الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 




فتاوى وأحكام



*الرسول صلى الله عليه وسلّم أُرسل رحمة للعالمين لكن هناك من يرى أن حق المساواة هو مكفول لمن اعتنق هذا الدين من عرب وعجم وأن من لم يؤمن به كان حقهم الإجحاف وعدم المساواة، ما قول سماحتكم في هذا؟

**أعوذ بالله من مقالة أهل الضلال، ومن افتئات أهل الباطل.
أولاً لا يمكن أن يتساوى الناس مبطلهم ومحقهم وبرهم وفاجرهم في أمر معادهم ولا في أمر الولاية، أمر الولاية على أي حال هي لمن أطاع الله ورسوله وانتظم في سلك المؤمنين فإن الله تبارك وتعالى يقول (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (المائدة:55)، فهؤلاء هم الذين تحق لهم الولاية، أما أن يتولى الإنسان الكفرة فذلك غير جائز،
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (الأنفال: من الآية73).
أما الحقوق الأخرى فلا ريب أن الحقوق العامة مشتركة، لا ريب أن المسلم يتميز بحقوق بسبب إسلامه لأنه أطاع الله ورسوله وانقاد لأمر الله وأذعن لحكمه فهو أولى بأن يُبر، ولكن إن كان غير مسلم جاراً لمسلم فإن على هذا المسلم أن يقدر حق الجوار، وأن يؤدي هذا الحق، وأن يصرف أذاه عن جاره ولو كان جاره غير مسلم فهو مطالب بذلك.
وكذلك بالنسبة إلى الوالد إن كان غير مسلم فإن حقه يجب ولو كان هو على غير الإسلام، فالله تبارك وتعالى يقول (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)(لقمان: 14-15) ، أمر الله تعالى بمصاحبتهما بالمعروف .
وكذلك إن كان ذا رحم في هذا خلاف، هل لذي الرحم غير المسلم حق أو لا يجب له حق الرحم بسبب عدم إسلامه، والذي نأخذ به أن للرحم ولو كان غير مسلم حق واجب كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: إنكم ستفتحون بلاداً يُذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لنا فيهم رحما وصهرا ) ، ويشير إلى الرحم الذي بينه وبين أهل مصر من قِبل جده إسماعيل عليه فإن أمه هاجر من مصر ، مع أن أولئك لم يكونوا في ذلك الوقت على الإسلام عندما وصى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
وكذلك إذا جئنا إلى حديث : ألا أن آل أبي فلان ليسوا لي بآل .. إلى أن قال : ولكن لهم رحماً سأبلها ببلالها . هذا دليل على أن من كان على غير ملة الإسلام يبقى حق الرحم واجباً له .
وهكذا الأدلة الأخرى التي تدل على هذا، فمن خلال هذا يتبين لنا أن غير المسلم لا يقطع من أي حق ، نعم لا يمكن أن يتساوى البر والفاجر والمسلم والكافر في الحقوق، فلا ريب أن الناس يتفاضلون بقدر تفاضلهم في الأعمال وبقدر تفاضلهم في البر والصلاح والإخلاص لله سبحانه ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )(الحجرات: من الآية13)، فتقوى الله هي ميزان التفاضل بين الناس ، ويجب الأخذ بذلك في الاعتبار.

هناك أيضاً من يحاول من المسلمين في هذه المجتمعات أن يكون فعلاً رسول إسلام غير أنه ربما يسلك باب عدم التشدد وعدم الأخذ بالحزم في كثير من المسائل ويأخذ بما قد يجد فيه قولاً من أقوال العلماء من رُخص أو التجويز فهل مثل هذه الشخصية التي تقوم بدور تمثيل رسالة الإسلام بمثل هذا السلوك في نظركم أنها تخدم فكرة الإسلام؟

*هناك على أي حال اختلاف ما بين الأقوال، هناك قول قد يكون قولاً مرجوحاً ولكنه يستند إلى دليل ولو كان الدليل مرجوحاً، وليس هو معارضاً لنص ثابت عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلّم، فإذن من أخذ بهذا القول لا سيما في المواقف الحرجة لا يقال بأنه خالف الحق أو خرج عن طريقة الإسلام الصحيحة أو خالف الدين، وإنما أخذ بغير القول الأشد.
وقد يكون القول شاذاً لا دليل عليه بل الأدلة تضاده وتعاكسه، وهنا لا يُسمح للمسلم أن يهجر الدليل وأن يأخذ بالقول الذي لا دليل عليه قط، إذ لا قول لأحد مع قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلّم، ولا عبرة بالرأي ، الله تبارك وتعالى يقول (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً) (الأحزاب : 36 ) .
وفي هذا يقول الإمام السالمي رحمه الله تعالى :
ولا تناظر بكتاب اللهِ *** ولا كلام المصطفى الأواهِ
معناه لا تجعل له نظيرا *** ولو يكون عالماً خبيرا
لو قدرنا أن أحداً من العلماء نسي أو ذهل عن الدليل الشرعي، ذهل عن الدليل من كتاب الله أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم وقال قولاً مخالفاً للأدلة الشرعية فإنه لا عبرة بقوله مهما كان قدره ومهما كان شأنه ولكن لا يُعارض بكلامه كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلّم، كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلّم مقدمان على كلام أي أحد من الناس، والله تعالى الموفق.
*كيف نوفّق بين حديث الرسول الكريم (ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني) وبين وجود السنة النبوية التي تنفرد بأحكام عن القرآن الكريم؟

**تلك الأحكام هل هي معارضة لما في القرآن أو هي مخصصة لعمومات القرآن أو مقيدة لمطلقات القرآن، فإن كانت مخصصة فلا تعارض بين الخصوص والعموم، حكم القرآن يحمل على العموم وهذا يحمل على الخصوص، والخصوص يُقدّم على العموم، لأن العام ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن، ولو كان متنه متلقى بطريق القطع كالقرآن أو الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلّم إلا أنه بما أنه عام والعام يحتمل التخصيص بل احتماله للتخصيص احتماله قوي فإن معظم العمومات مخصصات ما عدا العمومات التي لا يمكن أن يطرقها التخصيص وبما أنها بمثل هذه الحالة أحكام العمومات يمكن أن يطرأ التخصيص ولو من الأحاديث الآحادية فيؤخذ بالحديث الآحادي عندما يكون مخصصاً في شيء يحتمل التخصيص لا فيما لا يحتمل التخصيص، في ما لا يحتمل التخصيص لا يمكن أن يؤخذ، لأن هناك أمورا لا تحتمل التخصيص قد يكون ذلك راجعاً إلى العقل، العقل لا يقبل التخصيص في بعض العمومات، بل العقل والشرع جميعاً مثل قول الله تعالى (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) (المؤمنون: من الآية91)، فلو جاءت رواية ذُكرت، قد يكون بعض المغرضين ينسب رواية يذكرها السلف هذه ترد مهما كان لأن العقل والنقل قاضيان باستحالة التخصيص، لا يمكن إن يتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ، كذلك مثل قول الله سبحانه وتعالى ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الإخلاص:3-4) ، وقوله ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(الشورى: من الآية11) ، وقوله سبحانه وتعالى (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ )(الأنعام: من الآية103) ، وقوله سبحانه وتعالى ( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)(الكهف: من الآية49) ، وقوله (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ)(الإسراء: من الآية111) ، هذه العمومات لا يمكن أن تُخصص بحال من الأحوال .
وقد يكون مَنْعُ التخصيص بسبب الإجماع على أنه لا يُخصص هذا الحكم مثل قول الله سبحانه وتعالى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أرضعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فإن لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ )(النساء: من الآية23) ، فإن الأمة متواطئة جميعاً بلا خلاف أن الأمهات داخلات في الحكم ولا يمكن أن يُخصص عموم من هذا بحيث تحل الأم لولدها بحال من الأحوال ، وكذلك البنات وكذلك الأخوات وكذلك العمات وكذلك الخالات .... ، فمثل هذا لا يمكن أن يُخصص لو جاءت رواية تفيد التخصيص ، هذه الرواية لا يمكن أن تكون ثابتة عن الرسول صلى عليه وسلّم بحال من الأحوال أما فيما عدا فيؤخذ بالخصوص .

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى





الدين المعاملة في حياة خير البشرية

محمد السلماني:
فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوابت التفاعل الاقتصادي دفع نحو الازدهار وأدب النفس من أن تقع فريسة الجشع والاستهلاك
ـ لا رصيد للمسلمين إلا بالأخلاق فمتى ذهبت أخلاقهم ذهبوا وأذهبوا الناس معهم
ـ اقتصاديات العالم لا تستوي إلا مع الدعوة القرآنية الواضحة ومتى حادت عن جادتها تهاوت إلى الأسفل
ـ الحضارة الإسلامية اهتمت بالجمال من حيث النظافة والعناية بالجسد والملبس والمسكن والشارع والمدينة

أجرى اللقاء ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
الذي يريد أن يفهم مسيرة الإنسانية, لن يستطيع أن يدرك ذلك بغير الاطلاع والتعمق في دراسة الحضارة الإسلامية, ليس لأنها تمثل حلقة مهمة من حلقات التاريخ فقط, وليس لمجرد أنها ربطت الحضارات القديمة بالحضارات الحديثة, ولكن لأن إسهامات المسلمين في مسيرة الإنسانية من الكثرة والأهمية بمكان, بحيث إننا لا يمكن أن نستوعب ما وصلت إليه البشرية من تقدم في أي مجال من مجالات الحياة إلا بدراسة الحضارة الإسلامية, بكل خصائصها ودقائقها منذ عهد النبوة وإلى زماننا الآن.
وحول هذا كان لتساؤلاتنا واقع ملموس لدى الشيخ محمد بن أحمد السلماني فأجاب عنها حسب كل سؤال طرحناه...

لا رصيد للمسلمين إلا بالأخلاق
شيخنا الفاضل في البداية لا بد لنا من سؤال حول الأخلاقيات الإسلامية لأننها ما زلنا في ذكرى مولد الحبيب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ كيف نجسد أخلاق الرسول في واقعنا؟ خاصة ونحن من خير الأمم، ولكي ينظر إلينا الأعداء بمنظر الرقي والتقدم؟

لا رصيد للمسلمين إلا بالأخلاق فمتى ذهبت أخلاقهم ذهبوا وأذهبوا الناس معهم. وأخلاق المسلمين ليست محصورة في دائرة ساعات العبادات وإنما حتى في المعاملات أليس الإسلام يقر أن (الدين المعاملة) وهذا ما نزه الإسلام وأتباعه فالمادية لا تعايش بينها وأخلاق الإسلام فالمسلم له من المادية قدر الحياة وما يتقوى بها في كل مراتبه حتى لا يكون كلا على غيره في كل احتياجاته وأيا كان الغير.
وكما يطلب من المسلم دورا لا بد للآخر أن يكون من طرفه دور في قبول المسلم والحياة بطبيعتها تفرز في كل يوم جديدا نحو فن التعامل والحاجة إلى تبادل المنافع التي يتدافع الناس إليها في الحياة بطبيعتها وطبعهم (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).

الاقتصاد مع الدعوة القرآنية
ـ كان العرب قبل الإسلام في ركود اقتصادي باستثناء مكة لوجود الكعبة، أي قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم رغم وجود قوى اقتصادية في ذلك الوقت تتمثل في الامبراطورية الرومانية والفارسية؛ وبعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وفتح مكة انقلبت الموازين فأصبح العرب بدخولهم الإسلام قوى ضاربة في أرجاء تلك الصحراء المتنامية (الجزيرة العربية) ألا يدل ذلك بأن الرسول كان له الفضل في ذلك؟

العرب وغير العرب من مقومات استخلافهم في الأرض قوة الاقتصاد ووفرت المال إلا أن مشيئة الله اقتضت أن تكون مكة عاصمة ترفع فيها قواعد أول بيت وضع للناس ثم كانت تجارة الصيف والشتاء ورحلة الشام واليمن.
وكان من إرهاصات مولد خير البرية صلى الله عليه وسلم ما كان من حادثة الفيل ذات الإرهاص الأكبر في سنة الميلاد نتج عنها تشكل هيبة للعرب عند الروم وفارس وهيبة لقريش عند قبائل العرب المترامية في شبه الجزيرة العربية إلا أن هذا الاقتصاد مني بفساد في رأس المال وفي العائد منه فجاءت دعوته عليه أفضل الصلاة والسلام لتنظم ملكية الفرد للمال إشباعا للغريزة وسدا لحاجاتها كما تضع ضوابط وأحكاما لحق الآخر وبذلك نزلت آيات القرآن الكريم لتبين الطابع الفطري لحب المال (وتحبون المال حبا جما) وقوله تعالى (فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) مرورا بـ (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ولذلك نرى بأن اقتصاديات العالم لا تستوي إلا مع الدعوة القرآنية الواضحة ومتى حادت عن جادتها تهاوت إلى الأسفل ليسقط وراءها تباعا كل شيء ففضل رسول الله في ثوابت التفاعل الاقتصادي أخذا وعطاء دفع نحو الازدهار وأدب النفس البشرية من أن تقع فريسة الجشع والاستهلاك وهي ذاتها المادية القاتلة التي لا ترحم.
*الإعلام في هذه الأيام سلاح ذو حدين والسؤال هو ماذا قدم الإعلام الإسلامي من رسالة عن الإسلام الصحيح للعالم؟
**الإعلام مفهوم تجاوز إيصال الكلمة إلى إيصال الصورة المؤثرة إلى حد بعيد بل طغى على ساعات اليوم وتهاوى من أعلى إلى البيوت والمؤسسات والمواصلات فهو زخم باسل يعجز الزمن عن رصده.
كما دفعت الدعوات المنادية بالحرية إلى إعطاء الموقف زخما أكبر ساهم في الإطغاء على كل شيء حتى أنك تجد الميدان الاجتماعي طاغيا بمحاكاة الصورة الإعلامية وقد انسلخ عن مبدئه وعقيدته وحتى تراثه وحتى مواطنته ناهيك عن توسع نوافذ الإعلام لتصل إلى الشبكة العالمية والهواتف النقالة.
إن هذا السيل الجارف من المعلومات غير المقنن وغير المنظم وغير المراقب ينادى له اليوم (بالفوضى الخلاقة) توطئة لقبول الصورة كما هي مرورا بالواقع المرير للإعلام ولطالما حذر من ذلك العديد من المصلحين والكاتبين.
لا يجوز أن ننكر ما قدمه الإعلام الصحيح عن الإسلام بحقيقته من دعوة وفتاوى وبرامج وغيرها إلا أنه لا بد من مساع جادة نحو الإعلام الهادف الهادئ الذي يؤلف ولا يفرق ويوحد ولا يشتت في ظل شارات نحو معاكسة المسارات الصحيحة لوحدة الأمة وترابطها.
الإسلاموفوبيا
*في هذه الأيام ظهر على الساحة مفهوم الإسلاموفوبيا ما هو وما منشأ هذا المصطلح وما أثر ذلك على المسلم ومكانته بين العالم واظهار صورة الإسلام الحقيقية؟
**إسلاموفوبيا (إنجليزية:Islamophobia) أو إرهاب الإسلام هو لفظ حديث نسبيا يشير إلى الإجحاف والتفرقة العنصرية ضد الإسلام والمسلمين، وهو مصطلح مثير للجدل يعرّفه البعض على أنه تحيز ضد المسلمين أو شيطنة المسلمين. لوحظ استخدام المصطلح منذ عام 1976 لكن استعماله بقي نادراً في الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين. ثم انتشر المصطلح انتشاراً سريعاً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
انتقل مصطلح إسلاموفوبيا بمعنى معاداة الإسلام أو الخوف من الإسلام من اللغة الإنجليزية إلى لغات العالم المختلفة بدون استثناء. يعود أول تأريخ لهذا المصطلح إلى سنة 1987م. وأول محاولة تعريف هذا المصطلح ترجع إلى عام 1997م عندما حدد البريطاني رونيميد تروست (Runnymede Trust(في تقريره Islamophobia: A Challenge for Us All "الإسلاموفوبيا كالعداء غير المبرر للإسلام، وبالتالي الخوف أو الكراهية تجاه كل أو معظم المسلمين".
وأول من استعمل اللفظ عند الكتّاب الفرنسيّين ماليه إميل Mallet Emile في مقال بعنوان "ثقافة ووحشية" نشره في جريدة Le Monde الفرنسية سنة 1994م، إذ تحدّث عن "صنف من الإسلاموفوبيا الزّاحفة". وقد اتخذه صهيب بن الشيخ، في سنة 1998، عنواناً لباب من أبواب كتابه Marianne et le Prophète
ساعدت بعض التصرفات غير المسؤولة من بعض المسلمين على ظهور ونمو الإسلاموفوبيا. ولعل أشهر تلك التصرفات الهجوم بالطائرات المخطوفة على مركز التجارة العالمي بنيويورك يوم 11 سبتمبر 2001 بالإضافة إلى مهاجمة السياح والصحفيين والمراسلين الأجانب وخطفهم وقتلهم أو طلب فدية لإطلاق سراحهم وتصوير مشاهد قتل وذبح الرهائن كذبح الحيوانات وعرض تلك المشاهد على الشبكة العالمية للمعلومات إلا أن المراقبين لم يجمعوا على ذلك أصلا كما أن الإسلام بريء من تصرفات الخارجين عنه.
*الحضارة الإسلامية تمثل حلقة مهمة
** قبل أن نودعكم في هذا اللقاء المعرفي الطيب لا بد لنا من سؤال تختمون به وهو.. الغرب ما زال يقدم للإنسانية كل جديد؛ بيد إننا ما زلنا على فتات الموائد في هذا الشأن ما هو دور المسلمين لتقديم الجديد للإنسانية؟

**إن الذي يريد أن يفهم مسيرة الإنسانية, لن يستطيع أن يدرك ذلك بغير الاطلاع والتعمق في دراسة الحضارة الإسلامية, ليس لأنها تمثل حلقة مهمة من حلقات التاريخ فقط, وليس لمجرد أنها ربطت الحضارات القديمة بالحضارات الحديثة, ولكن لأن إسهامات المسلمين في مسيرة الإنسانية من الكثرة والأهمية بمكان, بحيث إننا لا يمكن أن نستوعب ما وصلت إليه البشرية من تقدم في أي مجال من مجالات الحياة إلا بدراسة الحضارة الإسلامية, بكل خصائصها ودقائقها منذ عهد النبوة وإلى زماننا الآن. يقول حسن أبو مطير في كتابه ـ ماذا قدم المسلمون للعالم ـ إسهامات المسلمين في الحضارة الإنسانية.
في الفصل الثاني: (أصول وروافد الحضارة الإسلامية)، حيث يقول بأن التميز الذي يجعل حضارة الإسلام تختلف عن غيرها من الحضارات ثلاثة أشياء: تأسسها على القرآن والسنة، حيث منهما انطلقت ومنهما انبثقت التصورات والأفكار، وكذلك النظم والمناهج والأعراف وطريقة الحياة. والثاني: هو أن الشعوب الإسلامية كانت مزيجا فريدا من كل الأعراق والألوان والأجناس، بما جعل الحضارة الإسلامية كمصب كبير وضعت فيه كل تلك الشعوب خلاصتها وخبراتها ورحيق حضاراتها بعد أن تهذبت بالإسلام، ولم يكن ليتأتى هذا لولا هذه المساواة التي جعلت لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح. والثالث: هو الانفتاح على جميع الحضارات والأخذ منها دون تأنف أو تكبر أو استغناء، بما جعل الأمر لا يستغرق وقتا طويلا حتى تتم ترجمة الكتب والموسوعات العلمية من لغاتها الأصلية إلى العربية،
وتحدث المؤلف عن (خصائص الحضارة الإسلامية)، ويراها في أربعة أمور: أولها: العالمية، وثانيها: الوحدانية، وثالثها: التوازن والوسطية، ورابعها هي: الصبغة الأخلاقية المميزة للدين الإسلامي وللمسلمين.
وما يجعل الحضارة الإسلامية متفردة بين الحضارات أن خصائصها تلك هي خصائص دين فهي غير قابلة للتبدل أو التغير مهما تغيرت الأحوال والظروف، ولذا فهي خصائص خالدة لحضارة الإسلام.
كما يضيف عن (إسهامات المسلمين في مجال الأخلاق والقيم)، وذلك من خلال خمسة فروع (الحقوق ـ الواجبات ـ الأسرة ـ المجتمع ـ العلاقات الدولية).
ويقرر أن الأخلاق هي جوهر وأساس أي حضارة، وهي سرَّ بقائها عبر التاريخ والأجيال، وهو الجانب الذي إذا اختفى يومًا فإنه يُؤْذِنُ بزوال الدفء المعنوي للإنسان، الذي هو رُوح الحياة والوجود؛ والحضارات السابقة وحتى المعاصرة لم تحظ بقدر بارز أو إسهام مؤثر في هذا الجانب الأخلاقي، والحضارة الغربية المعاصرة نموذج واضح للاختلال بين القوة والأخلاق.
ونجد للمسلمين إسهامات في علوم الحياة، مثل الطب والفيزياء والبصريات والهندسة والجغرافيا والفلك، وكذلك العلوم التي ابتكرها المسلمون، وهي الكيمياء والصيدلة والجيولوجيا والجبر والميكانيكا، كما للمسلمين جولة في جانب العلوم الإنسانية، وبنفس المنهج في تطوير العلوم الموجودة وهي علم الفلسفة والتاريخ والأدب، ثم الابتكارات الإسلامية لعلوم جديدة مثل علم الاجتماع وعلوم الشريعة (علم أصول الحديث ـ علم الجرح والتعديل ـ علم أصول الفقه) وعلوم اللغة (علم النحو ـ علم العروض ـ علم المعاجم).
كما عني المسلمون بالمؤسسات والنظم في الحضارة الإسلامية، مثل مؤسسة الخلافة والإمارة: شروط الخلافة في الإسلام، وكيفية اختيار الخلافة الراشدة، وما هي البيعة، وكيف كانت علاقة الحاكم بعموم الناس من خلال تعاليم الإسلام. وكيف نجد مسألة نظام الحكم، وكانت الميزة الإسلامية في هذه النظرية أنها مستمدة من كتاب الله وتهدف للإصلاح ابتغاء رضوانه فلا أثر فيها لما يمكن أن يوجد عند ميكيافيللي حيث الغاية تبرر الوسيلة.
وهل يغيب عن بالنا إسهامات الحضارة الإسلامية في مؤسسة الوزارة، والنظام السياسي للحضارة الإسلامية، حيث إن النظرية السياسية الإسلامية أولت تلك المؤسسة عناية ومكانة ووضعت لها الشروط والواجبات بل وما يسومونه البروتوكول.
كما لا يغيب عن بالنا مؤسسة الدواوين، مثل ديوان الرسائل والإنشاء (وهو الآن خليط من منصب المتحدث الرسمي ووزارة الخارجية وكذلك شيئا من وزارة الإعلام)، وديون الجند والعطاء، وديوان الأوقاف، وديوان البريد والاتصالات، وديوان بيت المال، والشرطة، والحسبة، والجيش.
ناهيك عن مؤسسة القضاء، القائم على مبدأ العدل في المنظومة الإسلامية، والوسائل التي ابتكرتها الحضارة الإسلامية لكفالة العدل، وكيف سار تطور المؤسسة القضائية الإسلامية، وما وضعه المسلمون من معايير اختبار القضاة واختيارهم، وتحديد مهامهم.
ولا يغيب عن بالنا من مخروا عباب البحر والمحيطات بسفنهم الشراعية وكانوا عليها دعاة وتجار وجنود حرروا الكثير من البلاد واكتشفوا بحارا وأبوابا وخلجان لم تكن معروفة من قبل.
وتسجل الحضارة اهتمام الإسلام بالجمال الظاهري من حيث النظافة والعناية بالجسد والملبس والمسكن والشارع والمدينة، والعناية بدقائق الذوق مثل خفض الصوت والاستئذان في الزيارة وفي الجلوس، وفي أدب المزاح، واهتمامه كذلك بالجمال المعنوي، ووصيته بالتبسم وطلاقة الوجه، وحرصه على سلامة الصدر وشيوع الحب لكل الناس، وعنايته برسوخ حسن الخلق، وبدقائق ذوقية معنوية أيضا.
ولا نسى اهتمام المسلمين بجمال الألقاب التي اتخذها الأئمة والعلماء والقادة أمثال (نور الدين وقطب الأئمة وعالم الشعراء وشاعر العلماء وغيرها) بل جمال عناوين الكتب التي ألفت في الفقه والعقيدة والتاريخ والتفسير، أمثال (هيميان الزاد) أو (قاموس الشريعة)أو (معارج الآمال على مدارج الكمال)، ونجد أن الحضارة الغربية تأثرت بالحضارة الإسلامية في ميادين العقيدة والتشريع، العلوم، اللغة والأدب، التربية والمعاملات، ومجال الفنون. حقا أن المسلمين هم (خير أمة أخرجت للناس).


أعلى





الشباب وبناء الأمة

للشباب في بناء الأمم وقيام نهضتها دَوْرٌ لا يُستهان به، وأمر لا يمكن له أن يُنْكَرَ، فهم سواعدها الفتية، وأركانها القوية، وقواعدها الأساسية، وهذا لا يختلف عليه اثنان، وقد أوضح ذلك القرآن الكريم؛ حيث قال:" قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم"، وقوله عن أهل الكهف: "إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى"، ويُشيد بالرجولة العقدية، ويزكِّي أفعالهم، ويوضح سماتهم، بقوله: "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيها القلوب والأبصار.."، ويقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"نَصَرَنِي الشباب..."، وكان معظم الصحابة شبابا، وهنا أحاول أن أبين كم يكون للعناية بهم دور عظيم في النهوض بالتطلعات الاجتماعية، والمقاصد الآخذة بيد كل أمة لتحقيق أغراضها ومراميها، ومن ذلك:
1- أن ننتبه لدور الشباب في المجتمعات، وأهميتهم في تحديد مصائرها، فهو أمر غاية في الأهمية، وقضية منطقية وعادلة.
2- لو فهمنا الشباب وتواصلنا معهم كما كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتعامل معهم : فهما، وتفهُّما، وتواصلا، ففي إحدى الغزوات نزل ـ صلى الله عليه وسلم ـ على رأي الشباب وكان سببا في النصر ـ لو فعلنا هذا لوجدنا أن في الشباب خيرا كبيرا، وجهدا عظيما، ولحصدنا ثمارا يانعة, وأُكُلا طيبا.
3- علينا أن نستوعب طاقة الشباب، وأن نوجهها الوجهة الصحيحة للاستفادة منها الاستفادة المرجوة، وتوجيهنا لهم ينبغي أن يحوطه الحب والثقة، وألا نحجر على أفكارهم، ونصادر حرياتهم.
4- إعطاؤهم حرية للتعبير عما في دواخلهم (فالسماعَ السماعَ للشباب).
5- ترك الفرصة للشباب للإفصاح عن طموحاتهم وآمالهم وأحلامهم لمستقبل حياتهم وحياة بلادهم، والجلوس إليهم، وترشيد أحلامهم، وتطلعاتهم، وعدم الاستهانة بها، أو ازدرائها.
6- إشاعة روح الحب والتقدير بين أفراد الأسرة، وخصوصا الشبابَ منهم، وعدم الانتقاص من أي فرد فيها مطلقا، لا حسب العمر ولا حسب الجنس، فالله ـ سبحانه وتعالىـ قسَّم الأرزاق بين العباد، فالناس يتكاملون فيما بينهم، فمنهم من يتقن شيئا، ويخفق في آخر، أو لا يتقنه على الأقل، فلا يوجد شخص ماهر في كل شيء وإلا استغنى الناس عن بعضهم بعضا، واستغناء الناس عن بعضهم ليس من سنن الكون، فالكون كلٌّ متكامل، فأعلى منصب ومكانة في الناس على وجه الأرض لا يستغني مثلا عن الكَنَّاس، أو عامل النظافة، أو عامل السِّبَاكة الذي يضع يده في القاذورات ليصلح هذا أو ذاك، كما أن هذا الكَنَّاس أو ذاك السَّبَّاك يحتاجان لغيرهما من البشر، فَدَوْرُ مَنْ يعتلي أرقى المناصب ودورُ مَنْ ينظف الشارع متكاملان، والأسرة هي كون مصغَّر؛ فالأب يمكن أن يتشاور مع جميع أفراد الأسرة بلا استثناء حتى ولو كان ابن عام واحد؛ فلا يستأثر الأب أو أحد من أفراد الأسرة برأيه بعيدا عن أفراد الأسرة.
7- عقل الشباب يتميز بأنه طامح وصاعد وواعد... عقل (طازج) جديد لم يمتلئ كامتلاء عقول الكبار وازدحامها عبر السنوات، ولا يفهم هذا أنه انتقاص من الخبرة، بل الأمر على العكس من ذلك تماما، فما أدعو إليه هو التواصل والتعاون مع العقلين كليهما لا غنى لأحدهما عن الآخر، ولا إقصاء لأحدهما من قبل الآخر.
8- الشباب في حاجة إلى أن يوثق في مجهوداته ويشجع على إخراج إبداعاته للتفعيل في المجتمع؛ لأنه ذو دور فعال في البناء فهو خير من يحافظ على أمته، ويحرص على بلاده؛ لأن الإنسان الذي يبذل جهدا في أمر ما يحافظ عليه، ويرعاه ويسهر على بقائه، فلا بد من رؤية واضحة ومدروسة من قبل الشباب مع خبرة الكبار، وتكون واضحة، ومُمَرْحَلة، وفيها منظومة عمل يتدرب عليها الشباب، ويشعر أنه جزء فيها وصانعها، وصاحب البِنَاء في مؤسساتها، وهو أمر يربَّى فيه الحب والولاء، والود والانتماء، وهو ما تحرص عليه الأمم والدول، والبلاد والمجتمعات.
9- النظر إلى أوضاع الشباب المادية والعلمية والثقافية، ولا بد أن يهتم بهم في هذه الجوانب حتى لا يأخذهم أحد بعيدا عن متطلبات المرحلة، ويبعد بهم عن الطريق الصحيح، والمسار الذي ينهض بالبلاد وتطوير المجتمع لإسعاد العباد.
10- لابد أن يشعر كل شاب في أمته بأنه له اعتبار ومكانة، وألا يستهزأ برؤيته؛ ولذلك تعز المجتمعات بإعزاز أبنائها، وتقوى بهم؛ لأنهم هم الوقود لها إذا طلبتهم، والقاعدة التي تبني نهضتها على أكتافهم، وهم بناتها وصانعوها، فلا مناص مِنْ أخذ احترامهم وتقدير آرائهم في الاعتبار، وهو ما تعمل بها كبريات الدول والمجتمعات التي تحرص على استمرارها وقوتها، تلك هي أهم خصائص الشباب الذي يبني ويعمِّر، ويُعْلِي ويطوِّر، وذلك هو الشباب الذي نوده ونحرص عليه، فدور الشباب كبير، والتعويل عليه يكتسي أهمية كبرى، لكن له سمات ولا بد له من عناية ورعاية واهتمام، حاولت أن أطرح هنا شيئا منها لعلنا نصل إلى مثل تلك النخبة المباركة التي تسعى بكل ما تملك لتطوير مجتمعاتها، والنهوض بها إلى معالي الأمور، وأن تأخذ دورا تحت الشمس، تقول فتُسْمَع، وتعرض رأيا فيُقبَل ويُشكَر، وتقدم البدائل لكل المشكلات فَتُدْرَس، نسأل الله ـ تعالى ـ بأن يرزق أمتنا شبابا صالحا يرعاها، ويسهر عليها، ويحقق طموحاتها، ويبنيها، ويُسْعِدُ أعضاءها، اللهم وَفِّقْ شباب الأمة لما فيه خير البلاد والعباد يا رب العالمين، وصلى الله، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين .
مها محمد البشير حسين نافع
ماجستير في الشريعة الإسلامية
كلية دار العلوم - جمهورية مصر العربية

أعلى





الصلاة عمود الدين

الصلاة عمود الدين فمن تركها فقد كفر، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام الخمسة والإنسان علية أن يقيم الصلاة بعد هداية الله جل جلاله له ، وبعد أن يؤمن بالغيب وينبغي من الإنسان المسلم أن يصلى يوميا ولا يفارق صلاته إلا بعد مفارقة الروح جسده يقول المولى تبارك وتعالى : (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، الم ، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) ومما نراه من بعض الناس انهم لا يصلون إلا في بعض المناسبات الدينية، وبعضهم في يوم الجمعة، وبعضهم لا يصلي على الاطلاق، وهذه الظاهرة تفشت كثيرا في المجتمع الاسلامي.
والصلاة في الشرع عبادة تتضمن أقوالا وأفعالا مخصوصة مفتاحها، التكبير وإغلاقها التسليم تشمل على القيام والقعود والركوع والسجود والتلاوة والتسبيح والتعظيم فرضها الله جل جلاله على جميع الأمم التي سبقتنا، وفرضت على الحبيب النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبته الكرام في بداية عهد الدعوة بمكة المكرمة، فهذا القرآن الكريم يسوق لنا هذه الآيات التي توضح للغافلين عن فرضية الصلاة ومشروعيتها يقول المولى جل جلاله : (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) ويقول جل جلاله : (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) ويقول جل جلاله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ويقول جل جلاله : (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ) ويقول جل جلاله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ) إذن هذه الآيات مدلولها واضح كوضوح الشمس وجه النهار يقول النبي عليه الصلاة والسلام : (لكل شيء عمود، وعمود الدين الصلاة، وعمود الصلاة الخشوع) إذن الصلاة هي أساس الدين وعموده وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة ، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله ) .
فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالمحافظة عليها وأن نأمر أهلنا بها، يقول مولانا تبارك وتعالى : (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ) ويقول جل جلاله : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) وهذه الحكاية التي قصها لنا القرآن العظيم عن لقمان الحكيم لما أوصى ابنه بإقامة الصلاة والصبر عليها يقول المولى جل جلاله في هذه الحكاية : (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور) فالله جل جلاله ما خلقنا إلا لامتثال أوامره، ونخلص في العمل مصداقا لقوله تبارك وتعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أسرى الله سبحانه وتعالى به إلى المسجد الأقصى ثم عرج إلى السماوات العلا فرض عليه وعلى أمته خمس صلوات في اليوم والليلة، قال أنس : ( فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به ـ خمسين ـ ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نودي يا محمد: إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمس خمسينا) إذن فأين شباب الإسلام وشيبته الذين تركوا الصلاة فما بالهم لو كانت الصلاة خمسين صلاة في اليوم وكذلك الكسالى الذين لا يصلون في المساجد واتخذوا بيوتهم قبلة، يقول المولى تبارك وتعالى : ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُون) ويقول جل جلاله : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ) فهؤلاء الكسالى سماهم الله جل جلاله منافقين، إذن ما بال الذين لا يصلون أين تكون درجتهم، مع هذا إن هؤلاء المنافقين مذبذبون بين الفئات مصداقا لقوله تعالى : ( مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) فالصلاة تجب على المسلم العاقل البالغ لقوله تعالى : (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ ) والأمر للوجوب وهو متعلق بالمكلفين لا بغيرهم لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) والتكليف جمعت عليه الأمة هو العقل والبلوغ والإسلام، فالآباء مسؤولون عن ابنائهم وبناتهم وزوجاتهم عن ذلك، فينبغي تعوديهم على الصلاة إذا بلغوا سبع سنين، وأن يضربوهم على تركها تأديبا إذا بلغوا عشرا وفرقوا بينهم في المضاجع ... إذن إن وصل سن الولد عشر سنين يضرب على تركها فكيف بالشيبة والشباب الذين تركوا الصلاة عمدا يا لها من حسرة وليس عند هؤلاء عذر شرعي على تركها ... والعلماء الكرام قد صنفوا لتارك الصلاة أحكاما، فأول هذه الأحكام: أن من تركها جحودا لوجوبها، وإنكارا لفرضيتها أجمع علماء هذه الأمة على تكفير من كان هذا حاله كفرا يخرجه من ملة الإسلام، لأنه هذا الجاحد التارك لصلاته ولورود نصوص قطعية الدلالة من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ولوجوبها عليه مع هذا فإنها ركن من أركان الإسلام الخمسة ، بدونها إسلام المرء لا يتحقق لأن هذا العهد الذي بين الكفر والإسلام ... والأمر الثاني من ترك الصلاة تهاونا وتكاسلا، مع هذا يؤمن بها ويعتقد بفرضيتها ففي هذا الامر اختلف العلماء أحدهم قال انه كافر مرتد عن دين الله عز وجل ويقتل بحكم المرتد، وقال الاخر : انه فاسق ويعزر ويحبس حتى يصلي، وقال الاخر : انه كافر، كفر نعمة ، يستتاب ثلاثا فإن لم يتب قتل حدا .. واختلاف العلماء رحمة من الله لعباده، واختلافهم يعود إلى فهم مدلول النصوص الواردة في هذا الصدد، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول : (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، ويقول العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر، ويقول : ليس بين العبد والكفر الا تركه الصلاة) والمسلم يصلي هذه الصلوات الخمس استجابة لأوامر ربه جل جلاله، ويقول الله عز وجل (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) فالنبي صلى الله عليه وسلم اذا حزبه امر ، فزع الى الصلاة ، وكان يقول ارحنا بها يا بلال ... فيجب على المسلم ان يحافظ على أداء الصلاة في المسجد خمس مرات في اليوم في جماعة، والمحافظة عليها تكون أثرا كبيرا في تهذيب النفس الإنسانية ... والصلاة نعمة عظيمة في الاسلام لانها مظهر من مظاهر العبودية لله تعالى الرحمن الرحيم الذي خلق كل شيء لعبادته فما احسن وقوفك أيها المسلم في هذه الصلاة خاضعا متوجها إلى الله مستمدا منه العون راجيا منه الاجابة في طلبك ... واعلم بان الصلاة صلة بينك وبين رب العالمين وصلة بالسلوك الانساني لانها تنهى المصلي عن الفحشاء والمنكر مصداقا لقوله تعالى (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر) فهذه الصلاة فرضا مؤكدا حيث ان الآية التي سبق ذكرها في سورة النساء تشير الى ذلك واعلم أخي القارئ بأن هذه الحياة الدنيا استقامة على اسس، وكذلك هذا الدين القيم، ومن المعلوم ان لكل شيء ركنا ما يتأسس عليه وجوده ويكون داخلا في ماهيته، وحقيقته بحيث انه اذا تضعضع هذا الركن انعدمت تلك الحقيقة شرعا. فالصلاة لها اركان وهي عناصرها الاساسية وبدونها الصلاة لا تستقيم ، وعددها ثمانية اركان ، وينبغي من المسلم ان يعرف هذه الاركان قبل شروعه الى الصلاه، فأولها : القيام إلى الصلاه يقول المولى تبارك وتعالى (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ) يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب) ولا يوجد عذر لتارك الصلاة، فالحديث أشار إلى تيسير الأمور للمسلم، فهذا القول في الفريضة، فأما الصلوات غير الواجبة فيجوز للمصلي أن يصلي قاعدا ولكن أكثر ثوابا الصلاة قائما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم عن طريق ابن عمر رضي الله عنه انه قال في الصلاة غير المكتوبة: (صلاة الرجل قاعدا نصف صلاته قائما) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : (يصلي المريض قائما ، فان لم يستطع فيصلي قاعدا ، فان لم يستطع فيصلي نائما، فان لم يستطع فيصلي مستلقيا، فإن لم يستطع فلا يكلف الله نفسا الا وسعها ... والله ذو الفضل العظيم، ومن فضل الله ورحمته .. ان للمريض اجر ما عمله لو كان صحيحا) يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (اذا مرض العبد ، أو سافر، كتب الله ما كان يعمله وهو صحيح مقيم) وثاني هذه الاركان : النية وتكون قبل الدخول في الصلاة والاصل في النية عدم التلفظ لانها من افعال القلب كما انه لم يرد في السنة النبوية ما يدل على ان النبي صلى الله عليه وسلم ما امر بالتلفظ بها، ولكن كثيرا من العلماء استحسن التلفظ بها من باب الاحتياط ولان التلفظ بها ادعى لاستحضارها، والركن الثالث : تكبيرة الاحرام التي تفتتح بها الصلاة ، وسميت بذلك لان المصلي يحرم عليه إثرها ما يباح له قبلها ويدل على فرضية تكبير الاحرام ، يقول النبي صلى عليه وسلم : ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) والركن الرابع: بما جاء في دلالة النصوص الشرعية على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة في كل ركعة، وكذلك في ركعات التنفل سواء كان هذا المصلي فردا أو مع الجماعة اماما ، أو مأموما ، روى الترمذي والربيع عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب) عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله علية وسلم انه قال : (من صلى صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداع) وأما البسملة فهي أية من آيات كتاب الله لكل سورة كتبت في اولها بخط المصحف فتجب قراءتها مع الفاتحة، ويجهر بها في حالة الجهر، ويسر بها في حالة الاسر، فهذا حديث ام سلمة رضي الله عنها الذي رواه الدارقطني والحاكم قالت: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ : (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين) وترك البسملة في قراءة الفاتحة مفسدة للصلاة تعمدا، وعلى المصلي إعادة الصلاة، لان قراءة الفاتحة فرض من فروض الصلاة والبسملة آية منها، وقد أقر الامام الربيع قول ابن عباس ان فاتحة الكتاب هي أم القرآن فقرأها وقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم ... وأما الركن الخامس: الرفع من الركوع وذلك بعد اتمام التعظيم بأن يستوي المصلي قائما ويرجع كل عضو إلى مفصلة ويقول اثناء الرفع: (سمع الله لمن حمدة ) فاذا استوى قائما يقول : (ربنا ولك الحمد) وروي ان النبي عليه الصلاة والسلام ، صلى يوما بأصحابه، فلما فرغ من صلاته قال لأصحابه : (من المتكلم انفا وهو يقول : (ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا مباركا فيه ) فقال رجل منهم أنا يا رسول الله ، قال :( رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها ايهم يكتبها اولا )... والركن السادس : السجود في الشرع أن يهوى المصلي الى الارض واضعا جبهته وانفه وكفيه وركبتيه واصابع قدميه على الارض ... والركن السابع: التشهد وقعود التشهد، والتشهد فرض من فروض الصلاة يقول المولى تبارك وتعالى : (فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) والركن الثامن : التسليم لانه فرض من فروض الصلاة على قول جمهور علماء الامة لقوله عليه الصلاة والسلام : (وتحليلها التسليم) فروت ام المؤمنين عائشة وسلمة بن الأكوع وسهل بن سعد رضي الله عنهما، ان النبي صلى الله عليه وسلم : (كان يسلم تسليمة واحدة ، وكان المهاجرون يسلمون تسليمة واحدة) اخرج الحديث الترمذي وابن ماجده وأحمد ... وكذلك وردت روايات صحيحة بالتسليمتين منها ما رواة وائل بن حجر قال : ( صليت مع رسول صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وجمع العلماء بين الروايات بندب التسليمة الثانية وفرضية الأولى.
وللحديث بقية .

إعداد: يونس بن حبيب الكروان السعدي


أعلى





النيرات المنيرات

أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب

هي أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي سبطة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سليلة الشرف والنسب الكريم فجدها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وأبوها ربيب بيت النبوة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدتها خديجة بنت خويلد رضي الله عنهما ولدتها أمها فاطمة رضي الله عنها قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي شقيقة الحسن والحسين وزينب رضي الله عنهم جميعا وقد خطبها عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فذكر له انها ما زالت صغيرة فقال له عمر رضي الله عنه: زوجنيها يا أبا الحسن فإني أرصد من كرامتها ما لم يرصده أحد فقال له علي كرم الله وجهه أنا أبعثها إليك فإن رضيتها فقد زوجتكها فبعث إليه ببرد وقال لها : قولي له هذا البرد الذي قلت لك فقالت ذلك لعمر فقال قولي له قد رضيت رضي الله عنك.
ورضي الله عنها تربت على مبادئ الإسلام وفي البيت النبوي الكريم فكان الطهر والنقاء والصفاء من أصل شيمتها ثم أقبل عمر على مجلس المهاجرين في الروضة الشريفة وكان يجلس فيها المهاجرون الأولون فجلس معهم ثم قال لهم : ( رفئوني ) فقالوا : بماذا يا أمير المؤمنين ؟ قال تزوجت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كل نسب وسبب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري. فكان لي به عليه السلام النسب والسبب فأردت أن أجمع إليه الصهر فهنأوه بالزواج وكان تأريخ هذا الزواج في ذي القعدة من السنة السابعة عشرة من الهجرة وبذلك اتصل نسب الفاروق بنسب النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء رضي الله عنهم جميعا: هذا وقد عاشت أم كلثوم رضي الله عنها مع الفاروق عمر في خشن العيش وزهده رغم فتوح الممالك عليهم وعلى المسلمين كافة ليضربوا بذلك المثل الأعلى في الزهد وترك الدنيا وراء ظهورهم وكان عمر يؤثر نساء المدينة على زوجه الأثيرة أم كلثوم لسعة ادراكها لفلسفة الزهد والتقوى فقد اتضح ذلك في موقف عمر من هدية ملكة الروم ردا على هدية زوجته فوضعها عمر في بيت مال المسلمين وكانت أم كلثوم قد أرسلت هدية إلى ملك الروم طيب وبعض المشارب وأحفاش من أحفاش النساء والحفش الدرج تضع فيه المرأة حاجتها وهي من أوعية الطيب وجمعها أحفاش ودسته إلى البريد فأبلغه لها وأخذ منه وجاءت امرأة هرقل وجمعت نساءها وقالت هذه هدية وفيها أهدت لها عقدا فاخرا فلما انتهى به البريد إلى عمر رضي الله عنه أمر بإمساكه ودعا إلى الصلاة الجامعة فاجتمعوا به فصلى بهم ركعتين ثم استشار المسلمين في أمر الهدية فأشاروا عليه بحقها في الهدية فرد عليهم قائلا : ولكن الرسول رسول المسلمين والبريد بريدهم وأمر برد الهدية إلى بيت المال ورد عليها بقدر نفقتها وقد ذكر أن عمر أمهر أم كلثوم أربعين ألفا وتم الزواج وأنجبت أم كلثوم لعمر بن زيد بن عمر الأكبر ورقية ثم ما لبث أن قتل عمر بن الخطاب فتزوجها بعد ذلك عون بن جعفر بن أبي طالب الذي قتل في كربلاء فتزوجت بعده أخاه محمد فتوفي أيضا ثم تزوجت بعده أخاه عبد الله بن جعفر بعد أختها زينب بنت علي فقالت أم كلثوم إني لأستحيي من أسماء بنت عميس ابناها ماتا عندي وإني لأتخوف على هذا الثالث فما لبثت أن توفيت عنده ولم تنجب أم كلثوم لأحد منهم هذا وقد توفيت أم كلثوم وابنها زيد بن الخطاب في آن واحد حيث خرج زيد ليصلح بين بني عدي ليلا فضربه رجل منهم في الظلمة فشجه وصرعه فتوفي بعد ذلك بأيام وكان ذلك بالمدينة ودفنا بالبقيع وكان سبب موتها حزنها على ابنها زيد.
إعداد/أم الزبرجد.


أعلى





التفكر في مخلوقات الله تعالى

أخي القارئ الكريم : يحتاج الإنسان فينا بين لحظة وأخرى : أن يقف مع نفسه وقفة للتفكر والاعتبار , والنظر إلى مخلوقات الله تعالى في هذا الكون البديع ولا يملك الإنسان إلا أن يقول سبحان الله , تبارك الله أحسن الخالقين , وأول ما يفكر فيه المسلم أن ينظر إلى نفسه وإلى صورته التي أوجده الله تعالى عليها أوجده في أحسن صورة قال تعالى (وصوركم فأحسن صوركم ) ثم يتفكر الإنسان إلى باقي المخلوقات قال تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت * وإلى السماء كيف رفعت ,* وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت ) سورة الغاشية 17 ,20 ) كذلك ينظر المسلم بعين الاعتبار والعظة إلى باقي المخلوقات وما في خلقها من أسرار عجيبة , ونذكر بعضاً منها مثلاً :
الأسد له أسماء كثيرة من أشهرها أسامة , والغضنفر , والليث , والضرغام , ويظل من مولده إلى مدة ستة أشهر يعتمد على أمه , بعد ذلك يعتمد على نفسه , ويقال إن الأسد له صبر على الجوع والعطش ولا يأكل من فريسة غيره ولا يشرب من ماء ولغ فيه الكلب .
ويقال إن الأسد : إذا أكل نهش نهشاً , وريقه قليل جداً , ولذلك يوصف بالبخر أي إن رائحة فمه غير زكيه ,وعنده شجاعة , وإقدام وجبن , وكرم ,فمن شجاعته : الإقدام على الأمور وعدم الاكتراث بالغير , ومن جبنه : أنه يفر من صوت الديك والقط , ويتحير عند رؤية النار وقيل أربع عيون تضيء بالليل ,عين الأسد وعين النمر وعين القط وعين الأفعى :
وروى أنه لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى ( والنجم إذا هوى ) قال عتبة : كفرت برب النجم . يعنى بذلك نفسه , فقال رسول الله صلى الله عليه ( اللهم سلط عليه كلباً من كلابك ينهشه ) فخرج مع أصحابه في عير إلى الشام حتى إذا كانوا بمكان يقال له الزرقاء زأر الأسد فجعلت فرائصه أي أطرافه ترتعد فقالوا له :
من أي شيء ترتعد فرائصك فوالله ما نحن وأنت إلا سواء , فقال : إن محمدا دعا علىّ ووالله ما أظلت السماء من ذي لهجة أصدق من محمد ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه ثم جاء وقت النوم , فحاطوا أنفسهم بمتاعهم وجعلوه بينهم وناموا , فجاء الأسد يتهمس وشمّهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه فضغطه ضغطة كانت إياها وهو بآخر رمق يقول لهم : ألم أقل لكم إن محمداً أصدق الناس .
ثم من المخلوقات الأخرى التي ينظر إليها العبد فيقول في يقين إيماني كامل ( تبارك الله أحسن الخالقين ) هي الإبل : وقال تعالى ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت ) وقيل ما خلق الله شيئاً من الدواب خير من الإبل : إن حملت أثقلت , وإن سارت أبعدت , وإن حلبت أروت وإن ثمرت أشبعت , وفي حديث ( الإبل عز لأهلها والغنم بركة ,والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة ) والإبل تعتبر من الحيوانات العجيبة وإن هذا العجب قد زال بسبب مخالطتها بني الإنسان , وقد أطاعها الله لبني آدم ,وتعتبر الإبل مركب البر , وقد قرن الله تعالى ذكرها بالسفن فقال تعالى ( وعليها وعلى الفلك تُحملون ) .
وقالوا : يعتبر الإبل مراكب للبر لأن البر ماؤه قليل , والإبل عندها صبر على العطش , ولذلك يسمى بسفينة الصحراء , فعندما يفكر الإنسان في هذا المخلوق العجيب , لا يملك إلا أن يقول سبحان الله : تبارك الله أحسن الخالقين ) ومن الدواب أيضا التي تستحق التفكير فيها مع صغرها جداً هي : الأرضة . وسميت بالأرضة لأن أكثر فعلها في الأرض وكل عملها ,وهي دابة صغيرة كنصف العدسة ,تأكل الخشب والورق .
قال القز ويني : إذا أتى على الأرضة سنة أصبح لها جناحان طويلان تطير بهما والنمل عدوها وهو أصغر منها , فيأتي من خلفها ويحملها , ويمشي بها إلى حجره , لأنه إذا أتاها من أمامها لا يغلبها فسبحان مبدع الأكوان وخالق الأرض والسماء وما فيهن قال تعالى ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرّطنا في الكتاب من شيء ) الأنعام 38.
فلله تعالى في خلقه شئون ولا نملك إلا أن نقول ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ) فسبحان من أبدع وصور كل هذه المخلوقات ومنها أيضاً ( التمساح) وهو حيوان عجيب على صورة الضب وله فم واسع , وفيه ستون نابا وقيل ثمانون , وبين كل نابين سن صغير وهي أنثى في ذكر , إذا أطبق فمه على شيء لا يفلته , حتى يخلعه من موضعه وله لسان طويل , وظهر كالسلحفاة ولا يعمل الحديد فيه , وله أربعة أرجل وذنب طويل وهو لا يوجد إلا في نيل مصر , وقال المسافرون إنه يوجد في بحر الهند , وطوله في الغالب ستة أذرع إلى عشرة , في عرض ذراعين أو ذراع , ويقيم تحت الماء أربعة أشهر لا يخرج وذلك في زمن الشتاء , ويتغوط من فيه في الغالب ويحصل في فيه الدود فيلهمه الله تعالى فيخرج إلى بعض الجزر , ويفتح فاه فيرسل الله طيراً يقال له القطقاط فيدخل في فيه فيأكل من الدود فيحصل له راحة ,فعند ذلك يطبق فمه على الطير ليأكله فيضربه بريشتين , خلقهما الله تعالى في جناحيه كريشة الفصاد فيؤلمه فيفتح فاه ليخرج . وفك التمساح الأسفل لا يستطيع تحريكه لأن فيه عظماً متصلاً بصدره * فنحن عندما نتذكر هذه المواصفات لمخلوق من مخلوقات الله تعالى , لا نملك إلا أن نقول : تبارك الله أحسن الخالقين .
أخي المسلم :إن من أعظم أنواع العبادة , هي عبادة التفكير والنظر في مخلوقات الله تعالى , وتفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة , ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم لسيدنا بلال بن رباح عندما قال له الصلاة يا رسول الله :قال له : يا بلال لقد أُنزل علي الليلة آية ويل لمن قرأها بلسانه ولم يتدبرها بعقله , قال ما هي يا رسول الله ؟ قال قوله تعالى ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) آل عمران 190 فصاحب العقل هو الذي يشغل غالب وقته في التفكير في مخلوقات الله تعالى ونحن مطالبون بأن نخلص في الدعاء والله تعالى يستجيب لعباده المخلصين في دعائهم والذين يتفكرون في كل وقت وحين , نسأل الله تعالى , أن يلهمنا التوفيق والسداد ,ويجعلنا من عباده المخلصين : اللهم آمين.
إعداد :إبراهيم السيد العربي


أعلى




الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مواقف

إعـداد ـ ناصر بن محمد بن راشـد الـزيـدي

الحلقة الأخيرة

الله يسـلي رسـوله بـذكـر بعـض القـصص:
بعد أن تكلمنا في الحلقتين الماضيتين عن مواقف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل بعثته ومكانته بين قومه .. اليوم نواصل هذه الوقفات حول الشخصية العظيمة من إجلال عظيم في قلوب المسلمين..
أخي الكريم : الله سبحانه وتعالى يوجـه رسـوله الكـريم ، التوجـيه الـذي يضيء نـواحي الحياة الإنسانية ، فـفي سورة هـود يقـول الله تبارك وتعالى : (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ، أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ)، 1:2 .
إن استعـراض القـصص والـمـواقـف بالتفصيل ، والاسترسال يحـتاج إلى طـول نفـس ، وحسبنا أن نـذكر ونشير إلى ما جاء في هـذه السورة من أخـبار الأوائـل .
فـفي السورة قـصص الأنبياء : نـوح مـع قـومه ، وهـود مـع عـاد ، وصالح مـع ثـمـود ، ولـوط مع قـومه ، وشـعـيـب مـع أهـل مـدين ، ومـوسى مـع فـرعـون ومـع بني إسرائـيـل ، إن هـذه المـرويات القـديمة ، كانت تحـل مشكلات جـديـدة ، وتـفـرج أزمات حادثة ، ذلك أن سـنن الله الكـونية واحـدة ، وصارمـة في المجـتمـع البشري ، كما أنها واحـدة وصارمة في العـلوم المادية وغـيرها.
نعـم إذا كانت هـناك قـوانـين مـقـررة في عـلوم الرياضة والفـيزياء ، فهـناك قـوانين تساويها كل المساواة في الحياة الإنسانية مـثـل قـوله تعالى : ( له مـعـقـبات من بين يـديه ومـن خلـفه يحـفـظـونه من أمـر الله إن الله لا يغـير ما بقـوم حـتى يغـيروا ما بأنفسهـم) الـرعـد 11 . وقال أيضا : ( أولـم يسـيروا في الأرض فـينـظـروا كـيف كان عـاقـبة الـذين مـن قـبلهـم ، وكانـوا أشـد منهـم قـوة وما كان الله ليعجـزه من شـيء في السمـاوات ولا في الأرض إنـه كان عـليما قـديرا) فاطـر 44 . وقال : ( تلك الـدار الآخـرة نجـعـلها للـذين لا يـريـدون عـلوا في الأرض ولا فسادا والعـاقـبة للمـتقـين ) القـصص 83 .
وقال أيـضا : (من يتـق الله يـجـعـل له مخـرجا . ويـرزقـه مـن حـيث لا يحـتسب ، ومن يتـوكل عـلى الله فهـو حسـبه ، إن الله بالغ أمـره قـد جـعـل الله لـكل شـيء قـدرا) الطـلاق (2:3 ) . وقال : (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) يوسف 90.
وبعـد قصة نـوح عـليه السلام يقـول الله للرسول : ( تلك من أنباء الغـيب نـوحيها إليك ، ما كنت تعـلمها أنت ولا قـومـك من قـبل هـذا فأصبر إن العـاقـبة للمتـقـين ) هود 49 .
وفي أثناء القصة يفجـؤك هـذا التساؤل الـرائـع : ( أم يقـولون افـتراه ، قـل : إن افـتريته فعـلي إجـرامي، وأنا بريء مما تجـرمـون ) هـود 35 . يـكاد الماضي والحاضر جـميعـا يكـونان قصة واحـدة ، فـلا غـرابة إذا كانت النتيجـة واحـدة .
وفي هـلاك ثـمود يقـول الله لـرسـوله صلى الله عـليه وسلم : ( فـلما جـاء أمرنا : نجينا صالحا والـذين آمنوا معـه بـرحـمة منا ، ومـن خـزي يـومـئـذ ، إن ربك هـو القـوي العـزيـز ) هـود 66 . والخـطاب للرسـول ، كما ترى وفي طياته تهـديـد لعـرب مكـة فالقضية واحـدة .
ووحـد ة الـقـضـية، هي التي جـعـلت الـرسـول صلى الله عـليه وسـلـم يسـتـدرك عـلى الـنبي لـوط عـليه السـلام ، لما قال لقـومه : ( لـو أن لي بـكـم قـوة أو آوي إلى ركـن شـديد ) هـود 80 .
إن الرسـول الكـريم صلى الله عـليه وسـلم العـميق الحـس بربه الشـديد الـتـوكل عـليه يقـول في أدب جـم : ( رحـم الله أخي لـوطا ، لقـد كان يأوي إلى ركـن شـديد ).
وبعـد تمام هـذا الاسـتعـراض يقـول الله لـرسـوله : (} ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) هـود 100 : 101
ثـم يتجـه الخـطاب مـرة أخـرى إلى الـرسـول الكـريـم بـهـذا الانـذار المقـلـق : ( فـلا تـك في مـرية مما يعـبـد هـؤلاء ما يعـبـدون إلا كـما يعـبـد آباؤهـم من قـبـل ، وإنا لمـوفـوهـم نصـيـبـهـم غـــــير منـقـوص ) هـود 109 .
إن تـوفـية هـذا الـنـصيـب تعـني هـلاك الـعــرب ، كـما هــلــك آباؤهـم من قـبـل ، هـذا الـنـذيـر الـمـزعـج ألا يـدل عـلى تفـسير لما جـاء في الحـديث الشـريف:(شـيبتني هـود وأخـواتـها).
إن الخـوف عـلى مسـتقـبل قـومه، جـعـل الشـيب يتسـلـل إلى رأسـه ، ما يرضى لهــم هـذه المصايـر المشؤومـة .
ومن ثـم فهـو يسـتـنـفـد الجهـود لنـصحهـم وإنقـاذهـم ، بـل إن الأمـر في معـرض الجـلال الإلهـي ، وافـتـقـار العـباد إلى عـفـو الله سبحانه وتعالى ، يجـعـله يصيخ في خشـوع إلى هـذا التأديـب قال الله تبارك وتعالى : (فاسـتـقـم كـما أمـرت ومن تـاب معــك ، ولا تـطـغـوا إنه بما تعـملـون بصير ، ولا تركـنوا إلى الـذين ظـلمـوا فـتمـسكم الـنار ومالكـم من دون الله من أولـياء ثـم لا تـنـصـرون ) سـورة هـود (112 : 113 ).
إن الناس قـد يـرون الـرسـول صلى الله عـليه وسـلم ، الإنسان المتـواضـع يمشـي عـلى الأرض هـونا ، ويـمـر بالأســواق ، لـكـن الـوحي الــذي نــزل ويـنـزل عـليه ، لـكـن الـقـرآن الـكـريـم الـــذي خـص به ، جـعــل فـكـره يـتـنـقـل في ومـضات خاطـفـة بـيـن الأزل والأبــد ، بـين الـبـداية والنهـاية بيـن المعـاش والمـعاد ، بيـن الـدنيا والآخـرة ، بـين العـالمين ورب الـعـالمـين ، يقـول الله تبارك وتعالى : ( وكـذلك أوحـيـنا إلـيـك روحـا من أمـرنا ، ما كـنت تـــدري ما الكـتاب ولا الإيـمـان ، ولكـن جـعـلـناه نـورا نهـدي به من نـشـاء من عـبــادنا ، وإنك لـتـهـدي إلى صـراط مسـتـقـيـم ) الشورى 52 .
إنه مـع الناس بجـانب واحـد ، ولكـنه مع الله الواحـد الأحـد بجـوانب كـثيرة ، أي أن مـقـام الإحـسان أدنى منازله صلى الله عـليه وســلـم .
فـلا غـرو فـمن هـذا المنـطـلـق ، بنى صـاحـب الـرسـالة الخاتمة خـيرأمة أخـرجـت للـنـاس ، أمـة شـارتـهـا الأولـى الــربـانـية فـهـي تصحـو من منامها لـتـصلي ، ولا تـأوي إلى فــراشـها إلا بعـد صلاة ومن انـفـلاق الـصـبح إلى جـنـح اللـيـل تـكـدح لــربـهـا ، وتـتحـرك و تـتـوقـف بأمـره ونهـيه ، فـهـي دائما مـوصلة بخالـقـها ورازقـهـا .
وهي تـعــرف الـغـاية من وجـودهـا ، فـإذا كانـت الحـضـارة الحـديثة ، تستحث الـذكاء الإنساني لمـزيـد من الـرفاهـية أو لمـزيـد من الـدمار، إذا كانت هـذه الحـضارة تجـعـل الإنسان عـابـد نفـسه ، وخـادم هـواه ، عـابـد لـلـمـباديء الـهـدامة ، فإن الحـضـارة التي أنشـأها الإسـلام شـديـدة الـتـعـلـق بالله ، سـريعة السـعـي لمـرضاته مبادرة لـتـنـفـيـذ أوامـره ، فهـي دائما تـرد د شـعـارها العـالي : (الله أكـبر) وماعـدى ذلك هـباء منـثـورا .
وكان الـرسـول الكـريـم صلى الله عـليه وسـلم ، يـربي الجـيـل الــذي يستـمع إلـيه تـربـية خاصة ، كـيـف ؟ إنه مرسـل للناس كافـة ومـرسـل لـبني آدم ما بـقي عـلى ظهــر منهـم واحـد ، لا نبـوة بعـد بعـثه .
وهـوعـليه السـلام يـدرك أنه لـن يعـمـر حتى يـطـوف الـقـارات ويهـدي العـصـور الـمتـطاولة ، فـسبيله إلى إبـلاغ رسالة ربه ، أن يـربي قـادة يـرثــون الكـتاب ، ويضـيئـون به الـمـكـان والــزمــــان ، ويـؤدون عـنه مـتـطـلبات العـمـوم والخـلـود في رسـالـته .
لـقـد قـدر عـلى ذلك الـرجـال الـذين صـلـوا وراء الـرسـول في مـسجـده بالمـدينة المـنورة ، ثاني الحـرميـن ، وتـلـقـوا مـنه القـرآن الـكـريـم ، فـحـفـظـوه بأمانة ، وعـملـوا بـه بأمانـة وبـلـغـوه بأمانة ، لم يـنقـصوا مـنه حـرفا وحـدا ، ونـقــلـوه إلى من حـولهـم ، وإلى من بعـدهـم في دقـة لـم تعــرفـها الكـتب السـماوية السابقـة ، عـلى أيـدي حـفـظـتهـا من قـبـل .
من روح محمد بن عـبـد الله ، صلى الله عـليه وسلم الـقـائــد العـابـد ، الــداعي إلى الله عـلى بـصـيرة ، والـمجاهـد في سـبـيل الله حـق الجـهـاد حتى أتاه الـيـقـين .
فانطـلـق قـادة عـبـاد الله، صـوب المشارق والمغـارب ، ما أثـرعـنهـم اعـتـداد بـجـنـس ، ولا اشـتهاء لـغــرض زائـل ولا إخـلاد لأرض يــزرعـونها ، ولا لـتـجـارة يـثـمـرونها ، ولا لـدنيا يـتمتعـون بخـرفـها وزيـنـتها ، ولاتـكاســل عـن طـلـب دار يـرجـعـون إلـيـهـا ، وإنما لحـضـارة جـديـدة ، تـقـوم عـلى تـقــوى من الله ورضـــوان ، هــتافـها الـدائـم أذان يـتـكـرر، في أصـقـاع الـدنيا الله أكـبرمن الفجـر إلى العـشاء يـدعـوالعـباد إلى عـبادة رب العـباد .
تلك هـي بعـض الـعــبروالمـواقـف ، للـرسـول محمد بن عـبـد الله بن عـبـد المطـلـب الهاشمي الـقـرشي ، وهـي قـطـرة من البحـر، قـدمتهـا لذكـرى مـيلاده ، لتكـون حـأفـزا لـنا وتـنـبيها لمحـاسـبة النـفـس المـقصـرة ، ثـم تكـون سـببا للـرجـوع إلى الله بقـلـوب مطـميـئـنـة بالإيـمان .
وهـذه الــذكـريات يجـب أن يعـيشهـا المسـلم ، ويحـياهـا حـياة عـملـية ، تـظـهـر في سـلـوكه وتـصـرفـا تـه ، ويكـون قـدوة بعـمله ، لا بأقـواله ، لا أن يحيـيـها بالاحـتفالات ، لأن الإسـلام لـيـس ديـن مناسـبات ولاديـن ذكـريات ، والله يقـول في كتابه الـعـزيـز ( يا أيها الـذين آمـنوا لم تـقـولون ما لا تـفـعـلـون . كـبر مـقــتـا عند الله أن تـقــولوا ما لا تـفـعـلـون ) الصف 2 : 3 .

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين..


أعلى





تفعيل دور الزكاة في مكافحة الفقر
الزكاة والتشديد فيها

الحلقة الرابعة


إعداد ـ الشيخ ناصر بن يوسف العزري

وكما قدمت في السطور السابقة فإن إشاعة الفقر فيه ما فيه من الآفات الاجتماعية الخطيرة التي تفقد المجتمعات الأمن والطمأنينة وتسوقها إلى الهاوية
مع أنني أقول إنه لا يمكن استساغة الخلاف الأصولي وحده هنا في هذه المسألة وذلك من عدة وجوه:
أولا: أن الزكاة تجب في المال الذي هو عصب الحياة المادية فبه يقوم الإنسان بشؤونه وعليه قوام كثير من الأمور الاجتماعية فتحكمه بيد جماعة من الناس يجعل الحياة الاجتماعية مختلة النظام وهذا الاختلال يقود إلى الفوضى والفساد الذي حذر منه الله تعالى وحذر منه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم -كما بينت من قبل-، ولا واجب في هذا المال المحكوم غير الزكاة وشأن ما ذكر من الإنفاق والصدقات كان من باب الندب الذي يرقى به الإنسان عن غيره فإذا تهاون الناس في إخراجها وقع المحذور.
ثانيا: أن تحصيل المال هو دأب كل إنسان وسعي كل مخلوق مصداقا لقوله تعالى: "وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا"، وهذه المحبة يتساوى فيها الفقير والغني فتحكم المال بيد الغني ومنع حقه المذكور فيه يورث البغضاء والشحناء ويزرع الفتن والشقاق، ولا يرتق هذا الفتق غير الزكاة.
ثالثا: أن الزكاة عبادة مالية اجتماعية خالصة بخلاف غيرها من العبادات فالصلاة مثلا والصوم عبادتان بدنيتان والحج عبادة بدنية مالية، وهذه العبادات يتعلق حق الإنسان فيها مع ربه ولكن الزكاة يجتمع فيها حقان حق الله الذي تتساوى فيه الزكاة مع غيرها من العبادات وحق غيره من العباد إذ مبدؤها كما ذكرت من قبل -التكافل الاجتماعي- وكلا الحقين واجبين، ومن المعلوم أن حقوق العباد مبنية على المشاحة لا على المسامحة فمن وجب في ماله حق لغيره وجب عليه إيصاله إليه من غير توان وهل هناك أوجب حقا على الغني من الزكاة الواجبة عليه تجاه الفقير.
رابعا: مع التسليم بجواز التراخي في الزكاة هل التراخي محدود بوقت معين أم مفتوح الأجل؟ وهذا لا يسلم به إذ لو كان مفتوح الأجل لأدى ذلك إلى تفويت الواجب بالكلية وهذا ما يخالف النصوص الشرعية إذ الأحكام الشرعية لا تناط بغايات مجهولة، وإن قيل محدود بوقت معين فهل الوقت المعين في ذلك معلوم لدى المكلف أم لا وهذا لا جواب عليه عندهم إلا أن يقولوا وقته مقرون بعلمه لعاقبته وهذا مما لا يسلم لهم به إذ الأجل محتوم ووقته غير معلوم يقول تعالى ( وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) وقال: "قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) وقال أيضا: "قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، وقال أيضا ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ).
خامسا: مع استساغة الخلاف المذكور في إيقاع الأمر المتجرد عن القرائن فإن ذلك لا ينطبق على الزكاة إذ الخطاب في النصوص الشرعية الكثيرة على حرمة التواني في أدائها قرينة يؤكد الفورية.
يقول المولى جل وعلا في كتابه العزيز (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ).
وقال أيضا (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
وفي الحديث الصحيح: عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن بقرنها ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن قلنا: يا رسول الله وما حقها؟ قال: إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله، ولا من صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعا أقرع يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه ويقال هذا مالك الذي كنت تبخل به فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه فجعل يقضمها كما يقضم الفحل).
وفي حديث آخر: عن ابن عباس قال :"ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم ، و لا فشت الفاحشة في قوم إلا أخذهم الله بالموت، و ما طفف قوم الميزان إلا أخذهم الله بالسنين، و ما منع قوم الزكاة إلا منعهم الله القطر من السماء، و ما جار قوم في حكم إلا كان البأس بينهم - أظنه قال - والقتل.
يقول الشيخ السالمي: وإذا تأملت آيات الكتاب العزيز وأحوال السنة النبوية ظهر لك من لحن الخطاب تحريم التواني في أدائها، وأن المتواني بعد الإمكان عاص، وليس هو بمنزلة من تواني في الأمر المطلق لأن تأكيد الزكاة والتشديد فيها يؤكد الفورية فيها، وهذا الحال لم يوجد في الأمر المطلق، فنحن إنما نقول بوجوب التعجيل عند الإمكان بانضمام أحوال مع الأمر بالأداء لا بنفس الأمر حتى يلزمنا القول بجعل الأمر للفور.
ثم إن تأملت ما يترتب على التأخير من المفاسد الدينية والدنيوية ظهر لك رجحان القول بوجوب التعجيل لأن المرء لا يدري متى يموت فإذا عاجله الموت قبل الأداء بقيت زكاته في عنقه، فإن أوصى بها انتقل حال السعة الذي كان للهالك إلى الوصي فيسعه من التأخير ما وسع الأول حتى يحضر الموت ثم يموت والوصية في عنقه.
فإن أوصى بها وسع الوصي الآخر ما وسع الوصي الأول وهكذا فيفضي الحال إلى تعطيل الزكاة رأسا، وكفى بها مفسدة عظيمة.
وهذا المعنى نبه عليه شيخنا الصالح-رحمة الله عليه- فظهرت لنا به أكبر المصالح.
فأما ما أجبت به في المشارق فذلك مبني على التوسعة الدينية وهذا أمر عائد إلى سياسة العالم، ومراعاة صلاحيتهم في الدين والدنيا، وأن الفقيه المفتي كالطبيب الماهر يصف للعلة الواحدة إذا كانت في أشخاص متعددة أدوية مختلفة، فقد يصلح هذا ما يفسد هذا والله أعلم).
وقال في جواباته في مسألة سئل عنها هناك: وأما
رابعا: فقد ذكر ربنا تعالى لإخراج الزكاة وقتا معلوما بقوله (وآتوا حقه يوم حصاده) وقد منع بعض العلماء تأخير الزكاة عن وقت الوجوب وإمكان الأداء حتى عدوا مؤخرها بعد ذلك عاصيا.
فإن قيل قد جعل الله لابن السبيل حقا في الزكاة بقوله (إنما الصدقات للفقراء) إلى قوله (وابن السبيل) فما بالك تمنعها من الضيف وهو ابن السبيل؟ قلت: لا أمنعها منه بل يعطونه إياها كما هي فما بالهم يطعمونه بها، أقبضها منهم ثم وكلهم ذلك حتى يكونوا وكلاء في طبخ طعامه؟ أم تراهم دفعوا بها من أموالهم مع أنه لا يدفع بها مغرم؟ ثم إن ضيافة أهل الزمان مخالفة في قواعدها غالبا للضيافة المشروعة والله أعلم بحالها في كثير من الناس.
وأما قول محمد بن روح إنما الضيافة على السلطان وعلى عماله في بيت مال الله لأن الله عز وجل جعل لابن السبيل حقا في الصدقات قال وأما سائر الناس فليس أرى عليهم ضيافة إلا من زكاة أموالهم فيحتمل أنه أراد أن يعطوا الضيف من زكاتهم ليخرجها في حوائجه ولا يدل على أنه أجاز أن يطبخوا له الطعام ثم يحسبونه من الزكاة ولعمري إن فتح هذا الباب يفضى إلى انطماس فرض الزكاة فإن الناس متى علموا جواز ذلك أخروا زكاتهم لضيافتهم فينطمس شعارها وتنمحي آثارها، حتى أن القرية بأسرها إذا علموا بذلك لا يخطر على لسانهم ذكر الزكاة لجعلهم إياها ضيافة فيأتي من بعدهم فيسلك سبيلهم وهكذا إلى غير نهاية فيصح أن يحكم على أهل تلك القرية بأنهم تركوا الزكاة حيث علم منهم ذلك الحال، والله أعلم.
سادسا: دلت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم أن النبي ( تعجل صدقة عمه العباس فقد روى أبو عبيد في الأموال عن علي أن النبي ( تعجل من العباس صدقته سنتين).
روي هذا الحديث من عدة روايات لم يسلم شيء منها من مقال.
غير أن تعجيل الصدقة كان لسبب معين كما ورد ذلك في بعض الأحاديث فعن أبي البختري عن علي -كرم الله وجهه- فذكر قصة في بعث رسول الله ( عمر رضي الله عنه ساعيا ومنع العباس صدقته وأنه ذكر للنبي ( ما صنع العباس فقال: أما علمت يا عمر أن عم الرجل صنو أبيه أنا كنا احتجنا فاستسلفنا العباس صدقة عامين)
قال البيهقي : وفي هذا إرسال بين أبي البختري وعلي رضي الله عنه وقد ورد هذا المعنى في حديث أبي هريرة من وجه ثابت عنه.
وحديث أبي هريرة يعني به الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما ونصه عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ( عمر على الصدقة فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله وأما العباس فهي علي ومثلها معها ثم قال يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه.
وعلى تقدير ثبوت تعجيل صدقة العباس وهو المشهور عند أهل العلم فإننا نجد أن ذلك من باب المصلحة، فالأصل عدم جواز التقديم -كما بينا من قبل- لأن الزكاة منوطة بحول معين كما سيأتي وحديث أبي البختري عن علي -كرم الله وجهه- يدل على ذلك لقوله: أنا كنا احتجنا فاستسلفنا العباس صدقة عامين، فأخذ النبي صدقة العباس لعامين لحاجة مقصودة كما يدل الحديث، فمتى وجدت المصلحة جاز تقديمها.
وقد جعل بعضهم التقديم من باب وجود سبب الزكاة وهو النصاب فمتى وجد النصاب الواجب وجبت الزكاة لذا جاز تقديمها وهو ما ذكره طائفة من علماء الحنابلة.
قال ابن قدامة: "لأنه تعجيل لمال وجد سبب وجوبه قبل وجوبه، فجاز، كتعجيل قضاء الدين قبل حلول أجله، وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح قبل الزهوق، وقد سلم مالك تعجيل الكفارة، وفارق تقديمها على النصاب، لأنه تقديم لها على سببها، فأشبه تقديم الكفارة على اليمين، وكفارة القتل على الجرح، ولأنه قد قدمها على الشرطين، وهاهنا قدمها على أحدهما.


أعلى


 

من الإصدارات العربية
روضة الإيمان

عرض : مبارك بن عبدالله العامري

إن للإيمان حلاوة وللطاعات متعة روحانية ، وللعبادات نورا وضياء ، والمخلصون من عباد الله هم الذين عرفوا هذه الحقائق فآمنوا بخالقهم وأطاعوا رازقهم فذاقوا حلاوة الإيمان وجاء كتاب روضة الإيمان لمؤلفته علياء علي عبيد يحمل بين أحضانه صفات لمن أراد أن يعيش حلاوة الإيمان الكتاب صدر عن مكتبة الإيمان بالمنصورة بمصر ويقع في 158 صفحة 0
في بداية هذا الكتاب تطرق المؤلف نصف الإيمان الأول الصبر :والصبر لغة هو المنع والحبس وشرعاً هو حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك وما يضاد الصبر واقع تحت المعنى وتوضيح ذلك كالآتي :1- حبس النفس عن الجزع 2- حبس اللسان عن التشكي
النوع الأول الشكوى إلى الله عز وجل فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب عليه السلام قال تعالى: (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ) يوسف: 86 وابتهاله وليراه طريحا على بابه ، لائذاً بجنابه ، رافعا قصص الشكوى إليه.
النوع الثاني : الشكوى إلى الخلق : فالشكوى إلى الخلق تنافي الصبر وتضاده فمن شكا ما به إلى مخلوق مثله فقد شكا من يرحمه ويلطف به ويعافيه وبيده ضره ونفعه إلى من لا يرحمه وليس بيده نفع ولا ضر 0
وأشارت المؤلفة لحقيقة الصبر وكلام الناس فيه وحقيقة الصبر أن خلق الصبر خلق فاضل من أخلاق النفس ، يمتنع به من فعل ما لايحسن ولا يجمل ، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها فالنفس مطية العبد التي يسير عليها لخطام ولا زمام شردت في كل مذهب 0
وبينت المؤلفة خصيصة الصبر أن الصبر من خاصية الإنسان ولا يتصور في البهائم لنقصانها وغلبة الشهوات عليها من غير شيء يقابلها ولا يتصور الصبر أيضا في الملائكة لكمالها فإن الملائكة جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية ولم تسلط عليهم شهوة صارفة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصدها عن حضرة الجلال ، فلا يتصور في حقهم الصبر الذي حقيقته ثبات باعث الدين والعقل في مقابلة باعث الشهوة والهوى فالإنسان منا إذا غلب صبره باعث الهوى والشهوة التحق بالملائكة ، وإن غلب باعث الهوى والشهوة صبره التحق بالشياطين ، وإن غلب باعث من الأكل والشرب والجماع صبره التحق بالبهائم قال قتادة خلق الله سبحانه الملائكة عقولاً بلا شهوات وخلق البهائم شهوات بلا عقول وخلق الإنسان وجعل له عقلاً وشهوة ، فمن غلب عقله شهوته فهو مع الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فهو كالبهائم 0
وتناولت المؤلفة عن فضيلة الوقت في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية :وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعاً
وأضاف إليه أكثر الخيرات والدرجات وجعلها ثمرة له فقال تعالى( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صابروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) السجدة: 24: ومدح الصابرين ووعدهم أن يوفيهم أجرهم بغير حساب قال تعالى (قل يا عباد الذين ءامنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) الزمر: 10 ومن الأحاديث التي تبين فضيلة الصبر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار فقال : أمؤمنون أنتم فسكتوا فقال عمر : نعم يا رسول قال : وما علامة إيمانكم ؟ قالوا : نشكر على الرخاء ونصبر على البلاء وترضى بالقضاء فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : مؤمنون ورب الكعبة .
وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض ، والصلاة نور والصدقة برهان ، والصبر ضياء ، والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها وتحدثت المؤلفة عبر هذا الكتاب عن الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم في فضيلة الصبر وعن آداب الصبر وعن أقسام الصبر وبيان أن الإنسان لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال وما يبتلي المؤمن على حسب دينه والصبر على الأمراض والصب على موت الأولاد والأقارب والأحباب والصبر على الفقر والجوع والصبر على الأذى في سبيل الله والصبر على أذى الناس والصبر في مجال العلاقات الإنسانية والصبر عند الغضب وعقبات في طريق الصبر وفي الفصل الثاني من هذا الكتاب تناولت المؤلفة نصف الإيمان الثاني الشكر ومعنى الشكر هو الثناء على المنعم بما أوكله من معروف وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان لا يكون شكراً إلا بمجموعها وهي الاعتراف بالنعمة باطناً ، والتحدث بها ظاهراً ،والاستعانة بها على طاعة الله ،فالشكر يكون بالقلب ، واللسان ، والجوارح أما بالقلب فهو أن يقصد الخير ويضمره للخلق كافة ،وأما باللسان فهو إظهار الشكر لله بالتحميد روى أن رجلين من الأنصار التقيا : فقال احدهما لصاحبه : كيف أصبحت ؟ فقال : الحمد لله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قولوا هكذا وأشارت المؤلفة عن فضيلة الشكر في القرآن والسنة النبوية أن الله تعالى قد قرن ذكره الذي هو المراد من الخلق بشكره وكلاهما هو المراد بالخلق ٹ تعالى (فأذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) البقرة: 152 وجاء بالكتاب العديد من المواضع في ذكر الشكر أما في السنة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم : ينادى يوم القيامة ليقم الحامدون فتقوم زمرة فينصب لهم لواء فيدخلون الجنة قيل : ومن الحامدون ؟قال : الذين يشكرون الله تعالى على كل حال وفي لفظ آخر الذين يشكرون الله على السراء والضراء 0رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب 0وبينت المؤلفة في هذا الفصل بيان الشكر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى وبيان النعم وحقيقتها وأقسامها وبيان كثرة نعم الله تعالى وخروجها عن الحصر والإحصاء والسبب الصارف للخلق عن الشكر وما علاج القلوب الغافلة عن الشكر؟


أعلى


 


عظيما في رحمته

كان النبي الأكرم والرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم يحقر الأصنام وقومه لها عابدون ، ينهى عن الخمر والشباب والشيب لها شاربون ، ينأى عن اللهو واللعب والغلمان عليه يتهالكون ، يؤدي الأمانة والناس لها خائنون ، يصدق القول والناس يكذبون ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيما قبل مولده وعظيما يوم مولده وعظيما في طفولته وعظيما في رضاعته وعظيما في شبابه وعظيما في شيخوخته وعظيما في تبليغ رسالة ربه وعظيما في عدله وعظيما في كرمه وعظيما في عبادته وعظيما في تنفيذ شرع ربه وعظيما في حلمه وعفوه وعظيما في سلمه وحربه وعظيما في رحمته كان صلي الله عليه وسلم عظيما في كل حياته
لقد اختار الله تعالى نبي الرحمة رحمة لعالم قست فيه القلوب وجفت ينابيع الحنان فكان صلى الله تعالى عليه وسلم يدعوهم للإيمان بالله ربا وبالإسلام دينا وهم يعرضون عنه رافضين لدعوته فينزل عليه القرآن الكريم بأن لا يُشْـقِى نفسه بالحزن على عدم إيمانهم وإنما عليه التذكير والتبليغ وكفى ( طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى ) كما كان يحزن كثيرا لما يلاقيه أتباعه من أذى ويتألم لآلامهم ويتمنى أن لو يجفف دموع كل الناس ويداوى آلامهم.
كان صلى الله تعالى عليه وسلم دائم الاتجاه إلى الرحيم الرحمن الذي لا حدود لرحمته والذي لا منتهى لمودته وأن يغمر العالم كله بالرحمة والحنان والمودة فقد كان يستقى لأمته وجعل ذلك من سنته كان يدعوا الله أن يرفع الجهد والبلاء عن البلاد والعباد وأن ينشر عليهم رحمته وينزل عليهم المطر وأن ينبت لهم الزرع ويدر لهم الضرع وأن لا يحرمهم من بركات السماوات والأرض.
( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) الأنبياء 107 كان صلى الله تعالى عليه وسلم يؤرقه كثيرا أن يرى على الأرض بائسا أو محروما وكان يقول ( الراحمون يرحمهم الرحمن ) ( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) ( من لا يَرحم لا يُرحم ) ومن أجل الرحمة بمن في الأرض أنفق كل ما يملك صلى الله تعالى عليه وسلم عطفا على يتيم ، رحمة بمسكين ، شفقة على محروم وفضل أن يعيش هو وأهل بيته على الكفاف بل كان يرى أن الكفاف كثير ، عن عروة عن عائشة أنها قالت لعروة ابن أختي ( إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار فقلت ما كان يعيشكم قالت الأسودان التمر والماء ) صحيح البخاري وإنه صلى الله تعالى عليه وسلم لنموذج تتجلى فيه أسمى معاني الرحمة والشفقة فذات يوم يقبل على الناس وهو يحمل على عاتقه طفلة صغيرة هي ابنة بنته صلى الله تعالى عليه وسلم ولا شك أن هذا الفعل منه تشريف لكل طفلة ومنه نتعلم كيف نربى ونهذب صغارنا في جو من الرحمة والحنان حيث أن البنت خاصة كانت مكروهة لدى العرب في الجاهلية بل وصل بهم الأمر إلى وأدها أى دفنها وهى حية حكى بذلك القرآن الكريم في سورة النحل 58 ، 59 ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ) وقال تعالى ( وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت ) التكوير 8 ، 9 واقرأ هذا الحديث إن شئت ففيه تتجلى أسمى معاني الرحمة على الصغار، عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه ) صحيح البخاري الصلاة بالنسبة لرسول الله هي قرة عينة ويجد فيها روحه وريحانه ومع ذلك يخففها حين يسمع صوت طفل يبكى شفقة عليه ورحمة بأمه .
وإذا أردنا أن نرى إنسانية هذا الرسول العظيم ورحمته نراها في ساحات الحروب وميادين القتال فقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم يوصي جنوده وهم ذاهبون للجهاد في سبيل الله تعالى أن يرحموا الشيوخ والضعفاء والنساء والأطفال وكان ينهاهم عن الغدر ويوصيهم بعدم تخريب العامر أو إفساد الزرع أو قطع الأشجار أو إتلاف الثمر ، سلوا الدنيا كلها هل هناك تعاليم تعرف معاني الرحمة في ميادين الحروب وساحات القتال غير تعاليم النبي الأكرم والرسول الأعظم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين.
لقد أوصى نبي الرحمة بالرحمة حتى في المواطن التي يرى الإنسان أن لا صلة لها بالرحمة ففي الحديث عن شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ) سنن الترمذي يوصي المؤمن أن لا ينسى الرحمة حتى وهو يذبح أن يتسم سلوكه بالرفق وأن يكون له قلب إنسان رحيم على كل ما حوله من أحياء وأشياء من حيوان وطير فعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال (من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال من حرق هذه قلنا نحن قال إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار) سنن أبي داود .
هذا هو نبي الرحمة وهذا هو الرحمة المهداة كان يوصي أمته بالرحمة وأن تسود بينهم الرحمة والمودة عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) صحيح مسلم ولقد بلغت رحمته صلى الله تعالى عليه وسلم بالجمادات حتى أن سيدنا أنس بن مالك يقول في حديث طويل للنبي صلى الله عليه وسلم ( فسرنا حتى إذا أشرفنا على المدينة نظر إلى أحد فقال هذا جبل يحبنا ونحبه ) صحيح البخاري ولا عجب فإن الجبال تشعر بل وتسبح ( ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد ) سورة سبأ في الآية الكريمة 10 فيجب علينا أن نقتدي به ونتمسك بتعاليمه ونتحلى بآدابه ونتأسى به في رحمته ومودته ومكارم أخلاقه.
هذا والله تعالى ورسوله والمؤمنون أعلى والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج

أعلى


 

الإيمان بالكتب السماوية

أيها القراء الأكارم:
الايمان بالكتب السماوية ركن من أركان عقيدتنا الإسلامية,يقول الله تعالى ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله... ) صدق الله العظيم,ويجيب الرسول صلى الله عليه وسلم من سأله عن الايمان بقوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه...)إلى آخر الحديث.
وتحتوي الكتب السماوية على كلام الله تعالى الذي أوحاه الى رسول من رسله ليبلغه للناس لطفا بهم وعطفا عليهم.
والكتب السماوية هي أساس كل دين والمنهاج الذي يشتمل على أصول الاحكام ولذلك فإن الكتب السماوية ضرورية جدا للأسباب التالية:-
ـ لبقاء الدين نقيا بين الأمة حتى يكون عملهم على أساس سليم.
ـ لإقامة النظام الحكيم العادل بين المجتمع.
ـ لإقامة الحجة على كل العقلاء المكلفين من الخلق.
والمعلوم أن رسالة الرسل ليست لجيل واحد بل لأجيال كثيرة,ولذلك اقتضت حكمته تعالى أن ينزل كتبا على الرسل الذين أرسلهم,لحفظ رسالتهم بعد موتهم ,وليستفتيها الناس في أعمالهم وتحفظ عقائدهم من التحريف زيادة أو نقصا وتنظر فيها الأجيال القادمة فيؤمنون بها وبمن نزلت عليهم,وبذلك تبقى الرسالة كأن الرسول الذي نزلت عليه ما زال حيا بين قومه.
ومن المعلوم يقينا أن جميع ما أنزله الله تعالى من كتب وصحف متحد في الدعوة الى الحق وهداية الخلق الى ما يصلح النفوس ويزكيها وينيلها سعادة العاجل والآجل.
والكتب السماوية يصدق بعضها فيما تدعو اليه من إصلاح العقيدة والعمل الصالح والترغيب فيه والترهيب من ضده مع ذكر الجزاء والثواب والعقاب,وقد نوه القرآن بشأن الكتب المنزلة قبله,قال الله تعالى في صحف ابراهيم وموسى ( قد أفلح من تزكى*وذكر اسم ربه فصلى*بل تؤثرون الحياة الدنيا*والآخرة خير وأبقى*إن هذا لفي الصحف الأولى*صحف ابراهيم وموسى) ,وقال الله عزوجل في شأن التوراه ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون...),وقال الله جل شأنه في الزبور، ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) . وقال سبحانه وتعالى عن الانجيل ( وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور) ,وقال في شأن القرآن الكريم ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) ,وجماع ذلك في قوله عز من قائل عليما: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.....) صدق الله العظيم.
ولذلك فإن الكتب السماوية يؤكد اللاحق منها ما ورد في السابق من أصول,ويعدل في الفروع حسب حاجة البشر ومصالحهم فضلا من الله ونعمة وعدلا منه وحكمة والله عليم بكل شيء حكيم في كل شيء.
وإن المسلم لا يؤمن إلا بما ورد ذكره في القرآن الكريم من صحف وكتب سماوية,لأنه الكتاب السماوي الوحيد الذي لم يدخله تحريف أو تغيير بخلاف الكتب الأخرى فإنها لم تسلم من التحريف والتغيير,ولذلك فإن العاقل المنصف يثق كل الثقة فيما ورد في القرآن الكريم.
والصحف والكتب التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هي:-
*صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.
*التوراة التي نزلت على سيدنا موسى عليه السلام.
*الزبور الذي نزل على سيدنا داود عليه السلام.
*الانجيل الذي نزل على سيدنا عيسى عليه السلام.
*القرآن الكريم الذي نزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
تلك هي الكتب التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ونحن نؤمن بها على الهيئة التي نزلت بها من السماء والمعلوم أنه لا يوجد منها الآن كتاب كامل سوى القرآن,أما بقية الكتب فقد وقع فيها التحريف والتغيير بأيدي اليهود كما أخبرنا المولى جل وعلا بذلك في محكم كتابه,ولذلك سقطت هيبتها وقداستها من نفوس المؤمنين الصادقين.وعلى هذا فإن المسلم لا يؤمن بالتوراة الموجودة اليوم في أيدي أصحابها ولا يؤمن بالانجيل الموجود في أيدي أصحابه,لأن الله تعالى أثبت في القرآن الكريم أن اليهود والنصارى حرفوا الكلام عن مواضعه وبدلوا في أحكام الله تعالى فأحلوا الحرام وحرموا الحلال افتراء على الله تعالى,وعلى هذا فنحن نؤمن بالتوراة والانجيل والزبور والصحف التي نزلت من السماء فيما سبق,أي وقت نزولها وليس كما هي عليه الآن بين أيدي الناس.
إعداد/علي بن عوض الشيباني.

أعلى

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept