الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ

يمتاز الكاتب والقاص محمود الرحبي بحسن انتقائه للعبارات التي تتركب منها القصص، والمفردات التي تتركب منها العبارات، كذلك يمتاز بحسن انتقاء العناوين للمجموعات التي يصدرها. فمنذ بداية نشره لمجموعته القصصية الأولى "اللون البني" وما تلاها من عناوين كـ"بركة النسيان" و"لماذا لا تمزح معي" و"خريطة الحالم" و"درب المسحورة" حتى مجموعته "أرجوحة فوق زمنين"، نجد الرحبي وكأنه يحاول دمج كل الأحداث التي تدور داخل المجموعة في جملة واحدة تتصدر الغلاف.
وتأتي "أرجوحة فوق زمنين" في الترتيب السادس لنتاجاته الأدبية، وقد حصلت على جائزة دبي الثقافية، وليس بغريب على الرحبي مثل هذا الإجادة، وذلك لإبداعه القصصي وجزالة سرده للأحداث التي تدور حول مجموعاته ويشهد له بذلك كثير من النقاد والأدباء.
ولأثر الأزمنة البالغ في جميع القصص الإثنتى عشرة التي كتبها الرحبي في مجموعته، يقدم محمد الراشدي في العدد الجديد من "أشرعة" قراءة لها بعنوان
"الأزمنة في مجموعة "أرجوحة فوق زمنين" لمحمود الرحبي".
حسين سبسبي، عازف عود ومؤلف موسيقي سوري، أبدع في "باب الحارة"، و"أهل الراية"، و"بقعة ضوء"، فترك فيها بصمته وحسه الفني. رافق العديد من المطربين السوريين والعرب، وأسس مجموعتي "الوتر السابع"، و"الفارابي الشرقية"، وثنائي العود والبيانو، ويشرف منذ سنوات على مهرجان "طريق الحرير" الذي يجمع سنويا أكثر من 25 نجما من دول العالم.
هو مدير مسابقة العود الدولية، وملتقى العود في دمشق، رصيده الفني 12 اسطوانة مسجلة وأكثر من عمل غنائي ودرامي. فاجأ القارئ العربي المتخصص في الموسيقى بمؤلف ضخم يحمل عنوان "أعلام ومشاهير آلة العود في العصر الحديث". شارك سبسبي في افتتاح جمعية هواة العود العمانية، ونفذ صولويات العود في مهرجان الأغنية العمانية الأول. يؤمن بأن الابتكار في الموسيقى هو نوع من البحث.
تجمع سبسبي بآلة العود علاقة عشق تعود إلى سنوات المهد الأولى حين كان ـ وهو طفل ـ يتأمل بعينين غارقتين في الدهشة آلة خشبية معلقة على جدار البيت، وعندما بلغ السادسة من عمره أدرك أن لا مفر من معانقة تلك الآلة لأن بها سحرا عظيما.
علاقة الفنان حسين سبسبي بالفنان فتحي محسن، تعود إلى ما قبل تأسيس الجمعية العمانية لهواة العود، وقد وصفه بأنه مكتسب لخبرات كبيرة، ولديه قدرة عجيبة على تقييم نفسه، ومدرك بذكاء وفطنة لما يحتاجه العازفون العمانيون والموسيقي العماني، وملم بخصوصيات الآلات الموسيقية ناهيك عن الغناء. إنه يراه الرجل المناسب في المكان المناسب"
ولأن الابتكار شرعة كل منهما، فقد اختار "أشرعة" أن يجمع حسين سبسبي وفتحي محسن في حوار على غير العادة، أجرته الزميلة هاجر بوغانمي.
تناول الحوار جمعية هواة العود، والعازفين العمانيين، وتفاصيل "أعلام ومشاهير العود في العصر الحديث".
وفي العدد الجديد من "أشرعة" "إطلالة على أدب المهجر" لمحمد بن سعيد الحارثي، و"استكشاف الجزيرة العربية" للكاتب سالم الغيلاني، والعديد من الموضوعات الثقافية والفنية التي تستوقفك لقراءتها.


المحرر

أعلى






مظفر النواب في بغداد أخيراً

عاد الشاعر مظفر النواب بعد هجرة طويلة إلى بغداد، مدينته التي غادرها قسرا وهروبا من سنوات السجون والاختفاء والصراعات السياسية. ترك بغداد مكرها وعاد إليها أخيرا، عودة الطائر إلى عشه الأول، محملا بإشراقات العيش وإحياء الذاكرة التي ظلت معه وهو يهرّبها بين سطور قصائده وتتوزع بين لفات السجائر وقصاصات الصحف وأشرطة الكاسيت والفيديو وما استحدث تقنيا بعد، من يوتيوب وممكنات الشبكة الالكترونية. ترك مهجره بعدما عاش فيه سنوات من عمره، وبعد ان ثقلت أكتافه وصعبت حركته وشاب رأسه وشاربه، وبح صوته الذي انشد فيه ما يحفظه وردده المقهورون والمنفيون والمغتربون في منافي أو سجون العالم. قصائده سجلت تاريخ العذاب العربي والقسوة التي كابدها، هو وجيله، في المعتقلات السرية والعلنية، والمنافي، القريبة والبعيدة، والجحود الذي عاناه في أيامه الأخيرة. رافضا في إبداعاته السكون والصمت وغدر الزمان والأصحاب وفداحة الخسارات التي تراكمت حقبا ومراحل.. تاركا لأيامه الطوال ما حملته، متمسكا بأغنيات أراد ان يعيشها قريبا من مسقط رأسه وعلى ضفاف دجلة الخير وشريعة النواب التي أحياها شعرا وغناء ولوحة فنية وأملا للقاء والنوم في أحضانها وأفياء بساتينها بعد طول الغياب والهجر والحنين والشوق والعتاب.
كيف سيلاقيه العراق؟ كيف سيجد نفسه بين من تركهم خلفه وسبقوه إلى مرابعه؟ كيف سينام ويرى أمام بيته حواجز كونكريتية وسيارات همر أميركية مدججة بكل أنواع الأسلحة ومختلفة الحجوم والأشكال. وتغطي سماءه مروحيات مزركشة ومرسوم عليها العلم الأميركي وتمتد منها بنادق وكاميرات تراقب لهاثه ولوعته وكلماته التي أطلقها عليها يوما ما؟. وكيف يصافح من اغتصب بلاده؟!!. هل هو في توبة أم في غفلة الزمن الغريب؟.
قال في رثاء الفنان الفلسطيني العربي ناجي العلي، الذي اغتالته يد الغدر في منفاه الأوروبي:
آآه من وجع الروح
لو كان هذا العراق بدون قيود
أتم مرارته وجذور النخيل
لضمك بين جوانحه كالفرات
ويأخذ ثأرك
من زمن لا ضمير له
ليس يكفي دماء الذي قتلوك
لكن دماء مناهجهم
ويكون البديل
آهته الطويلة هذه وحسرته المكتومة دليل صفائه ونشيج روحه، وكأنه يعرف أنها صرخته هو أيضا وربما الأخيرة. وهو القائل عنها في قصيدته رحيل:
يا وحشةَ الطرقات
لا خبر يجيء من العراق
ولا نديم يُسكر الليل الطويل
مضت السنين بدون معنى
يا ضياعي
تعصف الصحرا وقد ضل الدليل
لم يبق لي من صحب قافلتي سوى ظلي
وأخشى أن يفارقني
وإن بقي القليل
هل كان عدلٌ أن يطول بي السُّرى
وتظلُّ تنأى أيها الوطن الرحيل
كأن قصدي المستحيل
منذ ولادته في كرخ بغداد عام 1934 وهو يحمل صليب العراق، مسجلا بإحساسه المرهف، بالعامية العراقية المدينية وباللغة العربية الفصحى، قصائده التي شهرته ونشرته في المدن العربية ومنتديات العرب الأجنبية، وتغنى بها المعارضون والغاضبون والرافضون للصمت والخنوع، وصدق من كتب عنه:
"حقق الشاعر العراقي مظفر النواب حضورا شعرياً واسعا، الذي يوصف بأنه شاعر القصيدة المهرّبة والممنوعة، في حنجرته ثمة جمرة دائمة، جعل من المباشرة والمنبرية سلطة شعبية عامة وذلك لسهولة حفظ قصائده، فما أن يقرأ الظافر النواب قصيدة ما وسط جمهور حاشد حتى يتم حفظها وتسجيلها وتداولها.. وكلما ازدادت شعبيته الجماهيرية كلما زادت في وجهه النقمة وأغلقت في وجهه الحدود. النواب منطقة شعرية محظورة ومحفوفة بالريبة والمخاطر" ولكنه ابن العرب الذين لم يناموا على ضيم، وقصائده فيهم معروفة.
من بغداد إلى دمشق مرورا بالكثير من العواصم والمدن العربية ظل مظفر يكتب عنها بحب واسع وانتظار طويل وصبر كبير، وصارت قصائده أغان لأجيال وذاكرة محمولة متنقلة ترنم بها الكثيرون ورددها من سمع بها واحتفظ بها سرا أو علنا من لخصت أوجاعه ولمت لواعجه:
لقد كانوا بالأمس هنا
ما تركوا شيئا يذكرُ
غير الصمت
دع الأيام تنام
أمسِ ألوف الناس على بردى
رغم ألوف النسيان
ظمئتُ أراهم
أتذكر أرقام الأمس
أدرتُ الصفرين
أجاب المقسمُ جرِّب بثلاثة أصفار
حدقتُ من الهاتف في المقسم في حزن
لم يكُ مقسمَ تلكَ الأيام
وتساءل طفلٌ مرَّ بصمتي
هل بغدادُ على بردى؟
أومأتُ بقلبي
وعلى دجلة أيضا تقع الشام.

كاظم الموسوي


أعلى






الأزمنة في مجموعة "أرجوحة فوق زمنين" لمحمود الرحبي

تأتي مجموعة الكاتب والقاص محمود الرحبي "ارجوحة فوق زمنين" الصادرة عن دار نينوى بالتعاون مع ملحق أقاصي، في الترتيب السادس لنتاجاته الأدبية وقد حصلت على جائزة دبي الثقافية، وليس بغريب على الرحبي مثل هذا الإجادة وذلك لإبداعه القصصي وجزالة سرده للأحداث التي تدور حول مجموعاته ويشهد له بذلك كثير من النقاد والأدباء. وكما انه يمتاز بحسن انتقائه للعبارات التي تتركب منها القصص والمفردات التي تتركب منها العبارات كذلك يمتاز بحسن انتقاء العناوين للمجموعات التي يصدرها فمنذ بداية نشره لمجموعته القصصية الأولى "اللون البني" وما تلاها من عناوين كـ "بركة النسيان" و"لماذا لا تمزح معي" و"خريطة الحالم" و"درب المسحورة" حتى هذه المجموعة التي نحن بصددها "أرجوحة فوق زمنين" نجد الرحبي وكأنه يحاول دمج كل الأحداث التي تدور داخل المجموعة في جملة واحدة تتصدر الغلاف.
فقد كان للأزمنة أثر بالغ في جميع القصص الإثنتى عشرة التي كتبها الرحبي في مجموعته، ففي القصص الثلاث "سيح لحمر" و"فعل الأسماء القديمة" و"لحم الكلب" نجد القاص يسرد الأحداث التي تدور في زمنين؛ زمن الموت وزمن الحياة للأشخاص في القصتين الأولى والثانية وللكلب المدلل في القصة الثالثة، فقد كان ينتقل بأحداثه وكائناته فوق أرجوحة الأزمنة ليعيش الجميع الزمن المناسب حتى ذاب الخط الفاصل بين تلك الأزمنة، كذلك كان لزمن الحلم واليقظة تأثير واضح في القصة التي دارت أحداثها تحت عنوان "ثلج على مسقط" فقد صور القاص الأحداث التي كانت في الحلم كأنها واقع ملموس وعبر عن ذلك بخياله الواسع الممزوج ببلاغته المعهودة يقول: "ومثل بحيرة ملطخة بالبياض تحوم فوق صفحتها بجعات ثلجية، بدا طرف الشاطئ حيث اكتست الصخور البحرية الناتئة بالبياض ...". ثم بعد أن أغلق صفحة التخيلات التي هي في الحقيقة حلما؛ فتح صفحة اليقظة وبدون أية فواصل "ليستيقظ ذلك الجسد الهائم" على "الخيط المتجمد طوال الليل".
وفي صورة أخرى من الصور الزمانية يسجل القاص مشهدين يدوران بين البائع والمشتري في عدة أزمنة، وما يهمنا هو التركيز على أهم زمانين تدور حولهما الحبكة القصية ففي "هل هما فعلا قطعتان من المرمريه" يذكر القاص كيفية المعاملة بين الزبون و(الجرسون) في إحدى المقاهي التي لا تبيع "المرمريه" وعلى الرغم من ذلك يبقى إصرار الزبون على طلب "المرمريه" حتى يتصاعد الخلاف بينه وبين (الجرسون) مما أدى إلى طرده ليبدأ الزمن الثاني الذي يعيشه الزبون الشاب في بطالته. وفي صورة مشابهة وتحت عنوان "حوار لا يعبر" كان سوء التفاهم بين بائع البطيخ والمشتري هو الثيمة الأساسية للقصة كمثل سابقتها، وبذلك تتشابه الأزمنة الأولى للحوار ولكن الزمن الثاني لهذه القصة يبدأ بعد أن نفد صبر البائع نتيجة تمرد الزبون وتدخل رجل الشرطة لحل القضية. ومن الأمثلة الأخرى التي يسردها القاص في مجموعته والتي تتحدث أيضا عن التمرد ما جاء في قصتين إحداهما "هواء" والأخرى "مكنسة الغروب" ولست أدري أهي الصدفة التي جمعت بعض الخصائص بين القصتين أم للقاص مقصدا لا نعرفه! فقد كان عدد أبطال كل واحدة منهما ثلاثة أشخاص وكلتاهما تتحدثان عن التمرد، لكن هناك فوارق عديدة لا يمكن تجاهلها، فالأولى يقول فيها القاص "عند الفجر، ثلاثة شبان، أراهم من نافذة غرفتي حائرين أمام محل مغلق" وبالطبع كان الهدف من ذلك هو سرقة المحل ولكن بعد أن طرق أحدهم "القفل العنيد بقوة، وحين فتح الباب لم يجد سوى فضاء أسمنتي وعلب أصباغ فارغة." وبعد ذلك بدأ الزمن الثاني وهو متابعة تمردهم لم يكن هنالك ثمة فروق تذكر بين زمني هذه القصة إلا اللهم قبل وبعد العملية الفاشلة على ذلك المحل المضمحل. أما القصة الثانية "مكنسة الغروب" فقد تحدثت بداية عن تمرد الزوجة على زوجها ثم عن تمرد أطفال الزوج على زوجة أبيهم فهم أيضا ثلاثة ولكن لم يكن تمردهم سوى شقاوة الأطفال، ولم يكتف القاص بإيراد فكرة الزمنين في عنوان القصة فقط؛ بل كان هناك زمنان أساسيان تدور حولهما الأحداث وهما زمن ما قبل غروب الشمس وزمن ما بعد الغروب وحلول الظلام.
وفي "صباح الإشاعات" كان الزمنان اللذان سيطرا على القصة هما: الزمن الأول للإشاعة وزمن ما آلت إليه الإشاعة من تصديق الناس لوجود الثعابين "التي تنتظر الموتى في قبورهم ضاقت ذرعا ونفد صبرها، فقررت غزو الناس أعماق بيوتهم"
"الذائب" كان لها تأثير من نوع آخر في فعل الزمنين عند الكاتب، فالرجل الذي كان يخرج من مقر عمله راجلا في زمن جميع الموظفين يركبون السيارات، وبعدها تبدأ المقارنات بين الرجل الماشي تحت وطأة حرارة الطقس و"كان داخله يغلي والشمس في الخارج تأكل جسده ببطء""حيث الجميع في سياراتهم مسمّرين بقسماتهم الجامدة أمام أجهزة التكييف".
آخر قصة في المجموعة طغى الزمن الأول على الزمن الأول على الزمن الثاني حيث كان السائق وجليسه يتحدثان "حديثٌ صاخب بما معناه" حتى ينقضي الوقت المستغرق في الطريق دون ملل، ولكن سرعان ما انتهى الزمن الأول وبدأ الزمن الثاني وقطعا حديثهما بعد أن "ظهر صفٌ من رجال خفر الحدود مدججين بالسلاح"
هكذا كان دأب جميع قصص المجموعة تتأرجح أزمنتها كفعل الأرجوحة التي تتنقل فوق الأزمنة، وبين زمن وآخر نجد القاص ينقل أحداث حكاياته بكل سهولة ويسر، وكما هي عادة كتاباته القصصية لا يجد القارئ فيها الضجر والملل بل غالبا ما يجد نفسه القاريء يلتهم الصفحات الواحدة تلو الأخرى ولا يكاد ينتبه حتى يجد نفسه قد وصل للنهاية.
وأخيرا وفي ختام هذه العجالة لا يسعني إلا أن أهنئ القاص محمود الرحبي على هذا الإبداع وأتمنى له دوام التوفيق كما أتمنى منه استمرار ابداعه وإخراج ما تكنه روائعه.

محمد الراشدي


أعلى




حسين سبسبي وفتحي محسن في عزف ثنائي لـ (أشرعة) "العود" يؤسس منهجية جيدة للاهتمام بالموسيقى العربية

حسين سبسبي: اكتشفت أن للمتدربين ذاكرة مليئة بالفن والثقافة والفكر وهذا ما يحتاجه العازف الشاب
فتحي محسن: التجربة المبنية على بحث وتحليل وتعمق في الموسيقى تساعدنا على صناعة أجيال من العازفين

أجرت الحوار ـ هاجر محمد بوغانمي:
لـ"باب الحارة"، و"أهل الراية"، و"بقعة ضوء" شيء من حسه الفني، وإبداعه الموسيقي .. رافق العديد من المطربين السوريين والعرب، وأسس مجموعتي "الوتر السابع"، و"الفارابي الشرقية"، وثنائي العود والبيانو، ويشرف منذ سنوات على مهرجان "طريق الحرير" الذي يجمع سنويا أكثر 25 نجما من دول العالم.. هو مدير مسابقة العود الدولية، وملتقى العود في دمشق.. في جرابه 12 اسطوانة مسجلة وأكثر من عمل غنائي ودرامي.. فاجأ القارئ العربي المتخصص في الموسيقى بمؤلف ضخم يحمل عنوان "أعلام ومشاهير آلة العود في العصر الحديث".. شارك في افتتاح جمعية هواة العود، ونفذ صولويات العود في مهرجان الاغنية العمانية الأول.. يؤمن بأن الابتكار في الموسيقى هو نوع من البحث .. وعن جيله يقول: "نحن قادرون على أن نترك موسيقى نخاطب فيها روح الانسان وجوهره".
إنه عازف العود والمؤلف الموسيقي السوري حسين سبسبي الذي دعته مؤخرا جمعية هواة العود لتقديم دورة تدريبية في العزف على آلة العود التي تجمعه بها علاقة عشق تعود إلى سنوات المهد الاولى حين كان ـ وهو طفل ـ يتأمل بعينين غارقتين في الدهشة آلة خشبية معلقة على جدار البيت، وعندما بلغ السادسة من عمره أدرك أن لامفر من معانقة تلك الآلة لأن بها سحرا عظيما!!
لحسين سبسبي علاقة بجمعية هواة العود وبمديرها الفنان فتحي محسن تعود إلى ما قبل تأسيس الجمعية، وقد وصفه بأنه مكتسب لخبرات كبيرة، ولديه قدرة عجيبة على تقييم نفسه، ومدرك بذكاء وفطنة لما يحتاجه العازفون العمانيون والموسيقي العماني، وملم بخصوصيات الآلات الموسيقية ناهيك عن الغناء.. إنه باختصار الرجل المناسب في المكان المناسب.."
ولأن الابتكار شرعة كل منهما، فقد اختار "أشرعة" أن يجمع حسين سبسبي وفتحي محسن في حوار على غير العادة ، فكان التالي:
*حسين سبسبي تشرف حاليا على حلقة عمل تدريبية لفائدة أعضاء جمعية هواة العود.. كيف وجدت مستوى العازفين العمانيين؟
** أنا شاركت في افتتاح جمعية هواة العود، وعندما دعيت للاشراف على الدورة التدريبية وجدت مجموعة كبيرة من العازفين، ووجدت حياة موسيقية جميلة جدا، الجميع يشتغل على تكوين نفسه في العزف، وهذا في حد ذاته تكريم لآلة العود، وقد أبهرني الطموح الذي لمسته في المتدربين، فمنذ أول قطعة موسيقية بسيطة بدأتها معهم وجدت أن لديهم مستوى يخول لهم أن يتدربوا على قطعة أصعب فقطعة أكثر صعوبة، وبدأت بالتدريج حتى وصلت معهم الى قطعة من أصعب القطع في الموسيقى العربية لأن شكلها عربي، وفيها إيقاعات عربية وخصوصيات تمتد من الأندلس وحتى هذا العصر، وهي مكتوبة لآلة العود واسمها "نقش الزرافات"، وما يميز جمال هذه القطعة هو الايقاع الأول "الزرافات" وبالتالي لم يعد لدي ما هو أصعب كي أقدمه لهم.
*ما برنامج الدورة أو ما المقطوعات التي تدرب عليها العازفون؟
** قدمنا عشر فقرات بين قطع موسيقية وقوالب غنائية وتراثية من بينها قطع رومانسية يشارك فيها البيانو والجيتار، وقطعة فيها هارموني على ايقاعات عربية شرقية طويلة، وقطعة استعراضية فيها نوع من المرح وعنوانها "طفولة"، وقطعة تحكي عن الأسواق القديمة في دمشق، وبعض الأعمال التي فيها نوع من الخصوصية، وتنويعات بين التراث الموسيقي العماني والموسيقى الشامية الأصيلة وكل الأعمال هي من الأشياء التي كتبتها في تجربتي الموسيقية.
* فتحي محسن.. لماذا حسين سبسبي؟
**حسين سبسبي جزء من الحركة الموسيقية الاصيلة، وهو أحد الموسيقيين الذين قدموا للحركة الموسيقية العربية، وهو أحد كبار الفنانين في عالمنا العربي الذي أسس لوجود موسيقى عربية أصيلة، وحسين سبسبي من الموسيقيين الذين لم يقطعوا مع الآخر حيث تواصل مع كل الاقطار في العالم الشرقي والغربي، فرجل بهذا الحجم من التجربة بالنسبة الينا أكاد أقول إننا محظوظين باستضافته في هذه الدورة التدريبية، ووجوده بيننا هو فرصة لشبابنا كي يستفيدوا من خبرته وعطائه والالهام الشرقي الذي عاشه من خلال الموسيقى الشرقية العربية الاصيلة ومن خلال تواصله مع الموسيقيين العالميين أو العرب، فحسين سبسبي هو كاريزما وهو مجموعة من الفنون العربية الاصيلة التي يحتاجها أي شاب في هذا العصر كي يؤسس في داخله الموسيقى الاصيلة.
* حسين سبسبي هل عادت بك الذاكرة إلى عهد الشباب الأول وأنت تشرف على تدريب العازفين، أي هل وجدت حسين سبسبي في هذه الدورة؟
** بالعكس أنا وجدت أكثر من حسين سبسبي.. قبل ثلاثين عاما كنا نخجل من أن نحمل العود لأن الجو الشرقي أو الديني كان ينظر للعازف بشي من الازدراء فكنا نعزف خلسة أو بعيدا عن أعين الناس، وهذا هو الفرق بين الأمس واليوم .. بالإضافة إلى أنه في أيامنا لم تكن هناك دراسات، وفي الوطن العربي لا يتجاوز عدد من يعزفون النوتة عشرة، بينما المجال اليوم مفتوح للأطفال قبل الشباب، إذن هناك تطور في العقلية، وهناك تراكم لهذا التطور..
بالنسبة لمستوى الشباب العازفين، فقد اكتشفت أن لديهم ذاكرة مليئة بالفن والثقافة والفكر ولكن كيف ننفذ هذا الفن؟ هذا ما يحتاجه العازف الشاب.. إنه يحتاج إلى جمع الأفكار.. جمع شيء من مدرستنا ومن خصوصية دمشق المعروفة بعراقتها وبتعاقب العديد من الحضارات عليها، وبتاريخها الموسيقي الحافل بالقصائد والموشحات والأدوار والقدود، وبخصوصيتها في الإيقاع، وبنوع من الموسيقى الطربية التي تخاطب مركز الانسان العربي، ومن أهداف هذه الدورة التدريبية نقل الجانب الروحي قبل أن يحفظها العازف كقطعة.. معنى ذلك أن العازف لا يحفظ قطعة موسيقية بل يحفظ هذا الجانب الروحي الذي تحدثت عنه، وقد يأتي شخص آخر إيراني أو تركي أو غير ذلك من مدرسة أخرى فيصبح لدى العازف مزيج من الألوان، ما يؤدي إلى تكوين عازف عماني لديه أفكار اكتسبها وهو شاب، وهذه الطاقات الشابة هي التي ستصبح القاعدة الموسيقية ليس فقط للسلطنة، بل لكل العالم العربي.
* من منطلق تجربتك الفنان حسين سبسبي، هل تعتقد أن جمعية هواة العود بإمكانها أن تحلّ محل معهد متخصص في الموسيقى؟
** ما فهمته هو أن الجمعية فتحت أبوابها لكافة الأعمار، فهي تبحث عن الموهوبين، والجمعية لم تضع شروطا معينة يكفي أن يتوفر لدى الشاب موهبة العزف وحب هذه الآلة بالاساس، وهنا يتم التعرف إلى الموهبة، وإمكانات تلقيه، وكيف يستمر، وكيف يتعامل مع الجمعية التي تخصص له بين دورة تدريبية وأخرى استاذا فتنمو موهبة العزف لديه حتى نحصل في نهاية الأمر على مثل هؤلاء الشباب الذين أتعامل معهم وكلهم في الحقيقة عازفون جيدون، وباب الجمعية مفتوح لكل المواهب والطاقات.
* فتحي محسن.. تكونت أكاديميا في الموسيقى، فهل ستأخذ الجمعية مكان الأكاديمية الشاملة؟
** بالطبع لا.. نحن لا نريد أن نعطي لأنفسنا مكانة أكبر من مكانتنا الطبيعية، ولكن التخصص في حد ذاته "حرفنة" أن أتخصص في آلة موسيقية معينة، وأركز عليها خاصة وأنها هي الآلة الرئيسة في التخت الشرقي، وفي الموسيقى العربية والآلة الأعرق على مستوى العالم، وأتحدث هنا عن آلة العود، فبالتالي أنا أؤسس لموسيقاي العربية والعمانية تأسيسا سليما، حتى إذا ما فكرت بعد ذلك في إنشاء معهد عال للموسيقى أو دار أوبيرا فأنا واثق من أن لدي النواة الاساسية في مجال موسيقى العود، وفي الموسيقى الشرقية الأصيلة، وبعد ذلك نستطيع أن نكمل مشوارنا مع الشمولية، ولو تلاحظي هناك في العالم العربي توجه لفئة كبيرة من الشباب نحو الآلات الغربية لماذا؟ لأنها في المتناول ولأنه حدث غزو ثقافي غير طبيعي من خلال وسائل الاعلام لتقديم الموسيقى الغربية التي نحترمها كثيرا، وهذا التوجه كان له تأثير في مستوى اختيارات الشباب الذين يدرسون موسيقى، إذ يختار دارس الموسيقى آلات مثل الجيتار والبيانو فلماذا لا يختار الآلات الشرقية الاساسية؟ الإشكالية أيضا في حالة الانبهار بالموسيقى الغربية إذ يعتقد الشاب أنها الافضل ولكنه لا يدري أن الافضل هو أسلوبه وهويته وهو: أنا من؟
يجب أن أجد نفسي وكياني وموسيقاي من خلال مجتمعي، فالقصد من إنشاء جمعية كهذه هو أن تبقى النواة الرئيسة، والمشاريع الأخرى التي لها علاقة بالشمولية أيضا نحن نشجعها وهي مهمة وكبيرة، لكن الاهتمام بالعود يؤسس فعلا مدرسة حقيقية، ويؤسس منهجية جيدة للاهتمام بالموسيقى العربية ككل.
* حسين سبسبي .. قصة عاشق لآلة اسمها "العود"؟
** قصة بسيطة جدا صنعتها الظروف حيث إنني انتمي لبيت موسيقي، ومذ كنت طفلا كنت أشاهد الموسيقى في كل ركن من أركان بيتنا، وكانت آلة العود معلقة على الجدار، وعندما اشتد عودي بدأت أكتشف هذه الآلة وأتعامل معها بشيء من الحب، ولأني أحب والدي أحببت آلة العود وتعلمت العزف عليها في سن مبكرة، حيث بدأت العزف في سن السادسة، وكان مدرسي الأول والدي، ثم بعد أن اجتزت مرحلة الابتدائية والاعدادية والباكالوريا (الثانوية العامة) تخصصت في الموسيقى لمدة ست سنوات في مدينة، وتأثرت آنذاك المرحوم الشيخ علي درويش وهو العلامة الاول في العالم العربي الذي نقل الموسيقى من عهد العثمانيين.. درّس في اسطنبول وفي فلسطين والعراق وتونس ومصر، ومن تلاميذه في تونس الدكتور صالح المهدي، فكانت مكتبة الشيخ علي كلها بين يدي، ودرست على يدي الأستاذ الراحل نديم ابن الشيخ علي درويش، وهناك حكمة تقول "من أراد أن تقدم خطوات الى الامام فليعد خطوة الى الوراء" ولذلك كنت دائم البحث..
حكايتي مع العود بدأت منذ السادسة من عمري وصولا إلى دراساتي الأخيرة التي كانت مع الاستاذ منير بشير عام 1996م، وهو هرم كبير في الموسيقى، حيث طريقة عزفه الفريدة وأفكاره الموسيقية التي يمتلكها، وكموسيقيين سوريين استفدنا من الفنان منير بشير تحليل الموسيقى، وتحليل الموشحات، وكيفية ولوجها وطريقة كتابتها، وكيف نشتغل على التفعيلة الشعرية مع تفعيلة الايقاع، وكيفية دراسة المقامات التي تناولتها الكتب العربية بأوجه مختلفة.
* فتحي محسن كيف نؤسس لصناعة موسيقي جيد انطلاقا من تواجد حسين سبسبي ومن قبله نصير شمة؟
** أنا لدي منظور خاص لكل أستاذ من هؤلاء الأساتذة، لأن لكل واحد تجربته الخاصة، وأسلوبه الخاص، فمن خلال هذه التجربة المبنية على بحث وتحليل وتعمق في الموسيقى يستطيع أن يوصل للمتدربين أو الهواة هذه الفلسفة الموجودة لدى الشاب الذي يختزن في داخله العازف والملحن والمغني والمؤلف والمبتكر، حتى اذا ما بلغ مرحلة معينة، أدرك أنه تشرب من الفنون والموسيقى، وأصبح لديه مخزون موسيقي حقيقي يخول له أن يقرر ماذا يريد إن كان عازفا أو قائدا (مايسترو) او ملحنا او مدرسا او مغنيا او عازفا مصاحبا.. ودورنا كجمعية أن نبني لدى الشاب هذا الجانب لأن التخصص عالم صعب ولكن يجب ان تكون لك طريق تسلكها لبلوغ النجومية.. لا أتحدث هنا عن النجومية التي نشاهدها اليوم بل النجومية في المستوى وفي العطاء وفي الابداع، وعلينا كجمعية أن نأخذ على عاتقنا مسألة تعريف الموهبة بهذه الاتجاهات الموسيقية (المؤلف، الملحن، العازف، القائد، المغني..إلخ) وأن نثقفه، ونعطيه إلماماً عاما، ثم اذا أردا أن يتخصص فلدينا المكتبة ولدينا الاساتذة يستفيد منهم، وبغض النظر عن وجودي أو وجود بعض الاساتذة فإن التواصل مستمر لأن الحياة بين الموسيقيين ليست فقط دورة تدريبية او حلقة عمل او حفل.. لا .. هناك عازفون على اتصال دائم مع الاستاذ حسين سبسبي قبل أن يحل بيننا.
* علاقتك بالسلطنة غذاها تعاملك مع بعض الشعراء العمانيين، لو تحدثنا عن هذه التجربة، وكيف تعاملت مع مفردات البيئة العمانية في تلحينك للقصيدة؟
** قبل أربع سنوات من الآن سجلت اسطوانة بآلتي العود والبيانو بصحبة عازف البيانو العماني رائد الفارسي، وهي بعنوان "موسيقى للقمر"، وقدمت دويتو مع الفنان سالم المقرشي وهو فنان جميل وله الشكل العماني في العزف، بالإضافة إلى عملين وطنيين الأول من كلمات الدكتور صالح الفهدي، وعمل آخر من كلمات الشاعر سعيد الصقلاوي ، وكان شرفا كبيرا انني شاركت في افتتاح هذا الصرح الفني الذي يشكل اليوم فرحة وعيدا.. وما أجمل أن نلتقي في مكان خاص بالعود!!
* فتحي محسن ألم تفكر في التعامل مع الملحن حسين سبسبي من خلال عمل غنائي؟
** خبرة حسين سبسبي في مجال التلحين أيضا سنستفيد منها، وانا شخصيا أتعامل مع الاستاذ حسين باعتباره تجربة مهمة ولديه زخم من الحس العربي الأصيل، ويتذوق الموسيقى الشرقية الأصيلة، ولديه كم من الاغاني والموشحات والقدود، وعزف وشارك مع أهم الفنانين في الوطن العربي وفي سوريا، فبالنسبة لي التعامل مع فنان يحمل كل هذه التجربة ثراء لي وتجربة تبني لدي الرغبة في الاستمرار.
* حسين سبسبي في هذا المشوار الفني الذي اختزله فتحي محسن في بضعة أسطر .. كيف تقدم لنا مجموعة الفارابي الشرقية؟
** هي عبارة عن تخت شرقي مكون من عود وقانون وناي، أضفت إليها آلة الكنترباص، وخمس كورال بنتان وثلاثة اولاد، وصوت رئيسي.. هذه المجموعة تقول الوصلة العربية كما هي بمعنى أنها تقول القطعة الموسيقية ثم يخرج الغناء بالموال ثم الموشح الطويل ثم الأصغر، وانتهاء بوصلة من القدود وهكذا نكون قدمنا وصلة عربية متكاملة، ويتمثل دور الكورال في أنه يرد حتى يكون هناك نوع من الحوار بين المغني والكورال، وأكثر الوصلات سورية، والجماعة مازالت موجودة إلى الآن.
* وماذا عن فرقة خماسي الموسيقى العربية؟
** خماسي الموسيقى العربية هي فقط عود، قانون، ناي، رق، وآلة الكمان .. هذه الفرقة تقدم القوالب الموسيقية العربية الموجودة وخصوصا في الكثير من المعزوفات التي كتبت في سوريا ولم تعزف من قبل لصعوبتها فنحن من هذا الجيل الذي اكتسب تقنيات وقد بحثت عن تسجيلات قديمة لهذه القطع ووضعت لها نوتة وأصبحنا نقولها بهذا الخماسي الذي قدمت به أكثر من 150 حفلا.
* وماذا عن ثنائي العود والبيانو؟
** انطلقت الفكرة هنا في السلطنة وهي فكرة بدأت ارتجالية ثم قمنا بتعديلها وكتابتها وصارت الان تدرس عود وبيانو.
* كيف تقدم لنا كتاب أعلام ومشاهير العود في العصر الحديث الذي صدر الجزء الأول منه في انتظار الجزء الثاني؟
** هذا الكتاب تعود فكرة تأليفه إلى مايزيد عن 15 عاما وكان حلمي منذ أول اجتماع بالأردن عام 1999م في مهرجان العود الاول حيث اجتمعت بعدد من العازفين من عدة دول وطلبت من المجمع العربي أن يجيزوا لي تبني هذه الفكرة وجمع أعمال العازفين الموجودين، فاشترطوا علي آلية لهذا الموضوع، وبعد اختتام المهرجان، ظلت الفكرة تراودني ليل نهار، باعتبار افتقارنا كموسيقيين لهذه النوعية من الكتب وإن وجدت فهي تعج بالاخطاء لأن طريقة التدوين قبل أربعين عاما او أكثر كانت بدائية، ولذلك قدمت ملتقى العود والمسابقة الدولية في دمشق وقررت أن آخذ أعمال كل الاساتذة وأدونها في كتاب هو حصيلة أعمال خمسين عاما مضت، فكل جديد حول آلة العود أوكتب على الة العود قمت ـ بسرقته وأفرح عندما أقول هذه الكلمة ـ لأني جمعت تلك الأعمال ومنها باقة من الورود طبعا بموافقة الجميع، وكنت أتمنى ان أقطف من السلطنة زهرة ولكن سيكون للعمانيين نصيب ان شاء الله في الجزء الثاني، وانا فخور بهذا العمل لأنه للتاريخ وليس لحسين سبسبي.


أعلى





إطلالة على أدب المهجر

من أزيز الأزمات تولد المشاعر، ومن رحم الظلام يولد النور، هذا هو ديدن شعراء المهجر، ابتعدوا عن أوطانهم فثارت مشاعرهم وساقها البيان صورة حية بقالب شعري رائق رائع.
وعبارة (شعراء المهجر) تشمل بفحواها كل من هاجر واغترب عن وطنه طوعا كان أو كرها، ولكننا في هذا المعرض لا نقصد هؤلاء وإنما نقصد طائفة معينة هاجرت من بلاد الشام إلى الأميركتين وإستراليا وغيرها من دول الغرب وذلك في نهاية القرن التاسع عشر.
لقد عانت كثير من الدول العربية من ويلات الحرب والفقر والظلم والتشرد لأسباب اقتصادية وسياسية ما اضطر كثيرا من أفراده للهجرة إلى دول التقدم والتمدن بحثا عن حياة أفضل. وحال هؤلاء كحال غيرهم من بني البشر، راحوا يتلمظون حرارة العيش بين كدح العمل للبقاء في هذا الوجود وبين جوى الشوق.
يقول أحدهم:
لا الرزق في تربة الأوطان يغنينا ولا توطن أرض الغير يغنينا
في أربع الأهل بؤس العيش يؤلمنا وفي المهاجر نار الشوق تكوينا
وما فتئ هؤلاء كذلك حتى ثارت قرائحهم وجاشت مشاعرهم فسطروها في لوحة الشوق والحنين، ما أسهم هذا كله في تلوين شعرهم بلون خاص من الروعة والجمال، تقرأ في قصائد الفراق فتسمع صوت الانين كما هو في شعر إليا أبوماضي:
أزف الرحيل وحان أن نتفرقا فإلى اللقا يا صاحبي إلى اللقا
إن تبكيا فلقد بكيت من الأسى حتى لكدت بأدمعي أن أغرقا
وتسعرت عند الوداع أضالعي نارا خشيت بحرها أن أحرقا
ما زلت أخشى البين قبل وقوعه حتى غدوت وليس لي أن أفرقا
يوم النوى، لله ما أقسى النوى لولا النوى ما أبغضت نفسي البقا
وهو في قصيدته ينقلك معه في رحلة الأحزان:
ولقد ركبت البحر يزأر هائجا كالليث فارق شبله بل أحنفا
والنفس جازعة ولست ألومها فالبحر أعظم ما يخاف ويتقى
فلقد شهدت به حكيما عاقلا ولقد رأيت به جهولا أخرقا
مستوفز ما شاء أن يلهو بنا مترفق ما شاء أن يترفقا
تتنازع الأمواج فيه بعضها بعضا على جهل تنازعنا البقا
وهو مرة أخرى يسلي نفسه ويريحها من عناء الألم:
كن بلسما إن صار دهرك أرقما وحلاوة إن صار غيرك علقما
إن الحياة حبتك كل كنوزها لا تبخلن على الحياة ببعض ما
ودواوين إليا تزخر بأجمل القصائد في مختلف الأغراض.
ولم يكن هؤلاء بعيدين عن واقع أمتهم المرير، وعن أخبار البلاد العربية، فقام كثير منهم باستنهاض الأمة بما تمليه عليهم القريحة، فها هو عمر أبو ريشة يستنهض أمته ويذكرها بتاريخها التليد:
أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقلم
أتلقاك وطرفي مطرق خجلاً من أمسك المنصرم
أين دنياك التي أوحت إلى وترى كل يتيم النغم؟
كم تخطيت على أصدائه ملعب العز ومغنى الشمم
وتهاديت كأني ساحب مئزري فوق جباه الأنجم
وبطبيعة الحال، فإن الحياة تتنوع بمواقفها وأحداثها، ولكن يبقى جمال التصوير معهم ملازما، يأتي بشارة الخوري (الأخطل الصغير) فينظم أجمل أبيات الغزل
الصِّبَا وَالجَـمَالُ مُـلْكُ يَدَيْـكِ
أيُّ تَـاجٍ أعَـزُّ مِـنْ تَاجَيْـكِ
نَصَبَ الحُسْـنُ عَرْشَـهُ فَسَـألنَا
مَنْ تُـرَاهَا لـَهُ فَـدَلَّ عَلَيْـكِ
فَاسْـكُبِي روحَكِ الحَنـونَ عَلَيْهِ
كَانْسِـكَابِ السَمَاءِ فِي عَيْنَيْـكِ
كُلَّمَا نَافَـسَ الصِّـبَا بِجَـمَالٍ
عَبْقَـريِّ السَّـنَا نَمَّـاهُ إلَيْـكِ
مَـا تَغَنّـى الـهزارُ إلاّ لِيُلْقِـي
زَفـرَاتِ الغَـرَامِ فِـي أُذُنَيْـكِ
سَكِـرَ الرَّوضُ سَكْـرَةً صَرَعَتْهُ
عِنْدَ مَجْرَى العَبِيـر مِنْ نَهـْدَيْكِ
قَتَلَ الوَرْدُ نَفْسَـهُ حَسَداً مِنْـكِ
وَألْقَـى دِمَـاهُ فِـي وَجْنَتَيْـكِ
وَالفَرَاشَـاتُ مَلَّـتِ الـزَّهرُ لَمَّا
حَدَّثَتْـهَا الأنْسَامُ عَنْ شَـفَتَيْكِ
رَفَعُـوا مِنْـكِ للجَمَـالِ إلَـهاً
وَانْحَنَوْا سُجَّـداً عَلَى قَدَمَيْـكِ
لقد هاجر هؤلاء لحياة أجمل وأفضل، فمنهم من كان يعمل في المصانع والمتاجر وغيرها، وقد كانت الأميركتان تستوعب أعدادا كبيرة نظرا لتقدمها الصناعي. ومن جانب آخر فقد انصرف بعض المهجريين إلى الجامعات طلبا للعلم، واستطاعوا أن يكثفوا نشاطهم العلمي والأدبي والثقافي، وما ساعدهم على ذلك ظهور أول جريدة للجالية العربية باسم (كوكب أميركا) فأفرزت الكثير من المواهب والإبداعات.
وامتدت عندهم رقعة الاهتمام بالأدب، فهو المتحدث الرسمي عنهم ولسانهم المبين عن آلامهم وآمالهم، ودفعهم ذلك إلى تأسيس روابط ومدارس أدبية كالرابطة القلمية والعصبة الأندلسية وجماعة أبولو وكانت تضم عددا من كبار الشعراء كإليا أبو ماضي وأحمد زكي أبو شادي وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة ورشيد الخوري وبشارة الخوري وجبران خليل جبران.
كل هذه المدارس الأدبية التي كانت تمشي في وتر التجديد كانت تعيش في وقت كان فيه أحمد شوقي (أمير الشعراء) الذي كانت قصائده مبنية على أساس كلاسيكي متين، فأصبحت الساحة الأدبية محطا للصراع بين أنصار التقليد وبين أنصار التجديد.
نستطيع أن نجمل القول فنقول بأن شعراء المهجر برغم اختلاف دياناتهم وأفكارهم أضفوا للأدب العربي لونا وطعما خاصا، وأظهروا في المهجر مدى قيمة الأدب عند العرب.
محمد بن سعيد الحارثي


أعلى






استكشاف الجزيرة العربية

كان الشرق العربي منطقة جذب وفصول للغربيين خاصة الصحاري العربية الشاسعة والمناطق الجبلية والمهجورة وذلك بتأثير الحكايات والأساطير التي قرأوها خاصة حكايات ألف ليلة وليلة التي صورت لهم عالما من الخيال والأساطير والغرائب التي تتوق نفوسهم إليها.
لكن بطول القرن التاسع عشر الميلادى جاب العديد من المستشرقين المنطقة العربية وتجولوا في ربوعها وخرجوا بانطباعات ومشاهد تختلف تماما عن ذلك الجو الأسطوري الخيالي الذين رسموه في أحلامهم وقد جذبت أرض السلطنة بناسها وتضاريسها وتنوعها العديد من هؤلاء المستشرقين والمستكشفين منهم السياسيي الإنجليزي برترام توماس الذي كان أحد المسئولين في السياسة في منطقة بلاد الرافدين أثناء الحرب العالمية الأولى (1914ـ1918) وبعدما اختير ليصبح مسئولا عن الإشراف المالي في السلطنة وحصل على الثقة من السلطان تيمور بن فيصل فكان أول انجليزي يحتفظ بوضعه كمسئول في دولة عربية مستقلة على حد تعبير مستر أي ـ تي ديكسون في تقديمه لهذا الكتاب عام 1931.
وقد شغف برترام توماس بالتجوال في ربوع السلطنة ما مكنه من إقامة علاقات قوية مع رؤساء القبائل العربية في ساحل عمان فقام برحلتين هامتين: الأولى كانت عند جنوب شرقي حدود الربع الخالي، بالقرب من رأس الحد، والثانية من ظفار إلى مسافة مائتي ميل من الداخل وتغطي هاتان الرحلتان أكبر جزء تم استكشافه في أي منطقة من العالم.
وقد قام برترام توماس بنشر الدراسات التمهيدية عن القبائل التي زارها في رحلته الأولى كما نشر كذلك بعض الدراسات الهامة عن لغة الشحوح في شبه جزيرة مسندم لمعرفته الواسعة بذلك المكان الذي امتد جزؤه الجبلي داخل البحر وكذلك تحدث عن سكانه.
وقد وصف البعض تلك المصداقية التي يصف فيها برتران مشاهداته في عمان فقال تي ويلسون "وبقراءتنا لتلك الصفحات قد نرى قوافل الجمال ونسمع رنين الأجراس في الطريق، خلف المدن على دروب الجبال الشديدة الانحدار بجوار أطراف الصحراء ولسوف نرى القبائل وهي تجلب الجمال والإنسان هناك هو دائما الإنسان المشمول بشئونه الخاصة وهو يترك كل شيء لله حياته وزوجته وعائلته وكل شيء.
يحتوي الكتاب على خمسة عشر فصلا تناول فيها رحلته في الباطنة والشرقية عبر شبه الجزيرة العربية ومغامرته مع بني علي ثم يتحدث عن أراضي الحدود الجنوبية بعد ظفار ويتناول في احد الفصول الجراد وكلاب البحر في أرض الشحوح وغيرها من الموضوعات الشيقة التي تناولها بوصفه الدقيق وإحاطته الشاملة بالأماكن التي زارها وشاهدها.
واتسم هذا الكتاب بتلك الصور الشاعرية الجميلة لبعض المعالم في عمان منها مثلا وصفه لشاطئ مطرح أثناء رحلة بحرية له يقول: "ذات مرة وفي البحر الواسع اتجهنا نحو جزيرة الفحل التي تحيطها أشرعة أساطيل الصيد وعلى اليسار بعيدا رأينا المنازل البيضاء الناصعة في مطرح معششة أسفل سور من الجبال العالية هنا وهناك وعلى رأسها برج حصين، جاء ذكره في بعض المغامرات التي قام بها الغزاة الفرس، وفي القرن السادس عشر وقد بدأ هذا المشهد بينما كنا نمر أسفل الصخور الملتوية التي تنحدر بشدة نحو البحر وشاهدنا بقايا بعض السفن المتخلفة عن الكوارث البحرية. وبعد ساعة بدأت تلوح على البعد منطقة "سيح المالح" مقصدنا الحالي.
ويصف برترام رحلته إلى بلاد بني علي فيقول: هنا تقع سويح آمالي المرتقبة المتجددة وهناك حصن طيني على الشاطئ الأصفر وحوله حوالي أربعين كوخا ومجموعة من أشجار النخيل وإلى الخلف تقع جبال الجالان وهي الإقليم الشرقي في شبه الجزيرة العربية وتقع سويح خلف صور، وخلف خور جرامة قليلا خلف تلك المنطقة التي تنعطف منها شبه الجزيرة العظيمة إلى الركن وحيث لم تعد شواطئها تستخدم مياه خليج عمان ومن الشاطئ يخرج أحد الأودية وهناك بعض السكان فيه يهرعون إلينا وتبعه آخرون.
ودقت الطبول عم الزحام يمنة ويسرة مع رقصات السيوف اللامعة في الشمس وارتفعت الزغاريد وسمعنا الغناء وطلقات بنادق رجال القبيلة، وذهبت إلى حيث كان الأمير يقف لاستقبالي أمام الحصن حيث كان الرقص بالخيل والجمال والغناء على عادة البدو القدامى وفي النهاية صاحوا "الله أكبر" ثم انطلقت طلقات مدفعين من القرن الثامن عشر للتحية وكان الحصن الذي يعيش فيه الأمير كبيرا جميلا وفريدا من نوعه وكان عليه مدفع وجسر حربي فوقه برجان وإلى أسفل وادي بطحة يوجد الجبل الأخضر الذي يرتفع إلى عشرة الاف قدم.
سالم بن محمد الغيلاني

أعلى





نثار المطر (3)


ـ ربك بابه مفتوح لكل عبيده . وما يحتاج واسطة أحد.
كان الرد الأقرب الذي قاله "الحاج علي" للقاعد في مجلسه.
نحن لا نعرف أنفسنا تماما، لا نعرف كيف بدأنا ومتى يمكن أن تنتهي؟ منذ الميلاد تسيطر علينا غشاوة تحجب عنا داخلنا، نشعر في وقت ما أننا نقفز إليها وأننا بشكل غير متوقع نسبرها، نعزلها يوما يوما ولحظة لحظة، ولكننا نعود في زمن لا نحدده لنعترف أن هنالك مجموعة من الطيات المخبوءة في أعماقنا والتي تحول بيننا وبين الوصول إلى جوهر ذواتنا، وفي لحظة الوهم التي نكون فيها الأقرب إلى شخوصنا نكتشف أننا نمسك بمتغير لا يهدأ، موجة بحر في يوم عاصف تتقلب من شكل لآخر من لون إلى لون لم نألفه حتى العلامات التي نؤمن أنها ترشدنا إلى طريق المعرفة تكون كاذبة ومبهمة.
دار ذلك التفكير في رأس "الحاج علي" وهو يحدق بين فينة وأخرى إلى الجالس أمامه، هيئته تذكره بقول "أم مويز"
ـ طوله مثل طول نص الليل في الشتاء.
كان يعرف أن "أم مويز" امرأة حاذقة وأن السنوات التي عاشتها عجنتها بقوة وقسوة حتى باتت تعرف من الأمور ما يخفى على الكثيرين هنا. اختبرها لأكثر من مرة وفي كل مرة عرف أنها لا تدعي ما تعرفه، هي تعرفه حقيقة ما ترويه كمن رآه بأم عينيه، كما عرف أن الأمر برمته منوط إلى الكلمة التي تخرج من بين شفاهها، الكلمة هي المنفذ الذي تبقيه مفتوحا أمام الجميع ليسمعوا ما تقوله ومن ثم يفهم ويفسر كل منهم ما سمعه حسب ما يريده ويدركه. مرة أتت هي إليه تركض بنشاط زائد لا يناسب عمرها، وعندما فتح لها باب بيته، بسطت أمامه إناء صغيرا به ماء أحمر، في ذلك اليوم لم يسألها ولم ترو له، بقيت النظرات محدقة إلى الماء، إلى أن رفعت إليه صوتها وقالت له:
ـ باكر يا حاج "علي" الماي راح يتكلم ويسمع كل الناس.
وعندما نظر بطرف عينه إلى الجالس أمامه أدرك أن قول "أم مويز" يصوره أطول مما يبدو عليه الآن، كان يعرف أن بنيته متينة وأن له كتفين عريضين، وأنه فوق ذلك وذلك جميل، "صبيحة" عبرت عن ذلك بصوت واضح في جلسة النساء الكبيرة وقد كن يناقشن الحريق الذي أكل الدكان وفي حينها بررت ما فعله:
ـ يمكن لأنه حلو، الرجل الحلو دايما في شي في راسه ما يفهم أي أحد.
جماله يظهر في عينيه، الجميع كان يشعر أن العمق في تلك العينين لا يعرف له قرار. في الوقت الذي تحدق فيه إليهما تشعر بانجذاب، بسحر لا متناه يذكرك بالحكايات القديمة، يغريك كموج البحر الذي يغازل قمرا مكتملا، فالبحارة القدماء كانوا يقولون إن نوعا من الجن يسكن الموج في تلك الليالي وحين يلامس الموج قدمي إنسان يخيل إليه أن البحر يدعوه بحب جارف، الدعوة تأتي من تيار المياه الدافئة التي تلامس قاع الأقدام المغموسة في الماء، يغريه بالتوغل أكثر في لجته، وعندما يحاول مغادرة الماء والعودة إلى الساحل يسمع أحيانا صوت طفل صغير يستنجد به، وأحيانا أخرى جسد فتاة جميلة ينزل في الماء فلا يبقى منه إلا الشعر الأسود الحرير مفروشا على صفحة البحر، يجمده الصوت، ينظر في كل اتجاه، يرى خيالا يغرق في البحر، وصوت الطفل لا يزال يرسل بكاء حزينا، وجسد الفتاة يترنم بأغنية فاتنة، يثيره ذلك العمق بينما الصوت يدعوه إلى حرث تراب البحر بقدمين رطبتين، السحر الذي يلقيه الجن، يحمل الإنسان إلى البحر، بحر لم يجربه إلا هؤلاء البشر الذين ساروا على وقع همس الموجات على أقدامهم، وفي وقت غير محسوب يكون الإنسان ملك لذلك النداء، وليس هنالك من قوة قادرة على رده، وعندما تشرق الشمس يجدون أثر ذلك الآدمي على الساحل وبجانبها أثار لمخلوقات لا يعرفونها وعندما يحركون الجسد الهامد يجدونه مغلفا بطبقة من الملح. في حكم القدماء يدفن الرجل بقرب الساحل لأنهم ظنوا أن روحه ستعود من لجة البحر وتتلبسه وفي كل ليلة يكتمل فيها القمر سيعود ليكرر ما فعله في تلك الليلة. وبعد دفنه ستسمع أصواتا كثيرة ومتداخلة.
ـ الرجل أخذه حاكم البحر.
ـ الرجل جسده وروحه عند الساحل بس عقله عند الجن.
ـ الله يحفظ عبيده من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد.
ـ حرمة البحر اللي تاخذه، تسجن كل رجل يعجبها.
في بعض السنوات كان النداء يأتي بأشكال مختلفة وفي مرات عديدة كاد الحاج "علي" أن يجزم أن العمق في عيني الجالس أمامه تمثله.
كان الجالس أمامه يراقب كل حركة تصدر في المكان، وبين لحظة وأخرى ينظر إلى الحاج "علي" بانتظار الكلمات التي تخرج من فمه، وعندما أعطاه الشيخ شق جسده الأيمن، خيل إليه انه سمعه يقول:
ـ خير بإذن ربك.
البشر يتغيرون، يولدون، يضحون، يبكون، يكثر الشيب في شعر رؤوسهم، تتقاذفهم مشاعر مختلفة، يموتون، تكثر صورهم وفي كل صورة، لا يشبهون من هو في الصورة الأخرى، وعندما يحملون إلى التراب تكون مجموعة الصور التي احتفظ بها الآخرون لهم مجرد سراب، أمر قابل للتغيير الانمحاء التام وفي أغلب الأحيان.
آخر مرة شاهد العنفوان في عينيه كان منذ شهر فقط، كان من يعملون معه قد حملوه على سريره ووضعوه خارج البيت، لسانه كان حيا ليأمرهم بكل ما جال في خاطره، مددوا الثور الأسود الكبير بمقربة منه، من حضر هنالك لاحظ تلك النظرات الطويلة التي مرت لدقائق بين "محمد بن سويد" والثور الذي كبل بالحبال وأجساد الرجال القوية وبقيت تلك النظرات مثارا للحديث المطول بين الناس لمدة طويلة، قال بعضهم انها رسالة غير مقروءة يرسلها لكل الكائنات من أنه قادر على تحقيق ما يريده ولو مات فيه سر الحركة وأصابه ذلك الوهن الغريب الذي جاءه دون مقدمات يحسب لها الحساب الدقيق الذي عود نفسه عليه، وقال آخرون إنه تصرف غير طبيعي صدر من رجل غير طبيعي ولم يملك في يوم إلا حس فعل الأشياء الغريب ليبقى متواجدا في الأحاديث المثارة في كل بيت وفي كل ناد، وحده "أبو حمد" أصر وبصوت غير خفي على القول:
ـ إن امرأة دخلت النار في قطة حبستها وأن رجلا دخل الجنة من كلب سقاه ماء في خفه، وأن رجلا من هذا الزمان سيدخل النار من دم ثور.
ولكن ذلك لم يستطع أن ينفي الحقيقة الكبيرة من أن "محمد بن سويد" وعندما رفع إصبعه ثم أنزلها بسرعة كان النصل يخترق طبقات اللحم المتدلية براحة مفرطة من رقبة الثور، إن خوارا متألما وصل ليسمع كل البيوت، من ثم يسكن في داخل الأذان دون تمحوه اللحظة الآنية بل يبقى كالرجع البعيد كلما سرد أحدهم ما حدث أو حاول أن يفسر تلك القوة العظيمة التي أضاءت متحركة بين الثور الممدد وجسد الرجل الذي عانوا منه طويلا قد ملأ المكان، فيما وصل الدم النافر إلى حافة الفراش وغطى وجه التراب، في وقتها قالت "صبحة" إن ذلك الرجل لا بد أنه كان قادرا في شبابه على معاشرة مائة امرأة دون أن يصيبه الوهن إذ إن رؤية الدم والتوهج الذي أصابه وكاد أن يحرق ما حوله دليل على مكامن الرجولة التي شعرت بآثارها من التلميحات التي خرجت من بيته بل وكانت تفوح بنسيج أحداث عرفت عن مغامراته السرية، وكادت البنات الصغيرات يعدن الرواية القديمة التي ارتبطت بنسب "محمد بن سويد" وكانت تغذي رؤوس الفتية والفتيات بأحلام اليقظة المحرمة من قبل الكبار الذي زجروهم لأكثر من مرة.
ومع ذلك كله لم يجرؤ أحد منهم على تحريك جسد الثور من مكانه أو أن يمر بجانبه، في كل يوم شعروا أن جسد الثور يذوي، يأكله الهواء أو التراب لا يعرفون، ولكنه كان يختفي، يمر "محمد بن سويد" عليه "فيجد أن الدم قد زال تماما ولم يبق إلا القيح والرائحة النتنة، فسروا ذلك لاحقا أنه فكر وقرر أن لا يعيش هذا الثور في البطون وثم يصرف في دورات الماء، أو أن يحس لمجرد الإحساس أنه نافع إلا ليأكله دودة الأرض، وأكدوا أنه لا ريب قد حدث نفسه من أن الزمان سيمد له فيمسك العظام الخاوية ومن ثم ينثرها في الهواء ويدقق النظر فيها، ويقول:
ـ موت، موت، أريد أحس إنك تموت كل يوم.
كان صمتا شعر به "الحاج علي" بأنه أقوى من كل الصراخ في العالم كله ، كان "محمد بن سويد" أول من رفع وجهه إلى سقف الغرفة التي ضمتهما، تحدث إلى اتساع الفراغ أمامه.
ـ ادعي يا "حاج علي" ، ادعيه، الله ما يردك.
البيوت كانت مشرعة الأبواب أمام ناظري "الحاج علي"، كلها فتحت دفعة واحدة عندما كان الطرق المتواصل على بابه لا ينقطع، وجه "الحاج علي" نظره إلى السجادة الحمراء التي افترشها وشاهد التناسق البديع للورود فيها وقال بتؤدة وهدوء:
ـ ربك بابه مفتوح لكل عبيده. وما يحتاج واسطة أحد.
في وقتها شعر أن بعض الأبواب أغلقت في رأسه، كان هذا هو الجواب الذي حضره منذ زمن، كان يشعر ويسمع أنه سيطرق بابه، ولم يحركه كثيرا أن يرى الاسوداد حول عينيه والارتجاف في العصا في يده، بينه وبين نفسه جزم أن لم يعد من يعرفه، ليس ذلك الرجل الذي جعل الأرض هنا تقفز على قدم واحدة، مرة أخرى سمعه يقول:
ـ أنت غير، زرت المكان الطاهر ووقفت على القبر، ادعي يا "حاج علي".
الدنيا ليست أختا لأحد، لا أحد يحمل الأيام والسنوات على كتفه ويسير مباهيا بها الآخرين، أنت تعرفها تفرش الأرض لك ورودا ولكنها تغرس شوكها في لحظة كنت تتوقع فيها أن تمد يد العون لك، قال الحاج علي تلك الأشياء وأكثر في نفسه وعندما زاد سكونه أكثر، شعر أن الجمرتين المطفئتين في عيني "محمد بن سويد" قد اتقدتا للحظة، حزم أمره وأعاد له جملته السابقة.
ـ ربك بابه مفتوح لكل عبيده. وما يحتاج واسطة أحد.
"سعيد المندوس" كان قد استشف المستقبل وكأنه يقرأ في ظاهر كف القدر، خرج من الصمت الذي ران عليه طويلا وقال والنار تحرق الدكان أمامه، مشيرا إلى "محمد بن سويد"
ـ الرجل يأكل نفسه.
بدا لهم وكأنه يلوك قطعة من قلبه، لم ينبس أحدهم ببنت شفة، بعضهم شبه نفسه بالنار الخامدة التي تحتاج إلى من يوقد فيها سر الاشتعال ، والبعض راح يراقب باهتمام زائد نتف الرماد، أما "محمد بن سويد" فأظهر لهم علامات الاحتقار، وكلم نفسه بكلمات وصلت إلى الأذان:
ـ ولاد حرام ...... ما في رجل منكم قادر يطفي النار.
وعندما اقترب "أبو حمد " من النار وهو يحمل ماء بين يديه، شهد الحضور أن "محمد بن سويد" كاد أن يسم احدى مقلتيه بجمرة من النار.
في ذلك الصباح نهض الحي على دخان غريب يأتيهم قريبا من البيت الكبير، وعندما هرعوا إلى المكان كل ومنهم يحمل دلاء من الماء، كان منظر النار رهيبا، صناديق الطعام الذي كانوا يرونها مخزنة بانتظام كانت تحترق بهدوء أمام حسرة مكتومة في قلوبهم، بينما هو "محمد بن سويد" ينظر إلى المكان بسكون غريب، وفي اللحظة التي سمع فيها همساتهم وحركاتهم الكثيرة واللغط المنتشر، رفع يده عاليا ومعها ارتفعت أكثر من عين، خافوا أن تنزل اليد فتنزل معها سكين تحز رقابهم كما حدث للثور، بقيت اليد معلقة، دائما كان يراوده ذلك الشعور ، الانتشاء من رؤية الأشياء أمامه وهي، تزول يأكلها ما أكل الدهر السابق، إحساس غريب بالقدرة على التفوق ورسم المصائر.
وعندما اجتمعوا همس "سعيد المندوس "
ـ لا تقرب وجهك منه تراه راح يعض عينك. ويطلعها من مكانها.


رحمة المغيزوي



أعلى





كتاب يوثق التجربة العمانية العريقة
"أملاك بيت المال".. إرث تاريخي ومعالم حضارية تميزت بها السلطنة إلى اليوم

ساعدت أملاك بيت المال على تحقيق الأمن الغذائي لعُمان عبر فترات التاريخ

عائدات بيت المال تؤول للمالية العامة للدولة أسوة بموارد الدخل الوطنية الأخرى

أموال بيت المال تختلف عن أموال الأوقاف من ناحية أصل التأسيس وصرف العائد

أبرز روافد بيت المال الغذائية والاقتصادية: مزارع القرنقل في زنجبار وبساتين النخيل والأسواق القديمة في عُمان

نشرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية مؤخراً كتاباً بعنوان "أملاك بيت المال في سلطنة عُمان التاريخ الإدارة التوثيق"، للباحث موسى بن خميس بن محمد البوسعيدي وذلك ضمن منشورات الوزارة في معرض الكتاب لهذا العام.
جاء الكتاب مسلطاً الضوء على أحد المعالم الحضارية والدينية وهي "أملاك بيت المال" التي تتميز بها السلطنة ببقائها إلى الوقت الحالي، والتي لها ارتباط اجتماعي واقتصادي منذ عصور تاريخية قديمة، واعتبارها أحد روافد التنمية المستدامة في تحقيق المنفعة العامة للمواطنين والدولة.
وجاء تولي وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لإدارة تلك الأموال بموجب صدور المرسوم السلطاني رقم (6/1999م) ، الذي جاء محدداً لاختصاصات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية واعتماد هيكلها التنظيمي من خلال وجود المديرية العامة للأوقاف وبيت المال ووجود (دائرة بيت المال) التي تعنى بالإشراف المباشر على تلك الأملاك ، بالإضافة إلى وجود قسم الوقف وبيت المال في مختلف الإدارات الإقليمية بمناطق السلطنة، هذا إلى كون تلك الأملاك تتصف بالمرجعية الدينية والتاريخية للسلطنة، وارتباطها بالنواحي الشرعية في كيفية إدارتها.
من جهته عدد موسى البوسعيدي الأسباب والأهداف التي دعته إلى تأليف هذا الكتاب من خلال مقدمة الكتاب التي جاء فيها: صدور الأوامر السامية لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بزراعة مليون نخلة تدار كوقف لبيت المال وفق خطة خمسية، وذلك خلال خطابه السامي الذي ألقاه جلالته حفظه الله في سيح المسرّات بولاية عبري عصر يوم السبت التاسع عشر من ذي القعدة عام 1430هـ الموافق السابع من يونيو عام 2009م ، وتأكيد أصداء الخطاب السامي بين الباحثين العمانيين بتأليف كتاب توثيقي لأملاك بيت المال التاريخية العمانية. وتشجيع جلالته لأبناء شعبه للحفاظ على التراث العماني، وأهمية ممارسة البحث العلمي. وتوثيق أملاك بيت المال في عُمان باعتبارها إرثاً تاريخياً واجتماعياً واقتصادياً، وفي ذلك من الأهمية في الحفاظ على هذا الإرث من الاندثار. وتسليط الضوء على مفهوم بيت المال ولمحات من تاريخ نشأته وتطوره في عُمان، ونظام إدارته والإشراف عليه، وذلك حتى نربط بين التاريخ والأصل والواقع، بالإضافة إلى بيان تفصيلي لحصر تلك الممتلكات وبيان للمرئيات المستقبلية بشأن أصول بيت المال. ومرجعية ونشأة بعض أملاك بيت المال في عُمان منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ووجود أملاك أخرى تعود إلى ما قبل الميلاد. واعتبار السلطنة أبرز الدول العربية التي حافظت على بقاء موروث بيت المال واستمرار عطائه حتى الوقت المعاصر. وأهمية بعض الأملاك بارتباط مواقعها ضمن المواقع العالمية للسلطنة المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي باليونسكو مثل سوق ولاية بهلا التابع لبيت المال في، الواقع ضمن واحة قلعة بهلا العالمية، وموقع مقابر بلدة بات الأثرية قبل الميلاد بولاية عبري. وبيان الفرق بين أملاك بيت المال التابعة للحكومة والدولة وبين أملاك الأوقاف التابعة لما أوقفت له، بالإضافة لكون كثيرا من تلك الأملاك غير معروفة بين أبناء المجتمع. وإعطاء صورة واضحة عن واقع طبيعة أملاك بيت المال في عُمان وتخليد ذكر مسمياتها ومواقعها الجغرافية في ولايات السلطنة، وذلك من خلال العرض الميداني في هذا الكتاب. وتخليد ذكرى الأعلام المشايخ الذي تولوا الإدارة والإشراف على بيت المال. وبيان الجانب الإداري لنظام بيت المال في عُمان قديماً وحديثاً. واعتبار أملاك بيت المال أحد روافـد التنمية المستدامة في تاريخ عُمان. والمساهمة من قبل الباحثين العمانيين في توثيق الموروثات التاريخية والدينية العمانية. واستقطاب وجذب القطاع السياحي والاستثماري من السلطنة وخارجها في سبيل تحقيق تطوير أملاك بيت المال بما يحقق تنميتها والمصلحة العامة للدولة.
وقد أوضح البوسعيدي في كتابه أهم المصطلحات المرتبطة بمفهوم (بيت المال) حيث قال: مصطلح بيت المال أو الديـوان: هو تعبير إسلامي واسم لكل مال استحقه المسلمون ولم يتعين ماله منهم، فهو من حقوق بيت المال. ومعناه أعم وأشمل من معنى الصافية أو الصوافي. ويشتمل بيت المال على سائر أملاك الدولة من عقارات ومنقولات.
وبيت المال هو ملك عام للمسلمين تعود عليهم منفعته مع بقاء أصله موقوفاً عن التصرف فيه، إلا إذا اقتضت المصلحة العامة وفق الرأي الشرعي وموافقة ولي الأمـر بذلك.
وجاء أقدم ذكر للفظ مصطلح (بيت المال) في التاريخ العماني عند ذكر سيرة الإمام (غسان بن عبدالله اليحمدي) ، الذي كانت فترة عهده في خلال الأعوام (192هـ ـ 207هـ) ، وخصبت عُمان في عهده خصباً كثيراً .
ويرجع مصطلح (بيت المال أو الديوان) إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لتوسع رقعة الإسلام بفعل الفتوحات في البلدان، وكثرة الغنائم، وما كان لها من دور إيجابي في تطوير وازدهار الدولة الإسلامية.
حيث رُوي أن أبا هريرة، قدِم من (البحرين) التي كان يسكنها الفرس المجوس فصالحهم على قبول دفع الجزية لدولة الإسلام، قال له عمر بم جئت؟ قال جئت بخمسمائة ألف... وفي الصباح قام عمر رضي الله عنه خطيباً في الناس فقال: أيها الناس قد جاءنا مال كثير فإن شئتم كِلنا لكم كيلا وإن شئتم عددنا لكم عداً، فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين دوّن للناس دواوين يعطون منها.
وتذكر روايات أخرى أن (الهرمزان الفارسي) هو الذي أشار على عمر بذلك ، حيث كان حاضراً عنده يرسل بعثاً ، فقال له الهرمزان: كيف تعرف من يتخلف منهم؟ فسأله عمر عن (الديوان) حتى فسره لهم.
فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتأسيس عدة دواوين في الخلافة الإسلامية، وكان من بينها ديوان بيت المال ، حيث سُمّيت الأملاك العامة للدولة الإسلامية التي بيد خليفة المسلمين بـ(ديوان بيت المال) ، وبذلك يعتبر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول من أسس نظام بيت المال والذي يعرف اليوم بـ (خزينة الدولة أو ديوان الدولة).
مصطلح (الصوافي ):
الصوافي جمع (صافية). جاء في(لسان العرب): الصوافي الأملاك والأرض التي جَلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها، واحدتها صافية، ومنها ما روي في حديث علي والعباس رضي الله عنهما أنهما دخلا على عمر رضي الله عنه، وهما يختصمان في (الصوافي) التي أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير، ومنه قيل التي يستخلصها السلطان لخاصته.
وقيل الصوافي: هي الأموال التي كانت لقوم من أهل الكتاب فأبوا الدخول في الإسلام وامتنعوا عن دفع الجزية، كما حدث في بداية إسلام أهل عُمان في قتالهم ضد الفُرس، فغنم العمانيون أملاكهم. وقيل الصوافي: الفيء الذي أخذه المسلمون من أعدائهم صلحاً بدون قتال، وقيل الصوافي: التي وُجدت في يد السلطان وأخذها السلطان الذي بعده. وقيل: (الصوافي) هي الأصول من الأراضي التي غنمها المسلمون من المشركين فجعلوها في بيت المال.
والصوافي قسمتها كما قال الله تعالى: ٍ(ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دُولة بين الأغنياء منكم ).
يقول العلامة السالمي في كتابه (جوهر النظام):
ثم مِنَ الأمانةِ الصوافي... لأنها في الحكم كالأوقافِ
وأنها في زمن الإمام ... فأمرها إليه بالتمامِ
ليس لغيره بها تصرف... إلا بإذنه كما يُعرفُ
تنفذ في مصالح الإسلام ... وعزّه بنظر الإمامِ
وأول صوافٍ (شرعية) جاء ذكرها في التاريخ العماني تلك التي غنمها العمانيون بعد طرد الفُرس من عُمان في عهد الملكين (عبد وجيفر) ابني الجلندى، بعد دخولهما وأهل عُمان في الإسلام استجابة لدعوة النبي عندما أرسل رسالته المشهورة عن طريق مبعوثه عمرو بن العاص إلى ملكي عُمان ، وكان أول عمل قام به العمانيون دعوة الفرس المقيمين على أجزاء من عُمان الى الديانة المجوسية للدخول في الإسلام، وبسبب رفضهم قام العمانيون بمقاتلتهم حتى أخرجوهم بالقوة وغنموا ديارهم وأملاكهم في صحار التي كانت تسمى (دستجرد).
كما تطلق (الصوافي) على القطع الزراعية الصغيرة المجاورة لأملاك الأهالي، والتي آلت لبيت المال بحكم شرعي بسبب نزاع قبلي أو جهالة أصل صاحبها أو أوصي بها لبيت المال، وذلك كالصوافي التي في وادي الحلتي بولاية صحار.
مصطلح (تغريق الأموال):
وهو مصطلح فقهي عُماني معناه المصادرة أو التأميم، وهو بلغة العصر: استرداد ملكية للمصلحة العامة، نتيجة تجمع ثرواث لدى حكام أو أمراء أو ولاة سابقين من الرعية بسبب ممارسات ظالمة أو إدارة سيئة في أخذها وصرفها ، فإن الحكم الشرعي بشأن تلك الأملاك يقتضي نزع ملكيتها وانتقالها لدى أمانة الدولة تحت مسمى (بيت المال).
وأصل مشروعية ذلك ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ولديه (عبدالله وعبيدالله) عندما صادر نصف ما ربحاه من عملية المضاربة من أموال ولاية البصرة، فأمر بجعل ذلك لبيت المال. وكذلك ما فعله خليفة المسلمين عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه الذي صادر الأملاك والمظالم من بني أمية وولاتهم فأعادها إلى بيت مال المسلمين. ومن أمثلة ذلك في التاريخ العماني الأملاك التي اُعتبرت من أموال المظالم لعدم معرفة أصحابها خلال فترة حُكم (النباهنة)، والتي حكم فيها الإمام عمر بن الخطاب الخروصي المتوفي عام (894 هـ) خلال فترة النباهنة الأولى.
وتم تحرير وثيقة حكم قضائية تاريخية وذلك في 7 من جمادى الأولى سنة (887هـ) ، وصادق عليها الإمام، وسار على نهجها الأئمة وكافة القضاة الذين جاءوا من بعده. وتوجد تلك الأملاك في ولاية نزوى والبلدان التابعة لها مثل بركة الموز والجبل الأخضر وتنوف.

مصطلح (التأميم):
ويُقصد به جعل شيء ما لمصلحة الأمة وليس لفرد معين، ويكون تحت إشراف الدولة كقطاع عام من ضمن أملاك الحكومة والتي منها (أملاك بيت المال)، وذلك كالأموال الموجودة في ولايات السلطنة (بدبد ونزوى وبهلا والرستاق وصحار وعبري وينقل وضنك) التي يتم تحويل عائدات تأجير الأراضي وطناء ثمار النخيل سنوياً إلى وزارة المالية، أسوة بموارد الدخل الوطنية الأخرى للدولة.

تاريخ نشأة بيت المال في عُمان

ومما يجدر ذكره في هذا المقام العمق التاريخي لنشأة بيت المال في عُمان، الذي يرجع إلى ما قبل الإسلام، واستمرارية وجود هذا الموروث إلى العصر الإسلامي والعصور اللاحقة لتاريخ عُمان، وبقاء هذا الإرث الحضاري الرائد إلى العصر الحديث المعاصر، بعدما انطمست معالمه في كثير من الدول العربية.
فعُمان عبر فترات تاريخها العريق قد حكمها العمانيون من خلال ست دول وهي: دولة مالك بن فهم الأزدي العماني، ودولة آل الجلندى، ودولة اليحمد ومنهم الأئمة من قبيلة بني خروص، ودولة النباهنة، ودولة اليعاربة، ثم دولة البوسعيد.
ويرجع ارتباط تاريخ وجود أملاك بيت المال في عُمان إلى القرن الثاني الميلادي عندما هاجر القائد العربي (مالك بن فهم الأزدي العماني)، من جنوب الجزيرة العربية في عام (130م) بسبب انهيار سد مأرب، حيث كان يحكم بلاد اليمن وقتذاك الملك الفارسي (أكران) خلال الفترة (120م ـ 140م) ، فاستقر (مالك بن فهم) في منطقة (قلهات) بشرقية عُمان، ثم تبعته جماعات وأفخاذ قبائل الأزد العمانية، وكان يحكم عُمان الوجود الفارسي في عهد ملك فارس (قورش)، فاستطاع (مالك بن فهم) تكوين جيش كبير في منطقة (سلوت) التاريخية، تمكّن من خلاله من إخراج الفُرس من عُمان، وسيطر على أملاكهم وأموالهم في مناطق (سلّوت وبسيا ووادي قريات) التابعة لمدينة بهلا بداخلية عُمان.
ثم مجيء فترة وجود الفُرس الساسانيين زمن الملك (دارا بن دارا) الذين سمّوا عُمان باسم مزون، واتخذوا من مدينة صُحار بشمال عُمان مقراً لهم بقيادة قائدهم (المرزبان)، وكانت لهم مهادنة مع ملوك عُمان زمن (آل الجلندى).
وبعد وصول الإسلام إلى عُمان بإسلام الصحابي مازن بن غضوبة أمام الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة التاريخية المشهورة التي بعث بها الرسول الكريم إلى ملكي عُمان وقتذاك (جيفر وعبد ابني الجلندى) اللذين خاطبهما النبي الكريم بمُلك عُمان، فأسلما طوعاً ودخل أهل عُمان في الإسلام، وطلبوا من الفُرس الدخول في الإسلام أو الخروج من عُمان، فأبوا الدخول في الإسلام، فقام العمانيون بمعارك قتالية ضد الفُرس أدت إلى استسلام الفرس وإبرام معاهدة صلح لمدة عام واحد ، ليتمكن الفُرس من نقل أهليهم إلى فارس ، وصارت الأملاك العقارية التي كانت بيد الفرس مُلكاً لبيت المال بالدولة العمانية ، وهي المسماة بـ (الصوافي).
كما يرجع تاريخ أملاك بيت المال في عُمان إلى عهد دولة النباهنة منذ القرن (السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي) التي تخللتها فترات حُكم بعض الأئمة، الذين حكموا بتفريق أملاك النباهنة لصالح المسلمين.
وفي عصر الأئمة بعُمان ازداد التوسع في خزانة بيت المال في الدولة العمانية من ذلك ما ذكره التاريخ خلال فترة عهد الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي (192هـ ـ 207هـ) ، الذي خصبت عُمان في عهده خصباً كثيراً ، وازدهرت التجارة البحرية والأسواق العمانية القديمة المشهورة في التاريخ ، ومن أبرزها سوق صحار الذي نشطت فيه حركة الواردات من السفن والبضائع القادمة من الخارج، حيث زار الإمام غسان (صحار) سنة (201هـ) ومكث بها ست سنوات، ورجع منها إلى (نزوى) سنة (206هـ) ، وخلال مكوثه بصحار قام بمحاربة القراصنة وقطاع الطرق البحرية، الذين يتعرضون لسلب السفن العمانية في الخليج. واجتمع مرة بجماعة من أهل رعيته، فسألهم عمن يقدم من بلاد الهند بتجارة، كيف آخذ منه الزكاة؟ فقالوا إذا وصل عُمان وباع متاعه فخذ منه الزكاة من حينه، وإن لم يبع متاعه حتى حال عليه الحول يقوّم متاعه كما يباع، ثم يؤخذ منه الزكاة سنة واحدة، وأما من يقدم من البصرة وسيراف بمتاع فلا يؤخذ منه الزكاة حتى يحول عليه الحول، وإذا حال عليه الحول أخذت منه باع أو لم يبع.
وفي عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي في القرن الثالث الهجري ظهرت موارد أخرى لبيت المال، وهو المال المجهول الذي انقرض أصحابه، ولم يعرف لهم وارث، فصار أمانة في بيت مال المسلمين، ثم حكم به الأئمة والقضاة بأن يؤول لبيت المال.
حيث ذكر في التاريخ العماني حدوث الأنواء المناخية في عُمان في ليلة الأحد الثالث من شهر جمادى الأولى من عام (251 هـ) ، واجتياح الأمطار والأودية لولايات سمائل وبدبد بداخلية عُمان ، و دِمَا (السيب حاليا) ، وصحار (جهة وادي الصلان بساحل الباطنة) ، فاطمست معالم (بدبد) ولم تعرف الأملاك فيها ، وحملت السيول أهلها ولم يبق منهم أحد ، وانقرض أهلها ولم يعرف لهم وارث، وصارت أمانة في بيت مال المسلمين.
وعند مجيء عصر دولة الأئمة اليعاربة في عُمان منذ القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي ، توسعت روافد بيت المال في عُمان، بسبب كثرة الحروب التي خاضها العمانيون ضد الفرس والبرتغال ، من ذلك أن الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي بنى قلعة نزوى العتيدة من غنائم معركة (ديو) البحرية ضد البرتغالين في السواحل الهندية وذلك عام 1081هـ/1670م.
بالإضافة إلى الحروب التي خاضها الإمام سيف بن سلطان اليعربي الملقب بقيد الأرض، ضد الفرس والبرتغال في السواحل الهندية وسواحل شرق أفريقيا، التي عادت غنائمها بعائد وفير على الخزينة (بيت المال) في الدولة العمانية. من ذلك حملته البحرية التي قادها بنفسه في عام (1071هـ / 1660م) ، لتحرير مدينة (ممباسا) بشرق أفريقيا من النصارى المستعمرين للقلعة.
وذكر عنه العلامة السالمي في تحفة الأعيان: أن الأفلاج التي حفرها بعُمان سبعة عشر فلجاً، وغرس في بلاد بركا بالباطنة ثلاثين ألف نخلة مبسلي، وستة آلاف من النارجيل، وله غير ذلك في بلاد المصنعة بالباطنة، وملك عدد أربعة وعشرين مركبا أشهرها الملك والفلك والناصري والوافي، ويبلغ عدد المدافع في أحدها ثمانين مدفعاً. وكذلك قيامه في منتصف يناير 1695م بالهجوم على آخر مقر للبرتغال في عهده، بـمياه الخليج وهو (ميناء بندر كونج) بالقرب من هرمز ، فدمّره وتمت مصادرة كافة الغنائم.
وفي عصر دولة البوسعيد منذ القرن (الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي، شهدت توسعاً في الفتوحات العمانية، وتم إخضاع أجزاء واسعة من آسيا وأفريقيا والخليج تحت السيطرة العمانية، حيث آلت للدولة العمانية كثير من الغنائم والأملاك من انتصاراتهم الباسلة ضد الفرس والبرتغال.
من ذلك الأعمال الجليلة التي قام بها الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، مؤسس دولة البوسعيد: بتحرير البصرة من الفُرس والحصول على خراج سنوي: حينما استنجد به (سليمان آغا باشا) والي الدولة العثمانية عام (1170هـ/1756م) ، عندما قام الفرس بمحاصرة البصرة حصاراً شديداً ، ونصبوا سلسلة حديدية ضخمة على الشط البحري لمنع دخول السفن، فجهّز (الإمام أحمد بن سعيد) عشرة آلاف رجل بقيادة ابنه (هلال) على (34) مركباً في مقدمتها السفينة الرحماني التي استطاعت قطع السلسلة الحديدية، وتمكّنوا من الفتك بالفُرس وطرد الباقي من البصرة، وعادت سفن الإمام إلى (مسقط) ، وعندما علم السلطان العثماني مصطفى الثالث باشا، سرّه صنيع العمانيين وما فعلوه بالفرس ، فأمر السلطان العثماني لواليه بالبصرة بدفع (الخراج) السنوي إلى دولة الإمام أحمد بن سعيد من خزانة البصرة، كمكافأة على مساعدته القيّمة ، واستمر هذا الخراج السنوي حتى عهد حفيده السيد سعيد بن سلطان الذي حكم عُمان وشرق أفريقيا. وتأمين الاقتصاد الداخلي للبلاد: وذلك عام (1189هـ/1775م) ، حيث قام بمحاربة قراصنة الطريق البحري في مانجالور بساحل الهند، الذين تسببوا في قطع الأرز عن عُمان، فأرسل إليهم الإمام أحمد بن سعيد قائده (الحارثي) على متن السفينة الرحماني، فاستطاع هزيمتهم وقتل قائدهم، وبذلك استطاع تأمين الوضع الاقتصادي لعُمان في تلك الناحية من العالم، فلما وصل الخبر الحاكم (سلطان بن حيدر علي) وكان يسمى سلطان النواب في (دلهي) بالهند، سُرّ بما حدث ، وبعث الهدايا مع القائد (الحارثي) إلى أحمد بن سعيد ، وطلب من الإمام أن يسمح له ببناء بيت يسمى بيت النواب في مسقط ، فأجابه الإمام إلى ذلك ، وعاهده بأن يمد الإمام بالمال والرجال. وتأمين التبادل التجاري والاقتصادي الخارجي لعُمان: في زنجبار وكلوة بشرق أفريقيا، وأن يؤمّن الدخل الاقتصادي منهما إلى عُمان، حيث خصص أربع سفن حربية وعدداً من السفن الصغيرة ، يستخدمها وقت السلم لنقل البضائع من وإلى عُمان وزنجبار وكلوه.
وفي فترة عهد السيد سعيد بن سلطان (مؤسس الإمبراطورية العمانية الأفريقية) تنامت موارد خزانة بيت المال ، حيث جعل التأمين الاقتصادي لخزانة الدولة السبب الرئيسي في توسيع النفوذ العماني في شرق أفريقيا بعد تعذره على أرض عُمان بسبب جغرافية الأرض والمناخ ، لدرجة أنه نقل ديوان الدولة من العاصمة (مسقط) إلى العاصمة (زنجبار) بشرق أفريقيا.
ومن أبرز أعماله لتغذية خزانة بيت المال للدولة: أمره بزراعة شجرة القرنفل وتوسيع نطاق زراعتها في كافة مناطق زنجبار، وقد وجد السيد سعيد معارضة من الرأي العام من قبل العرب والأوروبيين المقيمين في زنجبار، ونصحوه بزراعة قصب السكر، بدلا من القرنفل، ولكن طموح وعزيمة السيد سعيد كانت فوق كل اعتبار، فأصدر مرسوما لكافة رعاياه المزارعين يقضي بإلزام كل مزارع بزراعة ثلاث شجرات من القرنفل، مقابل كل شجرة جوز الهند، ومن يخالف تتم معاقبته، فجعلها الحرفة الزراعية الأولى، حيث أدرك الأهمية الاقتصادية لهذه الشجرة ونشاط تجارة التوابل في العالم، وأهمية وجود مورد وثروة اقتصادية تساعده على تحمّل أعباء الحُكم في عُمان وزنجبار، وما يتبع ذلك من حماية وقوة للنفوذ والسيادة، إلى جانب ضرورة تكوين ثروة تجارية واقتصادية لنفسه ولشعبه ، وفعلاً تحقق (للسيد سعيد) ذلك الإدراك لثروة القرنفل الاقتصادية، حتى أصبحت تنتج (90%) من الإنتاج العالمي في أواخر حكم السيد برغش بن سعيد سلطان زنجبار (1870م ـ 1888م) ، وبقيت تلك الشجرة إحدى المآثر المسجلة باسم السلطان سعيد في شرق أفريقيا.
كما أوضح البوسعيدي في كتابه: أن هناك من يخلط بين مفهوم الوقف ومفهوم بيت المال أو مفهوم الوصية، فأموال بيت المال تختلف عن أموال الأوقاف من ناحية أصلها وصرفها، من ذلك أن بيت المال يرجع أصله ما غنمه المسلمون إبان حروبهم على العدو، وإما أنه تغريق (تأميم) لأموال المظالم، أو أنه راجع من أموال الدولة الإسلامية في عهد الأئمة السابقين. فهي من أملاك الدولة والحكومة وتعود محصلات التأجير للأراضي أو طناء النخيل إلى المالية العامة للدولة أسوة بموارد الدخل الوطنية الأخرى.
أما الأوقاف فهي ما يتبرع به الواقف لجهة محددة كوقف المسجد أو وقف الفقراء مثلا ويكون عائد ذلك لجهة الوقف المحددة فقط.
أما الوصية تتميز الوصية بكونها واجبة بالنسبة للأقربين من غير الورثة.
ومما يتميز به الباحث (البوسعيدي) في كتابه هو الاستعراض الميداني الموضح بالصور للأملاك والعقارات التابعة لبيت المال وذكر أمثلة كثيرة منها في مختلف ولايات السلطنة وذكر مسمياتها التاريخية، وذكر أهم المشائخ الأعلام الذين تولوا الإشراف عليها وإدارتها زمن الأئمة. ووجود تلك الأملاك باقية إلى اليوم شاهدة للعيان كمثل مزارع وضواحي وبساتين النخيل وخاصة في ولاية نزوى وبهلا والرستاق وبدبد وفي وادي الحلتي ووادي حيبي بولاية صحار، وادي فدى بولاية ضنك، بالإضافة إلى الأراضي الزراعية والسكنية المؤجرة للمواطنين، والأراضي الفضاء ذات المساحات الشاسعة في منطقة البزيلي والأسود ووادي خوس ووادي العمد بولاية ضنك، وأراضي الغبي وبات في ولاية عبري، وأراضي سوق الإمام بولاية الكامل والوافي، وأراض سيح الهند (تيمه) بولاية صور، وأراضي وادي قريات بولاية بهلا، وأراضي البويردة والراكبي والروضة وغيرها بولاية ينقل.

* موسى البوسعيدي

أعلى




الحضارة كعنوان للإنسانية جمعاء
العقل والتفكير إنجازان حضاريان أسوة بغيرهما من الإنجازات
الحضارة التي هي خلاصة المكتسبات والانجازات الانسانية تختلف بإختلاف المراحل التاريخية
الثقافة القومية تستطيع في وقت من الأوقات أن تبلغ القمة فتصبح هي والحضارة صنوين ومن هنا يمكن أن نتحدث عن الحضارة الإغريقية والعربية والغربية الحديثة دون أن ننفي أياً من صفتي الشمولية والخصوصية

يتناول البحث في الحضارة، الحديث عن الإنجازات التي حققها الإنسان عبر ملايين السنين، وأهمها التطورات التي لحقت بالإنسان نفسه، سواء على صعيد جسم الإنسان أو على صعيد وعي الإنسان لنفسه والعالم الذي يعيش فيه. فمن جهة، يتناول البحث في الحضارة الحديث غزو الإنسان للفضاء وتفتيته للذرة ومجمل المكتشفات العلمية والتكنولوجية، ومن جهة، يتناول إنجازات الإنسان الفنية والجمالية ونظرة الإنسان إلى نفسه وطريقة تعامله مع الآخرين وقيمه ومثله الجديدة ونمط تفكيره وتطور عقله إضافة إلى انتصارات الإنسان الباهرة وهزائمه النكراء.
وقد يبدو للوهلة الأولى أنه من الصعب تناول موضوع الحضارة في صفحات قليلة إلا بطريقة سطحية. وهذا صحيح إذا كان حديثنا سيتناول كل الانجازات الإنسانية التي تتشكل من مجموعها الحضارة، فعندئذٍ تصبح المهمة عسيرة حقاً، بل ومستحيلة أيضاً. إلا أننا لا ننوي تناول كل الانجازات الإنسانية، ولا حتى الانجازات الرئيسية، بل سنتحدث عن الحضارة باعتبارها إنجازا إنسانيا.
وقد يستغرب البعض من أن مصطلح حضارة لم يظهر في الغرب إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر مع أن الحضارة هي ما يميز الإنسان عن الحيوان، إلا أن الإنسان الذي كان ومازال في معترك الحضارة لا يستطيع أن يضع نفسه بسهولة خارج هذه الحضارة ليصفها ويتحدث عنها دون الدخول في تفاصيل هذا الجانب أو ذاك. وهذا ما فعله ابن خلدون عندما حاول الخوض في موضوع الحضارة فتناول جانباً واحداً من جوانب الحضارة وهو العمران. أحد فروع الاجتماع الانساني. وسبب صعوبة البحث في الحضارة أننا متمنطقون بالمنجزات الحضارية منذ طفولتنا، نأخذ هذه المنجزات على أنها أمور مفروغ منها. إننا قريبون منها لدرجة أننا لا نستطيع أن نقف خارجها لنتحدث عن الحضارة ككل، كإنجاز إنساني، إلا عندما نمتلك درجة عالية من التجريد وعندما تتوافر الشروط العلمية التي تمكننا من القيام بهذه المهمة.
وإذا كانت اللغة هي أحد الانجازات الإنسانية الكبرى فهي بمثابة محطة كبرى من المحطات الرئيسية في تاريخ الحضارة الإنسانية، إلا أن الإنجاز الأهم هو العقل الإنساني نفسه وهو الذي يرتبط باللغة ارتباطاً جدلياً، فلقد تطور هذا العقل بتطور اللغة التي كانت دائماً عامل إغناء للعقل، كما أن العقل بدوره كان يساهم بتطور اللغة، ومن هنا قولنا إن العلاقة بين الانين هي علاقة جدلية دون أن يكون أحدهما أسبق من الآخر. كلاهما إنجاز إنساني يتوقف على الآخر. ومما لا شك فيه أن الإنسان قد عرف اللغة منذ زمن بعيد، إلا أن اللغات الأولى قد اندثرت لأن اللغة التي لا تسجل تضيع وتختفي. وعندما استطاع الإنسان تسجيل رموزه الكلامية لأول مرة قبل ستة آلاف سنة، كان العقل قد تطور تطوراً كبيراً عبر آلاف السنين حتى أنه أصبح من الصعب تصور الإنسان الأول دون هذا الإنجاز الرئيسي الذي أصبح عنوان الإنسانية.
فالعقل والتفكير كاللغة إنجازات حضارية، إذا لم نقل أن العقل والتفكير هما اللغة نفسها، إنها ابتكارات إنسانية جاءت حصيلة التعلم بمعناه الواسع جداً والذي يبدأ بتلك الخطوة الأولى وهي وضع رمز صوتي لشيء ما ثم نقل هذا الرمز إلى أفراد آخرين. وعندما ندرك اليوم هذه الحقيقة يتغير مفهومنا للحضارة ولمجمل التطور الإنساني. فإذا كنا نميل إلى الظن أن الحضارة هي المكتشفات العلمية والمخترعات والمبتكرات والكتب والمؤلفات والفنون والمدن الكبيرة والطرقات ووسائل الاتصال والطائرات والصواريخ والأفكار الفلسفية وغير ذلك، وأن هذه كلها حصيلة العقل الذي يتميز به الإنسان عن غيره من الكائنات الحيّة، وهذا كله صحيح، إلا أن الصورة لا تكتمل إلا إذا ذكرنا أن العقل والتفكير هما إنجازان حضاريان أسوة بغيرهما من الإنجازات، فهذا وحده كفيل بأن يقدم تصوراً واسعاً وعميقاً للحضارة على ضوء علم العصر الذي نعيش فيه.
وإذا كان فلاسفة العصور الوسطى كابن سينا مثلاً، بل فلاسفة العصور الحديثة كديكارت، يعتقدون أن العقل هو قوة أو ملكة من شأنها أن تعقل وتفكر، أو أنه ذلك الجزء الأسمى من النفس وأنه خالد أبدي، وأنه قادر على الإدراك والاستنباط والاستنتاج بدون العودة إلى الحواس أو إلى العالم الخارجي، وأنه يستطيع حتى بدون أي ضرب من ضروب التعليم أن يصل إلى النتائج نفسها التي نصل إليها عن طريق التعليم كما ظن ابن طفيل مثلاً، وأن عقل الإنسان هو هو في كل زمان ومكان. فإن هذا النمط من التفكير لا يصمد أمام الحقائق والتجارب العلمية الحديثة ولم يعد له إلا قيمة تاريخية تعليمية تساعدنا على معرفة التطورات والمراحل التي مر بها التفكير والعقل الإنسانيان. بل أن مواقف الفلاسفة منذ أفلاطون وحتى توماس ريد، وجون ستيوارت مل وغيرهما تثبت لنا كيف يصبح الإنسان أسير أفكار عصره فلا يستطيع أن يرى الأشياء إلا من خلال منظار ضيق خاص وكيف كان هذا ينعكس دائماً على مفهومه للحضارة ورؤيته لها.
في مسيّرة التطور الإنساني الطويلة نجد أن الإنسان يوجد ظروفاً أو شروطاً جديدة ثم يسجن نفسه في هذه الظروف أو البيئة الجديدة ولمدة طويلة من الزمن قبل أن يخرج نفسه منها إلى ظروف معدلة وفق منطق الجدل. ولم يدرك الإنسان أن البيئة التي هي مجموع الظروف والشروط الثقافية والحضارية الزمانية والمكانية التي تتحكم به هي من صنع الإنسان نفسه وأنه يستطيع التحكم بها.
ولعل روبرت أوين Robert Owen هو أول من تنبه إلى حقيقة أن البيئة التي تحدد خصائص الإنسان هي من صنع الإٍنسان نفسه. وليس أدل على صحة هذه الحقيقة من أننا نستطيع تغيير البيئة إذا غيرنا الإنسان الذي يعيش فيها. إن نظرة سريعة إلى عالمنا اليوم تثبت صحة هذا القول، فنحن نعيش في عالم واحد ومع ذلك نجد تباعداً واسعاً بين أفراد الإنسان في الأماكن والمجتمعات المختلفة من عالمنا هذا.
فالقبائل الرحل في منغوليا أو أندونيسيا أو غيرهما هي نتاج البيئة التي تعيش فيها تماما كما أن الارستقراطي البريطاني هو نتاج بيئته. هذه حقيقة مهمة، إلا أن الأهم من هذه الحقيقة حقيقة أخرى وهي أننا إذا بدلنا بيئة الإنجليزي ببيئة المنغولي منذ الولادة لوجدنا أن شخصية الأول تصبح هي شخصية الثاني، وبالعكس.
لم يدرك الإنسان هذه الحقيقة المهمة إدراكاً واضحاً إلا في العصور الحديثة على ضوء الدراسات النفسية السلوكية المستجدة، وكان من الطبيعي أن يكون لهذا أثره على فهمنا للحضارة. فإذا كان الإنسان في تفاعل جدلي مع البيئة، كان الإنسان أكثر تطوراً إذا تطورت البيئة، وكانت البيئة أكثر تطوراً إذا تطور الإنسان. ولعل التعليم بمعناه الواسع هو وسيلة الإنسان الأولى لتطوير نفسه وبيئته.
وإذا كانت أكثر تعريفات الحضارة تشير إلى أنها انتقال من الحالة البربرية للإنسان إلى حالة أكثر رقيّاً وتقدماً، كما إنها انتقال من البداوة إلى التحضر ومن القرية إلى المدينة، إ أن هذه التعريفات تقابل مرحلة متأخرة من مراحل الحضارة بمرحلة سابقة ولا تتناول الحضارة ككل باعتبارها مجموع الإنجازات والمكتسبات الإنسانية منذ كان الإنسان وحتى اليوم. ونحن نستطيع أن نفهم الحضارة بمعناها الأوسع والأعمق عندما نكف عن مقابلة مرحلة الحضر بمرحلة البدو، أو مرحلة الآلة البخارية بمرحلة الآلة اليدوية، أو حتى عصر البخار بالعصر الحجري. وعندما ننظر إلى الحضارة على أنها الإنسانية مقابل الحيوانية، أو بتعبير أوضح عندما نقابل إرث الإنسان الحضاري بإرثه الحيواني. فالإنسان المعاصر ما زال يحمل الكثير من تاريخه الحيواني الطويل، فهو يشترك مع الحيوان في كثير من الصفات، الطعام والشراب والنوم والتنفس والدورة الدموية والتناسل والغرائز وغيرها. والإنسان يرث هذا كله سواء كان متحضراً أو لم يكن، إلا أنه لا يرث اللغة والمعتقدات والفنون والآداب وكل إنجازات الإنسان العقلية إلا بالمعنى الواسع لكلمة وراثة أي بالمعنى البيولوجي، فالإنسان يولد بلا حضارة وهو يكتسب الحضارة ويتعلمها ممن حوله.
والحضارة على هذا، قضية نسبية، فالحضارة التي هي خلاصة المكتسبات والانجازات الانسانية تختلف باختلاف المراحل التاريخية، فقد كان الاتفاق على بعض الرموز الصوتية قمة أو خلاصة الانجازات الإنسانية في مرحلة من المراحل كما كان وضع رموز مكتوبة للكلمات التي يتفوه بها الإنسان خلاصة الانجازات الإنسانية في مرحلة تاريخية أخرى وهكذا...
ومن جهة ثانية، فإنه لا يوجد شعب من الشعوب بلا نصيب ما من الحضارة. إلا أن وصف هذا الشعب بأنه متحضر أم غير متحضر أو بتعبير أصح متقدم أم متخلف يتوقف على مدى قربه أو بعده من الشريحة العليا من شرائح الثقافة أو الحضارة. وكم نحن بحاجة الآن إلى نقل نظرية أينشتين في النسبية في ميدان الفيزياء والفلك إلى ميدان الثقافة والحضارة حتى نتمكن من استيعاب هذا المفهوم النسبي المتطور في علاقته بهذا المتحول أوذاك.
لم يملك الإنسان الأول أي تصور مستقبلي، لأنه لم يكن يملك الأداة التي يستطيع أن يتصور بها ما يمكن أن يؤول أمره إليه. ولا شك أن مئات الآلاف من السنوات قد مضت دون أن تتقدم الإنسانية سوى خطوة صغيرة واحدة هنا وهناك.. كما أن آلاف المئات من السنوات قد ضاعت وضاعت معها بعض المكتسبات بفعل بعض العوامل البيئية أو بعض الأحداث الطبيعية. ونحن نمتلك اليوم الأدلة الكافية على أن سلالات كاملة من أبناء جدود الإنسان قد انقرضت دون أن تخلف وراءها أي شيء يذكر، وإن سلالات كاملة من أجداد الإنسان قد ولّت ولم تترك إلا القليل الذي يكاد لا يذكر. ولكن عندما بدأ الإنسان ينقر جذع الشجرة لركوب الماء، أو عندما صنع من الحجر بداية فأس يصطاد بها عندئذٍ وعندئذٍ فقط بدأ الإنسان يصنع إنجازاً حضارياً.
كان مشروع الفأس الأولى أو ما يشبه الفأس اكتشافاً مهماً بل هو في غاية الأهمية لأنه كان يعتبر بالقياس إلى العصر قمة التطور الحضاري وآخر منجزات الحداثة. وبعد آلاف السنين عندما وضع الإنسان رموزه الكتابية الأولى شكّل هذا الحدث الابداعي ذروة عمل العقل البشري في مواجهة الطبيعة، وآخر درجات الحداثة، تماماً كما كان اكتشاف الآلة البخارية بعد ذلك ببضعة آلاف من السنين قمة الحضارة وآخر درجات الحداثة. فما يعتبر حضارة وحداثة في عصر من العصور يعتبر تخلفاً بالقياس إلى عصر لاحق وتقدماً بالقياس إلى عصر سابق. فالتقدم والتخلف يتوقفان على المكتشفات والمبتكرات الإنسانية إضافة إلى توقفهما على النتائج المترتبة على هذه المكتشفات والمبتكرات على فكر الإنسان وشعوره وسلوكه. وكلما زاد علم الانسان ومعرفته كثرت مكتشفات الإنسان ومبتكراته كلما أوغل في الحضارة.
ومن الواضح أنه ليس للحضارة سبب واحد أو علّة واحدة، فهي نتيجة مجموعة من الظروف الكونية والبيئية المتداخلة والبالغة التعقيد هيّأت الإنسان الأول لأن يمتلك البنية اللازمة لنزوله من الأشجار إلى الأرض، وهيّأت شكل الجسم اللازم لأن يمشي على قدمين لتصبح يداه متحررتين وهيّأت شكل اليد بحيث يستطيع الإبهام أن يلمس كل أصبع من الأصابع الأخرى مما يمكّن الإنسان من الإمساك بالأشياء وتلمسها وإدراك حجمها ووزنها وشكلها ودرجة خشونتها وغير ذلك، إضافة إلى الحواس الأخرى، كما أمدت هذه الظروف الإنسان بعينين يرى خلالهما على مدى نصف دائرة وأذنين تحركهما رقبته في كافة الاتجاهات... والأهم من هذا أن هذه الظروف أمدّت الإنسان بالقدرة على تقليد الأصوات الأمر الذي جعله يقلد غيره تمهيداً لوضع الرموز الصوتية ثم اللغة المحكية وبدورها اللغة المكتوبة... وهكذا اصبح في مقدرة الإنسان أن يبدأ الحضارة وأن يشيد تفكيره وعقله وينمي دماغه وأن يضيف تدريجياً إرثاً حضارياً إلى نفسه.
إلا أن الحضارة، التي هي مجموع المنجزات والمكتسبات الإنسانية هي أمر سريع العطب، فكما تتضافر العوامل لتراكم الانجازات والمكتسبات الحضارية قد تتضافر العوامل لتبديد هذه الإنجازات والمكتسبات. ونحن نعرف من تاريخ الإنسان القريب والبعيد كيف اندثرت بعض الشعوب واندثرت معها أكثر ـ إذا لم نقل كل ـ انجازاتها ومكتسباتها. كما نعرف كيف كانت بعض الشعوب في مركز الحضارة فأصبحت على أطرافها وكيف تأخرت بعض الشعوب بعد أن كانت متقدمة..
ولنا في تاريخ المصريين القدامى وتاريخ المكسيكيين وتاريخ العرب في العصور الوسطى أبلغ عبرة وذكرى. بل يمكن القول إن مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر كانت أكثر تقدماً منها في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد استطاع محمد علي باشا أن ينقل مصر من دولة متخلفة وأن يضعها في مصاف الدول الكبرى والحديثة في عصره.
واليوم بعد أن صغر عالمنا وأصبح أشبه ما يكون بالقرية الواحدة بفعل تطور وتقدم وسائل الإتصال أصبح بالإمكان في الوقت نفسه تدمير هذا العالم دفعة واحدة نتيجة تطور الأسلحة وتراكمها.
وإذا كانت المصادفة وحدها هي التي هيّأت الإنسان لأن يقيم الحضارة، إلا أن زوال هذه الحضارة لم يعد متروكاً للصدفة وحدها. صحيح أن الإنسان كان دائماً عبداً لأفكاره وسجيناً لماضيه، وهو الآن لا يختلف كثيراً في هذا المضمار عما كانه قبل مئات السنوات أوآلاف السنين، إلا أن فهمنا الجديد للحضارة ومعناها وطبيعتها واكتناه إمكان تعرضها للتصدع والإضمحلال وسرعة عطبها أو تلفها تجعلنا قادرين على تلافي تبديدها أو إضاعتها، وذلك عندما نجعل من الحضارة عامل تحرير وانعتاق للإنسان لا عامل أسر وعبودية.
كان تقدم البشرية في العصور المتأخرة ومازال على حساب مستقبل هذه البشرية نفسها، فكل مصادر قوة الإنسان وكل مصادر سيطرته على الطبيعة إنما هي على حساب مستقبل البشرية. وسواء كان الإنسان قادراً في السابق على تجنب السلبيات في إنجازاته ومبتكراته أم لا، فإن عليه الآن تدارك الأمر قبل فوات الأوان. وعلى سبيل المثال نقول إن الإنسان الذي يبني السدود هو نفسه الإنسان الذي يلوث البيئة حوله، والإنسان الذي يتحكم بالأمراض والجراثيم هو الذي يضعف مقاومة (مناعة) الإنسان العصري أمام أمراض جديدة، والإنسان الذي يزيد يومياً من سيطرته على الطبيعة عن طريق المكتشفات وتفكيك الذرة وغزو الفضاء وغيرها هو الذي يُهيء الظروف الجديدة لخطر حرب كونية قد تبيد العالم بأسره.
في كتابه "أبعد من الحرية والكرامة" يؤكد سكنر Skinner أحد كبار السلوكيين في زماننا أنه لا بد للإنسان من تحقيق تقدم مشابه لتقدمه في ميدان العلم والتكنولوجيا على صعيد الدراسات الإنسانية والنفسية والسلوكية لكي يستطيع تجنب الكارثة، لابد لنا من تقدم في ميدان دراسات الإنسان وسلوكه وتفكيره وعقله ونفسه على مستوى التقدم في دراسة العالم الخارجي والأشياء حولنا. فلا يكفي أن نتقدم في ميدان العلم والتكنولوجيا، لأن هذا قد ينقلب ضدنا، ولن نجد الحل في مزيد من "التقدم" لأن الحل في مجال آخر هو الإنسان نفسه. فنحن قد نستطيع التحكم في الإنفجار السكاني عن طريق تنظيم الأسرة، وقد نستطيع تجنب المجاعة في العالم عن طريق التقدم في ميدان العلوم الزراعية والغذائية، وقد نستطيع مقاومة خطر الحرب النووية عن طريق اكتشاف وسائل جديدة لحماية أنفسنا.. إلا أن هذا كله لا يكفي، لأنه لا بدّ لنا من بناء الإنسان الذي يعرف أهمية وضرورة كل هذه الأمور.
وبتعبير آخر لابدّ لنا من فهم، أو تعاليم، أو ثقافة تجعلنا نضع التقدم العلمي و التكنولوجي في خدمة ومصلحة البشرية لا أن يكون هذا "التقدم" على حساب البشرية.
نخلص مما تقدم إلى القول بأن الحضارة هي خلاصة لتجارب الإنسانية وهي المحصلة العليا للمكتسبات والإنجازات الإنسانية في كافة الميادين.
ولكن مما لا شك فيه أن مصطلح "الحضارة" مازال يستخدم بكثير من عدم الدقة، فهو تارة يستخدم بمعنى الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي وبالمفهوم الأميركي للثقافة والقائل أن كل المجتمعات الإنسانية مهما صغرت ومهما بلغت درجتها من الرقي والتقدم تملك ثقافة خاصة، يستوي في ذلك شعب الأسكيمو الذي يعد من أصغر شعوب العالم، وشعب الولايات المتحدة الأميركية الذي يقود العالم الغربي اليوم. وتارة أخرى يستخدم تعبير الحضارة ليعني الاتماء الديني كأن يقال الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية.
صحيح أن هناك عشرات التعاريف لمصطلح الحضارة، إلا أن معظم هذه التعاريف يندرج تحت إحدى المقولتين التاليتين:
الأولى: تقول بوجود ثقافات قومية متعددة وحضارة إنسانية واحدة، فكثرة العناصر وتنوعها ضمن الوحدة، تلك هي الثقافات. أما عملية اندماجها المتنوع وانصهارها في القالب الواحد فتلك هي الحضارة.
الثانية: تقول بوجود عدة حضارات إنسانية، فلقد عدد توينبي Toynbee ما يقرب من العشرين حضارة إنسانية. والحضارة في هذه الحالة هي ثقافة مجتمع كبير تدوم لمدة طويلة من الزمن. والواقع أن هذا الموقف يعتبر المراحل الحضارية الرئيسية أو المحطات الحضارية الكبرى حضارات متميزة. والواقع أنه من الشائع التحدث عن الحقب الرئيسية في تاريخ الإنسان الحضاري على أنها حضارات، ولا سيما الحقبة الحديثة حيث خرج الإنسان من حالة "البربرية" إلى حالة "التحضر" حتى ان أكثر التعاريف تشير إلى أن الحضارة هي الخروج من مرحلة العصور الوسطى البربرية والدخول في العصور الحديثة.
وكلمة حضارة Civilization التي ظهرت في المعاجم والقواميس ودوائر المعارف في القرن الثامن عشر تستخدم بمعنى أوسع من كلمة عمران Civility التي كانت شائعة قبل ذلك والتي تعود إلى ابن خلدون، كما تختلف عن كلمة تمدن Urbanity التي فضلها جرجي زيدان. والفرق أن كلمتي عمران وتمدن تخصصان الحضارة بقيام المدن وتربطانها بهذه العملية أو الظاهرة الإنسانية وهي نشوء المدن والحياة في المجتمعات العامرة. ومع أن الحضارة في مظاهرها المتطورة والمتقدمة لم تظهر إلا في المجتمعات العمرانية والمدنية، إلا أن ظاهرة الحضارة أوسع من أن تقتصر على هذه المرحلة المتأخرة من تاريخ الانسان الحضاري.
ووفقاً لتعريفنا للحضارة، فإن التفرقة بين المادي والعقلي تزول لمصلحة هذا المفهوم الأوسع للحضارة، وتتحدد الحضارة عندئذٍ على أنها حركة المجتمع ككل، وهي تشمل الآراء والأعراف التي تنتج عن تفاعل الحرف والصناعة مع المعتقدات والآثار الجميلة والعلوم"، فكل ظاهرة تدخل في حركة المجتمع هي ظاهرية حضارية، تستوي في ذلك الصنائع والافكار، إلا أن هذه الظواهر تتصف بصفة الصيرورة او الديناميكية والحركية من جهة وتتصف بصفة الوحدة والتماسك والشمول من جهة اخرى.
إلا أن أهم ما يميز هذه الحركية الواحدة أنها عملية بحث عن التعابير والمعاني، والجانب العمراني والصناعي في الحضارة نفسه يدخل ضمن نطاق البحث عن التعابير، فبناء الأهرامات مثلاً وبناء مدينة بابل وبناء أسطول بحري أو انشاء مصنع ذري، كلها تدخل ضمن نطاق التعبير لأنها تستجيب لبعض حاجات المجتمع وتجيب على بعض تساؤلاته المتعلقة بمصيره ومستقبله.
وإذ كان المفكرون الألمان قد ميزوا بين الحضارة والثقافة فجعلوا الحضارة تقتصر على الإنجازات التقنية والمعرفة العلمية الموضوعية التي يمكن أن تقاس قياساً كمياً والتي تنقل من جيل إلى جيل فتتراكم مع الأيام في حين جعلوا الثقافة تشمل على المعرفة الذاتية غير الوصفية كالديانات والفلسفة والفنون، فإن هذه التفرقة قد بهتت الأن أمام مفهوم الحضارة الذي أشرنا إليه أعلاه.
أما الانثٍربولوجيون، الأميركيون بشكل خاص، فإنهم يرون أن الثقافة أوسع من الحضارة، لأن الثقافة هي نمط أو طريقة الحياة في مجتمع ما، إنها تشتمل على كل أنماط السلوك التي يعبر بها الانسان عن نفسه والتي يشاركه فيها الآخرون فهي تشمل الآدب والفن والديانات والميثولوجيات والأخلاق او الآداب القومية والشعبية ومظاهر الحياة الاجتماعية من لباس وتزيين وكيفية طهو الأكل... الخ فهذه كلها تعابير ورموز وآيات يعبر بها الإنسان عن نفسه، فهي ثقافته حتى لو كانت تقتصر على بعض المظاهر الفولكلورية فقط.
أما الحضارة في نظر هؤلاء فهي، أما ثقافة العالم بأسره او ثقافة مجتمع كبير نسبياً على الأقل بشرط ان تستمر هذه الثقافة لفترة طويلة من الزمن وأن تضمن قيام المدن وقيام التنظيمات السياسية والإدارية الواسعة وأن تشتمل على التخصص في المهن والأعمال والأدوار الاجتماعية، وبتعبير آخر ألا تكون مجرد ثقافة شعب بدائي فقط. ويقابل المجتمع المتحضر هذا، المجتمعات البدائية التي تمتلك ثقافتها الخاصة دون أن تمتلك حضارات خاصة، فالحضارات هي من صفات المجتمعات المتطورة الحائزة على قسط من العمران والتمدن، فهي تشير إلى نوع محدد من الثقافة، فنحن نستطيع أن نتحدث عن ثقافة الهنود الحمر في أميركا كما نستطيع أن نتحدث عن ثقافة الأسكيمو ولكننا لا نستطيع أن ننسب حضارة لهؤلاء وإن كانت ثقافة الشعوب مهما كانت بدائية تساهم في التطور الحضاري العام. من هنا كانت الثقافة أوسع من الحضارة، فهي عامة لكل المجتمعات أما الحضارة فهي خاصة ببعض المجتمعات إذا لم تكن حصيلة كل الثقافات. والنتيجة أن الحضارة شريحة خاصة من شرائح الثقافة فليست كل الثقافات حضارات في حين أن كل الحضارات ثقافات أو أن الحضارة الواحدة هي التركيب الأعلى لجميع الثقافات. ولا ينفي هذا المفهوم للحضارة الصفة أو الدور القومي في الحضارة، فبالإضافة لصفتي الكلية والوحدة اللتين تتصف بهما الحضارة فإنها تتصف بالشمولية أي العالمية من جهة وبالخصوصية أي التخصص القومي أو الذاتية من جهة أخرى.
إن الحضارة أشبه ما تكون بعملية تثقيف متواصلة، تتولى، أمرها قومية من القوميات بعد أخرى. وفي كل مرحلة تتلخص الحضارة العالمية في ثقافة قومية خاصة، وعندما تؤدي الثقافة دورها تعود لتصبح خاصة بالمجموعة الإنسانية التي أنتجتها...
إن خصوصية الحضارة لا تتعارض مع شموليتها. إن الثقافة القومية تستطيع في وقت من الأوقات أن تبلغ القمة فتصبح هي والحضارة صنوين. من هنا يمكن أن نتحدث عن الحضارة الإغريقية والحضارة العربية والحضارة الغربية الحديثة دون أن ننفي أياً من صفتي الشمولية والخصوصية.
* نديمة عيتاني
* كاتبة وباحثة لبنانية

أعلى





هوية المدينة في القرن الحادي والعشرين
مدن "لكل" الناس ـ محددات خط السماء وملامح "الهوية المعولمة"

في أطروحته التي قدمها الدكتور جلال عبادة, في مؤتمر عجمان الدولي الخامس المنعقد في نهاية مارس الماضي, استهل مداخلته حول خط السماء في المدينة العربية الخليجية بمجموعة من المناظر العامة التي اختلطت على البعض بين مدن شرق آسيا وبين مدن في الخليج العربي, مما يطرح عدة تساؤلات أهمها تخليق مدن معاصرة يمكن تسميتها بمدن "لكل الناس" على نقيض مفهوم "مدن للناس" والذي طرحه "جان كاهل". ففي اللحظة التي يلتبس على المشاهد إدراك خط السماء لمدينة ما واختلاطه "ذهنيا" بأكثر من مدينة, عندها يقفز للذهن ويتسيد مركز الخطاب الأكاديمي إشكالية من نوع وحجم "الهوية" ومتعلقات العولمة. فهل هذا تعبير دقيق في توصيف الحالة؟ وهل خط السماء يرتبط فقط بالهوية الثقافية للمدينة؟ أم أن لهذه المسألة أبعادا أخرى مهمة لا بد من التفكير بها عند التطرق لخط سماء المدينة, وبخاصة ان اعتقدنا, صوابا أو خطأ, بأن خط سماء المدينة هو تحصيل حاصل لتخطيط المدينة الفيزيائي. اسئلة تشكل الإجابة عنها محور موضوع هذا المقال.
في مداخلته يطرح الدكتور عبادة فكرة أن معظم المدن العالمية مثل باريس ولندن ونيويورك وسيدني وشانغهاي ومعظم المدن الكبيرة في العالم الغربي يتميز خط سماء المدينة بها بشكل فريد وغير متماثل مع أي من غيرها من المدن ـ وهي سياسة تم التخطيط لها بدقة متناهية من قبل اللجان المسؤولة عن المدينة. فبعض الجهات المسؤولة بهذه المدن "خططت" خط السماء فيها بطريقة ممنهجة وتبنت الأبنية العالية وناطحات السحاب, وبعضها "قننت" استخدامه, فيما "حددت" أخرى بناء الناطحات وضمن معايير صارمة ودقيقة. وكما يشير الدكتور عبادة, فهناك من يجادل بأن "بعض" دول الخليج قد تبنت "منهجا صارما" و"مخططا ـ له" تجاه الأبنية العالية أو ناطحات السحاب بالمدينة. ولكن برغم وقوع معظم مدن الخليج العربي ضمن فئة "المخطط ـ له", إلا أن بعض المدن الأخرى اختارت هيئات التخطيط لها أن تخصص مواقع معينة بالمدينة "لرسملة" النسيج العمراني الحضري من خلال اطلاق العنان "لعمارات حالمة" ومتنوعة بأشكالها وحجومها وتصاميمها بحيث أصبحت "أيقونات" معمارية في سماء المدينة والمنطقة برمتها وارتبط "طابع المدينة" المعماري بوجود مثل هذه الأبنية الشاهقة.
ارتباط آلية خلق وتشكيل سماء المدينة يعني, بحسب أطروحة الدكتور عبادة, تكريس ثلاثة مفاهيم مرتبطة بخط سماء المدينة هي: الصورة الإنطباعية (image), والمتصور (imagineering) والمتخيل (imaginative). وهذه الثلاثة مفاهيم تتصارع بينها في سماء معظم المدن الخليجية اليوم. وبالرغم من وجود معايير "مفترضة" لهذا الصراع المتنامي في بعض المدن الخليجية في خط سماواتها بين الصورة النمطية "المرسملة" وبين الخط التشكيلي العمراني البحت, وبين محاولة البحث وتصور "الخط" الأمثل لنمطها العمراني على المستوى الرسمي, إلا أن العنصر "الرأسمالي" المرتبط برغبة صناع القرار يبدو متسيدا, بحسب أطروحة الورقة, لأية منهجية أخرى ممكن البحث عنها بين طبقات خط السماء. كما أنها تزوغ عن أية محاولة ممكنة لأية مداخلة أو أطروحة أكاديمية, برأينا, لتفسير عقلاني منهجي لهذا التنازع الرأسي بين ناطحات السحاب التي تعلن بقوة عن "رسملة المدينة العربية" دون ضابط أو معيار واضح. هذا الطرح المبدئي لمحاولة تحديد ورسم معالم المدينة العربية على المستوى الأفقي ومحاولة قراءته اعتمادا على مفاهيم رمزية بصرية تشكيلية وإسقاطها على العوامل الإدارية والمادية الإقتصادية يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات في علاقة خط السماء في المدينة العربية بالهوية وضمن أطر "عولمة الرساميل" الاقتصادية من جهة, وبين الأسس والمنظومات "الطبقية" التي يخضع لها تشكيل خط سمائها من ناحية أهم وأكثر عمقا من ناحية نظرية فلسفية.
النقطة المرجعية التي تتوقف عندها أطروحتنا بهذا المقال هي أسس تشكيل خط السماء في العمارة تاريخيا, ثم في علاقة التشكيل المعاصر في المدينة العربية بهذه الأسس ـ كنتيجة طارئة في حقبة العولمة المرسملة. بدون شك, فالمتأمل والباحث في تاريخ العمارة العربية, من ناحية نظرية فلسفية ومن ناحية فنية بصرية يجد وعلى مدى التاريخ نوعا من "التكاملية العضوية" بين العمودي والأفقي ـ فهذا ليس بجديد! وتوظيف العناصر الرأسية, بغض النظر عن حجمها أو ارتفاعها مقارنة بالأفقي, كانت عاملا و"رمزا" وأيقونة مهمة في سماء المدينة على مدار العصور لتحديد نوع من "الهوية" الرمزية للمدينة تعكس البيئة الثقافية المحيطة وتتجانس معها. والأمثلة تتنوع وتتعدد في سماء المدن الغربية ومدن العصور الوسطى شرقا وغربا بما لا يمكن إحصاؤه, لكن القاسم المشترك بينها جميعا هي أنها كانت انعكاسا مباشرا لتعبير ثقافي, شعبوي أو رسمي - مع ترجيح الأخير, في إنشاء هذا العنصر الرأسي المسيطر في سماء المدينة. الفارق المهم جدا والمميز بين "أيقونة الأمس" و"الأيقونة المعولمة" هي في "الوظيفة" وليس في الشكل أو التشكيل فحسب, رغم التباين الثقافي الكبير الذي يعكسه الأخير بين النموذجين.
الأيقونة "الشكلية" التاريخية عبرت, في التحليل الظاهري على الأقل, في غالب الأحيان عن رغبة في "تزاوج" الشكل والتشكيل الأفقي بالرأسي. وقد يجادل مجادل بأن المأذنة, أو البرج أو الساعة, ضمت فكرة "وظيفية" من إنشائها, لكن هذه الوظيفة تاريخيا هي تعبير محدود مقارنة "بالأيقونات المعاصرة المعولمة" وتعبر الأخيرة عن ظاهرة معاصرة مرتبطة بالاقتصاد وتعبير "مادي" أو "مرسمل" بما يجعلها تتجاوز بكثير أي مضمون ثقافي لها حتى ولو أجتهد المصمم وبرع في محاولة دمج "التشكيل المعماري الفني" بأي مضمون أو فكرة. ولو انتقلنا لمستوى أعمق في الجانب الوظيفي العضوي ضمن المدينة ومنظومتها فهناك, من المفكرين النظريين والمنظرين, من يجادل في أهمية العنصر الرأسي وعلاقة شكله بوظيفة "مدينية" مهمة تتجاوز البعد الثقافي الهوياتي, ومفاده بأن "الشكل" والتشكيل في رسم خط سماء المدينة تاريخيا كانت له أبعاد "وظيفية" مهمة في "ترسيم" الإدراك الذهني لعلاقة الحركة الأفقية استنادا لمرجعية رأسية. وبكلمات أخرى أصبح الرمز عنصرا مهما في تحديد علاقة "الجزء ـ بالكل" في رسم منظومة النسيج الحضري داخل المدينة, وأصبح الرمز الرأسي عاملا مساعدا مهما في معادلة إدراك التصور الذهني للمدينة وإدراكها بصريا وذهنيا. فالرمز هنا تحول "لعنصر ربط" فلسفيا ونظريا, بين النسيج الحضري الأفقي للمدينة وبين "شاهد" يعتبر نقطة إسناد مرجعية لطبقة حضرية ثنائية الأبعاد ـ بما يحيل المدينة, فلسفيا, لمنظومة متكاملة "ثلاثية الأبعاد". هذه المنظومة ثلاثية الأبعاد أصبحت مختلة وغير متوازنة في "مدن كل الناس" العالمية اليوم سواء في الشرق أو في الغرب. فدخول وسائل المواصلات الحديثة بأشكال متعددة أدى لعلاقة مشوهة بين الأفقي والرأسي. في مدن الغرب مثلا, حيث أدخلت وسائل المواصلات التي تختفي تحت الأرض, كقطارات الأنفاق التي أضحت وسيلة أساسية في المدينة, أصبحت "الأيقونات" التاريخية التي ارتبطت أشكالها وتشكيلاتها بمفترقات تاريخية مهمة, مجرد معالم رمزية فقدت دورا مهما كعناصر ربط "فلسفية" بين النسيج الأفقي والرأسي للمدينة. ودخلت معظم الأيقونات العالمية التاريخية في غياهب "العرض المتحفي" دون مضامين "وظيفية". إنطلاقا من ذلك تحول "برج إيفيل" من "رمز" يعكس الهوية التاريخية للثورة الصناعية وقدرات الصعود الرأسي بمواد بناء حديثة "آنذاك" لمجرد معلم سياحي و"أيقونة" وطنية نفس الحال ينطبق على مجمعات قروسطية مثّلها برج "بيج بين" في أوروبا, أو مدينة الألف مئذنة في الشرق, كلها فقدت دورها في تحويل المدينة إلى "منظومة ثلاثية الأبعاد" يتكامل فيها الرأسي مع الأفقي.
الوضع في مدن الخليج ورسم خط السماء بها يفتقد للصورتين معا: عنصر تحويل المدينة لمنظومة ثلاثية الأبعاد, وطابع خط السماء الذي يمكن أن يستند إلى أسس "ثقافية" أو أية مرجعية "تاريخانية" متميزة مرتبطة بحدث صناعي أو تجاري أو حتى عمراني مرتبط وملتصق بالهوية الوطنية. فالإمتداد الأفقي أصبح مترامي الأطراف ولا يبدو محسوبا بدلالات "ديموغرافية" أو اعتمادا على استشراف نمو ديموغرافي أو علاقات متوازنة بين السكان ـ والزائرين, ولا هو نتيجة لعلاقة حضرية متوازنة وعادلة بين الأفقي والرأسي. هذا كله أفقد "مدينة كل الناس" عنصر التكامل بين "الأيقونة" الضرورية لتفعيل "النسيج الحضري ثنائي الأبعاد" وتقديمها كمدينة ثلاثية الأبعاد - تمتزح بها المنظومات الثقافية والمجتمعية والبيئية والسياسية والاقتصادية بشكل متناغم أو متجانس. ومن هنا فالسائد في "مدينة كل الناس" الخليجية هي علاقة متنافرة وغريبة بين التجول "بالإحداثيات السينية" بجميع الاتجاهات وبلا "بوصلة "رأسية" مهمة أو ضرورية ـ والتي أصبحت عبارة عن تجمعات متصارعة من "الرؤوس المتناطحة" بما يفقد الإتجاه أحيانا بدلا من "إكسابه" وتوفير البوصلة "الإحداثية", وبخاصة في المدن المخططة "شطرنجيا" على غرار بعض المدن الأميركية مثلا.
في هذه الحالات يفقد خط سماء المدينة أي مضمون له ويصبح بلا معنى. وهنا نجد المجال واسعا لكل الاسئلة التي تدور في أروقة القاعات الأكاديمية بحثا عن أسس ومحددات تشكيل خط سماء المدينة ـ وقد تم الخروج عن النص أصلا. وإلا فماذا يعني مثلا خط سماء مدينة دينية لمباني باتت "تتهافت" من جميع الجهات على قلب الحدث "الديني"؟ وماذا يعني مثلا تقليد خط سماء مدينة "شرق آسيوية" تشكل بناء على ثورة تكنولوجية وضمن إطار "تقنية المعلومات" ليتم جلبه لسماء مدينة تفتقد لأدنى عناصر الثورة الصناعية, بل تمثل مجتمعات استهلاكية مفرطة في الإستهلاك؟ وماذا يعني خط السماء "لمدينة لكل الناس", من كافة الألوان والأجناس والثقافات والأصول والمنابت العرقية, لا تبدو فيها أية وجهة لتخطيط ديموغرافي موجه وممنهج بحيث يمكن أن تتحول بدلا من "مدينة لكل الناس" إلى "مدن بلا ناس"؟ وأي خط سماء يمكن أن نفكر بتحليله في "مدن لكل الناس" تتغول فيها "العولمة المرسملة" وتغيب فيها أية ملامح تخطيط على المستوى الأفقي أصلا - علما بأن خط سماء المدينة ابتداء يتشكل أساسا بناء على إحداثيات وإسقاطات ثنائية الأبعاد ضمن النسيج الحضري قبل أن يشكل بعدا ثلاثيا يرسم ملامح سماء المدينة؟ وهي إحدى أساسيات العلاقة اللصيقة بين خط السماء "كمحصلة بصرية" لتخطيط مدروس ضمن إحداثيات النسيج الحضري الأفقية.
وبالمثل يصبح البحث في خط سماء المدينة فارغا من مضمونه حين يتم القفز مباشرة للنتيجة وإغفال التحولات المنهجية التي أفرزت "مدينة كل الناس" التي تغفل أبسط مقومات نشوء مدينة "للناس" أصلا. فعملية بناء خط المدينة هي عملية رياضية وهندسية محسوبة بدقة يتم الوصول لها بالبرهان والمنطق الرياضي كمعادلات الحساب والجبر تماما. وهذا ينطبق على هذه المعادلة بكل المقاييس, الشكلية والتشكيلية والوظيفية والهوياتية والثقافية والبيئية والعمرانية والمنظومات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية السائدة التي تتضافر بمجموعها لإنتاج كل تمظهرات العمارة والتخطيط والبناء ـ وآخرها كنتيجة منطقية هو خط السماء بها. وخط السماء هنا لا يخطط له بمعزل عن كل تلك المقدمات المنطقية التي لها أساسات علمية وواقعية. وخط السماء هنا ليس هو مجرد "إنشاء" رأسي للمنظومة الأفقية للنسيج الحضري, بل هو "آلية" تفاعل وربط المستوى الأفقي مع "الرابط" الرأسي في منظومة رياضية من العلاقات الهندسية والإجتماعية والبصرية والتشكيلية والرياضية (الإحداثيات السينية والصادية المدروسة) ومحاور الحركة ومستويات المواصلات والمفاهيم الدينية والثقافية والممارسات الإجتماعية والسلوكية السائدة في البيئات المحيطة.
في هذه الحالة وحين يتم "بناء" خط السماء ضمن هذه المنظومة وضمن هذه البيئات المتجانسة لا يمكن أن يكون هناك مجال للبحث في خط سماء "معولم" أو البحث في الهوية الثقافية للمدينة ببعديها الأفقي والرأسي. فلو لم تكن هناك مشكلة في البعد الأفقي على مستوى النسيج الحضري وكيفية تشكله أصلا لما كانت هناك مشكلة في كيفية تشكيل خط السماء ابتداء! فالبحث في "الهوية المعولمة" لخط السماء بمدينة "لكل الناس" له أساس قطعا في غياب البوصلة أصلا في النسيج الحضري ـ ويكون نسيجا "معولما" أو مزيجا أو أخلاطا من أكثر من نسيج حضري. وما بني على خطأ فهو خطأ بالبداهة!

د. وليد أحمد السيد

أعلى





الباحث والمفكر السوري غريغوار مرشو: لا بد من العودة إلى الذات واستقراء الواقع للخروج من المآزق والهزائم المتوالية
الساحة الفكرية والثقافية غارقة في غمرة التغالط الإيديولوجي والتراشق التصفوي
إذا لم تتقدم النخب المثقفة الحية نحو ردم الفجوات وتغطية الثغرات المتسعة بينها وبين المجتمع فستظل تراكم الهزائم تلو الهزائم

دمشق ـ من وحيد تاجا:
أكد الباحث والمفكر السوري الدكتور غريغوار مرشو ان مقاربته لمفهوم (الفصام في الفكر العربي وتفاقمه) تأتي في فترة ابتداء تمفصل الاتصال الثقافي ما بين الجماعات والمجتمعات، على آليات مؤدية إلى انمحاء الثقافة المحلية لحساب الثقافة المسيطرة، وانتهاء هذه الأخيرة إلى نفي الاختلاف، ورفض الاستقلال للثقافة الأولى المسيطر عليها، بل إدانتها من اجل احتوائها وإلحاقها بعلاقة سيد/عبد. وخاصة لما ارتبط هذا الانمساخ، تحت تأثير عمليات الاستيطان، بدونية العبد أمام غلبة السيد، وذلك عن طريق تبخيس الذات ونكرانها.
وشدد د. غريغوار في حواره مع "أشرعة" على الحاجة الماسة لاستنطاق إشكاليات الفصام وآثارها المادية على المجتمع، بفعل انشطار المجتمع العربي إلى معسكرين متناحرين ومتنافرين، حداثي وسلفي، ومشارفته على نوع من الصراعات الأهلية الحادة المدمرة للذات، لافتا أن ذلك ليس من اجل إعادة الدور الخلاق للعقل فحسب، وإنما من اجل دعوة المجتمعات المهمشة، في الأطراف، إلى الانعتاق من دورها الاستهلاكي السالب على الصعيد الثقافي والحضاري، لحساب نظام فكري جديد وأصيل، يحمل في ذاته حيوية عبقريته المبدعة.
والدكتور غريغوار مرشو من مواليد 1946 في الحسكة بسوريا، حاصل على دكتوراة دولة في الفلسفة من جامعة باريس الثّامنة، وعضو هيئة تحرير مجلة (دراسات شرقيّة) الصّادرة في باريس، وأستاذ في كلية الآداب جامعة حلب، وعضو في جمعيّة العلوم النفسيّة، له العديد من المؤلفات منها "مقدّمات الاستتباع: الشرق موجود بغيره لا بذاته" و"أيديولوجيا الحداثة بين المُثاقفة والفصام الحضاري"، و"العدوى في تشكيل الفكر العربي الحديث والمعاصر"، و"نحن والآخر (سلسلة حوارات لقرن جديد)"، و"الفصام في الفكر العربي المعاصر"، و"من الاستتباع إلى الاستبداد: حفريات في آليات احتلال العقل".. في السطور التالية نسوق حوارنا معه:
* لفتني كتابك "الفصام في الفكر العربي المعاصر"، والفصام كما هو معروف مرض نفسي خطير إذا ما أصاب الإنسان، فكيف به عندما يُصيب الفكر.. السؤال هل يمكن تشخيص حال الدول العربية بناء على ما ذهبت إليه في كتابك من وجهة علم الاجتماع السياسي؟
** إن اصطلاحي على مفهوم الفصام في الفكر العربي المعاصر لم يصدر عن عمل اختباري عيادي، وإنما جاء ثمرة مقاربة لمسيرة الفكر العربي الحديث والمعاصر، قرابة قرن ونصف، الذي لا يزال في معظمه مفصوماً عن واقعه وأسيراً لمسألة المرجعية بشقيها: الأصالة/المعاصرة، الهوية/الحداثة، التراث والعصر. والمشكلة المركزية لا تكمن فقط في أنه لا يزال تحركه مرتهناً لهذا التجاذب وإنما تكمن في أن تحركه يُؤبدَّ أحد القطبين المرجعيين والانتصار له حتى بات التقاطب الفكري هنا يتجسد بين منافح مستميت عن الهوية والأصالة ضد التغريب والعروبة والإنمساخ الثقافي، وبين منافح عن الحداثة الوافدة ضد النكوص السلفي والتحجر العقائدي والانحطاط.
والإشكالية الكبرى لم تعد مقصورة فقط على أن يتمترس كل طرف في معسكر وإنما أفرزت مروحة من السجالات أشبه ما تكون بالحرب الفكرية، بحيث باتت الساحة الفكرية والثقافية غارقة في غمرة التغالط الإيديولوجي والتراشق التصفوي، وفي نوع من البلبلة في المفاهيم، وفي تصارع الرهانات. ولقد بلغ تصاعد الصراع الإيديولوجي بعد الحرب العالمية الثانية إلى مستويات الإرهاب الفكري السافر. بذلك تآكلت أية أرضية للحوار والتواصل وانتصرت لغة الإقصاء والتنابذ والاحتراب ما بين المعسكرين.
* وكيف انعكست هذه الحالة على الفكر السياسي العربي؟
** في خضم هذا الصراع صار من قبيل التحصيل الحاصل ألا يكون الفكر السياسي العربي مهتماً في إرساء قواعد لدولة القانون والحق والمواطنة، وإنما كان مهجوساً باستجلاب منظومات من التصورات النظرية المقتطعة من سياقها الاجتماعي التاريخي ـ سواء من الآخر الغربي أو الآخر السلفي المحلي ـ وإسقاطها بالقسر على الواقع العربي. فتجلى ذلك إما بالمنظومة الفكرية الليبرالية، حيث التبشير عن الدولة والقانون والبيروقراطية (المكاتبية).. أو المنظومة الماركسية، حيث الاستفاضة الكثيفة عن مفاهيم الطبقات والطبقة المسيطرة والمهيمنة.. أو منظومة الآداب حيث الكلام عن الرعية وأهل الحل والعقد، أو المنظومة الخلدونية حيث مفهوم العصبية. كل ذلك جرى في إطار إنكار أي مقاربة تحليلية جادة (الدول الوطنية) القطرية، لا بل الهروب إلى طوبى دولة الوحدة القومية الاشتراكية الشمولية تحت ذريعة أن هذه الدول هي ثمرة التقسيم (السايكس ـ بيكوي) ولها دور وظيفي استعماري، هذا الموقف يماثل موقف أصحاب دولة (الخلافة) على أنقاض الدولة الفكرية بنفس المنظور الشمولي تقريباً، ولكن بتكفير هذه الأخيرة والمجتمع معاً. كل ذلك دون العمل على نزع فتيل قطرنتها الإثنية المصطنعة وتجسير الفجوات فيما بينها في إطار رؤية تضامنية تكاملية اقتصادية ثقافية تُمهّد إلى اتحادات مستقبلاً. باختصار كل هذه الأطروحات، على اختلاف تلاوينها، وبكل ما تحمله من حمولات مفاهيمية نظرية جاهزة الصنع ـ مستذكرة ومستقدمة ـ لتنزيلها، بالمطلق على الواقع، والتعامل معها كمفاتيح سحرية لحل مشكلات مجتمعاتنا، سوف تنعكس على أرض الواقع إلى نوع من الخلط بين السلطة وبناء الدولة. وهذا ما حدث حينما اتجه أصحابها إلى محورة تفكيرهم في اختزال الدولة إلى مجرد أداة للسيطرة والهيمنة، وإلى التفكير في السلطة من منظار ارتباطها بالدولة على أساس هذه الأخيرة ما هي إلا مماهاة مع تلك وتشخيص لها. ولما كان للسلطة بريقها وجاذبيتها عند الطامعين بها كغنيمة، ولما كانت الدولة هي المدخل الملكي إلى امتلاك هذه السلطة، أصبحت الإشكالية الكبرى في الفكر السياسي العربي تدور حول الدولة من حيث كونها آلة ترهيب وقمع لإقصاء المجتمع عن عمليات التفكير ومصادرة إرادته بغية تحويل أفراده إلى سلع للاستهلاك وضحية للابتزاز والإفقار.
* والى ماذا تؤدي استدامة هذه الآلية في نهاية المطاف؟
** إن استدام هذه الآلية يؤدي في نهاية المطاف إلى قسر شريحة كبرى من الناس على تسليم مصيرهم لأعاصير الأقدار وحتمية التفقير والركون إلى انمساخ عقولهم إلى أشبه ما يكون بمصير سكان الضيعة الضائعة. الأمر الذي يحدو بالمستبدين المتعالين المتحذلقين إلى تسويغ القول: (هكذا شعب محكوم يحتاج إلى هكذا حكام)، وهكذا تدجين بالإكراه هو الذي يُمهد البيئة لقابلية الاستعمار.
ضمن هذا المنظور صار التفكير في تقنية الوصول إلى سلطة الدولة هو الهاجس المؤرق عند القومي والماركسي والليبرالي والسلفي. تبعاً لذلك ليس من باب المصادفة أن تُراكم حيل معرفية حول أساليب الانقلاب العسكري تحت شعار "الثورة" أو "الجهاد" ضد الأمة والدولة المكفَّرتين، وأن يراكم أيضاً جهاز من المفاهيم حول السيطرة والهيمنة والاستبداد والاستكبار وحول موازين القوى.. بصريح العبارة لقد تحول علم السياسة تدريجياً إلى علم عسكري حيث يكون التعلَّم فيه كيفية اقتناص السلطة.
* وهل هذا ما قصدته في تشخصيك لحالة الفصام في الفكر العربي المعاصر؟
** تماما، فما سبق يتبين أن الفكر السياسي السائد يعاني بمختلف صوره الشمولية والتبعية والارتدادية من فصام حقيقي مع الواقع الاجتماعي التاريخي الحي. فمن الطبيعي أن يكون ثمة علاقة مباشرة بينه وبين نظام السلطة المطلقة بكون هذا الأخير يعاني هو أيضاً من فصام مع المجتمع.
لا شك في وضعية كهذه لا يمكن أن تستقيم الثقة والتفاعل البناء بين الطرفين، لأن هذا مرهون باحتياج كل منهما إلى الآخر لإعادة إنتاج نفسه كي يستمر. وذلك من خلال تغيير قواعد ممارسة السلطة داخل الدولة وداخل الأحزاب وداخل المؤسسات الأهلية حتى الأسرة. أقول ذلك لأن كل ما اعتيد على تكريسه في السابق من نظام التلقين وعبادة الشخصية والهوس بالشعارات الجوفاء والمراقبة على الضمير والمعاقبة المشددة على حرية الرأي وفرض معتقدات بالإكراه هو الذي يُجبر الأفراد ضمن هذا الاحتقان على الرضوخ والانخراط في لعبة الغش والتدليس والكذب والممالقة والتحايل والمخادعة.. بحيث يكون فن التشاطر فيها هو اتباع سلوكية ازدواجية لا أخلاقية تنتهي إلى ثنائية الرشوة والارتشاء المدمرتين لشراء الحقوق أو المناصب، مما يؤدي بالنتيجة إلى بعث وتأجيج الفوضى والاضطراب وتآكل أواصر التضامن والتواصل والثقة بين الناس إلى أن يُصبح كل فرد يفتش عن خلاص نفسه على حساب الآخرين. لعل هذا ما يفسر اليوم، تحت وطأة هذه الضغوط وانسداد الآفاق، التماهي الوطني يجري أكثر مع مكونات المجتمع الأهلي ما قبل القومي بدلاً من الدولة، بحيث صار في كل مكان تطرح مسألة الهوية يعود الوعي العربي الإسلامي إلى الاستنجاد بالسلف الصالح لينهل منه الإلهام والسند، بذلك باتت الدولة ليس محجوب الثقة عنها فحسب، وإنما مرفوضة بلا توقف والتعامل معها كغنيمة للهبش والنهش.
هذا ما يحل بالدولة حينما يتم تعطيل دورها كمرجع للرعاية الاجتماعية والموازنة بين الواجبات والحقوق وسند للحمة المجتمع، وتحويلها إلى مجرد أداة ردع، تفاقم هي بالذات أسباب التوتر على مستوى الحياة والوعي وتمزق المجتمع ودفعه نحو احتمالات تناسل مظاهر العداوة والعنف. ان مسخ الدولة على هذا المنوال لن تعد تتغذى هنا على فلسفة عقلانية منتجة، وإنما على العكس تعتاش من تعميم مشاعر الخوف والترهيب والاقتصاص الدائم والإحباط. هذا فضلاً عن الانشغال بمنطق إستزلام المحاسيب إلى طرفها للاستثراء وتعزيز سلطتها وهيمنتها بالامتيازات من جهة، ثم تضخيم أجهزتها الأمنية لصالح توسيع وتسليط آلات الرقابة والعقاب على المجتمع وتطفيل أفراده وهدر طاقاتهم من جهة ثانية. إلا أن هذا المآل لم يتأخر عن توليده، بالمقابل فئات تزعم الهيمنة في مملكة الحقيقة تحت رايات إيديولوجية مختلفة، بعضها من اليسار وبعضها الآخر من اليمين، الأول تحت راية (المالكة بالمطلق للحقيقة العقلانية والعلمية) والثاني تحت راية (الحاكمية لله) حيال هذا التضييق القاهر على المواطنين وخنق أصوات المطالبين صار من مصلحة معظم السلطات العربية الحاكمة التحديثية أن تُروَّج في أوساط البلاد والعباد مقدور الحديث القائل (كما تكونوا يولى عليكم) بدلا من قلبها إلى واقع الحال بالقول (كما يُولى عليكم يجب أن تكونوا). كما لو أن مقتضيات استمرار الحكم السليم مشروط بقبول المحكومين بالانصياع المستديم لكبار المستكبرين، تحت شعار (العقلانية الواقعية) الذائعة الصيت في أواسط الليبراليين الجدد العرب (يساريين الأمس)، حتى لن يتوانى البعض، في زمن العولمة، لتسويغ تقاعسه، من الاستعانة بالمقولة المعتادة لدى نخبة لبنانية (قوة لبنان في ضعفه ).
لا شك هذا المناخ يعطب سبل الممانعة والصمود تجاه التحديات الخارجية والداخلية المحدقة بنا. وخاصة حينما تُهدر كرامة وقدرات العباد وتُستباح ثروات البلاد بخروقات الفساد والإفساد التي تفشت في المؤسسات الرسمية حتى طالت سيادات الدول التي لا تكف سلطاتها عن المزايدات الخطابية بالدفاع عن وحدة وأمن الأوطان والمواطنين لتحريرها من قراصنة الاستيطان.
* تطرح علينا إجابتك هذه مسألة النهضة من جديد، وهي إشكالية عني بها الفكر العربي منذ القرن التاسع عشر، وقد أُعيد طرح هذه الإشكالية مجدداً منذ ستينات القرن العشرين. ما رأيك بالمسألة.. ولماذا بقيت أسئلة النهضة تطرح حتى الآن؟
لا شك بعد بيان بعض المعطيات الأساسية التي اعترضت الفكر العربي في إرساء شروط النهضة ومقتضيات تحولها إلى مشروع صار من الطبيعي أن تطرح من جديد كمسألة، لأنه منذ طرح النهضة كمشروع منجز يُماثل حركة (الإحياء) أو (الولادة الجديدة) في الغرب تحولت إلى إشكالية وتكررت المساءلات المتضاربة حولها بين التنديد وبين البناء على أساسها، بعد الحرب العالمية الثانية أي في بداية الستينات على وجه التحديد. وهذا تم تحت ذريعة لا حاجة للاستغراق في تفسير التاريخ بأسلوب ليبرالي تابع، وإنما بالانقلاب عليه باسم (الثورة) وباتجاه دولة الوحدة والاشتراكية والحزب الواحد للرد على التهديدات الخارجية والداخلية.
لكن لما جاء الحصاد بخلاف حساب البيدر، بعد الهزيمة المفجعة في حرب يونيو عام 1967، وحصل ما حصل من احباطات وتراجعات وانكفاءات أكثر قطرنة وانعزالاً، أصبحت الطروحات تنحو منحى أكثر اشتراكية ووحدوية أو أصولية وتطرفاً من أجل تحقيق (النهضة) الثالثة باسم الثورة أيضاً، على أنقاض النهضة الأولى والثانية.
فراح أصحاب الدعوة القومية الماركسية العربية الوحدوية، لاستمالة الجمهور يفتشون في التراث، بكيفية انتقائية توفيقية ليسقطوا عليه مفاهيم الصراع بين المادية والمثالية واليسار واليمين ومقولة الصراع الطبقي، بحجة تقاطعها أو تطابقها مع السياق التاريخي الاجتماعي للنظام الغربي، كما فعل الاصلاحيون الإسلاميون والعلمانيون في القرن التاسع عشر، حينما حاول بعضهم يماهي عصر السلف الصالح بالمد الليبرالي العلماني في النظام الغربي، والبعض الآخر يماهي العصر العباسي بـ(عصر الأنوار) الغربي. إذاً ما تراءى لأصحاب النهضة الثالثة هو أنه على قاعدة المماثلة والتناظر، يمكن إنجاز المصالحة مع مجتمعهم وإرساء شروط النهضة.
* وكيف ترى موقف الأصوليين على هذا الصعيد؟
** أما الأصوليون المتشددون فراحوا بالموازاة إما تنصيب أنفسهم حرَّاس على التراث والتعامل معه ككتلة صلدة لا تمس في مواجهة الآخر الغربي، وإما تحت هذا الغطاء انتقوا منه بكيفية اختزالية، الجانب الإحترابي ليواجهوا خصومهم في الداخل على أن يُصدَّر فيما بعد للخارج، فإذا كان ديدن البعض من هؤلاء هو الصراع على السلطة واقتناصها من الداخل ثم إقامة "دولة الخلافة" فإن البعض الآخر جُنَّد عنفه لتصديره تحت شعار محاربة الملاحدة والكفار ضد الاتحاد السوفيتي في الثمانينات ضمن هذا السياق ذهب كل من هذين التيارين على اختلاف خياراتهما، إلى إلباس رهاناته على هذا النظام أو ذاك لضمان تحقيق طموحاته النهضوية. الأول بمدعاة أنه أكثر يسارية وأقل شمولية من غيره، والثاني بحجة أنه أكثر إسلامية ممن سبقه.
إلا أن هذه الرهانات لم تدم طويلاً، إذ تبين في الميدان أن مصائر الأمور تسير بخلاف طموحاتهما بكون النظام العربي الرسمي بوجه عام أصبح أكثر شللاً تجاه التحديات الخارجية المحدقة به وأغلب الحكومات التي في ظله أشد هرولة وتهافتاً، الواحدة تلو الأخرى للتطبيع علناً أو سراً مع كيان العدو، فهذا الأخير يزداد تشبثاً بالاحتلال وتوسعاً بالاستيطان، وتلك تزداد بالمقابل استقالة عن مسؤولياتها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتُفاقم تغييبها لحقوق المواطنة وتشتد تحديثاً لأجهزتها الأمنية لمواطنيها وتكريساً للعوازل فيما بينها على مختلف الصعد حتى بات معظمها لا يماري في المتاجرة بالوحدة والتضامن العربي ولإسلامي في المحافل الدولية.
حيال هذا المآل تحول قسم كبير من أنصار هذه الأطروحات إلى تعليق رهاناتهم بعد حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفيتي على مشجب النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة على أساس أنه القاطرة الكفيلة لبلوغ العولمة. وبفضل هذه الأخيرة حسب زعمهم ستدك حصون الديكتاتوريات وتفترش الأوطان الديمقراطية وتلتحف الشعوب بسماء السلام والحرية. بذلك انتزعت (النهضة) المأمولة لدى اليساريين جداً من حضانة الايديولوجيا الماركسية ووضعت في حضانة الليبرالية الجديدة بقيادة الولايات المتحدة. فهؤلاء بعدما كانوا على نقيض النهضة في القرن التاسع عشر صاروا أكثر المزاودين في استدعائها والتبشير بها على أساس أنها حملت بذور العقلانية الليبرالية والتنوير، لكن غُدر بها حينما اغتيلت على يد النظم الديكتاتورية الشمولية، كما لو أن هذه النظم أنزلت من كوكب ثانٍ. إلا أن القسم الآخر من الماركسيين توزَّعوا بين مراجعة أدبياتهم بكيفية نقدية وبين الانكفاء على الذات والاحتفاظ بثوابتهم الأيديولوجية بطريقة صوفية يتحسرون على الزمن الضائع ويشتكون من غدر الأقدار. هذا فضلاً عن انحياز قطاعات يسارية كبيرة بعد ظهور (المد الإسلامي) إلى مسلكين متعاكسين، الواحد باتجاه صف السلطات القائمة وتأييدها في قمع المظاهر الدينية المتشددة في المجتمع واستئصالها بالقوة، والثاني باتجاه المصالحة مع المجتمع.
* وأين موقع الطروحات الإسلامية في هذا التحليل؟
** توزع أصحاب الطروحات الإسلامية بين مُهللين ومبجلين بـ(العولمة) بلباسها الليبرالي الجديد، ومتوقعين المكافآت العميمة نتيجة ما أسدوه من خدمات (جهادية) لمعلميهم الكبار ضد الملاحدة والكفار، وبين متوجسين حائرين لا يعرفون ماذا يُخبئ لهم المصير في المستقبل من مفاجآت وتحديات بأمل أن يخرجوا منها بإعادة اللحمة للأمة وهدايتها إلى الصراط المستقيم برعاية العناية الإلهية، وبين المقاربة النقدية لأدبياتهم الإيديولوجية بطريقة أكثر انفتاحاً واستنارة.
إن كل المراهنين على النظام الدولي الجديد وما بثه من وعود مجنونة حول انتشار الديمقراطية وعولمتها، سرعان ما صدموا حينما انقلبت الأمور رأساً على عقب باستبدال إمبراطورية الشر بعدو جديد أو اختلاقه كمشجب يعلق عليه كل المخاطر التي تتهدد التنامي الإمبراطوري لهذا النظام، ألا وهو الإسلام كبديل عن الخطر الشيوعي، حيال هذا التحول لم ولن تتردد امبرطوريات الإعلام على اختلاف أشكالها في الكتابة عنه لتسوَّقه على قاعدة الصورة النمطية السابقة وحاجات العولمة التي تسعى لسيادة نموذج واحد واحتقار ما عداه بكون الإسلام يُشكل راهناً بؤرة الممانعة. بذلك صار حلفاء الأمس القريب أعداء محتملين أو مفترضين أو فعليين وخاصة بعد حرب الخليج الثانية وما ألحقته من تدمير هائل للعراق دولة وشعباً وبيئة.
لا شك أن تسويد صورة الإسلام في مرآة النظام الغربي بقيادة الولايات المتحدة طرأ عليها عدة تنميطات سالبة سابقاً، لكنها لم تتكشف سلبيتها ومماهاتها بالإرهاب إلا بعد حادثة تفجير البرجين المدوي (11/9/2001)، وما تمخض عنها من احتلال لأفغانستان ثم العراق وحرب "إسرائيل" على لبنان ثم غزة وما إلى ذلك من إشعال حروب أهلية في مناطق أخرى من العالم العربي الإسلامي (السودان، اليمن، الصومال..) كل ذلك تم ولا يزال تحت شعارات تجفيف ينابيع الاستبداد والإرهاب واستغراس الديمقراطية. في الحقيقة لم تكن إلا مجرد سيوف ابتزاز للأنظمة القائمة من أجل انتزاع منها أكبر قدر ممكن من التنازلات لتأمين أمن الكيان الإسرائيلي الغاصب والتمهيد لغزوها واحتلالها وإعادة تقسيمها أو فرض الحماية العسكرية عليها في حال عدم الرضوخ للإملآت المُقبلة من الخارج.
* وماذا عن العودة وطرح أسئلة النهضة من جديد؟
** كل التداعيات المذكورة استدعت طرح الأسئلة من جديد حول النهضة المأمولة وحضَّت العديد من الباحثين والمفكرين ولو أنهم غير منتظمين في رؤية إستراتيجية متكاملة، على بيان المعوقات المعرفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي حالت دون إنجازها كمشروع ثم إستراتيجية. إلا أن التفكير بشأنها بصورة جادة وبعيداً عن صخب الأيديولوجيات المتصارعة حولها كان قد بدأ على نحو متوازن نسبياً في مطالع الثمانينات وما بعد على قاعدة النقد المزدوج. ولقد تم ذلك لبيان أن النهضة لا يمكن أن تستقيم إذا ظلت أسيرة إشكالية المعاصرة والأصالة والانشراح الذي يعتورهما، وانفكاك غير المنخرطين في هذا الانشراخ لا يمكن أن يتم إلا بنقد حاسم لهذه الثنائية النهضوية كثنائية عقيمة ومدمرة, بتعبير آخر الانتقال بالنقد من حيث هو نقد لهذا الخطاب أو ذاك إلى نقد كل الخطابات المنزلقة في هذا السجال. أقول ذلك لأن وعينا بالهوية والإسلام والماضي لا يمكن أن يتم من خلال نقد الحداثة والغرب فقط. كما أن وعينا بالحداثة لا ينبغي أن يتم من خلال نقد الهوية والتراث فقط أيضاً. وإنما وعينا لهاتين الحاجتين الماستين ينبغي أن يُحلَّل عبر نقدهما وإعادة النظر فيهما معاً بما معناه إعادة بنائهما في وعينا انطلاقاً من منظور تاريخي اجتماعي.
ليصار إلى ذلك لا يعني التحرر من النص المرجعي ـ بشقيه التراثي المحلي والغربي ـ إهماله لا بل إعادة بناء العلاقة به انطلاقا من مرجع آخر ألا وهو الواقع الحي. بذلك تصبح قراءة النص قراءة واقعية لا قراءة الواقع قراءة نصية أي من خلال النصوص. ومن شأن هذا النمط من القراءة لا يساعد فقط المفكر على فهم مكنونات الواقع ومفاعيله جيداً دون وسائط مفارقة، لا بل يُساعده على إعادة فهم النصوص نفسها، أي إعادة قراءتها بالحفاظ على تاريخيتها الخاصة، وفي ضوء معطيات الواقع كل ذلك من أجل إعتاقها من عمليات التضخيم والتبشير والتبرير التي سار على منوالها معظم مفكرينا العرب على اختلاف تياراتهم ومذاهبهم وحسبنا التمعن في تجربة معظم التيارات الفكرية وإفرازاتها السياسية العربية المعاصرة وفي واقع إخفاقها حتى نصل إلى هذا الاستنتاج. لقد جرَّب الجميع أن يبني مشروعاً في غيبة جمهور حر، فاعل ومنتج، ولكن جاءت النكسة لتشي بمدى فصامية محاولته.إذاً إذا لم تتقدم النخب المثقفة الحية نحو ردم الفجوات وتغطية الثغرات المتسعة بينها وبين المجتمع فستظل تراكم الهزائم تلو الهزائم والخيبات تلو الأخرى. فليس من قبيل المصادفة حينما نرى الدول التي قامت بالرغم من إرادة شعوبها ودون التعبير عنها لا كمجتمع مدني ولا حتى كجماعة مجردة، لا يمكن أن تعيش إلا من نفي هذه الجماعة كوحدة وكإرادة وككرامة وكثقافة وكتراث وكمطامح وآمال تحررية وأمنية وقومية، وإنما أكثر من ذلك يتم تعويض النقص الوجودي في الدولة بتضخيم منقطع النظير للجهاز السلطوي الرقابي الأمني وللجزء الأكثر بدائية فيه، جهاز القمع والقهر، بذلك يصبح أمن وحراسة الفساد وتناميه هو الرابح وحصار المواطن بهدر طاقاته هو الخاسر.

* وبالتالي لماذا بقينا حتى الآن على ما نحن عليه؟ هل هناك خلل ما في العقل العربي؟
** إذا كنا قد بقينا حتى الآن على ما نحن عليه كما أسلفت فهذا لا يعود إلى مقدور بيولوجي أو خلل جوهراني في العقل العربي لطغيان المنطق البياني على المنطق البرهاني كما رُوَّج ويُروَّج البعض في تأصيله في الثقافة العربية، بالإطلاق، وإنما يعود إلى ضغوطات جيوسياسية واقتصادية واجتماعية، وإلى كيفيات تحديثية قسرية ثمرة اصطدامنا بالحضارة الغربية. الأمر الذي أدى إلى فصم الفكر عن الواقع الحي وجعله مهجوساً باستذكار معارف السلف الغربي أو السلف المحلي أو التوفيق بينما بطريقة انتقائية تلفيقية بدلاً من التفكر عليها ومفاعلتها مع مجريات الحاضر ومقتضياته من أجل تأسيس وعياً تاريخياً اجتماعياً فاعلاً حيالهما.
* كيف يمكن لعجلة التطور أن تتحرك في ظل الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية للوطن العربي؟
** لكي ندفع بعجلة التطور وتأمين بيئة لنشوء مشروع نهضوي متكامل ومتفاعل مع الحاجات الحيوية والتطلعات الحرة لمجتمعاتنا، ثم الخروج من المآزق والهزائم المذلة المتوالية التي تتهددنا لابد من العودة إلى الذات واستقراء واقعنا وما حكمه ويحكمه من تحديات خارجية وداخلية بكافة الصعد المعرفية والسياسية والاقتصادية والثقافية من أجل إجتراح أسئلة وأجوبة جديدة تتوائم مع حجم المسائل المطروحة علينا، فعلى ضوء هذه المسائل وغيرها علينا القيام أيضاً بمراجعة نقدية تاريخية اجتماعية ومعرفية لأسباب الردود العربية والإسلامية المنقوصة على هذه المشكلة. وهذا ابتداء بما يسمى بعصر النهضة من أجل استشراف رؤية واضحة ومقبولة لما يمكن أن تكون إستراتيجيتنا المستقبلية في مطالع الألفية الثالثة. وإلا أي استمرار في التقاعس على هذه الصعد سيؤدي إلى تلغيم القواسم المصيرية المشتركة الجامعة بيننا وتشظيها إلى أشلاء دويلاتية جديدة سائغة الابتلاع من قبل الإدارة الإمبراطورية الأمريكية الجشعة وحلفائها. وأن غزو بغداد ما هو إلا محطة تُنذر بنقل الكوارث التي حلت بها إلى المنطقة.
وما نحتاجه في نهاية المطاف هو عقد جماعي عربي للأمن والتنمية الإقليمية تشارك فيه كل الفعاليات السياسية والحقوقية والإدارية والفكرية والاقتصادية على اختلاف شرائحها وانتماءاتها. لكن على أن يُحدَّد هذا العقد التزامات ومسؤوليات وواجبات كل طرف في إطار مشروع تنموي موحد، وخطة إصلاحات اقتصادية وإدارية مشتركة لمحاربة كل خروقات الفساد التي طالت حرائقه حتى مؤسستي التعليم والقضاء، ولإزالة كل العوازل الاتنية والطائفية والمذهبية والدينية والثقافية والاقتصادية التي تفتك بها. كل ذلك ليصار إلى خلق مناخ جديد مُشجع على العمل والإنتاج والاستثمار بهذه وغيرها من الإعدادات تتمكن المجتمعات العربية والإسلامية من الخروج من موقع المنفعل والضحية المستجدية دائماً للحق من الشرعية الدولية إلى موقع الفاعل في الساحة الدولية.



أعلى






تـراثـيـات


خاتم أبي نواس

كان الحسن بن هانئ المعروف بأبي نـُواس من أشهر الشعراء في العصر العباسي ، ويقال : بأنه كان مسرفا ً على نفسه في المعاصي والآثام ، وكان له صديق اسمه محمد بن نافع الواعظ ـ من أهل الصلاح ـ قال : لما بلغني موتُ أبي نواس أشفقتُ عليه ، فرأيته في المنام ، فقلتُ : يا أبا نواس ، فقال : لاتَ حين كناية ، فقلتُ : الحسن ، قال : نعم ، قلتُ : ما فعل اللهُ بكَ ؟ قال: غفر الله لي، قلتُ : بأيِّ شيءٍ ؟ قال : بتوبة ٍ تـُبتـُها قبل موتي ، وبأبيـــاتٍ قلتـُها ، قلتُ : أين هي ؟ قال : عند أهلي ، فسرتُ إلى أمه ِ ، فلما رأتنـي أجهشتْ بالبكاء ، فقلتُ لها إني رأيتُ كذا .. فهدأتْ ، وأخرجتْ لي كتابا ً ، فوجدت ُ بخطـِّه ِ قوله:

يا ربِّ إنْ عـَظـُمتْ ذنوبي كثرة ً
فلقد علمتُ بأنَّ عفوكَ أعظــمُ
إنْ كانَ لا يرجوكَ إلا مـُحســـن
فبمـَنْ يلوذ ُ ويستجيرُ المجـرمُ
أدعوكَ ربـِّي كما أمرتَ تـضرُّعا
فإذا رددتَ يدي فمنْ ذا يرحـمُ
ما لي إليكَ وسيلة ٌ إلا الرَّجـــــــا
وجميل ظنـِّي ثمَّ أنيَّ مـُســـلم


وقيل كان نقش خاتم أبي نواس:

تعاظمني ذنبي فلما قرنته
بعفوك ربي كان عفوك أعظما

ــــــــــــــــــ


هذا عقلي بخلت به


قيل لخالد بن صفوان: لم لا تنفق مالك فإنه عريض؟ قال: الدهر أعرض منه. وقيل لعبد الله بن جعفر وهو يماكس في درهم: تجود بما تجود وتماكس في هذا؟ فقال: ذاك ما لي أجود به، وهذا عقلي بخلت به.

ــــــــــــــــــ


آيات الكمال

قال ابن السماك: الكمال في خمس: ألا يعيب الرجل أحداً بعيب فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنه لا يفرغ من إصلاح عيب واحد حتى يهجم عليه آخر، فتشغله عيوبه عن عيوب الناس؛ والثانية: ألا يطلق لسانه ويده حتى يعلم أفي طاعة أو معصية؛ والثالثة: ألا يلتمس من الناس إلا مثلما يعطيهم من نفسه؛ والرابعة: أن يسلم من الناس باستشعار مداراتهم وتوفيتهم حقوقهم؛ والخامسة: أن ينفق الفضل من ماله ويمسك الفضل من حاله.


ــــــــــــــــــ


احكم على بغلك

كان لرجل من أهل بلفيق بغل، فالتقى مع بغل آخر للقاضي، فضرب بغله بغل القاضي ركضة فكسره، فترك بغله لابنه، وذهب قبل أن يصل الخبر للقاضي، فدخل عليه فوجده مع جماعة من الناس، فقال له: يا سيدي، احكم على بغلك، كسر بغلي بركضة، فقال له القاضي: لا يحكم على بهيمة إذا فعلت شيئاً، فقال للناس: اسمعوا ما يقول سيدي القاضي، قالوا: الحق ما يقول لله، قال: فإن بغلي هو الذي كسر بغله.

ــــــــــــــــــ


خلطة لحفظ التوازن

حبس ملك الفرس احد الحكماء، وأمر ألا يزيد طعامه اليومين على قرصين من شعير وقليل من الملح، فأقام الحكيم على هذه الحالة أياماً دون أن يتكلم، فأمر الملك أصحابه ان يدخلوا على الحكيم ويسألوه عن ذلك، فقالوا أيها الحكيم نراك في ضيق وشدة دون أن يؤثرا على صحتك فما السبب؟. فقال: انني عملت دواء من ستة أخلاط آخذ منه كل يوم شيئا وهو الذي حفظ توازن صحتي على ما تروه. فقالوا: صفه لنا؟. فقال: الأول الثقة بالله ، والثاني علمي ان كل مقدور كائن ، والثالث ان الصبر خير ما يستعمله الممتحن، والرابع أن اصبر، والخامس قد يمكن ان أكون في شر مما أنا فيه، والسادس من ساعة الى ساعة فرج.. فبلغ ذلك الملك فعفا عنه.


ــــــــــــــــــ

كن أسداً

يحكى أن رجلاً أرسل ابنه في تجارة، وبينما هو في طريقه، مر بثعلب هرم قد أثخنه المرض فلا يكاد يتحرك، وقف أمامه متأملاً، كيف يرزق هذا الحيوان الضعيف؟. وما ظن إلا انه سيموت جوعا. وبينما هو مستغرق في التفكير إذ أقبل أسد كبير حاملاً فريسة فبرك قريباً من الثعلب، فأكل منها ما شاء أن يأكل، ثم انصرف، فتحامل الثعلب على نفسه ووصل الى بقايا الفريسة وأكل منها حتى شبع، عندئذ قال الشاب في نفسه: إن الله يرزق المخلوقات جميعاً، فلماذا أتحمل مشاق السفر وأهوال الطريق؟. فعدل الشاب عن سفره وعاد الى أبيه وقص عليه ما رأى، ولكن الوالد الحكيم رد عليه: أنت مخطئ يا بني فإنه أشرف لك وأعز ان تكون أسداً تأكل الثعالب من بقاياك، لا أن تكون ثعلباً تنتظر بقايا السباع.


ــــــــــــــــــ


كرم العرب

قال الأصمعي: قصدت في بعض الأيام رجلاً كنت أغشاه لكرمه فوجدت على بابه بواباً فمنعني من الدخول اليه، ثم قال: والله يا أصمعي ما أوقفني على بابه لأمنع مثلك الدخول اليه إلا رقة حاله، وقصور يده، فكتبت رقعة أقول فيها:
إذا كان الكريم له حجاب
فما فضل الكريم على اللئيم

ثم قلت له: أوصل رقعتي هذه اليه ففعل. فعادت الرقعة وقد وقع على ظهرها:
إذا كان الكريم قليل مال
تستر بالحجاب عن الغريم
وأرسل مع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار. فقلت والله لأتحفن أمير المؤمنين بهذا الخبر ، "فما مر بي مثله" فجئت اليه ، فلما رآني. قال لي: من أين يا أصمعي؟. قلت من عند رجل أكرم الأحياء حاشا امير المؤمنين. قال: ومن هو؟. قلت: رجل وهبني علمه وماله. ثم دفعت اليه الرقعة والصرة وأعدت عليه الخبر فلما رأى الصرة تغير وجهه فقال: هذا ختم بيت مالي، ولا بد لي من الرجل الذي دفعها اليك، فقلت: والله يا أمير المؤمنين اني لأستحي ان اروعه برسلك فقال لبعض خواصه: امض مع الأصمعي فإذا أراك الرجل فقل له: أجب امير المؤمنين من غير ازعاج ولا إظهار شدة. قال: فلما حضر الرجل بين يدي امير الؤمنين قال: أما انت بالأمس الذي وقفت بموكبنا وشكوت الينا رقة حالك وأن الزمان قد أناخ عليك بكلكله. فدفعنا اليك هذه الصرة لتصلح بها حالك، فقصدك الأصمعي ببيت شعر واحد فدفعتها اليه. فقال الرجل: والله ما كذبت فيما شكوته لأمير المؤمنين من رقة الحال، وصعوبة الزمان لكني استحييت من الله أن اعيد قاصدي إلا كما أعادني امير المؤمنين. فقال: لله انت فما ولدت العرب أكرم منك ، ثم أمر له بألف دينار. وجعل الرجل من جملة ندمائه.


ــــــــــــــــــ

وصية حكيم

لما حضرت عبدالله بن شداد الوفاة دعا ابناً له يقال له محمد فقال يا بني: إني أرى داعي الموت لا يقلع ، وأرى من مضى لا يرجع، ومن بقي فإنه ينزع، وإني موصيك بوصية فاحفظها:
عليك بتقوى الله العظيم، وليكن أولى الأمور بك شكر الله وحسن النية في السر والعلانية فإن الشكور يزداد، والتقوى خير زاد، وكن كما قال الحطيئة:
ولست أرى السعادة جمع مالٍ
ولكن التقي هو السعيدُ
وتقوى الله خير الزاد ذخراً
وعند الله للأتقى مزيد
أي بني، لا تزهدن بمعروف، فإن الدهر ذو صروف، والأيم ذات نوائب، واعلم ان الزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان يرى الهوان، وكن كما قال ابو الأسود الدؤلي:
وعدّ من الرحمن فضلا ونعمة
عليك اذا ما جاء للعرف طالبُ
فلا تمنعن ذا حاجة جاء طالباً
فإنك لا تدري متى أنت راغب
وإن امرءاً لا يرتجى الخير عنده
يكن هيناً ثقيلاً على من يصاحب
أي بني، كن جواداً بالمال في موضع الحق، بخيلاً بالأسرار عن جميع الخلق، وكن كما قال قيس بن الخطيم الأنصاري:
أجود بمكنون التلاد وانني
بسرك عمن سالني لضنين
اذا جاوز الاثنين سر فإنه
بنثٍّ وتكثير الحديث قمينِ
أي بني، إن غلبت يوماً على المال، فلا تدع الحيلة على حال، فإن الكريم يحتال، والدنيء عيال، وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالاً، أقل ما تكون في الباطن مالاً، وكن كما قال بان خذاق العبدي:
وجدت ابي قد أورثه أبوه
خلالاً قد تعد من المعالي
فأكرم ما تكون علي نفسي
اذا ما قل في الأزمات مالي
فتحسن سيرتي وأصون عرضي
ويجمل عند أهل الرأي حالي


ــــــــــــــــــ

الفقر في النفس لا في المال

أرسل سليمان بن علي العباسي الى الخليل بن احمد الفراهيدي ولده من الأهواز لتعليمه، وقبل ان ينصرف مبعوث سليمان قال للخليل: ماذا أبلغ مولاي الأمير؟
فقال الخليل:
أبلغ سليمان اني عنه في سعة
وفي غنى غير اني لست ذا مال
والفقر في النفس لا في المال أعرفه
ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه
ولا يزيدك فيه حول محتال


أعلى






الأدب الشعبي

على بابك

لو بغيت أدخل .. على بابك قفول
كل قفل يوزن جبال وبلاد
كن نجمي في سماواتك أفول
شحت عني .. ألبست قلبي سواد
كم ذكرت وقلت .. لك قلبي ميول
كم تمنيتك .. شذا .. دون العباد
كم رسلت الشعر لك مني رسول
لين دمعي لك نزف دم ومداد
كان في درب الهوى مالي ميول
روضت قلبي كترويض الجواد
لأن عينك أمطرت قلبي سيول
سال في جسمي من الأمطار واد
ما دريت إلا وأنا بحبك أجول
مثل ذيب ما أكل من عام زاد
وأنت هداك الله بالصدة عجول
سكرت بيبانك بوجهي جحاد
حاولت أرجع واعيد لْك واقول
أمنياتي أنت .. وأنتْ كل المراد
لو بغيت أسأل عن أرقامك تقول
غيرّتها عناد .. وعناد وعناد
لا زلت أهواك والعاذل يزول
في حنايا القلب لك مجلس وكاد
خلي مفتاحك على باب الدخول
أدخل بدنياك يا نبض الفؤاد

مبارك العفاري

ــــــــــــــــــ


الملهمة‏

جيتك وله يا ملهمة إحساس هالخافق شعور
تتسابق حْروف الشعر قلبك منو بيغازله
منهو بيحظى بالعشق يبنيلك إحساسه قصور
في مملكة شعر النبط والقافية مرسى إله
إنتي القصايد كلها يا وزنها بمد البحور
أبياتك الجزلة سفن يصعب عليها تواصله
يالنايرة يالحايرة يا نور ما يعلاه نور

يا شمس صبحي المشرقي في طلته نتأمله
كنك ملكتي هالفضى مستحوذة كل الأمور
هيبة عشق في نظرتك لا والله يمكن أكمله
بعض الغزل يمكن مكر أو يعتبر صاحبه جور
لكن حروفي غزلها من لب روحي مرسلة
كل الجوارح خاضعة إحساسها فاح بعطور
تعزف لإحساسك لحن إيقاعها شوق ووله
لو يحنمع كل الشعر في محمل كتابي ويثور
والله ثم والله عجز هالشعر وصفك يعدله
يالمستحيلة بكوننا من وين رحتي لك حضور
منك حواري دنيتي غارت بحسنك تعذله
حافظ عليكي خالقي كل الخلايق لك نظور
كنك سحرتي قلوبهم تحفة إلهي مكملة
وآنا الذي جيتك وله يا ملهمة كل الشعور
الأبجديات الحروف مع قلب صعب تغازله

ناصر بن حميد العلوي
ــــــــــــــــــ

الغياب الأخير

ودعت أمس المدينة من بها طيبه ورحل
وما بقى في حضن بيته غير أحزان ودموع
هو رحل عن دنيا لكن طيفه باقي لا يزل
دامها الطيبه صفاته كل قلبٍ له يطوع
أمسى بيته في ظلام وكل شيٍ له زعل
حتى سور البيت صارت كل احجاره خضوع
كل طريق وكل مكانٍ .. حتى محرابه سأل
تفقده عين اليتامى وشمسه ما تنوي الطلوع
شف مكانه ما هو خالي بكل دار به حلل
يلمحه حتى الرضيع ويبتسم له وهو جزوع
حكمة الله في عباده ياخذ الطيّب عجل
وإحنا له سمعٍ وطاعة في السجود والركوع
اطلب اللي صار يقرأ هالكلام وفي مهل
يرفع كفوفه ويدعي خالق الكون بخشوع
رحمتك يا رب للي أمس في لحده نزل
نسألك غفران ذنبه قبل ما تجف الدموع

محمد مبارك البريكي

ــــــــــــــــــ

رسالة حب

بسم الله الرحمن ربي ومولاك
اللي مشيد لك ف قلبي ممالك
أستوطني وأستعمري كل لملاك
جري جيوشك وأفعلي مابدالك
سلام من قلبٍ يحبك ويهواك
جيتك صريح وخايفٍ من دلالك
شاعر تهور ثم قرب وناداك
القلب حلفني وقرر كذالك
غصبٍ عليَه أعترفلك بمأواك
جنه ف صدري تنخلق كلها لك
ظرفٍ حملته لك وضعته بيمناك
الصبر فارقني بعزمه مشالك
هذي رساله حبرها نبض يرعاك
بالحب أكتبها وفكري صفالك
محبوبتي واضح على الطيب مرباك
وكل العلوم الطيبه من فعالك
والشاعر الموهوب يعرف مزاياك
والقلب والعينين يحكوا بذالك
يا نبض قلبي شاعرك ما تعداك
كل القصايد قالها في جمالك
حسنك فريد وكم تمنيت لقياك
صاحبت أخوانك وعمك وخالك
كلي لعينك جيت فدوة غلاك
قصدي شريف وغايتي في وصالك
الطيب والأحساس مسكن خلاياك
شفتك وشعري نابعٍ من خيالك
أكتب لفكرك غايتي كيف أقراك
وفهم معاني خاطرك حين جالك
يا ظاهرة هالكون لخبطت الأفلاك
صارت تداور معك تتبع مجالك
يضوي القمر لاشاف طلت محياك
وده ينافس نور وجهك لحالك
يخسف قمرنا كل ما شاف عيناك
أثره يقلد كحلتك طاب فالك
جمله جميله قالها عن مزاياك
صرح بغيره .. قلبيها ف بالك
أفرح لشبه بي وقالوا فديناك
وجهٍ ينير الكون لا من بدالك
وابكي لا قالوا يالقمر لا تعداك
لأنه يمد النور لحظة زوالك
وانا أقول أن الأحاسيس تنخاك
شفت الحواس الخمس كلها حلالك
أقري الرساله.... تبعيها بيمناك
كلمه بكلمه وأستعيني شمالك
خايف تضيع أحروف شاعر تمناك
شاعر يصيغ الحرف بالحب جالك
أقري الرساله وأحفظي في حشاياك
أسرار رجلاً بالمحبه شكالك
وأن كنت رافض سيب ذولا وذولاك
وأهلي وأخوانك وعمك وخالك
خل عاشقك مابينهم ثابت وشرواك
محبوب ف العيله وصل من خلالك
عجَل بردك لأتأخر بلقياك
معطيك أسمي لا ورقمي كذالك

تركي الحبسي

ــــــــــــــــــ

يوم ميلاد

ناظرت في حالي وأنا أصفق الكف
واعلن وانومس واطلق الصوت بإنشاد
لو جف مجرى العين أو كان يذرف
ما عاد ينفع دمعها كان تعتاد
آشوف ناسٍ بالحكي دوم تجرف
تجرف وتضرب بالحكي ضرب جلاد
وآشوف ناسٍ تتبع الغير وتصف
ترمي وتقنص بالعرب قنص صيّاد
الناس نفس الناس والرمش يطرف
وروحي تنّقي الزين من دون قيّاد
ما صعّر الخد بين الناس وأسرف
وما شوف روحي فوق عن كل العباد
آنقي أطياب الثمر دوم وأقطف
وآحلّي لساني بشذى عذب الأنداد
وإن كان هارون بدنانير يشغف
آنا بعادي عن هل الشين معتاد
ماني جرير بنظم الأشعار وأعرف
وماني أبو النعمان وآعد العتاد
حاول وهدء شوي ثم عاد يقصف
والعبد ما يخلق بلا يوم ميلاد
آعد وأزجل بالشعر دوم وارظف
وآعدّل كسور الشعر دون حداد
مقرأ نظر فنجان...وما خمّن الكف
لكن أناظر ناس وسواسها ساد
أعدل وأبدل قبل وآلف...وآلف
وآميّز الكادي ترا بين الأعواد
وما قول إني زينه الناس...زخرف
لكن أحاتي نفوس م تحصل ضماد
أسبق سحاب القيض من قبل لا تنف
والتين عمره ما ظهر يوم فرصاد
طير الكناري يزور بلدان ويلف
وأنا رسيت بدرب مزحوم بأفراد
حتى جناح الطير ما عاد رفرف
وما عاد حلّق فوق لو بدّل أوتاد
وعباس بن فرناس لو كان خايف
ما كان حلّق من قبل شوف منطاد
وبآقول بيت يشب نيران ويطف
ويزيد ريس الهدرز بدون عدّاد
لو جف ماي الخليج وعاد..ثم جف
يبقى العزيز بفوق ويجر أمداد
ولو طحت وسط السهام آطيح واقف
لو كان وبل السهام يقاس بأرصاد
ويا رب يا منّان طالبك تلطف
دوم بعبادك دامنا صوبك عباد
وقلبي عقب هاليوم ما عاد صيّف
(والتين عمره ما ظهر يوم فرصاد)

أحمد بن محمد العلوي

أعلى






قُلوبْ في العاصفة..

(1)
قٌلوبٌ تُحب وأخرى تَنال الحُبْ , قُلوبٌ ذاقت طعم السعادة بعد أن خاضت غمار الحب وأخرى عاشت تجربةً مريرة تمنت مراراً وتكراراً أن تنمحي من أرشيف ذكرياتها وبين النهاية التي آلت إليها كلا التجربتين بَونٌ شاسع لا ينحصر في النهاية الدرامية التي آلت إليها التجربتين بل في توابع كل تجربة ، وفي جملة التفاصيل التي احتواها السيناريو في مختلف مشاهده ، وفي الأبطال الذين عاشوا كل تجربة ،وفي العديد من العناصر التي كانت جميعها مُكملةً لبعضها وجميعها تشترك في صياغة الحكاية وفي إخراجها إلى حيز الظهور لكي يعيشها الآخر معنا لكي يشاركنا الناس الفرح إن كانت النهاية سعيدة ولكي يشاركوننا الحزن إن كانت النهاية حزينة ..

(2)
تلك النهاية التي تفتح أبواب الاحتمالات على مصراعيها فاحتمالٌ يقول بأن الأبطال سيسقطون في نهاية الحكاية ولن تقوم لهم قيامة فالصدمة كانت قويةً مؤلمة أودت بقلوبهم في خبر كان والاحتمال الآخر يناقض الاحتمال الأول تماماً وأنصاره يقولون بأن القلوب التي خاضت التجربة العاصفة ستنجح وتصمد في وجه العاصفة ومن ثم ستبدأ تجربةً جديدة لغرض نسيان ما مضى من جراح ومن ثم تحويلها إلى أفراحٍ وليالٍ ملاح ..

(3)
وبين هذين الاحتمالين ظهر احتمالٌ ثالث يقول إنها ستكون سعيدة للغاية سعيدة لأبطال السيناريو الذين خاضوا غماره من ألف البداية إلى أن كان الوصول إلى محطة النهاية التي لن تكون محطة النهاية الأخيرة لأن النهاية الحقيقية لن تعلن عن نفسها إلا بانتهاء الفصل الأخير من حكاية الحياة وساعتها سيتحول المشهد من حالة الحضور إلى حالة الغياب ..

(4)

"الحب لا يعرف أي قانون "..بوريسيوس..

يَعقُوبْ البُوسعيدي


أعلى


 

فان جوخ تجسيد لعظمة الفنانين ومعاناتهم

"إن الفلاح الذي يلمحني أرسم جذع شجرة عتيقة ، ويراني أجلس هناك لمدة ساعة ، يعتقد أني قد أصبت بمس من الجنون ، وبديهي أنه ينظر إلىّ نظرة ساخرة . وأية امرأة صغيرة تحاول أن ترفع أنفها عالياً عندما ترى عاملاً بملابسه القذرة الرثة ، المرقعة ، لا يمكنها أن تفهم لماذا يزور أي إنسان بورنياج وينزل داخل المنجم ، إنها لا بد أن تصل إلى نتيجة حتمية وهي أنني رجل مجنون " هذا مقتطف من خطابات الفنان الهولندي الشهير فنسنت فان جوخ الذي عاش حياة استثنائية خاصة كابد فيها المعاناة بصورها المختلفة ولكنها صنعت منه مبدعاً عظيماً وصلت سمعته الآفاق ، وتم تصنيفه كأعظم شخصيات التصوير في العصر الحديث أطرحها في هذه الأسطر ليقرأها فنان قاسى في حياته مُر المعاناة واستسلم لها ولم يخرج منها إلا مهزوما متوشحاً بالضعف والخوار ، فليقرأها لعله يخرج من كبد المعاناة ويحولها إلى نقطة إيجابية تجلب له عكس ما يقاسيه . أو يقرأها متذوق ومهتم بالحراك التشكيلي ليفهم جانب من جوانب الرؤية الخافية في ذوات الفنانين ليتلقى أعمالهم بإحترام وتبجيل لأنها ربما خرجت من رحم المعاناة مثلما سنحكي عن قصة هذا الفنان .
باختصار فإن حياة فان جوخ تعتبر مأساة في حد ذاتها ، فقد عاش هذا الفنان حياة منعزلة قاسى فيها كل أنواع الإضطراب ، ولكنه استطاع أن يحقق نجاحاً تعويضياً بقدرته على تنظيم نفسه وتوجيه مساهمته الفذه في نطاق حياته الخاص . كان عمر فان جوخ ثمانية وعشرين عاماً قبل أن يبدأ في الرسم ومات في سن السابعة والثلاثين ، إلا أن هذا الفنان معروف بين العامة على أنه مصور غريب الطباع ، قطع أذنه وأرسلها إلى عاهرة كتعبير عن المرارة ، أو كنوع من اللوم لصلتها بالفنان بول جوجان . كما يمثل في الحقيقة شخصاً عصابياً هدمته أحداث الحياة ، وكان من الممكن إنقاذ حياته ، لو كان التحليل النفسي في خدمته ، إنه كان يعاني من أعباء داخلية وخارجية كثيرة ، كان حساساً في تكوينه ، ورث هذه الأعباء بما فيها من أسرة هولندية عنيفة ، بينها أخت مريضة بإضطراب عقلي ، كما كان يشعر بحاجته إلى والد . وكانت اسرته الكبيرة تهتم بالجانب التجاري للفن . وكان أكبر حدث في حياته هو لفظه من الناحية الجنسية ، ومأساته الدينية ، وفقره وجوعه ، وزواجه بداعرة ، كما كان يعاني أيضاً من الجنون ، كل هذه المتاعب تكفي لأن تؤزم حياة أي كائن عادي . ومن حسن الحظ أن فان جوخ ترك مجلدين من الرسائل ، يمكن منهما التبصر في الصراع الذي عاشه مع الحياة . كانت بعض هذه الخطابات لصديقه الفنان (رابار) وبعضها الآخر لأخيه (تيو) الذي توفى بعد انتحار فان جوخ بقليل ودفن هذان الإثنان جنباً إلى جنب فحياتهما معاً تمثل درجة مزدوجة من العصابية .. ومن قصص هذا الفنان الغريبة أن ذهب إلى مقاطعة بوريناج البلجيكية وهي عبارة عن مقر للمناجم ، ذهب إلى هناك مع عمال المناجم الذين كانوا يعانون المرض والجوع والإضطهاد ، حيث بدأ يلعب معهم دور المسيح الثاني في محاولة يائسة ليرفع من معنوياتهم ، ويخفف عنهم بؤسهم ، كان عمال المناجم يحبونه لتضحياته الشخصية ، ولكن حياته في مثل هذه البيئة جعلته يعاني من نقص الغذاء ومن الأمراض التي كانت تمثل بالنسبة إليه حقبة شديدة الوطأة أمضاها في تلك السنوات . وقد طرد فان جوخ من الكنيسة حينما سمح لنفسه أن يستغرق في الملاذ الجنسية ويقوم بالوعظ في الحظائر الذي كان في نظر رجال الكنيسة تقليلاً لقيمة الوعظ وجلاله ، وعندئذ أبتعد عن وظيفته في الكنيسة ، وعاش يخطرف في كوخ حقير ، فتجنبه الناس في تلك البلدة ، واستطاع أخوه تيو أن ينجده من الوضع الذي وصل إليه وقام بدعمه مادياً ، لأنه كان يدرك عبقريته من خلال رؤيته لرسومه المبكرة التي بدأها في سن الثامنة والعشرين بمساعدة وتشجيع قسيس كان يعيش قريباً منه وكانت هوايته الرسم . وقد كتب فان جوخ لأخوه تيو في عام 1880م رسالة بين في أحد فقراتها جانباً من بؤسه ومعاناته التي تعرض إليها في تلك البلدة حيث قال " لا يجب أن تتخيل يا أخي أنني أعيش عيشة رغداء هنا ، إذ أن غذائي الرئيسي هو الخبز الجاف ، وبعض البطاطس ، أو الكستن ، حيث أنني قد عشت عيشة بائسة خلال عامين في البلجيك في ريفه الأسود ".
عموماً إننا حين نتأمل أعمال فان جوخ يمكننا أن نتعرف على إنسان يعيش في مشكلات ويعاني صعوبات داخلية من النوع الذي يعانيه كل منا ويمر عليه في حياته ولكن بالنسبة له كان هناك شيء في داخله يحمل دافع قوي أكثر من غيره ، وهو إحساس بالوحدة اللانهائية ، وكذلك احساسه بالتشاؤم ، وكثرة تحليلاته للعالم الذي يمتلئ بالمنغصات من حوله ، وهو يحاول مع العالم الخارجي بقسوته ومآسيه أن يدق على باب روحه ويخترقه ويقلب ذاته المسكينة. وقد وجد في أعمال فان جوخ سواء صوره أو خطاباته نوعين عميقين من الخوف يصلان لدرجة الذعر الحقيقي ، وأول نوع من الخوف ينبعث من دوافع لا شعورية ، تلك الدوافع التي كانت تثير قلقه ، وكذلك احساسه بالوحده ، وعدم قدرته على الإتصال بغيره ليحصل على الدفء الإنساني والعطف . والخطابات المطولة التي كان يكتبها لإخيه ، تمثل محاولة للخلاص من الوحدة ولإقامة نوع من التعاطف ليَحُب ويُحَب ، حتى أنه وجد إمرأة بشعة قام واصطحبها إلى منزله بعد أن التقطها من الشارع وتزوجها ، فإن هذا الأمر إنما يشعرنا بحاجته الملحة ، التي تقاوم الكبت ، لأن يحب ، والرغبة في أن يعيش لشيء وفي سبيل شيء ويستطيع أن يحول الواقع المضطرب المذري إلى شيء جميل سار يمكن قبوله .
عبدالكريم الميمني

أعلى



نزار قباني

ها أنذا، أعود من تونس العزيزة بعد نقاش طويل، وحوار مثمر حول تجربة الشاعر نزار قباني، وقد فرحت فرحاً لا حدود له لأن المشهد الثقافي التونسي منشغل بشاعر سوريا الفذ نزار قباني الذي ملأ المشهد الشعري العربي قرابة ستة عقود كاملة، كان فيها شاعرا جوّاباً لكل الآفاق والحقول، تماشيه موهبة شعرية نادرة، وثقافة موسوعية لا نظير لها، وعين رائية شديدة الحساسية والنفاذ.. وسبب فرحي لا يعود إلى أهمية تجربة نزار قباني الضافية المترامية الأطراف وحسب، وإنما لأن الذهنية التونسية ليست منشغلة بالإبداع وحسب وإنما منشغلة بالمدونتين الوطنية والقومية في آن، فنزار قباني شاعر وطني وقومي، وصاحب إبداع وتجربة شعرية قلما تقاربها التجارب الشعرية الكبيرة. فقد كانت الوطنية والقومية والإنسانية دماً يجري في عروقه، وذلك لأن انتباهته الشعرية وعت منذ البداية أن الشاعر الحق لا يكتفي بالدائرة الوطنية كي يبدو فيها ويتجلى، وإنما هناك دائرتان لابد من الحضور فيهما وعلى نحو مضيء.. هما الدائرة القومية، والدائرة الإنسانية، وبذلك تصير الدوائر الثلاث الوطنية، والقومية، والإنسانية دائرة واحدة ما إن تبدو القصيدة في واحدة منها حتى تشيع في الدوائر الثلاث الاخر.
وهذا ما عاشه نزار قباني في يفاعته، وكهولته، وشيخوخته، ولم تطو حياته إلا عندما استوى فارساً للشعر والحضور في الدوائر الثلاث.
وقد رأيت ووعيت مرامي أهل الحوار والتعبير في تونس الذين تناولوا تجربة نزار قباني.. فأدركت أن الكثير من الآراء والأفكار لا تزال تواقف آراء وأفكاراً قيلت عن شعر نزار قباني منذ أربعة عقود ونيف، تلك الآراء التي أرادت لتجربة نزار قباني أن تقف عند ما قاله في المرأة فقط، وبالتالي توصيفه بأنه شاعر المرأة ولا شيء غير هذا، أو القول بأنه شاعر غزل، وعواطف، وتنهدات.. وحسب. وهذا، لعمري، ما يجافي الحقيقة، ويبتعد عن الموضوعية، وما أعده قراءةً ناقصةً لتجربة الشاعر.. فنزار قباني الذي عادته منابر، ودول، واتجاهات، وتيارات، وجهات، ومؤسسات، ودور نشر، وحدود، وصحف، ومجلات، ومنتديات، ومهرجانات، وملتقيات، وهيئات،.. لم تكن العداوة له ولتجربته الشعرية بسبب الغزل وتوصيف المرأة.. وإنما كان بسبب مواقفه الوطنية والقومية الجريئة.. بوصفه رائياً ومفكراً، وصاحب حدس واشتقاق وابتكار، وصاحب مصداقية نادرة المثال.
قلت لهؤلاء الذين أرادوا احتباس نزار قباني في الحيز الغزلي.. إن الرجل صاحب مدونات شعرية كل مدونة منها بحاجة للمواقفة والقراءة والتأمل والتأويل، فهو من قال في المرأة ما لم يقله شاعر عربي.. ليس من أجل انتقاص كرامتها أو تثبيتها في دائرة الأنوثة.. اطلاقاً وإنما من أجل المزيد من الوعي والانتباه والإدراك بأن المجتمع كله هو من صنع يدي المرأة، لأن المرأة التي تشكل نصف المجتمع، هي الكائن الذي يربي ويعلّم النصف الآخر من المجتمع، وأي انتقاص للمرأة يعني الانتقاص من المجتمع، ونزار قباني هو أيضاً الشاعر العربي الذي قال في السياسة ما لم يقله معظم الشعراء العرب أصحاب التجارب، فهو لم يحاب، ولم يداهن، ولم يمتدح.. وإنما كان شاعراً صاحب موقف ورؤية، وقد ماشت تجربته الشعرية قضايا العرب كلها طوال القرن العشرين المنصرم، وخصوصاً القضية الفلسطينية.. التي بكاها فقداً ومأساةً، وأيّدها حين مشى بها أطفال الحجارة الذين طالبهم أن يعلموا الخانعين درس الوطنية والفداء..
قلت لأصدقائي المتحاورين، إن أي قراءة لتجربة نزار قباني تقف عند حدود شعره للمرأة هي قراءة ناقصة وضريرة أيضاً.. لأن نزار قباني في شعره يشكل كتاباً في الحضارة، والوطنية، والفداء، والمحبة، والإبداع..
ويكاد يكون الشاعر العربي الحديث الذي لم يتكسب بشعره، ولم يتقرب به من أحد، لا بل إنه، ومن أجل الشعر، ودع عالم الديبلوماسية، من أجل أن يتفرغ للشعر وشؤونه.. وقلت لهم، أذكر أنني التقيت به في إحدى السهرات الدمشقية وقد جاء إليها على مركب الشوق والمحبة، فسمعته يقول إنه يقرأ ثماني ساعات يومياً من أجل استحضار القصيدة؛ إن قراءة الساعات الثماني التي يمضيها الشاعر في القراءة لم تكن من أجل استحضار قصيدة تقف عند جمال المرأة وأوصافها.. وإنما هي قراءة من أجل استحضار قصيدة تشغل المجتمع والرؤيا، مثلما تشغل الحاضر والمستقبل في آن واحد. وقلت لهم أيضاً لو أن أحداً من شعراء العربية تمتع بموهبة شعرية تشبه موهبة نزار قباني وفطنته لما قرأ سطراً واحداً من ثقافة العرب والغرب في آن.. ذلك لأن موهبته موهبة تقول الشعر وتتنفسه تماماً مثلما هو الكائن البشري يقول الكلام ويتنفس الهواء. وقلت لهم أيضاً إن أي تحقيب لتاريخ العرب من دون قراءة مدونة نزار قباني الشعرية هو تحقيب ناقص.. ذلك لأنها شغفت بالمصداقية، والوطنية، والموضوعية، والوضوح..
بلى، كان الحوار التونسي حول تجربة نزار قباني حواراً راقياً.. بدت فيه مؤيدات العقل، والفن، والنقد، والرؤى الصائبات.
حسن حميد

 

أعلى

 

 

 

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept