الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


( نصوص أدبيـة )


 

 

 

 





مبتدأ

ليس سهلاً أن تحتفل بعيد ميلادك لتجد في الصباح خبر وفاة ناقد كبير كرجاء النقاش، هذا ما حدث مع الكاتبة ليلى البلوشية حين احتفلت في العام 2008 بعيد ميلادها مع مجموعة من صديقاتها لتجد في الصباح أن صور رجاء النقاش تملأ صفحات الجرائد ناقلة فاجعة رحيله عن دنيانا، لتظل الكاتبة تتذكر هذا المبدع كلما احتفلت بعيد ميلادها.. في هذا العدد تقدم لنا ليلى علاقتها بهذا الكاتب وتحدثنا عن قصتها مع رحيله.
على ضفاف آخر يقدم محمد نجيب السعد قراءة معمقة لكتاب عبدالحميد الطائي "لاتح" سابراً أغوار الكتاب بطريقة فيها الكثير من حذاقة النقد والالتقاطات الذكية، مستحضراً المشهد السياسي العراقي في الكتاب.
الكاتبة عزيزة الوهيبية تعود علينا بنص غاية في العذوبة، حيث يتحول الوصف الى شعر عذب تارة ونص مفتوح على جميع الاحتمالات تارة أخرى، وحيث المشاهدات البسيطة تتحول الى مادة عميقة للكتابة والطرح تفتح الأبواب على جميع الاحتمالات والقراءات والرؤى.
الكاتب والمعماري وليد السيد يستكمل في هذا العدد حديثه عن الشمس والحديث عن نهاية العالم في عام 2013 من خلال التنبؤات التي يقدمها العلم والفرضيات التي يتكئ عليها، معرجاً في الوقت ذاته على بعض التنجيمات التي يطلقها المنجون لا سيما اليهود، والبراهين التي يسوقونها على اقتراب موعد قيام الساعة.
الكاتب حسن حميد يقف على موضوع شائك يخص الذهنية العربية وضرورة تغيير الأفكار التي باتت من المسلمات في حياتها اليومية، ففكرة الثانوية يجب أن تنتزع بغرس مبادئ العلم والابتعاد عن الهذر المحبط والممعن في التشاؤم، وتقديم قراءة أكثر تفاؤلية، وتكريس مفاهيم علمية عميقة، بدلاً من المفاهيم البالية التي تئن الذهنية العربية تحت وطئتها، وكعادة حسن حميد في طرحه اللاذع فإنه يقف في هذا المقال موقف المثقف الذي يحمل على عاتقه مسئولية كبيرة تجاه مجتمعه، حتى وإن اضطره إلى الحديث بلغة حادة، قد تغضب البعض، ولكن المبدأ لا يقبل التجزئة ولا أنصاف الحلول، لذا فإنه يطلق العنان لقلمه ـ وكما عودنا ـ ليقول ما يشاء بصوت مرتفع وتحد واضح.. كما يحفل "أشرعة" بباقة من الموضوعات المتنوعة الأخرى.
المحرر

أعلى





تغيير الذهنية!

أجل، لم أكن في يوم من الأيام من دعاة التهويل أو التطبيل أو المشي في زفة (اليأس) و(الإحباط)، وإِماتة الأرواح التي يراد لها أن تشيع في مجتمعنا كثقافة أو نهج أو سلوكية، وكأن فلسفة (العدمية) باتت كتاباً يقرأ (البعض) فيه ويتعلمون فنون التحطيب، والتدمير، والإزاحة، والتحييد.. علماً بأن ما من جدوى لهذا التهويل والتخويف وزرع الإحباط واليأس في النفوس!! الجدوى الحقيقية النافعة كامنة في العمل والعلم.. وكلاهما يتطلب الفطنة والذكاء، والجهد والإخلاص والنباهة.. وكلاهما يتطلب الإيمان بالانتماء والمواطنة.
أقول هذا، ويدي على قلبي، لأنني أرى الكثيرين من المثقفين، وأهل الرأي، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع.. يرتمون في حفر الإحباط واللاجدوى واللامبالاة، والقول بأننا بتنا كأمة خارج التاريخ. وهذا كلام ثقيل الوقع، وجارح إلى حد الإدماء، ومعطل إلى حد الشهقة.. إنه كلام لا يفيد على الإطلاق لأن فيه روح الاستسلام، والركون إلى اليأس؛ المفيد هو أن نشخص حالنا في مرآتين اثنتين، الأولى: مرآة الذات وما تحققه من جهد وفاعلية، وما تصل إليه من معطيات وإبداع، والثانية: مرآة الآخر كي نرى ما أنجزه وحققه من جهة، وكي نعرف الأدوات والمناهج التي اعتمد عليها في صعوده الحضاري من جهة ثانية.. وعلينا أيضاً أن نعي جيداً أن الحضارات دورات وتواريخ وجهود وعزائم، وأن العلوم ليست احتكاراً على شعب أو أمة، وأن الإبداع ليس خصيصة شعب دون آخر، وأن الموت أو الفناء ليس في التخلف والتأخر، وإنما الموت والفناء يتمثلان في القبول الأبدي للتخلف والتأخر والرضا بثقافة اليأس والإحباط والتبعية، والتهافت على الصغائر والانشغال بها..
إنني أرى، وترون، الكثيرين وهم يتحدثون عن التقدم والتطور وعوالم الحداثة وما بعد الحداثة التي عرفتها بلدان الغرب، والولايات المتحدة الأميركية، والصين، واليابان، وماليزيا، والهند، والبرازيل ليس بلغة الثناء والمديح فقط (وهما مستحقان) وإنما بلغة الإحباط التي لا ترى في عملنا، ومناهجنا، وخططنا، وإبداعاتنا، وطموحاتنا أي فعالية أو دور، إنهم يتحدثون بلغة شامتة، حاطبة، لا ضوء فيها أو أمل أو رجاء...
وهذا فعل لا يفيد إطلاقاً، المفيد هو أن نتجاوز العقابيل والرثاثات وحالات الطي والإماتة التي أوجدتها المراحل الظلامية السابقة، ومنها المرحلة الاستعمارية التي خضعنا لها، أي أن نعمل على شفاء جروحنا الثقافية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية.. وأن نحدد متطلبات مجتمعنا، وأن نضع الخطط والبرامج التي تؤيد طموحاتنا الصاعدة نحو التقدم والتطور والمشاركة الحقيقية في صنع الحضارة الإنسانية. والأمر ليس مستحيلاً، ولا صعباً إذا ما توافرت لدينا الإرادة، والعزيمة، وحب العلم والعمل، وجعل التقدم والحداثة سؤالاً معرفياً نحاول الإجابة عنه في كل وقت وحين. ولدينا أمثلة عالمية صارخة.. تؤيد ما نقوله.. فاليابان عانت مثلما عانينا من ويلات الاستعمار والتخلف (وما أكثرها) لكنها نهضت فمشت بكل العزيمة والاقتدار في درب العلم والعمل.. ولا شيء في جعبتها سوى الإصرار والإرادة والدأب، والجملة الذهبية التي راحت تحفر عميقاً في النفوس: إلى الأمام إلى الأمام. والحال هي كذلك حين ننظر إلى النهضة البادية في بلدان مثل الصين، والبرازيل، والهند، وماليزيا..
إن الثقافة المؤمنة بالمستقبل، بمعناها الواسع، هي التي تؤيد روح التقدم والتطور، وهي التي تشجع عليهما. لهذا بات من الصحيح تماماً هو أن تقول لي: بأي ثقافة تؤمن؟ لأقول لك إلى أي الأمداء والافاق ستصل؛ فالثقافة باجتماعها الكلاني هي الكتاب الذي نرى فيه علامات تقدمنا وتطورنا، وهي المشغل الحقيقي لأي جهد أو عزيمة..
ها هي ذي بلدان العالم تتقدم وتتطور بالعلم، والعمل والإخلاص، وثقافة التجدد والإبداع، وكل هذه الأسباب والمفاعيل ليست حكراً على شعب أو أمة، وإنما هي ملك لكل شعوب العالم وأممه، لكن الفارق يتجلى في أن بعض الشعوب والأمم أخذت بها، وبعضها الآخر حاد عنها.. ولعل أمتنا العربية التي تمتلك من أدوات ومفاعيل الارتقاء والثقافة الواسعة والتقدم.. الكثير الكثير مؤهلة لأن تدخل النادي الحضاري العالمي بكل الاقتدار والمكنة.. لكن أهم ما ينقصها هو أن تغيّر ذهنيتها بحيث لا ترضى بالأدوار الثانوية أولاً، وأن تجعل من العلم والعمل سبباً للتقدم والتطور ثانياً، وثالثاً أن تمنع لغة اليأس والإحباط من التداول.
حسن حميد


أعلى





صمت لا يسمح بمرور أصوات أخرى

كان صوت" محمود" هو أول صوت زاره بعد أن فتح عينيه ونظر إلى الشاش الذي غطى أجزاء من جسمه وإلى رجله المرفوعة إلى مستوى يسمح له برؤيتها، حين حاول تغيير جلسته أحس بألم كبير وظهر صوت "محمود" هذه المرة كعملاق ضخم سد عليه منافذ الهواء وشعر باختناق بعد أن سمعه يقول:
ـ أراهنك ما بتقدر تتعلم السياقة وإذا قدرت بعطيك خمسين ريالا!
لم يعرف عندها هل الخمسين ريالا أم صوت "محمود" هو الذي دفعه إلى تحدي الكل وإلى زيادة إصراره على تعلم السياقة!
عادت إلى ذاكرته بداية رحلته في السياقة، لبس العمامة الحمراء التي يحبها والنعال المنخفضة تماما التي ستتيح له سياقة أسهل، نظر في وجه المدرب، لم يشعر بالخوف رغم عبوسه الواضح تأكد من ربط حزام الأمان وأمسك مقود السيارة كان صوت المدرب قاسيا كسوط عمته "فضيلة" التي ضربته بحدة بعد أن سرق بيضة من تحت إحدى دجاجاتها الخمس وصرخت حين أخبرها بأنه سيتعلم السياقة أحس بخوف واضح من تحريك السيارة، كان جسمه يتحرك بعشوائية ويده تفلت المقود في لحظات كثيرة لاسيما بعد أن رفع المدرب يده الغليظة وضرب يده المرتعشة أكثر من مرة وصرخ في وجهه في مرات عديدة.
نزل من السيارة بعد أن انقضت ساعته المحددة، تنفس الصعداء أحس بصعوبة المهمة التي ينفذها، كره "محمود" في هذه اللحظات أكثر من أي وقت مضى، خلع عمامته الحمراء وجلس تحت الشريشة المجاورة لبيتهم، مد رجليه وأمسك عودا رفيعا ورسم صورة "محمود" الضاحك لعله أدرك الآن بأنه لا يستطيع أن يحرك دراجة صغيرة فكيف ببطن هائل من الحديد؟
ورسم خطا طويلا لسيارة قديمة تحترق كانت الشخبطات تثير في ذهنه أوجاعا ماضية ومؤلمة نفض من رأسه كل شيء ونظر نحو بيت عمتهم "فضيلة" التي قيل له بأنها تشبه والده في كل شيء رغم أنه نظر إلى صورة والده المعلقة في الجدار أكثر من مرة ولم يجد شيئا يستحق المقارنة!
رمى بالعود بعيدا مثلما رأى والدته ترمي بكوب الماء الذي تحمله وهي تتمرغ في التراب كان صغيرا ملطخا بالطين يقف بجوار الباب الخشبي حين شاهد وجه والده الصامت والدماء التي لطخت أجزاء كبيرة من دشداشته وزجاج صغير تعلق بأطراف يده وجوانب وجهه ولم يعد يرى سيارة والده "الحمراء" التي طالما أحبها ودار حولها، صراخ أمه وعمته المتواصل زرع في نفسه رهبة خفية للسيارات والشارع لكنه اليوم سيتحدى الجميع سيتعلم السياقة وسيحصل على الخمسين ريالا ليصمت فم "محمود" الواسع إلى الأبد.
يبدو أنه كان أكثر صمتا وسكونا في المرات اللاحقة لركوبه السيارة، أمسك المقود ولم ينظر إلى وجه المدرب، كما أنه لم يتحدث كثيرا، كانت السيارة تميل بعشوائية حول انحناءات الشارع الكثيرة، ضربه المدرب أكثر من مرة وهدده في مرات عديدة، أخذ ينظر من زجاج السيارة الأمامية إلى الوجوه والسيارات العابرة، بدى اللون الأبيض والأسود أكثر الألوان شيوعا وأدرك بأنه كان يعشق لعبة عد السيارات وتصنيفها وفق ألوانها رغم أن "محمود" غشه في أكثر من مرة وأضاف أعدادا وهمية إلى قائمته أو أجبره على اختيار ألوان غير شائعة ليضحك منه في النهاية.
تيقن أنه وصل إلى نهاية مشواره اليوم في السياقة بعد أن أخبره "مدرب السياقة" بأنه سوف يبدأ غدا بالتدرب على البراميل، حاول أن يبتسم ويسأله:
ـ هل تحسنت سياقته للسيارة!
لكنه أخطأ مرة أخرى في استدارة سيارته ونال ضربة على يده شعر بسخونتها تسري إلى قلبه، نزل من السيارة كانت الغصة اليوم كبيرة في حلقه، دخل إلى حوش بيتهم، حاول أن يبتعد عن وجه أمه التي لم تسأله عن سياقته، كما أنها لم ترد عليه سوى بصمت مبهم عندما أخبرها بأنه سوف يتعلم السياقة قريبا لكنه لاحظ حركة مرتجفة من يدها التي كانت تنظف زجاج المكتبة الصغيرة، دخل إلى غرفته أحس بأنه يكره عمامته الحمراء ونعاله المنخفضة كثيرا، جلس بجانب النافذة كان صوت هدير السيارة مازال عالقا في أذنه المتعبة، تألم رغم أن صديقه "جاسم" أخبره أكثر من مرة عن فقدان المدربين لأعصابهم وغضبهم السريع الذي يشبه عود الكبريت في اشتعاله السريع ولكنه تكيف مع كل هذه الأمور وحصل على الرخصة بعد جهد ووقت طويل، لعله لا يشبه "جاسم" في شخصيته أو ربما أراد أن يكون مثل "محمود" الذي صرح مرارا وتكرارا بأنه حصل على رخصة قيادته كما يحصل على شربة من كوب ماء بجواره!
حاول الآن أن ينفض عن مسمعه الصخب الذي يحيط به، كما حاول أن يرسم صورة للبراميل الكثيرة التي ستحيط به غدا، سيرتدي بالغد عمامته الزرقاء لتغير من حظه التعيس وسيمر بجانب بيت "عمته فضيلة" لتوقن بأنه لم يعد ذلك الشخص الخائف دوما والذي طالما زجرته ولن ينتظر طويلا حتى ترتسم الدهشة على وجه "محمود" وليصبح الخمسين ريالا بين أصابعه.
عند باب بيتهم القديم وقف ينتظر ساعته مع مدربه، لمح عيون أمه تتلصص من بين فتحات الباب، شعر بسعادة كبيرة وحرك نعاله على الأرض بقوة، رأى سيارة التدريب تعبر الشارع الترابي مخلفة غبارا غشى بصره لفترة قصيرة، حدق في بيت عمته "فضيلة" بنظرة ثابتة وأصبح أمام مقود السيارة في ثواني، عدل من وضعية المرآة الأمامية ليبدو كمحترف وركز نظره في الشارع المتسع أمامه، غمرته السعادة حين بدأ جسد السيارة يتحرك أمامه بخفة لم يخطئ أيضا بعد أن عبرت السيارة خطا متعرجا أمامه لكن وجه "مدربه" بقي على جموده وغضبه ، لم يكترث كثيرا وهو يردد كلام "جاسم" الأخير في داخله :
"عليه أن يفكر في رخصة القيادة فقط".
وصل إلى موقع البراميل، كانت تقف أمامه كأعمدة ضخمة خاوية، ركب السيارة وصف له "المدرب" طريقة الدخول إليها، شعر بالتوتر عندما لم يفهم حرفا مما قيل ، ارتسمت علامات الغضب على وجه "المدرب" وتمتم بكلمات غير مفهومة، وصعد إلى السيارة ودخل إلى موقع البراميل عدة مرات، كان الجو حارا، حارقا يذيب وجهه ويجبر حبات العرق على التساقط بغزارة ، نزل "المدرب" من السيارة وأمره بإعادة ما قام به، كان رأسه خاويا لكنه صمم على التجريب ، في المرة الأولى اصطدمت سيارة التدريب بالبرميل الأول بقسوة ولم ينظر إلى وجه "المدرب" لكنه سمع صراخ المدرب وهيجانه ، تراجع بالسيارة إلى الخلف أعاد ادخال السيارة ، أمسك مقود السيارة بحرص شديد نظر من جميع المرايا في سيارته، رجع إلى الخلف لم يصطدم بأي برميل شعر بسعادة، أعاد الكره أكثر من مرة، كانت السيارة تبدو أكثر طواعية ومرونة في يديه، أحس بأنه سيصبح أكثر قدرة ومهارة في السياقة، سيسكت فم "محمود" بل سيأخذ "الخمسين ريالا" ليعزم "جاسم" على وجبة في أحد المطاعم، غمرته السعادة طويلا، لاسيما بعد أن قال "المدرب":
ـ يكفي التدريب
حاول أن يسأله عن تحسن مهاراته لكنه صمت وهو يحاول أن يركز في الشارع أمامه ، قاد السيارة أمام خط متعرج آخر ، شعر بسعادة خفية أجبرته على أن يحرك أصابعه على النغمات المنسابة من مسجل السيارة، لمح السيارة التي دخلت عنوة على خط سيره شعر بالخوف لاسيما بعد أن لمح انشغال المدرب بمجموعة أوراق في يده وتوتر جسمه كملا بعد أن صرخ فيه "المدرب".
ـ وقف السيارة!
لكن رجله تحركت نحو دواسة البنزين بكل قوتها ولم يعد يرى شيئا بعد أن سمع صوت الاصطدام وصراخ "المدرب" الطويل.
الصراخ أعاده إلى رجله والسرير الأبيض الذي ينام عليه، نظر إلى يد أمه التي تمسح على شعره ولسانها الذي يثور على السيارة والسياقة أكثر من مرة، كما حلفت بأنها ستخرج من البيت إن رجع لتعلم السياقة، كما نظر إلى وجه عمته "فضيلة" وأحزنه كثيرا الدمع الذي جاهدت لإخفائه تحت شيلتها السوداء، طاف في ذهنه صورة السيارة والشارع و"المدرب" الغاضب و"محمود" الساخر و"جاسم" الحزين لكن رأسه بالتأكيد أصبح خاليا من كل ما يتعلق "برخصة القيادة" أو "الخمسين ريالا!"

أمل المغيزوية


أعلى





رجاء النقاش في عيد ميلادي..

ثمة أشخاص لا يعوزهم إدراك مناسبة ما؛ كي تتعذر الكتابة عنهم؛ كي تخصص سعة من ذاكرتك المعبأة بضجة الحياة حيزا صغيرا لهم، دون أن يتخبط في حيزك ذاك مناسبات الحياة أو الموت، تلوح لهم بحب في أي وقت لا سبب ولا غاية من وراء ذلك سوى محض حب خام، أو وصل إنساني شفيف تترع ذاكرتك بذكراهم، وذاك القدر الضئيل الذي أبقيته لهم لا يضاهي بالتأكيد مكانتهم الكبيرة في قلبك وقلب الأدب جبنا إلى جنب..
في التاسع من فبراير احتفل بعيد ميلادي، وفي ليلة الاحتفال وتحديداً في عام ألفين وثمانية، تصادف في هذا اليوم أن احتفل مع مجموعة من صديقاتي، وكما هي الحال في مثل هذه اللحظات تتلهف الأنفاس على الدقائق الباقية التي تعلن الثانية عشرة عند منتصف الليل، فأن تدخل في عام جديد يعني أن تدخل حياة أخرى، ونمت ليلتها بينما أمنيات العمر الجديد تتصدر قائمة أحلامي، وفي الصباح قرأت في الجريدة أن الناقد "رجاء النقاش" غادرنا في تلك الليلة إلى عالم آخر بعد صراع مرير مع مرض السرطان، وجاء هذا الخبر المفجع لينتشل كل الأمنيات التي كانت تتحفز بصمتها في صدري ويستبقي على شعور واحد مكثف لا يمكن أن يوصف سوى بحزن من نوع عميق، وقلت في نفسي لحظتئذ: "إذن من سيحتضن المواهب الحقيقية"..!
فمذ سنوات وأنا اسمع عن رجاء النقاش، عن ناقد مبدع محنك في تفسير النص بإبداعية خاصة وسلسة في ذات الوقت، وكنت قد قرأت له دراسات متفرقة هنا وهناك، ولعل موقفه مع الشاعر "أحمد مطر" هي أكثر المواقف الأدبية والإنسانية التي شدتني إلى هذا الإنسان الجميل..
وفي غضون فترة ما، عدت إلى قراءة رجاء النقاش بعد أن حصلت على بعض من كتبه، غصت في غورها باستمتاع بالغ، وبشراهة دودة ألفيتني أقرأ مقالاته، فعرفت أن "سافو" هي أول شاعرة في التاريخ الإنساني، وأن ثورة العاشقين اندلعت في روما في عصر الإمبراطور "أغسطس" ، وأن الإمبراطور "كاليجولا" كان إمبراطور الدماء والعطور رغم أن اسمه يحمل معنى "الحذاء الصغير"..! وخشيت على "بودلير" من دلال الأم المفرط له، بالمقابل بغضت أم "بلزاك" التي كانت سببا في كل المآسي التي لحقت به ليموت في النهاية في فنجان قهوة ، واكتشفت علاقة "آينشتين" بالبيانو ، ووقفت مع "إبراهام لينكولن" للقضاء على ايدولوجيا التفرقة العنصرية وفك العتق عن رقبة السود... إلى ما لا نهاية..
وطوال تلك المدة كنت أقول لنفسي سأكتب عن رجاء النقاش، بينما رصيدي الداخلي يتدفق من بئر مقالاته العميقة، لكنني عدلت عن الفكرة، وقلت رجاء النقاش أكبر من أن اكتب عنه، فتركت كتبه على رف المكتبة والملفات الالكترونية التي عكفت على جمعها على سطح المكتب، وطال الهجر، وزحفت خيوط العناكب وتطفلت الأغبرة على الفكرة كلها.. وأخذتني الحياة، ومن ضمن انشغالات تلك الحياة تكاثفت قوة غريبة تحثني على تجريب كتابة مقالات ، تاركة كتابة القصة القصيرة خلف ظهري، هاجرة الشعر ـ إن كان ما اكتبه شعرا ـ ، وركنت اهتماماتي في مجال أدب الطفل على رف الانتظار..!
ولم يكن سهلا قط كتابة مقالات جديدة، تتناول الكيف الثقافي قبل الكم، تستأصل المعاني من محيط النص، تقوم باقتناص فوائد تضاف إلى الإبداع والأدب ككل شيئا ذا معنى، والأهم من ذاك كله لا يخرج المتلقي ذاك المبدع الآخر للنص فارغا، بل تضيف إلى رصيده الفكري أو الأدبي أو الإنساني أو الحسي نزعة ما..
وخلال مدة قصيرة وأنا الغضة في سبر غور فن المقالات، وجدت أمامي كمّاً لا بأس به منها، وثمة مقالات لم تكتمل، ومقالات أخرى تتريث نضجها على نار هادئة، وأدركت جيدا أن كتابة المقال كحال الفنون الأدبية الأخرى كما قال عنها رجاء النقاش "مثل الاشتغال في الحرب لا يستطيع المشتغل فيها أن يقول: إنني أرفض المعارك وإلا فعليه أن يخرج من الميدان"..
قلت: لم اكتب عن رجاء النقاش، ولكن يالغرابة القدر..!
فطوال تلك المدة لم اعرف تفسير اللغز الحقيقي الذي حفزني على كتابة المقالات، ولم أكن أدري أن رجاء النقاش هو وراء اتجاهي إليه بقوة، هو الذي أخذ بيدي كما أخذ من قبل بيد الشاعر "محمود درويش" حين أدخله إلى قلب القاهرة الإنساني، هو من حفز قلمي على الكتابة المقالية بذاك الدفق الحماسي المفرط..
فالإبداع المفرط في مقالات رجاء النقاش هو السر الذي سحبني شيئا فشيئا إلى دهشة فنية المقالية؛ لأنك حين تقرأ له لا تخرج خالي الوفاض أبدا، ولن تكون قط حنين الذي رجع بخفيه.. ولأن رجاء النقاش بمشاعره الإنسانية السامقة في مكمن صدره تجاه الأدب والأديب هي ما جعلته يكتب عن الآخرين وكأنه يكتب لنفسه، يقدم النص على منبر الطرح بعطف أب حان على أبنائه وبمحبة أخ مسؤول عن أخوته الصغار، وبضمير حي وحس أدبي نبيل استطاع خلال خمسة عقود أن يواكب الأدب وعالمه عن حنكة حقيقية وفي كل مرة يبدي للعيان ما خبأه الظل خلفه..
لم يكن متزمتا ولم يسع إلى وضع النص تحت مجهر، أو تصنيفه على مكعبات ومربعات بمقاييس بحتة، تلك التي تكون على النص والفكر قبل أن يولمه من غموضه..
ولعل أعظم سمة عرفت عنه هو "اكتشاف المواهب"؛ ليس أولئك الذين تطاردهم الأضواء أينما كانوا بل كان همه أنأى من ذلك بكثير، وجعل الساحة العربية تعقد دهشتها في كل مرة ينتخب فيها النقاش بمقالاته كاتبا مغمورا لم يسمع عنه، كاتبا كان مهمشا خلف الأضواء الوامضة على جهات معينة دون غيرها..
في ظل ظروف بعض النقاد ووضع النقد في الوقت الحالي، ويخال للبعض أن في أيديهم موازين يقيسون بها النص، وإذا ما عزموا كتابة نقد، فإن أغلب أقلامهم لا تتجه سوى إلى كاتب كتب عنه آلاف المرات على سبيل المثال لا الحصر كتب معظم نقاد الوطن العربي عن الكاتب السوداني "الطيب صالح" وهو كاتب يستحق كل تلك الكتابات والإشادات دون شك ولكن بالمقابل أهمل وغض هؤلاء النقاد عن مئات من المبدعين كانوا من وطن المبدع الطيب صالح.!
أو كاتب حاز على جائزة ما، ولكن شر البلية هنا حين يكتشف النقد عن طريق جائزة موهبة ما، لتكون اليوم معظم الجوائز الأدبية هي التي تقدم مواهب على طبق من ذهب إلى النقاد دون أن يكلف الناقد نفسه تفتيش عن المواهب..!
بينما بعض الأقلام تتحين فرص التأبين كي تمرر شهرتها الرخيصة عن كتاب لا تذكرهم إلا وهم مفترشين قبورهم، فتعلن موقفها النهائي كصوت سبّاق؛ لتستعجل وضع نقطة في نهاية حياتهم كتبرئة ذمة..!
ولكن مهمة الناقد في داخل رجاء النقاش كانت على النقيض من ذلك تماما، فهو الذي كان يسعى إلى البحث والتمحيص، ولعل موقفه مع الشاعر العراقي "أحمد مطر" خير دليل على ذلك ، فقد قرأه رجاء النقاش من خلال بعض الصحف التي كانت لا تمانع من نشر قصائد الشاعر الممنوعة، فأعجب به وبموهبته الفذة، وهذا ما دفعه إلى أن يحتفظ بتلك القصاصات المتفرقة التي تحوي معين شعره، فأراد أن يكتب عنه، ولم يكن في حوزته سوى تلك القصاصات وكتاب واحد له يدعى "لافتات"، وكانت الصدفة الجميلة بأن التقى بالشاعر في الكويت عام 1984م، في بيت أحد الأصدقاء وكون يومها بلماحة ناقد انطباعا قصيرا عنه ولكن لم يتسع لا اللقاء ولا الوقت في أن يحاوره، ولم يستسلم فحين تهيأ له اتصاله وهو في لندن طلب منه أن يكتب شيئا موجزا عن نفسه؛ كي يوثق كتابته عنه، ويومها بعث الشاعر أحمد مطر له رسالة قشيبة يقول له فيها الشيء الكثير من ضمنها: "أسعدني جداً أن أسمع صوتك، غير أنني لم أُدهش من كيفية عثورك علي ، ذلك لأنك ناقد ومهمتك هي العثور على الشاعر بين ملايين وملايين الكلمات.. وكذلك تفعل عندما تبتغي العثور على شاعر بين قارتين!"..
وموقفه من الأديبة "غادة السمان" حينما نشرت الرسائل التي تبادلتها مع الأديب "غسان كنفاني" ففي الوقت الذي هاجمها الكثير من النقاد باللغط الواسع والصخب الكبير مفندين حقها في نشر مثل تلك الرسائل، لكن ما كتبه رجاء النقاش عام 1978م يلخص أدبها المليء بالتحدي والمقاومة والإصرار على شق العالم وعبر عن عالمها بأنه "عالم التعبير والفن والبوح والتفكير بصوت مرتفع ومناقشة قضايا الإنسان والدنيا بلا خجل"، مع احترامه للخصوصيات حين الخوض في سير الآخرين وذلك حين تناول عرض سيرة حياة "غسان كنفاني" تحدث عن العلاقة العاطفية التي ربطته بالكاتبة "غادة السمان" بتكتم محترم قائلا: "وقد تعرض غسان كنفاني في أواسط الستينات لتجربة عاطفية عنيفة جدا وكان الطرف الآخر في هذه التجربة أديبة عربية معروفة ولا أحب أن أشير إلى اسمها قد أصبحت زوجة وأم....".
وكان رجاء النقاش "مطلق النجوم" ولكن حفنة من النقاد اليوم من خلال عرض دراساتهم همهم أن يطلقوا أنفسهم قبل النص وكاتبه..!
وغاب الناقد الحقيقي حكمه الضمير قبل كل شيء، لنرى أمامنا على أبعاد عدة نقاد "شلليون" ينتخبون أذواقا دون أن يكون للنص وجماليته أدنى قيمة ، لتتكشف أسباب أخرى وراء ذاك الانتخاب ؛ كون الكاتب هو صاحب مكانة في المجتمع، أو كاتب تربطه به صلات شخصية..!
رجاء النقاش كان يختفي خلف النص، يضيء زوايا الإبداع التي طرحها الكاتب، وينسى نفسه في حضرة الآداب التي تسيطر بجمالها على لبّه، ليقدمه بدوره للمتلقي بلغة تحترمه ، دون أي مكابرة ولا أستاذية منه..
بينما تأتي بعض الدراسات بأقلام بعض النقاد ، ليجد المتلقي كمّاً من مصطلحات غامضة يغيب عن فهمها بل يخرج من العمل الأدبي بغصة عدم إدراك مقصد الناقد ، ويتخم بعضهم دراساته بهوامش مكثفة لتغيب معها لذة الاستمتاع..
وإذا ما تحدثنا عن المبدعين الذين انتخبتهم مقالات رجاء النقاش، سنرى سمة جميلة أخرى تضاف إلى سماته الكثيرة فهو لم يتقيد بإبراز جنس على جنس، ولم يكن همه وضع أدباء مصر على القائمة دون أدباء آخرين من أرجاء الوطن العربي، لتجد من مصر ومن العراق، وتجد من سوريا وفلسطين والسودان والكويت... هلم جرا، كتابات مفتوحة على كل الجهات، مسافرة بلا نهاية إلى آفاق شاسعة، فقد كان يؤمن من أن "قيمة المثقف ليس كشخص وإنما كتأثير، مثقفا على الهامش، علينا أن نأخذ برأي المثقف الذي ثبتت صحته لا أن نترك الآراء على الرصيف الحياة نمر بها مرور الكرام"..
أين هم نقاد اليوم من كل هذا..؟!
فمعدودون أولئك الذين يواكبون في مسيرتهم النقدية تجارب أخرى من خارج الأقطار التي ينتمون إليها، ويقنعون القراء عن تقصيرهم بحجج واهية، لعل من أكثر تلك الحجج شيوعا هو تذمرهم عن عدم وصول معظم الإصدارات إليهم، رغم أنه ومن خلال التطور السائد الذي عززته شبكة الانترنت يستطيع أي ناقد أن يتعامل مع أي كاتب مهما غدت بُعد المسافة فاصلا بينهما، ولكن فقط الناقد الحقيقي هو الذي يعرف جيدا كيف يشق طريقه إلى درب الأدب الشاق والحقيقي..! اذكر على سبيل المثال لا الحصر الناقد "إحسان عباس" الذي كان يسافر إلى بغداد والى غيرها من الدول وراء كل أدب أصيل؛ لاقتناصه من منبت أرضه..
ناهيك عن أعذار أخرى والتي أسبابها تعود إلى الناقد نفسه، الذي عجز عن متابعة حركة التطور السائدة في الأدب بشتى أنواعها، والتي تستدعي تطورا مماثلا له في أدوات النقد، ومعه ظهرت أسماء واعدة غزت الساحة الأدبية بقوة كبيرة عجز معظم النقاد عن مجاراتها مكتفين بأسماء مخضرمة لتمثل تلك الأسماء باعتقادهم الواجهة الأدبية الوحيدة، ليقضي هذا التظلم على أسماء عديدة كان من حقها الانتشار..!
ما زال النقد بحاجة ماسة لرجل محنك وأمين وبضمير حي كـ"رجاء النقاش"، وما زلت في كل من التاسع من فبراير يعتصرني في يوم ميلادي غصّة فراقه..
ليلى البلوشي


أعلى





لأنه يجري في الدم

ويبقى هذا التراث حياً متجدداً، خلاياه متماسكة برغم ثرثرة التكنولوجيا وأزيز عصر الفضاء والأقمار الصناعية، إنه التراث الشعبي، المأثور الجمعي والجماعي، بكافة أشكاله وألوانه وجمالياته، واعتزازي بهذا التراث هو اعتزاز عريق، يجري في دمي، كما هو يجري في بيئتي، العامة والخاصة، تمتد علاقتي به سنوات وسنوات ضاربة في عمق المأثور الشعبي.
ومن ثم لا أتوانى عن تسليط الضوء عليه، والدعوة الدائمة والدائبة للاهتمام به علميا وعمليا، وإذا كان الاهتمام والرعاية والعناية بهذا التراث ملحوظة على مدار الأيام والسنين، من قبل الجهات المعنية في السلطنة، وإذا كان احتواء هذا التراث لا يعتمد على (المناسبة) و(الموسمية)، وإذا كان أيضاً يلقى الاستجابة من القراء والشعراء، والناس أجمعين، لأنه لغة القلوب التلقائية.
فإنني أود أيضاً أن يلقى هذا التراث عناية أكبر ورعاية أكثر من قبل وزارة التراث والثقافة ووزارة الإعلام، ولقد سعدت كثيراً بجهود وزارة الإعلام في مواصلة إصداراتها لمعجم الفنون العُمانية التقليدية وسعيها الدائم إلى إبراز هذه الكنوز الشعبية بشكل علمي وموثق ومن ثم أدعو في هذا السياق إلى توجيه الأنظار إزاء مركز عُمان للفنون التقليدية الذي يضم ثروات شعبية متباينة، أتمنى أن يستفيد منها الناس حين تخرج إليهم في شكل كتاب أو شريط مسموع، أو شريط مرئي.
وأدعو في هذا الصدد إلى استثمار هذه الإمكانيات من قبل الدارسين والباحثين والأدباء المبدعين أنفسهم لينهلوا من هذا المعين الذي لا ينضب، لقد تبدى الكثير من الأفكار والرؤى وأنا أحاول التطرق إلى الاهتمام والدعوة إلى الاهتمام بالفنون العُمانية التقليدية، نصوصاً وموسيقى وألحانا وأداء وأشكالا، إنما تحتل مساحة لإثارة الانتباه أكثر وأكثر، إزاء هذا المخزون الشعبي، والوجدان الجمعي والمأثور الذي يميز شعباً عن شعب، ويساهم في تشكيل وجدان وحضارة الأمة.
وبهذه المناسبة أيضاً، أتساءل وقد مرت "25" سنة تقريباً على عقد الندوة الدولية لموسيقى عُمان التقليدية التي عقدت بمسقط في عام "1985"م وشارك فيها أربعون عالما وخبيرا من أنحاء العالم مع المثقفين العُمانيين المعنيين بالتراث الشعبي وكانت حدثا ثقافيا وبخاصة أن السلطنة هي الدولة العربية الوحيدة التي حصلت على العضوية في المجلس العالمي للموسيقى التقليدية وقد خرجت تلك الندوة بنتائج باهرة أثارت خبراء العالم المشاركين على الرغم من قلة المصادر آنذاك، والآن ومع كثرة الوسائل المتاحة والتغلب على ذلك العنصر، ليتنا نرى نتائج ذلك الحدث مكثفة وملموسة، وحية ليتعرف الناس على ما فيها من جهود وثراء وإثراء للوجدان الشعبي، وتساعدهم بشكل أو بآخر على الإبداع في التمسك بمأثوراتهم الغنية والثرية.
سالم بن محمد الغيلاني


أعلى







أتدثر بالألم والجرح نفس الجرح

تعبت أقلامي من الركض على حواف الورق وكل ما هو حولي قد نفد لا الزمان بقي كما هو ولا المكان نفس المكان حتى الليل الذي كان يسكن هنا انجلى خلف انبلاج الفجر ونور الصباح.. حتى الصباح توارى خلف سديم الضباب.. رحلة غير مستقرة ومازال للرحلة بقية وأنا هو أنا.
أقداحي ملأى بالرمل.. تستيقظ أوجاعي باكية وتنام باكية والعطش يقف على شفتي أتوق إلى قطرة ماء عذبة وليس بجانبي سوى البحر.. أحلامي مرتعشة من هذا السهاد المتقطع وفي زوايا الظلمة تنثر الريح ما تبقى من أوراقي الممتلئة بالحزن الدميم وروحي تحلق كالدخان بين تلك الكلمات التي لا تجف أبداً.
في خارج الذات ذكرياتنا وعصافيرنا الجائعة وزهرة أقاح ذابلة وزرع سقي بماء مالح.. في خارج الذات عيون فقأتها ليالي السهر ودموع الترقب والانتظار.. في خارج الذات قبر ممتد بحجم امتداد الجرح.. في خارج الذات كواسر تنهش بعضها البعض وأحلام تفر من الشراشف تعانق وجه التشرد والشتات.. في خارج الذات مناديل مبللة بالدموع وأصوات وداع وأوراق تساقطت بعد خريف العمر في وجه الشمس.
وفي الداخل.. داخل الذات عواطف متشحة بالسواد.. ارتجافات أقدام تسير على الجمر نحو الموت.. في داخل الذات إنسان مكسور وغريب بلا هوية يتسرب إليه الأمل لكنه يتباعد كلما اقترب حتى يتلاشى.. في داخل الذات جوع وخوف وانهيار وتاريخ من القلق وضوضاء جراح وانهيار طموح.. وقتال محتدم وغامض بين الحلم والفشل. جميعها خسارات تتبعها خسارات.
محمد الطويل

أعلى




نصوص

* دمية في علبة موسيقى زجاجية، فستانها منتفخ ومزركش بالدانتيل، تدور بخفة وترقص في المساحة الضيقة، تدور ولا تتعب، دورانها يبعث الضجر .
إلى متى تدور هذه الدمية؟
ليس هناك شيء آخر تفعله سوى الدوران في محيط ضيق.
أغلق العلبة، تنكمش بداخلها، يختفي جسمها وصوت رقصها، صارت حبيسة الآن وحدها في العتمة تنتظر يدا آخرى تفتح بيتها المعتم الصغير كي ترقص وتدور مرة أخرى.

* لعبة الأرنب الأبيض الجميل ذي الفرو الناعم أبهرت الطفلة التي تنظر من خلف زجاج محل الألعاب.
اللعبة الصامتة تنظر للطفلة بعينين زجاجيتين ملونتين، تنظر دون أن ترمش والطفلة تتوق لحمل اللعبة بين ذراعيها، لكنها فقيرة وبائسة وثوبها مهترئ للغاية وليس ثمة شريطة حمراء تزينه.
لكن فراشة اللهفة تشاكس روحها وتطير حولها ولا تحترق بل تزيد رفرفتها وعصافير الحزن تنقر نافذة خيالها البعيد.
والطفلة تذهب ما وراء الحلم وترى أنها تملك لعبة الأرنب وفستانا نظيفا أنيقا وشعرا مهذبا ووجها نضرا ومبتسما.

* قطة تتسلق جدار المنزل، تصل إلى وجه النافذة المغلقة تبصر زوجين يتناقشان بهدوء وولدا يحتسي حليبا وبنتا تخيط ثوبا لدميتها العاجية، تبصر كتابا مفتوحا دون أن يقرأه أحد وكرات صوف مبعثرة على كنبة بيضاء وعجوزا مسترخية تشاهد التلفاز وتتكئ بيدها على الكرسي الهزاز وتبتسم ابتسامة خافتة.
تبصر القطة جدران بيضاء معلقا عليها صور شتى، على الزاوية البعيدة هناك صورة كبيرة تحمل بداخلها عائلة المنزل وقريبا منها صورة لطفلة جميلة يبدو أنها تحتفل بعيد ميلادها، كذلك صور زهور مرسومة وصور للغروب وصور كثيرة لا تستطيع القطة أن تحدق فيها إذ أنها بعيدة.
القطة لا تزال تنظر إنها مندهشة للدفء الذي يعم المكان والبنت لاتزال تخيط أثوابا لدميتها والطفل يبكي الآن لأن زجاجة الحليب نفدت والزوجان لايزالان يتناقشان بهدوء كأنهما يخططان لرحلة قريبة أو يختلفان حول تغيير أثاث المنزل، والعجوز المبتسمة نامت والكرسي لايزال يهتز والتلفاز لم يتعب من ثرثرته الطويلة والقطة تغادر النافذة بهدوء وفي ذاكرتها صور ملونة ودافئة.

* معطف كحلي يتدلى على الكرسي، زوجان من الجوارب على حبل الغسيل، مصباح مطفأ ينام بعمق، صباح خجول ينكمش في فنجان قهوة أو يرقص مع مظلة مغسولة بالمطر والفرح، وسادة كسولة تتمطى على سرير وردي، أغطية دافئة، علبة مكياج، وردة حمراء في زجاجة حزينة، قارورة عطر أنيقة، رفوف فارغة، فنجان قهوة فارغ، صور معلقة على الجدران، صور تبوح بحكايات ما، كتب مكدسة، كنبة تتثاءب، نافذة تفتح صدرها للشمس، باب موارب على عتبته تنمو زهرات ناعسات، ستارة ترقص مع أغنية الرياح، سقف مرتفع ينظر للأسفل بفضول فيرى أقلاما مفتوحة ينسال حبرها على غطاء الطاولة، بقع ألوان مبعثرة هنا وهناك، مرآة غاضبة تجادل وجها مطليا بقناع الحلم، تنفخ فيه حقيقتها السرية أو تدعوه لسفر عميق في خريطتها الشفيفة، غاضبة وملطخة بكحل قاتم وأحمر شفاه يرتسم فيها بغرور.
إنها أشياء تختبئ في ذاكرة النهار بفوضى محببة.

* في الذاكرة فكرة تحلق في دوائر النسيان
وومضة فرح بعيد يطل على شرفة وشتلة ياسمين
في الذاكرة طفولة بيضاء تختبئ في غرف دافئة، في زوايا معبقة بالألق والوجد
في الذاكرة امرأة تراقص الفرح وتعتلي سلم الحلم بخفة ريشة وتقفز عابرة جسورا ضبابية.
بيدها مظلة وفي قلبها زهرة تنمو رويدا
وتنكمش في روحها بحب طري.
امرأة هشة من سراب، حذاؤها يسقط وقلبها يرتجف
تدق جرس الحياة وحيدة دون ظل يمشي معها
ولا كتف تتكئ عليه.
امرأة تحترق شوقا لشمعة تذوب بداخلها،
لسوسنة تستنشق عطرها الباذخ،
تتوق للغناء على سرير الغيم، وعلى صدر المساء تحلم أن تنام
تمر عليها الفصول وتغسلها المواسم بندف الضياء وطل الزهر
وتبقى تلك المرأة في الذاكرة تعبر دروبها المتعرجة ومحطاتها المبعثرة، إنها امرأة ضبابية تقرأ خارطة المطر والحنين.
عزيزة الوهيبية


أعلى






"لا يمكن إيقافه".. خط الدراما الرفيع حين يمتزج بالمشاعر الفياضة الرقيقة

القاهرة ـ من إيهاب حمدي:
القطار كان ملهماً لمئات الأفلام التي انتجتها السينما العربية والعالمية، وسواء كان مسرح الأحداث او محركها بشكل أساسي وذلك منذ بدايات ظهور الفن السينمائي كما في فيلم الأميركي ادوين بورتر "سرقة القطار الكبرى" عام (1903) الذي تدور احداثه في 12 دقيقة حول عصابة من اللصوص المسلحين يهاجمون قطار البريد للسطو عليه, وتتم مطاردتهم حتى القضاء عليهم، ومروراً بفيلم هيتشكوك عام 1952 "غريبان في القطار" الذي يحكي قصة رجلين في قطار لا يعرفان بعضهما البعض يحاول أحدهما إجبار الآخر على ارتكاب جريمة، وانتهاءً بفيلم "اختطاف بلهام 123" العام الماضي والذي جسد فيه دينزل واشنطن دور مهندس قطارات يتصدى لمجموعة إرهابية بقيادة جون ترافولتا اختطفت قطار مترو في نيويورك وتطلب فدية مالية كبيرة مقابل الافراج عن الرهائن بالقطار.
في فيلم "Unstoppable" او "لا يمكن ايقافه" يجسد دينزل واشنطن شخصية سائق قطار تضطره الظروف للتصدي لقطار جانح منطلق بسرعة كبيرة دون سائق ومحمل بمواد كيميائية قابلة للانفجار في أي وقت.
الفيلم تشويقي وممتع وبالرغم من ان اكثر من 90 بالمائة من احداثه تقع على متن القطار وبحضور شخصيتين إلا ان الفيلم حافظ على مستوى تشويقي جيد لا يصيب المتفرج بالملل او الضجر.

قطار جانح

يبدأ الفيلم من محطة سكك حديدية ببنسلفانيا حيث مخزن القطارات وبداية سيرها، وتجمع العمال والمهندسين والسائقين، وفي مشاهد قليلة يعرض لنا لعمل كل شخص في المحطة والمشكلات التي قد تواجه السائقين او العمال في عملهم وفي عجالة صغيرة يستعرض الفيلم بعض الشخصيات حتى نصل الى سائق قطار بدين يقود قطاره ببطء يجد مشكلة في أحد المنعطفات قبل ان يتوقف القطار في مخزنه فيبطىء القطار اكثر ثم ينزل من كابينة القيادة محاولاً أن يغير التقاطع عن طريق فتح محبس التحويل ليسير القطار في اتجاه مخزنه و فجأة يسرع القطار ولا يستطيع السائق العودة اليه مرة اخرى وهكذا ينجح القطار منفردا دون سائق ليشق طريقه عبر مدن ولاية بنسلفانيا.
يذهب السائق وعامل التوجيه الأرضي الى المسئولة عن المحطة ليخبراها بما حدث فتبدأ بدورها في إعلان حالة الطوارىء القصوى لاخلاء الطريق امام القطار الجانح، ومن سوء الحظ يركب القطار رحلة مدرسية لأطفال صغار بهدف التعرف على وسائل وطرق الأمان داخل القطارات، كما نعرف ان القطار محمل بمواد قابلة للاشتعال وعبوات غاز سام من الممكن أن تمحو المدينة تمامًا من على الخارطة.

المنقذ ومساعده

من ناحية أخرى نتعرف على فرانك بارنز "دينزل واشنطن" سائق القطارات الخبير المشرف على التعاقد المبكر من قبل شركة تسيير القطار، والذي يعاني من ضعف تواصله مع بناته بعد وفاة زوجته بالسرطان حيث يتهمنه بعدم اهتمامه بهن جيداً. كما نتعرف على مساعده الشاب ويل كولسن أو "كريس باين".
نلاحظ أن الاثنين يمران بظروف اجتماعية ونفسية صعبة فالأول مشرف على التعاقد وعلاقته متوترة بأولاده والثاني مشرف على الطلاق من زوجته التي يحبها، ومن المفترض أنهم هم من سيغامرون بحياتهم لايقاف القطار الجانح، الجميل هنا ان بارنز وويل اول مرة يتقابلان في تلك الرحلة ويتعرفان على بعضهما بل ويقتربان من بعضهما في أشد لحظات الخوف والترقب أثناء محاولتهما انقاذ القطار، فنرى خط الدراما الرفيع والمشاعر الفياضة الرقيقة لكل منهما عندما يتحدثان عن ظروفهما لبعض في أشد لحظات الإثارة والتشويق ومما يزيد الصورة جمالاً القطع المتبادل بين كل من القطار الجانح والمنقذ ومساعده وهم يتحدثون في ايحاء معبر عن أن مشاعرنا الرقيقة وذكرياتنا الجميلة ستظل ماثلة أمامنا حتى في أصعب اللحظات وأقساها.

ملاحقة القطار

تنتشر أنباء الكارثة الموشكة على الوقوع على محطات التلفزة ويبدأ المسئولون في محاولة تجنبها او ايقاف وقوعها ويرسمون خطة مفادها أن يقوم قطار اخر كان قد اقلع قبل القطار الجانح على نفس الخط بمحاولة صد القطار الجانح من الامام ومحاولة ايقافه او تقليل سرعته الى اقل قدر ممكن ولكن المحاولة تفشل وينقلب القطار الامامي، فيلجأ المسئولون الى خطة اخرى وهي محاولة قلب القطار الجانح في منطقة زراعية غير مأهولة بالسكان ولكنها تفشل ايضا.
في تلك الاثناء يتابع بارنز وويل ما يحدث عن طريق اللاسلكي فيقرر بارنز ان يوقف قطاره ويفصل العربات عنه ويذهب بالجرار فقط لملاحقة القطار الجانح ومحاولة ايقافه دون ان يأخذ الأذن من الشركة المالكه للقطارات، ولكن يتم ذلك بمساعدة رئيسة محطة بنسلفانيا التي تحدد له مكان القطار الجانح كى يذهب وراءه.
يرسم بارنز وشريكه ويل خطة لايقاف القطار وهي الامساك به من الخلف ومحاولة سحبه للوراء بعد ان يلتصقوا به و يتفقا على ان يقود القطار بارنز ويذهب ويل ليربط الجرار بالقطار الجانح، وبعد محاولات عديدة ينجح في ذلك بعد أن يصاب في قدمه ولكن ذلك لا يوقف القطار فيقرر بارنز ان يذهب الى القطار الجانح ويبطئه عن طريق الفرامل اليدوية في نهاية كل عربة وهذا يتطلب منه أن يمشي فوق القطار ثم ينزل بنهاية كل عربة ليفعل الفرامل اليدوية وبالفعل ينجح في ذلك بمساعدة الشاب وتبطؤ سرعة القطار كثيراً وفي تلك اللحظة يظهر احد عمال السكك الحديدية بسيارة دفع رباعي يقل من خلالها الشاب من كابينة قيادة المقطورة ويذهب به الى كابينة قيادة القطار الجانح بعد ان هدأت سرعته ليستطيع دخول كابينة قيادة القطار الجانح ويسقط القطار بنجاح.
أثناء ذلك كله تنقل كاميرات شبكات التليفزيون المختلفة ما يحدث لحظة بلحظة عن طريق طائرة هيليكوبتر تتابع القطار الجانح، ويشاهد عملية الايقاف كل من زوجة ويل وابناء هارنز الذين يفخرون بما قام به ابوهم ويعود ويل الى زوجته وتتحسن علاقة هارنز ببناته.
لا نستطيع نسيان اداء دينزل واشنطن الثابت الواثق من نفسه والمتحكم في تعبيرات وجهه جيدا صعوداً وهبوطاً مع الدراما والاكشن داخل الفيلم وهو الممثل الحائز من قبل على جائزة الأوسكار مرتين الأولى كأفضل ممثل مساعد عن دوره في فيلم "المجد" عام 1989، أما الثانية فحاز عليها كأفضل ممثل عن دوره في فيلم "يوم التدريب" فضلاُ عن ترشيحه للجائزة ثلاث مرات أخرى.
فيلم "لا يمكن ايقافه" من تأليف مارك بومباك وإخراج طوني سكوت يصنف ضمن أفلام الأكشن والدراما والتشويق مدته (98) دقيقة ودخل ضمن قائمة البوكس أوفيس الأميركية لأعلى إيرادات عشرة أفلام أميركية، ورشح في التشريحات الأولية لجائزة الأوسكار.


أعلى





صباحكم أجمل.. حمص تروي الحكاية
همسات حمص

حين أقرر مغادرة رام الله مسافراً تنتابني دائماً حالة من القلق، إذ أشعر أنه من الصعب عليّ أن أترك رام الله خلفي، على الرغم من أن رام الله ترافقني دائماً في حقائب القلب، وعمّان تنتظرني بلهفة العشاق.
غادرت رام الله في الثانية بعد ظهر يوم الخميس الحادي عشر من نوفمبر للعام ألفين وعشرة متجهاً إلى عمّان الهوى، وفي الطريق كانت مشاهد المستوطنات المغروزة في رؤوس الجبال كأنها طعنات في القلب، تثير القرف والغضب في الروح، حتى وصلنا إلى استراحة أريحا لتبدأ معاناة الخروج مع الاحتلال الذي يتحكم بكل صغيرة وكبيرة من إجراءات المغادرة، والذي منعنا من المغادرة وأغلق المعبر بعد أن وصلت الساعة التاسعة والنصف ليلاً، وعدنا إلى رام الله بعد منتصف الليل، لتضمني رام الله من جديد وتحنوا عليّ، وتمنحني الحب والشوق والعشق حتى تودعني في الفجر إلى ربى عمّان لأعانقها بعد اثنتين وعشرين ساعة من المعاناة التي فرضها الاحتلال، فتفتح ذراعيها وتحضنني بكل المحبة، وتسكب عليّ شلالات من مشاعر الحب والحنان، فليس هناك من حبٍّ يأسرني كما ربى عمّان، حيث ألتقي بعض الأحبة والأصدقاء، وأصوم يوم وقفة عرفات وأمارس طقوس العيد في أول يومين.
في عمّان شدني الحنين لزيارة مدينة حمص في سوريا، فأول وآخر مرة التقيتها فيها كانت سنة (1973) وما زالت تنقش ذكراها في الذاكرة، وفي السنوات الأخيرة عاد إليها أبو شمس، أحد أبنائها وهو من أعز أصدقائي منذ فترة الدراسة الجامعية، وكنت قد وعدته بزيارته وحمص حين تتاح لي الفرصة، لذا قررت وزوجتي السفر إلى حمص في صبيحة الخميس الثامن عشر من نوفمبر ثالث أيام العيد، فركبنا السيارة متوكلين على الله إلى مدينة حمص، وما أن عبرنا الحدود السورية حتى شعرت بروحي ترف وتحلق بالفضاء، وما أن أطللت على مطالع دمشق حتى ألقيت عليها السلام واعداً إياها باللقاء حين العودة من حمص، وواصلنا الطريق إلى حمص حتى وصلناها عصراً، والتقينا أصدقاء العمر بعد مرور خمسة عشر عاماً من الغياب عن بعضنا، فكان لقاء الأصدقاء ولقاء حمص، التي بدأت منذ لحظة إطلالتنا عليها تروي لنا الحكاية، حكاية التاريخ وحكاية الحاضر، وتهمس بأذني بأجمل الهمسات التي بدأت روحها تهمس بها، فبعد أن ارتحنا من السفر وتناولنا أطيب الطعام من تحت يديّ ربة البيت، حتى خرجنا برفقة صديقي وزوجته في المساء بجولة في السيارة في أنحاء المدينة، لتكون مقدمة لنا للإطلالة على بهاء المدينة التي تغيرت كثيراً عما عرفته في زيارتي الأولى، ونعود بعدها لنسهر ونستعيد الذكريات وما مرت به حياتنا في فترة الغياب الطويل، فكل منا تعرض لظروف صعبة.
كعادتي صحوت مبكراً والجميع نيام، خرجت إلى الشرفة فتنشقت عبق ياسمينة ألقت عليّ الصباح، ولعل ياسمينات رام الله أبلغتها أنني عاشق للياسمين، فرحبت بي، وجلست في الشرفة والشمس الناعمة في الصباح المبكر، أسجل ملاحظاتي عن الوصول للحورية حمص والجولة الليلية في حواريها، في الدروب والأزقة والجمال، وعن لقاء صديقي بعد الغياب، حتى نهضت زوجتي من نومها، وصحا أهل البيت جميعاً من نومهم، احتسينا القهوة معاً، واستعدت وأبو شمس بعضاً من طرائف فترة الدراسة في بغداد، وأسماء أصدقاء لنا من زملاء وزميلات الجامعة، وذكريات تخصنا ونحن شباب متحمسون مفعمون بالحيوية والصحة، ثم تناولنا إفطاراً شهياً كانت الأطعمة السورية المشهورة أساساً له، وبقينا نتحدث حتى ذهبنا لأداء صلاة الجمعة في مسجد قريب، لنذهب بعد الصلاة إلى البيت ونرافق زوجتي وزوجة صديقي وأبناءه الرائعين المهندس شمس والغالي محمد لنبدأ جولتنا في المدينة والتعرف إليها وسماع حكايتها التي بدأت حمص ترويها لنا، لكنها حكاية لن يكون لها نهاية، فحمص وحسب المصادر التاريخية مدينة ضاربة جذورها في التاريخ، وتعتبر ثالث أهم المدن السورية وتقع في وسط سوريا، ويعود تاريخها إلى العام 2300 قبل الميلاد، وكانت تسمى في عهد الرومان باسم (أميسا) ولها تاريخ عريق، وتلقب باسم مدينة خالد بن الوليد. ولعل أقدم موقع سكني في مدينة حمص هو تل حمص أو قلعة أسامة، ويبتعد هذا التل عن نهر العاصي حوالي 2.5 كم، ولقد أثبتت اللقى الفخارية أن هذا الموقع كان مسكوناً منذ النصف الثاني للألف الثالث قبل الميلاد، ولقد ورد اسم حمص محرفاً في وثائق (أيبلا) المملكة السورية الشهيرة، وما زالت الدراسات الأثرية قاصرة عن تحديد تاريخ حمص في العصر البرونزي والحديدي، ومن الممكن أن تكون حمص نفسها قد تم تأسيسها على يد (سلوقس الأول) حيث يذكر الفيلسوف (سترابون) قبيلة تدعى (أميساني) تعيش حول العاصي في جنوب (أفاميا) وقد صنفها الرومان قبيلة عربية.
بدأنا جولتنا في مسجد الصحابي خالد بن الوليد الذي أُسس في القرن السابع للهجرة بأمر من الظاهر بيبرس، وأعيد بناؤه بشكله الحالي في عهد السلطان عبد الحميد في القرن التاسع عشر، ويتميز بجماله وقبابه التسعة ومئذنتيه الجميلتين، ويتصف بالتناوب بين اللونين الأبيض والأسود في حجارته ممزوجاً بطراز معماري سوري جميل، وفي الحديقة الجميلة للمسجد كانت هناك مسلة حجرية منقوش عليها ما قاله سيف الله المسلول حين دهمته الوفاة: "لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في بدني موضع شبر، إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء"، فهمست لنفسي: أين أنتم الآن يا أحفاد خالد؟ وندخل المسجد فأقرأ الفاتحة على روح ابن الوليد وعلى روح ولده الصحابي عبدالرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى روح الصحابي عبيدالله بن عمر بن الخطاب، وصليت وأبو شمس العصر جماعة في المسجد، ثم تجولت في داخله وفي صحن المسجد، ألتقط الصور وأسجل الملاحظات السريعة، والمسجد يقع على ربوة متسعة، ومشهده العام يذكرنا بتاريخ مجيد، والمسجد يتمازج بالمرمر الأبيض مع الأسود، باستثناء المئذنتين فهما بلون أبيض كأعمدة النور، أما داخل المسجد فمضاء بأنوار وإضاءة تأتيه من أربع عشرة نافذة، وله ثلاثة محاريب آية في الجمال، وفي الوسط ينتصب المنبر الرخامي المملوء بنقوش هندسية ونباتية، وفيه المحراب الأوسط ووضع بجانبه شمعدانان نحاسيان كبيران، وفي الجهة الشمالية ثلاثة أبواب جميلة، وفي الركن الشمالي الغربي يجثم ضريح القائد خالد بن الوليد الذي لقبه الرسول عليه الصلاة والسلام بلقب سيف الله المسلول، وبجواره ضريح ولده عبدالرحمن، وهو من تولى إمارة حمص لمدة عشرين سنة، وقد وضع فوق ضريح ابن الوليد قبة مزينة بالزجاج، ونقشت وطعمت واجهته بنحاس مزخرف، كما يوجد للمقام باب قديم من خشب الصندل المعتق، وقفل من فضة، وفي أقصى اليمين شمالاً يقع مقام عبيدالله بن عمر بن الخطاب، وصحن الجامع مستطيل وله رواق شمالي وآخر جنوبي، ويوجد في الجهة الشرقية للرواق قاعات خصصت اثنتان للمعهد الشرعي ويليه قاعة كبيرة ضمت المتحف الإسلامي، ويضم أثاراً إسلامية مهمة أهمها المنبر الخشبي المصنوع في حمص سنة 1197م، وعليه نقوش وزخارف وأبيات شعرية، وسنجق خالد بن الوليد الذي كان يرفع أيام خميس المشايخ، وقوس إسلامي قديم، وبعض الأواني النحاسية والمصاحف القديمة.
خرجنا لنجول في مناطق حمص المختلفة، فدخلنا إلى الحواري والدروب والأزقة، ولأن تجوالنا كان في يوم جمعة فقد كانت الأسواق مغلقة، والشوارع تقل فيها الحركة، فأوقفنا السيارة بأحد الدروب وتجولنا سيراً على الأقدام، وفي وسط المدينة وقبل أن نتجه إلى منطقة الحميدية والمنطقة القديمة، زرنا مسجد الدالاتي، وهو مسجد قديم، بني في سنة 1905م ـ 1325 هجرية، وهو من المساجد الجميلة، ويمتاز هذا الجامع بمئذنته المضلعة، ومئذنته فريدة في تصميمها من الحجر الأسود مع الزنار الابيض، والمسجد يقع في شارع الحميدية ويعود للعهد العثماني المتأخر، ويمتاز فناؤه بوجود أقواس غاية في الجمال والسعة، وقد أطلق عليه الاسم بعد تجديده وذلك تيمناً باسم بانيه الحاج حسين الدالاتي وبمساعدة الحاج إسماعيل كريدية، ويشتمل على منبر خشبي للخطابة ومحرابين وسدة من خشب ورواق للصلاة، ورواق للوضوء وبئر وساحة مكشوفة، وخزان ماء للسبيل، وطابقين أرضي وأول، وجامع الدالاتي يتميز كباقي الآثار الحمصية بحجارته السوداء التي تميز المعالم الحمصية المعمارية.
وفي شارع الحميدية حيث يتمازج القديم بالحديث سرنا مسافة طويلة في ظلال عبق التاريخ والهدوء بحكم الإجازة الرسمية، وكانت عيناي تلتقطان فوراً الأبنية القديمة، فأقفز لتوثيقها بالصور، وأمتع روحي بجماليتها، حتى وصلنا إلى مطرانية السريان الكاثوليك، التي سيكون لها حديث خاص هي وكاتدريئة السيدة العذراء أم الزنار والزنار المقدس وقلعة الحصن ودروب حمص وجمالها وآثارها التي تروي الحكاية، في الحلقات التالية من حكاية حمص التي روتها لي وهمستها في أذني.
صباح ماطر في رام الله، المطر لم يتوقف عن الهطول طوال الليل مبشراً برحمة الخالق على عباده. أطل من نافذتي وأمسح وجهي بقطرات المطر، وأستعيد ذكرى حمص وزيارتي لها، أتابع أخبار الفضائيات وابتسم لأحفاد خالد وهم ينفضون آثار السبات وينهضون من جديد، يحلمون ويعملون من أجل فجر جديد وصباح أجمل، أحتسي قهوتي ككل صباح مع طيفي الذي لا تفارق روحه صومعتي الراميّة، أستمع لشدو فيروز وهي تشدو:
أذكر الأيام لمحاً والهوى / في حنايا الغاب عند الجدولِ
حين كنا والهوى حلو الغِوى / نتشاكى في حنين القبلِ
ضمنا الليل على بوح طوى / كل ما في قلبنا من غزلِ
فأنا إن أشتكي مر النوى / لا تلمني يا حبيبي الأجملِ
و.. صباحكم أجمل.

زياد جيوسي
* كاتب فلسطيني مقيم في الأردن

أعلى





العراق في لاتح: سريالية المشهد السياسي العربي

قيل للشاعر أبي تمام: لماذا لا تقول ما يفهم؟
فأجاب: وأنت لم لا تفهم ما يقال؟

ظهرت السريالية، كحركة أدبية، في فترة حالكة السواد من تاريخ الانسانية، وكانت الكتابات السريالية تعبر عن رفض للواقع او الهروب منه، وان هذا الموقف الرافض او المتهرب يتطلب نوعا من اللاعقلانية واللاوعي في التعامل مع الاشياء، وذلك قد يبدو ترجمة لما قاله الفيلسوف سقراط وهو يصف الشاعر "ضوء، شيء مجنح مقدس، وهو لا يبدع ما لم يلهم ويفقد وعيه، ويبطل فيه عمل العقل". يقول الشاعر بريتون احد مؤسسي السريالية، واهم اقطابها في فرنسا، بأن السريالية هي املاء من الذهن في غياب كل رقابة من العقل، أي أن السرياليين لم ينفصلوا تماما عن الواقع لأنهم كانوا واقعيين في تفصيلاتهم، لكنهم لا يجمعون صورهم ابداً في كل واقعي ، بل هم ـ كما الحال في احلامنا ـ يترجمون هواجس وتضمينات اللاوعي مشغوفين بالاعتباطية والرؤى المرعبة.
ويقول بول كلي، الرسام السريالي الألماني "اعتدنا في الماضي، ان نمثل الاشياء المرئية على الارض، اشياء إما يستهوينا النظر اليها، او تلك التي نرغب في ان نراها، نحن اليوم نكشف عن الحقيقة الكامنة وراء الاشياء المرئية، وبذا نبرهن على ان ما يرى إن هو إلا حالة منفصلة في علاقتها بالكون، وان هناك حقائق اخرى مجهولة كثيرة". إنه شكل من أشكال القلق وهو قلق المبدع الحقيقي الذي يرفض الحيادية أو الإرتكان الى الخمول والسكينة والدعة، والشاعر هو صاحب الروح القلقة والطموح الى شيء كان يريد الوصول اليه، انسان غير منسجم ليس مع محيطه فحسب ، بل ومع ذاته أيضاً، مما يدفعه الى رؤية ما لا يرى وسماع ما لا يسمع، ومن ثم قول ما لا يقال. ويخلد السرياليون إلى فكرة تبدو غريبة إلى حد ما تتجلى عبر رؤية حادة لتفكيك الواقع وتشتيته إلى جزيئات، ثم محاولة بنائه من جزيئات الواقع الأخرى، وهو ما نراه جليا في لاتح عبد الحميد الطائي الذي صدر في العام 2008 عن دار الفكر الدمشقية ضمن سلسلة حواس حروف وهي كما يقول الطائي في مقدمته "محاولةٌ لإحياء أنوار الكلام فينا في سلسلة تشمل أكثر من حرف، تبدأ بحرف اللام في لاتح". من أجل فهم واقع اختلط فيه الماضي والحاضر والمستقبل، "هذا الماضي يفهم في حاضرنا على أنه لا شيء لنا مما كان لنا. وما لنا الآن لم يكن لنا أمس. كنا أقوياء وبتنا ضعفاء، و(لا) مستقبل لنا حتى نعود لمعنى كان، كي نكون. "هذا الموقف يتطلب اللاعقلانية بعدما تعطل العقل الذي" تمت استباحته بقناعة أن أمسنا سبب أوجاعنا، وأن يومنا لا ثمار له.. إلا بتوجيه، وكأننا (لا) بدر لنا في الأصول، وكبلته تقلبات الزمن الذي لا تتغير سننه وتتبدل أحواله".
لقد شاهد العرب بغداد وقد غزتها الدبابات الأميركية، بعدما جالت متباهية فوق الجسد العراقي من شماله حتى جنوبه، شاهدوه يبث مباشرة على الهواء مثلما تبث الحفلات و مباريات كرة القدم:
إن الإدراك الصادق، لتباعد رؤى الالتفاف في
مركز انبعاث الفكرة، من العدم، يوصل حلقات
النفاذ المباشر إلى المتلقي فورًا، بغض النظر
عن كونها معلقةً على جدار العباقرة كتحفة.
لكن العرب لم يشاهدوا تلك السريالية العجيبة التي كانت كانت تنسج خيوطها ومنذ زمن بعيد في الكيان العربي. أن العرب لم يشاهدوا التداعي الذي دب في الجسد العربي منذ زمن بعيد، أنه الواقع كما يعتقد الطائي منذ واقعة الجمل حتى الآن:

شاطئ وهمه
يحوي الآن
أسماكًا نتنةً
كان قد لفظها
قاع بحره
بموجة حيض طاهر شفيف.

ويتكرر مع كل احتلال وانتداب ، كلما جاءت "الحمير" لتستوطن
السواحل بحثا عن عشب،
تلبط السمك
على سطح البحر
راجياً خلاصه
من تنفس خانق
في قاع المحيط.

منظر الدبابات والقطع العسكرية الأميركية (هذه المرة ، لكنها تستحضر صور قديمة جديدة كلما داس أجنبي الارض العربية) وهي تتحدى المشاعر وتسخر منا وكأنها تقول لنا نحن محتلون ونمشي فوق كرامتكم، مثلما مشى اخرون كثر، وليس شوارعكم. لقد سارت الدبابات الأميركية فوق القلوب والأجساد قبل الشوارع التي هشموها كلها بنذالة عجيبة لا تليق إلا بهم. وهذا يعني أن ما نراه الان، سواء في العراق أو في مناطق أخرى من الوطن العربي، هو إعادة لسيناريو واقعة الجمل، وستزكم الأسماك النتنة الأنوف لأننا لن نرى على الشاطئ سواها طالما أننا لا نعتبر:
الأيام تمر
لا ذاكرة لها،
نحن من يدون للذكرى
دون أن نعتبر.
لكن العرب الذين جلسوا يشاهدون بغداد وهي تسقط لم يروا ما رأه الطائي:
للنقمة على طرف لسانهم، بذور شقاق.
ترفض طيبة الأرض، إن ابتسمت عدلاً، أو
نطقت نصحًا للماء الذي يروي ظمأ
تربتها القاحلة بأفعالهم المستفزة أبدًا
لنزعة الجفاف.

لم يروا الطائفية التي ستغزو العراق مثلما فعلت الدبابات وستغرقه في وحلها، ولم يروا تلك البشاعة التي خلقها الاحتلال الجديد القديم أينما توجهت. هذا حدث في العراق بعد 2003، سمعت ان شابًا اختطف من أحد الأزقة، وبعد أيام أعيد إلى أهله بعد أن ترك أمام منزلهم وهو فوق صينية كبيرة مطبوخًا، ومعه ورقة تقول "اشربوا الشاي بعد أن تأكلوه". (الا تذكركم الواقعة بمسرحية ميديا ليوريبيديس، عندما أرسلت ميديا الى زوجها جيسون وعلى صينية كبيرة رؤوس أولادهما الثلاثة بعدما سمعت بزواجه من أمرأة ثانية). هل يصدق أحد أن هناك بشاعة في العالم تستطيع أن تفعل هذا؟ هل اكتفى قدرنا الأصم عن سماع عذاباتنا؟ أم أنه مازال بحاجة إلى نحيب متجدد؟ تلك الديمقراطية التي تفوح منها رائحة الأجساد المطبوخة و المحترقة هي الوعود التي جاء بها بريمر والاحتلال:

تفحص أطراف الخيط دون التمعن في
ملمسه، يجعل الإبرة تنسل خلسةً إلى
قماش الحفاة فتفصل ملبسهم فضفاضًا،
على هوى التخمة، لتكز الجيوب المنذورة
للدفع أول كل شهر.

تلك الوعود نفسها التي أطلقها الجنرال مود البريطاني بعدما داست سنابك خيله شارع الرشيد في العام 1919 (جئنا محررين لا فاتحين) وقالها الصليبيون قبله، ومثلما انهالت الوعود هنا وهناك على شعوب الوطن العربي المبتلاة وقد أصبحت عبر التاريخ نهبا مشاعا للقوى الأجنبية التي جاءت من جميع الأتجاهات. تخيل معي مدينه صغيره تقع في أقصى الجنوب العراقي لم يكن لديها سوى السماء والبحر والصحراء تقاوم مدة اربعة عشر يوما، بينما بغداد التي يحميها الحرس الجمهوري سقطت خلال ليلتين، نعم صدق أو لا تصدق سقطت بغداد بليلتين فقط، استيقظ العراقيون في بغداد صباحا ليصيبهم الذهول من منظر الدبابات والمدرعات الأميركية التي كانت تجوب شوارع بغداد. تلك ليست سريالية دادا أو بريتون أو سلفادور دالي. والعرب ما زالوا صامتين. صمت أزلي قاتل:
داخله عواءٌ فكري ينبح به لأذن
وجهه. المتكل على شم بصلة،
ليعطس فتسيل من عينيه
الدموع حبرًا، لدواوينه
المصفوفة على رف أفكاره
فيتوقف نواحه، لكلاب اللحظة
الضالة.

وجفت الأقلام وصمت الأدب مذهولا مثلما ذهل الجميع :
اعتلاء عرش كتابة الحدث الآني، تمتزج
فيه روائح جنة موعودة، بانبعاث عوادم
مصانع الوهم، فيستحيل تمييز مدخل
حرفها، ومخرج جملتها، فتكون حال
القارئ، كحال كاتبها وهو حاف..
جاء الاميركي هذه المرة ، مثلما فعل قبله البرتغالي والفرنسي والبريطاني وقد تعلم درسا واحدا "اسمعوا, أنتم تنتمون إلى الجيش الأميركي, القوة العظمى التي تقهر ولا قوة فوقها, ولهذا عليكم أن تضعوا في الحسبان أنكم تحملون في دمكم ميزة أنكم من أميركا وأنكم الأقوى والأقوى.. (كانت تلك الدروس التي نتلقاها يومياً إلى درجة صار من الصعب علينا أن نستوعب أن ثمة من هو أفضل منا, وجعلنا نرى بقية كائنات الأرض أقل منا بكثير, مجرد صراصير تمشي على هذه الأرض" . بهذه الكلمات, يتطرق الجندي الأميركي جيمي ماسي صاحب كتاب (اقتل ، اقتل) إلى الفكرة العسكرية وفق المنظومة الحربية الأميركية والتي بدأت على أساس إخضاع عقول الجنود إلى تلك الفكرة المركزية وهي ليست فكرة جديدة مطلقا ، أقرأوا الخطاب الغربي جيدا منذ الحروب الصليبية ، مرورا بالعصر الأستعماري وصولا الى الأستعمار الجديد ، أنها نازية متجددة تغير لغتها فقط: جنس مختلف وأن بقية الأجناس تحت نعال أحذيتهم العسكرية الثقيلة.‏ وكان الطائي لطيفا في تصوير هؤلاء "حمير" ، انهم يختلفون تماما، اليس كذلك؟ وجاءت الفترة الانتقالية، الموت في جسد وليد خديج مشوه:
لا بد من ترجمة أمينة، لقواعد ومقدرات الوعي
اللاهث للإدراك الحسي، عند ارتماء زوايا الهم
الواسع بالمقاييس المعتادة لآفة المدخل
الضيق، لباحة الدمج القسري.

ودخلنا في لعبة الانفجارات (من يفجر من؟ و لماذا ؟:)
ولأن شطر الدمار على مراحل، يدعو للقلق.
ويلفنا بهاجس انتظار خانق، تفتقت لدى
أصحاب العين الناعسة، حكمة الولوج صباحًا
إلى الحمام، وأخذ "دش" قبل الانشطار الزائف
بمواجهة البشر.

والأجساد المحترقة والمقطعة تتراقص على أنغام البرتقالة الجديدة
إن ابتعاث صمت الناطقين بالأهازيج المخملية،
من رقادهم قد يوقظ الدندنة المدفونة غدرًا في
وحل الرقص الأعوج، لكنه، قد يحنق. ونستبلى به
إن استرقص ذاكرة الخصر وهز رأسه، لغربان
الأغاني المصورة حديثًا.

وبريمر العربي يقود الاوركسترا :
مماطلة شهرزاد لشهريار، تحد لا يواجه بسرد
خرافات جديدة، لبغداد التي يحرقها جريان
دجلة، وانسياب الفرات كعرق على جبين
مستغل لزيف الطائفية لا العرقيات.

وأنا أسأل متى كان الرافدان دجلة والفرات كذلك؟ اجتمعت مظالم الأمس مع مفاسد اليوم ،وخرج الحديث من دائرة المعقول إلى ممارسات بشعة، وبدا الناس في حيرة من أمرهم هل التغيير من أجل الديمقراطية وهل التحول من أجل عراق أفضل سيكون بمثل هذه الممارسات؟ وبمثل هذه النتائج المأساوية على أهلنا في العراق؟
يتعمد كسالى الحيلة الخبل،
ويحل عليهم عندها الهبل، خداعون، نصابون، يدعون
الخجل، لامتصاص جذوة
غضب من على خداعهم صبر
واتكل.
وماذا بعد؟ أنها مأساة حينما تتحول لملهاة..... انها العراق الان:
بلورةٌ..
كسرها يعني الإقرار بذنب،
دون وصاية من طارق طبل،
غريب عن سنام ناقتنا،
أرضعته بقرةٌ حلوبٌ،
يرتدي قبعةً مستديرةً ويشمئز
من الغترة والعقال،
يستلذ خطاه
على شظايانا.

خمس عشرة لوحة رسمها الطائي في لاتحه للعراق ، بدأت بالأمس و أنتهت باليوم (الان) تاركة القارىء يفكر بالغد و هو يراه أمام عينيه ينبع من فسيفساء سريالية أبطاها اشباح تبحث بين أنقاض الحاضر عن هوية المستقبل التي أضاعوها بالأمس.

محمد نجيب السعد *
* كلية البيان

أعلى






العلاقة بين "الشمس" وبين فناء العالم (2-3)
تنبؤات العلم والنصوص الثيولوجية بنهاية العالم عام 2013

قدمنا في مقالنا السابق لسؤال محوري بات يشكل قاسما مشتركا بين النبوءات الدينية وتوقعات العلم وشطحات الفن والسينما وهو: هل ستلعب الشمس دورا محوريا في فناء الكون؟ ويستند هذا التساؤل المصيري لسكان الأرض من بعض تسريبات أهل العلم والنصوص الثيولوجية التي قدمنا بعضا منها في مقالنا السابق, حيث تكون من علامات يوم القيامة الكبرى طلوع الشمس من مغربها بما يمكن أن تكون له ارتباطات علمية حيث يشير العلماء لانحراف محوري الأرض بسرعة متزايدة يمكن أن تؤدي لاحتلال كل منهما مكان الآخر بما يعني علميا دوران الأرض بشكل مقلوب وطلوع الشمس من مغربها. هذا التلاحم المثير بين العلم والدين, يفتح الباب واسعا نحو مزيد من الفضول الإنساني لتعقب قصاصات من الأدلة بين تنبؤات العلم الحديث ـ في هذا المقال ـ وانتهاء بشطحات السينما العالمية ـ في مقالنا القادم ـ والتي يبدو أنها تستند لتسريبات العلم ومسحات من النصوص الدينية كما سنعرض في مقالنا القادم والأخير حول هذا الموضوع المثير.
في دراسة علمية حديثة ومثيرة تبين أن الأشعة الحرارية المنبعثة من الشمس تجاه الأرض ارتفعت بشكل ملحوظ في الفترة بين عامي 2004 و2007، على عكس ما اعتقد سابقا أن الأشعة التي تصل الأرض من الشمس ترتفع وتنخفض وفقا للنشاط الشمسي. واستعمل فريق العلماء بيانات من قمر "ناسا سكور" الصناعي، الذي تم إطلاقه في 2003، ومن خلالها قام العلماء بتفحص الطيف الشمسي كاملا، والمكون من (أشعة X)، والأشعة فوق البنفسجية، والأشعة المرئية، وتحت الحمراء، والإشعاعات الشمسية، ومن ثم مقارنتها ببيانات سابقة. وقد أظهرت النتائج انخفاضا في الإشعاعات فوق البنفجسية، على غير المتوقع، إلا أن ما أثار الدهشة هو الارتفاع في نسبة الإشعاعات المرئية، في الوقت الذي يقل فيه النشاط الشمسي" ومما يثير الغرابة إن الأشعة فوق البنفجسية يتم امتصاصها في الأجواء العلوية للأرض، غير أن الأشعة المرئية تتمكن من الدخول في الغلاف الجوي، والوصول إلى سطح الأرض، وبالتالي فإن الزيادة في حجم هذه الإشعاعات رغم الانخفاض في النشاط الشمسي، تسبب في ارتفاع حرارة الأرض بشكل ملحوظ. ورغم أن الدراسة تغطي فترة قصيرة، إلا أن العلماء يعتقدون أنها تحمل الكثير من المحاذير, حيث إن النشاط الشمسي مؤخرا كان غريبا جدا، فالنشاط المغناطيسي انخفض عن السنوات الماضية.
وضمن هذا الإطار يؤكد "روبرت فون سيبنبيرجن" عالم الفيزياء الشمسية في جامعة شيفيلد, أنه رغم قرب الشمس من الأرض، إلا أن العلماء لا يزالون يجهلون الكثير عنها. وهذه الدراسات العلمية الحديثة بشأن الشمس ونشاطاتها الإشعاعية التي تؤثر على مجموعتنا الشمسية ومنها كوكبنا الصغير الذي يستمد طاقته منها هي فقط مجرد غيض من فيض. فبالإضافة لهذه الأبحاث العلمية تتواكب مجموعات من النبوءات التنجيمية والتخرصات التي نورد بعضها هنا في سياق موضوعنا.
فمثلا يتنبأ المنجم نوستراداموس, و"كذب المنجمون ولو صدفوا" (بالفاء مرة وبالقاف مرة أخرى), بأن يوم القيامة وفناء الأرض سيكون في العام 2013. لكن المثير في هذه "النبوءة التنجيمية" أنها تلاقي صدى علميا تطلقه وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" التي تشير لاحتمال فناء الأرض أو "القيامة" في عام 2013. وهي نبوءة بدأت تجد صدى لها حتى في أوساط الكنائس والمعابد الأميركية. فوكالة الفضاء الأميركية "ناسا" تشير إلى احتمال أن تتلقى الأرض إشعاعات شمسية قاتلة تنهي الحياة على سطحها تماما نتيجة انفجارات بركانية شمسية مدمرة. وبحسب كبار علماء وكالة الفضاء فإن الأرض ستُضرب بمستويات غير مسبوقة من الطاقة المغناطيسية نتيجة الانفجارات الشمسية بعد استيقاظ الشمس من "سبات عميق" في وقت ما نحو عام 2013. وفي تحذير قالت "ناسا" إن العاصفة الهائلة ستضرب كالبرق المصحوب بالرعد، ويمكن أن تسبب مخاطر مأساوية للصحة العالمية وخدمات الطوارئ والأمن القومي ما لم يتم اتخاذ احتياطات. ويعتقد العلماء أنها يمكن أن تتلف كل شيء، من أنظمة خدمات الطوارئ وأجهزة المستشفيات وأنظمة البنوك وأجهزة مراقبة الحركة الجوية مرورا بأجهزة الاستخدام اليومي مثل الحواسيب المنزلية وأجهزة آي بود وملاحة الأقمار الصناعية.
وفي هذا الإطار يقول مدير قسم الفيزياء الشمسية في ناسا ريتشارد فيشر "نحن نعلم أن العاصفة قادمة لكننا لا نعرف حجم الضرر الذي ستخلفه وراءها". ويضيف أن الانفجارات ستغير المجال المغناطيسي على الأرض وأنها ستكون سريعة كالبرق من تأثير الشمس. ويذكر أن مؤتمرا لطقس الفضاء في "واشنطن دي سي" مؤخرا حضره علماء ناسا وسياسيون وباحثون ومسؤولون حكوميون، قد تلقى تحذيرات مماثلة. وعلى الرغم من أن العلماء كانوا قد أبلغوا سابقا بمخاطر العاصفة، فإن ملاحظات فيشر تعتبر أكثر التحذيرات شمولية من ناسا حتى الآن. ويضيف فيشر إن العاصفة التي ستجعل درجات حرارة الشمس تصل إلى أكثر من 5500 درجة مئوية، تحدث مرات قليلة فقط خلال حياة الشخص. ففي كل 22 عاما تبلغ دورة الطاقة المغناطيسية للشمس ذروتها، بينما يصل عدد البقع الشمسية أو الانفجارات إلى أعلى مستوياته كل 11 عاما. ويشير العلماء إلى أن هذين الحدثين سيتحدان عام 2013. ولكن هل هذه المسألة ممكنة الحدوث؟ وهل يمكن لنجم متوهج كالشمس الذي اعتاد ان "ينير" كوكبنا ويمده بالطاقة أن يفجر نفسه منتحرا وقاتلا ما حوله من كواكب مؤذنا بحلول "قيامة" كوكب الأرض؟ العلم يجيب بأن هذا ممكن الوقوع فعلا, فانفجار النجوم هي مسألة علمية مثبتة, كما أن الإنفجارات الشمسية هي حقيقة أيضا ولولا المسافة الدقيقة بين كوكب الأرض وبين الشمس وكذلك الغلاف الجوي الأرضي لاحترق كوكبنا بالإشعاعات الشمسية الضارة منذ أمد طويل ولقامت قيامته فعلا.
ففي إطار الإنفجار النجمي يعتقد العلماء أن عرضا ضوئيا غريبا قد يتحقق هذا العام بوجود شمس ثانية للأرض لمدة اسبوع او اثنين. فقد ورد في وسائل الإعلام قبل أسابيع ونقلا عن مصادر فلكية علمية أن العلماء يتوقعون أن تحصل الأرض على شمس ثانية مدة أسبوع أو أسبوعين، حين تنفجر إحدى النجوم البراقة في كوكبة الجوزاء. فحسب تقرير صدر مؤخراً قد يتحقق هذا العرض الضوئي الأكثر روعة وغرابة في تاريخ كوكب الأرض خلال هذه السنة, حين يمكن مشاهدة نجم بتلجيز Betelgeuse يفجر نفسه ويمضي في غياهب النسيان.
وسيكون هذا الانفجار الأكثر لمعانا على الرغم من أن النجم المحتضر يبعد عن الأرض ما يقرب من "640" سنة ضوئية ويقع في كوكبة الجوزاء، إذ أنه سيقلب الليل إلى نهار مما يجعل الأرض وكأن لها شمسين في السماء لعدة أسابيع. لكن صحيفة الديلي ميل تتدارك قائلة إن الإشكال الوحيد الذي لم يتحدد بعد هو متى ستحدث هذه الظاهرة. فاستاذ الفيزياء في جامعة كوينزلاند الجنوبية باستراليا، براد كارتر، زعم أن الانفجار المجراتي سيحدث قبل عام 2012 ، أو في أي وقت ما خلال المليون سنة القادمة. وأضاف الدكتور كارتر: "هذا النجم القديم في طور فقدان الوقود في مركزه. وهذا الوقود وراء بقاء نجم بتلجيز مشرقا ومتماسكا. وحين ينفد الوقود في النجم فإنه ينهار على نفسه وسيحدث ذلك بشكل سريع جدا". ويرى كارتر أن ذلك الساطع هو آخر صرخة للنجم قبل انطفائه. إذ أنه ينفجر وينير بشكل حاد لفترة قصيرة لا تزيد على أسبوعين ثم يبدأ بالاختفاء خلال الأشهر اللاحقة وأخيرا تصبح رؤيته عسيرة.
واللافت أن أخبار هذا الانفجار أثارت مجددا الكثير من التنبؤات القائلة باقتراب نهاية الحياة على الأرض في عام 2012 لكن الخبراء يقولون إنه إذا كان هناك "انفجار عظيم" موشك على الحدوث فإنه بعيد جدا عن الأرض كي يلحق أي أذى بسكانه. أما الدكتور كارتر فعلق قائلا: "حين ينفجر نجم فإن أول ما نلاحظه هو تساقط مطر من الجسيمات الصغيرة تسمى بالنيوترونات". وهذه ستغرق الأرض، ومع إطلاق 99% من الطاقة المتبقية في النجم خلال الانفجار فإن هذه الجسيمات هي التي تحمل الضوء عبر أجسامنا وعبر الأرض مع غياب أي ضرر يلحقنا نتيجة ذلك. سيكون سهلا مشاهدة الضوء المنبعث من النجم المحتضر فهو برتقالي/ أحمر وكاف لأن يجعل ليالينا مضاءة مدة أسبوعين".
وبتضافر هذه المعلومات العلمية من مصادر الرصد الفضائية مع معلومات وتنبؤات نصوصية خرجت مؤخرا للإعلام نقلا عن تحليلات ثيولوجية تبدو المسألة مثيرة للتساؤل عن أصل هذا الإهتمام بمسألة قرب يوم القيامة وعلاقته بالفلك وتحديدا الشمس كلاعب أساسي في مجموعتنا الشمسية؟ فترد على وسائل الإعلام تنبؤات توراتية متشككة ومرتابة في الرئيس الأميركي "أوباما" وعلاقته وأصوله الإسلامية "الجدلية" لدرجة أن الكثير من رجال الدين اليهودي عمدوا فعلا لمحاولة قراءة للنصوص لربط اسم "اوباما" بنهاية العالم وتحديدا في العام 2012. ولا يقف الأمر عند حد الزعم باعتناقه الإسلام، بل يتعدى ذلك إلى الترويج لكون "أوباما" نفسه من أشراط قيام الساعة. فمنذ عام ونصف تثير "شفرة أوباما" أو "اسم أوباما" "خلافات فقهية" حادة بين الحاخامات. والسؤال الرئيسي يتعلق بمغزى ورود اسم الرئيس الأميركي، وتكراره في أسفار الكتاب المقدس. وقد بدأت الضجة عندما أعلن حاخامات معهد "هار عتسيون" الديني في القدس المحتلة أنهم بحثوا عن اسم "أوباما" فى نصوص الكتاب المقدس، وعثروا عليه ثلاث مرات في أسفار مختلفة، وفي سياقات ترتبط باندلاع حرب "يأجوج ومأجوج", وقيام الساعة. وقال الحاخام "مردخاى شاكيد" لصحيفة "يديعوت أحرونوت": "منذ ترشح أوباما لرئاسة أميركا بدأنا في تكثيف البحث عن النبوءات التوراتية التي ذكرت أوباما، وباستخدام برامج كمبيوتر متطورة تعتمد على "حساب الجُمَل، وهو حساب الحروف والأرقام" تبين أن الاسم ورد رمزاً في أسفار "التكوين", و"حزقيال", و"آرميا". ففي سفر "حزقيال" وردت كلمة "رئيس", ثم وردت حروف اسم "أوباما" متفرقة، بحيث يفصل بين كل حرف سبعة حروف عبرية مقدسة، ويحظى الرقم "سبعة" بقداسة بالغة في الكتب السماوية الثلاثة.
وأوضح الحاخام "يوني بار نون" أن اسم "أوباما" ورد في نبوءات سفر "حزقيال" تحديدا في الإصحاح ??، الآية الثانية، لكنه ورد ضمن نبوءة توضح أنه الرئيس الذي ستندلع حرب "يأجوج ومأجوج" في عهده، ومن ثم تقوم القيامة على سكان الكرة الأرضية. لكن حمى قيام الساعة بلغت ذروتها في أوساط رجال الدين اليهود مؤخرا، ولم يكتف الحاخامات بتنبيه أتباعهم باقتراب يوم القيامة، لكنهم وضعوا تصورا كاملا لأشراط الساعة، بالمواعيد، والتواريخ، يزعمون فيه معرفتهم التقريبية بموعد ظهور المسيخ الدجال، واندلاع حرب يأجوج ومأجوج، وابتعاد الرؤساء العرب عن مقاعد الحكم، ليتولى الإسلاميون مقاليد الأمور تمهيدا للملحمة الكبرى بين اليهود والمسلمين، وزلزال عنيف يضرب الكرة الأرضية، ثم تقوم الساعة، ويبعث الله الموتى عام 2035! فهل هذه القصاصات من هنا وهناك هي تخريصات العلم والنبوءات الثيولوجية وتوقعاتها أم هي مقدمات لتغير العالم وفناءه وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات كما ورد في آيات ونصوص قرآنية كثيرة؟ وهل ما تصفه مشاهد السينما العالمية الحديثة من أهوال الكوارث الطبيعية نتيجة قرب يوم القيامة هي من شطحات الكتاب السينمائيين أم هي تجميعات لقصاصات من العلم والثيولوجيا؟ نكمل في المقال القادم بمراجعة مثيرة لفيلم (Knowing) الذي يضع الشمس في مركز فناء الأرض وقرب يوم القيامة.

د. وليد أحمد السيد

أعلى





تجارب من المسرح العالمي
"صور في الذاكرة".. تجربة حديثة قوامها التجريب

عبر تجربة حديثة قوامها التجريب المسرحي قدمت فرقة المسرح الوطني (بنغازي ـ ليبيا) العرض المسرحي (صور في الذاكرة) للمخرج عوض الفيتوري على خشبة مسرح الجمهورية التابع لدار الأوبرا المصرية، بغية تصوير معاناة الإنسان المعاصر الذي ضاعت حقوقه ورموزه القيادية التي يمكن أن يستند إليها، حيث إنه لا يوجد في واقعه سوى صور زائفة.
جميع ذلك، والكثير من المشاهد الصورية التي حاول عرض ( صور في الذاكرة) استرجاعها، عبر رحلة قوامها الفعل الإنساني من المهد إلى اللحد، وهي رحلة صامتة يصعب التكهن بنهايتها في عرض مسرحي لم يتجاوز نصف الساعة!
سعى العرض إلى تنويع صور الفعل الدرامي المرتبط بالزمان والمكان، وركز على الإيماءة والحركة وجسد الممثل والإضاءة والموسيقى، ليتحول إلى عرض مسرحي صامت قائم على الحركة والفعل الدرامي. وبالرغم من أن العرض لا يعتمد على السرد الحواري المألوف، إلا أنه استطاع التعبير عمّا يدور في ذوات شخصياته، كما سعى إلى إشراك الحضور بالإحساس بالمأساة الإنسانية لشخوصه، حيث كانت شخصياته تعيش حالة متضاربة الأفكار والتوجهات والميول الإنسانية في كل لوحة من العرض.
وتدور أحداث العرض بين ثلاث شخصيات عبرت عن مأساة الإنسان عبر عصور زمنية متفاوتة، التي انتهت بالعصر الحديث، وجسدت تلك المراحل ثلاث شخصيات، وهي: الرجل الذي يظهر على هيئة هيكل عظمي ورجل آخر يظهر وهو جالس على كرسي هزاز يجتر ذكريات الماضي الأليم، بالإضافة إلى الشخصية الثالثة التي تقف وتراقب الآخرين على مضض. وهذه الصور الثلاث ما هي إلا نسخة واحدة لملامح وفصول الآلام التي يعيشها الإنسان العربي في ماضيه وحاضره.
ويقدم هذا العرض قراءات متعددة لموضوعات مختلفة، ولكنها جميعا تقترب من البُعد السياسي الإنساني لمعالجة قضاياه الإنسانية من المهد إلى اللحد، حيث يكشف العرض منذ بدايته عن (رأس وذراعين) للتعبير عن النهاية الحتمية لرحلة الإنسان، بينما تقف شخصية أخرى تراقب ما يجري عن قرب، وبذلك استطاع هذا العرض أن يطرح منذ المشاهد الأولى العديد من التساؤلات الفلسفية الملحة من خلال تصوير رحلة الإنسان من المهد إلى اللحد.
ولما كانت لغة الحوار في هذا العرض مفقودة، فقد ركز المخرج على لغة السينوغرافيا البسيطة، حيث تقسم الستارة الخشبة إلى نصفين، الأمر الذي ساعد على التنقل عبر المراحل العمرية التي تمر الشخصيات بها، بجانب شخصية واحدة تعبر عن صور راسخة في الذاكرة البشرية.
واعتمد العرض على الأداء الجسدي التعبيري القائم على الاستعراض والاداء الاستعراضي. وقام بأداء الأدوار فنانون ليبيون شباب أجادوا الأداء الصامت والتعبير الجسدي، حيث يشارك الفنان حاتم قرقوم وعبد السلام السماري ومراد العرفي وسيم مرعي وغيرهم.
عزة القصابي


أعلى





( نصوص أدبيـة )
البــداية ..

قال أبي وهو على فراش المـوت : " يابني سـر على بركـة اللـه ، ولاتخش شـيئاً .. فمـن يحميـه اللـه ، لن يؤذيـه مخلوق ، حتى لوكانت الدنيـا كلها ضـده !! " .
وكانت البـداية ..
الخطـوة الأولـى ، تبعتها خطـوات أخـرى .
* الخطـوة الأولـى..
البـداية .. هي أصعب الخطـوات ، وأقسـاها في حيـاة الإنسـان.
ففي الخطـوة الأولى تكمـن الصعـوبة ، صعـوبة إتخـاذ القـرار.
حيـاة الإنسـان ماهي إلا خطـوات متتالية .
كل خطـوة يتبعها بخطـوة أخـرى وهـكذا ..
مع مرور الأيام .. تتلاشى البـداية خلف الإنسـان في البعيـد ،
ورحـلة الألف ميـل تبـدأ بخطـوة واحـدة .
الخطـوة الناجحـة تكـون عامـلاً فعالا ومؤثراً في خفـز الإنسـان على خطـوات أخـرى ناجحـة .
وهـكذا تتـوالى الخطـوات ..
ويمـر الإنسـان من مرحـلة لأخـرى ، وكل مرحلة تـترك لها أثراً حسـناً في أعمـاقه .
والخطـوة الفاشـلة ..
يخـرج من سـقطة إلى سـقطة أخـرى ، وتتـوالى السـقطات وهـو بذلك يصـبح في حـركة ثابتـة ، لا يتقـدم إلى الأمـام ولا يتأخـر للـوراء ، لايسـتفيد من أخطـائه السـابقة .
ربمـا يسـتفيد منها ، ويتلاشـى أسـباب الفشـل في المـرات التالية .
عليه أن يبـدأ بدايـة جديدة خاليـة من السـقطات القـديمة في التجـارب الفاشـلة .
ولـذا فالبـداية في حيـاة كل إنسـان .. بمثـابة المجـرى الذي يحفـره النهـر في أثنـاء إندفـاعه وجـريانه في بـداية تكوينه ، ويظـل هـذا المجـرى وهـذا الأثر باقيـاً مادامت الميـاه تنهمـر وتنـدفع بلا توقف ، ولن تتغـير المجـرى ، فالبـداية قـد بعـدت تراجعت للـوراء وانتهت وتلاشـت . يظـل الإنسـان بقية حيـاته في انتظـار .. النهـاية !!
وفي مرحـلة النهـاية يكون قـد حفـر لنفسـه ولحيـاته أسـلوباً وطريقـة أشـبه بمجـرى النهـر ، يظـل يتـدفق فيـه حتى ينتهي ويتلاشـى .
( بدايـة زمـن الإنهيـار ..)
* روما .. لم تعـد روما !!
شـق القائد القرطاجي ، عصـا الطـاعة على الإمبراطوريـة الرومانيـة القـديمة ، وكان يحـكم مقاطعة قرطاجنة ، أعلن العصيـان والإنفصال عن الإمبراطورية ، ورفع سـيفه أمام الحشـد من الجنـد معلناً :
ـ روما .. لم تعـد روما !!
وأضاف قائلا :
ـ روما حيث أكون أنا موجوداً ، لا حيث تكون هي موجودة .
روما.. هي فـكرة وجـودية يحملها بـين جوانحه أينما سـار أو حل ، فهي تعيش في وجـدانه .
هي فكرة حيـة نابضـة لا تمـوت ..
هي معـه ، وهـو معها .
هي بداخله وهو بداخلها ، حيث يكون هـو ، تكون روما ..
فنحن نخلق روما ونعيـدها من جديد .
روما التي نريدها ـ نحن ـ ونرغب في وجودهـا .
* هـذا ما عـبر عنـه الكاتب الوجودي : جبرييل مارسيل في مسـرحيته الشـهيرة : روما لم تعـد روما !!
( الفـكرة .. لا تمـوت !! )
* شـيء من الخوف والجوع ..
في الزمن الفني ـ غير المدون في التاريخ المصري ـ قالت فؤادة لعتريس الرجل الصلب القوي الرهيب :
ـ أنا لا أخاف منك ، لأنك لا تستطيع قتلي ، أو القضاء عليَّ من الوجود .. فأنا فـكرة تعيش في وجـدان الجميع .. ولن تموت الفكرة أبـداً .
هكذا عـبر الكاتب الراحل ثروت أباظه في نهـاية روايته : شـيء من الخوف . فإننا مهما حاولنا القضـاء على الفـكرة التي تعيش في أذهان البشر أو محوها أو طمس معالمها ، من الوجـود الحي الملموس ، فلن نستطيع طمس هـذه المعالم من الوجود الذهني في مخيلة الشـعوب .
ـ زواج عتريس من فؤاده .. باطل !!
الأفـكار التي يعيش عليها البشـر ويؤمنون بها تظل حيـة قـوية خالدة . لا تمحى أبد الدهـر ، ولن تمحوها مرور الأيـام ، ومهما حاول العـتريس بطل رواية شيء من الخوف .. القضـاء على فؤادة بالخوف والجوع والعطش ، لمحـوها من الوجـود .. فالفشـل الذريع سيجده في نهـاية الطريق الذي تسـده عيـون البشـر !!
الإنسـان على مـّر العصور والأزمان ، عاش ومات في سـبيل فكرة يؤمن بها ، ويضحي من أجلها بكل شيء .. وليس بالخـبز وحـده يحيـا الإنسـان على كوكبنا الأرضي .
عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصري

أعلى





تراثيات


إجابات حكيم

سئل حكيم كم عمرك؟ فقال: صحتي جيدة ولله الحمد، قال السائل: كم وفرت من المال؟ قال الحكيم: ليس عليّ ديون، قال السائل: فكم عدو لك؟ قال الحكيم: قلبي نظيف ولساني عفيف فكيف يكون لي اعداء؟؟

ــــــــــــــ

من يقول كلمة طيبة له 400 دينار

يحكى ان الملك الفارسي انوشروان أعلن في الدولة بأن من يقول كلمة طيبة فله جائزة 400 دينار ، وفي يوم كان الملك يسير بحاشيته في المدينة إذ رأى فلاحاً عجوزاً في التسعينات من عمره وهو يغرس شجرة زيتون.
فقال له الملك لماذا تغرس شجرة الزيتون وهي تحتاج الى عشرين سنة لتثمر وانت عجوز في التسعين من عمرك، وقد دنا أجلك؟
فقال الفلاح العجوز: السابقون زرعوا ونحن حصدنا ونحن نزرع لكي يحصد اللاحقون. فقال الملك أحسنت فهذه كلمة طيبة فأمر ان يعطوه 400 دينار ، فأخذها العلاح العجوز وابتسم..
فقال الملك: لماذا ابتسمت؟ فقال الفلاح" شجرة الزيتون تثمر بعد عشرين سنة وشجرتي أثمرت الآن. فقال الملك: أحسنت اعطوه 400 دينار اخرى، فأخذها وابتسم، فقال الملك: لماذا ابتسمت؟ فقال الفلاح: شجرة الزيتون تثمر مرة في السنة وشجرتي اثمرت مرتين، فقال الملك: احسنت اعطوه 400 دينار اخرى، ثم تحرك الملك بسرعة من عند الفلاح فقال له رئيس الجند: لماذا تحركة بسرعة؟
فقال الملك: اذا جلست الى الصباح فإن خزائن الأموال ستنتهي وكلمات الفلاح العجوز لا تنتهي.

ــــــــــــــ

نــوادر


الطفيلي

نظر طفيلي الى قوم سائرين فظن انهم ذاهبون الى وليمة فتبعهم فإذا هم شعراء
قصدوا الامير بمدائح فلما انشد كل واحد قصيدته في حضرة الامير لم يبق الا الطفيلى فقال الامير انشد شعرك قال لست بشاعر قال الامير فمن انت.
قال الطفيلى من الغاوين الذى قال الله فيهم (والشعراء يتبعهم الغاوون) فضحك
الامير وامر له بجائزة


أبغض الموت

قيل لاعرابي ما يمنعك ان تغزو. فقال: والله اني لأبغض الموت على فراشي فكيف امضي اليه ركضا


لص مثلك

حدث احدهم قال أتاني اعرابي بدرهم فقلت له هذا زائف فمن اعطاكه
قال لص مثلك.


أغضبت جدي

جلس اعرابي عجوز يبكي في احدى الطرقات فمر به رجل وسأله لماذا تبكي؟
فقال: لأن أبي ضربني
فقال: له كم عمر ابيك
فقال: مائه سنة
وكم عمرك انت؟
قال: 80 سنة
إذا لماذا يضربك وقد بلغت الثمانين؟!!
فرد قائلا: لاني أغضبت جدي
قريب من هذا
قال أبو حاتم: سأل رجل أبا عبيدة عن اسم رجل فقال: ما أعرف اسمه.
فقال له بعض أصحابه: أنا اعرف الناس به اسمه فراش او خداش او رياش
او شيء اخر قريب من هذا!!


ــــــــــــــ


دهاء ملك

يروى: شخص الاسكندر عن فارس إلى الهند فتلقاه ملكها في جمع عظيم ومعه ألف فيل عليها السلاح والرجال وفي خراطيمها السيوف والأغمدة فلم تقف لها دواب الإسكندر فهزم وعاد إلى مأمنه فأمر باتخاذ فيلة من نحاس مجوفة وربط خيله بين تلك التماثيل حتى ألفتها ثم أمر فملئت نفطاً وكبريتاً وألبسها الدروع وجرت على العجل إلى المعركة وبين تمثالين منها جماعة من أصحابه فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النار في جوف التماثيل فلما حميت انكشف أصحابه عنها وغشيتها الفيلة فضربتها بخراطيمها فتشيطت وولت مدبرة راجعة على أصحابها وصارت الدائرة على ملك الهند. ونزل مرة على مدينة حصينة فتحصن أهلها منه فأخبر أن عندهم من الميرة قدر كفايتهم فدس تجاراً متنكرين وأمرهم بدخول المدينة ورحل عنها وأمدهم بمال ومتاع فباعوا ما معهم وابتاعوا الميرة فلما اكنزوا كتب أن أحرقوا ما عندكم من الميرة واهربوا ففعلوا، فزحف إلى المدينة فحاصرها أياماً يسيرة فأخذها وكان إذا أراد محاصرة بلد شرد من حولها من القرى فهربوا إليها فيسرعون في أكل الميرة فتقل فيحاصرهم فيفتحها.


ــــــــــــــ

فصاحة امرأة

يحكى عن أبي عبدالله النميري أنه قال: كنت يوما مع المأمون وكان بالكوفة, فركب للصيد ومعه سرية من العسكر, فبينما هو سائر إذ لاحت له طريدة, فأطلق عنان جواده وكان على سابق من الخيل, فأشرف على نهر ماء الفرات، فإذا هو بجارية عربية خماسية القد, قاعدة النهد كأنها القمر ليلة تمامه, وبيدها قربة قد ملأتها ماء, وحملتها على كتفها, وصعدت من حافة النهر, فانحل وكاؤها، فصاحت برفيع صوتها:
يا أبت أدرك فاها, قد غلبني فوها, لاطاقة لي بفيها.
قال فعجب المأمون من فصاحتها ورمت الجارية القربة من يدها, فقال لها المأمون: ياجارية من أي العرب أنت؟
قالت: أنا من بني كلاب.
قال: وما الذي حملك أن تكوني من الكلاب.
قالت: والله لست من الكلاب, وإنما أنا من قوم كرام، غير لئام, يقرون الضيف, ويضربون السيف.
ثم قالت: يافتى من أي الناس أنت؟
فقال: أو عندك علم بالأنساب؟
قالت: نعم.
قال لها: أنا من مضر الحمراء.
قالت: من أي مضر؟
قال: من أكرمها نسبا, وأعظمها حسبا, وخيرها أما وأبا, ممن تهابه مضر كلها.
قالت : أظنك من كنانة.
قال: أنا من كنانة.
قالت: فمن أي كنانة؟
قال: أكرمها مولدا، وأشرفها محتدا, وأطولها في المكرمات
يدا, ممن تهابه كنانة وتخافه.
فقالت: إذن أنت من قريش؟
قال: أنا من قريش.
قالت: من أي قريش؟
قال: من أجملها ذكرا وأعظمها فخرا, ممن تهابه قريش كلها
وتخشاه.
قالت: أنت والله من بني هاشم.
قال: أنا من بني هاشم.
قالت: من أي هاشم؟
قال: من أعلاها منزلة, وأشرفها قبيلة, ممن تهابه هاشم وتخافه..
قال فعند ذلك قبّلت الأرض
وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين.
قال فعجب المأمون وطرب طربا عظيما، وقال: والله لأتزوجن بهذه الجارية, لأنها من أكبر الغنائم.
ووقف حتى تلاقته العساكر فنزل هناك وأنفذ خلف أبيها وخطبها منه فزوجه بها, وأخذها وعاد مسرورا. وولدت له ولده العباس.

ــــــــــــــ

ثقافة

قال الإمام ابن الجوزي في كتابه القيم (صيد الخاطر):للفقيه أن يطالع من كل فن طرفاً، من تاريخ وحديث ولغة وغير ذلك، فإن الفقه يحتاح إلى جميع العلوم، فليأخذ من كل شيء منها مهماً.ولقد رأيت بعض الفقهاء يقول: اجتمع الشبلي وشريك القاضي فاستعجبت له كيف لا يدري بعد ما بينهما..ورأيت في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي من هذا ما يدهش من التخليط في الأحاديث والتواريخ، فجمعت من أغاليطه في كتاب.وقد ذكر في كتاب له سماه المستظهري وعرضه على المستظهر بالله: أن سليمان بن عبد الملك بعث إلى أبي حازم فقال له: ابعث لي من فطورك، فبعث إليه نخالة مقلوة فأفطر عليها، ثم جامع زوجته فجاءت بعبد العزيز، ثم ولد له عمر.وهذا تخليط قبيح، فإنه جعل عمر بن عبد العزيز بن سليمان بن عبد الملك، فجعل سليمان جده، وإنما هو ابن عمه.وقد ذكر أبو المعالي الجويني في أواخر كتاب الشامل في الأصول، قال: قد ذكرت طائفة من الثقات المعتنين بالبحث عن البواطن أن الحلاج والجبائي القرمطي وابن المقفع تواصوا على قلب الدول وإفساد المملكة واستعطاف القلوب وارتياد كل منهم قطراً، فقطن الجبائي في الأحسا، وتوغل ابن المقفع في أطراف بلاد الترك، وقطن الحلاج ببغداد، فحكم عليه صاحباه بالهلكة والقصور عن بلوغ الأمنية لبعد أهل بغداد عن الانخداع، وتوفر فطنتهم وصدق فراستهم.قلت: ولو أن هذا الرجل أو من حكى عنه عرف التاريخ لعلم أن الحلاج لم يدرك ابن المقفع، فإن ابن المقفع أمر بقتله المنصور، فقتل في سنة أربع وأربعين ومائة.وأبو سعيد الجبائي القرمطي ظهر إلى سنة ست وثمانين ومائتين.والحلاج قتل سنة تسع وثلاثمائة.فزمان القرمطي والحلاج متقاربان؛ فأما ابن المقفع فكلا.فينبغي لكل ذي علم أن يلم بباقي العلوم، فيطالع منها طرفاً؛ إذ لكل علم بعلم تعلق.وأقبح بمحدث يسأل عن حادثة فلا يدري، وقد شغله منها جمع طرق الأحاديث.وقبيح بالفقيه أن يقال له: ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا؛ فلا يدري صحة الحديث ولا معناه..


أعلى


 


الأدب الشعبي


بوح ..
ديمومة الإبداع

بين النص المبدع والآخر المبتور مساكن ضعف وقوة يتنبه لها القارئ فتضع أمامه العديد من علامات الاستفهام حول التفاوت تحديدا، والملاحظ أن أغلب القصائد التي كتبت قبل أكثر من عشر سنوات تقريبا كانت تكتب بحنكة إبداعية أكد كتّابها بأن "المعاناة" كانت العنصر الأساسي لدافع الكتابة من أجل نص ملتزم يحاكي الإبداع ويقدم الواقع بصورة متزنة، في حين أن الملاحظ في القصائد الحديثة وـ أغلبها ـ على الأرجح لا تكترث بالموضوع الحقيقي أو بالقيمة الإبداعية للنص بقدر ما يحاول أصحابها الوصول لإذن (القارئ البسيط) ـ غير المتمكن ـ من خلال تجميل النص بمفردات لا صلة لها بالموضوع ولا يتضمنها أي قاموس عربي، في حين أن أغلب القصائد في السابق كانت تحمل طابع المعاناة ومحاولة تطوير القالب الشعري السائد آنذاك بصيغة أجمل يستطيع كل قارئ الوصول لها برغم أن بعض تلك النصوص قد تحتوي على صور شعرية غارقة في الرمز ولكن في أسوأ الحالات كانت لا تحتاج لمحاولات معقدة لفك رموزها. وما دفع الكثير من شعراء تلك المرحلة للتوقف ـ على مستوى النشر ـ على الأقل اعتقادهم بشكل أو بآخر بأنها نصوص لا تتناسب والذائقة التي ساهمت في تكريس النوع السائد من النصوص. وما ينشره هؤلاء الشعراء في المقابل ما هي إلا مشاركات فقط من أجل "التذكير" بوجودهم ومحاولة التذكير بالصبغة الإبداعية لتلك النصوص، على عكس ما يحاول الكثيرون من أبناء هذه المرحلة في محاولة تجميل الصورة الشخصية أكثر من القصيدة ذاتها.
ما الذي يمنع التماهي بين إبداع النص القديم ورغبة الجيل الجديد؟ هذا السؤال في الواقع اختلفت إجاباته بشكل المكان والحالة، ولم نجد صيغة تتفق عليها مختلف الإجابات المطروحة ولكنها تشترك أكثرها في جزئية "ثقافة" الشاعر، وحتى أن المعنى الحقيقي من الثقافة نفسها اختلفوا عليه، ولكن علينا أن نعترف بأن الثقافة الأدبية العامة لبعض الشعراء هي أول ما يمكن ان يُسد من ثغرات قد تقدم النص بشكل يختلف عن بعض تلك النصوص الهزيلة في فكرتها ومضمونها وتناولها، وحينما نتخطى هذه المرحلة بنجاح نستطيع أن نلامس الفكر النوعي الذي تتميز به سواء النص أو الفكر القديم منه أو الحديث والذي يقدم النص بصورة متزنة تتضح فيها هوية المكان والحضارة، وحداثة التجربة عموما في مساحة "الشعر الشعبي" نفسه وليس في إطاره المحلي فحسب، وهذه الخطوة في حد ذاتها كفيلة أن تمنحنا تنفيذ خطوات أكثر إشراقا في محطات قادمة تستهدف النص المبدع من خلال الكتابة من حيث انتهى الجيل السابق ومد جسور متواصلة لديمومة ما نطمح له، ولتحقيق ذلك لا نحتاج سوى الإرادة في الفعل وتقديمه واقعا ملموسا لقرائنا وهم يستحقون.
فيصل بن سعيد العلوي*


ــــــــــــــ

رؤيا

ثلاث سنينٍ وْآنا أحرثْ وْقوفي عشان ألقاك
مع اني أعرف انها سيرةٍ كانت بلا رجعة
يسيدي ما أنا أول لْ"قال" لصاحبه أهواك
ولكني فقولي صادقٍ .. لو تنظر الدمعة
تعال وشوف ما وصلت إليه أحوال من يهواك
مهي صعبة تعال وملتقانا في مساء الجمعة
كذا هو كان طبعه منيتي هالعاشق لذكراك
يقص الصبع .. لكنه أبد ما يخلفه طبعه
تصدق .. كنت لي باع وكنت الجاه والأملاك
أجي وأروح فيها بلا منازع .. منتهى الشبعة
لك الله ما عرفت إنك تفاجئني كذا .. وش جاك ؟
وانا احيدك على علمي .. جميل الطبع والسمعة
خطاوي الشوق ودتني إلى آخر مسافة هناك
ولكن حيلتي قصرت .. دخيلك فاقد الربعة
حلمت البارحة إيدي تصافح يالغلا يمناك
سمات الحب واحواله .. حبيبي فيه مجتمعة
على الله تصدق الرؤيا .. ويتسنى اللقاء وألقاك
مع اني أعرف انها سيرة كانت بلا رجعة

سعيد بن خميس الرحبي

ــــــــــــــ

البراقع

أول نصون الخجل برقع ويسترنا
واليوم كلنا رميناها براقعنا
كنّا بلال وبعد موته تفرقنا
لا من مؤذن ول مصلي بجامعنا
حتى دمعنا هدم سجنه وغادرنا
ارخص بنفسه قبل نرخص مدامعنا
صحنا .. بكينا ولا إنسان يسمعنا
وش فايدة صوت ما به حد سامعنا
وش فايدة ثوب لمعطر يلفلفنا
و احنا ثلاثة ودود الأرض رابعنا
وش فايدة دم متمرد بلا معنى
دام النزف حيف ما حرك شوارعنا
يا كم عصرنا من الأحزان خمرتنا
يا كم عقدنا أمل نشبك أصابعنا
يا كم حلمنا فجر والشمس خانتنا
والخوف روح وتشاركنا مضاجعنا
يا ذا الأمل(من بعد إذنك) ترا إحنا
أولاد آدم .. طبايعنا شرايعنا
الجوع ظالم .. ومن يشبع تسيّدنا
واللي تسيّد تدارى في براقعنا

يعقوب الحوسني


ــــــــــــــ

الود

الود عور راسي ،ياناسي ،من ذا يجيب دواه
صبري نوى لفلاسي ،واحساسي ،ياويلتي ويلاه
اسهر واعد انفاسي ،وآقاسي ،لين الصبح ألقاه
ابات ليل اغلاسي ،محماسي ،وسط الصدر سكناه
كم رددوا جلاسي ،بك قاسي ،وانته تود رضاه
ماشافوا المياسي ،والماسي ،على طروف شفاه
في خده القرطاسي ،نسناسي ،شل الفواد وياه
كن العيون اقواسي ،وانعاسي ،سحر البشر تحواه
لكن طبعه ناسي ،وسواسي ،عييت انا رجواه
حكمه قوي الباسي ،كالفاسي ،القول ماثناه
عشت العمر محتاسي ،واطراسي ،متفرده ف طرواه
لامن لفى هوجاسي ،كراسي ،يترس بدون سعاه
اضرب أنا اخماسي ،ف اسداسي ،فكري يدور حذاه
آعوذ من وسواسي ،خناسي ،خوفت يزيد دهاه
ودي سطى ياناسي ،عا راسي ،من ذا يجيب دواه
كله سبب مياسي ،حساسي ،مقدر اعيش بلاه
شوفه كما نوماسي ،بالكاسي ،ربي عسى يرعاه

فيصل محمد البادي

ــــــــــــــ


طروق العادة

في حزها واللي مطالع قدمه
ضميان بس أنه مروي سمه
خفيت حالي عن طروق العادة
لو هي على روح الخوال وعمه
يلعن أبوها حاجةٍ ما بيها
لو القضاء توقف عليها همه
يا هي على الريسان يوم تكابر
بكرى تزوم بحالها للقمه
صفرى مزبد خدها من يومه
وحلفه عليها الزعفران تشمه
طلوقها بين الركايب قامه
حافظه ربي من عيون اللمه
يا طير ما فيها كذا وتخبر
قلطه على التحلاق معطي ذمه
لو طاحت أوراق السنين وشاخت
جثورها خضرى مفارح عزمه
بين إنكسارات الزمان العاثر
تكشف مساوير الليالي فمه
في وقتها ياللي مصافح ناسه
تشفى عروقٍ من بقايا ظلمه
لكن نصحيه لا تقارب منهو
ما هو مساوي من فصايل دمه
وشلون تعرف غايتي ومرادي
وشلون تعرف لي يحاذي يمه
لو كل حقٍ يوخذ بفنجاله
سمحي عليه ويا عساه الخمه
ولو كل مكسب بيرقه معلم
ما شفت حزن الآدمي وغمه
سود الليالي علمتني حاجه
صبري على بلوى الزمان وهمه
الجرح خطيته ولا يفج بدربك
والساعد المكسور يبرى ضمه
بعض الجروح بعمرها معدوده
وبعض الجروح وسط قبر تدمه
حذراك لا منها تقوم الساعة
يوم الحقوق وحقها بالزمه

ماجد بن علي الخروصي

ــــــــــــــ

سنين الحب

خلاص إنهد حيل الصبر وإختلت موازينه
وقلبي رافضٍ تهدا على فرقاه دقاته
تعبت أكذب على شعري وأعشمها دواوينه
تعبت أخدع جزء صبري وأنا أتمناها جياته
بدونه ضايقٍ بالي تجرّحني سكاكينه
أعد اليوم والساعات وأتّبع مساراته
عشانه مستعده أرمي خفوقي في وحل طينه
ولا أسكنه في دنيا تقرب له نهاياته
أحبه والعذر حبه ولكن ويني ووينه
أحبه من وضوح الحب لين أصعب متاهاته
لأن القلب لو يعشق يضيع كل عناوينه
بدال النوم والراحه يهلّ دْموع عبراته
كفايه ياسنين الحب كافي ما تسووينه
كفايه مابقى للقلب غير حدود عثراته
وربّي يا وليف القلب هجرك آآه يا شينه
تعال ولملم أوراق الغلا ما دمت نبضاته
وأنا للموت راح أصبر وقلبي ربه يعينه
عسى يلقاك يا روحي قبل لا تحين سكراته

ايمان الغدانية

 

أعلى


 


بَين النقيضِ والنقيض ..

(1)
بين النقيض والنقيض مسافاتٌ شاسعة الامتداد وستتوسع تدريجياً لتؤكد على اتساع الهوة الفاصلة بين النقيض وضده النقيض اللذين لم يجتمعا ولن يجتمعا ذات حين في صفٍ واحد.. لأنهما ضدان وطرفان لصراعٍ أبدي يتجدد في كل يوم, وكُلٌُ نَقيضٍ له صولاتٌ وجولات فقد يخسر جولة اليوم وقد يكسب جولة الغد وبين خسارته وانتصاره يتولد لدى النقيض رغبةٌ عارمة تدفعه قدماً لخوض صراعٍ جديد مع الطرف الآخر للصراع.. ومن سينتصر أخيراً سيضحك كثيراً..

(2)
وعبر مشاهد الحياة اليومية تتعدد الأفعال التي تُبرز حقيقة التناقض بين الضد الذي يناقض فعله الضد الآخر, فذاك يمارس الكذب باعتباره عادةً ما انفك يمارسها مراراً وتكرارا, يفتح القوس ولا يستطيع إغلاقه أبداً, إلى أن يصبح هو والكذب وجهان لعملةٍ واحدة وهنا ستكون المواجهة الحاسمة بينه وبين نقيضه الذي يَصدق الآخرين في أقواله وأفعاله لأنه لا يفتح الأقواس على مصراعيها تاركاًَ للكلام (الخيط والمخيط) من دون التفكير في عواقب ما يقول وما يفعل, وشتان شتان بين الكاذب الآفاق والصادق المتمسك بالقيم والأخلاق..
(3)
وأينما يممنا وجوهنا في شتى الاتجاهات يبرز التناقض وتدور رحى الصراع بين ذهابنا وإيابنا وبين حضورنا وغيابنا وبين فرحنا وحزننا وبين حبنا وكراهيتنا وبين صدقنا وكذبنا وبين تفاؤلنا وتشاؤمنا, وبين رحيلنا وبقائنا وبين ابتساماتنا ودموعنا وبين هدوئنا وضجيجنا وبين نفاقنا وصدقنا, وبين شقائنا وسعادتنا.. وتمتد الحكاية إلى أبعد من ذلك, لتبرز لنا حقيقة التناقض الذي يشعل فتيل الصراع بين النقيض والنقيض.. وفي الحلقة الأخيرة ربما ينتهي كل شيء, وربما لا ينتهي..
(4)
"الحرب والصراع بين الأضداد هو الحالة الأبدية في الكون". هيراقليطس..


يَعقُوب البُوسعيدي ..

أعلى


 

وجوه وظلال (59)

مصارعون

مختارات: صالح العامري

أنهى رافائيل غاييو، سيد ميادين مصارعة الثيران، عرضاً رائعاً في ميدان مصارعة الثيران في ألباثيتي، وقد تلقى أذني الثور وذيله، تذكاراً وتكريما.
وبينما هو يخلع بدلة المصارعة، قرر المصارع البارع:
سنرجع الآن فوراً إلى إشبيلية.
فأوضح له مساعده أن ذلك غير ممكن، وأن الوقت متأخر. وأضاف:
وكم هي بعيدة إشبيلية...
سيطر الغضب على رفائيل، وبدا كما لو أنّه في ذروة مصارعة، وكما لو أن مساعده ثور، وصاح آمراً:
مكانك!
وأعاد الأمور إلى نصابها، وقد تحوّل إلى شعلة غضب:
ما الذي قلته أنت، ماذا قلت؟ إشبيلية موجودة حيث يجب أن تكون، والبعيد هو هذا المكان.
من "أفواه الزمن" لإدواردو غاليانو،ت.صالح علماني

******
الثيران غير قادرة أن تميّز بين اللون الأحمر وأيّ لون آخر. وبالتالي فليس اللون الأحمر لمشلح المصارع هو الذي يثير غضبها، بل إنّ ما يهيِّجها هو التحدي في سلوك المصارع وهتافات المشاهدين المشجعة. مرّ زمن كان المصارعون يستعملون فيه المشالح البيض، وكانت ردّات الفعل لدى الحيوان مشابهة.
أدخل اللون الأحمر على ميادين المصارعة على الأرجح بسبب لمعانه في وهج الشمس، ولأن الدم لا يظهر عليه بذات الوضوح.

******

بدا للناقد (أرثورو دل هويو) أنّ فن (لوركا) الشعري أشبه بفن مصارعة الثيران؛ حيث يسوق الشاعر صوره كمصارع الثيران البارع يؤدي لفتاته وحركاته الرشيقة أمام الخطر الكامن.
وهو تشبيه صحيح يمتح من واقع الحياة الإسبانية العنيفة التي وسمت (لوركا) بميسمها. إنّ مصارع الثيران، إذ يدنو من القرنين المتوثبين، ينتقي بشاله الأحمر الحركة الصافية المناسبة التي تجعله يكاد يلامس الموت، ولكنّه يَمَّلِس منه في مهارة ودقّة. وكذلك أتمثل (لوركا) يضرب في غابة المعاني المصطخبة في نفسه، منتقياً ألفاظه المطروحة المنثورة أمامه، اللفظة الصافية المناسبة، ليكسو بها في دقّة، المعنى الجاثم المتربّص. اصغ إليه في قصيدته المدية:
المدية تنغرس في القلب،
كما تنغرس سكّة المحراث،
في الأرض القفر،
لا، لا، لا تسمِّرْها في لحمي، لا،
المدية، كحزمة من أشعة الشمس،
تحرق الأغوار الرهيبة،
لا، لا، لا تسمِّرْها في لحمي، لا.
أرأيت إلى هذه الصورة الوحشية التي اقتنصها في ذروة توترها، ورفدها بصيحة مدوية يائسة؟.
واصغِ إليه يوشّي حتّى الشيء الثابت البسيط بحركة خفيّة يجثم فيها تحفّز وترقّب وعنف:

رأيتُ وأنا أنحني،
ورأسي على النافذة،
كأنّ ساطور الريح،
يريد أن يحتزّه،
على هذه المقصلة الخفيّة،
وضعتُ الرؤوسَ العديمةَ النظرات للذاتي القديمة.

من "قمم في الأدب العالمي"، د.بديع حقي

******
أغناثيو سانشيث ميخياس مصارع ثيران غزير الثقافة، متّسع الصيت، محبوب لدى العامّة والخاصّة. كان صديق الشاعر الإسبانيّ لوركا الحميم، لقي مصرعه في الحلبة بمدريد في شهر أغسطس من عام 1935، فاشتدّ جزع الشاعر عليه، ورثاه بهذه القصيدة:
في الساعة الخامسة مساء./ كان ذلك في تمام الساعة الخامسة مساء./ حَمَلَ الصبيُّ الكفنَ الأبيضَ،/ في الساعة الخامسة مساء/ كانوا يشاهدون قُفّة ملأى بالكلس،/ في الساعة الخامسة مساء./ أمّا من تبقّى فلم يكن إلا ميّتاً، ميّتاً وحيداً،/ في الساعة الخامسة مساء/ نقلت الريح نُدَفَ القطن./ في الساعة الخامسة مساء/ بَذَرَ الأوكسيد بللوراً ونيكلا.
في الساعة الخامسة مساء/ تنازعت الآن الحمامةُ والفهدُ/ في الساعة الخامسة مساء.
**
تقاتل فخذٌ وقرنٌ مهجورٌ/ في الساعة الخامسة مساء./ شرعت دقّاتُ النّاقوس ترنّ/ في الساعة الخامسة مساء/ وأجراس الزرنيخ والضّباب،/ في الساعة الخامسة مساء/ الثور وحده له قلب كريم!/ في الساعة الخامسة مساء.
**
بينما دنا عَرَقُ الثلج/ في الساعة الخامسة مساء/ وبينا وارى اليودُ الحلبة/ في الساعة الخامسة مساء/ وضع الموتُ بَيْضة في الجرح/ في الساعة الخامسة ما./ في الساعة الخامسة مساء/ في تمام الساعة الخامسة مساء/ أضحى نعشٌ ذو عجلات سريراً/ في الساعة الخامسة مساء/ راح نايٌ وشبّابات تدوّي في مسمعه/ في الساعة الخامسة مساء/ أخذ الثورُ يخورُ الآنَ عند جبينه.
في الساعة الخامسة مساء/ راحت الحُجْرة تتلوّن بِسَكَرات الموت./ في الساعة الخامسة مساء/ دنا الأكّال (الغرغرينة) الآن من بعيد./ في الساعة الخامسة مساء/ التهبت الجراح كأنّها شموس/ وزنابق خادعة فوق الحوالب الخُضْر/ في الساعة الخامسة مساء/ حطّم الجمهور النوافذ/ في الساعة الخامسة مساء.
**
آي، يا للساعات الخمس المروّعة التي تقضّت من الليل!
لكم كانت الساعة الخامسة تستقطب الساعات كلّها!
لكم كانت الساعة الخامسة حالكة في الليل!
من "ديوان الشعر الإسباني"، ت- سعد صائب

******

حكاية الرجل الذي بلغ النهاية في فن المصارعة ـ روضة الورد لسعدي الشيرازي:

يحكى أنّ رجلاً بلغ النهاية في فنّ المصارعة، فحذق في ذلك الفنّ النفيس ثلاثمائةٍ وستين باباً مما يحقّ له أن يتطاول بها على الأقران. وفي كل يوم كان يلعب بواحد منها. وقد تعلّق قلبه بأحد تلامذته، فعلّمه كلّ ما يعرفه إلا باباً واحداً؛ فقد ضنَّ عليه به وتهاوم بتعليمه إيّاه. وحاصل القول أن التلميذ بلغ الغاية في القوة والمصارعة ولم يكن لأحد من نظرائه أن يجرؤ على مجاراته في ذلك المضمار، حتّى أنه لازدهائه بنفسه واعتداده بقوّته قال مرّة بحضرة الملك: إذا كان للأستاذ فضلٌ عليّ فلم يكن إلا من جهة كبر السنّ وحقّ التربية، وإلا فلستُ أقلّ منه قوّةً، وأنا وهو في الصنعة كفرسي رهان. فلم يقع منه هذا الكلام، الذي يدلّ على قلّة الأدب، عند الملك موقعَ القبول. فأمر بأن يتصارعا. فعُيِّن لهما محلّ متّسع حضره أركان الدولة وأعيان المملكة. فأقبل ذلك الفتى وكانه الفيل المهتاج، وتقدّم بعزيمة ثابتة، فلو أنّ جبلاً من الحديد قابله لاقتلعه من أساسه. علم الأستاذ عندئذ أن لا طاقة له بتلميذه، فاشتبك معه من ذلك الباب الغريب الذي كان قد أخفاه عنه. فلم يعرف الفتى كيف يدافع عن نفسه، فخطفه الأستاذ بكلتا يديه ورفعه فوق رأسه وجلد به الأرض. فهتف الحاضرون هتاف الاستحسان.
فأمر الملك أن يُخلع على الأستاذ وأن يوبّخ التلميذ ويُلام. ومما قيل له: إنّك حاولتَ مقاومة مربّيك ووليّ نعمتك ومع ذلك لم تصل إلى غاية. فقال التلميذ: أيها الملك إن الأستاذ لم ينل الظفر عليّ بباسه وقوّته، ولكنّ باباً واحداً في فنّ المصارعة كان أخفاه عنّي، واليوم من ذلك انتهز الفرصة فتغلّب عليّ. فقال الأستاذ: أجل، لمثل هذا اليوم احتفظت به لنفسي، فقد قالت الحكماء "لا تظهر لصديقك كّل قوّتك لتقدرَ عليه إذا أصبح في يومٍ ما عدوّاً لك"...


أعلى


 

أهمية الدراسة الأكاديمية للفنان

لا شك أن الموهبة في أي مجال تلعب دوراً هاماً في ترقية النزعات الإبداعية عند مالكيها، لأن كل ما يصدره صاحب الموهبة من أعمال في شتى الحقول والميادين قابله في بداية الأمر توافق تام بين شخصيته وما يمارسه، ومع تعاقب الأيام نجد أن هذا الموهوب يزداد عشقه مع ما يحب أدائه حتى يُكثر منه بشكل مثير للانتباه، ومع كثرة الممارسة يدخل في مرحلة متقدمة وهي مرحلة تطوير أعماله والبحث عن التميز في الإنتاج من خلال تقديم طرح مبهر لم يسبقه إليه أحد من قبل ليلفت أنظار من حوله بأطروحاته المميزة، هذا إذا كان الموهوب يطور نفسه وفق إمكانياته الخاصة ومحاولاته الفردية. ولكن كيف سيكون حجم الإبداع عند ذلك الموهوب لو أتيحت له الفرصة لتطوير موهبته من خلال التعليم النظامي الذي يتميز بالاحتكاك مع أصحاب المعرفة والخبرات العلمية والعقول المفكرة، فحتماً إذا تم له ذلك فإننا حينها سوف نضيف للبشرية كياناً عبقرياً جديداً بما سيرسله لنا هذا الموهوب من أفكار متجددة مبنية على علم ودراسة متعمقة تصب جميعها في مصلحة وخدمة الإنسانية.
ولنا في حقل الفنون التشكيلية نماذج كثيرة من الفنانين المحظوظين الذين تهيأت لبعضهم الفرصة لتطوير مواهبهم والارتقاء بإمكانياتهم الفنية من خلال الانتظام في الدارسة المنهجية الجامعية التي حققت لهم قدراً مناسباً من الاطلاع ذي المدى الأوسع في المجال الذي تشربت به نفوسهم، الأمر الذي ساهم في اتساع آفاقهم ودائرة نشاطهم الفني من الناحيتين النظرية والعملية، ونجد أن ذلك قد أنعكس أيضاً وبشكل جميل على شخصيتهم الفنية والمجتمع المحيط بهم الذي يتعاملون معه بشكل يومي، فحوارهم الفكري في الفن التشكيلي أمسى بعد تخرجهم أكثر نضجا، وأدائهم التشكيلي أصبح له خط منظم يسير وفق رؤى مدروسة تم بناؤها على تراكم مُمَنهج وبدلالات فنية واضحة المعالم. وفي المقابل فإننا نلتقي بنسبة تمثل الثقل الأكبر في هذا المعادلة وهم الفنانون التشكيليون الذين يمارسون الإنتاج الفني ببراعة أدائية عالية، ولا تكاد تخلو أعمالهم من إنتاج يحمل بصمة فكرية وفلسفية خاصة إلا أن الكثير منهم تجده بالرغم من إعجاب الجمهور بما يقدمه من أعمال فنية يشعر بأن لديه نقصا لو أكمله سيحلق به عالياً في سماء موهبته، وهذا النقص في يقينه يتمثل في الجانب العلمي، فهو يرى أن تلقيه للمعارف والعلوم التي تخص هذا المجال سيساهم بشكل أو بآخر في تنمية قدراته وإمكانياته التشكيلية وستعطيه دافعاً أكبر للتألق والإبداع. إلا أن الظروف المادية لبعض من أولائك الفنانين قد تحول دون تحقيقهم لهذه الأمنية، على الرغم من أنهم محسوبين على المؤسسات الفنية في السلطنة كفنانين مجيدين، ولهم مكانتهم ووضعهم الفني الخاص في الساحة التشكيلية العمانية. إلا أن المؤسسات التي ينتمون إليها تقف عاجزة دون أمانيهم. وقد يكون الرد عليهم سريعاً ولا يحتاج إلى تفكير متعمق بأن أعداد الفنانين المنتسبين إليها كبير ولا يوازي هذه الرغبة في كفة الميزان الأخرى ما تملكه من أموال بسيطة تُعينها فقط على إدارة عدد محدد من مشاريعها الفنية المتفق عليها سلفاً بمبلغ لا يزيد على الحصة المالية الممنوحة لها. إلا أن السير على هذا الفكر سوف لن يحقق لنا القفزات التي نأملها في تطوير فكر ومنهجية الفنانين العمانيين فيما يتعاطونه من أعمال فنية، فإنشاء جيل من التشكيليين الذين يملكون موهبة فنية فذة وفي ذات الوقت مؤهلين تأهيلاً علمياً عالياً سوف ينعكس وبقوة على الحركة التشكيلية ويساهم في تنميتها بشكل كبير، ويمنحها القوة والمتانة التي تمكنها من الصمود أمام أي عارض قد يلعب بها أو يخرجها خارج مسار التطور والتقدم المأمول منها. وعليه فإننا نرجو من المؤسسات التشكيلية في السلطنة التضافر مع وزارة التعليم العالي أو المنظمات الدولية في مجال الثقافة والفنون لتقديم منح دراسية مجانية داخل السلطنة أو خارجها لهؤلاء الفنانين المجيدين من أجل تشجيعهم على الارتقاء بمواهبهم والعمل على تطويرها بشكل يتناسب مع القفزات الهائلة في ساحة الفنون التشكيلية العالمية.
عبدالكريم الميمني

أعلى

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept