الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ

للمسلمين نظرة خاصة متميزة في مجال الفن والجمال، تأثرت بشكل كبير بالشرع وطبيعة الحياة الاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة قبل الإسلام، ومنذ البداية وقف الإسلام ضد أي سلوك أو أمر يؤدي إلى انحراف خلقي أو ارتداد نحو مظاهر الجاهلية وكانت الفنون من ضمن الأمور التي قاومها المسلمون خوفا من أن تؤثر سلبيا على المجتمع الإسلامي ومع ذلك بقي للشعر مرتبة خاصة بين المسلمين، وأثناء فتوحات المسلمين في الشرق والغرب اطلع العرب على فنون الشعوب المجاورة وتأثروا بها، كالفن الساساني والبيزنطي والقبطي.
وفي هذا العدد من "أشرعة" الفنان عبدالكريم الميمني يسلط الضوء على أبرز المدارس الفنية التي ظهرت في عهد ولاية المسلمين لبقاع شتى من الأرض، معرفا بأهم الآثار التي خلفها المسلمون وأصبحت شاهدا مؤكدا على حس وذوق الفنان المسلم الراقي الذي جعل العقل هو المعيار الأصيل في الفن حيث كانت قيمهم منطلقة من القيم الأخلاقية الجمالية.
اكتسب أدب الرحلات مكانة مميزة في الأدب العربي حيث عكس هذا اللون الأدبي عادات الشعوب وتقاليدها من خلال جولات الرحالة وهواة الرحلات حيث اعتبر النقاد أن أدب الرحلات يعد مصدرا هاما لوصف الثقافات الإنسانية عبر التاريخ، كما أنها تساهم في إثراء الفكر الإنساني وتأملاته عن الكون والحياة.
يعرض الكاتب سالم الغيلاني لكتاب "أدب الرحلات" للدكتور حسين محمد فهيم، من خلال عدة محاور تتمحور حول: الرحلات واكتشاف للعالم والإنسان وأدب الرحلات والسعي إلى التراث والرحلة في التراث العربي الإسلامي والتراث الشعبي في أدب الرحلات ورحلات الخيال والرحالة المسلمون وملامح حضارية ورحلات المسلمين البحرية.
الكاتب كاظم الموسوي يعرض كتاب "في رحاب الجواهري" للفنان صباح المندلاوي، حيث كتاباته لها نكهة خاصة تتميز عن غيرها من الكتب الكثيرة عن الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، سواء بحياته التي امتدت طيلة القرن الماضي، أو بعد رحيله، وقد أصدرت دور النشر وترتب على رفوف المكتبات العربية العديد من المؤلفات عن شعره ومواقفه واهتماماته وصراعاته الشعرية والسياسية التي شغلت القرن الماضي وانشغل هو بأسبابها أو بنتائجها، أو ذكريات عن لقاءات به أو علاقات عامة معه أو لقطات من قراءات في شعره وحياته وتنقلاته بين مدن كثيرة وبلدان عربية أو أجنبية.
يرى رسام الكاريكاتير السوري علي فرزات أن اللوحة الكاريكاتيرية أصبحت تحمل قيمة اللوحة الفنية التشكيلية، ومن ثم أصبح لها صفة الخلود. ولكن الرسم الكاريكاتيري لفرزات يتجاوز القيمة الفنية ليحمل أبعادا اجتماعية وسياسية، بل ورؤية للكون والحياة.
وفي هذا العدد من "أشرعة" يحاور وحيد تاجا مراسل "الوطن" في دمشق، فنان الكاريكاتير السوري علي فرزات، حول أهم المؤثرات التي دفعته باتجاه فن الكاريكاتير، مفهوم الكاريكاتير من الناحية الشكلية والفنية، الكاريكاتير في الوطن العربي قياسا بالكاريكاتير في العالم.
وفي العدد الجديد من "أشرعة" العديد من الموضوعات الثقافية والفنية.

المحرر


أعلى






قرر أن يقتل الشرطي في رأسه ويرسم
فنان الكاريكاتير السوري علي فرزات لـ " أشرعة ": الكاريكاتير التحريضي يضع عبوة ناسفة في جذور المشكلة

حاوره في دمشق ـ وحيد تاجا :
يرى رسام الكاريكاتير السوري الشهير "علي فرزات" أن اللوحة الكاريكاتيرية أصبحت تحمل قيمة اللوحة الفنية التشكيلية، ومن ثم أصبح لها صفة الخلود. ولكن الرسم الكاريكاتيري لفرزات يتجاوز القيمة الفنية ليحمل أبعادا اجتماعية وسياسية، بل ورؤية للكون والحياة، وفي حواره التالي مع "اشرعة" يكشف لنا الفنان علي فرزات تفاصيل وجهة نظره حول العديد من المواضيع ..

* ما هي أهم المؤثرات التي دفعتك باتجاه فن الكاريكاتير؟
** رسام الكاريكاتير لم يأت من الفضاء، فهو ابن بيئته، وكل ما حوله يزوده بمقومات اللوحة الكاريكاتيرية، سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، والوطن العربي في حد ذاته هو لوحة كاريكاتيرية تمتد من المحيط إلى الخليج، فالإنسان على أرض هذا الوطن يعيش تناقضات اجتماعية، وسياسية، وسلوكية، وحتى هذه لا تنتمي إلى مكان أو زمان معين، فلها امتدادات تاريخية، وغالبا ما تستمر مستقبليا كذلك إذا بقيت الأمور كما هي. فبدءا من السلوك وعلى مستوى العائلة نجد مثلا أن الأم تطلب من ابنها التحلي بسلوك الفضيلة، بينما نجد الأب يطالب ابنه أن يصرف زائرا غير مرغوب فيه، ويقول له: إنه غير موجود (أي الوالد)، المسألة تبدو هنا غاية في البساطة، ولكنها تحمل في طياتها أبعادا كثيرة في نفس الطفل الذي يقع في تناقض أخلاقي يحمله معه إلى المستقبل، ويمارسه فيما بعد بطرق مختلفة، وهكذا نرى الفرد الذي ربما يصبح في يوم من الأيام مسئولا سياسيا أو اجتماعيا، في رأيك ماذا سيصدر عن هذا الإنسان الذي شوهته التناقضات منذ طفولته؟
مثال آخر ذلك الإنسان الذي يرفع شعار الحفاظ على البيئة، ونحن لم نسمع حتى الآن بأن حيوانا ثقب طبقة الأوزون، وبصراحة لم نشاهد مجموعة من الذئاب أو الضباع شنت حروبا أعنف وأشرس من تلك التي شنها الإنسان وأباد فيها الشعوب، يأتي ويخترع الديناميت، ومن ثم يعمل جائزة "نوبل للسلام"!!
ولعل أوضح مثال على التناقضات التي يعيشها الإنسان العربي تلك الشعارات التي تطرح في كل مرحلة، فما كان خيانة بالأمس أصبح أكثر الشعارات وطنية في مرحلة لاحقة، والأمثلة كثيرة ومعروفة لدى القارئ، هذه المفارقات لا يمكن أن يلتقطها أو يعبر عنها إلا فنان الكاريكاتير بحكم تكوينه، أو دقة ملاحظته ووعيه وثقافته، وهي كافية؛ لأن تشكل له ذخيرة لا تنضب.
* متى نشرت أول رسم كاريكاتيري في الصحف؟
** إن أول رسم لي استقيته من دهّان أتى ليطلي جدران منزل العائلة، وكان يتلهى أثناء فرصة غدائه برسم صور بشرية على الحائط بقلم خشبي، وقد انتزعتني تلك الوجوه من حالة ساكنة في داخلي إلى حالة فاعلة مشرقة، حيث كنت أحمل الفحم من المنقل لأكرر تلك الرسوم على جدران الحي، أو على معاملات الناس التي كان أبي يحملها معه إلى المنزل. أما أول رسم ظهر لي على الصحف فكان في المرحلة الإعدادية، وعمري لا يتجاوز الرابعة عشرة، يومها أرسلت إحدى الرسوم إلى (صحيفة الأيام)، والتي كانت تصدر في دمشق في أوائل الستينيات، وكانت الرسمة تتناول بالتعليق على اتفاقية (1 نيسان) والانسحاب الفرنسي من الجزائر، فنشرتها الجريدة، وفوجئت عندما أرسل لي رئيس التحرير (نصوح بابيل) رسالة يدعوني فيها إلى مقابلته من أجل بحث إمكانية التعاون في مجال الكاريكاتير، ولم أذهب يومها خشية أن يسألني أين أبوك، ويظن أنني ابن الرسام ولست هو شخصيا، لكن هذه الواقعة شجعتني كثيرا على مواصلة الرسم في هذا الاتجاه. وبعد حصولي على البكالوريوس سافرت إلى دمشق للعمل في الصحافة والانتساب إلى كلية الفنون الجميلة، ولم أستطع يومها أن أعمل بسهولة، وبقيت عدة أشهر أسكن مع صديق في غرفة صغيرة، فيها سرير واحد، وكان صديقي ينام في الليل، وأنام أنا في النهار، وقد أفادتني هذه التجربة كثيرا في حياتي العملية فيما بعد، والطريف أنني عندما كنت أذهب لبعض المجلات لمقابلة رؤساء التحرير كي أعرض عليهم رسوماتي، كان البواب هو الذي يحسم الأمر ويقرر رفضي دائما. وأذكر أنني ذهبت ذات مرة إلى مجلة "الجندي" فقابلني البواب، وطلب رؤية رسوماتي، وبعد أن أخذهم وقلبهم قال: رسوماتك حلوة، لكنني لم أفهم منها شيئا، وأضاف: "بصراحة يوجد لدينا رسام، ولسنا بحاجة إلى رسام آخر، يمكنك أن تبحث عن عمل في محل آخر أو دكانة ثانية.. هذه الحادثة جعلتني كلما أمر بجانب جريدة أو مجلة أو دائرة حكومية فأرى شخصا قرب الباب ينتابني شعور أنه الوزير أو المدير أو رئيس التحرير.
* ما هو مفهوم الكاريكاتير من الناحية الشكلية والفنية؟
** الكاريكاتير عبارة مشتقة من اللاتينية وهي (كاريكيرة) أي المبالغة، ومن هنا جاءت تسمية الكاريكاتير فيما بعد على أساس أن المبالغة هي المقياس الأساسي لفن الكاريكاتير؛ لذلك نلاحظ أحيانا أن هناك رسومات كثيرة تعتمد فقط على الناحية الشكلية بالرسم، كرسم الوجوه مثلا بشكل كاريكاتيري لا يوجد فكرة وإنما رسم شكلي فقط لإنسان معين، يكون شكله فيها طويل الأنف، أو عريض الوجه... إلخ ،الكاريكاتير يحاول تضخيم الأشياء الظاهرة، أو العيوب البارزة، ويبالغ فيها... وفيما بعد تطور مفهوم الكاريكاتير ليشمل المبالغة بالشكل والمضمون أيضا. وللكاريكاتير جذوره الفنية التي تتداخل فيها القضايا السلوكية والنفسية مع المشاهدات الواقعية، فهناك مزج بين الواقع الذي يعيشه الإنسان، والحالة النفسية التي يشعر من خلالها بهذه الوقائع ويفسرها بالطريقة التي يراها مناسبة.
* هل نستطيع القول إن فن الكاريكاتير هو أحد فروع الفن التشكيلي أو على الأحرى هل يمكن اعتباره فنا أكاديميا .. ؟
** الكاريكاتير لا ينفصل عن الفن التشكيلي بشكل عام، بعكس اعتقاد البعض ألا علاقة له بالفن التشكيلي، وفن اللوحة، والمدارس الموجودة بالفن (الواقعية، والتعبيرية، والانطباعية)، فالكاريكاتير مشتق من المدرسة التعبيرية، وهو أحد المذاهب المعروفة في الفن التشكيلي، ومن المعروف أن فن الأسلوب التعبيري نفسه يسمح بشيء من المبالغة، وبالمناسبة فإن المدرسة التعبيرية هي مدرسة مبالغ فيها نسبة لبقية الفنون والمذاهب، والكاريكاتير مشتق من التعبيرية ومبالغ فيه بشكل مضاعف. ويلاحظ هذا مثلا في لوحة الفنان (غويا) عندما رسم لوحته المشهورة للعائلة المالكة في إسبانيا، فقد كانت ملامح الوجوه تحوي الكثير من المبالغة، وتجسد حالة الغباء اللامتناهي، وكانت تضم أيضا الكثير من النياشين والزخارف، وعندما اكتشفت العائلة المالكة هذه المعاني من خلال أشخاص آخرين لوحق (غويا) وطرد.
* وهل يكفي ان يتعلم أحدنا الرسم اكاديميا ليصبح رساما كاريكاتيريا.. أم أن هناك مواصفات لابد لفنان الكاريكاتير أن يتمتع بها؟
** لا يستطيع أي فنان أكاديمي طبعا أن يصبح رساما كاريكاتيريا، فرسام الكاريكاتير له طينة خاصة به.. وصفات خاصة، فمن الممكن أن يصبح الإنسان العادي رساما إذا درس قواعد الرسم.. ولكن ليس بالضرورة أن يصبح فنانا.. إذ إن المعنى هنا أعمق، ولكن لا بد للفنان الكاريكاتيري أن يعرف الرسم الأكاديمي حتى يستطيع أن يتقن الحركة، كالتشريح الصحيح للجسم، وهذه تعتبر أبجدية لفنان الكاريكاتير، إذ لا يستطيع فنان الكاريكاتير عمل لوحة مقنعة لإنسان مثلا من خلال حركته وتعبيراته إلا إذا أتقن معرفة فيسيولوجية الوجه، وحركة الجسم ، ولنفرض مثلا أنني أريد رسم ملامح لشخصية معينة فيها بعد اجتماعي معين.. إنسان ذكي أو مسئول... أو... إلخ، كيف يمكنني أن أوصل للقارئ الحالة الاجتماعية التي بذهني إذا لم أكن أعرف أبجديات الرسم وقواعده؟ فالشكل الفني للوحة يساعد على توصيل الفكرة والمضمون بشكل صحيح.أما إذا كان هناك تناقض ما بين الفكرة والشكل فلا يمكن أن يكون هناك توصيل صحيح أبدا، ولربما تنقلب الآية والمقصود.
* الكاريكاتير في الوطن العربي قياسا بالكاريكاتير في العالم.. أين يمكننا أن نصنفه من حيث الطرح.. المضمون.. الشكل؟
** للكاريكاتير في الوطن العربي جذوره التي تمتد في عمق التاريخ، إلا أنه كباقي الفنون يحتاج دائما إلى ثقافة ووعي، إضافة إلى التقنيات العلمية التي ينفذ بها، كالأدوات الفنية أو التقنية أو حتى الطباعية، وهو ما زال في هذه النواحي متخلفا بعض الشيء. فكما هي العادة أننا نصدر للخارج الخامات والتراث... وما تحتويه هذه الكلمة من مضامين، ونستوردها مرة أخرى من الخارج ضمن قوالب أسلوبية وتقنية، حتى مضامين فكرية، ونبدأ في مسألة التقليد المصنع لأفكارنا المصورة، حتى إننا أصبحنا كمن يصدر رؤوسا بشرية لتفرغ من الداخل، وتعبأ من جديد بعقول ببغائية، ونطلق على أنفسنا بعد ذلك صفات متعددة من الإبداعات والابتكارات، على أننا لم نأت بشيء ذي صلة بوعينا وبما صدرناه بالأصل، وأصبحنا مثل الزجاجات الفارغة التي يمكن أن تعبأ بمختلف المواد، وليس لنا حتى صفة مستقلة. طبعا في كل الأحوال لابد من الاستثناءات حتى نكون عادلين، لكن هذه الاستثناءات لا تشكل قاعدة عامة، وهذا ما ينطبق على كل شيء بدءا من الحذاء وانتهاء بالفكر، فعندما نجد في كل أنحاء العالم مجموعة كبيرة من رسامي الكاريكاتير تمتاز بالنوعية، وهي من ناحية الكم لا يستهان بها أبدًا، وفي المقابل لا نجد في وطننا العربي إلا الكم الكبير والنوعية السيئة، ففي كل معرض أو مهرجان يقام تفاجأ أن عدد المشاركين من الدول العربية لا يتجاوز الشخصين أو الثلاثة في أحسن الأحوال، بينما نلاحظ أنه ومن دولة واحدة فقط يشارك ما لا يقل عن عشرة فنانين، وهذا بعد الغربلة. ويدل هذا على أن هناك مجموعة من الرسامين المنفذين فقط، ليس لهم صفة المبادرة في اختيار الموضوعات وطرحها من خلال الصحف والمجلات، بينما يتمتع الكاريكاتير في الدول الغربية بنسبة كبيرة من الحرية والديمقراطية في طرح الموضوعات المختلفة، لكننا لا نرى الشيء نفسه في وطننا العربي.وفي اعتقادي أن كل الأمور الحياتية التي يعيشها أي مواطن بدا من ممارسته الأعمال الدنيوية، وانتهاء بممارسة الفكر مترابطة حضاريا، ويمر بها خيط يصلها جميعا ببعضها البعض، فلا يتم شيء على حساب شيء آخر، فعندما يكون هناك علماء ومفكرون، وحضارة فكرية وفنية واسعة، فإننا نستنتج بالمنطق أن نظام السير في ذلك البلد لا بد أن يكون سليما.في الوطن العربي تجد من يضاهي كبار المفكرين والمبدعين بقدراته الذهنية وإبداعاته، إلا أن هناك مئات الحواجز التي تعيقه عن ممارسة إبداعه وعطاءاته، هذا إذا لم يتهم بالخروج عن القيم والتقاليد الاجتماعية المختلفة التي خرج منها ليطرح البديل الأفضل، وغالبا ما ينكفئ على ذاته أو يحزم حقائبه ويتجه إلى الأرض التي تساعده على تطوره.فالخروج من الوطن يكون أحيانا بشكل مجازي، وهو أن يبحث الفنان عن قنوات عالمية تنقذه من ضائقة المحلية، سواء أكان ذلك بإقامة المعارض بالخارج، أو لفت نظر الصحف العالمية بما يقوم به من أعمال خارجة عن المألوف المتبع لدى الكثير من الفنانين، وبالتالي فإن كل فنان حقيقي نشأ من بيئة ووسط اجتماعي معين، ثم حافظ على التزامه تجاه بيئته تلك، فسيجد نفسه منطلقا من المحلية إلى العالمية، بحيث تصبح همومه البيئية هموما عالمية تلامس عقول ومشاعر الناس في كل مكان من أنحاء العالم.
* هل الكاريكاتير الناجح هو ذلك الذي يعتمد على الرمز أم المباشرة؟
** عندما يلجأ الكاريكاتير إلى الرمز فلا بد أن هناك أسبابا وراء ذلك، هذه الأسباب لها الصفة الإيجابية في موقع ما، وأيضا لها الصفة السلبية في موقع آخر، فمثلا في بلد متقدم يستخدم رسام الكاريكاتير فيه الرمز، فهذا من دواعي التقدم الفكري، والبعد الذهني لدى الرسام والمتلقي.وعندما يستعمل الفنان الرمز في الدول التي تقمع الفكر وتخشاه، فإن ذلك لتمرير بعض القضايا التي لا يستطيع تمريرها بشكل ظاهر، صحيح أن المتلقي في هذه الدول ليس على نفس الدرجة من الوعي والقدرة على التعامل مع الرموز، ولكن استمرار الوضع يخلق عنده نوعا من القدرة على قراءة الرمز الذي يعنيه الرسام أو ذاك بالتحديد.
ويلعب الرمز كلمة السر بين الرسام والمتلقي، وفي كلتا الحالتين يكون الرمز في الكاريكاتير هو السيد دائما، والذي يصبح فيما بعد أمرًا لا يمكن الاستغناء عنه من الطرفين؛ لأن في ذلك تقديرا واحتراما كبيرين من الرسام يقوم بهما تجاه عقل القارئ في إعطائه فرصة للبحث في العلاقات والرموز، ولا أقصد هنا الطلاسم وقراءتها والاستمتاع بالاكتشاف.
* عرف فن الكاريكاتير بأنه فن ساخر، فهل نستطيع القول إن هدفه الإضحاك فقط أم أن هناك أشياء أعمق من هذا؟
** المعروف أن السخرية من شيء ليس مقصود بها دائما الإضحاك، فهناك السخرية المرة، وهناك السخرية السوداء، وهنالك السخرية من أجل الإضحاك. لكن رسام الكاريكاتير الملتزم بهموم الناس، لا يعقل أن يجعل هدفه الإضحاك من أجل الإضحاك الذي يكون وسيلة وليس غاية، وهو جسر يصل القارئ ما بين الضحكة والألم أحيانا، وباعتبار أننا نعيش على جزء من العالم تصادفنا الابتسامات فيه مصادفة، فلا يمكنني ـ بالطبع ـ أن أتفرغ لمسألة الضحك فالمجازر، والمذابح، والقمع، والإرهاب التي تمارس لا يمكنها أن تضحكنا. ويمكن القول إن الكاريكاتير يلعب دورا تنفيسيا عندما يلامس المشكلة من الخارج فقط، أما الكاريكاتير التحريضي فهو الذي يضع عبوة ناسفة في جذور المشكلة.
* تتمحور معظم أعمالك حول ثلاثية : "القمع ـ الخطابات ـ الكرسي"؟
** هذا هو الهرم الذي يشكل السياسة الأساسية في حياتنا، فقد زرع التاريخ الكبير للقمع في هذه المنطقة شرطيا في رأس كل مواطن، لكنني قررت أن أقتل هذا الشرطي في رأسي وأرسم، أما مسألة الخطابات فتاريخنا العربي النضالي كله شعر ومعلقات وخطابات، وإلا ما الذي أوصلنا إلى هنا إلا الكلام الكثير والفعل القليل؛ فأنا أنتقد أن يكون الكلام على حساب الفعل، ورسوماتي تخاطب هموم الإنسان وقضاياه بشكل عام؛ لأن الإنسان.. إنسان أينما كان وفي كل زمان ومكان، وأنا مصمم على التركيز في أعمالي على الظلم.. والقمع.. والبيئة.. والخير.. والجوع.. والفقر.. تلك الأشياء التي تستطيع أن تستنبط من خلالها مفردات وعلاقات إنسانية، وهذه العلاقات ليس لها مكان أو زمان، وبالنتيجة نحن نبحث عن حل فيه شيء من الحب، وشيء من المحبة بين الناس من خلال رفضنا للأشكال الأخرى الظالمة التي تمارس ضد الإنسان وضد الإنسانية بشكل فاضح.
* يلجأ بعض رسامي الكاريكاتير إلى استخدام رمز لشخصية مميزة في أعمالهم مثل "حنظلة" ناجي العلي، ما رأيك؟
** حياتنا مليئة بالرموز، وكل إنسان منا أصبح رمزا في هذه الحياة فما معنى أن تضيف رمزا آخر، وبرأيي أن فكرة العمل في حد ذاتها تحمل قيمة الرمز الذي تحمله هذه الشخصية، ومن الناحية الشكلية فإن الرمز الدائم قد يسبب إرباكا للفنان الذي يضطر لأن يبحث له باستمرار عن موقع إخراجي، وبالتالي سوف يأخذ من فكرته الأساسية ويشتته، وقد يكون هذا الاستخدام حلا في اللوحة التي تحتوي على عبارات، فهذا يقول كذا، والرمز يقول عبارة مناقضة حتى يحصل المونولوج، ولكن في أعمالي فإن المونولوج بين العمل والمتلقي نفسه.ورسوماتي حوار مستمر بين شرائح اجتماعية مختلفة، مثل العلاقة بين رجل الشرطة والمواطن، وبالتالي فإن حوار الشرائح الاجتماعية المرمز لا يحتمل أن يتضمن شاهد رمز، كحنظلة عند الرسام الراحل ناجي العلي.
* ما الذي دفعك مؤخرا إلى استخدام الألوان في أعمالك.. رغم إصرارك الدائم على الرسم بالأبيض والأسود ؟
** راودتني فكرة الرسم بالألوان منذ سنوات عديدة، فاستخدام اللون في اللوحة الكاريكاتيرية يمثل لي تحديا يوميا؛ لأن لكل لون عدة احتمالات وتفسيرات ترتبط بالحالات الإنسانية المختلفة، وقد بقيت مترددا فترة طويلة عن الخوض في هذه التجربة خوفا ألا أستطيع الوصول باللون إلى نفس المستوى من إيقاع الأسود والأبيض في اللوحة، مما سيقلل من أهميتها في أذهان الناس، وبقيت أعمل أكثر من سنتين كي أصل إلى عجينة من الألوان تحمل قيمة تعبيرية تخدم فكرة الموضوع، ولا تبقى مجرد تزيين أو تجميل، وقد سررت جدا من النتيجة؛ لأن المتلقي تفاعل مع هذه الأعمال وعلقها في بيته، وأصبحت اللوحة الكاريكاتيرية تحمل قيمة اللوحة الفنية التشكيلية؛ أي أصبح لها صفة الخلود.


أعلى







مدارس الفن الإسلامي (1-4)

للمسلمين نظرة خاصة متميزة في مجال الفن والجمال، تأثرت بشكل كبير بالشرع وطبيعة الحياة الاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة قبل الإسلام ، ومنذ البداية وقف الإسلام ضد أي سلوك أو أمر يؤدي إلى انحراف خلقي أو إرتداد نحو مظاهر الجاهلية وكانت الفنون من ضمن الأمور التي قاومها المسلمون خوفاً من أن تؤثر سلبياً على المجتمع الإسلامي ومع ذلك بقي للشعر مرتبة خاصة بين المسلمين ، وأثناء فتوحات المسلمين في الشرق والغرب اطلع العرب على فنون الشعوب المجاورة وتأثروا بها ، كالفن الساساني والبيزنطي والقبطي . وفي هذه السلسلة سنسلط الضوء على أبرز المدارس الفنية التي ظهرت في عهد ولاية المسلمين لبقاع شتى من الأرض ، وسنتعرف على أهم الآثار التي خلفها المسلمون وأمست شاهداً مؤكداً على حس وذوق الفنان المسلم الراقي الذي جعل العقل هو المعيار الأصيل في الفن حيث كانت قيمهم منطلقة من القيم الأخلاقية الجمالية ، ومن أبرز المدارس الفنية الإسلامية التي سنتعرض لها في هذه السلسلة وكان لها وقع وأثر بارز على تاريخ الفن في العالم هي تلك المدارس التي ظهرت في نهاية العصر الأموي وهي المدرسة العربية والمدرسة الإيرانية والمدرسة الهندية والمدرسة التركية العثمانية ، كما سنُسبر أيضاً أغوار جانباً من جوانب العناصر الفنية التشكيلية التي تميز بها الفن الإسلامي كغيره من المدارس الفنية الأخرى وهي الخط واللون والمساحة والظل والنور والملمس والحيز وسنتعرف على علاقة هذه العناصر مع بعضها وعلاقة فن معين بهذه العناصر على اعتبار أن هذه العلاقات تشكل الدعامة الهامة للمدارس الفنية جميعها . وفي آخر مشوارنا بهذه السلسلة التي سأستمد الكثير من معطياتها من الطرح الذي قدمه الأستاذ الفنان هديل بسام زكارنه في كتابه المدخل في علم الجمال حول هذا الموضوع ، بأن نسلط الضوء بشيء من التفصيل على خصائص فن التصوير الإسلامي الذي ميزه عن غيره من المدارس والتي من أبرزها : إهمال المنظور والبعد عن محاكات الطبيعة وتصوير المُحال والهروب من الفراغ والتسطيح والتكرار والتنوع والوحدة والمواجهة وأخيراً تحويل الخسيس إلى نفيس .
والآن نبدأ أولى نقاط طرحنا في هذا الموضوع كما أسلفنا عن المدرسة العربية ، فهذه المدرسة انتشرت أساليبها الفنية من العراق إلى الأندلس ، وكانت مراكزها في بغداد والموصل ودمشق وغرناطه ، وقد ظهرت في هذه المراكز أساليب مختلفة منها : التصوير الطولوني والإخشيدي والتصوير الفاطمي والتصوير العباسي والتصوير المملوكي ، وسنتعرف على أبرز آثار كل أسلوب : فمن أهم آثار التصوير الطولوني والإخشيدي صورة لفارس ملتحي يمتطي جواده وإلى جانبه آية قرآنية استخدم فيها الأحمر والأصفر والأخضر ، وتأثرت هذه الصورة بالفن القبطي والفرعوني وتأثيرات أخرى ترجع إلى أواسط آسيا والحبشة ، ومن آثاره أيضاً زخارف نباتية وهندسية على ورق البردى وصور لكائنات حية .أما التصوير الفاطمي فقد انتشر بواسطة الرسوم الجدارية في القصور والحمامات ، إلا أن ما وصل إلى المؤرخين منها كان قليلاً وقد تأثرت هذه الرسوم بالأسلوب الإيراني خاصة في رسم الوجوه فظهر الوجه القمري المستدير ، وكان انتشار الرسوم الجدارية على الجدران وعلى الخزف يعكس معه روح الترف التي سادت في هذه الفترة في كل شيء . أما التصوير العباسي فكان من أهم آثاره الرسوم والصور في كتاب كليلة ودمنة ، ومقامات الحريري ومنافع الحيوان لابن بختيشوع وكتاب الأغاني والحيوان للجاحظ ، حيث ازدهرت في هذا العصر المخطوطات المصورة وحركة تزيين صفحات الكتب ، وأهم ما يميز التصوير العباسي في هذه الفترة السحنة السامية ، فظهرت الوجوه باللحى والشوارب والأنوف القني ، وكذلك ظهرت الهالات المستديرة حول رؤوس الأشخاص ، وتميزت كذلك الرسوم بالبساطة والتحوير في رسوم الأشجار والنباتات والعناصر الزخرفية ، ولم يراعوا الواقع في الأبعاد والأحجام ، أو التشريح في الإنسان والحيوان ، وهذه الرسوم لم تفصل عن المتن أو تحدد ولم تلون أرضياتها ، أما عند رسم العمائر اتسمت الرسوم فيها بالشفافية حيث رسم الفنان الحجرة وحذف الحائط الأمامي لها . وقد ساد هذا الأسلوب في العراق حيث كان متأثراً بالأساليب الساسانية المتبعة ، إلا أنه ما لبث أن صار له طابعه الخاص في عهود لاحقة بحيث فاق في معالجته لمواضيع الرسوم والصور في الكتب الغربية في ذلك العصر .
أما التصوير المملوكي فلم يصل منه إلا أمثلة قليلة مثل كتاب دعوة الأطباء وهو من عمل محمد بن قيصر السكندري ، وكتاب مقامات الحريري لشهاب الدين غازي الدمشقي . كما ظهرت السحنة المغولية على رسوم الأشخاص ، وقد تأثر التصوير المملوكي بالفن الصيني خاصة في رسم الأشجار والنباتات ، وبالفن المصري القديم في التعبير عن المياه ، ومن مصوري هذه المدرسة شهاب الدين غازي الدمشقي ، وأبي الفضل بن إسحاق ،ومحمد بن أحمد الذي عمل كتاب الحيل الميكانيكية للجزري .. هذا ما وددت التعريف به فيما يخص المدرس العربية بأساليبها الأربعة الطولوني والفاطمي والعباسي والمملوكي ، وسنكمل بمشيئة الله تعالى في المقال القادم من هذه السلسلة التعرف على المدرسة الإيرانية واتجاهاتها المتمثلة في التصوير المغولي والتيموري والصفوي .
عبدالكريم الميمني


أعلى






موظفًا "الحيوان" للتعبير عن معاناة البشر!
العرض المسرحي "السلوقي" يبحث عن العلاقة بين الإنسان والسلطة

أراد الكاتب الإماراتي إسماعيل عبدالله من خلال مسرحيته "السلوقي" المـأخوذة عن رواية "قلب كلب" للكاتب الروسي ميخائيل بوليغاكوف، البحث في العلاقة بين الإنسان والسلُطة، موظفًا (الحيوان) في هذا العرض للتعبير عن معاناة البشر!..ولعل هذا يذكرنا بقصص ألف ليلة وليلة التي كانت تروى على لسان الحيوان، والتي أصبحت مضرب الحكمة والأمثال بين الناس، وهو من إخراج حسن رجب، وإنتاج مسرح الفجيرة القومي بدولة الإمارات العربية المتحدة.
ولقد لامس النص المعالج لرواية (بوليغاكوف) حثيثيات المجتمع الإماراتي من خلال استعراض واقع الصيادين، بغية استقراء الواقع الاجتماعي في المجتمع الخليجي بشكل عام. كما سعى المؤلف (إسماعيل عبدالله) على تحوير الصراع، ليلتف حول (النواخذة) الذين كانوا يتنافسون في تربية كلاب السلوقي أو كلاب الصيد، حيث كانت تدور الحبكة حول النوخذة(عمران) الذي كان يتفاخر بأنه يمتلك كلب صيد من نوع السلوقي. وظهر الصراع الدرامي في هذا العرض بأشكال متعددة؛ ففي البداية احتدم الصراع بين النوخذة عمران وبين النواخذة الآخرين، والذين يريدون أن ينافسوه في امتلاك الكلاب السلوقية - إذا صح التعبير- وبذلك فإنهم يحققون نفس المكانة في مجتمع الصيد والبر.
ومن ثم تعدى العرض (السلوقي) إلى تعرية "الذات البشرية" من خلال استعراض قضية التفرقة العنصرية بصورة سريعة في ظل الأنظمة الاجتماعية الخليجية، خاصة بعد التغيير الذي طرأ على (السلوقي) ليتحول إلى نصف آدمي، مطالبًا بحقوقه الإنسانية من سيده النوخذة(عمران)!!.. ولقد استخدم الكاتب أسلوب الرواية الحكائية على لسان الشخصيات في توصيف ذلك؛ عندما قامت (عفراء وسعيدة ) بوصف ذلك التغيير خطوة بخطوة. فيما حرص المخرج( حسن رجب ) على تجسيد ذلك على خشبة المسرح بصورة بصرية تمتع المشاهدين.
ولقد عرج الكاتب على أكثر القضايا حساسية من خلال قصة (السلوقي) الذي أراد أن يتمرد على رقه، ليصبح سيدًا، ولكنه لم يستطع ذلك، لأن ماضيه ككلب صيد ظل يلاحقه، وظل (طارش السلوقي) يتعرض للاهانة والضرب من المجتمع، فهو سلوقي مهما بلغ من مناصب!
وبرز "الكلب السلوقي" كبطل تراجيدي تقوده نوازعه وبطولاته كشخصية مأساوية، تحاول كسر النمطية التي رسمها السيد له، إلا أنه بسبب سوء تصرفه، وخاصة عندما يحاول خطبة ابنة السيد فإنه يتعرض للطرد من منزله، ويكون ذلك سببًا في تشريده ومعاقرته للخمر بعد ذلك....هكذا يجعلنا العرض ندور في خطين متوازيين؛ الأول يقوم على توصيف معاناة السلوقي أو العبد من سيده، وخضوعه للأنظمة الاجتماعية المتوارثة. أما الخط الآخر فهو يناقش قصة كفاح الشعوب في ظل الأنظمة التي تحكمها ...وهكذا يجد المشاهد نفسه أمام عرض مفتوح، يتضمن الكثير من الدلالات والمعاني التي يصعب التكهن بمضمونها في بعض المواقف.
ولقد رسم العرض رؤية بصرية جمالية مستوحاة من الواقع الخليجي تصور (فريج) الصيادين بالقرب من الساحل، حيث تظهر (الدعون) المصنوعة من سعف وخشب النخيل. كما أن توظيف " النخلة" في العرض، أكد إصرار المخرج في رسم بيئة مطابقة للواقع الخليجي الساحلي الذي يشكل لوحة مألوفة في معظم دوله.
كما برزت في العرض التشكيلات الجماعية والاستعراضية، وخاصة عندما راهن المخرج بجعل (كلاب السلوقي) هي من تصنع سينوغرافيا المنصة، حيث ظهرت هذه الكلاب على هيئة إنسان له رأس وذيل...الأمر الذي جعل المشاهد يحاول استكشاف ما وراء عالم الكلاب ويتساءل، هل المغزى من هذا العرض هو مجرد محاولة من الكاتب لأسنة الحيوانات على المسرح أم أن هناك أهدافاً أخرى أراد أن يستخلصها من الأحداث، ويجعل المشاهد يذهب إلى قضايا أخرى أبعد ذلك.
تمتع العرض بوجود طاقات فنية أدائية وتمثيلية على مستوى الاستعراض والتمثيل والغناء ، حيث تخلل العرض الرقصات البحرية الخليجية مثل السومة...فيما تلمست الإضاءة مواطن الجمال فيه، بغية التعبير عن المواقف الإنسانية في الفضاء المسرحي المفتوح...والذي حفل بالكثير من الشخصيات الاستعراضية التي شارك الكورس في أدائها، فيما تناوب أبطال العرض في تجسيده، أمثال: سميرة الوهيبي بدور سعيدة وإبراهيم سالم بدور طارش وجمعة علي بوعكلوه وأمل محمد غلوم عفرا وعبدالله مسعود عمران وحميد فارس طارش الكلب .
عزة القصابية*
ناقدة مسرحية



أعلى




كتاب "توتي" المصور نموذجا
الشراكه الحتمية لتوثيق التعابير الثقافية : الطريق قدما

فوزية يوسف جلال الدين
باحثة من الرابطة السودانية لحفظ المعارف

يحوي كتاب "توتي" التقليدية 120 صفحة بالألوان الكاملة من الصور الفوتوغرافية تعكس روحا من التعاون بين فريق يضم مؤرخين ، مصورين ،ارشيفيين، ناشرين، ونشطاء عملوا من خلال الفن في مهمة مشتركة بهدف الحفاظ على التراث الثقافي. والكتاب هو شهادة على التعاون الثنائي ودلالة علي أهمية التوثيق في الحفاظ على التراث الثقافي الوطني. ويوثق الكتاب لانتقال جزيرة توتي وهي جزيرة صغيرة تقع في وسط الخرطوم الكبري في السودان ، ويعكس الكتاب التحديات والتغيرات التي واجهت وتواجه الجزيرة مع افتتاح جسر معلق ربط توتي بالشاطئ في منتصف عام 2009.

الإلهام والأهداف
لأجيال خلت ظلت توتي مصدر الهام سخي للشعراء والفنانين وكتاب الأغنية، والسينمائيين. تقع الجزيرة داخل النيل ، وهي إلى حد ما مغلقة، في السابق لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق العبارة، سماها الكتاب "لؤلؤة محمية منذ 600 عام".
هدف الكتاب إلى استكشاف وتوثيق الحياة التقليدية واليومية في توتي فضلا عن ارشفة مشاهد ونقاط مرجعية هي رمز لتجربة الجزيرة وعناوين فصول الكتاب تشير الي ذلك: النبض الاقتصادي، والعمارة ، ثمار الأرض ،الناس ،توتي في فترة التحول، الحياة اليومية ، طقوس العبور أو الطقوس الروحانية.وتوتي التقليدية.
الشركاء في المشروع
شركاء المشروع هم: الجمعية السودانية لتوثيق المعرفة (SUDAAK) ، وسفارة الولايات المتحدة الأميركية، ووزارة الثقافة والشباب و الرياضة بالسودان، ومنتدى توتي الثقافي. وقد اتفق شركاء الكتاب علي العمل في قضية مشتركة تستحق الجهد.و ساعد في بلورة هذه الرؤية المشتركة الفهم المشترك بضرورة تعزيز التفاهم المتبادل بين السودان والولايات المتحدة . فالمشروع على حد تعبير الشاعر الأميركي لانغستون هيوز مثل ، "بذرة قوية ، وزرعت في حاجة ماسة". بدأ الشركاء وهم منظمتان طوعيتان، ووزارة، وسفارة في فبراير 2009 التدارس في كيفية توثيق التغيير الذي سيحدث في الجزيرة وقاموا بداية بزيارات للجزيرة للقاء اهلها والتشاور معهم وكل ذلك كان ذلك قبيل افتتاح الجسر. الطبعة الاولي محدودة وليست للبيع إذ اتفق الشركاء علي استخدام الطبعة الاولي كمثال للشراكة البناءة التي تعزز التفاهم المتبادل بين الشعوب. وقد وزعت نسخ الكتاب على دورالمحفوظات الوطنية السودانية، مكتبة الكونغرس، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية وبعض الجامعات العالمية ومدارس جزيرة توتي ، والكيانات الثقافية والحكومية والهيئات.
تم تصميم شراكة الملكية الفكرية لأغراض التوثيق ، واتيح التمويل للمشروع من خلال منحة من السفارة والوزارة ووقعت سوداك من جانبها اتفاقا جماعيا مع المصورين، ومع منتدي توتي الثقافي بنهج يضمن رؤية جماعية تجاه حقوق الملكية الفكرية في ويمهد الطريق في نفس الوقت لمشاريع جديدة في المستقبل.
حقوق الطبع
(سوداك ) هي صاحبة حقوق الطبع . وتأمل الجمعية ان يحفز الطلب علي الكتاب لإصدار طبعة ثانية اتفق الشركاء علي انها ستكون متاحة للبيع وان يتقاسم ثلاثة من الشركاء هم سوداك، منتدي توتي الثقافي والمبدعين كل الحقوق والالتزامات الفكرية الناشئة، ثلث لكل جانب.
دروس مستفادة
وثق الكتاب القصة الحقيقية لتوتي وروج لاهمية الحفاظ على الحقوق وسط اهلها وربما سيجعل الكتاب اهل توتي أكثر عناية بامر الإدارة الجماعية لحقوقهم.
كان الدرس بالنسبة للمشاركين هو أن التغيير مهمة جماعية وأنه حان الوقت الحقيقي لتعهد الجميع ورعايتهم لهذه المسئولية الجسيمة.
كتاب توتي المصور هو الأول من نوعه بالنسبة لتوثيق جزيرة توتي علي الرغم من قدم نشاة هذه الجزيرة التي يزيد عمرها عن 600 عاماً. حيث تم التقطات 3000 صورة للجزيرة وتم ترقيمها وحفظها خلال مرحلة تنفيذ المشروع الا ان 120 صورة فقط تم اختيارها لطباعة الكتاب. علمنا هذا المشروع دروس هامة في مجال صنع القرار في الوقت المناسب ، والوصول الي الحلول السريعة، ومعالجة المشاكل كفريق واحد مثل الكتاب صيغة تصلح للتطوير في ادارة مشروعات التوثيق للمجتمعات المحلية في ظل وجود رؤية موحدة ، توجيه فني وادارة مالية مشتركة وواضحة . ويبقي القول بأنه حتي بالنسبة للمشروعات الكبيرة في مجال توثيق التراث الثقافي فان ذات الصيغة تصلح للتطبيق إذ ان معظمها يكاد يدار بدون خطة موجهة.
قربت المشاركة في هذا المشروع وزارة الثقافة والشباب والرياضة إلى عمل المنظمات غير الحكومية. ووضح ان العمل في مجال التوثيق يقرب الحكومات الي الناس ، بحيث كان جزء من التحدي الاداء الجيد المسئول من قبل (سوداك) لإدارة المنحة المالية لتنفيذ هذا المشروع مما يؤكد قدرة المنظمات غير الحكومية في إدارة المال ووضعه في مكانه الصحيح لتنفيذ المشروعات، وهذا من شأنه ان يجلب فرصا جديدة للشراكة.
رؤية جديدة
كتاب توتي التقليدية محاولة لتطبيق الرؤي الجديدة للادارة الجماعية لتحقيق الاعتراف بحقوق المبدعين ورؤية الفوائد العادلة التي تعود من القيام بذلك. فقد تم من خلال تجربة الكتاب وتطور المشروع قبول فاضل الافكار عن طريق المناقشة، واختيار اجود الصور عن طريق تصويت فريق المشاركين ليخرج الكتاب بشكله النهائي.
يثير الكتاب الوعي عن دور التوثيق ولعل الافضل للاجيال الجديدة ان تعرف اكثر عن اوطانها وتُعرف الاجانب كذلك.. لعل هذه هي الطريقة المثلي لحفز الوعي .
جاء اصدار الكتاب كتعبير علني من سوداك وسفارة الولايات المتحدة الأميركية بالخرطوم ووزارة الثقافة والشباب والرياضة، ومنتدي توتي الثقافي، والتزامهم بالعمل سويا لاعلاء قيمة الثقافة البصرية. وتوتي ليست أكثر من قطعة من الأرض ، ونهران يلتقيان ولكن وجد الشركاء فيها نقطة لالتقاء طبيعي، ويبقي الأمل في أن الانسجام الذي تحقق بين جميع الذين ساهموا في اصدار هذا الكتاب سوف يلهم الآخرين أيضا إلى نقطة لقاء مماثل من التفاهم المتبادل.
رسائل اساسية
ما هي الرسائل الأساسية؟ هذا الكتاب هو عن الشراكة، هو حقيقة ماثلة علي ان التعاون الثقافي الصادق عبر الاعمال الفنية المبدعة يمثل الجسر والامل في تعزيز التعاون الثنائي الشامل بين الشعوب، هورسالة بأن حفظ حقوق الملكية الفكرية للمبدعين الشباب تحفزهم علي الاعتراف بالاخرين وبمواصلة الابداع. خلق الكتاب وعي كبير بأهمية التوثيق. ولبقاء تاريخنا حياً يجب أن تعرف الأجيال الشابة وغير السودانيين الكثير عن السودان.
نقطة للمناقشة
نجد انه من الضروري اهمية تقديم المساعدة الفنية للمنظمات غير الحكومية من أجل تصميم وبناء الشراكات المحلية والوطنية والدولية لتوثيق أشكال التعابير الثقافية والمعارف التقليدية علي هدي قواعد واسس الملكية الفكرية.

 

أعلى






أدب الرحلات

اكتسب أدب الرحلات مكانة مميزة في الأدب العربي حيث عكس هذا اللون الأدبي عادات الشعوب وتقاليدها من خلال جولات الرحالة وهواة الرحلات حيث اعتبر النقاد أن أدب الرحلات يعد مصدراً هاماً لوصف الثقافات الإنسانية عبر التاريخ، كما أنها تساهم في إثراء الفكر الإنساني وتأملاته عن الكون والحياة.وقد استعرض مؤلف هذا الكتاب د. حسين محمد فهيم أدب الرحلات من خلال عدة محاور تتمحور حول : الرحلات واكتشاف للعالم والإنسان وأدب الرحلات والسعي إلى التراث والرحلة في التراث العربي الإسلامي والتراث الشعبي في أدب الرحلات ورحلات الخيال والرحالة المسلمون وملامح حضارية ورحلات المسلمين البحرية. لقد اجتهد المؤلف في دراسته أن يبرز لنا الصلة بين الرحلة والحضارة الإنسانية فهي جزء منها ونتاج لها كما أثبت أيضاً أن الرحلة كشف للذات وفهم للآخر وانفتاح عليه، وهكذا يصنع التاريخ نفسه، وتشكل الحضارات كما تتفاعل أو تتصارع.
الرحلة في التراث العربي الإسلامي
عرف العرب السفر ومارسوا الترحال في شبه الجزيرة العربية والبلدان المتاخمة، وقاموا برحلتي الشتاء والصيف التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وأبحرت سفنهم في مياه المحيط الهندي كما اتجهوا شرقاً نحو الهند وغرباً جنوب إفريقيا. وبمجئ الإسلام وسع بدوره آفاق الرحلة العربية وعدد دوافعها وارتفع شأنها وقيمتها خاصة خلال فترة الفتوحات الإسلامية وما تلاها من عصور الاستقرار والازدهار والمعرفة والحضارة. وإلى جانب السعي في طلب العلم والاستفادة من العلماء كان الحج من أهم العوامل التي دفعت المسلمين من كل فج عميق وعلى كل ضامر إلى الرحلة والانتقال، فالحج كان ولا يزال رحلة يتشوق إلى أدائها كافة الناس، ونتيجة لذلك فقد اكتسبت رحلة الحج صفة تراثية شعبية. وتحكي لنا كتب التاريخ ومذكرات الرحالة أنفسهم أن العديد من الحكام والسلاطين قد أقاموا على الطريق الكثير من المنشآت لخدمة الحجاج وعهدوا إلى الجنود تأمين طريق الحج وحماية سالكيه. وبجانب ذلك كانت التجارة تقتضي السفر والرحلة إلى البلاد البعيدة ولعل من أشهر الرحلات التجارية في المحيط الهندي التي تمت خلال النصف الثاني من القرن الثالث الهجري رحلة التاجر سليمان السيرافي ومن التجار الرحالة ياقوت الحموي (توفى عام 1229) التي كانت رحلاته للتجارة أساساً، إلا أن مؤلفه الجغرافي "معجم البلدان" قد أصبح مرجعاً جغرافياً وتاريخياً هاماً.
الرحلة وأعمال التراث العربي
وقد ارتبطت الرحلة بكثير من أعمال التراث العربي في جوانبه المتعددة، ففي مجال الكشف الجغرافي ووصف الأقاليم لعبت الرحلة دوراً كبيراً فيما تضمنته تلك الأعمال من معرفة وبيان. ولعل كتاب عبد الله محمد أحمد المقدسي أحد رواد الجغرافيا العربية في القرن الرابع الهجري "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" خير دليل على أهمية الرحلات في جمع المادة العلمية. ومن رواد الرحلات الذين تركوا بصمات في أدب الرحلة والتراث الجغرافي محمد الإدريسي وكتابة "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" فقد أمدته رحلاته المتعددة في أجزاء من أوروبا وعدة بلدان إسلامية بنبع فياض من المعرفة الجغرافية. كما أن المسعودي (توفى عام 907م) في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" قدم لنا معلومات تدعم الدراسات الجغرافية والتاريخة عن البلدان التي زارها ووصفها. ومن رواد أدب الرحلات أيضاً الرحالة موفق الدين عبداللطيف البغدادي (توفى عام 629 هـ) الذي ترك لنا مشاهداته في رحلاته إلى مصر وبلاد الشام ومختلف البلاد التي زارها ولعل كتابه "الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر" يقدم لنا صورة لما كانت عليه مصر إبان العصر الفاطمي.ومن أعلام أدب الرحلات أيضاً أبو حيان التوحيدي (المتوفي عام 414هـ) الذي قدم لنا في كتابه "الإمتاع والمؤانسة "وصفاً دقيقاً لمشاهداته وانطباعاته للمجتمع الإسلامي في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وخلاصة تطوافه في الحجاز وفارس والعراقين فجاء كتابه موسوعة أدبية ووثيقة تاريخية هامة.وهنا يجب ألا ننسى رحلات الرحالة العماني أحمد بن ماجد ودوره الكبير في اكتشاف العوالم المجهولة. ومن الرحالة الرواد أيضاً المسعودي وابن جبير وابن بطوطة الذين قدموا لنا في مؤلفاتهم أوصاف دقيقة للبلاد التي زاروها. أما في العصر الحديث فتوجد العديد من كتب الرحلات مثل رحلات أحمد زكي شيخ العروبة ورحلات أحمد فارس الشدياق ورحلات محمد ثابت حول العالم وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره.
إن أدب الرحلات أدب مقروء ومفيد يقدم لنا خلاصة ثقافات الشعوب وعاداتها وتقاليدها وتراثها الشعبي مما يقدم للباحثين مادة ثرية لدراسة أحوال هذه الشعوب وتراثها وحضارتها فضلاً عما نجد فيه أيضاً من متعة وطرافة.
سالم بن محمد الغيلاني*

أعلى





في رحاب الجواهري

كتب الكثير عن الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، سواء بحياته التي امتدت طيلة القرن الماضي، أو بعد رحيله، وفي كلتا الحالتين أصدرت دور النشر وترتب على رفوف المكتبات العربية العديد من المؤلفات عن شعره ومواقفه واهتماماته وصراعاته الشعرية والسياسية التي شغلت القرن الماضي وانشغل هو بأسبابها أو بنتائجها، أو ذكريات عن لقاءات به أو علاقات عامة معه أو لقطات من قراءات في شعره وحياته وتنقلاته بين مدن كثيرة وبلدان عربية أو أجنبية. ومثلما كان صناجة الشعر العربي كان شاغل الناس والحكام والحكومات وضيفهم ومكرمهم أو مبجلهم أو مسجل تاريخهم ومخلد ذكراهم في صفحات التاريخ الشعري والسياسي، بمزاج الشاعر واندفاعاته وتقلبات مشاعره وموازين عواطفه وأحاسيسه الفنية.
وحتى عندما أصدر ذكرياته بمجلدين لم يكتمل لدى القارئ ما كان يتمناه منها، ولم تشبع نهمه للإطلاع على سيرة عصر كامل عاشه الشاعر واكتوى بنيرانه، وشرارات حروبه، الأولى والثانية والثالثة على بلاده التي أحب وكافح وابتلى بحب دجلتها ونخيلها وجبالها، وكلما ابتعد عنها وجد نفسه ببغداد حالما ورائيا أم فراته أو هاشم الوتري أو ساخرا من سياسيها بدءا من نوري السعيد وحتى آخر من أغضبه فأثار قريحته الشعرية عليه، لائذا لوذ الحمائم بين الماء والطين ومترنما بأطيافها الساحرة وألف ليلتها ونواسها وشراعاتها المبتعدة بين الحين والحين.
ولكن كتاب الفنان صباح المندلاوي، (في رحاب الجواهري) له نكهة خاصة تتميز عن غيرها من الكتب. فقد صاهر المندلاوي الجواهري في خريف العمر وتزايد الحاجة إلى أنيس وجليس، وكان لها صباح، وهذا ما حاول أن يسجله بين صفحات هذا الكتاب، ويسلط الضوء على زوايا خبيئة أو غير معروفة ولم يجر التطرق لها لخصوصيتها أو لعدم معرفتها إلا لمن عاش معه ساعاته الأخيرة وصاحبه إياها في حرها وبردها، سرائها وضرائها، همومها وتبعاتها، سهرها ولقاءاتها المتنوعة والخاصة جدا، فكانت حافلة بما يضيف لذكريات الشاعر الكبير ولأيامه التي تتكامل مع دواوينه ومختاراته وجمهرته ومواقفه وتكشف للمتابع عن الوجه الآخر لصورة الشاعر والرائد والإنسان.
كتب صباح في المقدمة: للأعوام الأخيرة التي أمضيتها بجوار الشاعر الكبير الجواهري في دمشق وحتى ساعة رحيله في السابع والعشرين من يوليو عام 1997، نكهة خاصة وعبق أخاذ إذ لم تعد المصاهرة وحدها هي ما يربطني بالشاعر بل ثمة علاقة أوثق وأعمق وحميمة نشأت وتطورت بمرور الأيام والأعوام وقد كللها في وصيته لأبنائه السبعة في أن أكون "ثامنا لسبعتهم". ويضيف: كنت اقرأ له في الصباح الباكر، ما يصل المنزل من الصحف المحلية السورية، وفي المساء كل ما يقع تحت اليد، من كتب متنوعة ما بين روايات وقصص وسير ذاتية لمشاهير كبار، ومذكرات لشخصيات معروفة والى جانب أبحاث اجتماعية وكتب تراثية. فضلا عن الصحف العربية اليومية... صرت وكلما اعتلت صحته أرافقه في الدخول إلى المستشفى، ونسهر على راحته أنا وزوجتي - خيال - ونتابع تقارير الأطباء بصدد صحته. وصار يصطحبني في زياراته وجولاته وتردده على عيادات الأطباء والجلوس في الكازينوهات العامة.
بالتأكيد حملت هذه الصحبة الكثير من الانطباعات واللقطات والانتباهات واللمحات التي توفر للدارس والباحث مصدرا ثريا عن حياة الشاعر وقصته الشخصية و "أسراره" التي تكمن وراء قصائد شعره وإلهامه ومكانته الكبيرة في خارطة الشعر وكذلك تضيء عالمه الإنساني في الحياة اليومية وتجاربه المعبرة في هذا العصر.
في ثلاثين مقالة متنوعة بين خاطرة وتذكر واستدعاءات أو تعليقات أو تسجية أو أحاديث عفو الخاطر تمر عابرة ولكن في بعضها أو بين طياتها ما يستحق التسجيل والبقاء لمن يرصد فيها أسبابا وعوامل تملأ صورة النص الشعري والحياتي للمبدع الكبير وتفسر من بين سطورها قدراته التي نصبته أو أوسمته عميدا للشعر العربي في زمانه وعلى امتداد عقود طويلة من عمره المديد، الذي لم يتفق كثيرون من دارسيه على تحديد سنة ولادته بالضبط، وهذا ما كان يفرحه ويسعى لاختيار أقربها لنفسه، ولكن معظمهم متفقون على أنها كانت بين نهايات القرن الأسبق والأقرب إلى البدايات من مطلع القرن السابق والتي عاشها حتى وفاته في نهاياته المعلومة، ليكون ابن القرن العشرين بحق وحامل صولجانه وتناقضاته وانعطافاته ومصائبه وتحولاته التي رسمت آثارها على جبينه ووشحت خصلات شعره ببياضها الجليل، وامتدت مع جريان نهري بلاده وغضبهما أو انسيابهما أو تفرعاتهما، من بدايات إلى نهايات القرن الماضي كامتداد قامته وعلو هامته.
صدرت ذكريات الجواهري عام 1988 والتقاه صباح بعدها بسنوات سائلا إذا ما كانت لديه استدراكات عليها واصفا الشاعر في مثل هذه الحالة وكيف يكون طبيعيا في أيامه وجلساته معتمرا غطاء رأسه المميز وحاله النفسي عند الإجابة: (راحت أنامله النحيلة الطويلة تداعب حبات المسبحة السوداء "اليسر" وبعد تفكير تحدث...(.. عن أسماء لم يوفها حقها ذاكرا اسم الصحافي عبد الرزاق الناصري والدكتور فيصل السامر واصفا إياه بالشكل التالي، كما نقل ذلك المندلاوي عن لسانه: كان كريما، شهما، مخلصا، نبيلا، يتمتع بكل الخصال والسجايا والمقاييس التي تنطبق على الصديق، وفي كل ما كنا نفعل ونطمح..... طوال عمري وطوال رحلاتي إلى كل البلدان التي نزلت بها وودعتها، لم أر له مثيلا. المؤسف أن الموت العاجل وبالداء الخبيث ـ السرطان ـ قد سرقه منا. وينتهي بحسرة قائلا: المؤسف أن هؤلاء الأفذاذ لم يلقوا ما يستحقون من التكريم. ويذكر أسماء أخرى لم يوفها حقها هو الآخر في مذكراته مثل عاصم فليح ومحمود احمد السيد وحسين الرحال. وكأنه في هذا القول يلمح لحياته وأهل زمانه ووطنه، وهو الذي ولد بالنجف الاشرف وعاش ببغداد جل عمره ومن ثم في المنافي العديدة ليختمها بدمشق التي أحب واختار ودفن بمقبرتها القريبة من قبر ابنة الإمام الذي شب حوالي مقامه ومزاره. وحين ينتقل إلى ذكر المدن بعد سؤاله عنها، بدءا من المدن العراقية، وأحبها إليه وهو المار عليها جميعا من جنوب العراق إلى شماله، مقاهيها وأعلامها، أسهب في الحديث عن حبه لمدينة البصرة فالحلة، ومقهى حسن عجمي التي كتب فيها قصائد كثيرة، ذكر منها المقصورة ومقهى العزاوي. وهذا كان في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي ولم تفته لقطات أخرى كانت سمات تلك السنوات، منها تذكر نجوم الطرب والغناء آنذاك، وعرج على الصحافة والصحفيين أيضا. وهو في تذكره هذا ابن العقد التسعيني ولكنه عند روايتها، مع سهر صحبة جليسيه، ابنته وزوجها، مسجل استذكاراته واستدراكاته على ما فاته من إشارات فيما أصدر من ذكرياته أو من تعليق على ما مضى من عابق مزهر، وكأنه يستحضرها ويعيشها معهم ولم تمض عليها كل تلك السنوات وما حملته عليه منها من مفارقات وحوادث يشيب لها الولدان، كما يقال.
وتحت عنوان: قرن كامل من الشعر والمغامرة، الجواهري ناسخ الكتب وعظيم الذاكرة، استجمع المؤلف لقطات ثرية من حياة الشاعر وكأنه أمتحن ذاكرته الوقادة بما هو في صنوف الكنوز الأدبية والثقافية العامة من التاريخ والشعر والأنساب وما يبقى من حياة الناس. فكشف الكاتب أن الجواهري وهو في أعتاب قرن كامل من العمر تمتع بذاكرة حادة ورغبة عارمة لسماع الأخبار وما تنشره الصحف والمجلات والكتب الصادرة والمنشورة حديثا، وفي تذكر المكتبات استعاد أسماء مكتبات شهيرة ببغداد والنجف كان يكنز من مناهلها وأسماء الكتب الأولى التي استعارها منها، وحين صور له تسجيل تلفزيوني قرأ قصائده القديمة والجديدة دون استعانة بديوان مطبوع، ولما ودعه المؤلف في ساعة متأخرة من الليل عند غرفة نومه واخبره بنزول مطر خارج البيت في تلك الساعة المتأخرة من هزيع الليل، تذكر قصيدته عن المطر التي نظمها عام 1925، ومطلعها:
عاطى أريج الروض ماء السما
ما لا تعاطيه كؤوس الرحيق
بل لم يكتف بذلك وراح يواصل قراءة الأبيات التي تلي المطلع، كما سجلها صباح فيما بعد، شاهدا على ذاكرة لم تفتتها العقود الطويلة.
في فصول أخرى استعاد المؤلف ذكريات الشاعر عن بعض قصائده التي كتبها في سنوات متفرقة وبعيدة مثل قصيدته عن زوربا أو عن براغ، العاصمة التي عاش فيها وأحب جمالها. أو عن مدن وانهار مثل بغداد ودجلة ودمشق أو عن كتاب (بابا همنغواي) وكتب أخرى.
رصد المؤلف في فصول أخرى يوميات حميمة وذكريات منزلية رافقها عن كثب وانبهار ومحبة صميمية أضفت عليها طبيعة السنوات الأخيرة من العمر والعيش والسكن المشترك والمودة الأبوية طابعا تسجيليا وانطباعات آنية وحماسات زمكانية، سجلها في لقطات عابرة أو مسحات يومية من عواطف أو مواقف، ومهما كانت تظل تخبر بمكنون الشاعر الإنساني أو بشيخوخة مريحة لا تتصادم مع صخرة الواقع ولا تحابي تموجات الأيام الصعبة. حيث حاول صباح المندلاوي في كتابه أو رحلته الغنية في حياة الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري أن يرصد ويوثق بأمانة واعتزاز كبيرين لساعات أو أيام لها أهمية في حياة وشعر الجواهري الكبير وحتى في اختبار قصائد خالدة ترددها الأسماع وحفظة الشعر وأصوات المغنيين بدجلة الخير، أم البساتين أو سلاماته على هضبات العراق وشطيه والجرف والمنحنى والنخل ذي السعفات الطوال والجسر الذي ما انفك من جانبيه يتاح الهوى من عيون المهى. في كتابه، في رحاب الجواهري، قدم صباح المندلاوي إضافات لكثيرين من القراء الذين لم يعرفوا عن الجواهري أو لمن لم يسمعوا بها، وتلك ما أعطت الكتاب طعما خاصا وأضاءت زوايا بعيدة في حياة الشاعر الكبير، خاصة في سنواته الأخيرة.

كاظم الموسوي


أعلى





استعراض القصائد الشعبية المستبعدة من مسابقة الملتقى الأدبي السابع عشر بنزوى
( الأسباب والآلية..)

مقدمة:
أن تكون عضوا في لجنة تحكيم مسابقة شعرية فإنك بالمقابل تضع نفسك أمام لجنة الشعراء ليحكموا على تقييمك لنصوصهم. وحتى يكون تحكيمك مجردا من العاطفة فعليك أن تفسّر معايير هذا التحكيم وآليته، وهذا ما أسعى إليه من خلال هذه القراءة التي توضح أسباب استبعاد أربعة وعشرين قصيدة من أصل أربعين قصيدة مشاركة في مسابقة الملتقى الأدبي السابع عشر بنزوى..
بداية، فإن نتائج هذه القراءة هي خلاصة اتفاق مشترك مع الشاعر خالد نصيب العريمي، حيث مثلنا معا لجنة تحكيم الشعر الشعبي في المسابقة، وقد اتفقنا على استبعاد قصيدة (عود القت) لمشاركتها في مسابقة مهرجان الخليل بجامعة السلطان قابوس وقد حققت المركز الثاني في تلك المسابقة. ومن القصائد المستبعدة أيضا قصيدة (أم الشرف) بسبب موضوع القصيدة الذي لا يتناسب مع أهداف المسابقة السامية وأهمها الابتعاد عن المواضيع التي تثير التعصب والفتن وتتعرض للمذاهب والاعتقادات. واستبعدت أيضا قصيدة (وطن وعلوم) للأفكار الحادة التي عبّر بها الشاعر عن موضوع قصيدته، والتي تخدش روح الوطن برمزيته وإيحاءاته، وكان عليه أن يحذف بعض الأبيات حتى تقبل مشاركته. بينما مرت (سبعة وثلاثون) قصيدة على معايير (الموسيقى الشعرية، واللغة الشعرية، والصورة الشعرية، والوحدة الفنية والعضوية) فاستبعدت منها القصائد التي تتضمنها القراءة بينما انتقلت ستة عشر قصيدة من أصل سبعة وثلاثين قصيدة إلى ملتقى نزوى..
(الموسيقى الشعرية)
تعد الموسيقى الشعرية من أهم أركان القصيدة، والموسيقى الشعرية تشمل البحور والأوزان والتفاعيل الشعرية بإيقاعاتها، ويبدوا أن ضرورة الجرس الموسيقي مرتبطة بمدى تفاعل النفس واستحسانها للأفكار الشعرية التي يعبّر بها الشاعر عن موقف أو حالة نفسية معيّنه. ولقد تطوّرت القصيدة العربية من الشكل العمودي (البحور والأوزان) إلى الإيقاع الداخلي للكلمة نفسها، فأشتغل الشعراء على الجرس الموسيقي الذي تثيره الكلمة وتشيء به وفقا لترابطها مع الكلمت الأخرى. بينما ظلت مغامرات شعراء القصيدة الشعبية تدور في فلك الشكل العمودي القديم وكذلك مغامراتهم الناجحة في قصيدة التفعيلة بينما اشتغل قلة منهم على قصيدة النثر، وهي القصيدة الأكثر حداثة وتطورا على مستوى العالم أجمع، برغم عدم شعبيتها في الوطن العربي لدى الجمهور العام. الذي بقى معظمه وفيا لبحور الخليل.
وقد لامسنا في القصائد المستبعدة هذا الوفاء، حيث كتبت معظمها على الطريقة العمودية وقصيدة واحدة كتبت باسلوب التفعيلة، والبقية القليلة كتبت بطريقة التناوب أي المزاوجة بين التفعيلة والعمودي. وقد استبعدت من هذه المرحلة ثلاث قصائد بسبب العيوب الواضحة في موسيقاها الشعرية، وجاءت قصيدة (احساسي غريب) الأكثر عيوبا وأخطاء، فأبياتها جميعها بدون وزن وليس لها بحر واحد، والقارئ يتأكد بأن كاتبة القصيدة تحتاج إلى الكثير من العمل حتى تتجاوزعقبة الوزن في قصائدها القادمة، فعلى الكاتبة أن تقرأ الكثير من الشعر وتحفظ أجوده حتى تصل إلى مرحلة التناغم الموسيقي بين الحالة النفسية التي تشعر بها وحالة الكتابة التي يفترض أن تعبرّ بها عن مشاعرها، فبدون الممارسة المستمرة لن تكتسب المهارة المطلوبة، فعليها أن تجتهد في القراءة ومن ثم التطبيق مع محاولة اكتشاف مكامن الكسور وتصحيحها.
ومن القصائد التي استبعدت قصيدة (أنفاس حارتنا)، بسبب عللها الإيقاعية في الكثير من فقراتها وهي محاولة من شعر التفعيلة المتناوبة مع العمودي وجاءت على تفعيلة مستفعلن .. ومن الفقرات الصحيحة التي لم يصبها الكسر :(نرسم على شفاه الحزن.. وجه الصباح)، وتقطيعها عروضيا بهذا الشكل :(نرسمعلى.. شفاهلحزن..وجهلصبا + ح)،(مستفعلن..مستفعلن..مستفعلن+ن)،ويتضح الخلل في الفقرة التالية: (غزت جسم العليل واسرع من سهام المنايا)، (فالكاتب انتقل إلى تفعيلة أخرى بشكل مزعج :((غزتجسمل : وهي مفاعيلن)، وهذا ما حدث في فقرات أخرى :(فلان يحكي مع الشيبه عن سالفة يومٍ طويل )ثم يقول : (فلان كنا مع الشيبه) كما أن القصيدة كتبت بلغة خطابية بسيطة وبأفكار سطحية ضعيفة، وقد كرر الشاعر نفس الأخطاء في قصيدته العمودية التي ختم بها القصيدة حيث كتب ستة أبيات أغلب أشطرها الأولى مكسورة برغم تفعيلتها السهلة وهي تكرار مستفعلن، ومن الاشطر الصحيحة: ( رأس التعب في سمة المسكين راسه حط)، ومن الأشطر المكسورة (الأبراج الطفل عينه في السماء تشاغب) وبخلاف سطحية الفكرة واللغة التي تحدثنا عنها فقد زادت الكسور من تشوّه شكل القصيدة .
وكذلك تأثرت قصيدة (غربة وترقب) بكسور أصابت تفعيلتها (مفاعيلن) وأضرت برتم القصيدة، فمثلا لو أخذنا بيتا صحيحا ومن ثم قمنا بمقارنته بأبيات أخرى سنكتشف أن مجموعة كثيرة من الأبيات تعرضت للكسر، لنتفحص وزن هذا البيت: (قنوعٍ علمه صبره يكابد وقته باوجاعه ... يراقب طلة أيامٍ لعله يومه اتداوي) وكتابته عروضيا: (قنوعنعل..لمهصبره..يكابدوق..تهبوجاعه..)، (مفاعيلن..مفاعيل.. مفاعيلن..) نلاحظ أن الهاء في التفعيلة الرابعة زائدة، وإن تجاوزننا ذلك فإننا لا نستطيع التغاضي عن نقص حركات هذه الأشطر:(قلبٍ ينبش الماضي شباب أماله شراعه) والصحيح أن يضاف حرف متحرك قبل (قلبٍ) حتى يستقسم الوزن كأن نقول مثلا: (وقلبٍ ينبش الماضي شباب آماله شراعه) وأيضا في كل هذه الأشطر التالية لابد من إضافة حرف في بداية البيت حتى يستقيم الوزن، وهي:(حلمه ثائرٍ كالموج على بوابة أضلاعه)، (هو شوكٍ يحب الطعن في ساقيه وقلاعه). بينما تعرضت بعض الاشطر لكسور واضحة حتى للقارئ العادي كما في هذا الشطر: (شايبٍ غزاه من هم غدوا في غربته رباعه) أو هذا الشطر :(كل ما نسنس نسيم عصير يلد بروح ملتاعه) نلاحظ إن (نس) في لفظة (نسنس) زائدة وكان على الشاعرة أن تستبدلها بكلمة من حرفين (متحرك وساكن)، كأنك تقول ( وكل ما هب نسيم عصير يلد بروح ملتاعه) وبخلاف الموسيقى الشعرية فإننا نلاحظ من خلال الأمثلة السابقة ضعف الصور الشعرية وضمور العاطفة وبساطة اللغة وكل هذه الأسباب مجتمعة تسببت في إبعاد القصيدة.
اللغة الشعرية
كل تجديد في الشعر هو تجديد في اللغة. ومن بديهيات الحياة أن يخضع كل ما حولنا للتطوير، فالتطوير روح نتنفسها في حياتنا المعاصرة، وهي قطعا لا تعني الإنقطاع عن الماضي أو تجاوزه أو رفضه، بل أنها إعادة إستخدامه من جديد واكتشاف طاقاته الكامنه وتفجيره في شكل جديد يتلاءم مع الحياة التي نعيشها. والمراقب لطبيعة اللغة التي نتحدثها قبل ثلاثين عاما مثلا سيكتشف الكثير من الكلمات التي لم تعد شائعة بل لم تعد مستساغه وقد حلّت بديلا عنها كلمات أكثر حيوية ونظارة. والشعر لا ينفصل عن اللغة بل إنها الشعر نفسه!!، لذا من واجب الشاعر أن يحرص كل الحرص حينما يختار ألفاظه المعبرّه عن فكرته، وان ينتقي اللفظة الشعرية الأنسب. كذلك على الشاعر أن يتجنب الكلام العادي الذي يتناقله عامة الناس لدرجة ان أصبح بدون تاثير، ويمر على الأسماع بدون إنتباه. فلغة الشاعر لابد أن تكون مكثفة بالدلالات والمعاني، ومختصرة، وشديدة التركيز.
لغة بسيطة سطحية
لقد سقطت أغلب المحاولات الشعرية في امتحان اللغة الشعرية، وعاب هذه القصائد فجاجة ألفاظها وخشونتها، وبساطتها أحيانا وسطحيتها، كم أن بعضها تأثر باستخدام التراكيب المستهلكة والجمل المباشرة السطحية البسيطة، كما في قصيدة(سرى برّاق ):، (سرى براق مع لمزون .... على دارٍ بها لمزيون)، (وسُرَّت عيني بشوفه ... وقلت يستاهل لمزيون)، نلاحظ تكرار لا داع له لمفردة (المزيون) كما أن التراكيب مستهلكة وقد أشبعها الشعراء استخداما وتكرارا، وقد استخدمها الشاعر بنفس التنظيم والنسق. وبرغم أن قصيدة( يا فاتنة) كانت أكثر تميزا بالاوصاف التي حاول الشاعر حشدها ليتغزل بمحبوبته غير أنها أوصافا مكررة لم تلامس روح المرأة وعمقها، فكان غزلا خارجيا يصف الشكل بطريقة قديمة :(والخد بستان النفل والرياحين ... ريحة عطوره للخشم يسبقنّك)، (ونادى عليك القلب إنك تلفين ...وترسين في شطّي وانا مرتجنك )، فمفردات (خشم ، تلفين، ) تضعف المعنى. إن اللغة التي تنقل أفكارا مكررة ومستهلكة تصبح بدون تأثير، ولاتبهج النفس : (يا سيدة كل البنات المزايين ... سبحانه الرحمن لي مبدعنك)، فهذه الجمله ليس للشاعر فضل فيها وهي متداولة بين الناس وتستخدم في الكلام اليومي. كما استبعدت لنفس الأسباب قصيدة (اللفت) وهي قصيدة غزلية كتبت بشكل حواري غير أنها تأثرت باللغة المباشرة وبالافكار البسيطة : (تناديني وأنا ع اللفت أخويه رايحٍ ع وين .....لو تكرمت أنا بصعد إذا هو كان بالإمكان)، (ألا يا مرحبا مليون هلا من وين ما تبغين.....تراه اللفت لي مركب وانتي البوس والقبطان)، نلاحظ الحوار القصصي البسيط الذي تفتقر لغته إلى العمق والخيال، وكأن الشاعر يحكي قصة حقيقية، كما أن مفردات (البوس) لا تناسب لغة الشباب الطامح للتجديد والمغامرة. لقد ذكرتني هذه القصيدة بقصيدة للشاعر العراقي عبدالرزاق الربيعي مع الفرق الكبير في أسلوب الشاعرين غير أن القصيدتين يتشابهان في الموقف نفسه، يقول الربيعي: ( يتلاقا قلبان.. بباب المصعد.. يتباعد وجهان.. يشقى في المصعد إثنان)، ولنا أنا نستمتع بكثافة المعاني المتولدة بواسطة لغة تختصر ولا تسهب، وتوحي ولا تحدد كما هي لغة الربيعي، وعودة لقصيدة(اللفت) فإن الشاعر ترك لخياله العنان وبدا بالسفر في أجمل أماكن الأرض ولكنه لم يوفق في كشف معلومة ما للقارئ أو فتح نافذة ولو بسيطة لمحاولة التأويل، فكل الأفكار واضحة ومفهومة ولا تحتاج لإعادة قراءة :(جمالك سبب الغزوة وولع معركة حطين....وعيونك دافع للروس إذا جارت على الشيشان) لم يوفق الشاعر في كتابة مثل هذه المبالغات التي لا تثيرذهن القارئ ولا تجلب له المتعة، وليته لم يستسهل الكتابة حتى لا يصل لمثل هذا البيت :(ألا يا ليتني جنبك وجارك وين ما تعيشين....ألا يا ليتني فاتح محل اف جنبك ودكان) بالاضافة إلى بساطة الفكرة فإننا نلاحظ الحشو الذي وقع في الشطر الثاني حينما يتمنى الشاعر أن يفتح محلا بجنب الحبيب، ويضيف أو دكان وهي اضافة بسبب القافية لا أكثر لأن المحل هو الدكان وقد أكتمل المعنى مع المحل؛ على الشاعر أن ينتقي الألفاظ المناسبة ذات الطاقة الشعرية التي تقود إلى المعنى العميق في نفس الشاعر، فكلما كانت الأفكار بسيطة تكون اللغة أيضا لغة إخبارية وبسيطة. ولنفس الأسباب أستبعدت قصيدة( من إبراهيم يا لحمه) ومن أربعة وعشرين بيتا ضمنتها القصيدة فإننا بالكاد نجد بيتا واحدا نشعر بحرارته ونتذوق طعم عاطفته :(أنا زفيتها احزاني بليله نورها ظلمه ... ونامت وحدتي جنبي وحلمٍ راود أفكاري) أما بقية القصيدة فلا تتعدى الحديث الحزين الذي يقترب من الكلام العادي كما في هذه الأبيات:(هلي لا ما دروا عني ولا خالي ولا العمه ... ولا صحبي ولا الاطلال لي عاشت بتذكاري)، أو هذا البيت: (أقلب دفتر أيامي وأرد اشتاق للكلمه.. (حبيبي) ما غدت إلا حروف وحبر باشعاري).
ولم تسلم قصيدة (إلى حضرة الإنسان) من اللغة المباشرة، التي تقتل الشعر وتكسّر أجنحة الأفكار، وبرغم أن القصيدة كتبت على شكل التفعيلة التي تفتح للشاعر الحدود لدخول أراضٍ شاسعة من المغامرة والحرية إلا أن لغة القصيدة لم تحاول التوغل بعيدا :(الناس في غفله ونوم....ويا ليت تحمد ربها.....تشكي معاناة وهموم.....تنثر قهرها كل يوم..والحال اصبح في أظطراب.......ليه الألم والجرح طاب)، كلمات واضحة وتراكيبها بسيطة لا تنتج دلالات متجددة، فكل كلمة تنفث معناها وتموت، لا حاجة هنا للتأويل.. ولا رغبة للإعادة .. وهكذا جاءت كل مقاطع القصيدة.. وكذلك هو حال قصيدة(الشايب الواعي) فبعد البداية المقبولة بدأ مستوى القصيدة بالانحدار وكأن بئر اللغة قد جفت، فنقرأ في القصيدة هذا البيت النثري:( قسم بالله أنا أحبك حقيقه ما تبي برهان.. ولو إنك ندهتيلي أجيك من الوله ساعي)، وكذلك نصادف الكثير من التراكيب البسيطة التي لا تحتاج إلى تعب وجهد مثل( ويرجعلي الصدى يا فلان) أو( توكل وارحم أسماعي) أو (حشا ما لان) وكذلك هذه العبارة( من فعول السهر ذبلان)، إننا نقرا كل هذه العبارات البسيطة في آخر أبيات القصيدة بينما بدأت القصيدة بأبيات أكثر شاعرية وعذوبة كهذا البيت مثلا:(جنونك للوصل وينه عسى ما غيبه النسيان.. حنينك طفلة أحلام يلي قلدتها شراعي).
لغة شعرية أفسدتها العبارات الخاوية
ومن القصائد التي بدأت بلغة شعرية جميلة ثم تحولت فجأة إلى لغة مزعجة خاوية قصيدة (تعب الحروف) حيث بدأت بلغة منتقاة كما في هذا البيت:(يا سامع بالعطش دون الضما ما بانت أوراقي ....وغصني اليانع بصدر الزمن ما مل من ثوبه )غير أن اللغة بعد ذلك وقعت على أرض خشنة من المفرادات الميتة كما في الشطر الثاني من هذا البيت:(تعبت اليوم يا نبضٍ تربى وسط احداقي.....شهيد الليل إحساس الخلي لا من خيلتوا به )، أو في هذا الشطر:(يا ربي لا تعبت البوح واشقاني شقى الشاقي) أوفي هذا الشطر)وحلمي ما حسب حسبان قحف احلام ملعوبه ) إن عبارات (الخلي لا من خليتوا به أو واشقاني شقى الشاقي أو ما حسب حسبان )ومثيلاتها من العبارات المتقعرة تنحدر بمستوى القصيدة وتسبب الملل والرتابة. ومن القصائد متوسطة المستوى قصيدة (حفنة أماني) التي تميزت بلغتها المنسابة برقة وهدوء غير أنها تعرضت لاستخدام ألفاظا خاوية المعنى، كما هي لفظة(خدمة) والتي وردت في قافية هذا الشطر:(على درب الشقى أمشي ولا حدٍ مد لي خدمه) أو لفظة نعمة في هذا الشطر:( يقولون الفرح أحلى شعور وطلته نعمه) وأيضا كلمة تغطرسن في هذا الشطر( جمعتك دمعتين إتغطرسن في شاطي الصدمه).. أن الكلمات تستمد طاقتها من علاقاتها مع الكلمات الأخرى، فوجودها مفردة لا يدل إلا على معنى واحد بينما وجودها في جملة شعرية متزاوجة مع لفظة أخرى يولد معان جديدة متجددة دائما ، وهذا ما لم يحدث في لغة قصيدة (حفنة أماني). ومن عيوب لغة القصيدة أيضا، تكرار بعض الكلمات التي تحمل نفس المعاني، كما في الشطرين القادمين) سهر والليل يسبقني ويلبس للجفى عتمه) وبعد سبعة أبيات يأتي الشاعر بنفس المعنى ولكن بمفردة مختلفة ( ألم الصبح في عيني وأجيلك والعمر ظلمه) فمفردات مثل (عتمه،ظلمه) لها نفس المعنى. ونفس التكرار حدث مع مفردة (رحمه) حيث أستخدمها الشاعر كقوافٍ لأبيات متقاربة. ونفس الخطأ الأخير وقعت فيه قصيدة(ذنب النفس) حيث استخدم الشاعر لفظة احساس في بيتين متقاربين جدا.. وهكذا كان مصير قصيدة( قصيدة نداء) ألتي تتحدث عن اليتم ومعاناة فقد الأب، فبرغم حيوية لغتها وتدفقها إلا أن هذا التدفق تعرض لحواجز كثيرة وقفت كالسد أمام تيار العاطفة الشعرية وأثرت بالمقابل على شاعرية اللغة ونظارتها، كما في الأبيات التالية: (يرثم الهم الأماني في زماني وأحتضر... والقهر ترجع غيوم الحلم تعلى منبري )، (كف يا برقي رعودي مالها أية ضررر... والسبب همسة جروحي يوم يدوي مصدري)، (ما يفارقني مرير الصبر والعله سهر....والسهر ضيّع خشوع في سجود جوهري)، نلاحظ خفوت وانطفاء تام لمفردات (منبري، مصدري، جوهري) بالإضافة إلى عبارات مثل( مالها أية ضرر، والعله سهر،) لقد أكتفى الشاعر بالتعبير عن جروح اليتيم القريبة من السطح ولم يتعمق إلى عذابات نفسه ويكشف لنا بلغة شعرية موغلة في الألم والحزن عن الحرمان الروحي لليتيم. وفي قصيدة (ثرثرة ذاتي) نصادف مفردة فقدت نضارتها ولم يعد لها بعد شعري وهي مفردة(يتبلور)،:(نعم يا سيدي نحبك وحبك صار يتبلور.... حكاية عشق تنسجها قلوب فداك معتده). فليس من سبب لإستخدام هذه اللفظه، فاللفظة لم يستدعيها المعنى، بل استدعتها ضرورة القافية، وهي ضرورة لا علاقة لها بدوافع الشعر. كذلك فإن القصيدة الوطنية الأخرى( ذخر الوطن) برغم إمكانيات شاعرها الواضحة من خلاله قوة بعض الابيات الشعرية غير أنها تأثرت كثيرا بأسلوب التجنيس الذي بالغ فيه الشاعر محاولا استعراض مهاراته اللغوية على حساب المعنى كما في الجمل التالية:( المشكلات الشاكلات أنواعها وأشكالها)، أو هذا الشطر( سلطان، متسلطن، صبر، الصبر من صبره صبر) وكذلك هذا الشطر( جاسر، جسر، جسر الجهل، جس، وجهر)، وأيضا هذا الشطر( هامه تهامت هامته من هيبته هم البشر) أعتقد أن الجناس الذي لا يضيف قوة للمعنى هو جناس شكلي، يضعف مستوى القصيدة ويقلل من بلاغتها. وفي المقابل فإن القصيدة الأخيرة تظهر موهبة شعرية جيدة تستحق التقدير والاحتفاء..
لغة شعرية قتلتها القافية !!
بعض المفردات تصطدم القارئ بخشونتها، فبعد أن نقرأ لغة سلسة عذبة كما في قصيدة (ظل) نتفاجأ بألفاظ من لغة أخرى، فمثلا يبدأ الشاعر قصيدته بهذه الأبيات: (ليلك حزين ومغتسل فيه بردك... والريح في جرحك واحلامك تميد)، (قرية ومقهى وطاوله، روح سهدك ... نور الشواع والمشاعر مشاريد)، غير أن الشاعر حينما يصل إلى البيت الخامس يهدم كل ما بناه سابقا:(كم ليلتك حبلى بملاذات خلدك ..... بالعابرين هناك .. حدس الاساويد)، لقد زج الشاعر بعبارات منفرة خشنة مزعجة بعد عبارات صافية نقية وهي (ملاذات خلدك وحدس الأساويد) وكما في هذا الشطر: (هم وجه سلمى اليوم .. هم أمس شدك) دون شك أن آخر كلمة في البيت هي التي تبقى في ذهن القارئ والمستمع؛ لذا فأن طلاوتها ورقتها على النفس هي سر تذوق القارئ لها، وهذا السر مفقود في عبارة (امس شدك)، أو في العبارة الأخيرة من هذا الشطر: (شاخ الشغب.. طيّر مع الليل سدّك ) بينما سنجد أبياتا أخرى ذات طلاوة وحلاوة وسحر وليت الشاعر لم يتنازل عن هذه اللغة الفاتنة كما في هذا البيت: (تبقى شريد مسمر الدمع وحدك .. ذاتك جريدة .. وكثر كونك تناهيد). وقصيدة(رماد الملح) من القصائد التي ينطبق عليها نفس الحديث، فبعد تسعة أبيات بدأ الشاعر يتساهل ويلوي عنق القافية :(على درب الشتا مره لقيتك مستريح البال....... وقلت أني غريب الوجه ملامح غربتي خدوعي)، (تمنيت العمر يرجع وأصرخ هالزمن محتال..... الا يا مركبي الساهر سهيت وغابت شروعي)، نلاحظ قوافي الأبيات السابقة (خدوعي، شروعي)، والشاعر يريد ( خداعي، اشرعتي) ولكن بسبب القافية قام بخنق المفردات التي اصبحت بدون معنى واضح. وحتى موسيقاها ناشزة وقد أثرت سلبا على لغة القصيدة المتدفقة.
الصورة الشعرية
الصورة الشعرية هي الوسيلة التي ينقل بها الشاعر معنى فكرته، وهي تنقل لنا طريقة تفكير الشاعر وإمكاناته الشعرية. وتنتج من الإستعارة والتشبيه والتمثيل والمجاز، وهي أنواع لا يتسع المجال للحديث عنها في هذه القراءة، ولكننا سنستعرض العيوب التي وقع فيها الشعراء بسبب التساهل في تركيب صورهم الشعرية، فاعتمدوا على الاستعارة بدون قيد أو شرط بل أفلتوا لجام خيالهم وكتبوا ما خطر في ذهنهم بدون رابط شعري، فأتت صورهم الشعرية مبتورة، مزعجة.
الاستعارات المتكلفة
قصيدة (قمح العطش) كانت لها فرصة كبيرة للتواجد في ملتقى نزوى لولا تصنّع صورها الشعرية، فالقصيدة تعبر عن احتفال الشاعر بمرور سنة على فراق حبيبته، وهو يحاول تصوير حنينه وحزنه واشتياقه للحبيب الغائب، وبرغم وجدانية الموضوع وملامسته لأعماق النفس إلا أن الشاعر لجأ إلى إستعارات لا علاقة لها بموضوعه، فأتت معظم الصور معقدة بعيدة المنال، وقد بدأت القصيدة بالتفعيلة، ثم انتقلت إلى العمودي، ونلاحظ من بداية القصيدة الأسلوب الجاف الذي استخدمه الشاعر في قصيدة يفترض بها أن تتساقط رقة وحزن وعذوبة كما هذه الصور: (ميلادك الليله نحت جرحي على جذع المصير) فعند تحليل صورة هذا الشطر يتضح لنا أن ذكرى مرور سنه على غياب الحبيب تتسبب في تعمّق جرح الشاعر، وإلى هنا فإن الصور مقبوله غير أن الشاعر يصر على إقناعنا بأن هذا النحت حدث فعلا على جذع وهذا الجذع هو جذع المصير!!، وإن كنا نستطيع تصور الذكرى وهي تنحت الجرح فإننا لا نستطيع أبدا أن نتصور أن هذا النحت يحدث على جذع المصير، إن هذه الإستعارة تصيب المعنى بالتشويش والربكه، كما هو الحال في هذا البيت:(ميلادك الليله بذر قمح العطش باقصى الضمير... واستنبت برحم الحنين وصار نزفي يغلّفه)، مرة أخرى فإن الذكرى تبذر قمح العطش بأقصى ضمير الشاعر، ويستنبت قمح العطش في رحم الحنين، والنزف هو من يغلّفه؟!. كيف لنا أن نتخيل هذه الصورة التي يحاول الشاعر أن يقنعنا بترابطها وواقعيتها؟، ولو حاولنا تحليل الصورة فإن قمح العطش يعبر عن الجفاء والبعد، والضمير هو الندم أو لنقل اسباب هذا الجفاء، ورحم الحنين هو الشوق المتجدد والدائم، والنزف هو الكتابة أي الشعر.. ولكن الشاعر عقّد الوصول إلى هذا المعنى بطريقة مبهمة وملتوية فيها الكثير من الإلحاح على إكتمال تركيب الصورة الشعرية، فبذرة قمح العطش، تبذرها ليلة الميلاد، وتستنبت في رحم الحنين ويغلفها دم الشاعر. ومن عيوب القصيدة الزج برموز ليس لها علاقة بموضوع القصيدة، فادخلها الشاعر قسرا، فبدأت شاذة، أضرت بتركيب جمله الشعرية وترابطها كما في هذا البيت: (يا هي المسافة لوّنت باليأس أحلام الفقير... ما جف قزوين الوجع لما كسرتي السالفه)، فما علاقة شطر البيت الأول بالشطر الثاني، حيث يقول أن المسافة قد لوّنت باليأس أحلام الفقير، ثم ينتقل إلى صورة غريبة بواسطة عبارة (قزوين الوجع) الذي لم يجف عند انكسار السالفه؟؟ لقد أدخل الشاعر قصيدته في نفق مظلم من الاستعارات الغريبة ولم يستطع الخروج منها إلا في آخر بيتين. ومن الاستعارات التي دخلت عرضا على القصيدة( إنهد مأرب جرحي)،( روح المسير)،( قنطرة حلمي الأخير)،(يلوي بزمارة حظوظي)، وربما يكون أجمل بيت في القصيدة والذي نقل لنا الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر بشاعرية وعذوبة، هذا البيت: (أصعب شعور الآدمي لا مات يستجدي غدير.. ولا لقى في رحلة الصحرا طريقٍ ينصفه)، في هذا البيت نشعر بعفوية شعرية مدهشة، وبسلاسة وتدفق عاطفي مثير، وتبدو لنا الصورة غنية بإيحاءاتها وخصبة. كما نلاحظ أن الشاعر لم يعتمد على أسلوب الإلحاح والـتأكيد على أن صوره مكتملة الأجزاء ومنطقية التركيب كما في الأبيات السابقة، لا شك أن كاتب القصيدة يمتلك موهبة شعرية قوية، يتضح ذلك في التفعيلة التي افتتح بها قصيدته، عليه فقط أن لا يتكلف في خلق صوره الشعرية وأن يثق في تدفق الشعور أثناء الكتابة ثم بعد ذلك يستطيع أن يغيّر أو يستبدل بعض الكلمات أو الأفكار، لابد أن تخرج القصيدة أولا بعفويتها وتلقائيتها العظيمة.
وهذا ما ينطبق أيضا على قصيدة (يا وجودي) التي بان على كاتبها أنه كتب القافية قبل أن يستحضر المعنى في ذهنه، ومن الجائز أن نقول أن هذا الأسلوب قد اعتمد عليه مجموعة من الشعراء الذين يستسهلون الكتابة ويعتقدون أن الشعر هو مجرد صف كلمات مزخرفه، وأن الشاعر الذكي هو من يأتي باستعارة جديدة، ولكنهم لم يكترثوا لأهمية المعنى، وشاعرية الاستعارة ذاتها، وعفوية العاطفة، وبلاغة الصورة الشعرية، لذا فإن كتاباتهم تصيب القارئ بالنفور والملل، وللأسف فإن قصيدة( يا وجودي) لم تحيد عن هذا النوع من القصائد، يقول الشاعر:(مد يد الريح وارسم في تفاصيلي غمام.. وانبت بضلع التمادي من معاليقك ضفاف)، إن لفظة تفاصيلي لا تدل على شيء ولا توحي بمعنى وليس لها علاقة البته بالمعنى، وما أجمل الشاعر لو أبدلها (بمشاويري) مثلا، ليستقيم المعنى وتكتمل الصورة. كذلك فما معنى ضلع التمادي؟ أنه يذكرنا بجذع المصير في قصيدة(قمح العطش). ويواصل الشاعر سرد صوره المزعجة واستعاراته الفجة( للصحاري وجه ضايق راق في فمي صيام....كلمةٍ تورد ظنونٍ جا يعرّيها لحاف)، أرجو من الشاعر أن يتوقف عن هذا الأسلوب نهائيا لأنه يظلم موهبته ويشوّه شاعريته، وأتمنى منه أن يحاول فهم المعاني القابعة في أعماق نفسه بواسطة الصور الشعرية المناسبة، فكيف نستطيع مثلا أن نتعرف على مشاعره حينما يقول بأن للصحاري وجه ضايق، ولكنه راق في فم الشاعر حينما أصبح صياما؟؟، أو كيف لنا أن نستكنه عاطفة الشاعر حينما يقول بأن : كلمةٍ تورد ظنونا وأوهاما وقد جاء لتعريتها لحاف؟؟. أتمنى عليه أن يبتعد عن هذه الجمل البشعة:( في عيوني صوت عذري شاخ وجهه من حطام).. ما أجمله حينما يقول بتلقائية وبعيدا عن التصنع والتكلف والتمثيل: (يا وجودي والمدينة نبض وأسوار وكلام...وانت وجهٍ للمدينه، ضاحكه فيني.. واخاف)..
ومن القصائد التي عابتها الصور المتكلفة التي لا تثير النفس ويمجها الذوق ما جاء في قصيدة (فلح الزمان) فالشاعر اتكأ على الاستعارات ليشكل صورا جزئية لا يربطها ببعض ولا حتى خيطٍ رفيع، لنحلل مثلا هذا البيت:( تساقط من جذاوي الشيب شذرات الاماني خصال... تعبّي هالفراغ في عتمة الأنواء فزوره) لو حاول القارئ واتعب ذهنه لإعادة تركيب الصورة التي يقصدها الشاعر لما وصل لشيء، فكيف لنا أن نتخيل شذرات الأماني وهي تعبي الفراغ في عتمة الأنواء؟ وكيف للقارئ أن يتلمس الصورة الشعرية في هذا البيت:( تلحفت العشا بعد المكوث فقوقعة الامال... وانا متعود اف عزبة مسائه حلب ديجوره)، إن هذا الشعر هو الذي شوّه مسمى القصيدة الرمزية وفتح المجال لشن حرب شعواء على القصيدة العمانية بداعي أنها رمزية وغير مفهومه ومجرد طلاسم لا أكثر والعذر أن المعنى في بطن الشاعر... أتمنى من هكذا شعراء أن لا يظلموا موهبتهم بهكذا محاولات، وعليهم أن يتركوا لعفويتهم الشعرية أن تسيل كالماء في الفلج، من الخطأ أن نتدخل بقسوة في تشكيل الصورة الشعرية قبل تصورها في الذهن، فالمعنى لا بد أن يكون مترابطا مع ترابط الكلمات وتتاليها. لنترك العاطفة تتفجر في لغة رصينة منتقاة متناسبة مع المعنى، وفي المقابل يجب أن نبتعد ما استطعنا عن الجمل الخطابية الإنشائية. فالشعر العظيم هو الشعر البسيط في شكله والمعجز في تشكله.. أي أن طريقة تشكل الشعر حتى يصل إلى مرحلة الإدهاش هي الصعبة حيث لا يجيدها سوى الشعراء الكبار. ولا يتقنها سوى الشاعر الموهوب
الصور الشعرية البسيطة
كذلك فإن بعض القصائد عابها ضعف صورها الشعرية وبساطتها واستهلاكها من قبل الشعراء السابقين، كما هي قصيدة (ثرثرة ذاتي)، وربما كون الموضوع موضوعا وطنيا حكر الشاعرة في صوّر استدعتها من ذاكرة الشعر المتطابقة مع ذاكرتها، فلا نصادف صورة شعرية لافته، ولا جملة مدهشة، ولا فكرة جديدة مبتكرة، فمنذ البيت الأول والشاعرة تعيد رسم نفس الصور المتعارف عليها:) على وقع الخُطى شل الفكر مجدافه وابحر...يسافر في اساطير الكلام ولا وصل حده)، وحتى العبارات الشعرية التي حاولت الشاعره التجديد في صياغتها تأتي سهله بسيطة غير مدهشة) أنا أدري لو مزجت الدم بحروفك ورد أزهر.. غلا يا ديرتي مغروس من نبض القلب عِده)، وأيضا هذه الصورة التي أستهلكها شعراء المدح والفخر كثيرا :( يا قائدنا الوفي بوح القوافي ينتشي ويكبر.. لاجل نحصي سخي جودك؛وفضلك باسط ٍ يده)..
وحدة الموضوع والوحدة العضوية
قصيدة (ذنب النفس) بخلاف التكلف الواضح في الاستعارات فإنها تفتقر إلى وحدة الموضوع حيث أن الشاعر أنتقل إلى أكثر من موضوع في قصيدة واحدة كذلك فأنها تفتقر إلى الوحدة العضوية لأن الصور لم تكن مترابطه ولم تكن حالة نمو وتصاعد. فالشاعر يحاور نفسه بلغة عاتبه نادمه متذكرا الأحباب حين يقول بلوعة وأسى:( يالله كيف ما يثمر غلانا في أعز الناس)، لكنه يزج باستعارت متكلفة وتربك الحالة الوجانية التي يعيشها، فنجده يزج بمشاهد من القرية: ( حارة خافقي تنداس، عريش الروح، أفلاج ضاحية المغاني، عوابي الود، سبلة أشواقي، جنز الحنايا، جنّور التلاقي)، إن كل هذه الإستعارات أتت في الثلث الأول من القصيدة وفي الثلث الأخير بينما جاء الثلث الثاني باستعارات ترتبط بموضوع القصيدة الرئيس، وتعبر عن الحالة النفسية العاطفية التي يعاني من الشاعر،( رجيتك قبل لا ترحل تكفكف دمعتي وتحس... كلامٍ نام بشفاهك عليه تمركزت حراس).
وهذان المعياران أي وحدة الموضوع والوحدة العضوية تسببا في استبعاد قصائد أخرى من المسابقة ومنها قصيدة (تعب الحروف) التي بدأت ذاتيه ثم انتقلت إلى موضوع ديني وأخيرا إلى موضوع وطني وكل الانتقالات جاءت بصورة مباغته وغير مترابطة.
وكذلك قصيدة (حفنة أماني)، التي نختار منها هذين البيتين ليعبرا عن الافتقار للوحدة العضوية ، يقول الشاعر في البيت الحادي عشر( عرفت إن الأمل حلمه إنتثر ما نقدر انلمّه.. مدام أن الخيانه كالعطر تبقى على ثيابك)، فهو يشبه الخيانه كلعطر حيث بإمكان إي شخص أن يتعرف على الشخص الخائن، ولكنه في البيت الرابع عشر يقول( تعبت أتبخر أيامي بدونك في الحشى رحمه.. أفتش في كفوف الهم عن ريحة من أطيابك)،الشاعر في هذا البيت ينسف تماما البيت الجميل السابق وها هو يفتش عن رائحة تذكره بالحبيب ولو من كفوف الهم؟؟، وهو في البيت السابق يقول بأن الخيانه تفوح رائحتها كالعطر باقية على ثياب الخائن؟؟ فلماذا هذا البحث والتفتيش؟
قصيدة غريبة
من القصائد التي لفتت انتباهي واحترت معها كثيرا لدرجة الاستفسار عن البيئة التي ينتمي إليها الشاعر قصيدة (الوجيه الغانمه)، فالقصيدة كتبت بالأسلوب النبطي وكأن كاتبها من بدو نجد الأقحاح، فالمفردات بدوية والموضوع أيضا من مواضيع البدو الشهيرة وهو التفاخر بالصقر وبعادة المقناص، فالشاعر في القصيدة يصف طيره ويسقط كل صفات الطير على معاني الرجولة وأخلاق الرجال.. غير أن القصيدة لا تنتمي لا من بعيد ولا من قريب للبيئة العمانية فرموزها تنتمي لنجد ولهجتها كذلك وموضوعها، وحتى نتبيّن ذلك علينا أن نركز في هذه الأبيات:(كلٍ يشوف طويق هي قمة طويق... لكن عينه موت حسره وضيقه)، فطويق جبل مشهور في نجد وقد كتب كثير من شعراء النبط فيه واستقوا أفكارهم من تاريخه، ولنتمعن أيضا في لفظة (كود) التي وردت في البيت القادم والتي تعني (غير) ولا تستخدم في القصائد الشعبية العمانية إلا نادرا:( يا كود سالفها غرابه وتشريق... يا طير حلّق فوق رؤوس الخليقه)، وحتى لا نظلم الشاعر فإننا لم نلتفت عند التقييم لظاهرة الانفصال المكاني واللغوي، ووضعت القصيدة تحت مجهر نفس المعايير، واستبعدت بسب الصورة الشعرية المستهلكة والبسيطة، كما في هذا البيت الذي يشبّه فيه الشاعر طيره بطائرة البوينج والكونكورد: (أشبهك بالبوينق يوم التحلّيق... ولا على الكونكورد زفره سبيقه) وهذا تشبيه لم يعد مدهشا بل أنه تشبيه عادي يستخدمه عامة الناس، أو هذا البيت( هبت كل الدلال المباريق.. في مجلسٍ بين النشاما العريقه)، كما عاب لغة القصيدة بعض الألفاظ التي تعرضت للعنف من أجل ملائمة القافية كما في هذا البيت:(يا ما لا قالوا ليق ولا أنت ما تليق... تكفخ بريشك في سماك الزريقه) والزريقه هي الزرقاء ولا أظن أن هناك لهجة تنطق الزرقاء بالزريقة..
الخاتمة
أتمنى أن تتسع صدور الأخوة الذين تخصهم هذه القراءة، فهم في بداية الطريق وعليهم التمهل والتعلم والممارسة.. متمنيا أن تتوفر لهم فرصة المشاركة في السنوات القادمة.. كما ألفت انتباه أخي القارئ بأن الأسماء لم تنشر في القراءة حتى لا يتأثر أصحابها سلبا وهم في بداية الطريق..
حمد الخروصي*


أعلى




رَمْـلْ

" أَمْضِي إِلَى الصَّحْرَاءِ "
أُطْفِئُ شَهْوَةَ الرَّمْلِ المُمَدَّدِ مِنْ ضَفَائِرِهَا
وَأُدْنِي مِنْ تَفَاصِيلِ الحِكَايَاتِ التِي وَطِئَتْ حُدُودَ الغَيْمِ أَجْنِحَتِي
مُرِيدًا فِي سَمَاءِ النَّاسِ
مُنْسَلاَّ مِنَ الأَضْدَادِ
مَسْكُونًا بَأَلْفِ غِوَايَةٍ لِلرِّيحِ .. كَالأَسْلاَفِ
كَالعُشْبِ الذِي مُنْذُ اخْتِلاَفِ المَوْتِ وَالمَوْتَى تَدَارَكَهُ الحَنِينُ إِلَى الأَقَاصِي
' لَيْسَ فِي أَثَرِ المَسَافَةِ مَوْعِدُ لِلْمَاءِ .. بَعْدُ '
يَقُولُ سَاعِي الغَيْبِ
' لَمْ تَحْمِلْ نَخِيلُ الرَّاحِلِينَ سِوَى بُكَاءٍ كَانَ يَعْبُرُ صُدْفَةً
وَبَقِيتَ وَحْدَكَ تَحْمِلُ الأّيَّامَ فِي كِسَرٍ مِنَ الفَخَّارِ
تُدْنِيهَا مِنَ الظِلِّ القَدِيمِ
وَتَحْرُسُ الأَسْمَاءَ عَنْهَا
عُدْ
إِلَى حَيْثُ اصْطِفَافِ البِيدِ
وَاخْتَرْ وِجْهَةً أُخْرَى
وَغَادِرْ
إِنَّمَا الأَوْطَانُ أَشْيَاءٌ تُغَادِرْ '
لاَ زِلْتُ أَجْهَلُ أًحْجِيَاتِ الرَّمْلِ
أَجْهَلُ كَيْفَ تَصُوغُهَا الأَقْدَارُ
وَالبَدَوِيُّ يَحْتَرِفُ المَسَافَةَ
آخِذًا بِيَدِ الرِّمَالِ مِنَ البَعِيدِ إلَى البَعِيدْ
كَمْ أَدْرَكَ البَدَوِيُّ إِيقَاعَ النِّهَايَةِ
كِيْ يُسَاوِمَهَا عَلَى الأَرْضِ التِي تَهَبُ انْطِفَائَتَهُ خُلُودًا مُثْقَلاً بِالمَاءِ
لِلبَدَوِيِّ ظِلٌّ يَسْتَطِيلُ لأَجْلِ حِكْمَتِهِ
وَلِي ظِلٌّ شَرِيدْ
وَهُنَاكَ
قُرْبَ الأَيْلِ
تَنْتَصِفُ الحَرَائِقُ
نِصْفُهَا لِلْمَوتِ
وَالنِّصْفُ المُسَعَّرُ لِي
وَلِي لُغَةٌ بِصَوْتِ رَبَابَةٍ
أَدْرِي
وَقَبْرٌ مُرْهَقُ التَّكْوِينِ
مَنْذُورٌ لأَلْوَاحٍ مُقَدَّسَةٍ
وَأُنْثَى تَسْتَبِيحُ الضَّوْءَ
تُزْهِرُ فِي المَدَى حِينًا
وَتَذْبُلُ فِي المَدَى حِينًا
تُرَاوِغُ لَعْنَةَ الذِّكْرَى
وَتَنْطِقُ
' دَعْكَ مِنْ قَدَرِ المُسَافِرْ '
أَيٌّ تُبَعْثِرُهُ السَّمَاءُ
يَصِيرُ شَيْئًا ..
كَالمَطَرْ !
الرِّيحُ مُوغِلَةٌ
بِلاَدُ الرِّيحِ مُوغِلَةٌ
وَسِيدُورَى
تُرَتِّلُ وِرْدَ مَنْ عَبَرُوا
' فَلاَ تَكْتُبْ عَنِ الأَمْوَاتِ
لاَ تَبْحَثْ عَنِ الخُلْدِ المُخَبَّئِ
لَيْسَ تُدْرِكُهُ الجِهَاتُ
وَعِشْ كَأَنَّكَ مُطْلَقٌ
البَابُ أُشْرِعَ
وَالنَّوَافِذُ
وَالقَمَرْ
كُنْ رَفَّةَ الطَّيرِ المُحَلِّقِ
وَارْتِعَاشَاتٍ تُهَاجِرْ '
آَمَنْتُ بِالرُّوحِ المُقيِمَةِ
وَالجَسَدْ
وَكَفَرْتُ باِلأَسْمَاءِ
لَمْ أَحْفَلْ بِهَا
حَتَّى تَذَكَّرَنِي الغِيَابُ
يَقُولُ مَا اسْمُكَ
-لَسْتُ أَدْرِي
مُنْ تَكُونُ
-أَنَا أَنَا
مَا عُدْتُ غَيْرِي
اِسْتَعَدْتُ دَفَاتِرِي
وَوَجَدْتُنِي فِيهَا
وَأَغْلَقْتُ الدَّفَاتِرْ ..

إبراهيم بن أحمد الهنائي*
* شاعر عماني

أعلى





حامض الذاكرة

الشمس تحاصر الطرقات بجبروتِ أشعتها، تلهبُ الجلود السمراء فتزيدها اسمراراً، وتصطف البيوت الطينيّة كجيشِ من العمالِ أرهقهُ الجري الدؤوب خلف لقمة العيش، بينما يداعب نسيم الصيف الجاف سعف النخيل ويرسم على الخدودِ الصغيرة حمره تضاهي حمره الشفق الأحمر جمالاً وشقاوة.
حكّ أنفه بشكلِ لا إرادي مراتِ عديدة وهو يقفزُ من الشمس إلى الظل، فكر في الأمبا الذي يداعبُ لعابهُ كلما مرّ على بيت ود المُبَشر، أعاد تلاوة المشهد من جديد، فسال لعابه وهو يتلمظ ذكرى آخر أمباة قضمتها أسنانه.
تمردت الرياح على السكون وكادت أن تخطف إزاره لولا أنه تنبه لزئيرها فقبض بقوة على إزاره، سأل قلبه الصغير الله أن لا يكونَ الشايب سلمان مضطجع في الحوش كالعادة، أي مجنون هذا الشايب سلمان ينام تحت سطوة شمس الظهيرة ليثبتَ أنه رجل لا شيء قادر على النيل منه؟! كشفت عيناه بنظرة واحدة على الحوش، كانت الأجواء غريبة بعض الشيء، السكون يخيّمُ على الأرجاء، وجد قدمه تدفعُ الباب الحديدي، همس صوته باحثاً عن صديقه عبدالله: عبيد، عبيد، بدا له أن البيت خال إلا من جسده وأرواح سكان البيت من الجن، ارتعدت فرائصه وهو قابع عند المدخل، تذكر الأمبا فواتته الشجاعة فتقدم حاشراً جسده في ممراتِ البيت يتلصص بحثاً عن وجه عبيد أو أحد إخوته، التفت مراتِ عديدة خوفاً من ظله، نبض قلبهُ بشده حين راودته فكرة أن يكون الشايب سلمان في البيت وقد يلمحهُ، جفّ صدره، واتسعت عيناه.
وصلَ إلى النافذة المطلة على بيت ود المبشر، قرّت عيناه بتأمل شجرة الأمبا، لمح رجل يركضُ على نحو غريب، مدّ نظره إلى المساحات الأخرى بين بيت ود المبشر ومزرعة النخل، عند البئر شاهد مسعود والشايب سلمان وكأن ثمة خطب غير طبيعي يحدث هنالك، استفزه الفضول فخرج من البيت مسرعاً متوجهاً إلى تلة بنت الراعي حيثُ بإمكانه رؤية المشهد كاملاً، هل يصدق ما تراه عيناه؟ جسد ود المبشر مسجى على الأرض ورأسه مضرج بالدماء، ابتعدت الشمس قليلاً عن كبدِ السماء، تعالت أصوات أذان العصر من القرية والقرى المجاورة، وعيناه ما انفكتا تسجلان المشهد، مسعود والشايب سلمان رموا جسد ود المبشر في البئر، رموه بقوة وعنف، شعر هو بأن روحه تنزلق من شاهق مع جسد ود المبشر، ارتفع طعم حموضة الأمبا إلى حلقه فاستحال طعمها مر ومثير للغثيان، صوّر خياله ارتطام جسد ود المبشر النحيل بعمود وماكينة البئر فشعر بأن رأسه يتحطم على دوي المشهد.
انتهى كل شيء، غادر مسعود والشايب سلمان المزرعة، وبدأت الأزقة الضيقة تصافحُ أقدام المصلين المتجهين إلى مسجد شَرَقْ، نزل من على التلة، كان إزاره مبتل، لم يهتم بذلك، حاول أن يسرع قدر الإمكان قبل أن يلمحهُ أحدهم، تعثرت قدماه بحجارة التلة فتأذى ظفر إبهام قدمه اليسرى تأوه متألماً ولكنه ركضَ وكأنّ العالم بأسره يركضُ خلفه غير آبه بحرقة الوجع.
اختبأ خلفَ بيت زوينة العوراء مخافة أن يلتقي بأحد، سمعَ أصوات أقدام تتقدم نحوه، دسّ جسده بين جالون ماء وباب خشبي مخلوع، امتدت يد كآهلة، شعر بها تقترب، كتم أنفاسه، بحثت اليد عن مخبأ لتحشر شيء لا يعرفُ هو كنهه بعد، طال الوقت، دقائق ولكنها تشبهُ طابور الصباح في يوم تفتيش الأظافر والخيزران بيد المدير محمود أبو قانون، احتجت رئتيه، ازرقّ وجهه وأخيراً ابتعدت اليد بعد أن حشرت كيس نايلون في الزاوية، ابتل إزاره مرة ثانية لا يعلم لماذا سالت دموعه وسال أنفه بغزارة دفعة واحدة؟! الكيس يحمل عمامة بيضاء ملطخة بالدم وأشياء أخرى.
ظلّ في مكانهِ، جسده المحشور ينتفض، صورة وجه مسعود والشايب سلمان تتسع، تتسع ، ويتقزم هو، تتسع وتبتلعه، يعيد مشهد البئر يشعرُ بالدوران ويرتجف ، أظلم المكان تدريجياً، حمره عشوائية تلطخُ وجه السماء، رفع رأسه، مسح أنفه بكمه، الطيور تعودُ إلى أوكارها و قطط تمرقُ بتململ إلى الداخل.
في صبيحة اليوم التالي كانت الحمى تشلُّ حركته بينما القرية تعلنُ الحداد بعد أن انتشر الخبر كالنار في الهشيم، (مسكين ود المبشر طاح في البئر بينما كان يحاول إصلاح ماكينة الطوي... الله يرحمه لو انتظر حمود المُصّلح ما كان أخيّر له ؟ ... مات لا ولد ولا تلد الله يرحمه.. الله يرحمه باع المزرعة والبيت لمسعود و الشايب سلمان).لم ينسَ ذلك اليوم مطلقاً حتى بعد سفره إلى أميركا لدراسة كان يتتبعُ أخبار القرية فتصلهُ طازجة، الشايب سلمان أصيبَ بالزهايمر، وقضى بقية حياتهِ يروي حكاية قتلهِ ود المبشر في الشوارع بينما الصغار يتوقفون عنده ليتضاحكوا ويرموه بالحجارة غير آبهينَ بأساطيره تلك.
وعندما عاد من الغربة ووجدّ أحفاد الشايب سلمان يديرون المزرعة، أخبرتهُ العجوز سلامة بنت ربيّع التي التقى بها عند مدخل بيتها عندما سألها عن مسعود أن مسعود تزوج فتاة هندية تصغره بعشرين عاماً وأكثر، كانت فتاة فاتنة أنجب منها ولدين توأمين وأولعَ بحبها وبعد مدة اكتشفّ بأن بيتهُ يزورهُ نصفُ مراهقي القرية ، قتلها وفرّ هارباً من الشرطة وأثناء مطاردة الشرطة له سقط في بئر ود المبشر.
تصاعدت المشاهد الحامضة كالبخار الساخن تحت غلي الذاكرة بسر الأمس، عندما ترجل ناصر بن حمد عن سيارته وتذكر صورة ود المبشر المضرج بالدماء في ظهيرة الأحد قبل خمسة وعشرين عاماً من الآن.

مريم بنت سعيد العدوية

قاصة عمانية


أعلى





بِالعفوِ وصّاني أبِي وعَشِيرتي ،،،

أشتاقُ للرُّطَبِ الجَنِيِّ ونَخْلَةٍ
في مِخدَعِ الجَنّاتِ تلهُو بالحِجَى
شَمُخَتْ ... ومَا ظنّي شُموخَ غُرُورِها
إلا تنَسُّكَ زاهِدٍ يتلُو تَعاويذ المَساْ
لمَحَ السُّنُونَ مريضةً بالشوقِ والهجرِ المُكَدّسِ عُنوةً ... في حَضْرَةِ العِيدِ المُكَحّلِ بالعناْ
موبُوءَةٌ هذي السُّنونَ تَشِيخُ في فَجرٍ
يُشيَّدُ بِارتِعَاشَةِ مُذنِبٍ / مُتَشَرّدٍ / مُتَهجّدٍ / " ثاوٍ عَلى صَخرٍ أصمَّ " وليتَهُ
يُروَى بأطلالِ المسَاء إذا السّواقِي " أنشَبَتْ أظفَارَها "
لم يَدرِ أنَّ بحُلمِهِ يهتزُّ جِذعُ النَّخلِ مثلَ جُنُونهِ !
***
بِئْرٌ مُعطّلةٌ ... وقَصْرٌ سَامِقٌ
تُؤوي الهَوَى لمّا هَوَى
وتَربّعَتْ فِي لحْدِ صَرحِ عُرُوشِهِ قَصَصٌ تمُوتُ بِصَحْوِهَا شَمسُ البقاْ
وحُطامُها ...
يدنُو يُزِيحُ الرِّيحَ عَنْ وَجْهِ الفَنَاْ
يمشِي ليُولِجَ ليلَهُ في صُبحِهَا
ولِثامُ لُغزٍ أثقلَ المَمشى فما
سطَعَ الكمَالُ بأرضِها متألّهاً
يُعلي ذَوِي التّيجَانِ في هَمسٍ عناهُ الشَّيْبُ ..
والغَيْبُ المقطّرُ ما أسرَّ لصحبِهِ عنْ ليلِ ليلى حينمَا اغتِيلَتْ على سَرْجِ الشقاْ ...
طُمِسَتْ ملامِحُها بطَيْفِ مَسِيرَةٍ
أنفاسُهَا شُعَلٌ تُذِيبُ الغَيْمَ في تسبِيحِهِ لمّا بدا وقتُ التمجُّدِ لاهِثاً
ومُنى التألُّهِ في اكتراثٍ عَابِثٍ
تروي نَخِيلَ البُؤسِ مِنْ طَيْشِ الصَّلاةِ إذا تمالَكَها الأسَى
ميمُونةٌ بركاتُ ليلى ، إذ تمادتْ في جَفافِ اللهْوِ والسَّهوِ المُلبّدِ بالخُيُوطِ المَخمَليّةْ
ما يُرتَجَى مِن جِفنِهَا المَوصُودِ غيرَ حِكَايَةٍ ازَليَّةٍ نُقِشَتْ عَلَى جَسَدِ البَرِيَّةْ
أفنتْ شبَابَ المُزنِ ...
والقَلبُ المُعتّقُ لم تنلْهُ شَرارَةٌ مِنْ كفّ أنّاتِ البَليّةْ
لمّا تنازَفَ جُرحُ ليْلَى ،
شطّرَ النفسَ الكَلِيمَةَ في صَحَارٍ قَاحِلَةْ
ينتابُها وجعُ الظّلامِ تأسُّفاً
حتّى تَمَاهَتْ كالدُّجَى مُتسَلّلةْ
كَانتْ هُنا تُفني الوُجُوهَ بِحُرقَةٍ
وتقولُ : " أنّى للحياةِ بَقِيّةٌ ... كُلُّ المَمَالِكِ عَنْ خُطَاكُمْ زائلَةْ " !
ناجَيتُ في أعطافِهَا هَمسَ السُّهَى
حتَّى تلظَّى النبضُ مِنْ حَرّ الهَوى
في غَابَةٍ لِقِبَابِ مَنْ عَشِقُوا ... وحُرّمَ عِشقُهُمْ حتَّى الثَّمَالَةْ !
***
أشفقتُ مِن حِملِ المعاوِلِ في يَدِي
وَدِمَاءُ سُمْرَتِيَ المُجِلّةِ للتعرُّقِ ما تملُّ كِتابِيَ الخَشَبِيَّ واللوْحَ المُحفَّرَ مِنْ شُقُوقِ أصابِعِي ..
تُملِي عَلَى ظَهْرِي وُشُومَ طُفُولَةٍ ... لمْ يمحُهَا وهجُ الرَّمادِ
وما احتواهَا بِي السُّهَادُ
وما استفاقتْ مِنْ لظاهَا أضلُعِي
فَنُبِذتُ أشتمُّ التُّرَابَ ... ومَهْدُ ذاكِرتِي يُذبّحُ بالصُّدُودِ عَلَى دِمَاءِ طُفُولَتِي
وعُيُونُ أزمِنتِي تنَاءَتْ عَنْ سَحَابَةِ مَدمَعِي
فصددتُهَا ... عَلّقتُ فِي أستارِهَا :
" بِالعَفْوِ وصّانِي أبِي وعَشِيرَتي "
والعَفوُ مُرٌّ فِي غَياهِبِ مَسمَعِي
إنْ طافَ يوماً في بَلاطِ قصِيدتي ، فالشَّوقُ يُوبِئُ عَفوُهُ أحشَائِي
جُــرحٌ فضاءُ العَفْوِ ليسَ كَمِثْلِهِ ، للحُرِّ قَتلٌ يكتوِي بِعنـــــاءِ
مَا مسَّدَ الجُرحَ العَقِيمَ مُمَسِّدٌ
وأسِرَّةُ الفَقرِ المُنزَّلِ وسَّدَتْ عَظْمِي
لتَروِي مِنْ دَمِي نَخْلاتِ دارٍ لمْ تطُلْها الرِّيحُ مُذْ نامَ المَلاْ
وحِكَايَتِي كالسَّيْفِ تحتَ جُذُورِهَا
كَالمُهْلِ تَشوِي عُشْبَ أمسِي
في رؤىً هَمَجِيَّةٍ مروِيَّةٍ بالذُّلِّ والهُجرانِ
في صَمتِ غُرفَتِيَ الرَّحِيْمَةِ مُسّحَتْ دَفْقاتُ يومِي
والزَّمانُ مؤثَّثٌ فِي صَفْحَةِ الجدرانِ
مُتأبّطٌ قَدري ... إلى حيثُ انتهاءِ السَّيلِ في وَادِي الضُّحَى

منيرة بنت خميس المعمرية*
* شاعرة عمانية


أعلى






أنا حي ...

لم يكن هناك من أحد في الغرفة سوى أنفاسه التي أخذت بالتصاعد زفرة تلو الأخرى، ومع كل زفرة يطلقها جسمه النحيل تتدلى من بين مسامات جسمه قطرات عرق تفوح منها رائحة الجهد والتعب وذكريات ما زالت تتخلل شرايين مخيلته.
ظلمة تحيط بأسوار الغرفة بشكل يبعث لناظره بدوار شديد سوى ضوء ضئيل جدا أخذ يتخللها من خلال نافذة صغيرة معلقة على أحد جدرانها بحيث يضيء بشكل مباشر على لوحة موجودة على الجهة المقابلة.
أغمض عينيه المطبقتين من شدة الألم وأخذ يسترجع كل ما حدث له بسبب ذلك وكل ما حدث له فيما مضى.
ذهب إلى المدينة المفعمة بضجيجها ليبحث له عن عمل يستطيع به إعانة نفسه، فالقدر ساعفه بدرجة كبيرة على إكمال شهادته الإعدادية وذلك حينما كان والداه على قيد الحياة وبعدها تركاه ليواجه قدره بعدما أخذهما القدر بعيدا عنه في حادث مروري.
واجه صعوبة كبيرة في البحث، فلم يكن من السهولة عليه الحصول على عمل، كانت مهنة تقديم القهوة في إحدى الشركات المترامية على قارعة الشارع المزدحم بدخان السيارات ربما أرضت بعضا مما تأمل به نفسه .
لم يكن حين خرج من قريته في إحدى الصباحات الباكرة يعلم ما يواجهه في المساء، كان الجو حينها تعتريه بعض الهمسات الباردة التي أخذت تلطم وجهه.
رجع إلى قريته بعد يوم مكتظ بالعمل ولكنه فوجئ عندما رأى بقايا دخان تنبعث من بيته وبقايا رماد متناثرة هنا وهناك تحتضن ما تبقى من آثار كانت شاهدة يوما على حياته، آثار طفولته التي تذكره دوما بأبويه والممزقة أشلاء بين كومة من رماد خامل، آثار شهدت وحدته واعتصرت آلامه.
أحس بيد ضعيفة تربت على كتفه انتشلته حينها من ماضيه، التفت قليلا فلم يجد إلا سالما، سالم ذلك الشخص الذي اتهمه الناس بالجنون، لم يعره اهتماما في البداية؛ لأنه كما عرف عنه عند أهل القرية لا يتكلم سوى من بعض تمتمات كانت تخرج من فمه، لكنه تفاجأ عندما سمعه يتحدث محاولا مواساته في مصابه وإخباره بأن ما حدث له كان بسبب مجموعة من الفرقعات التي كان يعمل بها بعض الصبية، وأن جيرانه عندما شهدوا ذلك حاولوا قدر استطاعتهم إخماد ما اشتعل في أرجاء البيت ولكن دون جدوى.
كل ذلك وهو قد شده ما رأى وما سمعت أذناه، فلم يكن يصدق، فذلك كله حاول أن ينسيه بعضا مما حدث له، لاحظ سالم ذلك فحاول أن يوضح له الأمر، وقبل أن تخرج بضع كلمات من فمه التي أوشكت أن تفصح وتبدد استغرابه التفت سالم وأدار ظهره للوراء، لأنه علم حينها بأن كلامه لا فائدة منه، فما ترسخ في أذهان القرية وما نعتوه به من جنون لا يمكن تغييره .
أين يذهب الآن وفي مثل هذا الوقت؟
أخذ هذا السؤال يتردد على تفكيره فلم يجد بدًّا من الذهاب إلى بيت عمه، وفعلا ذهب إلى هناك ولكن عمه سكت في البداية ثم قال: لا أستطيع استضافتك إلا لهذه الليلة فقط وبعدها ابحث لك عن مكان آخر، فلدي خمس بنات وأنت تدري بأن وجودك بينهن لا يصلح.
لم يكن منه إلا أن هزَّ رأسه بالموافقة، وفعلا عندما بزغ أول خيط من الصباح خرج من بيت عمه تاركا له رسالة تحمل بين ثناياها بضع كلمات معدودة ترتلها أسطر فارغة "شكرا لك على استضافتك لي الليلة الماضية... شكرا لك".
قطرات الندى ما زالت تتساقط من بعض الوريقات محتضنة وريقات أخرى محاولة مسح ما علق على حوافها من وسن وتنظيف ما علق بها من إفرازات ليلية، خرج مغادرا قريته حاملا معه كل ما يحتويه جسمه من ثقل ذكريات تتعلق بقريته ، خرج على أمل أن يعود إليها مرة أخرى، خرج وكل نفس في أغصان الأشجار يعده بأنه سيرجع إليها مرة أحرى.
ذهب إلى المدينة التي استقبلته بكل ما فيها من صخب وحركة، حاول أن يبحث له عن شقة بعدما قضى نصف يومه في العمل، وفعلا وجد شقة صغيرة جدا بما كان قد جمعه سابقا من مال، أودعها أول ما عتبت قدماه بابها حزنه وألمه ،ووضع في كل ركن من أركانها ما تبقي له من ذكريات قديمة ؛ بحيث يتسنى له في كل مرة يعود فيها من عمله أن يعيش بعضا مما أودعه جسمه من ذكريات.
استمر حاله هكذا لعدة أسابيع حتى طرد من عمله ذات يوم بسبب اتهامه ظلما من قبل أحد أفراد الشركة، فقد اتهم بسرقة مائتي ريال من مكتب المحاسبة التي كانت كثيرا ما تحاول أن تستجلبه ناحيتها كلما ذهب ليقدم لها القهوة أو للمدير، ولأنه كان في كل مرة يُعرِض عنها ولأن محاولاتها جميعها لم تنجح فقد ادعت بفقد هذا المبلغ من خزانتها والذي سحبته نهار اليوم لتقوم بتوزيعه على العمال، ولكن بسبب وصول رسالة مهمة ومستعجلة للمدير اضطرت أن تضع المبلغ في أحد الأدراج ريثما تعود، ولهذا السبب لم يكن هناك قبل ذلك إلا هو بينما كان يضع لها كوب القهوة الساخن على الطاولة.
وهكذا تم تصديقها لأنه طبعا هناك من كان يقف بجانبها، ولأن الرأس الكبير كان يقدم لها كل شيء حتى يستطيع هو بالتالي تحقيق مطالبه منها.
خرج من هناك وآمال الخيبة تجر اذيالها وراءه، خرج ونظرات الخزي والعار تلاحقه بخطوات حثيثة، خرج وفي نفسه كره للعالم من حوله وكره لطموحاته التي لم تتحقق.
فتح باب الشقة الذي نسي في الصباح ان يغلقة خوفا من تاخيره عن العمل، دخل وعيناه تودعان هذه الشقة أحزانا أخرى، فلم يعد هناك في هذا الوجود من يودعه أسراره وأحزانه سوى شقته.
جلس على كرسيه المتأرجح أمام النافذة وسيل أفكار متشتتة تعوم في مخيلته، حاول قليلا أن يطبق جفنيه علّه يستريح قليلا من عناء الحياة، وشيئا فشيئا استسلمت عيناه لذلك.. حاول بعد ذلك أن يعيد فتحهما ليبدأ حياة جديدة ولكن عينيه استسلمتا للأمر ولم يكن لديهما رغبة في الحياة من جديد.
خرج أحمد من غرفته التي انبعثت منها رائحة البطانيات المنثورة هنا وهناك، والستائر التي ما زالت تحجب عنها أشعة الشمس، وجد صديقه ما زال على كرسيه منذ ليلة البارحة عندما كان غارقا بمشاهدة التلفاز.
ناداه من بعيد ولكن صوته عاد أدراج الرياح، اقترب منه قليلا.. هزّ كتفه مناديا: ناصر.. ناصر.. قم لقد تأخرت كثيرا عن عملك..
يهزه في المرة الأولى والثانية ولم يجبه حتى سكب عليه الماء في المرة الثالثة، نهض ناصر منتفضا وعينيه في أحمد والغرفة والماء المنسكب على ملابسه وكل شيء، وأحمد ينظر إليه باستغراب، بعدها قهقه بصوت عال وهو يقول: أنا حي.. أنا حي، وخرج من الشقة وهو يردد: أناحي.. أناحي، وأحمد لم يفهم شيئا من ذلك.
لينا بنت زاهر الخصيبية*
* قاصة عمانية

أعلى





ثلاث قصائد سرّية لـ "جورج سيفيرس"


ترجمة: أحمد عبدالله العجمي


القصيدة الأولى


على شعاع ضوء شتويّ

1

أوراق كقصدير صدئ
للذهن المقفر الذي أبصر النهاية ـ
الومضات الواهنة.
دوامة أوراق عصفتها نوارس
أهاجها الشتاء.

السبيل الذي يتحرر فيه القلب
الراقصون صيّروا إلى حجارة
إلى غابة ضخمة من أشجار عارية.

2

عشب بحر أبيض يحترق،
حوريات بحر رماديات الشعر، عيون لا أجفان لها، ترتفع من الأمواج ـ
أشكال رقصات يوماً،
نيران تبلورت الآن.
الثلج غطّى العالم.

3

أثار رفاقي جنوني
بمزواتهم، آلة سدسهم، مغناطيسهم،
بتلسكوبات تضخّم الأشياء ـ
من الأفضل لو ينحازوا بعيداً.
أين ستقودنا طرق كهذه؟
ربما النهار الذي بدأ عندها
لم يتلاشى بعد
بنار كوردة تضطرم في الوادي
ببحر أثيري تحت أقدام الإله.

4

قلت منذ سنوات خلت:
"جوهريا أنا شيء من الضوء".
ومازلتَ لليوم حينما تتكئ
على أكتاف النوم العريضة
أو حتى حينما يُرسوك
على صدر البحر الناعس
التي حسبتها صدوعاً تتضاءل فيها
العتمة وتفنى مقاومتها،
تهيم باحثاً عن الحربة ـ
الحربة المقدّرة أن تخترق قلبك
وتعرّيه للضوء.

5

أي نهر عَكِر شدّنا للأسفل؟
بقينا في الأعماق.
تيار الماء يجري فوق رؤوسنا،
حانياً أعواد قصب صامتة؛

الأصوات
صارت حجارة تحت شجرة الكستناء ـ
حجارة يرميها الأطفال.

6

نفس من هواء، ومن ثم آخر، عاصفة
بينما تهمّ بوضع كتابك
وتمزّق أوراقا ماضية تافهة
أو تنحني كي تنظر على المرج
أخيلة متكبّرة تعدو
أو نساء أمازونيات حِسان يتبللن عرقا
في كافة سواقي الجسد
بينما يتنافسن في القفز والمصارعة.

عواصف البعث في فجر ما
حينما حسبت أنها الشمس قد طلعت.

7

النار تداويها النار
ليس في سيلان اللحظات المتمهل
ولكن في وميض واحد، حالاً؛
كالشوق الذي اندمج مع شوق آخر
حتى تسمّر الاثنان
أو مثل
الإيقاع الموسيقيّ الذي يظلّ
هناك في المركز كتمثال

لا يتزحزح.

نفس الحياة هذا ليس فترة تحوّل:
الصاعقة تحكمه.

القصيدة الثانية


على خشبة المسرح

1

أيتها الشمس، أنت تلعبين معي
ولكن هذه ليست رقصة ـ
يا له من عريّ فاحش
أشبه بدم،
أو غابة موحشة؛
ثم...

2

سُمعت قرع النواقيس
ووصل الرُسل ـ
لم أكن أتوقع مجيئهم،
حتى الطريقة التي تحدثوا بها وراء الذاكرة ـ
مسترخين، ثيابهم جديدة،
يحملون سلالاً من فاكهة.
كنتُ مندهشا وهمستُ:
"أحبُ هذه المدرجات"
الصَدفة المقعّرة امتلأت فوراً
وبهت الضوء على خشبة المسرح
أشبه بإيذان لإغتيال مشهود.
3

البحر: كيف آل البحر هكذا؟
همتُ لسنوات في الجبال؛
أعمتني اليرعات.
الآن، على هذا الشاطئ،
انتظر قدوم شخص،
أو قطعة من حطام سفينة، طوفاً.

هل من الممكن للبحر أن يتقيح؟
دولفين شقّ خلاله يوماً،
مثلما فعل يوماً
طرف جناح نورس.
مع ذلك كان البحرُ عذباً
أينما غطستُ وسبحتُ في طفولتي،
وبعدها، في شبابي،
باحثاً عن أشكال في الحصى،
محاولاً كشف إيقاعات،
قال لي البحر:
"أنا المكان الذي إليه تنتمي؛
قد أكون نكرة،
لكن يمكن لي أن أصير ذلك الذي تريد".

4

من سمع في ساعة الظهيرة،
هسهسة السكين على حجر الشحذ؟
أي فارس ذاك قدم
بجذوة، بجمرة؟
الكل يغسل يديه،
يبرّدهما.
ومن انتزع أحشاء
المرأة، الطفل، البيت؟
لا مجرم، لا أثر.
من هرب،
حوافر خيل تضرب الحجارة؟
لقد محقوا أعينهم، أصيبوا بالعمى.
ليس هناك شهود الآن، لأي شيء.

5

متى ستتكلم ثانية؟
كلماتنا أبناء أناس كُثر.
تُنثر بذورها، تُولد كالأطفال،
تضرب بجذورها، تُغذى بالدم.
كأشجار الصنوبر التي
تقبض بصمة الريح
بعد رحيل الريح، بعد زوالها،
كذا هي الكلمات
تحتفظ ببصمة الإنسان
بعد رحيل الإنسان، بعد زواله.
ربما النجوم تجهد كي تتكلم،
تلك التي ختمت عريّك العظيم ليلة ما ـ
البجعة، الرامي، العقرب ـ
ربما تلك.
لكن أين ستكون في اللحظة التي
ينسكب فيها الضوء، هنا، على هذا المسرح؟

6

ومع ذلك هناك، على الشاطئ الآخر،
تحت نظرة الكهف السوداء،
شموس في عينيك، طيور على كتفيك،
لقد كنت هناك، لقد عانيت
المخاض الآخر، الحب،
الفجر الآخر، الظهور
الولادة الأخرى، النشور.
ومع ذلك هناك، في تمدد الزمن الشاسع،
خُلقت ثانية
قطرة قطرة، كالراتنج،
كالهوابط، كالصواعد.*

القصيدة الثالثة

الإنقلاب الصيفي

1

على أحد الجوانب الشمس في أبهى حللها،
على الجانب الآخر القمر الجديد،
غائرين في الذاكرة كذاك النهدين.
بينهما هوّة الليل الموّشح بالنجوم،
طوفان الحياة.
الأحصنة على دراسات الحنطة
تعدو وتتعرق
فوق الأجساد المبعثرة.
الكل يجد سبيله،
وهذه المرأة
التي رأيت حُسنها يوماً، فجأة
تترهل، تتضعضع، تركع.
حجارة الرحى تطحن كل شيء
وكل شيء يصير نجوماً.

عشية أطول الأيام.

2
الكل يبصر رؤى
لكن لا أحد يعترف بذلك؛
يواصلوا العيش ظانين أنهم بمفردهم.
الوردة الضخمة
كانت هنا دائماً
بجانبك، موغلة في النوم،
وردتك ومجهولة.
لكن الآن فقط لامست شفتاك
بتلاتها الخالدة
الآن فقط أدركت وزن الراقصة الكثيف
يسقط في نهر الزمن ـ
الدفقة الرهيبة.

لا تبدد الحيوية
التي منحها لك نفس الحياة هذا.

3

لكن في نوم كهذا
تتفسخُ الأحلام بسهولة
إلى كوابيس.
كسمكة تلمع تحت الموج،
لتدفن بعدها نفسها في الأعماق الغروية،
أو كالحرباء التي تغيّر لونها.
المدينة صارت بيت دعارة
قوادون وعاهرات يبعيون رُقيات متعفنة؛
الفتاة التي انبثقت من البحر
تضع جلد بقرة
للعجل كي يعتليها؛
بينما الشاعر ـ
ترشقه قنافذ البحر بالقذارة
بينما يرنو للتماثيل وهي تقطر دماً.
عليك أن تتحرر من هذا النوم،
من هذا الجلد المبرح ضرباً بالسياط.

4
أوراق تتصاعد
في الرياح المسعورة المبعثرة
يمين شمال، أعلى أسفل.
أبخرة دقيقة قاتلة
تذوب.
أرواح
تحنّ للرحيل من الجسد
ظمأ، لكن لا تجد الماء:
تلتصق هناك، تلتصق هناك، عشوائياً،
طيور عالقة في كلس ـ
تصارع دونما جدوى
إلى أن تخورها أجنحتها.

هذا المكان ـ جرّة طينية ـ
يزداد جفافا أكثر فأكثر.

5

العالم ملفوف في ملاءات مخدّرة
ليس له ما يعطي
سوى هذه النهاية.
في الليل الحار
كاهنات هيكات الذاويات
على السطح، عاريات الصدور،
يتضرعن إلى قمر زائف،
بينما خادمتان صغيرتان، في تثاؤب،
يمزجن خلطات فوّاحة
في قدر نحاسي كبير.
أولئك الذين يتذوقون العطور سيجدون كفايتهم غداً.

شغفها ومكياجها
كالذي تحمله الممثلة التراجيدية ـ
جصّها قد تقشّر.

6

وسط أكاليل الغار
وسط أزهار الدفلي البيضاء،
على الصخرة المسنّنة،
البحر كزجاج عند أقدامنا.
تذكر الرداء الذي رأيته
ينفتح، ينزلق فوق العريّ،
يسقط بين الكاحلين،
ميت ـ
لو أن هذا الموت سقط هكذا
وسط أكاليل غار الموتى.

7

أنفاس شجرة الحور في الحديقة الصغيرة
تقيس عمرك
ليلاً ونهاراً ـ
ساعة مائية ملأتها السماء.
في ضوء القمر الساطع أوراقها
تخطّ آثار أقدام سوداء على الجدار الأبيض.
أشجار الصنوبر قليلة حول الحاشية،
وأبعد من ذلك، رخام وأشعة ضوء
وأناس كبقية الناس.
ومع ذلك الشحرور يغرّد
حينما يأتي ليشرب
وأحيانا تسمع غناء الحمامة.

في الحديقة الصغيرة ـ هذه البقعة الضيئلة ـ
يمكنك أن ترى ضوء الشمس
يضرب زهرتي قرنفل،
شجرة زيتون وشيء من صريمة جدي*
تقبّل ذاتك.
لا
تغرق القصيدة في أشجار دلب عميقة؛
غذّها بما عندك من أرض وصخر.
لأشياء أبعد من هذا ـ
أحفر في هذا المكان كي تجدها.

8

صفحة الورق البيضاء، مرآة قاسية،
تعكس ما كنتَ عليه فحسب.

الصفحة البيضاء تتحدث بصوتك،
صوتك أنت،
لا الصوت الذي تودّ أن تملك؛
موسيقاك حياة،
الحياة التي بددت.
إن أردت، لاستعدتها:
ركّز على هذا الشيء الأسود
الذي يرميك
إلى حيث بدأت.

لقد سافرت، رأيت أقماراً كثيرة، شموساً كثيرة،
لمست أمواتا وأحياء،
شعرت بالألم الذي يعرفه الرجال،
عويل النساء،
مرارة ولد ـ
ما شعرت سيزول فجأة
إن لم تلزم نفسك إلى هذا الفراغ.
ربما ستجد هناك ما خلته ضائعاً:
ازدهار الشباب، حطام العمر المُبَرّر.

حياتك هي ما أعطيت،
هذا الفراغ هو ما أعطيت:
صفحة الورقة البيضاء.

9

تكلمت عن أشياء لم يستطيعوا رؤيتها
لهذا ضحكوا.

لكن أن تجذّف في النهر المظلم
عكس التيّار،
أن تسلك الطريق المجهول
بتهوّر، بعناد،
وأن تبحث عن كلمات تجذّرت
كشجرة زيتون ملتوية ـ
دعهم يضحكوا.
وأن تشتاق للعالم الآخر كي يسكن
وحدة اليوم الخانقة،
هذا الواقع الخرب ـ
دعهم وشأنهم.

نسمة البحر وطراوة الفجر
تبقى شئنا أم أبينا.

10

في ذلك الفجر
عندما تصبح الأحلام حقيقة
رأيت شفاهاً تتفتح
بتلة بتلة.

منجل أهيف لمع في السماء.
كنتُ خائفاً أن يقطعها.

11

البحر الذي يسمّونه الهدوء،
سفن وأشرعة بيضاء،
النسمة قبالة أشجار الصنوبر وجبال إيجينا،
نفس لاهث؛
جلدك فوق جلدها،
رخيّ ودافيء،
فكرة بالكادة تكونت لتُنسى بعدها.

لكن في البحر الضحل
أخطبوط كرمح ينفث الحبر،
وفي الأعماق ـ
فقط فكّر كم بعيداً في الأسفل تمضي الجزر الجميلة.

نظرتُ إليك بكل الضوء والظلمة التي أملك.

12

الدم يندفق الان
بينما تنفخ الحرارة
شرايين السماء الملتهبة.
أيحاول أن يمضي وراء الموت،
ليكتشف السعادة؟

الضوء نبض
يخفق بتمهل أكثر
كما لو أنه على وشك الوقوف.

13

قريبا ستتوقف الشمس.
أشباح الفجر
نفخت في الأصداف اليابسة؛
طائر غرّد ثلاث مرات، ثلاث مرات فقط؛
السحلية على الحجر الأبيض
ساكنة
تنظر للعشب الجاف
حيث أفعى تنسل بعيداً.
جناح أسود يصنع جرحاً عميقاً
عالياً في قمة السماء الزرقاء ـ
انظر إليه، ستراه ينفتح.

مخاض ولادة البعث.

14

الآن
بالرصاص المصهور للنبوءة،
بتوهج بحر الصيف،
عريّ الحياة كلها،
نقطة التحوّل والوقوف الساكن، الهبوط والإرتقاء،
الشفاه، البشرة المُلامسة بلطف ـ
كلها تتوق للاحتراق.

بينما شجرة الصنوبر عند الظهيرة
مروّضة بالصمغ
تجهدُ على نفث اللهب
ولا تقدر على تحمّل الإنقباضات أكثر ـ

استدعي الأطفال كي يجمعوا الرماد،
ليبذروه.
كل شيء ولّى فإنه ولّى كيفما ينبغي.
وحتى ما لم يمضي
فسوف يحترق
هذه الظهيرة عندما تتسمّر الشمس
في قلب الوردة متعددة البتلات.


هوامش
جورج سيفيرس (1900ـ1971) شاعر يوناني
حائز على جائزة نوبل للأدب عام 1963
* هيكات: آلهة السحر والشعوذة
* الهوابط والصواعد هي مصطلح يطلق على الترسبات الكلسية في الكهوف. الهوابط تتدلى من سقف الكهف بينما ترتفع الصواعد من قاع الكهف
* اسم شجرة
مصدر القصائد
George Seferis, Collected Poems, Translated by Edmund Keeley & Philip Sherrard, Princeton University Press; Rev. Ed edition (3 July 1995)


أعلى





تـراثـيـات


تولى رعيها الأسد

قيل لأبي مسلم: بأي شيء أدركت هذا الأمر? قال: ارتديت بالكتمان، واتزرت بالحزم، وحالفت الصبر، وساعدت المقادير، فأدركت طلبتي، وحزت بغيتي، وأنشد في ذلك:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت
عنه ملوك بني مروان إذ حشـدوا
ما زلت أسعى عليهم في ديارهـم
والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبـهـوا
من نومة لم ينمها قبلـهـم أحـد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعة
ونام عنها تولى رعـيهـا الأسـد

ـــــــــــــــــــــ

الأغاني

أشهر دواوين الأدب العربي وأضخمها، وأجلها وأقدمها. ضربت في جودة تأليفه الأمثال. قال صاحب كشف الظنون: (كتاب لم يؤلف مثله اتفاقا). طبع لأول مرة ببولاق في القاهرة سنة (1285هـ) في (20) جزءا، ثم أكمله (رودولف برونو) بطبعه الجزء (21) في ليدن بهولندا سنة 1306هـ 1888م. ووضع له المستشرق الإيطالي غويدي فهرسا أبجديا مطولا بالفرنسية سنة 1895م يعرف بـ(جداول الأغاني الكبير) أحصى فيه أسماء (1150) شاعرا، ورد ذكرهم في الكتاب. وموضوعه الحديث عن الشعر العربي الذي غناه المغنون، منذ بدء الغناء العربي وحتى عصره، مع نسبة كل شعر إلى صاحبه، وذكر نبذ من طرائف أخباره، وتسمية واضع اللحن، وطرق الإيقاع، والأصبع الذي ينسب إليه، ولون الطريقة، ونوع الصوت، وكل ما يتصل بذلك، ثم ميز مائة صوت كانت قد جمعت لهارون الرشيد وعرفت بالمائة المختارة، وافتتح كتابه بالكلام عنها وعن ثلاث أغان اختيرت من المائة. وذكر من سبقه إلى التأليف في الأغاني، كيحيى المكي وإسحق الموصلي ودنانير وبذل. وترجم فيه لـ(426) علما من أعلام الشعر والغناء، أتى الحمودي وسلوم على ترتيبها وتنسيقها في كتابهما: (شخصيات كتاب الأغاني). وجمع الدكتور حسن محسن الألفاظ التي فسرها أبو الفرج في كتاب: (معجم الألفاظ المفسرة في كتاب الأغاني). قال ابن خلدون: (وكتاب الأغاني ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعول به على كتاب في ذلك فيما نعلمه، فهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها، وأنى له بها).


ـــــــــــــــــــــ

فليمت إذا شاء!

روى عبد الله بن الفضل السدوسي قال: جاء رجل فاستأذن على ابن المقفع، فخرجت إليه جاريته فقالت: إنه شرب الدواء. فقال: إني من أصحابه. فقالت: لو كنت من أصحابه لقعدت عنده كما قعد أصحابه. قال: فإني رجل له حاجة. فقال ابن المقفع: أدخليه وقولي له فليوجز. فدخل فقال: ما حيلة من لا حيلة له؟ قال: الصبر. قال: فما خير ما يصحب المرء؟ قال: العقل. قال: فإنْ حرم ذلك؟ قال: فصمت طويل إذا جالس الناس. قال: فإن حرم ذلك؟ قال: فليمت إذا شاء!.


ـــــــــــــــــــــ


لم ينقص الود منه فتيلا

كان لأبي الأسود الدؤلي صديق فرأى منه بعض ما يكره فقال أبو الأسود:
رأيت امرءا لم أكن أبله
أتاني فقال أتخذني خليلا
فخاللته ثم صافيته
فلم ينقص الود منه فتيلا
فراجعته ثم عاتبته
عتابا رفيقا وقولا جميلا
فألفيته غير مستعتب
ولا ذاكر الله إلا قليلا
ألست حقيقا بتوديعه
وأتبع ذلك هجرا طويلا ...

ـــــــــــــــــــــ

نعم الفتى لو كان يعرف قدره

كان حماد عجرد مولى لبني سوءة بن عامر بن صعصعة وكان معلماً ثم شهر بالشعر وامتدح الملوك. وكان بالكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون: حماد عجرد وحماد بن الزبرقان وحماد الراوية يتنادمون على الشراب، ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون أجمل عشرة، كانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا جميعاً يرمون بالزنذقة، وإذا رأى الناس واحداً منهم قالوا: زنديق. اقتلوه. وكان حماد بن الزبرقان عتب على حماد الراوية في شيءٍ فهجاه، فقال فيما يهجوه، وينسبه إلى شرب الخمر
نعم الفتى لو كان يعرف قدره
ويقيم وقت صلاته حماد
هدلت مشافرة الدنان فأنفه
مثل القدوم يسنها الحداد
وابيض من شرب المدامة وجهه
وبياضه يوم الحساب سواد

ـــــــــــــــــــــ

من يشهد لها؟
أورد ابن طيفور في (بلاغات النساء) عن الجاحظ أنه قال: لما مات رقية بن مصقلة أوصى إلى رجل ودفع اليه شيئا وقال ادفعه إلى أختي فسأل الرجل عنها فخرجت اليه فقال لها أحضريني شاهدين انك أخته فارسلت الجارية إلى الامام والمؤذن ليشهدا لها واستندت إلى الحائط فقالت الحمد لله الذي أبرز وجهي وأنطق عيي وشهر بالفاقة اسمي فقال الرجل شهدت أنك اخته حقا ودفع الدنانير إليها ولم يحتج إلى شهادة من يشهد لها.

ـــــــــــــــــــــ


مضرب الأمثال
أعط القوس باريها

أي استغن على عملك بمن يحسنه، وهو من قول القائل:
يا باري القوس برياً لست تحكمـه
لا نظلم القوس أعط القوس باريها
وظلمه لها إفساده إياها. وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. ونحو المثل قول الشاعر:
فخل مكاناً لم تكن لـتـسـده
عزيزاً على عبس وذبيان ذائده
وقال غيره:
الان حين تعاطى القوس باريها
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استعينوا على كل صناعة بأهلها"، وقال بعض الخلفاء لرجل: ما أطيب النقل? فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استعينوا على كل صناعة بأهلها" ولا يؤخذ علم هذا إلا عن أبي نواس فإنه أعرف أهله به، وأنشده قوله:
مالي في الناس كلهم مثـل
مائي خمر ونقلي القبـل
يومي حتى إذا العيون هدت
وحان نومي فمرقدي كفل
وقريب من ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد، عن ابن دريد، عن الرياشي، عن ابن سلام قال: قال بعض جلساء حماد الراوية: بلغني أن للحلقيين أرحاما منكوسة، فقال حماد لفتى إلى جنبه: اكتب هذا؛ فإن أصح الحديث ما أخذ عن أهله.

ـــــــــــــــــــــ

ما كان ظني أنني سأبيع


لما باع أبو الحسن الفالي الأديبُ كُتُبَهُ لحاجته وفقره أنشد :
أنستُ بها عشرين حولاً
فقد طال شوقي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها
ولو قد خَلَّدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية
صغار عليهم تستهل شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرة
مقالة مكويّ الفؤاد حزين
وقد تخرجُ الحاجاتُ يا أمَّ مالِكٍ
كرائم من ربّ بهن ضنين



أعلى


 

الأدب الشعبي

بوح ..
الملتقى مفتوحة أبوابه فلا داعي للصراخ

يتواصل الملتقى الأدبي في دورته السابعة عشرة وفي يومه الثاني من هذه الدورة التي انطلقت أمس في نزوى بحميمية تعودّنا على اجوائها منذ البدايات بمشاركة نخبة من الكتّاب والشعراء الذين انطلقوا من الملتقى وانطلقوا به إلى سماوات ارحب بجهود إن دلّت فإنما تدل على تفاني وإخلاص هؤلاء المبدعين للمشروع الذي اسسهم وايقنوا تماما بأهميته وضرورة تواصله وان يمنحوه كل جهد يستحق منهم بمقدار ذلك الإيمان بأهمية تواصل هكذا مشاريع وتطويرها ودعمها من قبل الكتّاب الذين ترعرعوا بين جنباته وعرفوا كافة تفاصيله من افتتاحه حتى ختامه. ومع أهمية ان السمة السائدة في الملتقى الادبي هي ذاتها لم تختلف في تفاصيلها الشكلية الا ان تفاصيلها العميقة باتت اكثر نضجا، واكثرا انفتاحا نحو الاهتمام بالمشارك قبل المشاركة نفسها، وقد بدأ هذا الانفتاح تدريجيا منذ انطلاقته وحتى يومنا هذا مع علمنا بأن الموازنة المرصودة لهذا الملتقى وربما هي تفي لإقامة الملتقى ولكن بحدوده التي لا تسمح للانفتاح اكثر، والتي نتمنى من المسؤولين في وزارة التراث والثقافة السعي لتعزيزها بما يتوافق والطموح.
يرى البعض الملتقى الأدبي من زواياه الضيّقة والتي لا تمنحه الا التفكير في صغائر الأمور بل وتوافهها واهمها طرحه سؤال لماذا لا توجه الدعوة لي ولماذا الملتقى حكرا على اسماء بعينها؟ ، فالمتتبع لدورات الملتقى يعرف تماما ان هكذا سؤال يدلل على ان طارحه يجهل ما هو الملتقى الأدبي، لأنه وبصراحة أغلب الأسماء التي تتواجد فانها هي التي تتواجد (باستمرار) وليس بـ(التكرار)، فمنذ البدايات الأولى للملتقى الأدبي يحرص متابعوه من الشعراء والقاصين وحتى اولئك الذين تعدوا المرحلة العمرية المستهدفة للمشاركة يحرصون على الحضور ولم يتم توجيه دعوات رسمية للحضور الا اولئك الذين يتم دعوتهم كضيوف شرف وعادة ما يكونون من الرعيل الأول الذي يستهدف الملتقى بهم التواصل بين جيلين واكتساب الخبرة منهم، وقد توجّه دعوات رسمية لمن يرغب في الحضور بحسب اسهاماته في هذا الملتقى، فليس من العقل ان يطلب "فلان" رسالة دعوة هدفها "التفريغ" من عمله فقط دون أن يكون هدفه الأسمى المشاركة والحضور في فعاليات الملتقى، والذي يود الحضور للملتقى لهدفه السامي في الحقيقة لا ينتظر دعوة تأتي باسمه كون ان الملتقى متاح لجميع من يرغب بالحضور، والذي يريد أن يساهم بأي شيء يخدم الملتقى يعرف جيدا ابوابه، فمرتادي الملتقى يحرصون جيدا على تنسيق أعمالهم وحتى سفرهم للخارج بحيث لا يتعارض مع حضوره للملتقى، بل ويتجشم الكثيرون عناء رحلات طويلة من أجل الحضور فقط وهنالك في الملتقى من المشاركين الرسميين الكثير من الأصدقاء الذين من الممكن ان ينضم "طارحو الأسئلة" للسكن معهم إذا ما تنازلوا عن غرورهم المتوهم.
الملتقى الأدبي مشروع ثقافي مهم يجب ان ننظر له بسمو اهدافه، وان نترفع عن صغائر الأمور، وان نغوص في عمق التجربة نفسها وان نقدم رؤانا وأفكارنا وطموحاتنا بما يتوافق مع موازنة الملتقى، بل ويجب ان نساهم بأنفسنا في تنفيذ تلك الرؤى طوعا ورغبة من ذوات انفسنا، يجب ان لا تضع المطبات ـ لأننا نجهل ـ بل يجب ان نعرف حتى ننطلق، خاصة وان المديرية العامة للآداب والفنون بوزارة التراث والثقافة هي ملتقى الكتّاب والشعراء في هذه الوزارة وموظفيها هم اكثر البشر المتواصلين مع الساحة سواء عبر هذا الملتقى او مختلف الفعاليات والمشاريع التي تتم عن طريق هذه الدائرة، فالأبواب مفتوحة فقط تحتاج لمن يطرقها، لا من يصرخ خلفها.
فيصل بن سعيد العلوي*


ــــــــــــ


صدى من قصر المتوني

وكلَّ ما (حطت عصى الترحال) أحزان المكان
طحْت من فمِّ الزمان
وْصرْت عاجز
قمت أتوكا السنين
والصدى خلف السواحل
إ
ن
ك
س
ا
ر
جيت منهك
كان يلحقني الهروب
يالصواري
قبل ماتنبت كفوف من الوداع
غني اليامال وامجادك شراع
( البحَر سفره سعيده ... والهوا ربي يزيده
البحَر سفره سعيده ....والهوا ربي يزيده)
وتهْتفيني وْ تهت/ فيني
وسال من عيني سؤال :

ياحزن من علم الشطآن توديع السنين ؟!
وْصرْت أضرب بالسؤال المرَّ بيبان الجراح
(للمتوني) طوب يصْرخ كلَّ ما هزَّه حنين
والنوافذ تنزف الغياب مع ناي الرياح
(هيه يالسيد سعيد) وْكلَّ شي بعدك حزين
شيعت (فكتوريا) عهدك وعزَّاها الكفاح

وْيالكفاح
فزَّ رمل الارض يتوضأ / الجباه
وْصلت الامجاد في المحراب ب اسْياد البحار
فاتني وقت الصلاه
كنت ماضي وْصرت ماضي
وْمرَّت بْدربي مجان
(عقدها) المجموع من شمْس السنين
(إنقطع) بيد الزمان
(وْالف عام ) تناثرت وآنا وحيد
أجمع الأعوام من تحْت الخريف
البحَر أصْبح صحاري
وْما بقى لجرحي صحاب
مابكتني غير آثاري
انا العابر على ظهر الغياب
التفتَّ
وْمالقيت إلا السراب !
لا قرنفل لا صدَف لاصمغ لا اخشاب ساج
يامجان الريح خانت حقلنا ...قبل الحصاد
وْكلَّ ماجاعت طواحين العباد
اتبعيني
نسْتعين بأخر الجدران نفضح حزننا
ونخط حرف الخوف يسْترنا / عرانا .. وْنبتسم
صرنا نبيع الحزْن في سوق السنين
وْنسجن الاقدام في طول الطريق
نرسم وْجوه وْمواني أو فنار
او جزيره حالمه خلف البحار
وْكلَّ ما ملت يدينا
قمنا / نتساقط / عيون
نشطب الاحزان
ونهدِّ
ا
ل
ج
د
ا
ر

يامجان :

وان سمعْتي بلاد في عزَّ الظلام
تصْرخ لباب السما تبغى الرحيل
طبطبي اكتافها يمكن تنام
علميها الصبر.. لا ضاق السبيل
كان يا ما كان أغصان وْحمام
طارت الاغصان وانذلَّ الهديل
وافي ٍ للحزْن عام ٍ بعْد عام
وْماسألت الحزْن عن ردِّ الجميل
كم زرعْنا الظلَّ نصْطاد الغمام
وكم نحتنا في الزمن آثار جيل
لل(متوني) قلب يهديك السلام
والحضاره غازلت أرض النخيل
الجزيره اللي سقيناها المسام
غرْقت وْتاريخها بْصدري يسيل
قبضيني الباب من قبل الزحام
ماشي وْتارك لك امْجادي دليل
وان لمحْتي الشمس راحت للظلام
عزِّي الجدران في جرْح الرحيل


هوامش :

* قصر المتوني : قصر السيد سعيد بن سلطان والذي كان مقر اقامته بعد ان اصبحت زنجبار عاصمة لعمان في عهده وقد صنف الباحثون فترة حكمه بأنها الفترة الذهبية للأمبراطوية العمانية وقدحكم العمانيون السواحل وزنجبار الف عام .
* فكتوريا : هي سفينة السيد سعيد بن سلطان توفي على ظهرها في طريق عودته من مسقط لزنجبار.

عبدالعزيز العميري

ــــــــــــ


ثامنها

(1)

(قِفا نبْكِ مِنْ ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنْزلِ
بِسَقْطِ اللِوَى بين الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ)
مَا وقفنا..
مِن زمَان الشاعر الضلّيل لين معانق عذوق النخيل ونغمة أجراس الأماني وانسكاب الفين صبح بألف ليل.. وما وقفنا
من بدينا نعلّق أجنحة الحمام بصارية عشق الغمام وننصب أعلام الحضارة ف المنارات السحيقة لين ما شقت عزايمنا ثياب المجد في جنح السكوت ولين لين.. ولين لين.. ولين لين وما وقفنا
كيف نبكي والأمل ينهم تعال وعلق الصورة الكئيبة في جدار المستحيل
كيف نحزن والطيور تساقطت حتى حناجرها من الفرحة على الدرب الطويل
والوجع خاطف معلق صرة أحلامه مثل عابر سبيل
قول للتاريخ نبش في دفاترك وتسمّع وش نقول: اليوم صبر وباكر بقوة سواعدنا الفتية فخر
لو تجز الريح أوتاد الخيام وتبتلع قيثارة الريحان وتصب البكاء وتصلب آمال اليتامى في سما الحرمان ما يبقى سوى فرضك بلادي ما يميل

(2)

سال عذق الليل يا خولة وألوان القزح عن دربنا الموعود لا يمكن تحيد
ذاب سد الصمت يا خولة وبيبان الأماني من جليد
لو يمد الجمر كف الحقد لا يمكن تذوب
لو يجن وينتفض ويعلق الصرة على الحلقة وينفث خبث أوهامه على دفء القلوب ويمتطي نار الحروب وينفجر بأقصى متاهات السكون ال... لا يمكن تذوب
علقي إذنك على الشفة أبهمسلك جنون
نارنا تقدر تذوب كل شي إلا الأماني
والأماني من جليد

(3)

ما عصرت احساسي بكاس الوله إلا عشان آشكل الدنيا لك أحلام ومداين من وفا
وارسل العطر لجبينك
وانفي النايات للغربة وأسراب النوارس
ما قدرت آخبي احساسٍ نبت في عيني اليمنى ومدّ الشوق لليسرى وسال بوجنتيني
مثْل ما سالت حروف الجن من شفة زهير
(وَمَهمَا تكنْ عندَ امرئٍ من خليقة
وإن خالَها تَخفى على الناسِ تُعْلمِ)
(4)

أوَلَمْ تكُنْ تدْرِي عُمَانُ بأنَّنِي
أجْريْتُ عُمْريَ فَارْتوتْ أحْلامُها
أيه تدري
تدري انك كنت تنحت صورتك باقصى صرير الروح وتلف العمامة في رؤوس أنسامها
تدري انك كنت تعزف دون همس أنغامها
كيف تنسى وانت فارس ينحني ظهرك ولا عمرك سحبت لجامها
تشتعل.. تحضن جمرها
تجرحك.. ترفع قدرها
تبتعد.. تتبع أثرها
ترجع.. تنام ف صدرها
ترفع الراية وتعلن لك عن استسلامها
يا وليد الطهر لك منها تحية تجري بدمها من الهامة إلى أبعد ظفر بأقدامها

(5)

اجْلبي الصحن وتعالي واسكبينا
وانصبي الأقداح في راحة يدينا
وان غزاك البرد وازرقّت أناملْك وتلاقى صمتنا الدافي ببردك
ارفعي الفاس برموشك.. بسملي ثم احطبينا
وابحري وقلوبنا تغزل شراعك
دام هذا مركبك.. ميناءك.. رياحك.. شراعك
لك علينا نملأه بحرك سفينا

(6)

(وَلَقدْ ذَكَرْتُكِ والرِّمَاحُ نَاوهِلٌ
مِنِّي وبِيْضُ الهِنْدِ تَقْطرُ مِنْ دَمِي

فَوَدَدْتُ تَقْبِيلَ السُّيوفِ لأنَّها
لَمَعَتْ كَباَرِقِ ثَغْرِكِ المُتَبسِّمِ)

أوووه يواب..
يا بلادي والمشاعر لك خشوع
قرّبي وتوسّدي حدْب الضلوع
بشعل فصدري لك أنفاس الشموع
ما يلحفني الظما وانتي فرات

يا بلادي شوفي العالم زحام
ماستقوا رشفه من عيون المنام
تكبر الأغصان عامٍ بعد عام
لين نفخ الصور يوم الذاريات

يا بلادي لك شبابٍ أوفياء
ينسجون العزّ بخيوط الضياء
والسنتهم غارقة بشهد الدعاء
يحفظك رب النجوم العاليات

يا بلادي لك على مر السنين
ديمةٍ تمطر من أشواقي حنين

في جبين الشعر ينساب الأنين
فاعلاتن فاعلاتن فاعلات
يا بلادي.. بس أحبك

(7)
ما تقرّبنا الليالي ولا تبعدّنا المسافة
بانت أسماء وتداعت رحلة التذكار وابتلت مضاربنا من الوبل الشفيف
يا دفا القيظ استلم ذيك الأيادي النابته ف الغيم وارسلها تبروزصورة أوراق الخريف
يا دمانا.. ما نعرْف العِرْق بيت ولا نعرْف الهم ضيف
ما نعرْف إلا بلاد اتوسدت عزّ النجوم وسفّتْ خيوط المعالي من رداء الشمس وايْزت نور في درب الكفيف


فيصل الفارسي

ــــــــــــ


كم عمرك الليله؟!

وجيت احتاجلك امي وانا المنفى
تركت اشيائى وكلي وجيتك جاي
اشد برجفت هدومك اريد ادفى
قبل ماترمش اهدابك وانا الخطاي
اجيب عيوني ليدك وانا الاوفى
من احبابك من اقرابك وهذي دماي
بتسكب تحت رجلينك عسى يكفى
من عروقي الى عذوقي انا محناي
***
لا تقلبي الاوراق
سكنو مساكنهم
الليل للعشاق
واحنا نضايقهم
شوفي هنا وجهك
يشتاقك ويسال
كم عمرك البارح؟!
كم عمرك اليله؟!
ترى هذا القدر كاذب
ترى هذا العمر كاذب
ترى هذا العذر كاذب
وانا بخلف الباب
اكذب لساني
اكذب لمشهد
واحنا بعز الظهر
بنلملم الاوراق
لحظه الم تنساق
من غرفه لغرفه
غلقت هالاحزان
توك هنا يا لباب
ضاقت مداخيلك
ما خانك احساسك؟
يافقرها ناسك!
في صدري المركون
او وهمي المسكون
مال الشمس خرسى؟!
تسحى جدايلها
بتغاير الراحل
وجه الفرح ناحل
باقي عظم ويهاب
حتى الفنر طفى
ارتق بها ذنوبي
ارتق بها عيوبي
يافجري المسكين
ماملت اوجاعك؟!
يجلدك طيف الحلم
معذور لو جاعك
***
ترى ملتني ارصفت الطريق وبت
اشوف بوجهك احلام الطفوله صياح
ترى ماعاد يألمني حنين البنت
ترى ماينقص العالم بكى المرتاح
اشوف الاحسن الافضل لواني مت
قبل لاتوسد ايمني بغيت ارتاح
هرب صبر الزمن مني وبعده شبت
وكتفي قبل لايحنى شبابي راح

طلال الغساني

أعلى




أكثرْ مِنْ مُجرد خَوفْ..


(1)

وَمنْ يَمتلك قلباً لا يَخاف أبداً ؟ من المجهول أو من القادم من الأحداث أو من أي حدثٍ آتٍ من بعيد ؟ لم يَنبس أحداً ببنتِ شَفه.. لاذ الجميع بالصمت الذي أصبح سيد الموقف في ذات الحين واللحظة ..وما الداعي لكل هذا الوجوم ؟ الخوف من الإتيان بإجابةٍ قد تكون مقنعةً أو غير مقنعة أم هو حذرٌ في ظاهره شجاعة وفي باطنه خوف أم هو محاولةٌ لاقتناص لحظةٍ هاربة تتصدى للخوف ؟ كل شيءٍ ممكن ..ذات الإحساس كان بادياً على مختلف الوجوه والعيون ..

(2)

لم يتجرأ أحدٌ من الملأ الحاضر في ذات المشهد على اقتحام حاجز الصمت العميق عدا مجرد همساتٍ خافتة بين هذا وبين ذاك .. وفي الخفاء بيت أحدهم النية للشذوذ عن القاعدة التي لم يشذ عنها هذا اليوم من أحد , تواردت الفكرة المجنونة إلى ذهنه مع سبق الترقب المشوب بالارتياب , فكر ثم قرر ثم حسم الأمر عازماً على تخطي الحاجز النفسي المسيطر ,وعلى الفور حدث نفسه بإطلاقها صرخةً مُدويةً مفادها الأول والأخير : أنا الذي أمتلك قلباً لا يعرف الخوف ..

(3)

وعلى الفور ذاع الخبر في أرجاء المدينة , أصبح الحدث الاستثنائي الشغل الشاغل للجميع لأن الحدث غَيرُ عَاديٍ أبداً , لأنه التحدي الأكثر شجاعة من بين بقية الحاضرين الذين أبانوا استغراباً من ذلك الصوت القادم من حيث لا يدري أحد .. لأن الصرخة ليست مجرد صرخة فهي انتفاضةٌ في وجه الخوف الذي تعدى حاجز الخوف ليصبح هاجساً نفسياً يتوجب على الجميع القضاء عليه من أجل العبور , ومن أجل تجربة خوض حاجز التحدي الصعب المخيف للقضاء على ما هو أكثر من مجرد خوف ..

(4)

"افعل أكثر شيءٍ تَخشاه وتَخافه ,وسيموت الخوف داخلك " .. مارك توين ..

يَعقُوبِ البُوسعيدي..


أعلى


 

جدتي.. إذ حكت

جدتي قالت: عبيد لم يكن هكذا..
يقال إنه استيقظ يوما ووجد نفسه ليس رجلا، فاجأه شعور طاغ بأنوثة تطارد مكامن رجولته، أغلب الناس خمّنوا أن زوجته التي تزوجها قبل أشهر من زنجبار هي التي دست له هذا السحر، وآخرون قالوا بأن الله أراد معاقبته عندما دخل المسجد يوما وهو سكران، فتبول على سجادة الإمام.
نعم فعلها ذات يوم غاب عنه القمر، أنت لم تسمع بالحادثة لأنك لم تكن قد ولدت بعد، نبّهك أبوك كثيراً بألا تقترب منه، الجميع يعلم أنه ومنذ صغره مختلف عن البقية، عندما أصابت الحصبة أخوته، ماتوا جميعاً، وظل أقوى من الحصبة وفعل الموت، يقال بأن الشر لا يموت إلا بشر مثله، فماتت الحصبة على يديه، ومما يقال أيضاً بأن جنية رأته عند الفلج فتمنّت أن يكون ولدها فتلبسته.
أتقصد حمدان الشاه!!
لا يا ولدي، حمدان كان رجلاً تقياً، لا تصدّق ما يشيعه الأطفال الصغار عنه، حمدان هذا إحدى مصائب عبيد، ذات يوم طلب عبيد من حمدان أن يزوجه من ابنته، لم يكن حينها شر عبيد بادئ في الظهور، حمدان رفض أن يزوج ابنته رجلا بلا صنعة، وبعد يومين فقط وجد حمدان في الدرس يأكل مع الأغنام، فسمي المسكين بحمدان الشاه.

ـ ما الذي ذكرك بهذه الحوادث الآن؟!، لم يعد في القرية ما يخاف منه.
ـ أنتم الآن أبناء مدارس، ومدارسكم محت كل شيء.
ـ ماذا تقول؟
ـ لا أريد أن أقول شيئا، لأني أعلم بأنها أكاذيب؟ّ!!!
ـ يا قليل الأدب..هل علموكم في المدارس أيضاً تكذيب أمهاتكم وجداتكم!!
ـ أنا لا أريد أن أحكي، لأن كل شيء أوشك على أن ينتهي
أي جلبة تعني؟...جلبة الديدان!!
أه نعم ..كانت بفعل عبيد أيضاً، ولكن أهل القرية هذه المرة فرحوا بفعلته، المزرعة كانت ملكاً لجده، جاءني المخاض فيها وولدت أبيك تحت إحدى نخيل الفرض، كانت مزرعة نخيل كبيرة جداً، عندما مات الجد ورثها سعدون الحرامي عم عبيد، فرفض أن يعطيه نصيب أبيه من المزرعة، فلما جاء الحصاد أثمرت النخيل ديدان صغيرة، وبقت حتى وفاة سعدون تثمر ديدان، بالرغم من أنه ذهب إلى عبيد وترجاه كي يأخذ نصيبه من المزرعة.
عبيد الآن ليس كسابق عهده، كان يؤذي الناس، والآن الناس توشك أن تؤذيه، أنت لا تصدق ما أقصه بسبب هذه الكتب التي ملأتم بها رؤوسكم، أنت بنفسك حذرناك منه كثيراً، ولكنك كنت تبتسم وتقول بأن ذلك الخوف كان في الماضي، عندما لم تكن هذه موجودة...وتشير إلى كتبك.
ـ نعم..هذا الورق أراحنا من أشياء كثيرة، ولكنه جركم إلى أشياء أكثر.
أتضحك من كلامي يا ولد؟
اخرج من غرفتي... ما رباك أبوك هكذا يا متعلم.
لا...
نهاية عبيد بقت غامضة إلى الآن..
ابتدأت نهايته عندما عاد سيف المرضي إلى القرية، نعم سيف ما غيره، أبا نورة التي جئتنا فيها عاشق ومغرم، ما كنت تجهله هو أن سيف كان متعمقا في الدين، حتى غلب على أمره فاتجه دون أن يشعر إلى الكفر، عندما عاد ذات ليلة، قطع عهداً بألا يمكث في القرية ما بقي عبيد حياً، ومنذ ذلك اليوم وذلك العهد، والحوادث تتوارد تارة على عبيد، وتارة على سيف، حتى استيقظت القرية ذات صباح لتجد سيف غائباً مرة أخرى، وعبيد أشبه بالميت.
ـ قم يا ولدي احضر القهوة... ألام المفاصل لا يتركني...لو كان لهذه الكتب منفعة بحق، لأحضرت لي دواء لهذا الداء.
وفاء بنت سالم الشكيلية*
* قاصة عمانية

 

أعلى


 

مطرح


مطرح لم
تعودي
تلقين التحية
للسفن القادمة
من الشرق
ولم تحاوري
البحر
الذي سكن
ليلك
ليلك
وغنى لصواريك
ولشواطئك
اغنية الحنين
مطرح
لم تلقين التحية
لقلعتك
لم تلقين
التحية للسوق
والناس العابرين
مطرح
مطرح
مطرح
ياالق الزمان
والايام
سلام عليك
لزرقة البحر
ولشواطئك
ولصواريك
السلام
محمد الرحبي

 

أعلى

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept