المواقع التي سجلت خلال المسوحات لأنها قد تسفر عن العثور على طبقات تعود للعصر الحجري القديم وما سيعثر عليه من أدوات تعد من بين أولى الأدوات التي يتم الكشف عنها في شبه الجزيرة العربية بأكملها ، وهو ما يعني تكثيف البحث والدراسة لموقع وادي عندور لفهم مدى التطور في صناعة الأدوات وفهم بيئة العصر الجليدي وعلاقات السكان القدماء في عمان.
وتعد مدينة الدقم من أهم المواقع التي ينتشر فيها الكثير من المواقع المنتمية للعصر الحجري، حيث تم العثور فيها على مواقع كبيرة تنتشر فيها مخلفات الأدوات الحجرية بصورة كثيفة جداً، وهو ما حدى بالخبراء من الجزم بأن هذه المواقع كانت عبارة عن وِرَش ومراكز لصناعة الأدوات الحجرية فيما مضى.
ومن أهم المواقع الأثرية الموجودة في السلطنة أيضا موقع "رأس الحمراء" واكتشف الموقع إثر مسح أثري في السبعينيات، وجرى التنقيب الفعلي سنة (1980م) ، ويعود تاريخ الموقع إلى منتصف الألف الرابع قبل الميلاد ، وهو عبارة عن رابية صدفيه جيرية طولها حوالي ( 90م ) وعرضها ( 45م ) وأوضحت التنقيبات وجود مستوطنات شكلت طبقاتها من الرمل و الأصداف وعظام السمك والرماد والفحم ، واشتملت المكتشفات على أدوات صيد كصنارات من الصدف وأثقال شباك حجريه ومطارق وأزاميل وفؤوس حجريه ، كذلك حلي نسائية من الأصداف.
ومن الملاحظ أن الهياكل العظمية المكتشفة في الموقع دفنت بوضع قرفصائي باتجاه البحر (مصدر الرزق) وتقبض بعض الهياكل على حبات من اللؤلؤ، وقد أطلق على موقع رأس الحمراء (حضارة الصياد العماني القديم).
وتعتبر مستوطنة رأس الحمرا امتداداً جغرافيا ومورداً ثقافيا لمحمية القرم الطبيعية، وتحتوي على مجموعة من المواقع مثل موقع راس الحمرا (5) الذي يحتوي على طبقات متراكمة يبلغ سمك بعضها 1.5م ، وتتألف الطبقات من الرمل والأصداف وعظام السمك والرماد والفحم ومواقد النار ، وأثار مساكن عبارة عن حفر متناسقة ومتماثلة، وقد شيدت المساكن من الأخشاب وأغصان النباتات.
وكذلك موقع زكيت بالمنطقة الداخلية حيث تم تنفيذ مسح أثري في المنطقة المواجهة لواحة زكيت تبلغ 12 كيلومتراً وذلك في إطار عمل البعثتين الايطالية والفرنسية وكان هدفه هو تحديد مواقع وإحصاء مدافن العصر البرونزي (نهايات الألفية الرابعة وبدايات الألفية الثالثة ق.م ) ، وتم تسجيل (398 ) موقعاً ومن أهم اللقى الأثرية آنية عبارة عن جرة صغيرة مخروطية الشكل ذات لون اصفر برتقالي وبعنق اسطواني و هو من نوع الفخار المنتمي إلى حضارة العبيد في بلاد الرافدين و يؤرخ إلى العصر البرونزي.
وموقع رأس الجنز بالمنطقة الشرقية والذي بدأت عمليات الاستكشافات الأثرية فيه في عام (1981م ) عندما عثرت البعثة الاستكشافية الإيطالية الفرنسية المشتركة على قطعة فخارية قديمة من نوع فخار الهارابان ذات نقوش وزخارف تعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد، وبعد عمليات المسح الأولية للموقع تم التأكد من أهميته التاريخية، لهذا سعت وزارة التراث والثقافة إلى الكشف عنه وعن مواقعه القديمة المطمورة ومدافنه، فكان التعاقد مع هذه البعثة، وقد بدأت أولى حفرياتها عام ( 1985 م ) و تواصلت عمليات التنقيب لتكشف عن مجموعة من المكتشفات الأثرية المتنوعة والتي أذهلت الخبراء والمستكشفين.
ومن أهم اللقى الأثرية التي عثر عليها في المواقع سابقة الذكر: مبخرة من حجر الكلس تعود إلى ما بين 2200 - 2100 ق . م، وقطعتان من قاعدة آنية حجرية (الحجر السماقي) تعود إلى الحضارة المصرية، مما يدل على الصلات الحضارية بين عمان ومصر الفرعونية. وعقد من البرونز ( 2700 - 2000 ق.م). وأختام صنعت من الحجر الصابوني والنحاس، ( 2350 - 2200 ق.م) وخواتم مصنوعة من الحجر الصابوني ( 2350 - 2200 ق.م)، ومشط من العاج ( 2400 ق.م) وقطع القار التي كانت تطلى بها القوارب المصنوعة من أعواد القصب (2500 ـ 2200 ق.م) والعديد من قبور فترة أم النار (2700 - 2000 ق . م)، كما تم العثور على قطع من الفخار الأحمر ذو الخطوط والرسومات الداكنة اللون وهو من أفضل أنواع الفخار المستخدم في المناطق المقابلة لبحر العرب ، وعثر على الفخار المصقول الذي يؤرخ إلى الفترة الساسانية الإسلامية، وكذلك فخار شرق أفريقيا، والبورسلين الصيني. ورؤوس سهام وفأس من البرونز ( 2700 - 2000 ق . م)، وصنارات صيد نحاسية الألف الثالث قبل الميلاد.
ومن المواقع الاثرية المهمة أيضا مدافن بات بولاية عبري حيث عثر علماء الحفريات في (بات) بولاية عبري على مقابر قديمة وعلى بقايا جرار فخارية وشقف حجرية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد.. و(بات) إحدى حضارات الإنسان القديمة التي سادت في فترة من الفترات.. ومن أجل كشف أسرار الأحجار والنهوض بالمقومات السياحية الأثرية قامت وزارة التراث والثقافة بالتعاون مع البعثات الأثرية (الدنماركية ـ الألمانية ـ الأميركية) بالتنقيب في المنطقة لعدة مواسم والتي بدأت عام 1973م.. وما زالت عمليات التنقيب جارية لمعرفة المزيد عن الموقع الأثري عن هذه الحضارة العمانية العريقة.
تركزت التقنيات الأثرية على المقبرة التي تبعد مسافة 30 كيلومترا عن مدينة عبري الحديثة حيث تم الكشف عن وجود مائة مدفن مبني من الحجارة الصلبة كما وجدت مدافن أخرى في الجزء الجنوبي من المقبرة.
ومدافن بات عبارة عن بناء دائري من حجارة صلبة مربعة الشكل وتتألف من جدارين خارجيين وآخر داخلي مقسم إلى عدة غرف، وقد وضعت لها عوارض مسطحة لتسقيف السطح.. ويتراوح قطر هذه المدافن ما بين 5 ـ10 أمتار.
وفي عام 1988 م ، تم إدراج هذه المواقع ضمن قائمة التراث العالمي الثقافي الطبيعي. وفي طرازي هذه المدافن المختلفين ، تم العثور على قطع من الفخار الأحمر يشبه فخار منطقة "جمدت نصر" بالعراق كما تم العثور كذلك على فخار جيد الصنع أحمر اللون مزخرف بخطوط سوداء خفيفة و قطع أخرى تظهر بها " مقابض " يبدو أنها مخصصة ، و في بلدة بات أيضا تم اكتشاف بناء مستدير الشكل يحيط به جدار من الحجارة المربعة وعلى جانبه الجنوبي الشرقي ـ إلى مدخل المبنى ـ تم الكشف عن "مصطبة نقود". كما عثر المكتشفون على بئر يقسم البناء نصفين في كل منهما حجرات مستطيله متتالية بدون مداخل أو ممرات تصل بين الحجرات أو تربط بعضها بالبعض الآخر، وكذلك بدون روابط مع الجدار الخارجي وهو ما يمكن تفسيره بأن هذه الحجرات لم تكن مخصصة للسكن وأن البئر المكتشف في وسط المبنى ربما تكون مشابهة في التخطيط والتقسيم لهذا البناء. وبعد الدراسة الأثرية المستفيضة اعتبرت هذه المباني الحجرات الست بأنها كانت تلعب دور أبراج الحراسة للمنطقة. وتكمن أهمية موقع بات التاريخية في كونه يقع عند ملتقى الطرق التجارية القديمة حيث كانت القوافل تمر بهذا الموقع محملة بالبضائع المتجهة إلى المواقع الأخرى .
إضافة إلى ما سبق ذكره عن مدافن بات ، فالموقع ايضا يحتوي على أبراج دفاعية كبيرة الحجم ودائرية الشكل (منتشرة في مواقع أخرى بمنطقة الظاهرة) تحتوي على تقسيمات هندسية رائعة بحيث تبدو من الأعلى مقسمة إلى غرف في حين يتوسطها بئر وهي كالتالي:
"البرج 1145" ويطلق عليه برج الرجوم: ويعتبر هذا البرج احد اهم الاثار التي تعود للعصر البرونزي (25 ، 26 ،27) فقد خضع لعملية تنقيب وترميم من قبل البعثة الدنماركية 1976 ـ 1985 وهو يقع على حافة احد الأودية . هذا البرج كما هو الحال في كافة ابراج بات مبني من الحجر الجيري الذي يحصل عليه من المناطق المجاورة إلا أنه يختلف عن بقية الابراج من حيث أنه يتألف من سلسلة من الزوايا تبلغ 90 درجة موفرة شرفات إطلاق نار غاية في الدقة.
و"البرج 1146" ويطلق عليه برج الخفاجي: يقع في منطقة ليست بعيدة عن البرج 1145 إلى الجهة الجنوبية الشرقية إلا أنهما يختلفان عن بعضهما البعض بشكل كبير حيث يبدو أن البرج 1146 تم استخدامه مرة أخرى في وقت لاحق ، و نجد الكثير من الأواني الزجاجية على السطح ، و تم بناء الجدار الدائري الكبير بنفس طريقة الأبراج الأخرى والتي تحتوي على سطح خارجي أملس حيث يتم ضم صخور شبه منحرفة و مربعة الشكل إلى صخور مستطيلة من أجل تشكيل قوس . إلا أن البئر جاء على شكل مستطيل مقارنة مع البرج 1145 ويقع بعيدا عن مركز البرج و يتكون من صخور كبيرة مستطيلة الشكل مشابهة لتلك الموجودة في الجدار الخارجي، وأخيرا بينما نجد أن البرج 1145 هو جزء من مبنى معماري ضخم يتكون من جدارين دائريين وإنشاءات أخرى ، نجد أن البرج 1146هو المبنى الوحيد الذي يعود للعصر البرونزي في هذه المنطقة تجدر الإشارة الى ان الملاحظات المسجلة من خلال دراسة (خندق الانقاذ) والذي يقع حوالي 100 متر الى الغرب، توحي بأن أصل السطح الذي يعود للعصر البرونزي يقع تحت السطح الحالي بحوالي 2 متر.
و"البرج 1147" ويسمى محلياً برج المطيرية: تم التنقيب جزئيا في البرج 1147 و ما يحتويه في عام 2002 وتم نشر ملاحظاتها مع الخارطة إضافة إلى ثلاثة تواريخ راديوكربونية إلا انه من الملاحظ أن تصميم البرج قد تغير بدرجة جذرية خلال العقد الاخير وربما يعود السبب الى تدخل السكان المحليين حيث تم نقل العديد من الصخور عن ما كانت عليه في عام 1980م ومن ضمن الملاحظات المهمة التي سجلت في الجهة الجنوبية من الجدار الدائري للبرج هو انه رغم ان المداميك الصخرية الخارجية تستمر في الاتجاه للاسفل حتى تصل للتربة ولمسافة 1ـ2 ، فإن المداميك الصخرية الداخلية يبدو أنها أنشئت على قرميد طيني.
"البرج 1148" ويطلق عليه محلياً برج السلمي: ويقع هذا البرج جنوب الموقع ويمثل احد اهم الابراج التي تعود للعصر البرونزي في عمان من حيث كتلته الجيرية التي تبلغ 2.5 مترا طولا من جهة، واحتفاظه بشكله بصورة تدعو للدهشة اذ لا يزال الجانب الشرقي يقف على ارتفاع 4 ـ 5 متر فوق السطح الحديث من جهة أخرى ، ويقع البرج على تلة صغيرة من الكتل الجيرية ويوجد حول البرج سلسلة من الجدران الدائرية والمواد الاخرى المبنية بنفس المواد الجيرية.
و"برج الخطم" أو "الوهرة" ويبعد البرج حوالي 3 كم غرب البرج 1145 وأول من قام بنشر معلومات عنه هي دي كاردي (دي كاردي ، كولير ودوي 172: 1976) وهو يشبه البرج 1148 حيث يقف على صخور الاديم الطبيعية.
وتم كذلك دراسة المناطق الشمالية الشرقية والمناطق الجنوبية الغربية لبرج الخطم (الوهرة) ففي الجهة الشمالية الشرقية تؤرخ بعض المقابر لفترة حفيت (3000 ـ 2600 ق.م) وأم النار (2600 ـ 2000 ق.م) وعثر كذلك على أدلة لوجود أشكال من الأدوات الحجرية والنحاسية و منتجات جيرية تعود للعصور الوسطى ، و في أحد المناطق الواقعة بين بات و الخطم (الوهرة) وإلى الجهة الجنوبية من الخطم (الوهرة) توجد مساحة كبيرة من الحقول المهجورة حيث في السطح على أدلة لآثار تعود لعصور ما قبل التاريخ ، وبكل بساطة يمكن أن تكون هذه الآثار لأواني فخارية تعود للعصر البرونزي جلبت من القبور التي تقع على منحدرات الحجر الجيري في الجهة الشرقية للبرج.
وتمهيداً للبدء في مشروع التأهيل السياحي لمستوطنة بات الأثرية تم التعاون مع متحف التعدين بمدينة بوخوم الألمانية لترميم المدافن ، وتم التنقيب في عدد من المدافن الأثرية التي تعود لفترة الألف الثالث قبل الميلاد والعصر الحديدي ، بالإضافة إلى ترميم قبر أثري يعود لفترة أم النار بني على تل باستخدام قوالب حجرية بيضاء ، ورممت بعض غرف البرج الرئيسي في المستوطنة لحمايتها من الانهيار ، كذلك تم ترميم نموذجين آخرين من المدافن التي تعود لفترة الألف الثالث قبل الميلاد و أربعة نماذج تعود لفترة حفيت تقع على أرض منبسطة ، مع الإشارة إلى الخطط المستقبلية لإدارة الموقع.
ومن المواقع المهمة أيضا موقع بسيا بولاية بهلاء وتوالت أعمال الحفريات في موقع بسيا من قبل البعثة البريطانية حيث تم التعرف على أبنية ضخمة بنيت تحت الأرض استخدم في بنائها الحجارة الكبيرة ، تؤرخ لفترة الألف الرابع ق.م ، كما تم التنقيب في أحد المدافن الموجودة في بسيا و تم العثور فيه على أواني فخارية و حجرية و أدوات نحاسية كرؤوس السهام و الرماح و الخرز و عثر أيضاً على ختم حجري يشابه في زخرفته أختام وادي السند.
وأبراج الجيلة بالمنطقة الشرقية حيث قام فريق من علماء الآثاء بالتعاون مع وزارة التراث والثقافية في أواخر عام 1991م بمعاينة ودراسة أبراج الجيلة في الموقع و قد تم اكتشاف حوالي 90 برجا في حالة جيدة و يعزى ذلك إلى متانة بنائها و موقعها التي توجد فيه حيث بنيت في منطقة جبلية على ارتفاع (200م) من مستوى سطح البحر ، يبلغ ارتفاع هذه الأبراج ما بين (4إلى5) أمتار وقطرها (3 إلى4 م) وهي اسطوانية الشكل ومستديرة من الأعلى يتكون بعضها من جدارين بينهما مساحة مملؤة بالحجارة ، والطريق إليها صعب.
وموقع "سمد الشأن" بالمنطقة الشرقية حيث ركزت في بداية الثمانينيات الحفريات الأثرية في موقع سمد الشأن على دراسة المدافن وما تحويه من آثار، والمدافن عبارة عن حفر مستطيله الشكل وتحد من الخارج بالحجارة، وتمكن من العثور فيها على جرار فخاريه مختلفة الأحجام وأختام حجرية وأواني معدنية ورؤوس سهام وحراب برونزية ورأس حصان برونزي وأنواع مختلفة من الخرز المصنوع من الصدف والعقيق بالإضافة إلى بقايا عظام ، وبعد دراسة المكتشفات الأثرية تبين وجود ثلاثة أنواع من المدافن: مدافن للرجال ضمت أسلحة برونزية. ومدافن للنساء ضمت جرار وقوارير فخاريه وعدد من الخرز والحلي البرونزية. ومدافن للصغار احتوت على جرار فخارية.
وفي عام (1989م) تم اكتشاف مدفن يضم هيكل جمل صغير تتدلى من عنقه قلادة وبعد دراسة الخرز اتضح أن الجمل يعود إلى العصر الحديدي المتأخر (200ق.م ـ 629م) وبذلك يعتبر أول جمل مؤرخ في شبه الجزيرة العربية.
وأيضا موقع شصر (وبار) الأثري حيث كشفت المسوحات الأثرية التي تمت في بداية التسعينات في منطقة شصر بمحافظة ظفار عن وجود مدينة ذات حضارة عريقة كانت ملتقى التجارة والطرق البرية ما بين الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين والعالم القديم، وهي مدينة وبار التاريخية والتي جاء ذكرها في الكثير من الكتب والخرائط القديمة ، ومنذ عام ( 1992م ) وحتى عام (1995م) عملت البعثات الأثرية مع اللجنة الوطنية لمسح الآثار بالسلطنة في هذا الموقع بعد تحديد موقعه على صخرة منهارة من الحجر الجيري بسبب مجاري المياه الجوفية أو بفعل الزلازل تسببت في تفجير نبع يدفع بمياه الطبقات الصخرية للخارج وهو ما جذب الاستيطان البشري لهذه البقعة منذ وقت بعيد إلى أكثر من سبعة آلاف سنة ، ومع اكتشاف الموقع الأثري بدأ برنامج للتنقيب في الموقع للتحقق من هويته وملامحه المعمارية والمواد الأثرية فيه ، وتم الكشف عن أعمدة ضخمة و أبراج وقطع أثرية من معادن وفخار ونقود ، كما عثر على مكتشفات أثرية تعود إلى فترات مختلفة من العصر الإسلامي.
ومن أهم المواقع الأثرية في السلطنة موقع خور روري (سمهرم) تقع مدينة سمهرم في الجهة الشرقية لمدينة طاقة والتي تبعد حوالي 30كم عن مدينة صلالة وتعرف محلياً بخور روري. وكان ميناء سمهرم من أهم الموانئ المشهورة في جنوب شرق الجزيرة العربية في تجارة اللبان منذ أقدم العصور التاريخية.. ويعرف أيضاً بميناء موشكا والذي تم ذكره في نصين يونانيين يعودان إلى الفترة ما بين القرن الأول والثاني الميلادي وقد تم من خلال التنقيبات الأثرية لمدينة سمهرم العثور على عدد من نقوش و معبد قديم وقطع نقدية وأثرية تشير جميعها الى أن المدينة كانت على صلة تاريخية وحضارية بالهند وبلاد ما بين النهرين وبلاد النيل. وكذلك أتضح أن المدينة بنيت بالحجر الجيري ، وتميزت بفن معماري جميل ، ولها سور وعدة بوابات وأبراج مربعة.
وقد تم الكشف عن خمسة نقوش حجرية كتبت بالأبجدية العربية الجنوبية ، وهي تصف تأسيس المدينة التي بنيت لتأكيد السيطرة على تجارة اللبان.
كما تم الكشف عن آثار معبد قديم شيد في وسط الجانب الشمالي من المدينة ، وعثر على جدرانه الثلاثة ، وعلى مذبحين ونحت بارز لثور على أحد المذبحين.
ومن المعثورات الأثرية الأخرى تمثال برونزي صغير لفتاة تعزف على الناي ، وتمثال غير مكتمل لفتاة أرخ للقرن الثاني الميلادي ، بالإضافة إلى مجموعة من القطع النقدية البرونزية وختم من البرونز يحمل سطرين من الكتابة باللغة القديمة.
وموقع رأس الحد حيث تكشف الحفريات في موقع رأس الحد ـ في المنطقة الشرقية ـ ما يعتبر أثراً لفترة ما قبل التاريخ في السلطنة حيث تم تأسيس الموقع بواسطة بناء مصطبة مشيدة من الآجر سمكها حوالي (30 سم) ، ومحاطة بجدار بسمك متر واحد ، وتبلغ مساحة الموقع (60م × 40م) ، ويحتوي البناء على 3ـ4 غرف لبيتين أو ثلاثة حول فناء صغير ، وتمثل اللقى الأثرية في صنارات نحاسية ، و رأسي رمحين ، وبعض القطع الفخارية ربما تنحدر من بلاد الرافدين ، وكثير من الخرز الصغير المصنوع من الحجر الصابوني الأملس ، وعقد مكون من (500) خرزه مرتبة بخطوط متوازية.
أما موقع بوشر الذي يقع بمحافظة مسقط فيتميز بالمدافن الدائرية الشكل المبطنة بالحجارة والمغطاة بجلاميد صخرية ، وقد أرخت إلى فترة الألفين الثاني والأول قبل الميلاد ، كما تم الكشف عن مدافن ذات تقسيمات كثيرة متداخلة تمتد إلى مسافة (22م) يعود تاريخها إلى فترة العصر الحديدي المبكر (1200 - 200 ق.م) وأطلق عليها مدافن قرص العسل ، وأهم المعثورات الأثرية من موقع بوشر عبارة عن: سيف من الحديد ورؤوس سهام برونزية وأواني من الحجر الصابوني الأملس.
وفي صحار أجريت تنقيبات أثرية داخل قلعة صحار وما حولها فيما بين سنة (1982 ـ 1989م) ، وتم الكشف عن مستوطنة تعود إلى فترة ما قبل الإسلام ترتفع عن مستوى سطح البحر بحوالي ( 1,80م).
ودلت اللقى الأثرية المكتشفة في المستوطنة على أن صحار كانت مركزاً تجاريا مرموقاً ، حيث عثر على أختام للتجارة وفخار أحمر اللون جيد الصنع كان يستورد من الهند في القرنين الثاني والثالث الميلاديين بالإضافة إلى الخزف الأسود اللون الذي كان يستورد من الصين،وقد بلغت صحار أوج ازدهارها في العصر الإسلامي (القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي) واستمر ازدهار التجارة بين مدينة صحار والبلدان المجاورة حتى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي حيث عثر على مجموعة جيدة من الخزف المستورد من الهند والصين وإيران والعراق ، أما في القرن الخامس عشر الميلادي فقد مرت صحار بفترة من الاضمحلال التجاري ، وظهر ذلك واضحاً من خلال التسلسل الطبقي للحفرية.
ومن أهم المعثورات ، قطع من الزجاج وكسر من البورسلين الصيني وتمثال من السيراميك لبوذا يمتطي حيواناً يشبه التنين ، بالإضافة إلى جرار فخارية صغيرة بداخلها مادة الكبريت استخدمت لمهاجمة السفن المعادية.
أما موقع قلهات التي تقع في المنطقة الشرقية بولاية صور، على مسطح جبلي وتأخذ شكل المثلث كما أنها ذات موقع استراتيجي محمي بتضاريس طبيعية حيث يحدها من الغرب الجبال الشاهقة ويحدها من الجهة الشمالية الشرقية البحر كما يحدها من الجهة الشمالية الغربية الخور ووادي حلم.
وتعود هذه المدينة إلى القرن الثالث عشر الميلادي والقرن الخامس عشر الميلادي حيث تعتبر الميناء التجاري الرئيسي الرابط ما بين الداخل والخارج واشتهرت كما وصفها ابن بطوطة في القرن الرابع بأنها مركز تصدير الخيول ومنها يتم استيراد البهارات ومن الاثار التاريخية المتبقية في قلهات ضريح بيبي مريم المزخرف من الداخل ، و كانت خلال تلك الحقبة من أهم المدن العمانية التابعة لحكم هرمز (هنالك مدن أخرى سيطرت عليها هرمز مثل مطرح ومسقط وصحار وصلالة) التي سيطرة على مدخل الخليج العربي وأصبحت تسيطر على الطرق التجارة البحرية في الخليج العربي والقادمة من جنوب شرق آسيا ومن الصين والهند وبلاد فارس في حين كانت عمان الداخل تحت حكم النباهنة وكانت مدينة بهلا عاصمة لهم.
وفي عام 2003م بدأت الأعمال الأثرية فشملت المسوحات و الحفريات الأثرية بعض أجزاء المدينة ، حيث تم المسح الأثري بالتصوير الجوي والرسم شاملا المقبرة الإسلامية الواقعة إلى الجنوب من ضريح بيبي مريم.
وقد توالت أعمال تنظيف وإظهار أسوار المدينة التاريخية وكذلك إظهار الطرق و الممرات التي تخترق البيوت و المرافق الأخرى التي تحويها المدينة من قبل دائرة التنقيب و الدراسات الأثرية خلال موسمي ( 2008 و 2009 م) وتم إبراز الجدار المواجه للشارع العام والأبراج التي تتخل بعض أجزائه، ومن الملاحظ أن هذه الجدران بنيت باستخدام الحجارة الغير مشذبة وبدون استخدام مادة لاحمة.
ورافقت أعمال المسوحات تنقيبات أثرية عند السور الشمالي الغربي للمدينة على ضفة وادي حلم اكتشف خلالها بناء شبه مربع تتوزع به أربع غرف حول فناء في الوسط ويوجد في هذه الغرف أحواض متصلة بأنابيب فخارية وقد تبين إن هذه المنشأة ما هي إلا مرفق للاستحمام يجلب له الماء من البئر المجاور ويصب الماء في حوض خارج المبنى ومن ثم تنساب المياه إلى داخل أنابيب فخارية ومن ثم إلى الحمامات وهى طريقة لم يعرف لها مثيل سابقا في عمان وهي ذات تأثير فارسي ويوجد أسفل هذه الحمامات خزانات ربما كانت لها وظيفة لتصريف المياه وذلك لاتصال الخزانات بتلك الغرف عن طريق أنابيب فخارية وكما تكثر في هذه الخزانات آثار الحرق.
ولقد رافقت أعمال المسوحات والحفريات على البر أعمال مسوحات تحت البحر وذلك للتحقق من أية آثار غارقة تحت الماء وكانت نتائج المسح مبشرة حيث تم التقاط مؤشرات عديدة تدل على وجود آثار غارقة ربما تكون لسفن أو أجزاء خشبية ربما تكون لبقايا سفينة.
كما تم العثور على مجموعة من المراسي الحجرية تحت مياه البحر بالقرب من شاطئ قلهات ، برهنت على العمق الاستيطاني لموقع مدينة قلهات التاريخية ، و أهم هذه الأدوات مرساة عثر عليها عام 1998م ، وهي من حجر الكلس و لها ثقب واحد ولا يقل وزنها عن (40) كجم تقريباً ، وقد استخدمت هذه النوعية من المراسي خلال الفترة الممتدة بين الألفين الثالث والأول قبل الميلاد.
كما بدأت البعثة الفرنسية عملها في موقع مدينة قلهات التاريخية منذ (2008 م) و في خلال مواسم التنقيبات السابقة تم الكشف عن المسجد الجامع في المدينة و الجدران الشمالية و عدد من المباني السكنية ، و ستركز البعثة خلال موسم 2010 - 2011 م على استكمال العمل في المسجد الجامع و مواصلة توثيق الشواهد الأثرية في المدينة التاريخية و جمع البيانات الجغرافية ( GIS ) بهدف إعداد خارطة جغرافية ثلاثية الأبعاد للموقع .
وسوف تتواصل الأعمال الأثرية في مدينة قلهات لسنوات عديدة في المستقبل للكشف عن أسرار هذه المدينة التاريخية العريقة لجعلها رافداً من الروافد الثقافية والاقتصادية الوطنية ، كما أن الوزارة بصدد إعداد خطة لإدارة الموقع والمخاطبات جارية مع الخبراء لإعداد ذلك و تحويل الموقع إلى منتزه أثري.
أما موقع مدينة البليد الأثرية بمحافظة ظفار والتي تقع على الشريط الساحلي لولاية صلالة في المنطقة الواقعة بين الدهاريز والحافة ، وهي إحدى المدن الأثرية كونها من أقدم المدن وأهم الموانئ التجارية ، وقد تم بناؤها على جزيرة صغيرة ، وكانت تعرف باسم الضفة وازدهرت ونمت في القرن الثاني عشر والسادس عشر الميلادي ، حيث بالإمكان رؤية بقايا المدينة في موقع البليد التاريخي في منطقة الحافة ، وقد أجمع الباحثون من خلال الدلائل الأثرية ومن دراسات الفخار والمواد العضوية وغيرها أن الموقع يعود إلى عهد ما قبل الإسلام و اكتسب بعد الإسلام رونقاً إسلامياً فريداً من البناء المعماري يظهر ذلك جلياً من خلال مسجدها الكبير الذي يعد من أبرز المساجد القديمة في العالم الذي يضم (144) عمودا ويعتقد أنه شيد في القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي ، كما تم العثور على حصن البليد والعديد من العملات المعدنية ، وتشير الشواهد التي تم الكشف عنها إلى أن الموقع كان مأهولاً منذ أواخر الألفية الخامسة قبل الميلاد و أوائل الألفية الرابعة قبل الميلاد ثم أعيد تأسيسها في القرن الرابع الهجري الخامس الميلادي ، وقد لعبت هذه المدينة دوراً هاماً في التجارة العالمية في العصور الوسطى حيث شملت صلاتها التجارية موانئ الصين والهند والسند وشرق أفريقيا واليمن من جهة، والعراق وأوروبا من جهة أخرى، حيث كانت تجارة اللبان مزدهرة آنذاك ، كما تم تأهيل الموقع من خلال ترميم المسجد الجامع والمرافق المحيطة به و ايضا انشاء متحف ارض اللبان الذي يضم قاعتين (قاعة التاريخ والقاعة البحرية).

الرسومات الصخرية

تنتشر النقوش الصخرية في الكثير من ولايات السلطنة ، و نجدها تحمل الكثير من المظاهر التي كان الإنسان القديم يجسدها من خلال نقشها على أسطح الحجارة أو على الجبال ، و تتميز الكثير من هذه المواقع بخصوصية تميزها عن غيرها من خلال شكل النقش أو الموضوع الذي يرمز إليه هذا النقش ، حيث تنوعت هذه المواضيع بين مظاهر الرقص و بعض هذه النقوش عبارة عن نقوش آدمية صرفة كما توجد مظاهر لصيد الحيوانات ، وتشير الرسومات الصخرية من الصحراء الأفريقية وشبه الجزيرة العربية إلى ممارسة الإنسان في الماضي لهذا النوع من الصيد منذ عصر البليستوسين الأعلى.


أعلى






إشكالية "عولمة النص" مقابل "جمود" القارئ والمحيط الاجتماعي
الكاتب الناقد والنص "المعولم" والقارئ "المثقف" وذاك "المتربص"!

ربما ما زال تمدد المعرفة, ومرونة وسرعة تناقل العلم والمعلومات في العالم الحديث عصيا على فهم بعض من لا يزالون يعيشون على هامش العالم المعاصر. فانفتاح العالم وتشظي حواجزه القديمة على حقيقة "تمازج الثقافات" والمعارف والعلوم, وتخطي جمود الجغرافيا والإقليم بات مذهلا لدرجة أن عطاس أحدهم بات يقابله "تشميت العاطس" (الرد عليه يرحمك الله) على الطرف الآخر من وسائل عولمة الاتصالات في قارة أخرى من هذا الكوكب. هذه الانفتاح غير المسبوق في التاريخ البشري برمته قاد لخلق مجموعة من الحقائق فيما يخص الكتابة والنقد وتلقي القارئ, مما له متداخلات معرفية وثقافية واجتماعية لا يمكن فصلها وقادت لتعريف مجموعة من المفاهيم مثل "عولمة النص", و"إقليمية القراءة بمنظورها الاجتماعي", كما خلقت حالات من "القراءة المثقفة" الواعية, أو قراءة النص "بتربص" ودوغمائية انطلاقا من تكلسات إقليمية وخلفيات جامدة اجتماعية وثقافية ما تزال سائدة ومسيطرة. وهي باتت مشكلة الكثير من الكتاب النقديين تؤطرها إشكاليات "عولمة المعرفة" مقابل جمود القارئ "المتربص".
ما أطرحه في هذه المساحة ليس منعزلا إطلاقا عن تداول المعرفة في العالم القديم, من زاوية "انحصار المعرفة" الأقاليمي قديما مقابل "عولمتها" حديثا, بل وفي تقديمنا له بمعرض مداخلتنا بعض الفائدة والمغزى. فقد كنت أقرأ حديثا في "أدب الرحلات" للأستاذ حسين فهيم, وفي معرض تاريخ استكشاف العالم على أيدي كبار الرحالة يعرج الأستاذ فهيم على قول للكاتب الفرنس "سافاري" الذي حرر كتابا عن مادة الرحلات عام 1785 وقدمه للملك لويس ملك فرنسا آنذاك, وهذا القول استوقتني إذ يكتب: "إن الرحلات تشكل أكثر المدارس تثقيفا للإنسان. فالاختلاط والحياة مع الشعوب المختلفة, إضافة إلى الاجتهاد في دراسة أخلاقهم وطباعهم, والتحقق في دياناتهم ونظم حكمهم, غالبا ما تضع أمام الفرد مجالا طيبا للمقارنة, كما تساعده ـ ولا شك ـ على تقييم نظم وتقاليد بلده وموطنه. ولكون الفرد يتشكل عامة في إطار معين من التقاليد والعادات التي ينشأ عليها ويألفها فإن حكمه على الشيء المخالف لها يأتي عادة محملا بقدر كبير من التعسف والتحيز. لقد دأب هذا الفرد على أن يضحك, أو ربما يسخر أحيانا مما يصل آذانه, أو يراه بعينيه من سلوكيات أفراد الشعوب الأخرى, مع أنه لا يدرك أنه هو نفسه قد وقع أسيرا لتقاليد وعادات لا تقل غرابة وشذوذا عن تلك الأمور التي تسود حياة الآخرين. إلا أننا نجد أن للرحلات دورا كبيرا وإسهاما فعالا ـ وإن كان قد حدث هذا بالتدريج وعبر التاريخ ـ في إسقاط العصابة عن تلك الأعين التي لا ترى إلا صالحا فيما يفكر فيه ويفعله أصحابها".
ولعل من أكثر المشاهد تأملا من غرابة "تراكمية" العادات والتقاليد الاجتماعية "الشعوبية", وتناقضاتها التي يقرها شعب في زمان معين وينكرها اخر بمحتوى ظرفي واجتماعي آخر, فضلا عن "نسخها" أو بطلانها" زمكانيا", ما يمكن ملاحظته في التاريخ البشري وما استوقفني طويلا قبل سنوات لدى قراءة الأية الكريمة من سورة يوسف, وهو مشهد سجود الأخوة وأبيه وأمه له!!! (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (4)). - سورة يوسف, وفي موضع آخر في نهاية السورة يثبت القرآن الكريم هذه الرؤيا (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين (99) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم (100). وقد حرت طويلا في هذا المشهد التاريخي, ليس فقط لسجود المخلوق لغير الخالق ولكن لسجود الوالد "النبي", يعقوب لولده "يوسف", وسجود الأخ النبي لأخيه النبي, والذي يعني, بوعينا العقدي الإسلامي "الإشراك" بالسجود لغير الله, رغم أن السجود ليوسف عليه السلام هي حقيقة يثبتها النص القرآني نفسه! لكن تفسير الآية, والأهم "ضمن سياقها التاريخي" يعطي النص بعدا ودلالة شرعية لا تقدمها القراءة السطحية للنص خارج سياقه وبعده الظرفي الزمني. فتفسير الآية (أنظر ابن كثير مثلا) يدل على أن سجود العبد للعبد كان شائعا منذ زمن آدم عليه السلام حتى نبوة عيسى ابن مريم. وكان دليلا على الاحترام للكبير, وما كان أغرب هو سجود الكبير للصغير, أو الوالد والوالدة لولدهم النبي الوزير بأرض مصر! يقول ابن كثير (وقوله "ورفع أبويه على العرش" قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد يعني السرير أي أجلسهما معه على سريره "وخروا له سجدا" أي سجد له أبواه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلا" وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل" أي التي كان قصها على أبيه من قبل "إني رأيت أحد عشر كوكبا" الآية وقد كان هذا سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام فحرم هذا في هذه الملة وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث أن معاوية قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم فلما رجع سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا يا معاذ؟ فقال إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله فقال لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها. وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة وكان سلمان حديث عهد بالإسلام فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تسجد لي يا سلمان واسجد للحي الذي لا يموت والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم). ـ انتهى كلام ابن كثير ـ. وما زالت هذه الممارسة التي نراها "غريبة" اليوم معمولا بها في بعض دول الشرق الأقصى في وقتنا المعاصر, فترى اليابانيين يحني بعضهم لبعض الهامات بما يقارب السجود عند التحية, كما يجثو الهندي البوذي عند قدمي والده أو والدته احتراما وتبركا. بما يبين صحة أطروحة "سافاي" بأن ما يراه شعب ما حقا قد يراه الآخر باطلا. وهذا يعني ضرورة قراءة النص والوقائع بدلالة ظرفها ومحتواها الزمكاني لا بمعزل عنها. وهذا ما يثبته المشرع في الدين الإسلامي حيث ستحاسب كل نفس بدلالة "ما أوتيت" من علم ومال وصحة وجمال, وليست المحاسبة على "إطلاقها" بل بدلالات ظروفها "المعيارية" التي تختلف من فرد لآخر.
وهذا ما يجعلني, رغم أنني قارئ متحمس للتراث وفلسفته, أدحض وأرفض وأتحفظ على معظم القراءات "اللاتاريخية" لما يسمى "بالمدينة الإسلامية" اعتمادا على فقه مبتدع من معماريين "متفيهقين" أو "متفيقهين" اسمه "فقه العمران", ينبش في علوم الأقدمين وينقل نصوصهم بحرفية مدقعة خارج "سياقها" وخارج "ظروفها التاريخية" التي أعطت بعضها شرعية وقبولا في المجتمعات الغابرة بما لا يناسب وقتنا ولا ظرفنا "الزمكاني". وهذا هو السبب الأساسي لدحضها إذ أن غالبية من ينتسب لهذا الفكر يقرأ النصوص "بحذافيرها التاريخية" وخارج سياقها الضمني والوقتي والظرفي ويسعى جاهدا لتمديدها عبر أطر الزمان والمكان للوقت الحاضر بمحاولة تقديمها "كنماذج" معلبة جاهزة ليس عليها أي تاريخ لانتهاء صلاحيتها في أحسن الأحوال, وإيهام القارئ البريء بصلاحيتها للأبد في أسوئها! مما يعني برأيي أن هذا الجمود لم يطل النصوص التاريخية ذاتها بل تعداها للفكر والعقليات منتهية الصلاحية التي تقف وراءه.
إشكالية من ذات النوع, وإن بطريقة مقلوبة, تنطبق على "النص المعولم" مقابل "جمود" القارئ في مشرق ومغرب وما بينهما من تباينات ثقافية واجتماعية وحضارية فطر عليها الناس على الإختلاف. وفي هذا السياق ينقل عن "محمد المويلحي" اقتباسا مفيدا فيكتب: "لا يتحتم أن ما يكون ذا نفع عند الغربيين يكون له نفع عند الشرقيين لاختلاف ذلك كله فيهم وتفاوته بينهم, فما يكون في باريس حسنا يكون في برلين قبيحا, وما يكون في لوندرة (لندن) حميدا يكون في الخرطوم دميما, وما يكون في رومية حقا يكون في مكة باطلا, وما يكون عند الغربيين جدا يكون عند الشرقيين هزلا". ولذلك فالحض على التفتح الذهني وتوسيع الأفق لرفد العقلية الذهنية الموضوعية طرحه الفيلسوف (ت.س. إليوت) بقوله: "ارتحلوا, انطلقوا أيها الرحالة, فأنتم لستم نفس الأشخاص عند بدء الرحلة". ويقول أبو الحسن المسعودي: "ليس من لزم وطنه وقنع بما نما إليه من الأخبار من إقليمه كمن قسم عمره على قطع الأقطار, ووزع بين أيامه تقاذف الأسفار, واستخرج كل دقيق من معدنه, وإثارة كل نفيس من مكمنه". فالترحال وأدب الرحلات قديما كان يعني "الترحال الفعلي" أو "الفيزيائي" أي الانتقال من منطقة جغرافية لأخرى لأشهر وربما لسنوات طويلة كما فعل إبن بطوطة لأكثر من 29 عاما بدأها برحلة للحج تطورت بعدها لمشروع استكشاف للعالم القديم ومعرفة كنهه ووصفه. لكن العالم الحديث بات مختلفا بشكل مذهل, فعدا عن أنه أصبح يمكن استكشاف قاصيه ودانيه بالانتقال فعليا والسفر في ساعات معدودة ومعاينة اختلافاته الثقافية, بات من الممكن استكشافه "افتراضيا" بوسائل العولمة والتكنولوجيا الحديثة من تلفزة وانترنت وبريد الكتروني وسواها. في مقابل هذا كله يقف المرء عاجزا عن إدراك ما يسود بعض أنحاء العالم الثالث من جمود ثقافي وذهني عن طرح الفكرة ومناقشتها بوعي متفتح وذهن موضوعي. وهو ما يؤسس بقلق لإشكالية "عولمة النص" في مقابل "جمود المثقف" المتربص والمجتمعات التقليدية.
فالانفتاح "العولمي" خلق مشكلات في كيفية تلقي النص من قبل القارئ على اختلاف الخلفيات الثقافية والاجتماعية والدينية والعقلية التحليلية. وباتت هذه المسألة محبطة لدى الكثير من الكتاب والأقلام المجيدة. وقد قرأت مؤخرا مقالا للكاتبة الدكتورة ديمة طهبوب, وهي قلم عربي متميز ثاقب الفكرة والنظر, بعنوان "القارئ الشهد والقارئ العلقم", تثير فيه إرهاصات تلقي القارئ "العلقم" لنص الكاتب والتعليقات التي تشتم وتجرح الكاتب دون تدبر الفكرة. تكتب الدكتورة في مقالها: (وقد أتاح تقدم وسائل الإعلام وانفتاحها على الجمهور زيادة في التفاعل بين الكتاب والقراء، وفي بعض الأحيان يكون ذلك غاية في الإيجابية، فالقارئ الواعي يمارس دورا مسؤولا في الرقابة على وسائل الإعلام والكتاب وتوجيههم بأسلوب بناء قد يفتح أبواب الحوار المفيد والعقلاني، والكاتب مهما بلغ من المهنية والحرفية والعلم لا يستغني عن القراء، فالأفكار كأي عرض وكلما أحسن الكاتب تسويقها أقبل القراء على الشراء، وإذا توقف القراء عن القراءة له توقف سوقه ولو كان ما يطرحه مقدسا، فحتى القول الحسن والجميل بحاجة الى وعاء يحتويه ويظهر ما فيه من مكامن الحسن، والكلمة الطيبة كما يقال جواز مرور الى العقول والقلوب". وتضيف الكاتبة الكريمة فتقول: "ولكن هذا التواصل والانفتاح له سلبياته الواضحة فبعض القراء لا يحسنون إلا النقد والتجريح وحتى الشتم مما حدا بكثير من المواقع الإعلامية التفاعلية والصحف الى إيجاد سياسة مراقبة داخلية تراجع تعليقات القراء قبل نشرها إدراكا منها أن بعض الجهلة قد يستغلون هذه الفسحة من الحرية لتبادل الآراء والخبرات لنشر سمومهم وتصفية الحسابات الشخصية أو لمجرد المعارضة المحضة، فبعض القراء يقرأون بأفكار مسبقة عن الكاتب تتهمه مهما فعل وقال، وحتى النقاش معهم لا يوصل إلا الى طريق مسدود وصدق فيهم قول الشاعر: (أقول له زيدا فيسمع خالدا... وأكتبه عمرا ويقرأه بكرا). ـ انتهى النص المقتبس من الكاتبة ـ.
وهذه الفكرة تلخص إشكالية انفتاح "النص المعولم" عبر أثير الإنترنت على مختلف الثقافات وتباين الخلفيات الثقافية والدينية والفكرية والاجتماعية بما يتيحها عرض الأفكار على العموم مخترقا الحدود الجغرافية ـ كل هذا في مقابل "جمود الفكر" ودغمائيته وتدني مستوى النقاش وغياب المعايير الموضوعية للحوار وغياب أدب الاختلاف. فالنص المكتوب لأي ناقد أو كاتب لم يعد مقتصرا على بيئة ثقافية بعينها أو موجها لمجتمع خاص بذاته, رغم تباينات المجتمع الواحد ذاته, بل بات يقرأ النص الواحد قراء من المحيط إلى الخليج ومن القطب المتجمد لأدغال إفريقيا البدائية ومجاهيل الصحارى كلما توفر الإنترنت. ويساعد على تنامي المشكلة ما بات يحذر منه الكثير من المثقفين من تراجع قيمة الكلمة المطبوعة ورقيا مقابل النص الإلكتروني, وبحيث باتت الكثير من الجامعات العربية تتنافس, بسذاجة مدقعة وتجاوزا لكل القيم والمعايير الأخلاقية في حفظ حقوق النشر والطبع, بإعادة إنتاج "أمهات الكتب" وما وقع تحت أيديها من مطبوعات "ومسحها" إلكترونيا (scan) ورفعها على مواقعها لتوفير النصوص جزافا, جريا وراء محاولة إدراجها عالميا ضمن تصنيفات الشرق أو الغرب بزيادة عدد الكتب والمؤلفات التي بحوزتها ومنشوراتها من الأوراق العلمية, بما بات يدفع العالم شيئا فشيئا للتخلي عن الطباعة الورقية التاريخية التي لن تصبح مجدية للكاتب أو دار النشر بعد حين يسير بفضل هذه الهستيريا المحمومة. ولذلك فالإشكالية القادمة والتحدي الحقيقي بات يكمن في حقيقة أن قراءة الكتب "التاريخية" من قبل قارئ صامت, لم تعد كذلك بل أضحى الجميع يقرأ النص الإلكتروني بصوت عال, يتداخل فيه صوت العالم والجاهل معا, وأصبحت المشاركة التفاعلية ممكنة لجمهور, من بعض الغوغائيين أحيانا ليس مهيئا بالضرورة للحوار الهادف. وأصبح بعض القراء يعتقد أن لديه القدرة على النقاش, رغم افتقاره لأسس الموضوعية التي تعني توفر الذهنية المتفتحة والتخلي عن العنصرية الإثنية أو الأيديولوجية أو الشخصية المقيتة ومناقشة الفكرة دون التعرض للناقد. وهذا التخلف في النقاش الغوغائي لا يعكسه فقط وبالضرورة التحصيل العلمي أو رفعة الدرجة الأكاديمية, بل تجده في الغالب وفي العالم العربي قد يزداد مع رفعة الدرجة الأكاديمية إن غلب التحيز والدوغمائية والتكلس الفكري على عقلية القارئ.
ومشكلة سوء قراءة النص تزداد سوءا وتعقيدا لدى الكتاب من العقول المهاجرة, وهما نوعان: نوع أدار ظهره تماما لعالم فارقه تماما, وعاش وتعايش واندمج في النظام المتطور الذي هاجر إليه وتنعم بما قدمه له من رفاه فكري ومعيشي لم يقدم له معشاره عالمه الذي فر منه. ونوع ثان من المفكرين أثقلته هموم ما تعانيه أوطانه التي "جحدته" وتنكرت له, فأطل عليها بحسرة وألم ولم يتنكر لها بل طفق يكتب عنها ولها بما تيسر له من فرصة لم تتح لأقرانه وبني جلدته أملا في بعث بوادر نهضة وتململ حضاري وفكري. النوع الأول كفا نفسه وغيره من المؤمنين شر "القتال الفكري" وعاش منعما مكرما معترفا به من الغرب، ولاحقا من الشرق التابع. أما النوع الثاني فغدا في أحسن الأحوال هدفا للقذف والتجريح في دينه ووطنيته وعقيدته وأهدافه, وبات يرى بذهول محاولات بعض الظلاميين لتصدير جمودهم الفكري خارج إطار عالمهم المتخلف الذي يزيدونه تخلفا بدغمائيتهم وباتوا يريدون تصدير تخلفهم للعالم المتطور.
والمتابع لأي نقاش على المنتديات الثقافية الإفتراضية, وبغض النظر عن الحرية التي توفرها لتعليقات القراء, يجدها في أحسن الأحوال مديحا "أجوفا" لهذا الكاتب أو ذاك دون أن يقدم فكرة عميقة نقدية للنص, بما يعكس ضحالة ثقافية وعدم قدرة حقيقية على النقاش الجاد, أو يعكس تجريحا ونقدا وهجوما شخصيا مباشرا إن توفرت الحرية من مقص الرقيب, أو مبطنا وغمزا ولمزا إن خشي المعلق بتر تعليقه. والخاسر في الحالتين هما الكاتب والقارئ, فلا يستغني الكاتب عن توجيهات القراء, والكثير منهم يطرح أفكاره كسلعة أولية لإنضاجها مع القارئ "المثقف", ليصطدم بدلا من ذلك بالقارئ "المتربص" الدوغمائي الذي يدخل الجميع في متاهات ودوامات من الجدل البيزنطي العقيم الذي يضيع الفكرة الأساسية للنص ولا يسقي أرضا ولا ينبت زرعا!

د. وليد أحمد السيد

أعلى





.. النهاية 17

ارتفع البخار، بعد أن غلى الماء ونسيته طويلا على الكانون.
عندما تذكرت ، حملت الأناء النحاسي إلى الأم ووضعته بجوارها . نظرت إلى البخار المتصاعد ، ثم أعادت النظر إلى ابنتها الواقفة أمامها ، هزت رأسها في حيرة ، لأنها عرفت أن الماء سخناً يكوي أصابع اليدين أثناء عجن الطحين .
قالت بزهق كأنما تحدث نفسها :
آه ، آه . لن استريح إلا بالموت .
سارعت الابنة معقبة :
بعد الشر عنك ياحاجة عيشة .
واصلت حديثها في حزن باد مع نبرات صوتها :
طول عمري وأنا أحاول.. أعلمك ، وأنت لا تتعلمين !!
صمت برهة ، ثم استطردت :
هيه .. الموت هو الراحة .
ونظرت في المنخل الصغير ، وهي لا تتوقف عن غربلة الدقيق ، قالت كأنما تحدث الرجل الكبير :
ياويلي من بعدك ياشيخ بدران . ياويلنا كلنا .. ستتركنا لمن بعدك ...
ظلت الصبيَّةُ مشدودة في حيرة ، من كلمات الأم ، هل أخطأت في شيء ، هل فعلت شيئاً فجر في أعماق الأم كل هذه الحيرة وهذا التشاؤم . سألت في حزن :
ماذا فعلت يا أمي ؟!
عقبت باستغراب :
متى ستتعلمين ؟!
ومالت برأسها ناحية كتفها الأيسر وصمتت. كانت دمعة تود أن تنزلق على خدها الأيمن ، الخطوط التي حفرها الزمن ، بدت ظاهرة واضحة ، بعض الشعيرات البيض تطل من تحت غطاء الرأس الأسود . أحست الابنه الصغرى بما يعتري الأم الكبيرة من حزن وألم ، وشاهدت الدمع يترقرق في عينيها مع بريق الضوء الصادر من الكوه . إقتربت منها ، جثت بجوارها . بهدوء سألت:
ما بك يا أمي ؟!
لم تجب ..
عادت الصبيَّةُ تسأل :
مالك ياحاجة عيشة ؟!
هزت رأسها ونزل الدمع :
لا شيء ، يانوال .. يابنتي .
قالت الابنة الصغرى :
هل أخطات أنا .. في شيء ؟!
ردت الأم في صوت مشحون بالعبرات :
لا ، بل تذكرت أباك . كيف أعد له خبز المناحة بيدي هذه ؟! مافكرت في هذا طوال حياتي ، الآن كيف طاوعتني يدي .. كنت أود أن يكون يومي قبل يومه ...
ولم تقو على مواصلة الكلام ، فصمتت وهي ترفع يديها عن الماجور . أسرعت الابنة معقبة :
بعد الشر يا أمي . أطال الله لنا في عمره ..
قالت في يأس :
العمر ضاع ، وأبوك لا يقول ، آآآه .. إنه يتألم من المرض منذ زمن ، وأنا أحس به ، وهو صامت ، وصابر ...
قالت الصبيَّةُ تطمئنها :
لكنه في صحة طيبة ، وتحدث مع عبدالفتاح ، ثم نام ...
عقبت في حزن ، ومازال الدمع ينحدر على وجنتيها :
إنها صحوة الموت يانوال يابنتي ، ونوم العافية .
اعترضت نوال في حيرة :
لكن عمتي فاطمة ، تقول إنه سوف يسترد عافيته وصحته ، عند مشاهدته لابنه عبدالرازق ...
إعترضت الزوجة القديمة :
تريد أن تتعلق بالأحبال الواهية . إنه يجاهد ، لا يود أن يترك روحه تتزع منه ، إلا .. بعد مشاهدة ولده عبد الرازق ، حتى يستريح ، ويستريح في قبره ..
قالت نوال وهي على وشك الانهيار :
لكنها أكدت بأنه سوف يعيش ، يعيش ..
أخذت تحبس دمعها وبكائها في صوت مكتوم ..
توقف الحوار .
وعم الصمت .

* * *
يوم أن علمت عيشه الجنزوري ، أن الشيخ بدران قرر الزواج ، صرخت في وجه ابنها الأكبر :
أنت رجل على وشك الزواج ، وأبوك يتزوج ؟!
صمت مترددا ، في حيرة من كلامها ، ثم قال متسائلا :
وماالعيب في ذلك ؟!
قالت بصوت مرتفع وبضيق :
يزوجك أنت أولا ...
وصمتت ، أردفت بعد مدة ، عندما لم يفهم ولم يعقب على قولها :
كنت انتظر منك أن تقول له عيب ياأبا .. تأتي لنا بواحدة غريبة على أمنا .. تخرب علينا البيت، وتفرق العائلة ...

* * *
لم ينطق، لأنه لا يستطيع أن يقول للأب كلمة واحدة مما سمع ، أن يفاتحه في هذا الموضوع . يومها عقبت هانم على كلام أمها ، مدافعة عنه ، فهي بنت أبيها.. كما يقول الجميع في أنحاء البيت :
أنت دائماً تناكفيه . تنغصين عليه حياته ، دوماً لا تكفين عن الشجار معه ، ترددين على مسامعه أن عائلة الجنزوري هم أسياد الناحية ، وأعيان البلدة ، واطيانهم تركض بطولها الخيل ، أمَّا عائلة الحاج أحمد بدران الكبير ...
قاطعتها بحدة ، لم تكن تتوقع من ابنتها الكبرى ذلك ، قالت في ضيق وهي تدفعها بخفة من أمامها :
فالحة يابنت عائلة بدران !! طالعة لأبيك . هذه آخر تربيتي فيكم !! وهذا ما آخذه منكم يا أولاد الشيخ بدران ، آخر خدمة الغز علقة !!
وصاحت في وجوههم مهددة ، بصوت سمعه كلّ من بالبيت :
لن أعيش معكم بعد هذه الخدمة ، بعد أن أفنيت عمري وزهرة شبابي في تربيتكم ، توافقون أباكم على ما يفعل !! آآآه .. ياميلة بختك في أولادك ياعيشة . سوف تأتي من تريكم النجوم في عز القيالة . سوقف تسيرون على العجين . سوف تلعن لكم سنسفيل أجدادكم وأنتم صامتون . أنا أعرف البندرية القادمة من المركز .. ستكون كالحة الوجه ، مكشوفة على الغريب قبل القريب . ياخيبة بختي فيكم ياأولادي !!
وأغرورقت عيناها بالدموع ، فتوقفت عن الصياح ، وهزت رأسها في حيرة وحدثت نفسها :
لمَّا جرت الدموع على خدي ، قلت أيّ .. أيّ...

وجمعت ثيابها في صرة ، وتركت البيت .. غاضبة .
عادت إلى بيت أهلها في النخلة البحرية .
وفي غيابها ، تم الزواج ...

* * *
مرت أيام ، وأسابيع .. تجمعت إلى شهور . قال لها أبوها شومان الجنزوري ذات يوم :
عودي إلى بيتك وأولادك ياعائشة ..
قالت معترضة :
لن أعود إلى بيت فيه ضُرَّة لي ..
قال ليخفف من إصرارها :
أنت المسئولة في أنك أوجدت هذه الضُرَّة ..
قالت في تخاذل وهي تحبس دمعها :
كلكم عليَّ.. ماذا فعلت ؟!
شدد الأب الضغط عليها حتى تلين :
من سوء معاملتك له . بحث عن أخرى تريحه .
لم تعقب . بدأت تتنهد . بعد فترة صمت ، قال ملاطفاً :
في غيابك ، وقع الأمر ، وانتهى كل شيء . وأهل زمان قالوا ؛ نصف العمى ولا العمى كله . وأنت الكبيرة العاقلة بالبيت ؛ ارضِ بالمقسوم
يا عائشة يا ابنتي ..
وربت عليها بحنان . دوماً يناديها : ياعائشة . هو الذي أختار لها هذا الإسم . لكن.. في مكتب صحة مركز أبو حمص ، عندما ذهب لتسجيلها في دفتر قيد المواليد ، أخطأ الموظف المختص وكتبها عيشة . عندما تسلم الشهادة وجد الاسم على عكس المراد ، إحتج على الموظف لأنه أخطأ في كتابة الإسم . حاول الموظف إرضائه ، قال إنها تكتب على الورق هكذا ياشيخ شومان ، وأنت تناديها بما تحب وتهوى ، عيشة ، عيوشة وعائشة . أحب الأسماء عندك أطلقها عليها ، الأسماء ليست بالفلوس ، وهذه مجرد حبر على ورق . أهم شيء في الشهادة هو النسب يا شيخ شومان ، لأجل الميراث والحق والمستحق . أطال الله في عمرك ..
أصبحت في شهادة الميلاد عيشة، وأمست عيشة الجنزوري. لكنه درج على أن ينطقها عائشة .
قالت في صوت خافت حتى لاتغضب أباها :
فليحضر هو شخصياً ليردني إلى بيتي ...
اعترض الأزهري القديم، الذي جاور ولم يكمل تعليمه عندما علم بوفاة والده ، عاد ليتولى المسئولية من بعده :
هو لم يطردك ، حتى نطلب منه أن يحضر ليردك.
قالت في حيرة:
والحل ؟!
أجاب دون مواربة:
كما جئتي برجليك الاثنتين ، عودي إليه ..
لم تدعه يكمل ، قالت في عناد :
الطلاق، ولن أذهب بنفسي إليه ..
قال في لين :
ليس هذا عين الصواب ، خرجت بدون إذن منه . الرجل لم يطردك ، وطال غيابك في بيت أبيك ، وأنا لن أشجعك على هذا التصرف الخاطئ .
وإقترب منها أكثر وقال بصوت يشبه الهمس :
أنا المسئول عنك ، وأعرف مصلحتك . عودي إلى بيتك ياعائشة وأولادك ، بدران يعرف حق الله ، وسوف يعدل بينكما . هذا درس لك ، أرجو أن تستفيدي منه طوال حياتك ...
قالت بنبرات حزينة :
أعود مكسورة الخاطر ، ذليلة ..
قال محتجاً :
لا ، سأخذك أنا بنفسي إلى هناك ..
رضخت للكلام في خفوت :
حاضر ...
ومالت برأسها نحو الأرض .

* * *
هيه.. أيام .
وزفرت ، زفرة حارة ..
بدران . مات في داخلها منذ زمن طويل ، من سنوات مضت ، عندما تزوج بغيرها ، وإن كان لم يحبس عليها حقها في الحياة الزوجية ، يزورها في الليالي التي تسافر فيها البندرية لزيارة أهلها في مدينة أبوحمص . أنجبت منه بعد زواجه من فاطمة ، عبدالنبي ونوال ، وهما أصغر من عبدالرازق ابن فاطمة . لكنها كانت تحس في قرارة نفسها بالإهانة ، فضل البندرية عليها ، بالطعنة في كبريائها كأنثى وأم لأكبر أولاده الذكور والبنات ، بالحرج لأنها تساوت معها وهي بنت أعيان بلدتها . أغنى أغنياء الناحية . وبعد هذه الطعنة ، قالت في مناسبة حديث عنه :
لقد رميت طوبته ...
الآن ، تحزن ، وتحزن من صميم قلبها ، تتذكر كل موقف جميل له .

* * *
خيم الصمت على أركان الغرفة الأربعة ، إفترش الحزن الأرضية ، عشعش في كل جوال وزلعة وإناء ، إختفى وراء كل صندوق وسحارة ، تدلى مع عقود البامية اليابسة . الآن .. تأكد لها ما كان يجيش بداخلها . الريح.. قادمة !! كما نطق الرجل الكبير . لابد أن تستعد لمواجهة الريح ... ومن الآن ياعائشة يابنت الجنزوري ، الآن .. ماهي الخطوة التالية بعد أن يسقط الجمل الكبير ، رب العائلة وعمود البيت ؟! سوف ينهار كل شيء ، كل أركان البيت ، تذروه الرياح الغاضبة وتنعق البوم في الخراب ، وتعلو الأصوات الزاعقة التي لا تعرف الحق أو العقل أو رابطة الدم وصلة الرحم ، الكل نفسي .. نفسي ومن بعدي الطوفان ، فالريح الغاضبة لاتبقي ولا تذر !!

* * *
عادت الأم الكبيرة إلى إعداد الطحين بعد أن توقفت طويلا ، رفعت وجهها ونظرت إلى ابنتها الجاثية على مقربة منها :
خذي المفتاح الخشب يانوال ، من فوق الرف أمامك . وإحضري الملح من الحاصل ، حتى ننتهي من العجين .
خرجت ، أحضرته وعادت مسرعة . إنهمكت عيشة في نخل دقيق الأذرة.. حتى إمتلأ الأنجر الواسع العميق ، وضعت قليلا من الملح على الماء وحركته حتى ذاب . صبت الماء على الدقيق الناعم المنخول . بدأت تعجن ، وضعت قليلا من اللبن الحليب وأخذت تلت العجينة ، قبل أن تنتهي من العجن نثرت الخميرة وغطت الأنجر بعناية وإحكام ، قالت لابنتها :
إطلبي من وديدة إعداد الفرن للخبيز ، لحين أن يخمر العجين .
خرجت الابنة في صمت .
رفعت الأم ذراعها اليمنى وجففت أثار الدموع على خديها قبل الخروج من الغرفة ، أحست بخطوات قادمة تقترب من المخزن ، نظرت نحو مصدر الخطوات . توقفت الخطى على العتبة ، سدت الضوء الداخل للغرفة فأظلمت المكان الضيق ولم تر شيئاً :
ماذا تفعلين ياحاجة عيشة ؟!
عرفتها من صوتها ، أجابت :
أخبز عيش شامي ...
ولم تكمل ، سألتها :
لمه ؟!
أجابت باقتضاب :
خبز العافية ..
صمتت ، أغرورقت عيناها بالدموع . واصلت الأم كلماتها عندما أحست بما يجيش داخل ابنتها المحببة إلى أبيها ، قالت في صوت هامس كأنما تعلل ماتقوم به:
احتياطي يا هانم يابنتي. وأنت جهزي الأرز وضعيه على النار ، ولا تنس الخضروات وكل مايلزم الطبيخ والضيوف . البيت طوال عمره عامر، وسيظل عامراً بإذن الله ...
قاطعتها في حيرة وحزن:
وما سبب كل ذلك ؟! نقدر البلاء قبل نزوله ...
وتهدج صوتها، فأمسكت عن الكلام .
عقبت الأم الكبيرة وهي تغالب دمعها :
الموت .. علينا حق.

(للنهاية.. بقية)

عبدالستار خليف *
* كاتب وروائي مصري

أعلى





تـراثـيـات

السؤدد

قال رجل لعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: مَن السيد؟ قال: الجواد حين يُسْأَل، الحليم حين يُسْتجهَل، الكريم المجالسةِ لمن جالَسه، الحسَن الْخُلُقِ لِمَنْ جاوره... وقال رضي الله عنه: ما كانتِ الدنيا همَّ رجل قطُ إلاَّ لزم قلبَه أربعُ خِصَالٍ: فَقْرٌ لا يُدْرَك غناه، وهَم لا ينقضي مَدَاه، وشُغْلٌ لا ينفَدُ أُولاه، وأمل لا يبلُغ مُنتهاهُ.

ــــــــــــــــــــ


صنيع الغيث

من الدرر المأثورة عن الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ كلمته : قيمة المرء ما يحسنه... وقد ذكر أبو عثمان عمروُ بن بَحْرٍ الجاحظُ هذه الكلمة في كتاب البيان فقال: فلو لم نَقِفْ من هذا الكتاب إلاَّ على هذه الكلمة لوجدناها شافية، كافية، ومجْزِية مُغْنِيةً، بل لوجدناها فاضلة عن الكِفاية، غير مقصِّرة عن الغاية، وأفضلُ الكلامِ ما كان قليلُه يُغْنِيك عن كثيره، ومعناه ظاهرًا في لَفْظِه، وكأنَ الله قد ألْبَسه من ثيابِ الجلالة، وغشَاه من نُورِ الحكمة، على حَسَب نِيَّة صاحبه، وتَقْوَى قائله، فإذا كان المعنى شريفًا، واللفظ بليغًا، وكان صحيح الطبع، بعيدًا من الاستكراه، منزَّهًا عن الاختلال، مَصُونًا عن التكلف؛ صَنَع في القلوب صَنِيعَ الغَيْثِ في الترْبَةِ الكريمة، ومتى فصِّلَت الكلمةُ على هذه الشريطة، ونَفَذَت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله، عزَ وجل، من التوفيق، ومنَحَها من التَأْييد، ما لا يمتنعُ من تعظيمها به صدورُ الجبابرة، ولا يذهل عن فَهْمِها معه عقولُ الجهلة.

ــــــــــــــــــــ

فدية الموت

عمر بن شبة، قال: قال رجل: مررت ببلاد بني عامر بعجيز قد خزفت. وحولها نسوة قد أحطن برجل يجود بنفسه، والعجوز تقول: أيا ملك الموت دع لي صعصعًا، فإنه ثمرة فؤاديه فإن أبيت فخذ من أعمار من ترى ما شئت، ثم تقبل على النسوة فتقول: أتسلمن? فيقلن: نعم والله وليزد ما شاء ثم تبكي مريضها وتقول:
كأنك لم تذبح لأهلك نعجة
ولم تلق يومًا بالفناء إهابها
ولم تجب البِيد التنائف تقتنص
بهاجرةٍ حِسلانها وضِبابها
فإن متَّ هدَّ الموت أبناء عامرٍ
فخصَّ بها كعبًا وعمَّ كلابهـا
ثم تعود فتقول: أيا ملك الموت أرضيت أم نزيدك? وتقول النسوة: يا عميمتاه أرضيه وزيديه، ثم تعود فتبكيه فتقول:
أصعصعُ مالي لا أراك تجيبنا
أتسمع نجواناك أم لست تسمع?
إذا غيبتك الجول عنا فلم تؤب
فمن يرقع الوهن الذي كنت ترقع
فلو كان هذا الموت يقبل فدية
فذاك ثمانٍ مسعفاتٌ وأربع
فيقبل النسوة عليها فيقلن: نعم والله وأكثر.


ــــــــــــــــــــ


لعلها

قال محمد بن زياد البكراوني: سمعت ابن عائشة يقول: دخلت امرأة من هوزان على عبيد الله بن أبي بكرة فقلت له: هي الأخيلية. فقال: لعلها. فقالت أصلح الله الأمير، أتيتك من بلاد شاسعة ترفعني رافعة وتهضبني هاضبة، لملمات من البلايا برين عظمي ونكهن جسمي، وتركنني أمشي بالحريض قد ضاق بي البلد العريض بعد عدة من الولد وكثرة من العدد، أفنين عددي وأوعزن تلدي، فلم يتركن لي سبدًا ولم يبقين لي لبدًا، فسألت في أحياء العرب من المرتجى سيبه والمأمون غيبه والمحمود نائله فدللت عليك ـ أصلحك الله ـ وأنا امرأة من هوازن هلك الوالد، وغاب الفاقد، فاصنع بي إحدى ثلاث.
قال: وما هن? قالت: تحسن صفدي أو تقيم أودي أو تردني إلى بلدي، فقال: بل نجمعهن لك. فجمع لها الخلال الثلاث. قال أحدهما: ثم أوصى لها بعد موته بمثل ميراث أحد بناته.


ــــــــــــــــــــ

لو نيلت الدنيا
أبو فراس
ولو نيلت الدنيا بفضل منحتها
فضائل تحويها وتبقى فضائل
ولكنها الأيام تجري بما جرت
فيسفل أعلاها وتعلو الأسافل
لقد قل أن تلقى من الناس مجملاً
وأخشى قريبًا أن يقل المجامل
ولست بجهم الوجه في وجه صاحبي
وإن سأل الأعمار ما هو سائل

فهبنا للكرام الكاتبينا

أمر أبو جعفر المنصور بسجن طائفة من الكتاب غضب عليهم،فكتب إليه بعضهم من طريق السجن:
أطال الله عمرك في صلاحٍ
وعزٍّ يا أمير المؤمنينا
بعفوك نستجير فإن تجرنا
فإنَّك رحمةٌ للعالمينا
ونحن الكاتبون وقد أسأنا
فهبنا للكرام الكاتبينا

ــــــــــــــــــــ

مالك بن الريب يرثي نفسه


ألا ليت شعري هـل أبيتـن ليلـة
بوادي الغضا أزجي القلاص النواجيا
فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه
وليت الغضا ماشى الركاب لياليـا
لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا
مزار ولكـن الغضـا ليـس دانيـا
ألم ترنـي بعـت الضلالـة بالهـدى
وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
تذكرت من يبكي عليَّ فلـم أجـد
سوى السيف والرمح الرُّدينيّ باكيـا
وأشقـر حنذيـذ يجـر عنـانـه
إلى الماء لم يترك لـه الدهـر ساقيـا
ولما تـراءت عنـد مـرو منيتـي
وحُلَّ بها جسمي وحانـت وفاتيـا
أقول لأصحابـي ارفعونـي فإننـي
يقر بعينـي أن سهيـل بـدا ليـا
يا صاحبي رحلي دنا الموت فانـزلا
برابيـة إنــي مقـيـم ليالـيـا
أقيما عليّ اليـوم أو بعـض ليلـة
ولا تُعجلاني قـد تبيـن مـا بيـا
وقوما إذا ما استل روحـي فهيئـا
لي القبر والأكفان ثـم ابكيـا ليـا
وخطّا بأطراف الأسنـة مضجعـي
ورُدّا علـى عينـيَّ فضـل ردائيـا
ولا تحسدانـي بـارك الله فيكمـا
من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
خذاني فجرانـي ببُـردي إليكمـا
فقد كنت قبل اليوم صعبـا قياديـا
وقد كنت عطافا إذا الخيل أحجمت
سريعا لدى الهيجا إلى مـن دعانيـا
يقولون لا تَبْعُـد وهـم يدفنوننـي
وأيـن مكـان البعـد إلا مكانيـا
وبالرمل مني نسـوة لـو شهدننـي
بكيـن وفدَّيـن الطبيـب المداويـا
فمنهـن أمـي وابنتاهـا وخالتـي
وباكيـة أخـرى تهيـج البواكيـا
وما كان عهد الرمل منـي وأهلـه
ذميما ولا بالرمـل ودعـت قاليـا

ــــــــــــــــــــ


هذا عقلي بخلت به

قيل لخالد بن صفوان: لم لا تنفق مالك فإنه عريض؟ قال: الدهر أعرض منه. وقيل لعبد الله بن جعفر وهو يماكس في درهم: تجود بما تجود وتماكس في هذا؟ فقال: ذاك ما لي أجود به، وهذا عقلي بخلت به.


ــــــــــــــــــــ


آيات الكمال

قال ابن السماك: الكمال في خمس: ألا يعيب الرجل أحدًا بعيب فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنه لا يفرغ من إصلاح عيب واحد حتى يهجم عليه آخر، فتشغله عيوبه عن عيوب الناس؛ والثانية: ألا يطلق لسانه ويده حتى يعلم أفي طاعة أو معصية؛ والثالثة: ألا يلتمس من الناس إلا مثلما يعطيهم من نفسه؛ والرابعة: أن يسلم من الناس باستشعار مداراتهم وتوفيتهم حقوقهم؛ والخامسة: أن ينفق الفضل من ماله ويمسك الفضل من حاله.


أعلى




الأدب الشعبي


كلنا جنّدك حماتك

حن تربينا بعزّك يا وطن لين استوينا
نحمل امجاد الجدود بزندنا لين السحاب
ما وطأنا أي شبر بأرضنا الا مشينا ..
ــه وزرعنا كل بذرة لين خضّرنا التراب
نحمل الماضي بشموخ وعزم من قبل ابتدينا ..
في منارات العلم والنور نحمل بك كتاب
من قرينا به كأن الفجر يبلج من يدينا
من قرينا به وكل الأسئلة تلقى الجـواب
ابتدينا نْحاكي التاريخ من صحراء لْميناء
نهدي أرض الخير عزم رجالها عز الشباب
نكبر بعمق التراث بفكر وإن قال انتهينا ..
نبتدي قصة من العمران ونشّق الصعاب
كل صنعه في بلادي تفتخر بالعزم فينا
وحن نفاخر بالعقول النيّرة شيبٍ وشاب
ما نشّغل آلةٍ الا من العلم ارتوينا
وما نشّق الصخر الا نفتح الآفاق باب
يا بلادي وإن تخطى أرضك الأعداء جينا
كلنا شعبك حماتك جندّك اللي ما نهاب
نقبض التاريخ من سيف العروبة ما علينا ..
إن تخاذل من تخاذل لجلك نقطــّع رقاب
من تربيّنا بأرضك لين ما نحن استوينا
ما نبت الأ شموخ العز فينا واستطاب
فيصل بن سعيد العلوي*


ــــــــــــــــــــ

الشمس

شمس النهار اصدق حديث وكتابة
من ضربة السياف وعلوم الأبراج
والليل.. لو طوّل علينا اغترابه
الشمس. لا بانت غدا العز مسهاج
خلقت شمسٍ , نورها ما تشابه
كنك ولدت بيوم والكون محتاج
اسرجت كفك واهتدى من سرابه
وابرقت غيمك وانهمر غيث ثجاج
صنت العهد واسعدت كل من سعابه
وانتجت بفعالك قبل قولك انتاج
حتى القمر. . لا من تكلّم جوابه
إنه تسلف من بعض نورك سراج
ويا سيدي لولاك وش هي القرابة؟
اللي تلم الشعب وانته لها سياج
يا سيدي والشعر وش ينقرابه؟
والمدح مدخاله بليّاك ... مخراج
انت العدل نسل الكرام النجابه
اهل الشيم والجود طلقين الحجاج
لك بالوطن جندٍ ومن كل لابة
يفدون يوم تراب الاخطار عجاج
علمتنا كيف المهابة مهابة
واكدت بان الحق ما هوب منعاج
حتى ..غدا التاريخ ذكرك ثوابه
واختار من اسمك على كل من راج
يا سيدي لو الكلام يْتشابه
تبقى الكبير اللى على روسنا تاج

عبدالله العمري


ــــــــــــــــــــ

نحبك

تفاصيل المراجل ما تضيّع بالخطا عنوان
تلاقي من يميزها، يشرفها، و بالتحديد
كمثل الذيب تنتظره قبل لا يقنص الغزلان
لكن رجالنا حنكه يصيد الذيب وهو بعيد
تعالي يا صفات العز، انا عندي إلك انسان
نبعتي منه بالأول ويعطيلك درس تجديد
تعلم يا زمن من حكمة الأخيار والفرسان
لكن مولاي لا جيته بتستغرب لأنه يزيد
اذا كان الأصل طيّب، لآلي من عقب مرجان
واذا كان العدل سيّد، وله من حضرته تشديد
واذا كان المطر صيّب، بفعل الخير والعرفان
واذا كان الأمر شيّد، وقت ما ضاع بالتبديد
مثل قابوس نفخربه وله فالقلب تاج وشان
حشى ما ياخذ الأوصاف بل الأوصاف منه تعيد
يحيّر وصفك بذهني حروف القاف والأوزان
بحور الشعر، تغرق في بحرك الوافر الصنديد
كفايه وين حن كنا ووين اليوم اسم عمان
محافل ما حلمناها، وصلناها، بلا تعديد
أمان وعز علمنا، ولا ظني إله عدوان
لأنه من بغى يعادي بيلقانا صفوف حديد
ومن شكك بصدق القول عالميدان يا حميدان
نحارب لاجل اسم الله وصون عمان وابن سعيد
وحتى من يعادينا، يرد من طيبتك خجلان
عيل معذور بك شعبك اذا حاطك بحب شديد
نحبك كثر ما موج البحار يعانق الشطآن
نحبك كثر ما يلهج لسان الأم فالتهجيد
نحبك كثر ما ندعي بعد ما نسمع الأذان
نحبك لين ما كلمة نحبك أشهدت تأكيد
نحبك من سنة سبعين وانته للأرض سلطان
وذا الحين اربعينك جات، وحبك كل يوم يزيد
عسى يحفظك رب الكون إلهي الواحد الرحمن
نشوفك وانت راضي بس، بحد ذاته حلاوة عيد

راشد بن مبارك بهوان المخيني

ــــــــــــــــــــ

قابوس الفخر

على طاري الفرح في محمل الخير عم وزاد
قصايد شعر نجزلها لمن يستاهل التجزيل
لجل حبك يا قايدنا فخرنا والفخر بك شاد
هجوسي مخيلة فكري وأنا فكري عنى الترجيل
نعم لك يرتجل شعري قصيدي بالفخر لك واد
يصب الشعر لك يرسل هجوسه والحروف تسيل
بلادي عمان بك صارت قصيدة سطرت لمجاد
يخاويها الفرح شعت بها الأنوار طول الليل
أزخرف لك وأنا شاعر أترجم فرحتي ومعتاد
أحاسيس أبرسمها صور بالشعر لك تمثيل ؟
وأنا جيتك أباركلك مثل فارس وقصيده جياد
يروضها بحباكة فكر صحيحة وما تبا التعديل
ألا يا هيبة بلادي وعربان الكرم أجواد
ألا يا حظ من عاش بوطن ما خالطه تعليل
ترى حتى الشجر لجلك وقف لك بالتحايا عداد
نعم لبيه ثم لبيه عد أشعارنا بالقيل
لأنك قايد ومنبر وفكرك راسخ وبك فاد
عقول بك غدت منهج بنور العلم والتبجيل
تفنن يا شعر دامك تخاوي المرجلة وسداد
تفنن وخلى هالعالم يماشوا حكمته كل جيل
لأن الشعر بك يزهى سطوره صايرة أسياد
شموخ يطالها نجوم السماء ويزيدها تجميل
عسى الله يحفظك دايم من عيون الحقد حساد
عسى الله هالوطن يبقى بثوابت حبنا ما يزيل

ناصر بن حميد العلوي

ــــــــــــــــــــ

أفخري يا عمان

يا عمان حقك تفخري على الملا طول السنين
دام اللي بنا مجدك عليّ الشأن الشهم الأسد
أسس دعائم نهضتك بهمه وعزم ويقين
قابوسنا الحُرْ الأبّيّْ الغُر والعالم شهد
أسمك قبسنا وأقتبسنا منه الشئ الثمين
أرواحنا لجل الوطن ترخص ولك مني عَهدْ
كل الشعب ماضين خلف قيادتك متعاونين
متعاضدين فالرخاء وفالشدة هم لعمان سَدْ
طب وصناعة وعلم قانون وثقافة فخير دين
فلتهنئي يا عمان أن قابوس قائد هالبلدْ
أمن وأمان ساده تراب الوطن يالسامعين
نسهر عليه بعيون ما قد جابها فيوم السهدْ
بطائرات في سما جوك هم متعليين
في برها وفبحرها وفجوها نسورٍ تهدْ
خاسي ويخسا كل من فيها طمع والطامعين
تلقى جنود تذود عنها لو توسدهم لحَدْ
كل شبر م تراب العزيزة الماجدة شاهد بعين
وأشهد أنا بأن الذي ع تراب أرضِكْ مسَتعَدْ
ومن عام سبعين أشادك بالعلم في كلمتين
طلبوا العلم يا أبنا عمان لو تحت ظل الوردْ
حتى أنتي يا بنت الشرف نلتي وسام الأربعين
سيري على نهج المفدى بعزم وبهمه وجِدْ
ش أقول شحصي وش أعدد منجزاته هي تبين
كلٍ أشاد بمنجزات النهضة والقائد سردْ
وكل شاعرٍ قد هام في مدحك وقائدك الأمين
لن الشعر في مدح قائدها المفدى ينسردْ
كل شايب وطفل وولد يدعيك يا الباري المعين
تبقيه ذخراً للوطن يالله يا الفرد الصَمَدْ
يا رب تحمي القائد الباني من حاسد وعين
بعداد من طاف الحَرَم وكَبَر ومِنْ ثم سِجَدْ

مسلم عبود عبدالله الحجري

ــــــــــــــــــــ


انتي ملاك

انتي الغلا فوق الثريا منزلك
انتي المعزة ان طروفها العارفين
انتي الفرح يلي يسجسج بك ولك
كالطير لي علّى ارتفاعة ما يبين
انتي الهنا لي يهتنا منك وبك
لنك ورود مفتحة ودرٍ ثمين
ما الوم نفسي فالهوى ومحبتك
وما حد يلوم اللي مصوب من سنين
والله احب وكل من شافك هلك
يغرق بحبك يا قصيد العاشقين
والله اعزك والمعزة مْعزتك
ومنك المعزة تاج عالي ع الجبين
والله اودك والمودة مودتك
وكلٍ تراه يود شوف الغاليين
ما الوم نفسي ان تمنت شوفتك
وما الوم قلبي انه بك في كل حين
سبحان ربي لي خلقنا وصورك
وخصك على غيرك بحسنٍ مستبين
ما لوم عيني ان نظرها لك سلك
لنك حلا ان شئت اقسم لك يمين
انتي ملاك وإبنك الغالي ملك
لا بل نعم سلطاننا شهمٍ فطين
انتي عمان الغالية وأهلك إلك
قابوس علمهم يكونوا مخلصين
هذي حبيبتنا جميعا قلت لك
قابوس سيّس بأسها يا سامعين

سيف بن سعيد المكتومي


أعلى





سيرة الحجر
الشق


وجدت هكذا في منتصف الطريق المؤدي إلى منبع الفلج ، لا يعرف أحد كيف وصلت إلى هناك ولا من أين جاءت ، تلك الصخرة الكبيرة التي يبلغ طولها ستة أمتار ، والعجيب فيها هو ذلك الشق الغائر في وسطها والذي ليس له نهاية ، لكنه أيضا مسدود من الجانب الآخر ، بل أن الصخرة ملساء من كل جهاتها وصلدة جدا.
تمر الدرب حولها من اليمين واليسار ، اتفق أصحاب القرية على تسمية الدربين يمينا بالصاعد ويسارا بالهابط ، ربما كانت تسمية قديمة للذين يطرقون المكان ، حتى لا يحدث أن يعود بعضهم إلى الوراء عندما يلتقي القادم من المنبع والذاهب إليه في ذات الجهة ، ولأن الدربين من الضيق لا يتسعان إلا لمرور شخص واحد فقط ، فجاء العرف بأن يمر الذاهبون إلى المنبع من يمينها ، والقادمون منه من يسارها.
يحكي الشايب سميحان قصة تلك الصخرة ، أن أهل القرية اختلفوا منذ زمن بعيد على تلك البقعة التي توجد فيها تلك الصخرة ، على من يتملكها وتكون بحوزة من؟ هل للذين يقطنون في أعالي القرية ، أم لأولئك الذين في الضواحي ، فحدث نزاع كبير بينهم ، وفي ليلة ليلاء كادت القرية بعدها على البدء في حروبها الأهلية بين أبناء العمومة ، خرج من القرية رجل لا يعرف من هو ، ويقال أنه كان يطلق عليه الهدهد ، لشكل شعره الناعم والمنتفش دائما على قمة رأسه ، وبعضهم ينفي أنه هو ، ذهب إلى الجبل الأبيض الذي يبعد أميالا كثيرة عن القرية وحاول أن يقود الصخرة لكنها أبت ولم تتزحزح من مكانها ، فرجع وأخذ معه حزمة من القت ثم أدخلها من شق الصخرة وأخرجها ، بعد ذلك مشى في الدرب مادا يده بحزمة القت ، تبعته الصخرة وكأنها إحدى شياهه حتى وصل بها إلى ذلك المكان.
الأهالي تسخر من حكاية الشايب سميحان ، ويقولون أن هذه الصخرة خلقت في المكان ، لكن هناك قصة أخرى عنها أيضا تحكيها العجوز سعادة وتقول: أن تحت تلك الصخرة كهف كبير غائر في الأرض ، كان يسقط فيه الناس الذين لا يدركون خطورته ويغيبون في غياهبه إلى غير رجعة ، وتقول: إن جدها الأكبر صبيح أخبرها أن هذا الكهف ممتد حتى حدود بعيدة وأن من يسقط فيه لا يموت ، لكن يذهب به النفق المظلم حتى يخرج من أمكنة بعيدة ، روى أن بعض من سقطوا فيه عادوا بعد زمان وقالوا خرجنا من مكان كذا وكذا ، وأن هذه الصخرة خرجت من ذات الكهف ، ولم يتبق له أثر إلا ذلك الشق الغائر في وسطها.
أيضا الأهالي يسخرون من حكاية العجوز سعادة ، لكن ما هو معروف حتى اليوم ، أنك لو رميت شيئا في ذلك الشق يسقط في داخلها ولا تسمع له صوت الارتطام ، ويحاول البعض سبر غور الشق ، فيحضر خشبة طويلة ، أطول من عرض الصخرة ويدخلها في الشق ، لكنه يبتلعها كاملة دون أن يصل إلى حد سترتطم الخشبة فيه بالجدار ، لكنه عندما يجيء الربيع ، يخرج طائر الهدهد من فتحة الشق ويجلس لأيام على قمة الصخرة ، ثم يغادر متجها ناحية الجبل الأبيض.
زهران القاسمي


أعلى





نظريات في علم الجمال
النظرية السيكولوجية (4)

ما زال حديثنا متواصلاً عن النظريات الفكرية والفلسفية التي نادى بها أصحابها في علم الجمال وكان لها أثرها البارز على الفن التشكيلي خصوصاً والفنون الأخرى كالأدب والشعر والموسيقى على وجه العموم ، وقد تطرقنا في الأعداد السابقة من هذا الملحق في الحديث عن ثلاث نظريات في علم الجمال وهي نظرية التجربة الجمالية ونظرية المحاكاة والنظرية الانفعالية واليوم سيكون حديثنا عن رابع هذه النظريات وهي النظرية السيكولوجية وسيتبقى لنا بعد ذلك الحديث عن النظرية الشكلية ونظرية الجمال الفني اللتين سنختتم بهما سلسلة النظريات في علم الجمال ، متمنياً أن يتعرف القارئ العزيز عن كثب على الفكر الذي دار في خُلد أصحاب تلك النظريات ويستلهم منهم ما يحقق الفائدة في قراءته وبحثه للتجارب الفنية التي يقدمها الفنانون في حقلهم التشكيلي.
ونظريتنا لهذا اليوم لها توجهها الفكري الخاص الذي يختلف عن النظريات الأخرى ، لأن أصحابها لم يؤمنوا بأن الفن هو تعبير عن انفعال أو عكس للواقع المدرك والمحسوس ، بل جاء توجههم في هذا الأمر إلى ما هو أكثر إثارة ، وهو دراسة الواقع الباطني عند الإنسان وتحديداً في أحلامه وأفكاره ورغباته المكبوتة ، وأرجعوا سلوك الإنسان إلى هذا الواقع وحاولوا تفسيره والتعرف على دوافعه فكان من أبرز مفكريهم (سيجموند فرويد) الذي رأى أن الرغبات النفسية المكبوتة هي أساس السلوك عند الإنسان ثم ذهب إلى أن الغريزة الجنسية تحتل المكان الأول بين الرغبات ، وبما أن هذه الرغبات لا يمكن إشباعها كلية عن طريق المجتمع ، فقد بدأ الإنسان بالبحث عن طريقة لإشباعها بشكل بعيد عن الواقع ، حتى اهتدى إلى التخيل ، وهو عبارة عن تنفيذ الرغبات بعيداً عن الواقع ، وهناك فرق بين التخيل والخيال ، فالخيال شرود الذهن في عالم الأوهام بعيداً عن الواقع ، بينما التخيل عملية هادفة يسير الناس على هداها في الاختراع والابتكار ، وله نوعان كما يشير هديل زكارنه مؤلف كتاب المدخل في علم الجمال ، فالنوع الأول هو : تخيل استرجاعي ، وهو عبارة عن استرجاع الصور القديمة التي انطبعت في الذاكرة ، لكن مع شيء من التنظيم والتبديل والمبالغة ، أما النوع الثاني فهو التخيل الإنشائي :وهذا النوع يستطيع من خلاله الإنسان أن يؤلف الأفكار والصور ويربط بينها بطريقة مبتكرة ، لكن غالباً ما يعتمد إنشاء العمل الفني على هذا النوع من التخيل.
وبتأثير من هذه النظرية توجه النقاد والمتذوقون إلى البحث والتحليل في نفس الفنان وشخصيته وأفكاره الدفينة ، حتى بدى واضحاً أن هدفهم من دراسة العمل الفني ليس معرفة طبيعة الإبداع فيه وإنما التحليل النفسي لصاحب هذا العمل ، فأظهروا بذلك ثراء المضامين النفسية في العمل الفني ، وعالجوا عناصره ذات الدلالة النفسية التي تؤكد الموضوع والرمز والفكرة ، إلا أن هذه النظرية لم تلق التأييد من جميع النقاد بل رأوها قاصرة عن معالجة القيم الجمالية والأسلوب والتقنية في العمل الفني ، فلم تحسب بذلك حساباً للدلالة الباطنة في الفن الجميل ، أي أن الاهتمام بالنواحي النفسية كان إلى حد إغفال المزايا الجمالية للعمل وهذا إلى جانب استخدامهم أفكارا واقعية تفسيرية للتقدير والتقييم . وكان (شارل بودين) من المفكرين البارزين في هذا المجال حين قال " إن رغبات الإنسان المكبوتة ، إما أن تتحول إلى صراع مع العالم الواقعي أو اتزان باطني يسعى إليه الإنسان عن طريق الحلم والتخيل ، أو عن طريق إبداع العمل الفني" وأكد أيضاً أن الاتزان الباطني إعلاء أو تسامي يتطلب وجود استعدادات خاصة للإبداع ، لا تتوفر إلا للعباقرة والفنانين ، ويعرف (يونج) العمل الفني بأنه : "نتاج صادر عن ضروب معقدة من النشاط النفسي اللاإرادي الشعوري ، والذي يعكس شخصية الفنان " ويرى أن الإنسان الفنان لا يعيش حياة سوية مثل الآخرين ، لأنه يعيش اللاشعورية عند الإنسان العادي ، فاعتبر الإبداع إشعاعاً لما يكمن في اللاشعور من تصورات ، والتي لا يستطيع أي إنسان أن يدركها وهو في يقظته إلا إذا امتلك حدساً قوياً ، وقد أعطى (يونج) أهمية للخبرات الجمعية التي تنتقل بواسطة الوراثة ، ورد إليها الإبداع الفني وأن الفنان المبدع يكون غريباً في تصرفاته وسلوكه ، وهذا يعود إلى أن وحدات النشاط عند الإنسان محدودة وأن جزءاً كبيراً منها سينشغل بالإبداع الفني ، فلا يتبقى للنشاطات الأخرى إلا القليل.
وقد أثرت هذه النظرية على الفنانين وبدى ذلك واضحاً في توجههم إلى التعبير عن أحلامهم ورغباتهم بطرق رمزية دفعت النقاد والمتذوقين إلى استكشافها وتفسيرها ، ولذلك غدت التجربة الجمالية غير منزهة عن الغرض ، لأن هدف الفنان منها أن يظهر ما يخفى في اللاشعور ، وهدف المتذوق أن يملك ما سيعبر عنه الفنان ، وكان تفسيرهم هذا غير منطقي ، لأنه لا بد من سيطرة ولو وقتية للعقل ، من وظيفتها التوجيه والنقد وإعادة التأمل في جزيئات العمل الفني ، وحتى لو ادعى الفنان اللاشعور فهو أثناء إنتاجه يعي ويشعر بما يفعل ، وأن ما يحدث عنده هو امتزاج للشعور واللاشعور حينما يعبر بشعور ووعي تام عما يحاول إدراكه في اللاشعور من أفكار ورموز ورثها عن القدماء ، كانت جديرة بأن يعبر عنها في عمل فني.
* عبدالكريم الميمني

أعلى





وجوه وظلال
متقاعدون

مختارات: صالح العامري

"بستان الآشوري المتقاعد"، سركون بولص ـ من "الحياة قرب الأوكروبول":

النجومُ تنطفئ فوق سقوف كركوك وتُلقي
الأفلاكُ برماحها العمياء، إلى آبار النفط المشتعلة
في الهواء، إلى كلب ينبح في الليل، مقيّداً إلى المزراب، حُزْنا؟
أو رُعْباً أو نَدَما، وضفادِعَ تجثُمُ على أعراشِها الآسنة
في بستان مهجور عندما
تشقّ حجابَ الليل صرخةٌ مقهورةٌ، إنّه...الآشوريّ المتقاعدُ يَقْلَعُ ضِرْسَهُ
المنخورَ بخيطٍ مشمَّعٍ يربطه إلى أُكرة الباب
ثمّ يرفسُ البابَ بكلِّ قواهُ مترنحاً
وهو يئنّ، مغمضَ العينين، إلى الوراء.
******
حنق متقاعد، أو السارق المسروق، لإدواردو غاليانو ـ من "أفواه الزمن"، ت.صالح علماني:
في أميركا اللاتينية، كانت الدكتاتوريات العسكرية تحرق الكتب الهدّامة. والآن، في الديمقراطية، يجري إحراق دفاتر الحسابات. وكانت الدكتاتوريات العسكرية تخفي آثار الناس، أما الدكتاتوريات المالية، فتخفي آثار الأموال.
في يوم من الأيام، رفضت بنوك الأرجنتين إعادة الأموال إلى المدخرين.
كان نوربيرتو روغليتش قد خبّأ مدخراته في المصرف، كيلا تأكلها الفئران ولا يسرقها اللصوص. وعندما سطا عليه المصرف، كان دون نوربيرتو مريضاً جداً، لأنّ السنوات لا تتوالى وحدها، والمعاش التقاعديّ لا يكفي لدفع ثمن الأدوية.
وهكذا لم تبق أمامه وسيلة أخرى: ففي يأسه، دخل إلى القلعة المالية، ودون أن يطلب إذناً من أحد، شقّ طريقه إلى مكتب المدير. وكان يشدّ، في قبضته، على رمّانة يدويّة (قنبلة):
- إما أن تعيدوا إليَّ نقودي أو نطير جميعنا معاً.
الرمانة اليدوية كانت لعبة، ولكنّها حققت المعجزة؛ فقد سلّمه المصرف النقود.
بعد ذلك، اقتيد دون نوربيرتو سجينا. طلب المدعي العام من ثماني إلى ست عشرة سنة سجنا، له، وليس للمصرف.
******
تقاعد عامل النظافة الأَعرج، إبراهيم أبو عوّاد
أَنْتَ الْعُشْبُ فَوْقَ قَرْمِيدِ الْجُرُوحِ
يَا أَيُّهَا الْفَجْرُ الَّذِي لا يَتَذَكَّرُهُ الشَّجَرُ
إِلا فِي مَآتِمِ الْكَسْتَنَاءِ
امْتَزِجْ بِالْجَلِيدِ الأَزْرَقِ عِنْدَ نَبَضَاتِ الْحَائِطِ الْمَشْقُوقَةِ
لَكِنَّ دَمْعَاتِ الشَّارِعِ تَتَذَكَّرُ نَزِيفَ الْمَكَانِسِ الْخَشَبِيَّ
طَالِعَاً مِنْ بَرَارِي عَقَارِبِ السَّاعَةِ
لَمْ يُمْهِلْنَا الْخَرِيفُ كَيْ نَنْشُرَ جَمَاجِمَنَا عَلَى حَبْلِ الْغَسِيلِ
وَنُسَاعِدَ الْبُرْتُقَالَ فِي تَشْغِيلِ سَيَّارَتِهِ الْقَدِيمةِ
أَجْبَرَنَا حُرَّاسُ الثَّلْجِ عَلَى رَفْعِ صَدَاقَةِ الْوَحْلِ
رَايَةً لِلْمَوْتَى السَّائِرِينَ فِي الزُّقَاقِ النُّحَاسِيِّ
مِكْنَسَةً تَلِدُ ظِلالَ النَّهْرِ كَانَتْ مُحَرِّكَاتُ السَّيَّارَاتِ
وَمُوَاءُ الْقِطَطِ الْوَلِيدَةِ يَقْضُمُ حِجَارَةَ الظِّلِّ الأَبْيَضِ
يَا مَنْ لا تَمْلِكُ غَيْرَ ثِيَابِكَ الْمَزْرُوعَةِ فِي جَسَدِ الرَّعْدِ
قِفْ عَلَى مِنَصَّةِ إِعْدَامِ الْمَوْجِ الْفُسْتُقِيِّ بَلَدَاً لِلتُّفَّاحِ الطَّرِيدِ
عَلَّمْتَنَا كَيْفَ نُكَنِّسُ الْمُلُوكَ فِي ضَجَرِ الشَّوَارِعِ
وَعَلَّمْتَ الْبَطَّ الْمُهَاجِرَ كَيْفَ يَنْتَعِلُ صُوَرَ الْحَاكِمَةِ
لَسْتَ لِلْوَحْلِ شُطْآنَ دِينَامِيتَ أَوْ عَوْسَجَ الْمَدِّ
******
قصاصة ـ قصة قصيرة لتشيكوف:

عندما تقاعد المستشار "كوزيروجوف" من عمله ابتاع بيتاً في الريف واستقر فيه، هناك ـ وتقليدا لأستاذ التاريخ الطبيعي ذائع الصيت كايجرودوف ـ راح يكدح في الأرض التي تتمثل في حديقة البيت.
حيث أدرك الموت عزيزنا كوزيروجوف صارت مذكراته وممتلكاته من نصيب مديرة منزله "مارفاييفلامميفنا". وكما يعلم الكل فإن هذه المرأة العجوز الجديرة بكل تقدير سارعت بهدم البيت لتشيد على أنقاضه فندقاً يقدم لعملائه المشروبات الروحية، وخصصت إلى جانب بار الفندق حجرة لملاك الأراضي وأصحاب الأعمال الذين يأتون في الغالب بحثا عن المتعة..
كانت مذكرات كوزيروجوف على طاولة بتلك الحجرة وفي خدمة أي عميل يرغب في نزع ورقة من الدفتر ليقضي بها مصلحة. وبالمصادفة البحتة وقعت في يدي صفحة من المذكرات .. كانت تلك القصاصة تتحدث عن بعض الأنشطة التي مارسها الفقيد .. وإليكم بيانها :
3 مارس :
بدأت الهجرة الربيعية للطيور. بالأمس شاهدت العصافير .. مرحى يا صغار الجنوب ذوات الريش .. إنني من تغريدك العذب أتخيل أنني أسمع من يقول لي : كن سعيدا يا صاحب الفخامة!
14 مارس :
سألت مارفا اليوم :
- لماذا لا يكف الطاهي عن الصياح والنرفزة؟!
أجابتني : إنه يعاني من حنجرته .. قلت معارضا : إنني أعاني من حنجرتي بيد أنني لا أصرخ ..!
آه، لكم تخفى الطبيعة من أسرار!
لقد تناولت ـ إبان خدمتي في مدينة سان بطرسبرج ـ لحم الرومي بإسراف، لكنني لم أشاهد ذلك الديك الرومي إلا بالأمس .. إنه طائر مميز للغاية ..
22 مارس :
ناداني ضابط شرطة المنطقة وتناقشنا في الفضيلة.كنت جالسا وهو واقف. سألني :
- ألا ترغب يا صاحب الفخامة أن تعود شابا؟!
- مستحيل أن أفعل، فلو بدأت من جديد لما استطعت الوصول إلى مكانتي الرفيعة الحالية. فغمز لي بعينه وانصرف دون تعقيب!
16إبريل :
بيدي حفرت حوضين في حديقة البيت وزرعت الحنطة. لم أبح بالسر لمخلوق لأفاجئ مارفا التي أدين لها بالسعادة في شطر كبير من حياتي. بالأمس ونحن نشرب الشاي جأرت مارفا بالشكوى من بدانتها المفرطة التي تحول دون ولوجها من باب المخزن. قلت لها :
- على العكس يا عزيزتي فإن حجمك البديع يضفي عليك جاذبية لا يمكنني أن أقاومها. احمر وجهها فنهضتُ أطوقها بكلتا ذراعي إذ لا تكفي لذلك ذراع واحدة!.
28 مايو :
شاهدني رجل معمر جالساً قريباً من الحمامات المخصصة للسيدات على ضفة النهر فسألني عن السبب فأجبته: إنني هنا لأمنع الشباب من التطفل والتسكع.. قال: فلتكن هذه مهمتنا معا! وجلس إلى جانبي وبدأنا نتحدث عن الفضيلة!.
******
مناحة متقاعد، وليم بتلر ييتس، ت. حسن حلمي:
رغمَ أنني أتقي المطرَ
تحت شجرة مكسورة،
فإنّ مقعدي كان الأقربَ إلى النار،
بين كلّ جَمْع من الأصدقاء
تحدّث عن الحب والسياسة،
قبل أن يمسخني الزمان.

رغم أنَّ الغلمانَ يخططون من جديد
لمؤامرة ما،
والأوغاد الحمقى يرغون
بما يملؤهم من طغيان بشريّ،
فإن تأملاتي مركّزة على
الزمان الذي مسخني.

ما من امرأة تدير وجهَها
لشجرة مكسورة.
ومع ذلك فالفاتناتُ اللواتي أحببتهنّ
مازلن في ذاكرتي،
إنني أبصق في وجه
الزمن الذي مسخني.


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept