الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ

عندما تعتزم وزارة التراث والثقافة، إقامة أيام ثقافية عمانية، في أي من بلدان العالم المختلفة، تضع في اعتبارها مجموعة من الأولويات، التي تتناسب والرصيد الثقافي والتراثي للسلطنة، مع التركيز على المدن ذات البعد التاريخي والثقافي والتراثي، والتي من السلاسة توأمة الشراكة الثقافية معها. ولا يوجد اختلاف جوهري في الفعاليات، التي تقام بعاصمة عربية أو أجنبية، ربما يكون الاختلاف فقط، في كيفية تأدية الرسالة الثقافية وتوصيلها.
وعندما يكون حديثنا عن زنجبار، كموطن آخر للثقافة العمانية، فإن الخصوصية تفرض نفسها، خاصة عندما تعلن وزارة التراث والثقافة، عن اقتراب احتضان زنجبار، لأيام ثقافية عمانية، إذا وضعنا في الاعتبار، أن البرنامج المعد، سيسلط الضوء على مدى سمو الثقافة العمانية، وانتشارها السمح في كافة أصقاع العالم.
وإذا كان الحديث، عن إقامة أيام ثقافية عمانية، في أي من بقاع العالم، له أهميته، فإن الأهمية تتضاعف، عندما يكون الحديث شاملا، لكل الجوانب الثقافية، التي
أولتها الوزارة جل اهتمامها، وسخرت لها من الطاقات البشرية والإمكانات المادية، ما يؤهلها لأن تكون سفير الثقافة العمانية والعربية، في مختلف دول العالم.
وللاقتراب أكثر من القضايا الثقافية الراهنة، التقى الزميل إيهاب مباشر، بيوسف بن إبراهيم البلوشي، مدير عام المنظمات العلاقات الثقافية بوزارة التراث والثقافة، مدير معرض مسقط الدولي للكتاب، محدثا عن استراتيجية الوزارة المتبعة في التنوع والتطوير في برامجها الثقافية، ودور الوزارة تجاه المبدع والمثقف العماني، وغيرها من القضايا الهامة.
في تجربة جديدة من "تجارب المسرح العالمي" تأخذنا الكاتبة والناقدة عزة القصابي، في رحلاتها النقدية المسرحية، والعرض الإماراتي "قرموشة"، الذي تعتبره بمثابة النبش في الموروثات الاجتماعية.
ومن المسرح إلى التشكيل، نعيش مع الفنان عبد الكريم الميمني، وتطوافه "بين الإبداع والابتداع"، مؤكدا أن الفن لا يصدر عن التفكير الواعي وحده، لأن جوهره مستمد من عالم اللاشعور، حيث تلتقي قوى الابتداع وهي من منح الخالق سبحانه وتعالى، التي خص بها الإنسان، مع معادلات أخرى متعددة، بعضها مختزن في اللاوعي ومكتسب بالتجارب، والبعض الآخر يفترضه الفنان بمخيلته ليجعله منطقيا.
وفي العدد الجديد من "أشرعة" أنت على موعد أيها القارئ، مع البروفيسور فتحي عبدالعزيز الحداد، الخبير بالهيئة العامة للصناعات الحرفية، وحديث عن "توثيق الصناعات الحرفية في سلطنة عمان .. نحو إنشاء سجل عالمي لحماية المعارف التقليدية".
هذا عدا المواضيع الثقافية والفنية الهامة، التي تستوقفك قارئي الكريم لقراءتها.

المحرر



أعلى






سيميائيّة المرثِيَة العمانيّة .. الخليليّ يرثي أستاذه نموذجاً

تتخذ هذه الدّراسة أنموذجا تشريحيّا تتبيّن من خلاله أهمّ ملامح هذا الخطاب، وأهمّ خصائصه الشّعرية؛ فتعرِض لمرثِيَة الشّيخ عبدالله بن عليّ الخليليّ العماني (ت 2000م) في رثاء شيخه وأستاذه العلاّمة الفقيه الشّيخ حمد بن عُبيد بن مُسَلَّم السَّلِيميّ (ت 1390هـ) (1) وتَتَعَنْوَنُ في ديوانه (وحي العبقرية) باسم "طوارق الحدَثان" الأمر الّذي يُحيل للوهلة الأولى إلى المباغتة الزّمنيّة الّتي ينفلت عنها حبل العمر من يد صاحبه بغير إرجاء، وإلى تعالق الأجل الإنسانيّ المحدود بحركة الزّمن الكونيّة!
في زحام من الشّواغل، وخلال الحدَث الفجائعيّ القاهر، يفرض الشّاعر على نفسه ضرورة التحنّف، ومراجعة النّفس؛ فينأى بها إلى كهف التّأمل والتّفكّر؛ من خلال مجموعة من المتواليَات من صِيَغ الأمر( قف، تأمّل، تدبّر، تبيّن، انظر) يَخِفّ الشّاعر لكتابتها على جبين مرثيته؛ مُضَمّخة بنفحات الفلسفة الرّوحيّة، وإباء النّفس الأميريّة الوثّابة؛ تلك الّتي تُسْتَشَفُّ من إملاءات الصِّيَغ الأمريّة المبثوثة في مرثيته، والّتي يحاول عبْرَها أنْ يستغفل الحدَثان؛ مستنزلا بها قدرة خاصّة لإكراه النّفس، وجبْرها على التّأمل، يدفعها إليه واقعُ وفاة أستاذه الجليل؛ الواقعُ المؤثِّر والمثير؛ لاستقدام الاستجابة الشّعوريّة الشّعريّة من صميمه المشبوب!
يقف أوّلا وقفة صمت؛ ليصغي إلى خلجات نفسه، وهمسات محيطه الإنسانيّ والكونيّ؛ ليكون صمته هذا عنصرا فاعلا في دفع الحركة المبدعة؛ بتشكيلها الّلغويّ الدّال على واقع جوّه النّفسي؛ لأنّ مرحلة البناء الشّعري تُحْوِج إلى التّخطيط الّلغوي؛ حتّى يتسنّم درجات الإبداع درجة إثر درجة؛ فيعرف مبدأ القول ومنتهاه، وما يصل به بين الجُمَل، وما يقطع به بينها؛ حتّى تكون على نسَق ينتمي مَبناه لمعناه، وأوّلُه لآخره، وظاهره لباطنه؛ يقول من (الخفيف):
"قفْ تأمّلْ طوارقَ الحدَثانِ
وتدبّرْ نهايةَ الإنسانِ
وتبيّنْ مصارعَ الدّهْرِ للعالَمِ
تعلمْ حقيقةَ الإيمانِ
وانظرِ النّاسَ كيف يمْشُون للموْتِ
سِراعًا مِنْ كلِّ قاصٍ ودانِ
أَلِفُوا العيْشَ فاطمأنّوا إليهِ
وجِيادُ الحِمامِ بالْمَيْدانِ
تتعادَى بهمْ سِباقًا إلى الغايةِ
والحتفِ غايةِ الفرسانِ"(2).
هي فرصة يرقُب فيها الشّاعر حيَوات الإنسان، من نافذة التّأمّل، بمنظار ملؤه عدسات الأحاسيس الإنسانيّة، ومجسّاتها الفطريّة الّتي تكشف له مطاوعة النّفوس لناموس الحدَثان حيث "يَمْشُونَ لِلموْتِ سِراعًا". وكأن الحدثانَ هُوّةٌ ذات شفير هار تَخْتِل أقدام المشاة الّذين "ألِفوا العيش؛ فاطمأنّوا إليه" فسرعان ما يُمسك بهم فيها مغناطيس الحتْف! ولا ثمّة إمهال لهم؛ فجياد الموت مسروجة؛ لتجنّح بهم في سماء الغيب والغياب، إلى عالم البرزخ والحساب؛ يقول:
"وكأنّ الوجودَ ضَرْبٌ مِنَ السِّحْرِ
عليهِ تَزاحُمُ الأعيانِ
وكأنّ الإنسانَ فيه خيالٌ
طيْفُ رؤيا في مقلتيْ وَسنانِ
وكأنّ الحياةَ ثوبٌ رقيقٌ
شَفَّ عنه البِلَى لعينِ الرّاني
وكأنّ الأعمارَ غمضةُ عيْنٍ
ريْثما تنْجلي عنِ الأجفانِ"
أسلوب التّشبيه المكرور هذا نتيجة طبيعيّة لذلك التّأمّل في عُرْعُرَة جبلِ الحياةِ الّذي رقَى إليه مُستغفلا الحدَثان؛ لينظر الأحوال من عل؛ حيث تبدو أوضح وأجلى؛ فلا عائق يعوق إرسال البصر إلى الوجود، ولا شاغل يشغل البصيرة عن التّمعُّن في أسباب الوجود، ولا مزعج يزعج المتحنّف المتّأمّل؛ وليصرف إليها كلّه انصرافَ التّماهي فيها، والّلاهي عن سواها؛ فإذا بأربعة مسارات كبرى تتسلسل في حلقات تشبيهه؛ بحيث تَنشط من مَنْشَط وُجوديّ عامّ هو "الوجود" فتتّصل بكائن "يُدعَى الإنسان" وهو في ثوب رقيق يسمَّى "الحياة" تذعن رقبته لسلطان "الأعمار" فيرى الوجود سِحْرا؛ لأنّه معجز بديع لا يمتلك له أدوات تفسيريّة إلّا السّحْر؛ سحْرَ الإعجاب والانبهار، لا سحْرَ الخداع والانجرار.
ويرى الشّاعرُ الإنسانَ خيالا؛ لأنّه سرعان ما يغيب عن الماديّة الملموسة باليد الطّبيعية؛ أي عن "الحياة" فيعود ذكرى معنويّة تُدرك عن طريق المعنى ولا تُرى بوساطة شكلها؛ وكأنّ حياته تلك غفوة خفيفة مرّت سريعا؛ فأيقظها داعي "البِلَى".
هذا الاستهلال استهلال كونيّ لا يتحدّد بحدود قوميّة ولا ذاتيّة، وإنّما هو إنسانيّ النّزْعة، كوْنيّ الانطلاقة يصل به الشّاعر الأمير إلى مِفْصَل حرَكيّ ذاتيّ في المرثية؛ بحيث ينتقل به إلى عالمه النّفسيّ الخاصّ به، إبّان الحدَث المُفْجِع، وكأنّ الاستهلال هو وسيلته الطّموحة الّتي يَستدرّ بها دموعه الغزيرة، ولا تترامَى إلّا باستغراق الفكر في جواهر الأشياء، لا باستغلاقه عن التّفكر والإرعواء، وعندما يحصل له الجوّ المثاليّ للتّأمّل، والمدّد الرّوحيّ المنشود؛ سيسقي حينذك الأرض جميعها عِبَرًا وعَبَرات؛ يقول:
"أيّها المُرسِلُ الدّموعَ غِزارًا
تترامَى في لونِها الأُرجُواني
قلْ لنعْشٍ يمشي على أرؤسِ النّاس
مسجّى في حُلّتَيْ أحزانِ
سِرْ رويدًا بمَن حملْتَ فلوْ
أدركتَ معناه لمْ تسِرْ غيْرَ وانِ
قدْ حملتَ العِرفانَ والرُّشْدَ والإرشادَ
نُورَ الوجودِ شمسَ الزّمانِ
حَمَدَ المرتضَى سليلَ عُبيْدٍ
مَنْشَطَ الفكرِ مِن عِقالِ التّواني"
يستعمل النّداء أسلوبا لطيفا في خطاب قريب منه؛ باستعمال "أي" ثمّ ينبّه بـ"ها" فيجمع تنبيهين في آنٍ معا؛ التّنبيه الحاصل من الأسلوب ذاته، والحاصل من الـ"ها" ذات النَّفَس السّاخن الصّاعد من الأعماق مباشرة الّذي لا يُحْوِجُه إلّا إلى فتْح فيه؛ فيزفر به على هيئة تأوّهات لا يدرك سماعها إلّا ذلك المنادَى القريب بحرف النداء "أي" لأنّ بكاء الأمير يجب أن يكون وقورا بوقار الإمارة.
وهذا الأسلوب في أصله لا يختلف عن أسلوب الأمر في "قل" و"سِرْ" فكلاهما يدلّان على الطّلب إلّا أنّ الأوّل يتفرّد بذائقة التّنبيه الّلطيف الّذي يَسُرّ للأذْن بشيء!
إذن؛ فروحه الأميريّة الشّاعرة تُملي عليه عاطفة البوح الهادئ، وعاطفة الرّفق والرّحمة على أستاذه في محيط إجلاله وتوقيره "يمشي على أرؤس النّاس" مشيَ الملوك؛ إنّه تعبير الإمارة يطفح على المشهد بهذه الدّوالّ الثّريّة بالجلال.
وبعدما يُؤبّن أستاذه بما يراه حريّا به من صفات العلم والفكر والبيان يقف مرّة أخرى موقف التّأمّل والتّساؤل؛ فيرجع إلى أسلوب الطّلب في صورة أخرى من صوره وهي صورة الاستفهام الّتي تدل أيضا على الطّلب نفسه؛ قاصدا به بيان منزلة المرثيّ علما ومكانة، مستعملا "أم" ليشرك المتلقي في تعيين مكانة المرثي، وليحمله على تعيين الخيار الأخير حيث يكون بمنزلة الإنس والجنّ؛ فيقول:
"أتراهُ قد ماتَ يومًا فماتَ
العلمُ فيه وشيمةُ الإحسانِ
أمْ تراهُ في الَّلحْدِ وُورِيَ فرْدًا
أمْ ترَى ثَمَّ وُورِيَ الثّقلانِ"
ثمّ يُشرك المتلقي مرّة تالية إنْ لم يكن يقصد خطاب ذات نفسه حسْب وهو خطاب يُظهر واجب التّلميذ تجاه شيخه، وحقّ شيخه منه عائدا إلى أسلوبه المألوف في المرثية؛ أسلوب الطّلب "خلّني.." الّذي يُلزم النّفس بالواجب حتما؛ ليجعل بعده جواب الطلب مَنْشَطا مطّردا للرّثاء الّذي يتشكك بأنّه لا يُوفيّه ما يَليق به عن طريق استعماله لإشارة "إنْ"؛ يقول:
"خَلنِّي أُنْشِطِ البيانَ رثاءً
إنْ وفَى بعضَ حقِّهِ تِبياني
وأناديهِ وهو عني بعيدٌ
وأناجيهِ وهو في أجفاني"
وهو في شكِّهِ هذا لذو أسباب تبرهن موقفه؛ فلشيخه عليه فضل كبير؛ توجيها ورعاية وتدريبا، فلا عجب بعدها أن يعتذر عن تقصيره؛ فقد شكّك منذ البداية في قدرته على إيفاء الشّيخ حقَّه من "الرّثاء" إجلالا واحتراما، والشّاعر عندئذ أرثَى لحاله من عدم قدرته على الرّثاء الّذي يطمح إليه؛ فعزّ عليه طِلابُه:
"فلقدْ راضَ فكرتي وهي بِكْرٌ
وغذاها بطيِّبِ الألبانِ
ورعاها حتّى رآها شبابا
طافرَ الفِكْر ثابتَ الأركانِ
راضَها للبيانِ حتّى استبانتْ
سِرَّها في جلالِه الرُّوحانِي
***
إِيهِ علّامةَ الشّريعةِ أَسجِحْ(2)
عن مدينِ الولاْ عثورِ الّلسان
رامَ يَرثيكَ يومَ فقدِكَ لكنْ
كان أرثَى لحاله في العِنان
***
فأقِلْنيْ شيخيْ قصوريْ وعَجْزي
عنْ أداءِ الحقِّ الّذي يغشاني"
وليكون عتذاره هذا سببا مناسبا؛ لدخوله مفصل الدّعاء في بإحلال معناه في هيكل المرثية؛ ومدخلا يتحوّل به عن المعنى السّابق؛ فيجعل الجهة الّتي تُوَفِّي النّاس حقوقهم، وترعَى لهم مقاماتهم على أكمل وجه، وأتمّ فضل؛ هي جهة المولى سبحانه وتعالى ومن أجل ذلك يدعو مُقدِّما الجارَّ والمجرور "لكَ" تخصيصا؛ لاسترفاد العطاء من قِبَل الله تعالى؛ فلو كان مِن قِبَل غيره كان في إعطاء العطاء مَظِنة التّقصير، أو النسيان، أو الغَمْط:
"ولكَ اللهُ خيْرُ جارٍ علَى الفِرْدوْسِ
بين الأزواجِ والوِلْدانِ
في نعيمٍ لا ينقضي وسرورٍ
يتوالَى وغِبطةٍ وتَهانِ"
ثمّ ينقل الخطاب إلى أبناء شيخه تعزية لهم في المصاب الّذي يسمّيه خُسرانا؛ وليس خسرانا نكرة بل هو "الخسران" معرّفا بالألف والّلام؛ لأنّ المرثيّ أكبر من أن يكون خسرانا عاديّا وإلّا فإن الشّاعر لن يعييَه التّصرّف بإحكام الإيقاع؛ باستعمال خسران وحدَها في القافية. وهو في عزائه هذا يدفع أيضا بأسلوبه المتكرّر؛ أسلوب الطّلب، لكنّه هذه المرّة يستعمل اسما من أسماء أفعال الأمر"إيه" ولو أبدل همزته هاءً على لغة بعض العرب لكان أسخن بوْحا بعاطفته؛ لِمَا للهاء من طاقة خاصّة، وقدرة على النّفْث والزّفير بالآهات الصّدريّة العميقة؛ لا سيَّما وهي تحمل دلالة الزّيادة والمبالغة (3).
وعندما كان التّعزي مُناطا بما يُتعزّى به؛ يطرح الشّاعر خِصّيصة من خصائص شيخه الّتي طالما كانت حِلية حميدة يلبسها كلما قرعه خطْب آسِر.
ويمضي في شأنه هذا خاتما مرثيته؛ وهو يقتبس ضمنا من مشكاة القرآن العظيم قوله تعالى حاكيا عن نبيّه عيسى عليه السلام: "والسّلامُ عليَّ يومَ وُلِدْتُ ويومَ أموتُ ويومَ أُبعثُ حيًّا" (4) ليضيء بهذا القبس مصباح وداع، أو قنديل وفاء يعلّقه على شرفة رثاء شيخه الجليل:
"إيهِ أبناءَه عزاءً على ما
قدْ أُصبتمْ به مِن الْخُسرانِ
فلكمْ فيهِ أسوةُ الصّبرِ إذْ كانَ
صبورًا لكلِّ خَطْبٍ عَانِ
فسلامٌ عليهِ حيًّا ومَيْتًا
وسلامٌ عليهِ وسْطَ الجِنان"

خميس بن ماجد الصباري
* جامعة نزوى

الهوامش:
(1) قاض، وأديب ناظم للشعر... تتلمذ على يديه كثير من الفقهاء والأدباء منهم... الشيخ عبدالله بن علي الخليلي". السعدي. معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ط1، سلطنة عمان، 1428ه ـ 2007م.
(2) الإسجاح:" حُسْن العفو. ومنه المثل السائر في العفو عند المقدرة : ملكت فأسجح". ابن منظور. لسان العرب، مادة (سجح)
وينظر: العسكري، أبو هلال (ت 395ه). جمهرة الأمثال، تح: محمد أبي الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش، ط2، ج2، دار الجيل، بيروت - لبنان،دت. ص248.
(3) ينظر: ابن منظور. لسان العرب، مادة (أيه)
(4) سورة مريم، الآية (33)



أعلى






يؤمن بأن الانفتاح الثقافي منطلق الرؤية الثقافية العمانية وحضوره الفاعل يصيغ أسسا جديدة للعمل الثقافي الخليجي والعربي والعالمي
مدير عام المنظمات الدولية والعلاقات الثقافية لـ"أشرعة": وزارة التراث والثقافة سفير الثقافة العمانية والعربية في مختلف دول العالم
زنجبار محطة ثقافية هامة وبرنامج الأيام الثقافية العمانية سيكون حافلا ومتنوعا
المثقف العماني حاضر بإبداعه وفكره في كل المفردات الثقافية التي تشكل برامج الأيام الثقافية العمانية الخارجية
التنسيق المنظم والحرص على الإنجاز الناجح عامل مهم لإقامة الفعاليات الثقافية العمانية الخارجية
معرض مسقط الدولي للكتاب عمل دؤوب وحلقة متواصلة


* هل توجد آلية محدده لاختيار العواصم والمدن التي تقيم فيها وزارة التراث والثقافة أيامها الثقافية؟
** بالنسبة لآلية الاختيار، فهي ترجع إلي عدة أمور، فنحن بوزارة التراث والثقافة، لدينا متسع بخطة الفعاليات السنوية لأن نقيم أياما ثقافية في عاصمة خليجيه، وعربية وعالمية، لذلك يتم التفعيل بالاختيار حسب الارتباط، وبالتالي يتم ترسيم إقامة هذه الأيام الثقافية العمانية وفق المعايير التالية، وهذا في معرض الذكر فقط وليس الحصر: المكانة الثقافية للعاصمة أو المدينة المراد إقامة الفعاليات بها والغزارة الثقافية التي تتمتع بها. والدول التي ارتبطت بها السلطنة ممثلة بوزارة التراث والثقافة ببرنامج تعاون ثقافي أو باتفاقية أو مذكرة تفاهم ثقافية والعواصم الثقافية العربية والإسلامية، وذلك كمشاركة باحتفالية البلدان التي تكون إحدى مدنها عاصمة ثقافية في ذلك العام. والتركيز على المدن ذات البعد التاريخي والثقافي والتراثي، والتي من السلاسة توأمة الشراكة الثقافية معها.
* هل اختيار عاصمة عربية لإقامة هذه الفعاليات، يختلف عن اختيار عاصمة غربية؟
** لا يوجد اختلاف جوهري في الفعاليات، ربما الاختلاف هنا فقط في كيفية تأدية الرسالة الثقافية وتوصيلها، مثلا ما نقدمه في الدول الأجنبية يرتكز لحد كبير على ترجمة الثقافة بشكلها البصري والسمعي والحركي، لذلك نكثف من هذه المفردات الثقافية لتسهيل إيصالها، والأهم في كل ذلك هو أنه حينما تنقل ثقافة بكامل واقعها، وأمامنا متلقون من مختلف الأطياف والشرائح الاجتماعية والثقافية والفكرية و فئات عمرية متعددة، فالأهمية تكمن هنا في الكيفية والطريقة التي توصل بها الثقافة لهذه المجاميع كل حسب فهمه واستيعابه لما هو مطروح ومقدم أمامهم.
* زنجبار بها العديد من مفردات التراث العماني، فهل تضع وزارة التراث والثقافة في اعتبارها، اختيار مفردات وتفاصيل تشير إلى التطور الذي شهدته السلطنة، أم أن هناك نصيبا للتراث بين المفردات التي ستقدم في زنجبار؟
** نعم، في زنجبار البرنامج الثقافي للأيام الثقافية العمانية سينقل من خلاله وقائع الثقافة العمانية بشقيه الثقافي المعاصر والتاريخي والتراثي والاجتماعي، لذلك البرنامج سيسلط الضوء على مدى سمو الثقافة العمانية وانتشارها السمح في كافة أصقاع العالم، وبما حققته من مثل وقيم في المجتمعات والبلدان التي تواجدت فيها، لذلك البرنامج الثقافي لهذه الأيام الثقافية سينقسم إلي برنامج فكري بإقامة عدد من المحاضرات الثقافية التي سيشارك بها نخبة من الأساتذة والمفكرين من السلطنة وزنجبار، إضافة إلى ذلك تم تعميد ثلة من المثقفين العمانيين وعدد من المنشطين الثقافيين سيقومون بإبراز المعاصر من الثقافة العمانية والثوابت التاريخية لها من خلال مجموعة من المعارض والعروض المباشرة، لذلك برنامج الأيام الثقافية العمانية في زنجبار سيكون حافلا ومتنوعا وشموليا كما وكيفا.
* وما سبب اختيار زنجبار لإقامة أيام ثقافية بها؟
** زنجبار محطة ثقافية هامة، وتوطيد العلاقات الثقافية متابع باستمرار وعزز ذلك مؤخراً بعد توقيع مذكرة التفاهم في المجال الثقافي مع حكومة زنجبار، ونعول على الأيام الثقافية العمانية التي ستقام بأن تكون بمثابة قناة ثقافية سيجسد من خلالها مزيد من التواصل، وكذا إحياء للتراث الثقافي العماني في شرق أفريقيا، لذلك الاهتمام بهذه الأيام الثقافية من ضمن الأولويات.
* هل هناك خطة لتغيير المناشط والفعاليات التي تقيمها وزارة التراث والثقافة؟
** كما أشرت المكون الثقافي واحد والمفردات التي تدور في فلكه جمة ومتعددة، لذلك ينبغي التركيز على الكيفية التي تصاغ من خلالها هذه المفردات الثقافية، وهذا ما نحرص عليه في موضوع التنويع والتغيير، لذلك دراسة مثل هذه البرامج يتم الإشراف عليها بعناية ودراية، ولعل المتابع لأنشطة الوزارة الثقافية يلاحظ التغيير المستمر فيها، وكذا المنهج الذي يترجمها يمتاز بوتيرة عمل رحبة ومرنة وتستوعب التغيير والتطويع وفق المطلب الأساسي لها.
* .. وما استراتيجية الوزارة المتبعة في التنوع والتطوير في برامجها الثقافية؟
** هذا مرتبط بشكل مباشر بالبعد والأفق الثقافي الذي تتحلى به القيادة الثقافية العليا بوزارة التراث والثقافة، ممثلة في صاحب السمو السيد وزير التراث والثقافة الموقر، وسعادة الشيخ وكيل الوزارة للشؤون الثقافية، حيث التوجيهات واضحة الخطوط وترتكز على استنارة وخبرة ثقافية كبيرة، لذلك تصاغ استراتيجية العمل الثقافي، بالارتكاز على عناصر رئيسية هي الثقافة العمانية ببعديها التاريخي والمعاصر، ومن جهة على مبدعها، هو المثقف العماني.
* في أي مستوى تصنف العلاقات الثقافية العمانية على الصعيد الخارجي؟
** تصنف بمستوى متقدم جدا، جعل وزارة التراث والثقافة سفيرا للثقافة العمانية والعربية في مختلف دول العالم، فها هي الثقافة العمانية اليوم في زنجبار، وبالأمس متواجدة في محطات ثقافية مهمة مثل (برلين، طوكيو، واشنطن، سيؤول) وقريبا في سيدني ومستقبلا في عواصم ثقافية عربية وعالمية أخرى، وهكذا هي لجة الثقافة العمانية وركبها في عجلة تدور باستمرار لتحصد الإنجاز تلو الآخر بشكل مبهر، وهذا ما نتحصل عليه دوما حقيقة من ردود الفعل والتقييم العام لمثل هذه الفعاليات والتي تشير ـ بفضل الله وتوفيقه ـ إلى تعاظم الإيجابيات وتحقيق الأهداف التي نطمح إليها والتي كما أسلفت تجعل من هذه الوزارة راعيا لحمل شعار الثقافة بمدلولاته المثلى على كافة الصعد.
* بماذا تفكرون عند الشروع في تنظيم مثل هذه الفعاليات؟
** رؤية الوزارة الثقافية شمولية وتنطلق من مبادئ أساسية هي في المقام الأول لصيقة بالمكون الثقافي العماني المستند على الانفتاح الثقافي، والحوار مع الآخر، وهذا من العوامل الرئيسية التي تقودنا وتكفل لنا دوما الإنجاز الناجح لمثل هذه البرامج وتحقيق أهدافها.
* حقيقة جهد كبير تقوم به الوزارة لإقامة مثل هذه الأنشطة الثقافية الخارجية، أي الجهات تشارككم ذلك أو التي تنسقون معها؟
** شكرا على هذا السؤال، دونما استثناء جميع الجهات الحكومية، وحتى الخاصة متى ما يطلب منها التنسيق فهي على جاهزية تامة وتجاوبها أسرع ما يكون، وهذا ينم حقيقة عن حرص الجميع على أن يتم تنفيذ مثل هذه البرامج بما يشرف عمان ويعرف بثقافتها خير تعريف، وبالنسبة لمثل هذه البرامج الثقافية الخارجية، فتقريبا أكثر الجهات التي نرتبط معها لتكامل التنفيذ السليم والناجح هي وزارة الإعلام ووزارة السياحة وجامعة السلطان قابوس ووزارة الخارجية ممثلة في سفارات وقنصليات السلطنة في الدول التي تقام فيها هذه البرامج، والوزارة تثمن عاليا جهود السفارات والقنصليات العمانية بالخارج على الطريقة والنهج الذي تتبعه في تنسيق مثل هذه الفعاليات بإدراك راق جدا.
* أشرتم إلى أن المبدع والمثقف العماني هو محور العمل الثقافي، فما هو دور الوزارة تجاه هذه الشريحة الثقافية؟
** المثقف العماني داعم ومحرك لكل فعل ثقافي، لذلك يعنينا كثيرا تجاوب المثقفين العمانيين عند الشروع بتشكيل أي من برامجنا الثقافية، فالمثقف العماني نراه حاضرا بإبداعه وبوعيه وفنه وأدبه وفكره في كل مفردة من المفردات الثقافية التي يتكون منها، مثلا برنامج الأيام والأسابيع الثقافية العمانية الخارجية، وهذا الحال أيضا ينطبق على كافة أنشطة وبرامج الوزارة الثقافية داخليا كالمهرجانات والملتقيات والمسابقات ومشاريع الإصدارات من الكتب والمؤلفات الأخرى. لذلك مثل هذه المشاريع الثقافية التي تشرف عليها الوزارة هي من وإلى المثقف العماني بكافة ما يعنيه هذا المصطلح من مدلول.
* أين موقع الوزارة في العمل الثقافي، خليجيا وعربيا، وعالميا؟
** دون مجاملة أو مبالغة، والإنجازات تتحدث عن ذلك، خليجيا السلطنة ممثلة بوزارة التراث والثقافة هي محرك رئيسي للعمل الثقافي الخليجي، ولها إسهامات عالية عضدت من بنية العمل الثقافي الخليجي على مدار مسيرته طيلة الثلاثين عاما، والمتابع لهذا الشأن سيلمس الانسجام الثقافي الكبير فيما بين المؤسسات الثقافية بدول المجلس ودورها في رسم صورة العمل الثقافي الخليجي المشترك. أما على صعيد العمل الثقافي العربي فنشاط الوزارة هو الآخر ملحوظ ومقدر في عمل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الاليكسو)، ولعل النتائج الناجمة التي تحققت حينما احتفل العالم العربي بمسقط كعاصمة للثقافة العربية في عام 2006م لهو خير دليل بأن يتكرر النجاح وتزدان هذه المرة العواصم الإسلامية باختيار مدينة نزوى عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2015م، والتي جاء تتويجها بإشادة وإجماع من دول العالم الإسلامي خلال مؤتمر وزراء الثقافة الذي عقد في مدينة باكو بجمهورية أذربيجان مؤخراً برعاية المنظمة الإسلامية (الأيسيسكو).
هذه فقط بعض المؤشرات التي نذكرها عن دور الوزارة ومدى أهميته في عمل هذه المنظمات العربية الإسلامية، أما على الصعيد العالمي، فالدور الثقافي العماني جلي جدا والمؤشرات التي تتحدث عنها أجندة المشاريع الثقافية العالمية (لمنظمة اليونسكو) ، وكذا (منظمة الوايبو ـ الملكية الفكرية) فعمق التجربة الثقافية العمانية والجذور التاريخية لعمان ومكانتها بين الأمم تدلل على ذلك، فالسلطنة ممثلة بوزارة التراث والثقافة من خلال ذلك تبوأت مراتب عديدة في استراتيجية عمل هذه المنظمات سواء من خلال ترؤسها للجان عمل تنفيذية، أو من خلال عضويتها الفاعلة في فرق العمل الثقافية الحكومية الدولية، والتي كان آخرها على سبيل الذكر عضوية الخبير في الصندوق الدولي للتنوع الثقافي، وذلك من ضمن ست دول تم انتخابها على مستوى دول العالم للأعوام 2010 ـ 2012م، وهذا إنجاز يوثق للوزارة تعاطيها بكل اقتدار مع الشؤون الثقافية العالمية ومتطلباتها الهامة.
* إلى جانب مهام عملكم، أنتم تشغلون أيضا مديرا لمعرض مسقط الدولي للكتاب، ما الجديد الذي تحضرونه للدورة القادمة.
** نعم، معرض مسقط الدولي للكتاب هو حلقة مستمرة من العمل وللعلم التحضير له غير مرتبط بوقت محدد أو مدة زمنية معينة، فحلقة العمل بكافة مراحلها للمعرض مستمرة طوال العام، أما عن الجديد فمعرض مسقط الدولي للكتاب وهو يدخل الآن في دورته السابعة عشرة، يشهد باستمرار تطورا في كافة إجراءاته الإدارية والفنية، وذلك مواكبة للمستجدات التي تطرأ في عالم النشر والتأليف وصناعة الكتاب، وقد عقدت لجنة معرض مسقط الدولي للكتاب مؤخرا اجتماعا تقييميا صيغت واعتمدت خلاله حزمة من الإجراءات التطويرية المكملة لمنظومة العمل بالمعرض، وذلك في ضوء توجيهات معالي وزير الإعلام، رئيس اللجنة الموقر.
* فرصة خلال هذا الحوار أن توضحوا لنا البرامج الثقافية القادمة التي تحضرون لها؟
** طبعا سأتحدث عن البرامج الثقافية التي يعنى بها القطاع الثقافي وتحديدا ما يرتبط باختصاص المديرية العامة للمنظمات والعلاقات الثقافية، فعلى المستوى الخليجي نحن نحضر حاليا لإقامة الدورة الأولى للتأهيل والتدريب للكوادر العاملة بالقطاع الثقافي بدول مجلس التعاون الخليجي والتي ستنفذ ـ بمشيئة الله ـ في مدينة صلالة بمحافظة ظفار خلال شهر يوليو الحالي وتعتبر هذه الدورة من ضمن البرامج الثقافية المعتمدة من قبل أصحاب السمو والمعالي وزراء الثقافة بدول المجلس، والتي أقر تنفيذها ضمن جملة من الأنشطة والبرامج الخليجية التي ستقام ضمن برنامج العمل الثقافي الخليجي للأعوام 2010م ـ 2015م بالإضافة لذلك هناك مشاركات قادمة ضمن برامج خليجية مشتركة كملتقى الفنون البصرية بالمملكة العربية السعودية في شهر أكتوبر القادم، ومهرجان السينما بدولة قطر ديسمبر المقبل، وملتقى الشعر بمملكة البحرين في نوفمبر 2011م، عربيا التحضير أيضا جار بالتنسيق مع المنظمة العربية (الاليكسو) لتنسيق المشاركة العربية الثقافية في أولمبياء لندن 2012م ، إسلاميا التنسيق قائم مع المنظمة الإسلامية ( الايسسيكو) لدراسة البرامج الثقافية التي تنظم حاليا في الجمهورية الجزائرية ضمن برنامج تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2011 ، ونحضر للمؤتمر الوزاري الذي سيعقد لهذا الغرض والمزمع عقده في الجمهورية الجزائرية في شهر نوفمبر القادم، عالميا البرامج أيضا متوافقة مع منظمة (اليونسكو) للتحضير للمؤتمر العام خلال أكتوبر القادم، وهناك برنامج قائم ينسق مع منظمة الوايبو للملكية الفكرية يعنى بإعداد وثيقة تقنينية للملكية الفكرية في مجال المعارف التقليدية وأشكال التعبير الثقافي التقليدي من خلال عضوية الوزارة في اللجنة الحكومية للملكية الفكرية. وبالإضافة لذلك نحضر كما أشرت لإقامة أيام ثقافية عمانية في زنجبار خلال يوليو الجاري، وأيام ثقافية عمانية أخرى في سيدني بأستراليا خلال نهاية شهر سبتمبر القادم، أما عن المعارض الثقافية فالسلطنة ممثلة بوزارة التراث والثقافة شاركت في كل من معرض لندن الدولي للكتاب ومعرض أميركا الدولي للكتاب والإجراءات قائمة للمشاركة بعدد من المعارض الدولية الهامة كمعرض فرانكفورت، والجزائر والسودان ولبنان والشارقة خلال العام 2011م، إلى جانب ذلك فالوزارة على المسار الداخلي أيضا تحضر لإقامة عدد من البرامج الثقافية الداخلية الهامة خلال هذا العام كمهرجان الأغنية العمانية التاسع، ومهرجان المسرح العماني الرابع.
* هناك مقولة أو شعار دائما يكون بارزا في البرامج الثقافية للوزارة في الأساس يرتكز على مفهوم الأصالة والمعاصرة، السؤال ما الرباط لديكم في ذلك.
** تلك هي حقيقة، فالثقافة العمانية لم تبدأ من العدم حيث هي ثقافة تستند على إرث ثقافي ثري جدا وما تسعى الوزارة دائما لتحقيقه هو التوازن والمواءمة فيما بين التراث الثقافي العماني بأصالته ومتطلبات العصرنة الحالية، حيث التمسك بالتراث واجب إنساني وحتى تكون المعادلة صحيحة فالمنطق ألا نتمسك ونكتفي بالقديم حتى لا نعيش خارج الزمان ولا نتلبس الجديد من دون رويه فنعيش خارج المكان، فكلاهما الزمان والمكان تكتمل بهما الثقافة العمانية بتراثها العريق الذي يمثل الأصالة، وواقعها الحالي المتساير مع المعاصرة، لذلك معرض هذه المقولة أو الشعار نجد أنه واقعي ويستند إلى أسس سليمة.


أعلى





تجارب من المسرح العالمي
العرض الإماراتي "قرموشة".. نبش في الموروثات الاجتماعية

عندما يسعى المسرح إلى النبش في الذاكرة الجماعية للشعوب، فإنه يكون معبرًا عن حكاياته التراثية والإنسانية التي تستحوذ على أكبر قدر من اهتمام الناس... ولقد حاول عرض مسرحية (قرموشة) التشبث بالبراقع، على اعتبار أنها الوسيط الذي يجعلها تكشف المحظور الذي طوته السنين، والذي أصبح الحديث عنه من النوافل التي يجب التخلص منها. وهذا العرض من إنتاج مسرح دبي الأهلي، وهو من تأليف عبدالله صالح وإخراج أحمد الأنصاري.
سعى عرض (قرموشة) إلى إبراز مواطن الرؤية البصرية من خلال استغلال الفضاء المسرحي بغية رسم لوحة جمالية مستوحاة من التراث الخليجي الأصيل ، حيث ظهرت (قرموشة) وهي تحيك (البراقع) ـ التي من وجهة نظرها ـ لم تفقد رونقها حتى في عصر الموضة والتقليعات الحديثة.
الجميل في العرض أنه استطاع أن ينقلنا من قصة البراقع البسيطة التي دأبت (قرموشة) على حياكتها منذ زمن إلى معايشة قصة حياتها الشخصية الذي أصبح مثارًا للجدل، خاصة بعد ظهور شخصية (بو حناو) الذي كان بدأ يتردد على منزلها، بعد أن هجرها منذ ثلاثين عاما مضت، نزولا عند رغبة العائلة، التي كانت تخضع لمنظومة الأطر الاجتماعية والاقتصادية.
وبرزت (البراقع) كعامل أساسي لتخطي المراحل الزمنية، حيث نجحت في نقل المشاهدين إلى (زمان أول)... عندما كانت تصنع (قرموشة) البراقع للنساء والفتيات ، إلا أن المؤلف استطاع أن يحدث نوعًا من التوازن بين الفترتين، بغية رصد المسافة الزمنية، فهو لم يقطع الصلة بالحاضر مع الاتكاء على الماضي.
وتقوم (منيرة) ابنة (قرموشة) بتذكير والدتها، بأن الزمن قد تغير، لذا عليها أن تطوي صفحة الماضي المشحون بالإشجان والقصص المؤلمة التي اختبأت وراء ستار البراقع، وأن تبدأ صفحة جديدة تتناسب مع حاضرها.
حرص مؤلف العرض (عبدالله صالح) على تعرية شخصياته والكشف عن أبعادها، ولم يقتصر ذلك على الشخصية المحورية، ولكنه سعى إلى إماطة اللثام عن بقية الشخصيات تدريجيا، فعلى سبيل المثال شخصية (منيرة) ابنة قرموشة، التمست من واقع والدتها مبررًا لتسرد تفاصيل حياتها من خلال الكشف عن الأبعاد التراجيدية لحياتها الاجتماعية، حيث اتضح أن جميع من تقدم لخطبتها، إما أن يفر هربًا أو أن يموت فهي (منحوسة) حسب عرف المجتمع.
وبذلك يتضح إن مصير الابنة في هذا العرض مقرون بماضي الأم، التي عانت كثيرا في مراحل حياتها المبكرة، في الوقت الذي كانت (البراقع) السلوان، فيما تبقى لها من ذكريات حالمة، تربطها بالزمن الجميل الذي ذهب وولى بلا رجعة.
ولقد عكس عرض (قرموشة) العادات القيم والمعاني الأصيلة التي تذكر الإنسان الخليجي بعصر ما قبل النفط، والتي بدأ الناس يفقدونها بسبب التمدن والعولمة الثقافية، ولم يتضمن العرض صراعًا تقليديا، ولكنه تضمن جدلا اجتماعيًّا حادًا حول القيم والأخلاقيات المتوارثة التي اقتنصها المؤلف من قعر المجتمع الإماراتي، وأراد أن يرسم من خلالها واقع شخوصه وفق تصور معين حدده مسبقًا. فيما كان الحوار سرديًّا، مكتوبًا بلغة شاعرية، اقتربت في بيانها اللغوي من خلجات الذات لرموزه التي كانت تعيش معاناة الواقع والماضي.
برزت جماليات "السينوغرافيا" في العرض من خلال استغلال مساحات الضوء والإظلام في الخشبة، حيث ركز المخرج (الأنصاري) على الممثل والفضاء المسرحي على اعتبار أنهما عنصران مهمان في العرض، في حين أهمل الديكور، حيث جردت الخشبة من الديكور العام واكتفى المخرج بوضع مستوى مرتفع على الجانب الأيسر من خشبة المسرح. كما ظهر في العرض صندوقين أقرب إلى (المندوس) الذي هو عبارة عن خزانة، كانت النساء في الماضي تحتفظ فيه بمقتنياتها الثمينة... في حين كان (المندوس) في حياة (قرموشة) ذا معنى عميق، فهو ذو دلالة ثقافية ومعنوية تربطها بأيام الشباب بما فيه من قصص وأحلام لا تنتهي.
وعلى مستوى الأداء التمثيلي فقد بشر العرض بوجود طاقات تعبيرية، ساهمت جميعها في إبراز الحدث المسرحي، حيث استطاعت الفنانة (بدرية أحمد) أن ترسم صورة المرأة الخليجية التي تتصف بخصال عديدة، منها: التلقائية والالتفاف حول العادات والتقاليد العريقة، فيما كانت الشخصيتان الأخيرتان تنيران لها الدرب في سرد ما تبقى من تفاصيل حياتها، حيث قام الفنان بلال عبدالله بدور (بو حناو)، فيما أدت الفنانة (بدور) دور الابنة منيرة، والتي كانت تطالب الأم بالتوقف عن صناعة ( البراقع) معللة ذلك، بأن زمن البراقع انتهى!.. وأنها لابد أن تعيش الحاضر بكل تفاصيله المفرحة والمحزنة..
جميع ذلك أكد أن عرض (قرموشة) تضمن صراعا فكريَاٍّ وثقافيَّا واجتماعيًّا... إضافة إلى أنه تعرض لفتراتٍ زمنيةٍ مختلفة عايشتها الشعوب الخليجية، وأثر ذلك على اختلال المنظومة الاجتماعية لدى الأجيال المتعاقبة.
* عزة القصابي
* ناقدة مسرحية


أعلى




بين الإبداع والابتداع

معلوم أن الفن لا يصدر عن التفكير الواعي وحده ، لأن جوهره مستمد من عالم اللاشعور حيث تلتقي قوى الابتداع وهي من منح الخالق سبحانه وتعالى التي خص بها الإنسان مع معادلات أخرى متعددة ، بعضها مختزن في اللاوعي ومكتسب بالتجارب ، والبعض الآخر يفترضه الفنان بمخيلته ليجعله منطقياً.
وهذه التجارب بدورها لا قيمة لها بدون الاستخلاص أو الاقتباس من جوهر الخلق الموجود في الطبيعة والمستمد إلى أرواحنا بالتفكير والتأمل . ولذلك تؤكد المعرفة الحديثة بأن الفن يصدر من عالم اللاشعور أكثر من عالم الماديات والحس الواقعي والشعور الواعي ، وفي هذا المعنى نرى من الظواهر المحققة أن الإنسان عندما يعمل تحت تأثير دوافع اللاوعي تتكشف قدرته ويتسامى نشاطه من إلهام نفسه كلما استغرق في العمل ، وفي هذه الحالة تتجمع لديه كل القوى الطبيعية الأولية المجردة ، أي أن الفنان في غفوة الإلهام يكون قادراً على اختراق حجب المعرفة العقلية المحدد الأبعاد ليصل إلى أغوار المنابع التي تساعده على التطور والتقدم.
وهذا الحديث يسوقنا إلى إظهار الفرق بين الابتداع والإبداع فالأول يعتمد في حقيقة الأمر على مواهب الفنان القادر على أن يأتي بجديد لم يسبقه إليه غيره وينفرد بخصائصه المميزة للتعبير عن واقعه وتطلعاته ، أما الإبداع فهو يُكتسب بالمران والممارس من أجل الإرتقاء بجودة الأداء والمهارة الصناعية.
ومعروف أن الفنان لا يستطيع إظهار ما في نفسه أو إخراج أفكاره التي تستند إلى درجة ثقافته مالم يكن في حال نفسية وذهنية تساعدانه على الابتداع والإبداع معاً بتنظيم عناصر مبتكراته الفنية وصياغتها بإرادته واختياره ، ولذلك فإن دراسة علم الجمال تعين الفنان على بلوغ حالة من الوضوح العقلي والنفسي عند رؤيته للظواهر الطبيعية التي تنتج من عمليات الخلق الكوني المتجدد والمستمر . وفي هذا السياق يشير الأستاذ الفنان محمد صدقي الجباخنجي في كتابه الحس الجمالي بأن اختلاف وجهات النظر بين الفلاسفة في تفسير علاقة الفن بعملية الخلق المتجدد تلقائياً في الحياة يجعل مساعيهم لا نهاية لها ، وبالتالي يصبح من المحتم علينا نحن الفنانين أن نكشف عن جوهر المنفعة للتأكد من إيجابية البحث العلمي في الفن ، كما يتعين علينا كذلك أن نذهب بعيداً لنصل إلى أغوار الوجود المجرد لكي نعرف أسباب القوى التي اكسبت هذا الجوهر مظهره المميز له . ويتجلى الإبتكار الفني المتكاثر الذي يتميز به الإنسان عن سائر المخلوقات في أنقى صوره وأسمى مظاهره الحسية بقدر إدراك الفنان للأسلوب الذي يعالج به مشاعره وتأملاته بأشكال تنم عن الثراء في التعبير ، ومع هذا فإنه يلزمنا قبل الاهتمام بالمظهر الخارجي ويقصد به الأسلوب الذي يعتمد عليه الفنان لإظهار مهارته وقدرته الإبداعية أن نبحث في العوامل النفسية الدالة على المعاني الكامنة في داخل الإنسان ، باعتبار أن هذه الخفايا الباطنة هي جزء يكمل الشكل الفني الظاهر وأن الاهتمام بها يزيدنا تفكيراً وتفاعلاً مع الكون بأسره . وتبعاً لهذا المفهوم العام نتبين أن لا خيال بدون عقل ، وأن بالعقل أيضاً يمكن تحويل الخيال إلى نشاط عضوي ظاهر ، وأن هذا النشاط لا يتأتى إلا بتحرير العقل من أي سيطرة معوقة بالمزيد من الثقافة وبالمزيد من التأمل لكي يحقق العقل الغرضين . وظاهرة الابتداع الفني عند بعض الفنانين تؤكدها مواهبهم الملهمة وظاهرة الابداع تتوقف على قدرتهم العملية وخبراتهم المكتسبة بالمران وليس بالضرورة هنا أن يكون العمل الفني منطقياً أو معلوماً لدى الفنان ، بل قد يكون من ضروب الحدس أوالتخمين ، ولكنه يستند بالبديهة إلى الذوق السليم ، طالما أن الحركة هي الدليل على الحياة ، ولا يمكن أن يستمر الفن ـ تبعاً لقوانين الحركة الكونية ـ في هدوء قد يؤدي به إلى الجنون ، بل هو دائماً قوة متفجرة يتولد منها العمل الدائب من أجل التطور بأسلوب التعبير تبعاً لمتطلبات كل عملية فنية ، ومن بين سمات كل جديد وبديع في الفنون التشكيلية عنصر الإثارة المنبه لحواسنا فهي الدليل على قدرة الفنان على التجاوب مع ظواهر الخلق الكوني المتنوعة وعلى خصوبة المخيلة وعلى الرغبة الصادقة في المشاركة في أكبر عمليات الإبتكار الفني.
وعندما يصبح في مقدور الفنان أن يلمس في نفسه القدرة على الابتداع والإبداع الفني ، ويصبح قادراً على تحقيق ذاته ومهارته في التأليف بين عناصر شيء يراه ويشعر بوجوده ، وشيء آخر يخطر بباله ويرغب في الكشف عنه يتولد في نفسه على الفور العديد من الأشكال كما يتولد أيضاً النشاط والفاعلية ويتطلبان بدورهما التأمل والتفكير والدراسة لتأليف مجموعة العناصر الأساسية المساعدة على عملية الإبتكار الفني ، وتعتبر هذه العناصر بمثابة الأعمدة التي يقوم عليه التطور والتقدم . ولكن عندما يكون عامل الإثارة طارئاً أي غير نابع من ذات الفنان فلا بد أن يصلح الفنان نفسيته حتى يصبح قادراً على تقبل هذا العامل المثير والاستفادة منه في تنظيم نشاطه الفني . ولن يتأتى لفنان فرصة التوصل إلى تقدم يذكر إذا تمسك بالمعارضة أو المقاومة المانعة من قبول رأي جديد يظن أنه قد يعوق قدراته على الإبداع والتطور وإذا أمسى كذلك فإنه لن يستطيع بلوغ القمم العليا بدون التحرر من الجمود والتعصب لوجهة نظر واحدة.
* عبدالكريم الميمني


أعلى






توثيق الصناعات الحرفية في سلطنة عُمان
"نحو إنشاء سجل عالمي لحماية المعارف التقليدية" *

للسلطنة عناية خاصة بتراثها الحرفي لما يجسده هذا التراث الهام من ثروة فكرية، وقيم فنية ونفعية كبيرة، أدركها المجتمع العُماني منذ القدم. ونظراً لأن هذا التراث الحرفي يمثل أحد روافد الهوية الثقافية العُمانية التي يدرك أبناء عُمان أهميتها في الوقت الراهن، في ظل العولمة الجارفة فقد نال هذا التراث نصيب وافر من العناية منذ بداية عصر النهضة العُمانية. واعتبرت السلطنة أن الحفاظ على شخصيتها الثقافية هو حفاظ على الهوية. وبدأت في تفعيل العديد من الأنشطة والبرامج الكفيلة بحماية هذا التراث واستمراره. وقد تزايد معدل الاهتمام بقضايا الحفاظ على المستوى الرسمي في المشروعات الحكومية المعنية، بالحفاظ على موروثات الصناعات الحرفية خلال السنوات الماضية، في محاولة لعدم ترك أمر الصناعات الحرفية لحركة السوق السياحي والتجاري، لذا ظهرت الهيئة العامة للصناعات الحرفية لتبدأ بتحمل مسؤولياتها لتختص بالتوثيق، والتقنين، والرقابة، والتوجيه، والاهتمام بأمر الحرفيين، وأصالة المنتج الحرفي، والحفاظ عليه وعلى حقوق مبدعيه، والعناية بأمور تدريب أجيال جديدة من الحرفيين تواصل مسيرة الأجيال، وتستقي خبراتها من رواد الحرف القدامى، ومن تثقيف حقيقي يتماشى مع رؤى التطوير المعنية بالأصالة والحريصة على المعاصرة.
وتمثل الصناعات الحرفية العمانية تراثاً غنياً، له حضور شامل في مختلف جوانب المجتمع العماني، وتعتبر هذه الصناعات من أهم الروافد التراثية المستوحاة من واقع التراث العُماني والطبيعة العمانية، وهي مظهر من مظاهر الحياة الثقافية والاجتماعية التي تعبر عن مميزات الهوية العمانية، كما أنها تشكل مصدراً هاماً من مصادر الدخل، وهي عامل من عوامل الانتعاش الاقتصادي للمناطق الريفية.

أهمية توثيق الصناعات الحرفية الحرفية

لقد بدأ مشروع توثيق الصناعات الحرفية العُمانية في ظل تحديات كبيرة تمثلت في: التناقص المستمر في الأيدي العاملة الماهرة، والتطور التكنولوجي الذي أثر على الصناعات التقليدية ومعارفها، وغياب التشريعات والقوانين المتعلقة بحماية الصناعات التقليدية، وقلة البحوث العلمية المعنية بالحفاظ والتطوير والتوثيق، وقلة الوعي باقتصاديات الصناعات التقليدية وقيمها الثقافية.
إن توثيق الموروث الحرفي العُماني يهدف إلى حفظ المعارف التقليدية، وإثباتها بسبل التوثيق المتوفرة، تمهيدا للاستفادة منها، وحماية الحقوق الفكرية التي أدت إلى الإنتاج الحرفي المتنوع.
لقد كان توثيق الصناعات الحرفية أحد الأهداف الرئيسية للهيئة التي أطلقت المرحلة الأولى لمشروع التوثيق وهي مدركة لأهمية حصر وتوصيف وتدوين الموروث الحرفي الذي تتشعب صلاته إلى أبعاد متنوعة منها الفكرية والحضارية، والثقافية، والاقتصادية.
ففي الجانب الفكري ارتبط الإبداع بوجود الإنسان على الأرض حيث تفانى في التفكير لتوفير ما يلزمه من إنتاج حرفي ليواجه حاجاته في طبيعة فرضت عليه التفكير العميق في سبيل ابتكار أدوات الصيد وأدوات الإنتاج، والحفظ والتخزين، وغيرها.
وفي الجانب الثقافي فإن تراث أي أمة من الأمم هو مكوناتها التاريخية بكل محتوياتها في الماضي وكلما امتد هذا التراث عمقا في التاريخ ترسخت هوية وهذه الأمة.
وتشتد مهمة الحفاظ على التراث الثقافي في عصر العولمة التي تتجه إلى توحيد العالم مع ما يحمله هذا التوحيد من مخاطر تؤثر على التنوع الثقافي. لذا فإن حاجتة ملحة إلى الحماية.
وعلى الجانب الاقتصادي فأن عولمة النشاط الإنتاجي قد أحيت اتجاهات الدول التي تمتلك تراثاً تعتز به إلى إصدار التشريعات الحامية للحرف التقليدية، والحفاظ على قيمها. وحماية العاملين في قطاعات الإنتاج الحرفي. علاوة على الحاجة إلى ربط الإنتاج الحرفي بالتنمية المستدامة لجعلها رافدا إنتاجياً مستمرا.
إن الملكية الفكرية هي أرقى أنواع الملكية، وتشريعات حمايتها المأمولة تستطيع أن تمنح أصحاب الحقوق القدرة على حماية ثرواتهم غير المادية في هذا العالم المشحون بالتنافس والتقليد.

الأهداف الوطنية لمشروع توثيق الصناعات الحرفية العٌمانية

تتلخص أبرز أهداف مشروع توثيق الصناعات الحرفية العمانية في: التأسيس لسجل وطني يحصي جميع الصناعات الحرفية العُمانية ومعارفها التقليدية الموروثة، وحماية الصناعات الحرفية بكافة أشكالها من التشويه والاندثار والتأثير السلبي في ظل ثقافة العولمة، وتوفير الحماية التشريعية للفكر الإبداعي في قطاع الصناعات الحرفية العُمانية، وتيسير نقل المعارف التقليدية للصناعات الحرفية إلى لأجيال العُمانية القادمة ، وتطوير الصناعات الحرفية وتوظيفها في خدمة اقتصاد الفرد والمجتمع ، وتهيئة بيانات مشروع توثيق الصناعات الحرفية كآلية من آليات حماية الملكية الفكرية لما تتضمنه من معارف تقليدية مهمة لتظل ملكاً لأبناء عُمان يفخرون به وينتمون إليه ويُقدمونه إلى العالم في قالب ثقافي متميز، يستفيدون منه في اقتصادياتهم، والحفاظ على الخصوصية الإبداعية للمنتج الحرفي النابعة من الثقافة الخاصة بالإنسان والمكان والبيئة، والاعتماد على بيانات التوثيق في التطوير بما يتماشى مع روح العصر مع الحفاظ على ما تحمله من بصمات فنية وحضارية، وتوفير البيانات للباحثين والمهتمين بقطاع الصناعات الحرفية لتشجيع البحث العلمي في قطاع الصناعات الحرفية ، وتسجيل مراحل التصنيع الحرفي والكشف عن التفرد والخصوصية والتصميم والاستفادة منهم عند إحياء الحرفة، والكشف عن القيم النفعية والجمالية والثقافية للصناعات الحرفية، والتواصل مع الحرفيين والوقوف على تحدياتهم والتعريف بهم، وتوظيف بيانات التوثيق في نقل المعارف التقليدية للصناعات الحرفية للأجيال عبر التدريب والتأهيل والتنمية المستدامة، والاعتماد على بيانات التوثيق في حماية الصناعات الحرفية من التقليد والتزوير وذلك بوضع معايير جودة للمنتج الحرفي، ونشر نتائج التوثيق لإثارة الوعي الثقافي لدى المواطنين بالصناعات الحرفية وأهميتها واقتصادياتها لتكون دافعاً إلى العمل الواثق في المستقبل.
أما التطلعات الدولية لمشروع توثيق الصناعات الحرفية العمانية فأبرزها: التطلع إلى إنشاء سجل عالمي في هذا القطاع الحيوي الجدير بالاهتمام. وهو هدف يتطلب منا جميعاً بذل الجهد للوصول إلى صيغة تمكن من إقرار الشكل العام لهذا السجل، وذلك بالتعاون مع خبراء الدول ذات التجارب وخبراء منظمة الوايبو.، والتطلع إلى سن تشريع دولي ملزم من خلال منظمة الوايبو يساعد الدول على الحفاظ على موروثها الفكري والمادي في قطاع الصناعات الحرفية ويوفر الحمايه والحفاظ على أركانه.

المنهج المُتبع في مشروع التوثيق العُماني

لقد تم إتباع منهج علمي في مشروع توثيق الصناعات الحرفية العُمانية وكانت معايير إدراج الحرفة في قائمة الحصر هي: أصالة الحرفة واعتراف المجتمع العُماني بجذورها التاريخية، واستقرار القيم الفنية في الحرفة، والحفاظ الحرفة بالتقاليد المحلية، واستخدام الحرفة لخامات بيئية محلية.
وقد بدأ الفريق بتحديد الحرف التي تحققت فيها المعايير السابقة وعليه تم تحديد أماكن الحرفيين من خلال مسح لجميع المناطق العُمانية، وتم اللقاء مع قدامى الحرفيين من كل حرفة، للتدقيق في جميع الجوانب الفكرية والثقافية والمادية للحرفة.

مشروع توثيق الصناعات الحرفية العُمانية

بدأ المشروع بمرحلة الحصر حيث بدأ تنفيذ المشروع في ابريل من العام 2004م بتشكيل لجنة رئيسية وعدد من اللجان الفرعية من الهيئة ومن الجهات المعنية (وزارات: الاقتصاد/التنمية/الداخلية) ، وتوفير التغطية الإعلامية لمشروع الحصر للتعريف بأهمية المشروع، وعمل برنامج تدريبي لجامعي بيانات مشروع الحصر، وتشكيل لجنة لفرز الاستمارات الخاصة بالحرفيين، وكل حرفة، وإدخال بيانات مشروع الحصر في البرنامج المُعد لذلك، وتحليل واستخلاص نتائج عملية المسح وتوثيقها.
ثم مرحلة التوثيق من خلال توثيق المعارف التقليدية المنظمة لكل مراحل الصناعات الحرفية بكافة موادها الخام المستخدمة في صناعاتها، وكذلك الآلات المستخدمة في عمليات التصنيع، وقد بدأ العمل في هذه المرحلة من المشروع بتاريخ 15 /5 /2005م.
وفي المرحلة الأولى للمشروع تم تشكيل اللجان المشاركة في المشروع وتحديد ما يلي: فريق إعلامي يتولى عملية التصوير التلفزيوني ، والفوتوغرافي، وترشيح الحرفيين المشاركين في مشروع التوثيق مناطق السلطنة. ووضع البرنامج الزمني للزيارات الميدانية.
وفي المرحلة الثانية وهي مرحلة تنفيذ برنامج الزيارات إلى جميع مناطق السلطنة وقد سبق عملية زيارات التوثيق، عملية التحضير الميداني، حيث تمت زيارة الحرفيين المشاركين من قبل اللجنة لتوضح لهم كيف تتم عملية التوثيق، وتوفير الاستعدادات اللازم توافرها أثناء توثيق المنتج الحرفي، وقد انتهى العمل الميداني بتاريخ 16 /8 /2005م.
وفي المرحلة الثالثة للمشروع تم استلام لجنة الإشراف العام كافة أعمال لجنة العمل الميداني، ثم توزيعها على اللجنة التنفيذية، والتي بدورها توجه العمل للطباعة، وتزامنت هذه المرحلة مع المرحلة الثانية، وهي مرحلة تنفيذ برنامج الزيارات الموضوع، وانتهت بتاريخ 31 /8 /2005م.
المرحلة الرابعة للمشروع، وبدأت بتاريخ15 /6 /2007م، وارتبطت بعملية نشر نتائج التوثيق في كتاب، وفيها تشرفت بإسناد الإشراف العلمي على مشروع الكتاب فجاء الباب الأول بفصول تمهيدية عالجت: أهمية مشروع حصر وتوثيق الصناعات الحرفية، والتمهيد الجغرافي والتاريخي للسلطنة، والصناعات الحرفية في الفنون الإسلامية، والبيئة العُمانية والمواد الأولية، والتأثير الاجتماعي والاقتصادي للصناعات الحرفية، وتسويق الصناعات الحرفية، وأما الباب الثاني فقد تناول توثيق كل حرفة حسب التقسيمات التالية: تعريف الحرفة، والبعد التاريخي للحرفة، والمواد الأولية، وأدوات التصنيع، والتنوع الإنتاجي ومراحل الإنتاج، والقيم النفعية والجمالية، وفي أكتوبر 2008 الكتاب وتم تدشينه في مطلع 2009م متناولاً الجهد التوثيقي الواقعي للصناعات الحرفية العُمانية.

الفوائد التي تحققت من عمليات التوثيق

إن التوثيق العلمي للصناعات الحرفية ومعارفها التقليدية عملية مستمرة باستمرار العزم على التطوير والتنمية المستدامة للصناعات الحرفية.
وتبرز أهمية الاستفادة من التوثيق العلمي في حماية المعارف التقليدية للصناعات الحرفية، واستخدام بيانات التوثيق كمصدر للثقافة بما يحتويه من معلومات قيمة، واستخدام بيانات التوثيق كمصدر للبحث العلمي الذي من شأنه أن يسهم في استنباط خامات جديدة من البيئة المحلية، الوقوف على الأوضاع الاجتماعية للحرفيين، وتنمية قطاع الصناعات الحرفية ليسهم بشكل فعال في اقتصاديات الفرد والمجتمع والدولة، واستخدام بيانات التوثيق الحالية والقادمة لنشر موسوعة علمية تتوافر فيها كافة البيانات لكل من يبحث عنها بغرض البحث والتطوير والثقافة.
لقد كانت نتائج التوثيق مفيدة في إعداد قوائم الحصر. وتحديد مجالات الحرف القابلة للتطوير، وإعادة النظر في تطوير أساليب الحماية، ووضع الخطط للقيام بحملات التوعية بأهمية الحرفيين والصناعات الحرفية ومعارفها التقليدية، وتوجيه النظر إلى الاستفادة من الحرفيين القدامى ومعارفهم التقليدية في برامج التدريب القائمة في مراكز التدريب، والاستفادة من التوثيق التقليدي في المجتمع العُماني مثل الأشعار والأغاني المرتبطة بالصناعات الحرفية.

التوصيات

في نهاية هذه الورقة فإن أبرز التوصيات التي يمكن تقديمها هي دعوة جميع الدول إلى الإسراع في إنشاء سجلات محلية خاصة بالمعارف التقليدية للصناعات الحرفية، الدعوة إلى إنشاء سجل عالمي لحماية المعارف التقليدية للصناعات الحرفية، وبذل المزيد من الجهد للوصول إلى صيغة تمكن من إقرار الشكل العام للسجل الدولي المقترح، ودعوة منظمة الوايبو لتبني السجل العالمي للتراث الثقافي غير المادي، وسن تشريع دولي ملزم من خلال المنظمة يساعد الدول على حماية موروثها الفكري، ودعوة منظمة الوايبو لتقديم الدعم الفني لإنشاء المعاهد المتخصصة أو كلية للصناعات الإبداعية في قطاع الصناعات التقليدية.

* ورقة عمل قدمها الباحث في "الملكية الفكرية والتنمية المستدامة توثيق وتسجيل المعارف التقليدية واشكال التعبير الثقافي التقليدي" التي نظمتها مؤخرا منظمة الوايبو بالتعاون مع الهيئة العامة للصناعات الحرفية.


البروفيسور فتحي عبدالعزيز الحداد
الخبير بالهيئة العامة للصناعات الحرفية


أعلى





البنية الخبرية.. لرواية (بيضاء ... بيضاء)

اعترف، أنني، وما إن انتهيت من قراءة رواية زهير جبور (بيضاء بيضاء) حتى التهمتني أطياف رواية (جسر على نهر دارينا) للكاتب اليوغسلافي ايفو اندريتش التي ترجمها الراحل سامي الدروبي، فالعمل، والناس، والمكان، والامتحان، والإنجاز، والقلق، والمفاسد، والنزوعات،والخصومات، والموت، والقتل، والأخبار، والمغايرة، والغرباء، والأمراض، والحب، والأسئلة، والحيرة، والصبر، والإخلاص، والتهاون، والوطنية، واللاوطنية، والقناعة واللاقناعة، والتأقلم واللاتأقلم، والإشاعات والغرابة، والدهشة، والتأريخ، والماضي والحاضر.. كل هذه المعاني هي مشتركات بين الروايتين (بيضاء بيضاء) و(جسر على نهر دارينا).. فالإنسان والبناء، والنجاح ثلاثية اعتمدتها الروايتان من أجل روز الفرد الاجتماعي وقد وعى المعنى الوطني، وروزه وقد وعى معنى الانتماء، وروزه وهو يتطلع إلى النجاح والظفر..
لا شيء في الروايتين سوى هذه التقابلية بين مرآتي الفرد الاجتماعي من جهة، والعمل من جهة ثانية، إحداهما لا تبدو إلا ببدو الثانية ناهيك عن أن المرايا لا تصير مرايا إلا عندما تحتشد بالترسيمات البوادي.
الروايتان مهمومتان بالناس وحال المغايرة التي أصابت المكان، وما انثال من أخبار، وأحداث، وحادثات صارت علامات اجتماعية واسمة، وفاصلة زمنية تنشد إليها التواريخ القبلية والبعدية في آن. الفارق الوحيد بين الروايتين يتمثل في وجود العثمانيين المحتلين للوطن اليوغسلافي/ الصربي آنذاك، ونظرة الناس إليهم بوصفهم غرباء ومحتلين.. وأن العمل تحت لوائهم هو عمل يدخل في مدونة أعمال السخرة التي كانت معروفة أيامذاك.. حيث لا ثمن لطاقة العمل، ولا قيمة للأفراد الذين احتُل وطنهم.
أزعم، أن تجربة زهير جبور الروائية تجربة ذات خصوصية وممايزة من التجارب الروائية السورية المعروفة، ذلك لأن هذه التجربة ظلت أمينة لتقاليد مدونته القصصية وعناصرها ومتطلباتها الفنية المشدودة إلى وتر السرعة، والخطف، والتلميح، والترميز، والإغواء، والعطش الكتابي.. فهي تجربة حريصة على جماليات الافتتاح والاختتام، والميلان التدريجي مرة نحو الافتتاح وأخرى نحو الاختتام طلباً للإحاطة بالموضوع والمضايفات المتتاليات عليه كوحدة قصصية أساسية وجوهرية ذات محرق واحد، وإشعاعات كثيرة، وطلباً لتفعيل دور الخبر في النص الأدبي وما يسعى إليه من مفاجأة وإدهاش، وغرابة، وغموض، واقتصاد لغوي، ومن ثم الدوران حوله لجلو آثاره، وما أحدثه من مغايرات في النفوس والمجتمع. بقولة أخرى، نص زهير جبور الروائي لا يحتفي بالسلالات البشرية، ولا بالتتابع الجيلي، ولا بالتراكم التاريخي، ولا بالمآسي التي تولدها الأسر حين تصاب بعلة الفقد والحرمان، ولا بقصص الحب وما تولده من تراجيديا اجتماعية تقول لنا بوضوح إن اللا حب هو الأصل في العلاقات الاجتماعية، وما التطور الاجتماعي إلا معالجة نفسية بادية لجعل الحب بديلاً للا حب، والتآخي والسلام بدلاً للعداء والمحاربة،.. ما يحتفي به نص زهير جبور الروائي قائم على خبر رئيس يتناسل رويداً رويداً شبكة من الأخبار التي لا تقل أهمية عنه، والغاية التي تبديها نهايات نصه المترادفة تتمثل في الانتقاد الاجتماعي للحياة الاجتماعية، وليس تصوير المآسي التي حلت بالذوات، والآسر، والاجتماعيات على اختلاف أنماطها وصيغها.. إنه نص يشير إلى مفاسد الحياة لا إلى مباهجها، وإلى العلل الاجتماعية، والظواهر المرضية، وانفلات الغرائز من عقلانيتها الاجتماعية، فالشهوة، والطمع، والغطرسة، والغرور، والأنانية، والأذى.. كلها تمثل رقعة البساط الذي تجول فوقه الخطا الاجتماعية.. كما أنه نص يشير إلى التواء الدروب، وزوغان البصر، ومهالك الذات، وانحطاط القيم التي تجعل الفرد في حال مغايرة دائمة تحول دون اعتماده لسلم القيم النبيلة المتعارف عليها اجتماعياً، كما تجعل المجتمع قرية يتخبط أفرادها في دروب ليست سوى متاهات، بعضها يأخذ بعضها الآخر إلى مجهولية العدم، وبعضها يفني بعضها الآخر بالمكاره، والفتن، والانزياح، والطي، والتحييد، والإقصاء..
إن الاستغراق في تأمل نص زهير جبور الروائي يبدي لنا أنه نص بنيته المركزية بنية خبرية محروسة بالدهشة، والغرابة، واللمح، والطزاجة، والمساءلة، واللارواء..
أقول هذا، وقد قرأت لـ زهير جبور قبلاً روايتين اثنتين، الأولى: مياه آسنة من أجل الإسفنج والثانية: موسيقى الرقاد، وها أنذا أقرأ روايته الجديدة (بيضاء.. بيضاء) التي لا تخرج عن طبيعة ما ذهبنا إليه من أنها رواية بنيتها الأصل خبرية، ومضايفاتها خبرية، وترسباتها خبرية ومآلها الأخير خبري أيضاً.. وهذا طقس كتابي شديد الانتساب إلى مدونته القصصية، وكل مدونة قصصية.. لأن الخبر القصصي هو أحد تجليات الفن القصصي عامة، وهو أحد صفات الدهشة السبع.
بيضاء.. بيضاء، رواية تكاد تؤخذ باليدين لصغر حجمها، وتكاد ساعة زمن واحدة تطويها والسلاسة تماشي الذات القارئة لها من دون تعب أو إجهاد، ولكن استعادتها كتابةً أمر على غاية من الصعوبة، والتخلص من آثارها رغبة لا تصير واقعاً، وترتيب أحداثها أولاً فأولاً جهد تبدده يدُ العبث. ذلك لأن البنية الخبرية التي تنهض عليها الرواية لا تظل خبراً واحداً، وإنما تصير مروحة خبرية.. بعض أخبارها ومعطياتها دانية وبعضها الآخر ينأى في غياب بعيد، بعضها واضح مدرك، وبعضها غامض مجهول، وبعضها عبثي لا يعول عليه، وبعضها جوهري لا يمكن القفز عنه، وبعضها أصيل وبعضها الآخر دخيل..
تقوم رواية (بيضاء بيضاء) على خبر جوهري فحواه أن المدينة/ القرية التي تستعد لاستضافة حدث غير مسبوق، وغير عادي.. تصير مدينة كبيرة، ليس باسمها وتاريخها وحسب، وإنما بما تعمل عليه أعداداً وتفعيلاً، ومساهرة.. كي تستضيف خلقاً كثيرين، سيكونون هم مادة الحدث ومبعثة، ومآله الأخير..
ولأن الحدث يوصف بأنه يحتاج إلى ملاعب، وصالات، وطرق، ومرافق عامة، ومدربين، ومتدربين، وطعام، وشراب، ومراكز تأهيل، وأخرى للتمريض، وثالثة للصحفيين، ورابعة لأجهزة الإعلام والبث فإن الظن يقودنا إلى أن الحدث هو حدث رياضي. هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن الأوصاف التي تلف المدينة بأنها مدينة تاريخ وحضارة، وبحر، وسياحة، وغابات، وجبال، وشواطئ.. فإن الظن يقودنا إلى أن المدينة هي مدينة اللاذقية، وبذلك يستطيع المرء القول إن الحدث هو استضافة دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط، وإن المدينة هي مدينة اللاذقية.. لا سيما وأن زهير جبور هو ابن المدينة، وقد عايش ذلك الحدث بوصفه رجل إعلام..
إذن، دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط وزخمها، ومسؤولية الإعداد لها، وتوفير البنية التحتية للألعاب والمتمثلة، بالمدن الرياضية، والصالات، والملاعب، وما يحتاج إليه اللاعبون من أمن وطمأنينة، وراحة، وغذاء، ونوم، ومحبة، كل ذلك كان يشكل جهة أولى من الجهات الأربع لهذا الخبر الطالع، لأن الجهة الثانية تتعلق بالتنظيم الذي يحتاج إلى شبكة معقدة من الإداريين من أجل تلبية متطلبات اللاعبين، والوفود الإدارية المشرفة عليهم، ومتابعة كل شاردة وواردة، والوقوف على كل نأمة وسؤال وملاحظة، والجهة الثالثة المسؤولية الوطنية المتجلية في إظهار حضارة المدينة بوصفها الوريث للحضارة الفينيقية كحاضرة من حواضر البحر الأبيض المتوسط، وما تنهض به اجتماعياً، وثقافياً، وسياحياً في راهنها الحاضر المعيش، والجهة الرابع تتمثل في ما سيحمله اللاعبون، والإداريون، أي الضيوف، من انطباعات عن المدينة كمكان، وعن المدينة كمأهولية، وعن المدينة كثقافة تاريخية وسياحية، وعن المدينة كبيئة اجتماعية تشكل مثالاً للبيئة الاجتماعية السورية عامة.
ولأن بنية هذه الرواية خبرية، فإنني سأنطلق إلى تحديد صفات هذه البنية الخبرية من خلال تعاملي مع الخبر الجوهري، أي إقامة دورة البحر الأبيض المتوسط في اللاذقية، ولهذا الخبر صفات سبع، لعلها وعبر متتالية سردية رشيقة، هي التي تشكل اجتماع الرواية بكليتها.
تجهر الصفة الأولى بأن الخيار وقع على مدينة اللاذقية لاستضافة هذا الحدث الجلل، وأن العالم (المتوسطي) تعامل مع الخبر على أنه صادق وكاذب في آن معاً، أي كان أهل هذا الخبر، وهم أهل الرياضة، منقسمين بين مصدقين للخبر ومكذبين، الذين صدقوا به قبلوه، والذين كذّبوه فرفضوه. لهذا فإن هذه الجزئية من الخبر هي التي تلعب بالقارئ لعبة التشويق وقد اجتاز ربع الرواية قراءة، وهنا تتجلى عودات السارد نحو الافتتاح للتقليل من وثوقية الخبر ومصداقيته لأن الخبر شكل نهراً حقيقياً له ضفتان، واحدة مؤيدة، والثانية رافضة.. ولأن الضفة الأولى لا تحتاج إلى بيان وتأويل بسبب تأييدها وموافقتها، فإن الثانية احتاجت إلى البيان والتأويل كون البلاد المتوسطية الرافضة للخبر، تقولت أخباراً وتبنتها فحواها أن البلاد السورية غير آمنة، وأنها بلاد الاغتصاب والأذى، والقتل، وأشاعت أيضاً أنها بلاد تحتشد فيها الأمراض السارية، وأن الطاعون يفتك بالناس هناك، بسبب وجود الفئران المتوحشة التي نفذت إلى البيوت من البحر..
هذا التأرجح بين الخبر ومصداقيته، وبين قبوله ورفضه، وبين بقائه وزواله.. هو الذي جعل التشويق ينوس بين جهتي الخبر واللاخبر.
الصفة الثانية لهذه البنية الخبرية تتمثل في التحدي المتطلع إلى أن تكون المدينة الجديدة (اللاذقية) سليلة للمدينة القديمة (أوغاريت) كإحدى حواضر البحر المناددة لمدن طولون، والبندقية، وقرطاج، وأثينة، وهذا يتطلب موجودية للحضور الاجتماعي والفردي في آن، كما يتطلب حضوراً للقيم الإنسانية المؤيدة للآخر تآخياً، ومحبة، واعترافاً بالدور والمكانة، وحضوراً للمعنى التاريخي في قلب الجولان الاجتماعي الراهن، والتحدي كصفة لهذا الخبر يتجلى من خلال تأثير البيئتين: الطبيعية الممثلة لللاذقية مكاناً وموقعاً، والاجتماعية الممثلة لثقافة الناس وقيمهم وسلوكياتهم البادية. والتحدي هنا يتمثل ليس في تجاوز الآراء التي طعنت بالمدينة مكاناً وناساً وحسب وإنما إبداء صورة البيئتين الطبيعية والاجتماعية المغايرة لكل ما قيل نقداً وتشهيراً بهما. وتبدو صعوبة إنجاز التحدي وإظهاره للعلن من خلال ضعف الخبرات، وقلة الأدوات والوسائل التكنولوجية، وانتشار أعراض الفساد، وعدم تهيئة البنية الاجتماعية التهيئة الثقافية والوطنية اللازمتين لكي يكون الناس شركاء في الخبر الطالع، وتخوف الأسر من ضياع مستقبل أبنائهم الطلبة الذين اختيروا لتنفيذ الألعاب الفنية المصاحبة ليومي الافتتاح والاختتام، والتخبط في اتخاذ القرارات والتوجيهات، وتعدد المسؤوليات واختلاط أدوارها عامة. ولأن الحدث صار في ذمة الماضي فإن معرفة التحدي تشير إلى أهمية المنجز الوطني آنذاك.
الصفة الثالثة التي أتوقف عندها هي السرانية، فقد أحيط الخبر بسرانية متعددة الرؤوس والجهات، وتتمثل في أن الصراع على المسؤوليات، والتوق للاستحواذ، ونيل الأهمية.. شمل جميع نشاطات هذا الحدث، فالمسؤول الأول نزوع إلى التفرد والهيمنة وإتباع أساليب الثواب والعقاب، وممارسة الضغوط، ورئيس المدينة مشغول بالاستحواذ على الصلاحيات، والقيام بمهامه كي تغدو كل المعطيات مشدودة إليه من البداية إلى النهاية.. والمسؤول الأمني يطارد الجميع بأن يرفعوا إليه التقارير والخبريات مهما كانت صغيرة، وأهل الصحافة يتداحمون في زحام شديد للوصول إلى الرتبة الأولى في مقامية الإعلام، والمدربون الوطنيون، والخبراء الأجانب.. في منافسة شديدة لكسب الطلبة المتدربين.. ومشرفو المعارف يقدمون خلقاً ويؤخرون خلقاً آخرين لمصالح ومنافع وغايات.. تطيح بالأصلاء أشخاصاً وفنوناً.. ولعل شخصية لونا الفنانة تمثل المنازعات، والمحسوبيات التي تحول دون مشاركتها في المعرض الفني على الرغم من أحقيتها بالمشاركة.. وتتجلى قناعتها بأن تعمل لنجاح الحدث سواء أشاركت في المعرض الفني أم لم تشارك، فالمهم لديها هو السمعة الوطنية.. والأدوار التي يقوم بها الأطباء، والتجار، والمدرسون، والسائقون، وأصحاب المطاعم والفنادق.. كلها تكاد تكون مختلطة ومتشابكة ومتناحرة من أجل الظفر المادي، والجاه الاجتماعي.
فالسرانية هنا تبدو مثل اليد الخفية الثالثة التي تلعب أدواراً لا تستطيع القيام بها اليدان الباديتان، فالقرارات والأفعال، والتوجيهات النهائية تقوم بها اليد الثالثة، إنها، وبسبب سرانيتها، تشبه عصا آلهة الأولمب التي تبدو فجأة، لكي تحل ما نشب من مشكلات ومنازعات بين الناس.. صحيح أن الأمور تتعقد، وتتشابك، ويلفّها اليأس في أكثر الأحيان.. لكن الصحيح أيضاً هو أن هذه السرانية، وبضربة واحدة من يدها الخفية تعيد الأمور إلى طبيعتها وتدفعها إلى مبتغاها.
الصفة الرابعة التي تبديها البنية الخبرية لهذه الرواية هي الغموض، فما من شيء واضح بجلاء، بدءاً من اسم المدينة الغامض والمتواري أو قل المحتجب، وانتهاء بمآلات الحدث، فكل شيء يظل في إطار الإخبار وما من نتائج، لا أحد يتحدث عن النجاح، ولا عن الثناءات أو المكافآت، وما من أحد يتحدث عن الرضا، لأن الحديث كلّه يدور حول العمل، والجولان، والاجتهاد، والمساهرة، والروح الوطنية، والاهتمام بإبداء صورة متكاملة لوطن معافى، كل شيء غامض، كل شيء عطش، لا رواء في الكلام، ولا رواء في النتائج، بل لا حديث عن النتائج.. الحال الصحية غامضة لا معلومات كافية عنها سوى الإخبار بأن إشاعات كثيرة تتحدث عن انتشار مرض الكوليرا، ومرض الطاعون، وأن الفئران تقتلع العيون، وتقضم الأنوف والخدود،.. وهنا تتبدى معادلة النفي حيناً والإثبات حيناً آخر.. ومنها يتجلى الغموض، والحالات التدريبية، والأمنية والخدمية، والصحفية كلها يلفها الغموض، فما من حديث عنها سوى حديث الإشارة والتلميح حتى ليصير الغموض حالاً خبرية للحدث كله.
والإدهاش والغرابة صفتان باديتان للبنية الخبرية لأحداث هذه الرواية، فالمدينة تغير وجهها كاملاً بسبب الحدث لأن التغييرات المكانية تصيب الطرق، والشوارع، والأحياء، والبيوت، والساحات، والملاعب، والحدائق، والفنادق، والمطاعم، والشواطئ، والتغييرات تصيب سلوكيات الناس وأحاديثهم، فلا هم عند الناس يتقدم همهم في أن تبدو مدينتهم صورة معبرة عن الماضي الحضاري المنصرم، وعن الحاضر المتوهج حيوية وعطاءً، ولا حديث للناس سوى حديث الخبر الطالع وأهميته.. ولا فعل للناس سوى أن تبدو السلوكيات بيضاء بيضاء، والبيوت بيضاء بيضاء، والنفوس بيضاء بيضاء أيضاً.. حال المغايرة هذه تصيب العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، تحرك السواكن، وتعيد الحيوية للمستتبات الرواكد، علاقة حب جديدة تنشأ، وأخرى تنقطع، وثالثة تظل على حيرتها، أراء تدور في مساحة دائرية منغلقة مرة مؤيدة للخبر، ومرة رافضة له، مرة تعلي من شأنه إلى المقام الوطني، ومرة تحط به نزولاً إلى المصالح النفعية الشائهة.. فالدهشة والغرابة تغيران أحوال المدينة تغييراً يكاد يكون كلياً لا سيما وأن المدن الرياضية المغلقة على نفسها لا أحد يدري ماذا يحدث في داخلها سوى نفر قليل من الناس العاملين فيها.. مدن تغدو، وقد كثر الحديث عنها، أشبه بالمدن السحرية، أو مدن الحلم.. مدن ترسمها الأخبار والأحاديث والتصورات. فتصير صورةً في البال.
الصفة السادسة العلوق بالخبر هي الاقتحامية والجرأة.. فما من سطر من أسطر هذه الرواية إلا فيه اقتحامية وجرأة.. ذلك لأن البنية الخبرية تعتمد في توجهها العام على الانتقاد، فالانتقاد الاجتماعي يلف هذه البنية حتى ليكاد يكون أظهر سماتها الباديات.. فمنذ الاستهلال يتعالى صوتان أحدهما يقول إن المدينة قادرة على استيعاب هذا الحدث والنهوض بشؤونه، وثانيهما يقول إن المدينة، غير قادرة، لا سيما وأن هذا الحدث الرياضي غايته ليست في إقامته، وإنما في نجاحه البهار بالموازنة مع أحداث رياضية سابقة أقيمت في المدن المتوسطية المجاورة.. ويكاد يظل الصوتان على تعالقهما حتى نهاية الرواية.. لذلك يبدو الانتقاد الاجتماعي أشبه بالغول متعددة العيون التي لا ترى سوى العيوب، فالطرق الإسفلتية غير مؤهلة، والمهندسون يرفضون التوقيع على استلامها، والساحات تشكو من علل الاستعمال، والمطاعم، والفنادق.. تشوبها مسحة خوف من أن تكون غير لائقة بالضيوف، والخيام التي بنيت من أجل الطوارئ تثبت للقائمين على الحدث أنها غير مجدية، وأن المال الذي أنفق من أجلها ذهب هباءً، وأمراض الطلبة المتدربين كثيرة، وغيابهم عن المدارس سيشكل معضلة اجتماعية داخل أسرهم، علاقات الأزواج الذين يعملون في المدن الرياضية بزوجاتهم ساءت.. لأن الزوجات ما كن يدركن بأنهن تزوجن من جنود.. يغيبون عن البيوت ليل نهار.. والمواد الأولية للبناء تأتي بكميات كبيرة، ولكنها تتسرب إلى خارج المدن الرياضية، المساعدات والهبات تطير في الهواء مثل البوالين، الأطعمة والأدوية والألبسة.. تتبخر كمياتها رويداً رويداً.. نشاطات التدريب تتضاعف.. بعض البيوت السكنية تهدم، وبعض الحارات والأحياء تغلق بسبب انتشار الأمراض السارية، بوابات المقابر تفتح.. حال اجتماعية يلعب بها الحدث.. فيترصدها الانتقاد.. بجرأة واقتحامية تطالان رؤوس عدة منها حكومية، وأخرى أمنية، وثالثة إدارية.. وتشير إلى أن الأكلاف تضاعفت بسبب الأيدي الناهبة، وأن الزمن امتدَّ واستطال بسبب الإهمال والتهاون..
الصفة السابعة والأخيرة التي تبديها البنية الخبرية لهذه الرواية تتمثل في الاقتصاد اللغوي، فالرواية وحدة عضوية مندفعة بقوة التكثيف اللغوي، والإشارة واللمح، رواية بلا نهايات دانية متتالية، وبلا فواصل حديثة، وبلا وقفات نفسية، وبلا تقابلية ما بين الناس والأمكنة.. رواية مشدودة إلى البنية القصصية المعتمدة على البنية الخبرية.. فلا أحاديث عن الشخصيات لرسمها أو معرفة تواريخها.. لأن الخبر مهموم أصلاً بالحدث لا بالشخصيات، وما من ترسيمات للأمكنة الداخلية والخارجية في آن لأن الخبر مشغول بالإنباءات الجديدة الطالعة من ميادين التدريب، واحتشاد الناس للنهوض بأعباء المهمات الملقاة عليهم.. وما من ترسيمات للمدن الرياضية الجديدة أيضاً، ولا للشواطئ الجديدة، ولا للمغايرات التي أُحدثت في الكتل الصخرية المحاذية للبحر، ذلك لأن الخبر يركض ملهوثاً من أجل الوصول إلى نقطة الحسم، حتى الحديث عن الأمراض، والشائعات، والمساكن البديلة، والموت، والاغتصاب، والاختفاء، والانتقالات.. كلها تظل لمحاً لا تفاصيل ولا استجرار لأزمانها وتجاربها السالفة.. كل شيء يركض سريعاً باتجاه نقطة الحسم.. فالناس، والأوامر، والتنظيم، والأبنية، والساحات، والتدريبات، والمعارض، والطرق، والأطعمة، والمساكن، والفنادق، والزينات، والموسيقى، والأرواح، والقلق، والتوجهات، والتخوفات، والأمنيات كلها تركض ملهوثة في قارب صغير اسمه اللغة العطشى.. فالاقتصاد اللغوي صفة شديدة البدو والتجلي في هذه الرواية (بيضاء بيضاء).. حتى ليعجب المرء، وقد أتى على الرواية قراءة وفهماً، كيف استطاع الروائي زهير جبور بهذه الحفنة من الكلمات أن يؤثث لرواية سمتها الأولى المغايرة من حال إلى حال، حال مكانية، وأخرى اجتماعية وثالثة فردية..
(بيضاء بيضاء) رواية، تؤرخ لحدث مكاني واجتماعي كان بمنزلة الامتحان للموقع أولاً، وللذوات الساكنة فيه ثانياً، كما أنها تؤرخ لجولان النفس البشرية حين تستنفر قواها للنهوض بعبء التحدي والمناددة مع الآخر.. فتبدي حضور النفس وطنياً حين يصير الوعي شغلها الشاغل من جهة، وغرقها في المفاسد حين يصير النزوع الفردي شغلها الشاغل أيضاً من جهة ثانية..
إن البناء الذي انهمت به الرواية هو رائز لقوة المجتمع، وقوة الفرد، وقوة القيم، ومن دون اجتماع هذه القوى الثلاثة.. لا عمل حقيقي يؤرخ له..

حسن حميد

أعلى





خصوصيتي تكمن في تقديم روحي المرحة
حمد الحارثي: التجربة العمانية تجربة طموحة في التعبير عن نبض الشارع اليومي

فن الكاريكاتير جزء من ثقافة الشعوب تورث حب السخرية والنكتة الواعية الناضجة
التجربة العمانية تجربة طموحة ولها تجارب متميزة في هذا المجال

حاورته ـ سامية بنت سالم الغريبية:
أصبح فن الكاريكاتير من أهم الفنون المعاصرة وله قدرة على النقد يفوق في كثير من الأحيان العديد من الاشكال التعبيرية الاخرى، لأنه يعبر عن نبض الشارع اليومي والحياة الاجتماعية بأسلوب ساخر وبصورة تبالغ في إظهار تحريف الملامح الطبيعية أو الخصائص ومميزات شخص أو جسم ما بهدف السخرية أو النقد الاجتماعي والسياسي ، وقد أضحى للفنان الكاريكاتيري العماني دور في إبراز الثقافة الفنية في هذا المجال وله مشاركاته بأعماله المتنوعة في مختلف وسائط التواصل العالمية ، وفي السطول التالية نسلط الضوء على تجربة رسام الكاريكاتير حمد بن سالم الحارثي وهو احدى التجارب العمانية المجيدة في هذا المجال ، لنتعرف على تفاصيل هذه التجربة ولنسلط الضوء على واقع الكاريكاتير في السلطنة من وجهة نظره الخاصة..
* لكل حكاية بداية.. لو نعود الى الوراء وتحكي لنا بدايتك مع فن الكاريكاتير؟
** حكايتي مع فن الكاريكاتير بدأت بفضل من الوالد من بعد فضل الله تعالى ، فمنذ طفولتي كان الوالد يجلب لي مجلة "ماجد" وهي مجلة أسبوعية للأطفال كانت مليئة بالرسومات ومليئة بالقصص والحكايات التي ساعدت على تنمية موهبتي من حيث تقليدي في رسم هذه الرسومات وبتشجيع من الوالد الذي كان يجلب لي هذه المجلة كل أسبوع وبصفة مستمرة ، وخلال المرحلة الدراسية كنت كذلك ألقى التشجيع من قبل المدرسين وزملائي في المدرسة من خلال تنفيذ الوسائل التعليمة والمشاركة في الأنشطة المختلفة ، وأصبحت مهارتي في رسم الكاريكاتير أو رسم الكومكس تتميز بسهولة الخطوط ومرونتها ، كما كانت لي مشاركة في مجلة "ماجد" وهي الأولى لي والتي أتاحت لي نشر أحد أعمالي ولي من العمر 13 سنة وكانت بداية انطلاقة أحببتها وشعرت من خلالها بأن لي مستقبل واعد في هذا الفن فاستمررت في الرسم ولقيت الإقبال من الناس والمسئولين وأصبحت أقيم المعارض ولي مشاركات عديدة داخل السلطنة وخارجها.
* هل يمكن أن تكون هناك مدارس في فن الكاريكاتير ، وما هي المدرسة التي يمكن أن نقول بأنك تنتمي إليها؟
** هناك عدد من المدارس في فن الكاريكاتير وهي المدرسة الأوروبية الغربية والمدرسة الأوروبية الشرقية والمدرسة الأميركية ، وكل مدرسة لها خصوصيات معينة فمنها تلجأ الى الرسم الكاريكاتيري بدون تعليق وتكون النظرة لها نظرة غير حوارية ومتاحة لأن يفهمها جميع الناس بكل الطبقات وتمثلها المدرسة الأوروبية الغربية ، والمدرسة الأخرى تهتم بالتعليق والحوار بجانب الرسم والمدرسة الأميركية تجمع بين هاتين المدرستين ، وقد فضلت أن تكون رسوماتي بنظرة إنسانية بدون تعليق وهي الأقوى في الرسم الكاريكاتيري ، مع وجود تجارب عديدة لي في المدارس الأخرى.
* هل تعمد إلى الاستفادة من الفنون الأخرى وتوظيفها في خدمة الفن الكاريكاتيري؟
** أي فنان يحب أن يبدع في فنه وأن يستمر ويشتهر أكثر عليه أن يوظف فنون أخرى في مجال عمله وهذا دليل على ثقافة الفنان ومدى إبداعه وقدرته على إبراز رسالته الفنية في العديد من المجالات الفنية والجمع بينها ، وهذا ينطبق على فنان الكاريكاتير فمن الضروري أن يجمع من كل الفنون في فنه وله حرية توظيفها لإبراز مدى إبداعه في هذا المجال ، والعالم الآن يتجه إلى اتجاهات كثيرة ومتنوعة وقد وجد فنانين اتجهوا إلى إبراز فن الكاريكاتير بفنون أخرى غير المعتاد عليها مثل النحت والفن السريالي والتكعيبي وغيرها ، وقد وجدت نفسي في فن الكولاج وهي تجربة جديدة بالنسبة لي بالإضافة إلى النظرة السريالية في بعض الرسومات التي أحتفظ بها لنفسي وهذه من الفنون الحديثة التي نجدها بكثرة في الوقت الحالي.
* هل تأثرت بفنانين آخرين خصوصا في بداياتك؟
** تأثرت بفنانين كانوا موجودين بمجلة "ماجد" ومنهم الفنان مصطفى رحمة والفنان علي فرزات وفنانين شباب من الإمارات العربية المتحدة ومجموعة من الفنانين ، وكان الفنان علي فرزات الأقرب إلى قلبي نظرا لما يتمتع به من موهبة خاصة وتميزه وعالميته في هذا الفن ونظرته السلمية والثقافية العالية ، ولي تجارب في تقليده من ناحية الأفكار لأكتسب شيئا من خبرته ، وكنت أحلم بلقائه وتحقق ذلك خلال مشاركتي في الملتقى العالمي لفن الكاريكاتير بدبي وحاليا أتواصل معه عبر موقع التواصل الالكتروني الفيس بوك.
* من وجهة نظرك أين تكمن خصوصية الفنان الكاريكاتيري دوناً عن غيره؟ وأين نجد خصوصية حمد الحارثي في هذا الفن؟
** خصوصية الفنان بأن يقدم أفكاره الخاصة ورؤيته الخاصة بعد أن يتشعب في المشكلة ويدرسها ويحللها ثم يقدم فكره الخاص بمجموعة من المشاعر والأفكار ، وخصوصيتي في تقديم روحي المرحة التي جعلتني أرسم الكاريكاتير بطابع مرح وفي نطاق أفكاري الخاصة ، واستطعت في هذا المجال أن أنشر أفكاري الخاصة ورؤيتي الخاصة في بعض المواضيع التي تهم البلد والشباب وتهم الوضع العام والوضع الإنساني ، ومن وجهة نظري أن هذا الفن يجعل الفنان الكاريكاتيري كمصلح اجتماعي الذي لا يملك زمام الأمور ولا يملك مقاليد كرسي المسئول لكنه يملك قلم وفكر يستطيع من خلاله التأثير على مجموعة من القرارات الهامة في الإصلاح وتسليط الضوء على القضية.
* هل تحس بضغط الرقابة وأنت ترسم؟
** في البداية اجعل الرقيب هو الله سبحانه وتعالى وأنا عندما ارسم أحرص على أن لا أجرح أحد ولا آذية ولا أُشهر بأحد لأن هذا القلم أمانه وأمانة القلم مهمة جدا والله سبحانه وتعالى قال: (ن والقلم وما يسطرون ) إذ أقسم جل في علاه بالقلم وهذا دليل على عظم القلم ورسالته التي يوجهها للمتلقي ، وخلال قراءتي لبعض المقابلات والحوارات مع فناني الكاريكاتير وجدت أنهم يحذرون من بعض الأنظمة العربية من ناحية الرقابة والمشاكل والمصاعب التي يوجهونها حتى دب الرعب والخوف بالنسبة للموهوب الفنان الذي يشق بداية طريقه في هذا الفن ، بالإضافة إلى وجود قيد لحرية التعبير بهذا الفن بالسجن والتعذيب والاغتيالات وهذا حدث بالفعل لبعض الفنانين الذين تناولوا القضايا السياسية بالذات ، وبعض الفنانين يهملون قضايا مهمة بسبب هذه الرقابة ، ولكني وجدت في السلطنة أن الرقابة منفتحة ولا تضع قيودا في حرية التعبير والتي كنت أتوقعها ورسمت بمخيلتي مما كان يعانيه الفنان الكاريكاتيري في بعض البلدان الأخرى ، فكنت أجد حرية بالرسم وأعبر عن آرائي دون قيود.
* فن الكاريكاتير من الفنون المحببة الى الناس ، وله الكثير من المعجبين ، كيف تتعامل مع هذه النقطة تحديداً ، وهل تحسب حساباً للمتلقي وأنت ترسم؟
** طبعا الفنان يجب أن يحسب حساب للمتلقي سواء كان توجهه لفئة أو جهة أو جماعة معينة فيجب على الفنان عدم تسليط الضوء على شيء معين بهدف التشهير أو التهميش أو التجريح أو جعلها ماده للضحك والسخرية فقط بهم بل يجب أن يحسب حساب المتلقي وأن هدفه ورسالته تصل للمتلقي بطابع من الفكاهة والمرح ، ويكون همه تقديم فكرة برؤية تعود عليه وعلى المجتمع بالتأثير الطيب مع إضافة بعض المرح مع هذه الفكرة.
* هل تعتقد أن هذا الفن لغة عالمية أكثر وضوحا ووصولا للرأي العام من الوسائل الأخرى؟
** طبعا بكل تأكيد ، فهذا الفن يعتبر مهم جدا وله تأثير عالمي وهو مجال سريع الانتشار وله شعبية كبيرة من حيث القبول ومن ناحية الرضا والمردود الإعلامي وله تأثير كبير على جميع الفئات ، فهذا الفن من الممكن أن يحرك أمة ، ويسبب الحروب والمقاطعات بين الدول إذا استغل بطريقة مسيئة وهذا ما حصل بالفعل في بعض القضايا حين تجاوز بعض فناني الكاريكاتير الخطوط الحمراء التي يجب أن يضعها في الحسبان كرسم الأنبياء والكتب والقضايا الدينية والسماوية والتي يجب على كل فرد أن يحترم خصوصيتها وقدسيتها.
* لك بعض المشاركات في الصحافة فهل تعتقد أن الصحافة تفرض شروطا على رسام الكاريكاتير وهل تختلف هذه الشروط من فنان لآخر؟
** حاولنا إبراز هذا الفن في الصحافة وقد وجدت فرصة بأن أصبح رسام كاريكاتيري يومي في إحدى الجرائد ولكن بمجرد وضعي لشروط رأيت أنها حق من حقوقي إلا أنها لاقت الرفض وعدم القبول وكانت أهم شروطي أن أعبر عن رأي الخاص وليس عن رأي الجريدة فقط ، لكني وجدت أن بعض الصحف المحلية كغيرها من الصحف العربية مقيدة بوجه أو مسار معين ولها سياسة خاصة تلزم الفنان على التعبير عن سياستها ورأيها دون اعتبار لرأي الفنان ونظرته ، لذا نتمنى أن تكون الشروط غير مقيده بل مفتوحة وفيها اعتبار لطرف الآخر وفي نفس الوقت فيها اعتبار لشخصية الفنان وهذا شيء لم أجده الصحافة المحلية ، فكانت لي مشاركات خاصة فقط بين فترة وأخرى وإذا أتيحت لي فرصة جيدة في الصحافة المحلية فأنا على أتم الاستعداد بكل تأكيد للتعاون لنشر ثقافة هذا الفن.
* مثلت السلطنة في الملتقى العالمي الأول والثاني لفن الكاريكاتير بدبي ولديك مشاركات في ألمانيا وإيران ،حدثنا عن هذه المشاركات وما مثلته بالنسبة لك ، وكيف ترى واقع فن الكاريكاتير في الوطن العربي؟
** مشاركاتي كانت عبارة عن مسابقات تطرح في الملتقى العالمي لفن الكاريكاتير في دبي وفي ألمانيا وإيران وهذه المسابقات تشارك فيها جميع الدول وقد مثلت السلطنة من حيث التقديم فقط . وكانت طريقة مشاركتي عن طريق الجمعية العمانية للفنون التشكيلية ولكن دون أوراق رسمية وكانت باتصال هاتفي تلقيته منها لدعوتي لأمثل السلطنة في الملتقى الأول والثاني في دبي وكانت مشاركة طيبة وقد واجهتني بعض المشاكل حيث لم يكن هناك دعم لنا وهذا عتاب بسيط للجمعية من ناحية تمويل الفنان وتسهيل ومتابعته خلال إقامته ومشاركته في المعارض الدولية ، حيث واجهت صعوبات في السكن والمواصلات وغيرها من الأمور. أما في ألمانيا وإيران فقد انقطعت صلتي بهم حيث شاركت فقط بالأعمال عن طريق الجمعية كذلك ، ولكن للأسف الشديد لم أتمكن من الذهاب خشية أن أقع في نفس الأزمة التي تعرضت لها خلال مشاركتي في ملتقى دبي الأول والثاني والأعمال من يومها لا نعلم لها مصير ولم أتمكن من معرفة ما حل بمشاركاتي لا من خلال الجهات المنظمة ولا من خلال الجمعية العمانية للفنون التشكيلية التي من المفروض أن تقوم بدور المتابع كونها هي الجهة المشرفة علينا وكانت مشاركتنا عن طريقها... وللأسف الجمعية لا تقدم لنا الدعم اللازم في ذلك وكان دورها فقط هو توجيه الدعوة لنا للمشاركة لنثبت تواجد فن الكاريكاتير العماني في هذه المشاركات وهذه معاناة يعانيها فنان الكاريكاتير العماني في المشاركات الخارجية.
* أين تضع التجربة العمانية مما رأيت من أعمال فنية من مختلف دول العالم؟
** التجربة العمانية تجربة طموحة وظهرت في الآونة الأخيرة فنانون وفنانات طموحين ولهم تجارب متميزة في هذا المجال ، وهناك فنانين كثر عندهم إصرار لإبراز قضايا المجتمع العماني في مختلف دول العالم وخير دليل على ذلك مشاركتهم في الصحف العربية وعن طريق الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والمواقع العمانية ، وتعتبر التجربة الإنسانية هي التجربة الطاغية على فن الكاريكاتيري في السلطنة وهذا الشيء مثير للاهتمام كما أننا في الآونة الأخيرة نجد أن الجمعية العمانية للفنون التشكيلية لها اتجاه آخر من ناحية الاهتمام بالفنان التشكيلي في مختلف المجالات بعد الاجتماع مع الفنانين التشكيلين ، حيث لاحظت أن الجمعية تقدم مجالات دعم أكبر للفنان من السابق ونحن في انتظار هذا الشيء منذ زمن ، حيث وجد بعض الفنانين صعوبة في التأقلم مع الجمعية فكونوا جماعة ظفار للرسم الساخر وهي أول جماعة عمانية مختصة في فن الكاريكاتير ولها جهود كبيرة ومشاركات عديدة وإقامة معارض بجهودهم وتمويلهم الذاتي وأنا عضو في هذه الجماعة منذ بداية إنشائها ، وبما أن توجه الجمعية يتيح المجال الآن لإبراز هذا الفن وإيجاد فرص أكبر لفنان الكاريكاتيري لنشر ثقافته فهذا دليل على أن التجربة العمانية في فن الكاريكاتيري حققت شيء من الطموح الذي يسعى إليه الفنان لنشر ثقافة هذا الفن ، وخير دليل على ذلك طلب الجمعية مني تقديم حلقة عمل في فرع الجمعية بالبريمي ووجدت خلال تقديمي للحلقة دعم كبير وسخي وهذا شيء جيد وهذه التجربة الأولى بالنسبة لي وأشكر الجمعية عليها.
* ساهم التطور التكنولوجي في اختصار الكثير من الوقت والجهد وكان لها نصيب كذلك في أنواع الفنون التشكيلية المختلفة ومنها فن الكاريكاتير ، أين حمد الحارثي في معمعة هذه الطفرة لإبراز ثقافة فن الكاريكاتير؟
** في الحقيقة أنا لم أدخل في هذه المعمعة وليس لدي محاولات لتطوير نفسي في هذا المجال ، ففن الكاريكاتير يحتاج إلى برامج ودورات خاصة تحتاج لوقت وجهد أكبر ، وقد لاحظت صعوبة الرسم الكاريكاتيري إلكترونيا ويحتاج إلى مهارة تركيز وتحكم عالية ، وخلال تجاربي ولقائي مع الفنانين في هذا المجال نصحوني بأن ارسم يدويا لأني أملك قيمة فنية في الرسم اليدوي أكبر من الرسم الإلكتروني لذا وبشهادة الأغلبية فأنا أفضل الرسم اليدوي.
ولكن بحكم دراستي وتخصصي في مجال الهندسة المدنية فأنا لست ببعيد عن التعامل مع التكنولوجيا مع برامج لها علاقة بالرسم التقني وهو فن "الأوتوكاد" وهو الرسم الهندسي للمباني والمخططات الهندسية وهي دراسة بعيدة عن فن الكاريكاتير . كما أني في الوقت الحالي شكلت جماعة على صفحات التواصل العالمية "الفيس بوك" مما يتيح لي التواصل مع الفنانين الكاريكاتيرين والفنانين التشكيلين لإبراز أفكاري ووضع برامج خاصة بي بالإضافة الى تبادل الخبرات والمعلومات فيما بيننا.
* ما هي مشاريع حمد الحارثي المستقبلية لدعم ونشر هذا الفن؟
** في الوقت الحالي ليس هناك شيء محدد سوى مشاركتي مع جماعة ظفار للرسم الساخر كجهد ذاتي والعمل ضمن الفريق لإبراز هذا الفن وإظهار قوته ومهارة الفنانين وإظهار أهمية هذا الفن في السلطنة ، وتمثيل السلطنة في المشاركات العربية والعالمية من خلال هذه الجماعة التي لازالت في بداية الطريق ، والتي تبذل جهد طيب منذ إنشائها ، كما أحاول في الوقت الحالي بوجود الدعم أن أقدم وأسوق أفكاري ومهاراتي وما اكتسبته من خبرات ومعارف في السنوات الماضية في رسم الكاريكاتير للراغبين في تعلم هذا الفن من الموهوبين من خلال الحلقات التدريبية والدورات ونرجو التوفيق في ذلك.



أعلى




ثنار المطر (4)

كان يتحسس ساعده المبلل بالعرق، وبعينيه كان يتساءل عن شيء يفتقده
أين ذهب الحزر الذي كان يلفه حول ساعده؟
متى انفلت منه دون ان يحس برجفة في قلبه كما كان يحدث دائما؟
عشر سنوات كيف استطاع أن ينساها دون علم منه؟
تصور نظرات أمه تلهث وراء الفراغ الذي تركه أثر الحرز ولسانه يلهث بالتبرير لها كان مجرد قطعة من القماش، قماش ملفوف فوق بعضه البعض، خرق بالية وأخرى جديدة، كل قطعة بلون مختلف، مجموعة بإحكام وبخيط سميك، ولكنه كان يمثل البداية التي قللت من حالة المرض عندما كان صغيرا، أمه أخبرته أن قطع القماش تمثل وجوه الناس الذين يحتمل أنهم حسدوه وأصابوه بذلك المرض، يعرف أنها كانت مهووسة بالحرز أكثر منه، باعت أشياء عديدة حتى استطاعت الحصول على ذلك الحرز، كانوا يقولون لها
ـ مرض ابنك كبير، ويحتاج لحرز غال ليشفى.
في كل وقت يتسنى لها كانت تنظر إلى ساعده، تحدق وكأنها تسر إلى الحرز شيئا لا يسمعه، كانت موقنة أنها اشترت بذلك الحزر حياة ابنها كليا، ولم تعد خائفة من أي مكروه قد يقع له.
في هذا الوقت كانت الرياح تعصف، كان يقف ملتصقا بالنافذة الخشبية، يسمع ذلك الهسيس الذي لا ينقطع، الهواء بشكل عام كان يأسره، يشعر أن روحا غريبة تتملكه، وأن الغضب الذي تعصف به الرياح رسالة مشفرة لا يستطيع حلها إلا من امتزج بالرياح وذاب فيها، عندما كان في مراحل عمره الأول فرد يديه على اتساعهما وقال إنه سيطير بعيدا ـ صعد إلى سطح بيتهم الصغير وقفز، خانه الهواء الذي ظن أنه سيحمله معه وكسرت ساقه والأسنان اللبنية البيضاء.
الصق أذنه بالنافذة كان صوت الريح يشبه الصفير، صفير جميل، شجي، كان وحيدا إلا من ذلك الصفير الذي يتناغم الآن، أمه وفي يوم كانت البسمة تملأ وجهها أمسك أصابع قدميه اللتين كانتا ممدودتين باسترخاء على سجاد الغرفة، سحبت بإصبعيها السبابة والإبهام إصبع الخنصر في قدمه اليمنى، سمع فرقعة بسيطة، ضحكت أمه بحبور وقالت:
ـ ولد.
فعلت ذلك مع جميع أصابع قدميه، كل اصبع تسمع له فرقعة صغيرة كان ابنا قويا يضاف إلى أبنائه في المستقبل، وكل إصبع لا تصدر صوتا كانت بنتا جميلة من بناته، في ذلك اليوم أصبح لديه عشرة من الأبناء والبنات. ومع ذلك يشعر بالوحدة الآن وهو يحك قدميه ببعضهما البعض.
الرياح باتت بين أصابعه تخلخل أبنائه جميعا.
بعد كل تلك السنوات ساورته الشكوك حوله أمه، كل تلك النبوءات كانت خاطئة، تقف في وسط الدار لتراقب كل من يفعله، تقدم ملاحظته ساخنة
ـ لا تخلي نعالك مقلوبة، راح تمرض أو يموت إنسان في البيت.
ـ إبرة الخياطة لا تخليها بدون خيط تراها ما زينة.
الشرخ الذي نحاول رتقه يكبر مع الأيام، يتسع ويكبر، يصبح له فم واسع وقبيح، حتى نفوسنا التي كنا نعتقد أنها قوية تضعف، تخمل، وعندما نصبح في مراقبة مستمرة، لأبسط الأفعال التي تصدر عنا، نحن في الحقيقة نداري أمرا يتآكل فينا، ونزيد الطين بلة، وبالتعمق بذلك الإيمان نصدق أننا مستورون بستر لا يفتضح، ولكنه يكون في الواقع واضحا للناس كعين الشمس. الدائرة تتسع في كل يوم يضاف فعل واعتقاد إليك، تصبح عبدا له، تشعر بأنك مكبل وأنها الحرية حتى في الأمور اليومية بعيدة المنال.
ليلة البارحة سأله "علي" تحديدا، ماذا فعلت في الأربعين سنة الماضية؟ شعر وكأن مطرقة ضربت رأسه بعنف، سكت، كم يوم مضى؟، كم ليلة بقي وهو ينظر إلى الأشياء من حوله؟، كم شهرا قضاه وهو يعتقد أن يحمل فكرا بين خلايا دماغه، أفكار كثيرة قرأها من الأيام، خلاصة حكمة لم يصل إليها أحد من قبله، تصور أن سيسمع صوت "علي" مختلطا بصوت الريح، كل ذلك زيف، خداع ومكر، لم تفعل شيئا سوى مراقبة أيامك تنساب من بين يديك، أين البيت والزوجة والأبناء؟ أين النقود التي يجب أن تؤمن عليها في صندوق وتعدها على مهل وربما تقبلها في كل ليلة؟ متى استطعت أن تجمع حولك الناس في وليمة كبيرة تقيمها؟ ومتى قدمت إليك دعوة لبيوت الآخرين، الناس هنا لا تعترف بما يدور في عقلك الصغير، عن الريح وما تخلفه وراءها، الناس تتحدث عما تراه أمامها، أنت من دون الناس لا تسوى حتى جناح بعوضة. فكرت حتى العصافير الصغيرة تبني أعشاشها بين الأغصان المتشابكة، تتعب في البحث عن الأعواد الصغيرة، تشرق عندما تسمع زقزقة تصدح من العش كم هو مؤلم أن تشعر أنك لا تحرك الأشياء من حولك.
وليلة البارحة كانت الريح تضرب كل مكان، ومع ساعات الفجر شعر بها وقد بدأت بالسكون، كانت أشجار النخيل قد عادت إلى حركتها الطبيعية بعدما كاد أن يجزم أن إحدى قممها المتعالية كادت أن تسقط على سطح بيته، وربما سقطت على رأسه وهو نائم لذا استيقظ عدة مرات في تلك الليلة ووضع أذنه على النافذة، ساور خوفه انتشاء لم يعهده، وكادت نفسه أن تسول له فتح النافذة ليحدق في أقدام الرياح، في لحظة ثورة قال من حوله.
ـ الريح بس هي اللي تغير أفكار الناس.. بس الريح.
كانت الخيالات الكثيرة قد مرت في رأسه، شاهد في وجه الرياح، "محمد بن عبيد" هو يقترب من ثوره الأسود، يضع يده على ظهره الأملس، يقرب أنفه من القرنين المسنونين بإحكام، شاهدت الزهو في عينيه الواسعتين، تخيل أنه دار حول البيت الكبير، شم رائحة "مويز" كانت يتوقع أن يراها قريبة تنظر إلى القمر، أخبرتك دائما أنها تحب القمر، المصباح الذي يولد كل شهر بشكل باهر، الحب في ذاكرتها يتحول إلى حسد، تريد أن تكون قمرا، بدرا مكتملا، تحمل في ثوبها طيات من تراب القمر الذي قالت لك أنه لا بد أن يكون معطرا بالمسك والعنبر، تذكر أنها وفي يوم قريب سحبت يدها من يده وقالت كلمة حملت ألف معنى
ـ النار ما تشبع.
تخيل أمه تسير أمامه، متشحة بالسواد، الريح تتلاعب بثيابها، وهي تسير دون خطوات، شعر أن ظهرها ينحني أحيانا، وتصبح عجوزا، لا تملك عظاما مستقيمة، عظامها أكلها الدود تنادي على اسمه وهي تبكي بحرقة، صرخ بها
ـ أنا وراك، موجود.
لم تلفت، ركضت مع الريح، تسابقت مع الهواء الغاضب وسبقته، اختلطت الصرخة التي خرجت من جوف "محمد بن عبيد" مع صوت الريح وضاعت، رآه من الخيالات وهو يتلوى، والثور الأسود فوق رأسه ينظر إليه بعيون محمرة، لقد تحرك الثور بقوة وليرفس صاحب اليد التي كانت تطعمه. طعنه بأحد قرنيه، كان هنالك دما قاني في المكان، لم يخبر أحدا، في ذلك الوقت اختلطت الخيالات جميعها، الصرخات أًصبحت أكبر، وهو لا يفهم أبدا ما يحدث، أعطى قدماه لرياح وهرب، حينها أصبح ابنا للريح، تحيط به من كل جانب، لأول مرة شعر بحنانها الكبير. تذكر عند الصباح أنه قال بصوت واضح جدا.
ـ أنا ابنك المخلص. لا تخافي.
كانت غرفة "مويز" موصدة، لا تدخلها الرياح ولا ضوء القمر. بينما غرفة "حمدة" مضاءة بكل الأضواء في الكون. وقف بين الغرفتين كثيرا. فكر في "مويز" لأكثر من مرة، ولكنه استغرب من النور الذي يسكن روح "حمدة"، المرأة التي تثور وتتكلم بصوت واضح، تعلمنا أن الغد جميل، وأننا يجب أن نشعر بأمل كبير، وأننا في حقيقة الأمر ولدنا سعداء، وأن الحزن حالة طارئة لا يعتد بها.
انها امرأة تكتب تاريخا جديدا في كلمة تتفوه بها.
تحديدا لا بعرف متى بدأ يحس بالغربة ، بحث عن أثر الحرز ، ولم يجده ، أعدت الإجابات المحتملة على نفسه، ربما سقط في البحر، ربما أخذته الريح، يقال إن الشياطين تسكن الرياح، هنالك شياطين يجب أن تقتل، تلك التي تجعل الرياح مجنونة، ومدمرة، وهنالك شياطين تعجب بالبشر، تحب أشياءهم، تذكر أنه سمع اسمه ينادى لأكثر من مرة دون أن يكون هنالك إنسان، صوت يناديه من الخلاء، يرد على النداء ولكنه لا يرى من يناديه، أنهم قرين من الجن، يجب الحديث معه، يجرب صوت البشر ليفهم منه كل شيء، وهو لا يفهم ما يريد، يسمع صوته فقط مختلطا مع صوت الريح والمطر.
نحن مهزومون في كل لحظة، نتلفت يمينا وشمالا، نقيس خطواتنا بمقياس الحذر، نلتقط بقايا الحبوب العتيقة، نصبح حيوانات قمامة، ننتظر الحيوانات الكبيرة والمفترسة حتى تنهي وجبتها، نملك نفسا مضعضعة، ومشية تشبه مشية الغراب، كل ذلك التقليد، لم يمنحنا الخلاص، نسينا من نكون ومن كنا نريد أن نكون، فأصابنا الخسف، خسفنا خنازير وقردة والحيوانات بائدة.
في الصباح الباكر خرج وكأنه ولد من جديد، مغسول بماء البرد الثلج، وضع عماته كيفما اتفق على رأسه، ووضع نعالا خفيفة في قدميه وسار مقتفيا أثر الرياح، كانت الخطوط التي تركتها دقيقة وجميلة، حاذر أن يدوس على بعض الخطوط، ولكنه غرس رأسه إلى التراب وأخذ يبحث بجدية، من ينظر إلى آثار أي أقدام تكون قد سبقته، أخيرا وجد قطعة النقود الأولى، كانت فضية وبها بقع من الصدأ المتناثر، نظر إلى المكان القريب منها ولم يجد شيئا، في الماضي كان يجد القطع وراء بعضها البعض متناثرة وتخرج رؤوسها من بين التراب وكأنها تناديه، وكان يلبي ذلك النداء بلهفة وشوق يضعها في الخرج الصغير الذي خاطته أمه منذ كان صغيرا، فكر أن يمر أمام البيت الكبير كان القطع هنالك متوافرة، ولكنه أراد أن يعرف مصير "محمد بن عبيد" وربما يعود إلى داره ويحمل ما جمعه خلال سنوات من النقود إلى "مويز" وينثره أمامها مثلما فعل وهي وصغيرة فجمع كل ما جمعه من تلك النقود ووضعه بين بيدها وقال لها
ـ هذا مهرك.
ربما يفكر في "حمدة" وصفاء العينين البريئتين، عندما تعصف الريح تستطيع أن تفكر بما تريد.
أخبروه أن النقود عند البحر في الأيام التي تشتد فيها الريح تكون أكثر وفرة، كانت الجماعة التي تحدث عن ذلك جماعة مجربين للبحر، أقسم أحدهم أنه أحد أجداد وجد "دانة" كبيرة، غيرت حياته، نما إحساس دائم بأن القدر قد ادخر له خيرا كثيرا، وأنه يملك الحق ويحلم مع المرض الذي رافقه من الصغر ومنعه من القيام بأي عمل جاد، الأموال ستأتي من الريح ومن البحر، ومنها سيجرب أن يقول لا. طويلة وممدودة ومفهومة لدى كل من يسمعه.
رحمة المغيزوية


أعلى





أفعالٌ غير عادية...

(1) لا منطق
تؤمنون بالمنطق وأنا أؤمن به أيضاً وأتفق معكم على أن 1+1= 2 وأن اجتماع السلب بالسلب يعني تنافر والسلب بالإيجاب يعني تجاذب ولكني لن أتحدث عن ذلك لن أسبر أغوار المنطق بل سأتجه إتجاها آخر فإن أردتم شد الرحال لنفس الوجهة فيا مرحبا وإن أعلنتم الرفض فذلك شأنكم وأنا سأفعل ما يريده عقلي بالتحديد فهو الذي أقنعني بتجربة الإبحار في عالم اللامنطق وأكررها حتى تسمعونها وتقرأونها وتفهمونها جيدا.. اللامنطق.. ويعني توقع حصول اللامتوقع, إمكانية حدوث مفاجآت أمر وارد, أن تنقلب المعادلة بأكملها ليس أمرا غريبا بل لامنطقيا لأن المنطق يقتضي حدوث المتوقع ومن الجميل أن يحدث اللامتوقع , أن تخيب جميع الحسابات وذلك أمر ليس بالمستحيل وقد يحدث اليوم أو غدا وربما في وقت آخر وفي وقت آخر قد تخيب جميع تنبؤات العرافين والمنجمين وقارئات الفناجين والكف وغيرهم من أهل الملة ولا يعني أمر الهروب من عالم المنطق الذي يتشبث بالحقيقة كوجه آخر له انسحابا أو هزيمة نكراء بل محاولة جديدة لاكتشاف الحياة من زاوية أخرى تجربة فريدة تكتسي بصفات غير عادية استثنائية..
(2) كتابة
وإن سألني أحدكم ما هي؟ أجيبه هي فعل عقلي لا يعترف بالمنطق بتاتاً يعشق اللامنطق حتى النخاع يسافر من فضاء إلى فضاء بغية ملامسة أرض اللامنطق الحقيقي الذي يحدث فيه ما لا يعقل قد يموت البطل منذ البداية وقد تنتهي الحكاية بلا نهاية وقد يحدث الكثير والكثير لأن المسألة الكتابية لا تعد واقعية بحتة من وجهة نظري بل هي حالة يتوحد فيها الخيال بالواقع قد يتقاسمان الكعكة خمسين بالمئة لكل واحد منهما وقد ترجح فلسفة اللامنطق كفة أحدهما على الآخر .. ولم يتولد لدي هذا الاعتقاد عبثا بل بعد تمحيص دقيق لماهية الكتابة التي أعدها فعلا شاذا عن القاعدة فعل لا يمارسه عدد كبير من أصحاب العقول لا لأنهم لا يمتلكون النبوغ الفكري اللازم لفعل ذلك ولا لافتقارهم القدرة العقلية اللازمة لإتيان هذا الفعل بل لأن المسألة انتقالية بحتة من عالم إلى عالم وذلك يعني الإنعتاق من جميع الصلات التي تربطنا بالعالم الأول, وهذا الانتقال يكون عقليا فقط وليس جسديا للعالم الذي ستسنح فيه الفرصة لصاحب العقل الاستثنائي أن يمارس الكتابة بأم عينها أن يمسك القلم ويتلو على مسامع الزمان والمكان نشيد بداية الحكاية , أن يمطر الفكرة بوابل من القبلات علها تلبي مطالبه التي ينص أولها على أن تندمج معه في بوتقة واحدة وثانيا أن يؤدي كليهما الواجبات الملقاة على عاتقه إتجاه الآخر وثالثا بأن يولد الاندماج نتاجا إبداعيا يسمو برغبة كلا الطرفين أي العقل والفكرة , وكما أن العقل والفكرة يمارسان فعلا شاذا واستثنائيا فينبغي عليك عزيزي القارئ أن تكون استثنائيا أيضا ً ..
(3) قراءة
وكذا هي الأخرى عاتبتني عتابا قاسيا ظنا منها بأني تعمدت نسيانها ووضعها في الخانة رقم (3) ولولا المحبة التي أكنها لها لما نسيت لها ذلك وأنا هنا لا أستعرض عضلاتي لا عليها ولا عليكم بل هو لفت نظر بسيط حتى لا يتبادر لذهن أي أحد أي سوء ظن قد يؤدي لتشويه العلاقة بيني وبين الطرف الآخر ولن أذهب بعيدا فقد فتحت صفحة جديدة سيملأها الحبر لاحقا ببعض التفاصيل الهاربة من قبضة الواقع الافتراضي , أقترب رويدا رويدا من الوصول للمقصد فالحديث القرائي المقصود يتعلق بالقارئ الحقيقي من دون نسيان القارئ العادي فالقراءة كفعل لا منطقي غير عادي تظهر بوضوح عند القارئ الحقيقي الذي يمارس الفعل القرائي بحرفنة لن يشعر بلذتها إلا من طبق قواعد الفعل القرائي بحذافيرها , من غيب الذهن قليلا ليستحضر قواه الذهنية بعد لحظات بعد ثواني بعد أجزاء من الثانية وبعد عبور بوابة البداية, بعد الدخول في معمعة الحدث وساعتها تتأتى له القدرة الحقيقية الفذة التي تتيح له الذهاب بعيدا عن قيود الزمان والمكان التي سترتمي خلف ظهره والتي ستكون مجرد ماض يستحضره العقل عندما تحين لحظة انبلاج شمس الفعل القرائي الذي يبدأ بداية غير عادية وينتهي بنهاية جنونية لا منطقية..
يَعقُوب البُوسعيدي


أعلى





أزمة العمارة المسجدية (2ـ3)

بالرغم من خصوصية "اختيار" الموضع المكاني للمسجد الأول, كرمز ومقر للقيادة الدينية والسياسية للدين الجديد, فقد تركت بقية "الأرض" فضاء واسعا ومفتوحا للاجتهاد البشري في تحديد مواضع "السجود" اعتمادا على معايير "بشرية" دون "الوحي" كما حدث في الواقعة التاريخية الأولى الخاصة بالنبوة. ومن هنا جاء الحديث الشريف صريحا في فتح الباب على مصراعيه أمام الأمة في ذلك, وفي تقرير صريح لمفهوم المسجد في الإسلام. فالمسجد بالكسر اسم لمكان السجود, والمسجد بالفتح جبهة الرجل حيث يصيبه السجود, والمسجد بكسر الميم هي الخُمرة وهي الحصير الصغير. وتدل الأحاديث النبوية الشريفة في كتب السيرة والفقه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الخُمرة وهي حصيرة صغيرة قدر ما يسجد عليه. تنسج من السعف. ويصفها الشهرستاني أنها مقدار ما يضع الرجل عليه في سجوده من حصير. (1) والمسجد كاصطلاح شرعي هو الموضع الذي يسجد فيه. (2) لقوله صلى الله عليه وسلم: "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" ويقول القاضي عياض كما يروي الزركشي في اعلام الساجد بأحكام المساجد (3): "وهذا من خصائص هذه الأمة, لأن من قبلنا, كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته, ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته", وقال القرطبي هذا ما خص الله به نبيه, وكانت الأنبياء قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في مواضع مخصوصة كالبيع (جمع بيعة) وهو معبد اليهود والنصارى. ويعلق الزركشي فيقول فكأنه قال: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وجعلت لغيري مسجدا ولم تجعل له طهورا. وهذا هو الظاهر من حديث جابر وأبي هريرة في عهد الطهور والمسجد في حكم الواحد. في شرح البخاري لابن الملقن ورد عن النبي الكريم قوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأينما أدركتك الصلاة فصلّ" (4) وكما ورد أيضا في الجامع الصغير للسيوطي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فضلت بأربع: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ما يصلي عليه وجد الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الناس كافة ونصرت بالرعب من مسيرة شهرين يسير بين يدي، وأحلت لي الغنائم"(5) وفي حديث صحيح اخر قوله صلى الله عليه وسلم: "فضلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرا أمامي، وشهرا خلفي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي" (6) وفي رواية مختلف في إرسالها ووصلها "إلا المقبرة والحمام" (7) وفي رواية "وتربتها طهورا" (8) ويفسر الزركشي السبب في اختيار كلمة مسجد لمكان الصلاة فيقول: لما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق اسم المكان منه. أما لفظ الجامع فوصف للمسجد الكبير, ويروى أن عمر بن الخطاب لما افتتح البلدان كتب إلى أبي موسى وهو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجدا للجماعة ويتخذ للقبائل مساجد, فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك, وكتب إلى أمراء أجناد الشام, فكان الناس مستمسكين بأمر عمر وعهده". فالجامع هو المسجد الذي تؤدي فيه الجماعة صلاة الجمعة.
المسجد "النبوي" الأساس في تاريخ الإسلام له دلالات واستحقاقات عمرانية واجتماعية وسياسية يمكن قراءتها في تاريخ "المكان" والفضاء الحضري للمسجد النبوي بشكله المستطيل وما حوله. فمن ناحية عمرانية, فالمسجد النبوي بتخطيطه الذي تورده الروايات التاريخية والذي يمكن بحسبها ترسيم مخطط توضيحي يبين مسجدا في غاية البساطة, هو أقرب ما يكون للبيت القروي الريفي المجاور لساحة فسيحة تحيط بها أروقة محمولة على أعمدة النخيل لتغطية جانب منه, فيما تصطف مجموعة من الحجرات في جانب منه, وتغيب عن ملامحه العمرانية أية عناصر اشتهرت بها عمارة المساجد لاحقا مثل المئذنة أو القبة وسواها مما غدت بمثابة مفردات "نمطية" أضحت إشارات ودلالات رمزية لعمارة المسجد في الإسلام على مدى العصور المتلاحقة. أما المئذنة فيشار إلى أن بلالا كان يعتلي أسطوانة للنداء للصلاة, ولم تتطور المئذنة, بحسب المصادر التاريخية إلا لاحقا في دمشق, ومنبر الرسول لم يجاوز الدرجتين من جذع نخلة. وهكذا فعناصر المسجد كما تطورت لاحقا كان لها "أسس" في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم, لكنها اتسمت بالتواضع والوظيفية المجردة لتحقيق الغاية المرجوة, دون أية إيماءة ولو ضمنية, للشكل أو النمط أو الطابع وهو ما تعكسه بساطة التكوين والتخطيط والتجريد في المسجد النبوي الذي هو أقرب لوصف الروايات التاريخية.
إذن نحن هنا أمام استحقاق تاريخي عمراني بالدرجة الأولى تقرره أفعال وأقوال الرسول بحق العمارة المسجدية بشكلها الفطري الطبيعي الذي يكرس نص الحديث الشريف بأن الأرض جعلت مسجدا وطهورا, ليست برمزية وإيحاءات ضمنية ولكن بتنفيذ حرفي لنص الحديث النبوي بشكل يحيل عمارة المسجد إلى "فضاء مكاني" أقرب منه للعمارة الفطرية دون اسراف أو إسفاف. والسؤال الذي يطرح هنا: هل كانت العمارة المسجدية في فجر الإسلام ضرورة حتمية لانعكاس مباشر لطبيعة المجتمع الإسلامي البسيط ومتناسبة مع عمارته وبيئته استجابة مباشرة, لا يمكن أن تحيد عنها لظروفها الزمكانية, وبشكل يستلزم معها قراءة تطورها على أنه خروج عن النص الأصلي بمحتواه ومضمونه وشكله سواء بسواء, وبحيث كان التطور التاريخي لاحقا للعمارة المسجدية بكل أنماطها وأشكالها وزخرفتها وتطور مفرداتها ببساطة هي عملية خروج صارخة عن النص الأصلي, وأن هذه العمارة المسجدية الأولى هي بداية ونهاية الطريق لما يجب أن تكون عليه عمارة المسجد, أو بشكل أقرب ما يكون لها, إن كان للعمارة المسجدية أن تتبع "خارطة الطريق" التي رسمتها السنة النبوية؟ وهل ما زاد عن ذلك من تطور وإسفاف لاحقا, يتنافى مع جوهر ومقصد العمارة المسجدية ولا يعد تطورا طبيعيا واستحقاقا تاريخيا عمرانيا يتجاوب مع تطورات زمكانية وسياسية واقتصادية واجتماعية طبيعية؟
قد يبدو الشق الثاني من التساؤلات طبيعيا من وجهة نظر معمارية دأبت على قراءة العمران على أنه تطور طبيعي في المجالات المذكورة, بحيث يستحيل النظر للعمارة المسجدية بإطار متقوقع في التصور البسيط لعمارة المسجد النبوي, وبما يجعل انحصار العمران في تلك الدائرة البيئية والتراثية الضيقة ضربا من العكوف على الماضي بحذافيره. هذه إجابة ابتدائية على التساؤلات أو على الأقل استجابة عاجلة للشق الثاني منها. لكن الوجه الآخر للعملة في هذه المسألة يتضمن علاقة جدلية بين الشكل والجوهر, ليس فقط في عمارة المسجد, ولكن يتجاوز حدود ذلك ليشمل المحتوى الظرفي, الزماني والمكاني, الذي سيطرأ على العمارة المسجدية إلى قيام الساعة. وهي واحدة من المعجزات النبوية التي تتيحها القراءة العميقة لعمارة المسجد في الإسلام, وبما بدأ يظهر بعد أكثر من ألف واربعمائة وثلاثين عاما وأضحى يتكرس "كأزمة العمارة المسجدية" اليوم, لا "كأزمة" متعلقة بالعمارة والبناء فحسب, لكنها أزمة متعلقة بعلاقة الظاهر بالباطن وعلاقة الشكل بالوظيفة, والأهم من ذلك كله علاقة المسجد بما حوله, في بلاد المسلمين وفي بلاد الغرب سواء بسواء.
ولذلك فجزء من الإجابة تبدو في ضرورة الاستحضار العاجل لمفاهيم العمارة المسجدية في الغرب اليوم وما تتعرض له من حملات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وفيها تبدو أبرز تجليات الخروج عن النص التاريخي الأصلي في مجتمعات مسلمة "عادت غريبة في بيئاتها كغرابة الإسلام حين بدأ". وبرغم أننا في بداية مراجعتنا لا نتبنى موقفا, لا حداثويا ولا تاريخيا حرفيا بمرجعية فقهية, كي نقطع الطريق ابتداء على أية محاولة قفز ابتدائية للنتائج. لكن فرضيتنا بوجود دورة تاريخية وعود على بدء قد تدعمها إرهاصات للعمارة المسجدية وتحديات الهوية في الغرب اليوم ضمن تحديات الهوية ورمزية عمارة المسجد. ولعل لهذه الدورة التاريخية المفترضة استحقاق فقهي يطل من الحديث "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" وحديث آخر "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا,..."(9) بما يوحي بدورة زمنية محكمة تعيد اللاحق للسابقة وتكرس "عودا على بدء", عودا قد يكون أقرب للحرفية منه للاستيحاء الضمني. ولتتبع هذه الفرضية وهذه الأطروحة سنعمد لتفكيكها في سياق مراجعتنا هذه لاحقا.
من ناحية اجتماعية متعلقة بالمسجد كموئل مجتمعي, فأهل الصفة تمثل برأينا العلاقة بين المؤسسة الدينية التي يعكسها فضاء المسجد ووظيفته وبين عامة الناس ومساكينهم, هو تلاحم بين البيئة الإجتماعية من أسفل الهرم فيها وبين القيادتين الدينية والسياسية مجتمعتين في جسم واحد. حجرات النبي المحيطة بأحد أضلاع المسجد تعكس طبيعة العلاقة اللصيقة بين دور المسجد في المجتمع وبين موقع القيادة السياسية ـ الدينية من هذا الجسم المجتمعي. وثمة قراءة أخرى في المشهد التاريخي تتيحها دلالات العلاقة بين الوحي وبين العقل والخبرة الإنسانية , تخص هيئة وعمارة المسجد واستعانة الرسول الكريم بأهل الدراية والخبرة في بنائه ـ واستحضار البنّاء الحضرمي الماهر الذي يجيد خلط اللبن, واستماع النبي الكريم لرأي "العامة" وأهل المدينة في تغطية جزء منه بسعف النخيل, وتنفيذ ما صلح من رأيهم, فليس الامر كله وحي, بل هناك وحي وهناك رأي ومشورة وخبرة.. وللحديث بقية


هوامش
1ـ الملل والنحل للشهرستاني, صفحة 6.
2ـ إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي صفحة 27.
3ـ اعلام الساجد بأحكام المساجد صفحة 27.
4ـ الراوي: المحدث: ابن الملقن المصدر: شرح البخاري لابن الملقن الصفحة أو الرقم: 5/496 خلاصة حكم المحدث: صحيح
5ـ الراوي: أبو أمامة الباهلي المحدث: السيوطي المصدر: الجامع الصغير الصفحة أو الرقم: 5882 خلاصة حكم المحدث: صحيح
6ـ الراوي: السائب بن يزيد الثقفي المحدث: السيوطي المصدر: الجامع الصغير الصفحة أو الرقم: 5881 خلاصة حكم المحدث: صحيح
7ـ "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، إلا المقبرة والحمام" الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: ابن رجب المصدر: فتح الباري لابن رجب الصفحة أو الرقم: 2/399 خلاصة حكم المحدث: قد اختلف في إرساله ووصله.
8ـ "جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا" الراوي المحدث: الشوكاني المصدر: السيل الجرار - الصفحة أو الرقم: 1/132 خلاصة حكم المحدث: صحيح
9ـ حديث في صحيح مسلم رواه أبو هريرة. "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا . فطوبى للغرباء" الراوي:أبو هريرة, المحدث: مسلم المصدر:صحيح مسلم الصفحة أو الرقم:145 خلاصة حكم المحدث:صحيح

وليد أحمد السيد


أعلى






تـراثـيـات


روي يجعل منشده شاعرا!

قال ابن المعتز: مما يستحسن من شعر خالد القناص كلمته التي هي سائرة في الناس: عوجوا على طلل بالقفص خلاني
أقوى، فقطانـه أرآل هـيقـان
قد غـيرت آيه ريح شـآمــية
ووبل مثعنجر بالسيل مـرنـان
أمسى خلاء وأمسى أهله شحطت
نواهم حيث أموا أرض نجـران
ومنها:
دار لجـارية بـيضـاء لاهـية
كالشمس ضاحية في خلق جنان
بيضاء خرعبة خـود مـطـيبةٍ
للعين معجبة نـفـي لأحـزان
ثم طرد أبياته كلها على هذا النمط وقال في آخرها:
حتى إذا ثملوا من طول ما نهلـوا
مالوا وما عقلوا تميال وسـنـان
قتلى وما قتلوا جهلي وما جهلـوا
سكرى وما انتقلوا من حكم لقمان
درات قواقزهم لانت مغامزهـم
ذلت غرائزهم من نقـر عـيدان
قال: زعم مرداس بن محمد أن من رواها ثم لم يقل الشعر فلا ترجُ خيره. قال ابن المعتز: وأنا أقول أيضاً: إن من روى هذه ثم لم يقل الشعر فأبعده الله وأسحقه.

ـــــــــــــ

مخفيات الرسائل

ابن ميادة
يُمَنُّونَنِي منكِ اللِّـقـاءَ وإِنَّـنِـي
لأَعْلَمُ ما أَلْقاكِ مِن دُونِ قـابِـلِ
ولَمْ يَبْقَ مِمّا كانَ بَيْنِي وبَيْنَـهـا
مِن الوُدِّ إلاّ مُخْفَياتُ الرَّسـائِلِ
فما أَنْسَ مِلْ أَشْياءِ لا أَنْسَ قَوْلَها
وأَدْمُعُها يُذْرِينَ حَشْوَ المَكاحِـلِ
تَمَتَّعْ بِذا اليومِ القَصِـيرِ فـإنَّـهُ
رَهِينٌ بأَيّامِ الشُّهُـورِ الأطـاوِلِ
وعَطَّلْتُ قَوْسَ اللَّهْوِ مِن شَرَعاتِها
وعادَتْ سِهامِي بَيْنَ رَثٍّ وناصِلِ

ـــــــــــــ


أمثال

من أمثال العرب في التحنن على الأقارب قولهم: لكنْ على بَلْدَحِ قَوْمٌ عَجْفَي.. وقولهم: لكِن بالأثلاث لحمٌ لا يُظَلًل وأصل هذا أنّ بَيْهساً الذي يُلقَب بنَعامة، كان بين أهل بيْته وبين قوِمِ حَرب. فقتلوا سَبْعة إخْوة لِبَيهس وأسروا بَيْهساً، فلم يقتلوه لِصِغرِه وارتحلوا به، فنزلوا منزلاً في سَفرهم ونَحَروا جَزُوراً " في يوم شديد الحرّ "، فقال بعضهم: ظَلِّلوا لحْم جَزُوركم " لئلا يَفسد"؛ فقال بَيْهس: لكن بالأثَلاث لحمٌ لا يُظَلَّل- يعني لحمَ إخوته القَتْلى- ثم ذكروا كثرة ما غَنِموا؛ فقال بَيْهس: لكَنِ على بَلدَح قَوْمٌ عَجْفي. ثم إنه أفلت أو خَلّوِا سبيلَه، فرجع إلى أمه، فقالت؛ أنجوت من بينهم? وكانت لا تًحبّه، فقال لها: لو خُيرت لاخترتِ. فلما لم يكن لها ولدٌ غيره رَقّت له وتَعطّفت عليه. فقال بَيْهس: الثَكلٍ أَرْأَمها، فَذَهبت كلماتُه هذه الأربع كلها أمثالاً.

ـــــــــــــ

العشق في المنام!

روى ابن حزم في (طوق الحمامة):دخلت يوماً على أبي السري عمار بن زياد صاحبنا مولى المؤيد فوجدته مفكراً مهتماً فسألته عما به، فتمنع ساعة ثم قال: لي أعجوبة ما سُمعت قط، قلت: وما ذاك? قال: رأيت في نومي الليلة جارية فاستيقظت وقد ذهب قلبي فيها وهمت بها وإني لفي أصعب حال من حبها، ولقد بقي أياماً كثيرة تزيد على الشهر مغموماً مهموماً لا يهنئه شيء وجداً، إلى أن لمته وقلت له: من الخطأ العظيم أن تشغل نفسك بغير حقيقة، وتعلق وهمك بمعدوم لا يوجد، هل تعلم من هي? قال: لا والله، قلت: إنك لقليل الرأي مصاب البصيرة إذ تحب من لم تره قط ولا خلق ولا هو في الدنيا، ولو عشقت صورة من صور الحمام لكنت عندي أعذر. فما زلت به حتى سلا وما كاد..وهذا عندي من حيث النفس وأضغاثها، وداخل في باب التمني وتخيل الفكر. وفي ذلك أقول شعراً، منه:
يا ليت شعري من كانت وكيف سرت
أطلعة الشمس كانت أم هي القمـر
أظنة الـعـقـل أبـداه تـدبـره
أو صورة الروح أبدتها لي الفكـر
أو صورة مثلت في النفس من أملي
فقد تخيل في إدراكهـا الـبـصـر
أو لم يكن كل هـذا فـهـي حـادثة
أتى بها سبباً في حتـفـي الـقـدر

ـــــــــــــ


حلو العتاب

أبو نواس
حلو العـتـاب يهـيجُـهُ الإدلال
لم يَحْلُ إلاَ بالعـتـابِ وصـالُ
لم يَهْوَ قطُ ولم يُسَـمَّ بـعـاشـق
مَنْ كان يصرف وجهه التعْـذَالُ
وجميعُ أسبابِ الـغـرام يسـيرة
ما لم يكن غدْر ولا اسـتـبـدالُ
تصف القضيبَ على الكثيب قَنَاتُها
ولها من البدر المنـيرِ مِـثَـالُ
ولرُب لابـسةٍ قِـنـاعَ مَـلاَحةٍ
حسناء سار بحسنهـا الأمـثـالُ
كَسَتِ الْحَداثةُ ظَرْفَها وجمالـهـا
نُوراً فماءُ شبـابـهـا يَخْـتَـال
وكأنها والكأْسُ فوق بَـنـانِـهـا
شمس يمُدُّ بـهـا إلـيك هِـلاَلُ
حتى إذا ما استأنست بحـديثـهـا
وتكلّمت بلسانـهـا الْـجـرْيال
قلنا لها: إن صدَّقت أقـوالَـهَـا
أفعالها وجرى بـهـنَّ الْـفَـالُ
قولي فليس تَرَاك عينُ نـمـيمة
حَضَرَ النصيحُ وغابَتِ الـعـذالُ
وضميرُ ما اشتملتْ عليه ضلوعُنا
سِرّ لـدى أبـوابـه أَقْـفــال

ـــــــــــــ

إحياء العقل

قال ابن المقفع :من أخذ كلاماً حسناً من غيره فتكلم به في موضعه وعلى وجهه، فلا ترين عليه في ذلك ضؤولة. فإن من أعين على حفظِ كلامٍ المصيبين، وهدي للاقتداء بالصالحين، ووفق للأخذِ عنِ الحكماء، ولا عليهِ أن لا يزداد، فقد بلغ الغاية، وليس بناقصهِ في رأيه ولا غامطهِ من حقه أن لا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه. فإنما إحياء العقل الذي يتم به ويستحكم خصالٌ سبعٌ: الإيثارُ بالمحبةِ، والمبالغة في الطلب، والتثبتُ في الاختيارِ، والاعتيادُ للخيرِ، وحسنُ الرعي، والتعهد لما اختير واعتقد، ووضع ذلك موضعهُ قولاً وعملاً.

ـــــــــــــ


لص ولكن..

قال أبو جعفر محمد بن الفضل الضميري كان في بلدنا عجوز صالحة كثيرة الصيام والصلاة وكان لها ابن صيرفي منهمك على الشرب واللعب وكان يتشاغل بدكانه أكثر نهاره ثم يعود إلى منزله فيخبأ كيسه عند والدته، فدخل إلى الدار وهو لا يعلم فاختبأ فيها وسلم كيسه إلى أمه وخرج وبقيت هي وحدها في الدار وكان لها في دارها بيت مؤزر بالساج عليه باب من حديد تجعل قماشها فيه والكيس فخبأت الكيس فيه خلف الباب وجلست فأفطرت بين يديه فقال اللص الساعة تقفله وتنام وأنزل وأقلع الباب وآخذ الكيس فلما أفطرت قامت تصلي ومدت الصلاة ومضى نصف الليل وتحير اللص وخاف أن يدركه الصبح فطاف في الدار فوجد إزاراً جديداً وبخور فاتزر بالإزار وأوقد البخور وأقبل ينزل على الدرجة ويصيح بصوت غليظ ليفزع العجوز وكانت جلدة ففطنت أنه لص فقالت من هذا بارتعاد وفزع فقال أنا جبريل رسول رب العالمين أرسلني إلى ابنك هذا الفاسق لأعظه وأعامله بما يمنعه عن ارتكاب المعاصي فأظهرت أنها قد غشي عليها من الفزع وأقبلت تقول يا جبريل سألتك إلا رفقت به فإنه واحدي فقال اللص ما أرسلت لقتله قالت فبم أرسلت قال لآخذ كيسه وأولم قلبه بذلك فإذا تاب رددته عليه فقالت يا جبريل شأنك وما أمرت به فقال تنحي عن باب البيت وفتح هو الباب ودخل ليأخذ الكيس والقماش واشتغل في تكويره فمشت العجوز قليلاً قليلاً وجذبت الباب وجعلت الحلقة في الرزة وجاءت بقفل فقفلته فنظر اللص إلى الموت ورام حيلة، نقب أو منقذ فلم يجد فقال افتحي لأخرج فقد أتعظ ابنك فقالت يا جبريل أخاف أن أفتح الباب فتذهب عيني من ملاحظة نورك فقال إني أطفئ نوري حتى لا يذهب بعينيك فقالت يا جبريل ما يعوزك أن تخرج من السقف أو تخرق الحائط بريشة من جناحك ولا تكلفني أنا لتغوير بصري فأحس اللص أنها جلدة فأخذ يرفق بها ويداريها ويبذل التوبة فقالت دع عنك هذا لا سبيل إلى الخروج إلا بالنهار وقامت فصلت وهو يسألها حتى طلعت الشمس وجاء ابنها وعرف خبرها وحدثته الحديث فأحضر صاحب الشرطة وفتح الباب وقبض على اللص.


ـــــــــــــ


فرعا سؤدد

وقيل للخنساء: صفي لنا صخراً? فقالت: كان مطر السنة الغبراء، وذعاف الكتيبة الحمراء. قيل: فمعاوية? قالت: حياء الجدبة إذا نزل، وقرى الضيف إذا حل. قيل: فأيهما كان عليك أحنى? قالت: أما صخر فسقام الجسد، وأما معاوية فجمرة الكبد، وأنشدت:
أسدان محمرا المخـالـب نـجـدةً
غيثان في الزمن الغضوب الأعسر
قمران في النادي رفيعا مـحـتـد
في المجد فرعا سؤدد مـتـخـير

ـــــــــــــ

حسبي

قال الكم بن صخر الثقفي: حججت فرأيت بأقرة امرأتين لم أر كجمالهما وظرفهما وثيابهما، فلما حججت وصرنا بأقرة، إذا أنا بإحدى الجاريتين قد جاءت، فسألت سؤال منكر، فقلت: فلانة? قالت: فداك أبي وأمي رأيتك عاماً أول شاباً سوقة، والعام شيخاً ملكاً، وفي وقت دون ذلك ما تنكر المرأة صاحبها. فقلت: ما فعلت أختك? فتنفست الصعداء وقالت: قدم علينا ابن عم لنا فتزوجها، فخرج بها إلى نجد فذاك حيث أقول:
إذا ما قفلنا نحو نجـدٍ وأهـلـه
فحسبي من الدنيا القفول إلى نجد
فقلت: أما أني لو أدركتها لتزوجتها، قالت: فداك أبي وأمي، فما يمنعك من شريكتها في حسنها، وشقيقتها في حسبها، قلت، قول كثير:
إذا وصلتنا خلةٌ كي تزيلنا
أبينا وقلنا الحاجبية أول
قالت: وكثير بيني وبينك أليس هو الذي يقول:
هل وصل عزة إلا وصل غانـيةٍ
في وصل غانيةٍ من وصلها خلف
قال: فتركت جوابها، ولم يمنعني منه إلا العي.

أعلى





أالأدب الشعبي

بوح ..
قبل أن نهمّش الآخر ..

الشعر الشعبي جزء مهم من روح الأرض، يعبر عن حالات مختلفة من ذات الإنسان وطبيعته، ويقدمه الشعراء بمختلف فئاتهم وبحسب انعكاس الطبيعة والثقافة على القصيدة، فترى القصيدة الشعرية الشعبية تتجسد بألوان مختلفة من الأداء. والشعر الشعبي كما هو روح الأرض فإنه يتشكّل على مستواه الفني بذات الأدوات المهمة التي يخضع لها الشعر الفصيح، وربما أكثر تعقيدا منه في حالات أخرى، ولكن الفرق الأكبر بين الفصيح والشعبي هو "شاعره" ، كيف يفكر ؟ وكيف يراقب الأشياء ؟.
يدرك الكثير من المتابعين للحراك الثقافي في السلطنة والخليج على رقي المفردة الشعبية، وانعكاس ثقافة الشاعر الشعبي "المهم" على قصيدته، ولا شك أن هذا الشاعر (المعني في موضوعنا) هو جزء مهم ممن يطلق عليهم لقب "مثقّف" ، وهذا اللقب عند الشاعر الشعبي لا يعني شيئا، ولكن عدم اكتراثه به لا يعني إلغاء صفة اللقب عن الشاعر الشعبي المهم (في التجربة) ، والوعي عند "المثقف" عموما من المفترض أن يبعث روح الاحتفاء بالآخر لا إلغاء التجارب، الاحتفاء بالإبداع، هذا الوعي المعني هو الآخر من المؤمل أن يقدم انعكاس الثقافة الإيجابية في عقلية المبدع لا لترويج الميول الشخصي أو فرضه على الجميع، من اللباقة أن يقدم الشكر لمن يلفت الأنظار لساحة تحمل اسم البلد (لا لتكريس اسم الشاعر ذاته). تحت ذلك الفهم المغاير لحركة الشعر الشعبي وميول الجمهور له، يتبرأ الكثير من شعراء الفصحى من تجارب الشعر الشعبي، بل إن بعضهم يصفها بالتجارب "المقززة" التي تشوه صورة اللغة وسلامتها، ويحارب بشكل أو بآخر الشعر الشعبي في حله وترحاله.
إن هذا الفهم المُدنّس حول الشعر الشعبي بدأ يظهر على السطح بشكل واضح وعلى مستوى واسع من شعراء الفصحى، وهذا الفهم أثر بشكل أو بآخر على علاقة كاتب القصيدة الفصحى بالشعر الشعبي أو كاتبه، مما أدى إلى الترويج لتسطيح الشعر الشعبي وتهميشه وزرع نظرية المؤامرة ضد الفصيح، وهذا ما قد يؤثر على مستوى العلاقات الشخصية بين الشعراء، ولن يؤثر بشكل أو بآخر على ميول الجمهور سواء في السلطنة أو خارجها، لأن الشعر الشعبي هو المتنفس الأكثر حضورا للتعبير عن حالات المجتمع والإنسان عبر الكلمة، وهو ذاته القريب من مسامع الجمهور والمتغلغل في عواطفهم، والمقترب للمستويات العمرية المختلفة في المجتمعات.
يطرح البعض سؤالا يأتي في معناه أن الجمهور أخذ يتجه إلى أمسيات الشعر الشعبي بشكل لافت، وسحب البساط عن الشعر الفصيح وأن هذا الانعكاس يدلل على "اللا ثقافة" عند الجمهور، وهذا ما يدعو إلى القلق على الوضع الثقافي العام. إن طرح هذا التساؤل ـ في اعتقادي ـ لا يهدف البحث عن الجواب، بقدر ما يخبئ هدفا سلبيا يحاول إيجاد الفجوات وتعميقها، وقد يتفق اغلبهم على بساطة الشعر الشعبي وعلى صوته المتميز، إلا أن للفصيح هو الآخر جمهورا نوعيا لا يلتفت للكم في أغلب الحالات. هذه النماذج من الأسئلة "قد" تروّج لاستهداف الشعر الشعبي ولكنها في المقابل ستقبر تطور الحركة الثقافية المناظرة، لذا من المستحسن أن يلتفت شعراء الفصحى (المعنيين) لإحياء حركة الفصحى بصورة مغايرة عن المعتاد، بشكل مدروس يقترب من روح الأرض حتى يقترب من الجمهور، حينما تتحرك تجربة الفصيح بخطى مدروسة تروّج للإبداع ولا تهمّش تجارب الآخرين وتحتفي بالأجناس الأدبية الأخرى، سيكون للجمهور خيار آخر لتجميل اللغة حينما يشوهها الآخر ـ كما يقولون ـ ! .

فيصل بن سعيد العلوي*


ـــــــــــــ

ابَكْتَبْ لكْ

َأبكْتَبْ لكْ طَعَمْتْ المَلْح فيِ ثَغر اللقَاء الَمأموُلْ
وَلا كنّا تلذّذنا بْحَلاوة َبحْرنا اللّي َماتْ هَيْمانينْ
َربَطْت لْساَني ْبَصمتٍ يُواسِي َحكْينا المْعسُولْ
َوثارْ مْن الصَدى صَوتٍ لْهَاثَه يَقولْ ضْمْيانِينْ
عَلى ِرسْلِك تمَوّجْناَ الظَنُون ْبَشطّنا الْمَجْهولْ
َوشْ الفَارقْ عَلىْ آخْر عَمْرناَ مَا نْمُوتْ حَيرْانيِنْ
َعرَفْنا نَرْكَضْ وْنَهْربْ بَعِيد لْحَلْمنا المَقْتولْ
َرغمْ صَهَوة خَطَاوِيناَ بْعَيونْ الكّل عَثرْانِينْ
َسرَجْنا َمنْ َخيوُل آماَلنا مَا يَسْبَقْ المَرسَولْ
َولا نَلنْا سَوَى َنزْوَة كَلامٍ يَكْتب مْجَاِنينْ
ابَكْتَبْ والْجَنوُن آخرَ صَحَاري َرمْلنا المَبْلولْ
َوهْبنا الغَيمْ للبَحْرْ وْبِكيَنا بْحزْن فَرْحَانِينْ
َكسَبْنا وْالرَهَان انّا َبقينا فِي زَمانْ يْزوُل
َخلَفْ مَوْعَد تَلاقَينا وْكَتَبْنا فِيهْ خَسْرَانينْ
َشريَنا لهْفة الباكَرْ وَباكرْ سَيفَها مَسْلولْ
َعلى َعنْق امْنياتٍ مَا َهقتنا ْبيَوْم َغلْطانِينْ
َيا عَيشهْ كَوْكبٍ ما لاَح َمنْ ليَلةْ سَفر ايلولْ
َرمى فِي َوْحدَتِي مَعْطَفْ حَزِين وْصَاحْ بَرْداَنينْ
وشْ اكْتَبْ للشتَاء الجَارَحْ ْوَبابْ الغَرْفه المَقفوُلْ
َ بلا ايّة اجَابَهْ مَنْطِفي وبَالصَدْر َبرْكانينْ
خالد الداودي


ـــــــــــــ


سلمى

آه يا سلمى وكل الكون سلمى
الشوارع والشجر والناس والريح
الجفاف..الغيم..صوت الرمل والما
الحقيقة/الزيف..تصريحي وتلميح
قلت سلمى يا سما يا نجوم..لما
قلت سلمى،أزهر الريحان والشيح
صحت:(سلمى)..جاوبتني الريح:(سل ما
يشفي الخفاق من سهد وتقريح)
ما استفاق الصبح بعد ف عين الأعمى
لو تضوي له رموشه بالمصابيح
مر عام من الدعا،يا حب مهما
قام حظي،خطوتينٍ بعدها يطيح
من رداته تختلف يمناي عسما
بعد شلاله رضينا بالضحاضيح
جرح كفوفي مشاش الدمع وأدمى
كل عرق من عروقي عيون وتصيح
آه يا سلمى دريت الحب أسمى
من حكايا العشق ودموع التماسيح
ما لغيرك شوف هالخفاق يظمى
كلما مرت به الذكرى تباريح
وكلما بسهام قوس البعد يرمى
ايتساقط حب وأطفال ومراجيح
أو يمر اسمك على مسمعه يغمى
كنه الناسك وذكر اسمك تسابيح
تحسد اسمك-يا بعدهم-كل الأسما
يسكن لساني،وهم صاروا منازيح
أشتهي صبحك وأتمناك ظلمى
أسكنك وألقم أفواه المفاتيح
من بنات الأرض ما به غير سلمى
تشفي قلوب وتداوي يا مجاريح

سعيد بن محمد بن علي الشحي


ـــــــــــــ


شوق الكويت

يمكن ابموتي يموت بداخلك كبر وتصيح
بس انا كم كنت اموت بشوفتك لا من بكيت!!
بعتني ؟ مبروك بالاحرى انا استاهل اطيح
دام علقت الحلم في خيط اوهامك ب ( ليت )
غلطة العاشق اذا هو حب في حبه صريح
وغلطتي وبكل صراحة سقتلك رجلي ومشيت
ما دريت الدرب وان طالت مسافاته شحيح
عاد تتوقع بيذبحني الضمى لا من دريت
الحسن!! لو كان يغفر غلطة الغر المليح
كان ما عاش الفراق بوسط ايامي وسريت
شوف مسقط كيف صارت من عنى بعدك ضريح
وانت يا مطول غيابك عاجبك جو الكويت
بعتني مبروك هي دنياي صح بها صحيح
الخطا (موت) ومحال يصد عن دربي ان بغيت
يا وطن خفت فغيابك لا تمر النار ريح
ما هقيتك تطعن بظهري وتزيد النار زيت
يا وطن كم لي انادي من سهم قوسك جريح
انزف جروحي قصايد ما سعفها غير بيت
لا تحسّب العيب لو أحمد من بعادك يصيح
بس عيب انك تروح وشفتني لجلك بكيت
احمد المعمري

ـــــــــــــ


ضيقه

صعب البنادم لا عطا كل لحساس
جل الشعور وما بقى من دقيقه
من دون مايوضع ل هالحس مقياس
ويغوص في لجت بحوره العميقه
لا هو معا نفسه ولا هو مع الناس
تايه م بين المعمعة والحقيقه
يشرب مذله وماسك بإيده الكاس
عقله يفكر والمشاعر تعيقه
يسكن بصدره مايفارقه وسواس
يحطب ضلوعه ويضرمبها حريقه
ويحس بالواهي معا جر لنفاس
والدمع لحمر من عيونه يريقه
يبات ورموشه كما صف حراس
يالين نور الصبح يطغى بريقه
ذي حالته ياللي عطا كل لحساس
وآنا طريقي ما اختلف عن طريقه
ندمان يوم إني خضع تله الراس
وانشيت له في وسط صدري حديقه
فيها زهور وفل مع نرجس وياس
وارخصت له عمري وباقي رحيقه
واللي جنيته من ورى صحبته فاس
هشم خفوقي ثم حكمني بضيقه

فيصل محمد البادي

أعلى





برعاية "الوطن" للعام الرابع على التوالي
مجلس الشعر الشعبي العماني يعلن عن مسابقته السنويه ويحدد فعالياته المتبقية للعام 2011 م

أعلن مجلس الشعر الشعبي العماني منتصف الاسبوع المنصرم عن مسابقة مهرجانه السنوية والتي تقام في دورتها الرابعة بدعم من صاحب السمو السيد فاتك بن فهر آل سعيد المشرف العام على المجلس ، والمسابقة التي ترعاها "الوطن" للعام الرابع على التوالي تشترط للمشاركة فيها أن لا يقل عدد أبيات القصيدة عن 12 بيتاً ولا تزيد عن 15 بيتاً ، ولم يسبق نشر القصيدة بأي شكل من أشكال النشر أو الأشتراك بها في أي مسابقة أخرى ، ويحدد المتسابق موضوع قصيدته ولا تشترط المسابقة موضوعا بعينه أو نوعا خاصة للكتابة ، كما ان المسابقة مفتوحة لجميع الشعراء العمانيين والشعراء العرب المقيمين في السلطنة ، وتقدم القصيدة مطبوعة إلى مقر مجلس الشعر الشعبي الكائن في الموالح الشمالية بالقرب من الشؤون العامة التابعة لديوان البلاط السلطاني أو ترسل مطبوعة إلى صندوق بريد 280 الرمز البريدي 315 أو ترسل على البريد الألكتروني : majlesom@hotmail.com . علما بأن آخر موعد لتلقي القصائد المشاركة 15 أكتوبر 2011م . كما من المؤمل ان يقيم المجلس خلال الشهر الجاري أمسية شعرية بمناسبة 23 يوليو تقام في محافظة ظفار ، كما سيقام في شهر أغسطس ثلاث محاضرات عن الموروث الشعبي التقليدي يشارك فيها ثلاثة من المحاضرين ، كما ستقام في جلسة للشعراء الثلاثة الفائزين في الدورات الثلاث لمهرجان المجلس في شهر سبتمبر ، اما في شهر اكتوبر فستقام أمسية شعرية بمناسبة يوم المرأة يشارك فيها خمسة من الشاعرات ، كما ستقام أمسية شعرية بمناسبة العيد الوطني الحادي والاربعين المجيد وستقام في شهر نوفمبر المقبل ، قبيل ان يختم المجلس فعالياته للعام 2011 م بإقامة مهرجانه السنوي الرابع والذي سيشهد الإعلان عن نتائج مسابقته حيث سيتم تكريمة عشرة شعراء فائزين.




أعلى


 

استريد لندجرين.. كاتبة الأطفال التي ترجمت أعمالها إلى أكثر من ثمانين لغة

تقدم دولة السويد الآن جائزة سنوية قيمتها خمسة ملايين كرونة سويدية لأدب الأطفال، باسم الكاتبة السويدية الشهيرة في أدب الأطفال استريد لندجرين وكذلك وضعت صورتها على العملة النقدية الورقية. وقد ولدت في 14 نوفمبر عام 1907 من أبوين عملا في الزراعة، صموئيل أوغست أريكسون وأمها هانا، وتوفيت ظهيرة يوم الاثنين 28/1/2002 بهدوء بعد معاناة أمراض الكبر التي واكبتها أواخر سنيها في شقتها في العاصمة استكهولم وطلبت في كلماتها الأخيرة، حسب سكرتيرتها الشخصية التي أغمضت عينيها، أنها ترغب ان تدفن جنب والديها في قريتها الصغيرة نيس التي ولدت فيها قبل 94 عاما بالقرب من الساحل الشرقي إلى الجنوب من العاصمة في منطقة فيمربي، جنوب السويد، ولكنها دفنت في العاصمة بموكب مهيب حضره إلى جانب أهلها ومحبيها والسياسيين والكتاب أعضاء من العائلة الملكية.
أحبت الكاتبة الراحلة القراءة والكتابة منذ طفولتها وفي عتبات دراستها الأولية، وحين بلغت 13 عاما شاركت في مسابقة قصصية أعدتها الصحيفة المحلية لمقاطعتها وفازت بجائزتها، وبدأت في السابعة عشرة من عمرها العمل كصحافية في نفس الجريدة المحلية لمنطقة فيمربي، بينما نشرت عام 1944 أول كتاب لها، بعنوان: بريت ـ ماري تفتح قلبها. وفي نفس العام تعرضت لإصابة بقدمها وتمرضت ابنتها كارين التي كانت تطالبها بقصص جميلة جديدة، وروايات تحكيها لها، فبدأت كتابة قصتها الأشهر للأطفال، عن الصبية ذات الشعر الأحمر الملونة الضفائر والمرتدية جوارب طويلة ملونة أيضا، بيبي لونج سترومب، (بيبي صاحبة الجوارب الطويلة). وصفت استريد هذه المرحلة من حياتها بقولها: "عشت طفولة هانئة مع عائلتي، وكنت سعيدة أيضا في مدرستي، التي لم تبعد سوى ربع ساعة مشيا على الأقدام عن بيتنا في جادة بولربي، مثل بقية الأطفال في هذا الشارع بدأت طفولتنا وانتهت فجأة، لقد أصبحنا مع الزمن وبسرعة كبارا، فمنعنا من تلك الألعاب، التي منحتنا الفرحة، فرحة كالتي وصفتها في سلسلة قصص قرية بولربي.. لقد خرجنا وبلمح البصر إلى العالم الكبير، انتقلت إلى استكهولم، درست الإدارة فيها وعملت موظفة في أحد المكاتب، وبعد وقت قصير تزوجت وأنجبت طفلين، لارش وكارين، وهما من طلب مني سرد الحكايات، لقد حكيت لهما القصص لكني لم أكتبها".
حملت اسم مديرها ستور لندجرين عام 1931 لقبا لها بعد زواجها منه، وسبقها في الرحيل بفترة طويلة، عام 1954، وظلت تعيش في شقتهما في العاصمة من بعده.
حين نشرت قصة بيبي في كتاب عام 1947 ذاع صيتها بين القراء من العائلات والأطفال خاصة وخارج بلدها أيضا، وأثار نجاح القصة الاهتمام الكبير بكتابات استريد الجديدة من القصة والرواية والشعر الغنائي والمسرحيات، التي بلغت أكثر من ثمانية وثمانين عنوانا، وتم تحويل معظم الروايات والقصص منها إلى أفلام سينمائية مع ازدياد عروضها المسرحية والتمثيلية، وأخذت تترجم أعمالها إلى لغات اخرى. حيث ترجمت إلى أكثر من 80 لغة ووصلت مبيعاتها إلى أكثر من 100 مليون نسخة وأنتج من قصصها أكثر من 50 فيلما سينمائيا.
لم تبرح كتبها قائمة الكتب المفضلة في أسواق البيع، خاصة روايتها الشهيرة عن بيبي. وحازت جوائز كثيرة من بينها ميدالية اتش سي اندرسون عام 1958، ولكنها لم تفز بجائزة نوبل للآداب رغم ترشيحها لها من العديد من القراء والكتاب بالسويد، وتصويت أكثر من 7000 قارئ في استفتاء لصحيفة (افتون بلادت) السويدية لترشيحها عام 1999 مثلا. وبالرغم من أنها اشهر من غيرها في مواصفات الجائزة فلم ينزل عليها طائر الجائزة علما بأنها عدت من المرشحات لسنوات عدة وأنها أصبحت لسنوات اخرى ابرز الشخصيات الأدبية بالسويد والأدب الاسكندنافي المخصص للأطفال، ولكنها منحت في حياتها إضافة للميدالية المهمة لأدب الأطفال التي حصلت عليها شهادات تقديرية من جامعات متعددة تقييمية لأعمالها، كجامعتي ليسستر ببريطانيا ووارشو البولونية، وكذلك أطلق اسمها على حديقة حيوانات في قريتها جنوب السويد والتي يزورها سنويا، حسب إحصاءات الإدارة لها، حوالي 300000 زائر، وفي عام 1998 افتتح باسمها اكبر مستشفى للأطفال في شمال أوروبا ومكانه بالسويد. والعمل السياسي الداخلي لا يثير كتابا مثلها إلا أنها شاركت مرة عام 1976 بكتابة مقالة انتقدت فيها السياسة الضريبية وتمكنت من تغييرها بعد هذه المشاركة، حيث عدت المقالة مشاركة بارزة من شخصية أدبية مسموعة الصوت والتأثير في عالم الأدب والثقافة في الشأن الحكومي العام وعالم السياسة في البلاد، وفي نفس الوقت لم تأل جهدا في الحضور للفعاليات العامة التي تتوافق مع اهتماماتها ونشاطاتها الثقافية والاجتماعية ومن بينها الانتساب وتوجيه فعاليات الجمعيات التي تسهر على رعاية حقوق الطفولة وحماية الحيوان. ورغم أنها قد توقفت عن الكتابة منذ فترة حيث كان آخر إصداراتها عام 1987، إلا ان إعادة نشر ما أبدعته فاق التصورات ورسم آثاره في قلوب وعقول القراء صغارا وكبارا، في الكتب والسينما والمسرح والتلفزيون، فدخلت كل البيوت في بلدها وخارجه بقدراتها الإبداعية وتعبيراتها عن حياة الطفولة وأحلامها الثرية وهواجسها الإنسانية العامة وروح مغامراتها وتطلعاتها الطفولية إلى عوالم اخرى جديدة دائما وغير مسبوقة لها. وسجلت كتاباتها وأعمالها المسرحية والسينمائية في برامج المدارس والتربية والوعي الاجتماعي لأجيال من أبناء وبنات بلدها وجيرانهم الاسكندنافيين، وقد ظل أبطال قصصها: بيبي وإميل وكارلسون وميو وغيرهم أحياء يردد شخصياتهم الأطفال ويتغنون بأغنياتهم الجميلة وحركاتهم وتخيلاتهم البريئة.
عند نشر خبر وفاتها فتحت صحيفة (افتون بلادت) المسائية التي تصدر في العاصمة استكهولم صفحاتها لبريد القراء واستقبال التعازي، فبلغت مساء الاثنين، يوم رحيلها، وعند حدود الساعة الثامنة والنصف مساء أكثر من 2000 رسالة تعزية فقط. واشترك في تشييعها في اليوم التالي معظم واشهر الكتاب والفنانين والسياسيين وممثلو الحكومة والبرلمان والعائلة المالكة بالسويد ومن خارجها.
كان أدبها وإبداعها ملهم أجيال متعاقبة من القراء والمعجبين بها، كتبت الفنانة والمغنية السويدية (صوفيا) في تعزيتها ان أمها تربت على قصص استريد وهي كذلك والآن ابنتها تردد حكايات شخصياتها، ثلاثة أجيال عاشت مع إبداعات استريد، وتمنت لها نوما هادئا وسلاما أبديا. مثل هذا القول ذكره أكثر من كاتب وفنان أسهم في أعمالها ونما واشتهر بها.
كتب العديد من القراء والسياسيين ان استريد رحلت عن هذه الدنيا بجسدها إذ ان اسمها وشخصياتها التي أنتجتها ستظل خالدة في الذاكرة والوجدان. وهذه حقيقة ثابتة للمبدعين الصادقين مع أنفسهم والمخلصين لعملهم الذين لا يربحون في حياتهم المضنية والمتعبة في صنوف الكتابة والعمل الذهني، إلا ما يبقى لهم من الذكرى الجميلة وثمار الكلمة الطيبة والمؤثرة التي زرعوها في أعماق الناس.
لقد ترجمت قصص كثيرة لاستريد لندجرين إلى اللغة العربية، ومن بينها قصتها الأشهر بيبي لونج سترومب وعرضت في بعض مسارح الأطفال العربية بعض مسرحياتها، كما ان الجاليات العربية في اسكندنافيا تحضر أعمالها بلغتها الأم وبالتأكيد تحزن على فقدها رغم سنة الحياة وما يبقى هو كيف يجسد ما أرادت قوله للأجيال وما تمنت ان ترى فيه حياة الأطفال والناس بعد تلك السنوات الطوال التي عاشت. ماذا يمكن ان يستفاد من الأدب الإنساني للأطفال ومستقبل الأجيال وكيف تعوض الخسارات الكبيرة التي ذهبت مع الريح أو في عواصف الصحراء المتتالية؟!

كاظم الموسوي

أعلى



نافذة لغوية (25)
الصحافة وأمثالها في اللغة

عزيزي القارئ، تتّصف لغة العرب بغلبة القياس والاطّراد في صيغها ودلالات هذه الصيغ، فإذا أراد المشتغل باللغة أن يتفادى جملة الأخطاء يتعيّن عليه أن يتأمل مواضع تلك الصيغ من السياق وطبيعة الأداء الذي تؤديه، وبتكرار التأمل وإمعان النظر في وظيفة الصيغة وأشكال ورودها في النصوص يتكوّن عند المتتبِّع نوع من الألفة والإحساس اللغوي السليم بمواقع الكلام كما تألف أصابع الضارب بالآلة الكاتبة مواقع الحروف من غير النظر إليها. وعلى هذه الصورة من معاودة سماعك لألفاظ متشابهة في وزنها ووقعها تتمكَّن ـ شيئاً فشيئاً ـ من الربط بينها وبين ما تدلّ عليه في أكثر الحالات والأوضاع. من ذلك مثلاً لفظة الصِّحافة والكِتابة والزِراعة والنِّجارة والخِزانة والرِّعاية، فلهذه الألفاظ وأمثالها دلالة المهنة، أو فيها الدلالة على لون من ألوان الاختصاص في العمل، فإذا ما عرضت لك مهنة من هذه المهن، أو عَنَّ لك اختصاص يقرب في طبيعته منها، سارعت بلا كثير تردد إلى نطقه على هذا النحو والوزن. ومع ذلك فإنَّنا نسمع في كثير من الأحيان حديثاً يدور حول جهود الدولة في تحسين دور الحَضانة، أفليس ذلك النشاط مهنة كالرِّعاية والصِّحافة وسائر ما ذكرناه ؟!!! فإذا أخذنا بالقياس الذي يأنس إليه العقل قلنا: دور الحِضانة، وحتى لو كان الإنسان خاملاً لا همَّة له وعاطلاً من العمل فحاله تندرج تحت هذه التسميات فتأخذ زنة الصيغة نفسها، وأعني بذلك البِطالة، لا كما كنا نسمعها عادة في الأخبار البَطالة (بفتح الباء).
ويقع في كلام الناس أحياناً قولهم: الجَنَازة، والصَّواب أن نقول: الجِنازة (بكسر الجيم)، ففي معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (وقد جرى في أفواه العامَّة الجَنازة بنصب الجيم ـ أي بفتح الجيم ـ والنحارير ينكرونه ). ولهذا الوزن ضرب من المشاركة والتعاون في الدلالة العامة أيضاً كقولهم: الرِّفادة لما كانت تترافد به قريش، أي تتعاون بتقديمه من الطعام للحُجَّاج في الجاهلية. وكذلك قولهم: الرِّدافة، وهي أن يجلس الملك ويجلس الرِّدف عن يمينه، فإذا شرب الملك شرب الرِّدف، وإذا غزا الملك قعد الرِّدف في موضعه، فلما جاء الإسلام رغب عن هذه التسمية وارتضى لفظة الخِلافة عوضاً منها.
وتجيء هذه الصيغة في بعض الأحيان للدلالة على الآلة أو ما يشبه الآلة، يقولون من ذلك : الجِبارة، وهي العيدان التي تجبر بها العظام، والعِمامة التي تلاث حول الرأس، والضِّمادة للخِرْقَة التي يُلَفّ بها الجُرْح، وكذلك الغِفارة والعِمادة، والغِفارة تعني الرقعة التي تكون على الحزّ الذي يجري عليه الوتر. ومن هذه الصيغة قولهم: الرِّسالة والقِلادة والبِطاقة. قال الجوهري في صحاحه: (والبِطاقة (بالكسر) رُقيعة توضع في الثوب فيها رقم الثمن)، قيل سميت بذلك لأنها تشدّ بطاقة من هدب الثوب. كما تجيء هذه الصيغة للدلالة على الجمع كقولهم: الحِجارة : جمع الحجر، والمِهارة: جمع المَُهْر.. وإلى لقاء في نافذة لغوية متجددة بمشيئة الله.
د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير


أعلى


 

حين تحلق النوارس


على الشاطئ
وقبل الغروب
تحلق النوارس
وتفترش الرمل
وتسترخي
يسترخي البحر
يغني ياماله
وعند الغروب
يعود
تعود النوارس
على حافة
البحر
وقبل الرحيل
وأرقبها
لعل المساء
يحرضها
ونجوم
السماء
ولكن لا شيء
حولي مريب
فكل النساء
يعشقن لون
النوارس
حتى الأطفال
ونحن أيضا
حين تطير
تطير
وحين
تغيب
وللبحر
عشق
خرافي
يداعبه الموج
ليطلع
فينيق آخر
أو نوارس أخرى
قبل الرحيل
البعيد
القريب
البعيد.

* قصيدة من كتاب سوف يصدر للكاتب والشاعر قريبا


محمد الرحبي

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept