الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ

يتسم التاريخ العماني بتعدد عصوره وحقبه الزاخرة بالأحداث والتي تحولت مادة خصبة للباحثين والمؤرخين من العمانيين والعرب والأجانب. وقد صدر العديد من الدراسات التاريخية عن عمان تناولت التاريخ العماني منذ فجر التاريخ حتى العصور الحديثة. ومن بين تلك الدراسات التاريخية الهامة، دراسة للشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة الذي تتميز دراساته وبحوثه بالموضوعية والتجرد والاعتماد على الوثائق والمصادر التاريخية الموثقة.
ومن بين دراساته التاريخية الهامة عن تاريخ عمان كتابه "تقسيم الإمبراطورية العمانية (1156 ـ 1862)" الذي اعتمد فيه على مركز وثائق مومباي والمكتبة الهندية في لندن ومركز وثائق زنجبار الوطني ومتحف بيبودي بأميركا وقسم وثائق الخارجية الفرنسية وغيرها من المصادر التاريخية الموثقة، في محاولة منه لاستجلاء الصفحات الغامضة من تاريخ عمان ومنطقة الخليج.
وفي هذا العدد من "أشرعة" يقدم الكاتب سالم الغيلانى من خلال زاوية "صفحات من التاريخ العماني" عرضا للكتاب الذي يتناول تاريخ زنجبار والسواحل، والخلافات بين الإمام سعيد وحملة السيد ثوينى على زنجبار والخلاف بين السيد ماجد والسيد برغش، وبعثة تقصي الحقائق، وقرار التقسيم وابتلاع أركان الإمبراطورية العمانية واستيلاء القوى الأجنبية على جميع الأراضي التي كانت تابعة للإمبراطورية العمانية على الساحل الشرقي لأفريقيا وجعلت من زنجبار محمية خاصة لهم.
الفنان عبدالكريم الميمني لا يزال يواصل حديثه حول المدارس الفنية الإسلامية التي كان لها الفضل في وضع بصمة مميزة في خارطة الفن وتراثه العالمي، حيث كان للفنان المسلم اليد الطولى في تقديم فكره وإبداعه الفني الخاص المستمد من القيم الأخلاقية والفضائل والوجدانيات، فالفنان المسلم مثلما هو معروف عنه أنه يتمتع بحس وذهن صاف مستمد من نور الإسلام وسماحته وتنظيمه لجميع مظاهر الحياة، وهذه الصفة تساعده إلى حد كبير في تذوق الجمال وتقييمه، لأن الجمال مجاله الحس غير أن الذهن يشترك معه لتقويم الجمال ويضع له معايير متناغمة مع المظاهر الجمالية للكون تكمن في الدقة والتوازن والترابط، وهذا الأمر تميز به الفنان المسلم وسخره في أعماله الفنية التي لا تتعارض مع أهداف العقيدة وأهداف المجتمع الإسلامي الفاضلة في جميع مجالاتها.
الجمع بين الجانبين الأكاديمي والعلمي هو العنوان الأبرز في تجربة الباحث المغربي الدكتور عبد الرحمن بن زيدان الذي توج معارفه بنيل دكتوراة في "إشكالية المنهج في النقد المسرحي العربي"، لينتقل إلى الحياة العملية فأنتج عددا من المؤلفات الخاصة بالمسرح في المغرب مثل "من قضايا المسرح المغربي .. المقاومة في المسرح المغربي" وغيرها، كما اهتم بالمسرح العربي فكتب "أسئلة المسرح العربي .. قضايا التنظير في المسرح العربي من البداية إلى الامتداد .. إشكالية المنهج في النقد المسرحي العربي .. المسرح في مجلس التعاون الخليجي .. رهانات المسرح المصري المعنى والسؤال" وغيرها.
وللحديث حول المسرح في المغرب وخصوصيته، التقى مراسل "الوطن" في دمشق وحيد تاجا، الدكتور عبد الرحمن بن زيدان.
ويتميز العدد الجديد من "أشرعة" بالتنوع في طرح القضايا الثقافية والفنية الهامة على الأصعدة المحلية والإقليمية والعربية والعالمية.

المحرر


أعلى





عندما يكون "الوقار" عيبًا!

من المثير أن نتابع عرضًا يكشف العلاقات الاجتماعية في المجتمع الخليجي من خلال تسليط الضوء على عقوق الأبناء وتنكرهم من مسؤولية الاهتمام بوالديهم في كبرهما، ثم يأتي "الحفيد" ليقوم بأداء الواجب الذي تجاهله "الأب" نحو والديه!.. هذا ما حصل في العرض الإماراتي (عار الوقار) لفرقة مسرح دبا الحصن بالتعاون مع مجموعة مسارح الشارقة، وهو من تأليف وإخراج الفنان عبدالله زيد.
طرح عرض مسرحية (عار الوقار) الإماراتي قضية اجتماعية غاية في الأهمية من خلال سرد قصة الابن العاق لأبيه، في حين كان الحفيد بارًا بجده، عكس أبيه الذي ألهته مشاغل الحياة!... واستطاع المؤلف والمخرج عبد الله زيد أن يوظف هذه المفارقة في ثنايا العرض المسرحي، الذي انتقد بعض الأوضاع التي تعيشها الأسرة الخليجية في ضوء المتغيرات المعاصرة، بغية تعريف المشاهد بحقيقة ما يدور حوله من متغيرات أثرت على الفرد والمجتمع، نتيجة الطفرة البترولية عقب السبعينيات القرن المنصرم.
حرص المخرج زيد على تطويق العرض بروح الواقع الخليجي، وجعل شخصية "الجد" التي تمثل الماضي، تعيش في منزل (أثري قديم) رصد في أدق تفاصيله ذكرياته وآهاته وأحلامه التي ضاعت بموت زوجته، وخروج أبنائه بعد زواجهم واستقلالهم بعيدا عنه. ونتيجة لذلك، عاش الأب الكبير السن المشلول صراعًا مع العزلة القسرية التي فرضت عليه، ولم يجد من يؤنسه سوى الاستماع إلى المذياع، الذي كان بمثابة قناة الاتصال ما يدور حوله، لذا نجده يخاطب الجدران كما لا يجد حرجًا في التحدث مع نفسه!
وهذا ما جعل "الجدران" في هذا العرض بمثابة الحاجز الذي رسمه المخرج والمؤلف، بغية محاصرة شخصيتي "الجد، الحفيد" ضمن نطاق زماني ومكاني واحد.. وهذا أكد فكرة أن التطور الذي لحق بالمجتمعات الخليجية، كان سببًا في إيجاد فجوة حقيقية، حالت دون التواصل بين الأجيال المختلفة.
إن المتابع لسيمياء العرض (عار الوقار) بما فيها من كلمات وصور وأصوات وإيماءات وأشياء مادية ظاهرة على الركح، يدرك بأنه أمام عرض يتضمن أيقونات ودلالات ثرية، جعلت من موضوعه مثارًا للجدل والنقاش.. فمنذ البداية يظهر "الديكور" التراثي المستوحى من البيئة المحلية؛ ويمكن أن نلمس ذلك من خلال الحصير، الوسادة، المروحة اليدوية والفراش... كما أن العرض لم يغفل "البيئة الساحلية" التي غالبًا ما تؤطر الأعمال الدرامية الخليجية، والتي تشكل البيئة الأصيلة التي لازمت الإنسان في حله وترحاله، فنجد هناك شباك الصيد "الليخ" التي كانت يستخدمها "الجد" في رحلاته البحرية، والتي حملت معها ذكريات الإبحار والصبا والأصحاب الذين فقدهم الجد واحد تلو الآخر.
واستطاع الفنان عبدالله زيد الذي قام بدور الجد أن يشعرنا بواقع الأب الأليم الذي خذله أبناؤه، ويشاء القدر أن يجمعه بأحد أحفاده بعد ذلك، وقام بدور الحفيد الفنان الصغير أحمد الجرن ، الذي كان يتمتع بموهبة استثنائية، جعلت المتابعين للعرض ينبهرون بقدراته التي يمتلكها، والتي جعلته في مصاف الفنانين المحترفين، وهو لا يزال طفلا صغيرًا لم يتجاوز عشر سنين!
كما أصر مؤلف ومخرج العمل على تضخيم معاناة الشخصيات وجعل الجمهور يتعاطف معها، وخاصة عندما جعل (الجد ،الابن) يكونان رهيني المحبسين؛ الجدران والتفكك الأسري وعقوق الوالدين...وفي البداية يكون الحصار على الشخصيتين نفسيًّا، حيث يشعر الجد بأنه سجين الجدران فلا احد يذكره، بينما الابن يشعر بنفس الإحساس فوالده مشغول جدًا وغائب عنه معظم الوقت، رغم أنه لم يقصر ماديًّا معه.
برزت "الرؤية الإخراجية" للمخرج المؤلف في أكثر من موقف درامي، ما جعل المشاهد يشعر بأن منزل الجد عبارة عن "معمل مسرحي" اشتغل المخرج فيه على حلقات ودوائر متعددة منها على مستوى الحدث الدرامي الذي كان يصدم المشاهد بحقيقة ما يدور حوله من أحداث خارجية. ومنها على مستوى الصراع فقد كان عبارة عن صراع فكري وقيمي (أيديولوجي)، أكد فكرة بهتان وضياع القيم الأصيلة التي كان يتمتع المجتمع الخليجي فيها، والتي قاربت على الاندثار!
أما على مستوى التمثيل، فقد استطاع الطفل الموهبة أحمد الجرن أن يفرض حضورًا ارتقى بمستوى العرض المقدم، ولم يفلت الإيقاع العام منه رغم صغر سنه... كذلك برزت مقدرة المخرج زيد في تقسيم خشبة المسرح إلى عدة مستويات؛ المستوى الأيمن، حيث الجد في وضعه الواقعي ولقائه بالحفيد في بداية العرض، واتسام الحدث بنوع من الكوميديا الخفيفة التي تدرجت عبر الفصول المتعاقبة، لتصبح بسبب الأحداث المبكية المضحكة في النهاية قاتمة أقرب إلى الكوميديا السوداء.. فيما شكل الجانب الأيسر في بدايته "الماضي" الذي ينقلنا إلى عالم شباك الصيد والسفن والصيادين، وكل ما يتعلق بذكريات الجد القديمة التي تربطه بأيام الصبا.. فيما شكل أقصى اليسار من خشبة المسرح، حصارًا حقيقيًّا حد من حرية الشخصيات من خلال "الباب" الذي ظل موصدًا طيلة العرض، نتيجة ضياع المفاتيح، التي ضاعت معها أحلام العجوز والطفل.. حيث كان الجميع ينتظر الخلاص.. ولكن ساعة الزمن أعلنت انتهاء عمر الجد، بينما حفيده لم يستطع مساعدته في ظل غياب الأب وانشغاله عن أبيه المشلول!
هكذا أصبح حال الواقع المعاصر الذي ضاعت عنه مفاتيح السعادة بضياع المبادئ والقيم بين الناس، وأصبحت العلاقات الاجتماعية مبنية على المصالح الذاتية للأفراد.. ولم نعد خير خلف لخير سلف للأسف!
* عزة القصابي
* ناقدة مسرحية


 

أعلى






بقايا فتات

تمنت مريم في تلك اللحظات أن تعود السنوات إلى الخلف لعلها تستطيع أن تغير شيئا من واقعها الذي تعيشه في تلك اللحظات أيضا أمسكت ببطاقة القوى العاملة بين يديها تذكر الحزن الكبير الذي طغى عليها حين ردت بنفي كبير عن عملها وعن المؤهلات الدراسية التي تملكها لم تكن في الواقع تملك سوى شهادة ثانوية بدرجات متواضعة في القسم الأدبي وذكريات متناثرة عن صداع ألم بها في السنة الأخيرة والذي كان ـ في نظرها ـ السبب الرئيسي لعدم حصولها على مجموع يؤهلها لدخول احدى الكليات، كما أن الحالة المادية المتدنية لعائلتها أجبرها على الجلوس في المنزل.
رغبة مريم الكبيرة بالعمل، وتأخر وصول الزوج الذي سينتشلها من روتين الحياة الرتيبة إلى عالم آخر فيه شيء من الحركة دفعها للعمل في محل لبيع المواد الغذائية، كان المحل بسيطا يحوي كما كبيرا من الغبار وكما آخر من المواد غير المرتبة ، الترتيب أعاد مريم إلى ثلاث سنوات للخلف حين رفعت معلمة اللغة العربية دفتر فاطمة ابنة جيرانهم ووصفته بالدفتر المرتب والمثالي ولم يخب ظن المعلمة والناس بعد أن حصلت فاطمة على درجات عالية ووظيفة جيدة وسيارة جديدة.
رتبت مريم الأغراض بسرعة كانت قد فكرت بأنها ستجمع المبلغ الذي ستحصل عليه من الدكان لتشتري مجموعة من الملابس لتبدأ تجارة أخرى أو لعلها ستشتري رؤوسا من الغنم ومجموعة من الدجاج لتتكاثر ومن ثم تبيعها بأسعار مناسبة.
نفضت مريم الغبار الذي أشعرها بحكة وأثار حساسية أنفها المستمرة عطست لمرتين متتاليتين رأت وجوه الصغار التي ازدحمت في الدكان، كانت قد صفت مجموعة كبيرة من الحلويات المختلفة والجميلة في مقدمة الطاولة لجذب الأطفال، رأت عيون الأطفال المعلقة بكل شيء كعيونها التي تعلقت بالطعام الدائم في أيدي أبناء خالها، كانت تعشق السمبوسة والكيك وكل ما يمسكه ابن خالها حمد لكنه امتنع عن تقديم كل شيء حتى في زواجه اختار فتاة أخرى وتركها بعد أن حلمت ليلتين متتاليتين بأنه لها وهي له واضطرت أن تجمع فتات ما يسقط من يده هناك وأن تلم هنا شتات قلبها الذي راهن على حلم لن يتحقق.
حين قابلها وجه الطفل الصغير الذي نادى بطلب الآيس الكريم الذي لم تصل إليه يداه شمت فيه رائحة حمد، تفرست في ملامحه كان يحمل عيونا جميلة وبشرة بيضاء أحست بحرارة تغلف يدها رغم برودة الآيس كريم في الثلاجة، سقوط الآيس كريم من يدها تبعه التفاتة إلى بقية الأطفال يد الطفل النحيل الذي يرتدي فانيلة حمراء متسخة كانت تمتد إلى الحلوى المصفوفة وكان جيب بنطاله منتفخا بشكل غريب، فهمت الموضوع بسرعة لا سيما بعد أن لمحت حالة التوجس التي انتابت الطفل، ابتسمت له أفرغت جيوبه من الحلوى وحين لم تجد في يديه سوى العرق والتعب وضعت كمية من الحلوى في يديه.
الحلوى تلك الكلمة التي أتعبت مريم طويلا حين كانت تشاهدها في برامج التلفاز أو في يد حمد، لم تكن تملك سوى ثلاثة أثواب بالية لكنها كانت تحب الفستان الأصفر المنقط بنقاط سوداء لعل هذا الحب يرجع إلى الجيب الكبير الذي يحويه تعترف بأنه اكتظ بكميات كبيرة من الحلوى واللبان وأشياء أخرى تضعها حين تلمح عين بابوه غافلة لكنها لم تستطع الاستمرار بعد أن لمح بابوه الانتفاخ وسقطت قطعة حلوى معلنة فضيحة جديدة ، لم تسمع حينها سوى صراخ بابوه وضحكة حمد الطويلة وسقوط دمعة من عينها لضياع قدرتها الحصول على طعام آخر بدون جهد.
ورغم هذا لم يمد حمد يده إلى يدها ولم يهتم بأنها عادت لتشتري بالخمسين بيسة دون أن تدخل إلى الدكان لأن بابوه لم يسمح لها بذلك كما أنها عادت إلى جمع فتات الطعام الكبير الذي يتساقط من يد حمد في الحوش الكبير .
فتحت مريم دفتر الحسابات نظرت إلى قائمة الأشياء التي اشترتها: "مياه غازية / آيس كريم/ جبز وجبن / مجموعة من البطاطس".
قررت أن تخفض من كمية الطعام الذي ستتناوله لأنه سيقلل من راتبها الذي يبلغ 120 ريالا، دخول مجموعة جديدة من الأطفال أعادها إلى الدكان، كانت أيديهم فارغة من كل شيء، حاولت صرفهم لكن البكاء والنحيب استمرا طويلا، ولكن الأكبر سنا حدثها بأنه سيجلب النقود حين يعود والده من العمل، لم تستطع أن تقدم لهم شيئا قادتهم إلى الباب لكن صوت البكاء لم يقطع من أذنها، البكاء كان أيضا محورا أساسيا في حياتها بكت حين لم تحصل على نسبة عالية، بكت حين ماتت قطتها الصغيرة، بكت حين تزوج حمد وبكت حين رأت فاطمة تشتري سيارة جديدة.
عادت إلى تنظيم الأغراض التي تبعثرت بفعل الأيدي والتدافع أحست بجوع حاولت مقاومته أشعلت جهاز المسجل كانت تستمع إلى بعض الأغاني، انسجمت مع الإيقاع والنغم الصادر رفعت من صوت المسجل، لكن وجه الحاج ناصر دفعها إلى إغلاقه بشكل سريع، كان مؤذن القرية وإمامها في نفس الوقت، بالكاد التقطت مريم صوت سلامه المنخفض، جاب في الدكان دون أن يسأل عن شيء نظر نحوها انتظرته ليلقي محاضرة عن عمل المرأة والرجال الأجانب ، لكنه خرج دون أن يشتري أو يتحدث بكلمة تبعته مريم ببصرها حتى تلاشى جسده تعترف مريم أنها لم تشعر بالراحة لوجوده خاصة أن هيئته ذكرتها بجارهم المرحوم الحاج مبارك الذي نهرها على كل شيء على بضع شعيرات خرجت من تحت شيلتها الطويلة أو ضحكة فرت من حلقها أو صوت عال صدر منها، وكان يكرر دائما :
ـ عيب يابنتي !
كان يمثل لها قيدا ثقيلا لكنه تعترف أنها بكت طويلا حين حُملت جنازته ولعلها الآن أيضا تربط بين كلماته وبين عدم تقدم حمد لها.
أمسكت مريم المجلة الموضوعة على الطاولة المجاورة لها، لم تكن تهتم سوى بالمواضيع الخاصة بالفنانين والأزياء والطبخ ، صوت حافلة الخبز أجبرها على ترك المجلة كانت تنادي صاحب الخبز بالكمية المطلوبة حين دخل سلوم المجنون كان يلعب بالأغراض وينتقي أشياء كثيرة نظرت إلى المائة بيسة في يده اختارت له آيس كريم بطعم التوت ، تناوله بسرعة كان يبحث في قعره عن اللبانة الملونة التي تلتصق بآخره أسقط الآيس كريم على الأرض ، شعرت مريم بالغضب حاولت طرده لكنها توقفت لتستلم الخبز ولتنظر إلى سلوم الذي جمع الايس كريم بيديه المتسختين وتناوله دفعة واحدة.
أخرجت قطعة القماش وبللتها بالماء ومسحت بقعة الآيس كريم من على البلاط كان صوت سلوم يصدر متقطعا وهي يمسك بعصا ويتحرك بحركات دائرية ويصدر أصواتا متتابعة كأنه يسوق سيارة ضحكت في سرها حين شاهدته متحمسا في حركاته وطريقة عمله فكرت مريم أن تتعلم السياقة بعد أن تجمع مبلغا يكفيها لتتدرب ومن ثم تشتري سيارة مستعملة تصلح لمشاويرها ومشاوير عائلتها شعرت مريم بسعادة حين وصلت إلى هذه النقطة في التفكير وضعت قطعة القماش في مكانها أخافها صوت الصرير الغريب الذي صدر من خلفها نظرت إلى الخلف بتوجس لمحت فأرا من النوع الكبير كانت شواربه تتحرك بعشوائية طالما كرهت مريم الفئران لاسيما بعد أن شبه حمد نفسه بفأر كبير وعضها من يدها بصورة مؤلمة وأسال دمها كما أنه جلب فأرا آخر من البلاستيك ورماه فوقها وجعلها تصرخ لثلاث ليال متتالية، كان الخوف ثوبا فضفاضا ترتديه مريم في تلك اللحظات، حاولت الابتعاد عنه بقدر الاستطاعة فكرت باللوح الذي ستضع عليه كمية من الطعام وكمية أكبر من الغراء الذي سيمسك بالفأر، نفذت فكرتها بسرعة ووضعته بجانب الشق الذي خرج منه الفأر وابتعدت قدر الإمكان عن مكانه.
تناست العمل الكبير الذي قامت به بصوت الجلبة الذي صنعه الأطفال الداخلين وقدوم الخالة صالحة التي طلبت زيتا ودجاجتين وبعض البهارات وطلبت في الوقت نفسه أن تسجل كافة الأغراض على حسابها تخلصت من مشاكسة الأطفال الآخرين بصعوبة وأجبرتهم أن يشتروا طعاما يتناسب مع المبلغ الذي أحضروه وصرفتهم من الدكان.
فتحت مريم دفتر الحسابات كانت تنظر إلى الرسوم التي تزين أوراقه والمسح والإضافة الذي اكتظ بشكل وصور مختلفة أضافت الأغراض إلى قائمة الحساب بصمت. كان الغبار ما زال ملتصقا في زوايا كثيرة شعرت بعدم رغبتها في تنظيف شيء، جلست على الكرسي الخشبي تنظر إلى الخارج فكرت بأن تربية الدجاج أكثر فائدة ومكسبا لاسيما أنها لن تشعر بهذا الملل والارتباط الثقيل .
لم تسمع وقع خطوات سيره إلا بعد أن دخل إلى الدكان كان عيسى ابن جيرانهم الشاب الوسيم الذي يملك سيارة جديدة ، نظرت مريم إلى صورته كان طويلا ولبقا يتفوق على ابن خالها حمد تمنت في نفسها وهي تضع مجموعة من المشروبات الغازية في كيس أن يكون قد رأى صورتها ولعله سيعجب بها وسيتقدم لطلب يدها وعندها فقط ستترك المحل لأنه لن يرض أن تعمل زوجته في أي محل. تبعته بنظرها لكن الضوضاء التي رافقت ظهور مجموعة من الفتيان أربكها كانت تنظر إلى يد كل واحد منهم بكل حذر، كانوا يتحدثون بصوت واحد وضحكة واحدة، حاولت مريم أن تركز على يد كل واحد ، لكن أطولهم قائمة أشار إلى بيده إلى الصف العلوي ليسأل عن ثمن علبة الحلوى في الأعلى استدارت بسرعة لتخبره بثمنها لاحظت وجود أياد كثيرة امتدت، أوقفتهم مريم كانوا يحاولون الانصراف ويحلفون بأغلظ الأيمان بأنهم لم يأخذوا شيئا ، صرخت مريم في وجوههم بأنها تريد تفتيش كل فرد منه وصرخوا فيها بأن دكانها مهمل وقذر ولا يوجد فيه ما يستحق السرقة، اندفاع مريم القوي أنساها الغراء الثقيل الذي وضعته بجانب الشق الأيسر، شعرت بثقل في حركتها وانتابتها حالة من الخوف والغضب حين سمعت ضحكات الفتيان المرتفعة والتي أنستها كل شيء ما عدا أن عليها أن تتخلص من الغراء الذي التصق بثوبها كانت تحاول إزالته شعرت بالكره تجاه الجميع الدكان وحمد والأطفال والفأر.
نظرت إلى الخارج كانت تفكر في مشروع تربية الدجاج أو مشروع تعلم الخياطة لعلها تصبح قادرة على شراء سيارة جديدة ولتنس في الوقت نفسه كل الفتات الذي بقى عالقا طويلا في ذاكرتها.
أمل المغيزوي



أعلى





استعراض بعض القصائد المشاركة في مسابقة الملتقى الأدبي الـ"17" بنزوى

مقدمة
ما الشعر؟ وكيف نستطيع القبض عليه وهو كالماء؟ طعمه الحب ولونه السماء ورائحته الأرض، يغيب فيحضر سرابه، ويحضر فتغيب صورته، نبحث عنه فلا نجده إلا في وجداننا، منزويا في أعماقنا، مستسلما لخدر الروح، لا تفضحه سوى العاطفة ولا تتعرف عليه سوى القلوب المبصرة.
هكذا مر الشعرُ في ردهات القصائد المشاركة في الملتقى الأدبي الـ(17) بنزوى، متخفيا في صورة شعرية بإحدى الأبيات أو متبيّنا في عبارة شعرية أخرى. ومن الصعوبة أن نرصد حركته المتسارعة أو المتباطئة بدون متابعة متأنية ودقيقة وقراءة متمهلة للقصائد المشاركة. وهذا ما أحاول أن أقدمه للقارئ الكريم خلال هذه القراءة التي تفسّر الأسباب التي من أجلها تقدمت قصائد على قصائد أخرى في الترتيب النهائي بالمسابقة. كما ألفت انتباه القارئ العزيز بأن القراءة ستستعرض سبع قصائد من أصل ست عشرة قصيدة. بينما سيتناول الشاعر خالد بن نصيب العريمي القصائد الأخرى والعريمي كان عضوا في لجنة تحكيم الشعر الشعبي حيث اتفقنا على توزيع القصائد ما بيننا وعلى نشرها منفصلة، حتى نضمن شموليتها وتركيزها في بعض المحاور المهمة.
تشتمل هذه القراءة على القصائد الفائزة بالمراكز الأول (مدى) والثاني (توبة) والثالث (تميمة)، والقصائد التي لم يكن لها نصيب في المراكز الخمسة الأولى وهي (صدى من قصر المتوني، ثامنها، رسالة عريس، شلة العربان). وإن كانت المساحة لنشر القصائد كاملة للقارئ غير كافية إلا أن القراءة ستتضمن أكثر عدد ممكن من الأمثلة لنستشهد بها في المكان المناسب، وسنبدأ أولا بالقصائد المتميزة التي تأخرت في الترتيب النهائي، لاستيضاح سبب التقهقر، مع ذكر الجماليات التي تضمنتها.
1- (صدى من قصر المتوني) للشاعر عبدالعزيز العميري
موضوع القصيدة يتحدث عن ذكريات قصر المتوني الذي بناه السيد سعيد بن سلطان ومدى ارتباطه بوجدان الانسان العماني. فالشاعر يتحدث بحنين غامر عن هذا القصر المرتبط في وجدانه بالحضارة العمانية منذ مجان، حيث يخاطب في قصيدته بشكل مباشر قصر المتوني ومجان، وبشكل غير مباشر يخاطب الإنسان العماني. والقصيدة تظهر موهبة شعرية تتكئ على الخيال المحض وقد نجح الشاعر في بعض الأحيان بخلق صورة شعرية مدهشة كما في هذه الأبيات (طحت من فم الزمان، أضرب بالسؤال المرَّ بيبان الجراح، للمتوني طوب يصْرخ كلَّ ما هزَّه حنين، فزَّ رمل الأرض يتوضأ / الجباه، كم زرعْنا الظلَّ نصْطاد الغمام) إن براعة الشاعر الذهنية وثقته بإمكاناته اللغوية تسببت في الكثير من العيوب الفنية ومنها صياغة الصور الشعرية المبهمة والتي لا تقود لمعنى شعري يخدم القصيدة كما هذه الصورة (عقدها المجموع من شمس السنين، انقطع بيد الزمان، وألف عام تناثرت وأنا وحيد، أجمع الأعوام من تحت الخريف) في العبارة السابقة فإن الشاعر يستذكر حضارة مجان التي يتشكل عقدها من شمس السنين ولكن هذا العقد انقطع بيد الزمان وتناثرت منه ألف سنة وهي الفترة التي حكم فيها العمانيون زنجبار. وفي الجملة الأخيرة فإن الشاعر يحاول أن يجمع الأعوام المتناثرة ليعيدها إلى العقد، وهو يجمعها من تحت الخريف!!. لاشك أن تفسير الشعر بهذه الطريقة يقتل جمالية الغموض الشعري ولكنه يعرفنا على أسلوب الشاعر في تركيب صوره الشعرية، فهو يبالغ في إكمال أجزاء الصورة حتى ينزلق باستخدام مفردات بدون روح مثل (المجموع، أجمع) أو يبتكر صورة لا تؤدي لمعنى نستطيع تأويله مثل (أجمع الأوراق من تحت الخريف)، فالخريف رمز للموت والأفول والسقوط والانتهاء، والخريف هو من تسبب في سقوط الأوراق التي ترمز إلى الأعوام المتناثرة، إن المتلقي يستطيع تخيل الشاعر وهو يجمع الأوراق الساقطة في فصل الخريف من تحت الشجر هذا المعنى يحتوى على معنى المعنى وهو المعنى النفسي الذي يقصده الشاعر حيث يحاول بقصيدته أن يجمع تاريخ زنجبار بعظمته وشموخه وكبريائه غير أن عبارة من تحت الخريف لم تكن ناجحة، فلا يحيلنا رمز الخريف كما جاء في العبارة الأخيرة إلى معنى رمزي ولا إلى معنى نفسي بل إن المتلقي تصيبه الحيرة، فكيف له أن يتصور أن الشاعر يجمع الأوراق من تحت السقوط والانتهاء والأفول. ومن الصور المتكلفة التي يبالغ الشاعر في تركيبها هذه العبارة (صرنا نبيع الحزن في سوق السنين)، فبرغم براعة الاستعارة في عبارة (صرنا نبيع الحزن) غير أن محاولة الشاعر لإقناع المتلقي بواقيعة الصورة مزعج فحينما يقول (في سوق السنين) لا تستحسنها النفس، فالمتلقي يعلم بأن الحزن لا يباع حقيقة ولكن الشاعر يحاول إقناعه بصورته الشعرية حينما يكمل بأن هذا البيع يتم في السوق. وكأنه سلعة حقيقة. إن الاشتغال الفكري الذي حرص عليه الشاعر في كتابة قصيدته قاد القصيدة إلى الكثير من المزالق الفنية ووضح في بعض العبارات تعمده استخدام الجناس بدون ضرورة فنية فجاءت العبارة شكلية كما في هذه الفقرة (يالصواري قبل ما تنبت كفوف من الوداع، غني اليامال وامجادك شراع ، البحر سفره سعيده , والهوا ربي يزيده، وتهتفيني وْتهت/فيني) ويبدو التكلف واضحا في العبارة الاخيرة (تهتفيني..وتهت/فيني) فقد أدخلها الشاعر بطريقة مربكة وليس لها من مبرر سوى الجناس من أجل الجناس فقط. وإن اُعتبرت العيوب بسيطة وبإمكان لجنة التحكيم التجاوز عنها بفضل فكرة القصيدة إلا أن التكرار الذي وقعت فيه القصيدة كان هو الثقل الذي قسم ظهرها وأبعدها عن المراكز الخمسة الأولى وليس من سبب لهذا التكرار سوى دوران الشاعر حول نفس المعنى، فذهن الشاعر لم ينتقل إلى معان متجددة بل بقى ثابتا حول فكرة واحدة ولو حصرنا العبارات المتكررة في القصيدة سنتأكد من ذلك، فمثلا السنين تكررت في هذه العبارات (أتوكأ السنين، توديع السنين، شمس السنين، سوق السنين)، بينما تكررت مفردة الأعوام في هذه الفقرات(وألف عام تناثرت، أجمع الأعوام، عامٍ بعد عام) ووردت مفردة الزمان التي تؤدي لنفس معنى السنين والأعوام في هذه الفقرات (فم الزمان، انقطع بيد الزمان، وكم نحتنا في الزمن) بينما تكررت لفظة حزن أو أحزان تسع مرات ( أحزان المكان، يا حزن من علم الشطآن، كل شي بعدك حزين، نفضح حزننا، صرنا نبيع الحزن، نشطب الاحزان، وافيٍ للحزن، وما سألت الحزن). لاشك أن العميري من أميز الشعراء الشباب وقد فاز بالكثير من الجوائز الشعرية وله مستقبل كبير في تاريخ الشعر الشعبي العماني، وكلي ثقة بأن عدم فوز قصيدته بأي مركز متقدم في صالح تجربته الشعرية، التي نتفاءل بها.
2- (ثامنها) للشاعر فيصل الفارسي
بشكل جديد كتب الفارسي قصيدته التي أراد لها أن تكون ثامن المعلقات الشعرية، وقد وزعها على سبع فقرات بحيث تكون قصيدته هي الثامنة، وقد استهل الفقرة الأولى ببيت من معلقة إمرئ القيس (قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل) وقام بمعارضة البيت ليفتح لخياله نافذة القصيدة فبدأ بعبارة : (ما وقفنا) وقد استهل الفقرة بهذه الجملة : (من زمان الشاعر الضلّيل لين معانق عذوق النخيل ونغمة أجراس الأماني وانسكاب الفين صبح بألف ليل .. وما قفنا) القصيدة تتسم بالروح الوطنية في معظم فقراتها ولكن في الفقرة الأولى والسادسة تكون أكثر حضورا ووضوحا.. وقد ضمن الشاعر بطريقة ذكية (فن العازي في الفقرة السادسة وتوفق في معظم الأبيات التي صاغها في هذه الفقرة تحديدا.. تميزت لغة القصيدة بالتكثيف وبالعمق، ووصلت أحيانا إلى درجة الإيغال في الغموض والتكلف سببه انقياد الشاعر التام لإيقاع القصيدة (فاعلاتن). ومن الفقرات المكثفة التي ترابطت صورها وتوالدت معانيها من رحم الصور الشعرية الفاتنة نقرأ هذه الجملة:( من بدينا نعلق أجنحة الحمام بصارية عشق الغمام وننصب أعلام الحضارة في المنارات السحيقة لين ما شقت عزايمنا ثياب المجد في جنح السكوت، ولين لين .. ولين لين وما وقفنا)... اولا نلاحظ اعتماد الشاعر على الجملة الشعرية التامة فهو لا يوزع عباراته على الأسطر بل يكتبها متواصلة حتى ينتهي المعنى تماما، كما نلاحظ اعتماد الشاعر كليا على الاستعارات والصور الجزئية البسيطة، ومن اللافت في هذه الفقرة تحديدا وجود خيط رفيع يربط الصور ببعضها البعض، علما أن بعض الفقرات افتقرت لمثل هذا الربط. إن القراءة السريعة للفقرة السابقة ستكون مجحفة وظالمة ولن تخرج بمعنى شعري لذا علينا أن نستكشف طبيعة الرموز التي وظفها الشاعر لتورية أفكاره، فلغته الرمزية تحيل إلى معان يشترك معظمنا في استخدامها، فمثلا: الحمام يرمز للسلام، الصارية للعلو والشموخ، المنارات السحقية ترمز للمناطق البعيدة وهكذا،، وكأن الشاعر يقول إن العمانيين ما توقفوا عن نشر السلام والمحبة والسفر لأقاصي الأرض لنشر حضارتهم وثقافتهم، وهذا المعنى يواري معنى آخر وهو استدعاء الامبراطورية العمانية التي توسعت في شرق أفريقيا وكان لها مجدها التاريخي. إن التناسق والتناغم بين اللغة الرمزية والمعنى العميق الممتع قد اصطدم فجأة بعبارة كسرت الرتم التصاعدي للقصيدة، وهي: (لين ما شقت عزايمنا ثياب المجد في جنح السكوت) عند تحليلنا للعبارة الأخيرة سنكتشف معنى يضعف المعاني السابقة ويشوه الصورة الشعرية : فمفردة لين تفيد لحظة الانتقال (من و إلى) أي الانتقال من مرحلة التوسع ونشر الحضارة إلى مرحلة أخرى ولكنها غير واضحة فالشاعر يتحدث عن مرحلة أن العزيمة تشق ثياب المجد في جنح السكوت. والطبيعي الذي ننتظره أن العزيمة تشق ثياب الذل أو الخنوع وليس ثياب المجد، فثياب المجد رمز للكبرياء والشموخ والانتصار فكيف لها أن تتمزق بعزائم الرجال التواقون للمجد. إن ثياب المجد هي الغاية والهدف اللذان يجب أن تصل إليهما خاتمة الجملة الشعرية.. لقد نسف الشاعر أفكاره الجميلة التي عبّر عنها بداية بلغة رمزية عميقة وذلك بسبب الإغواء اللغوي ووقع في فخ اللغة الرمزية المبهمة. فلقد اعتمد كليا على خياله وتركه يأخذه دون هدف أو غاية سوى خلق الصور النادرة، كما جاء في المقطع التالي من الفقرة الرابعة :(تدري أنك كنت تنحت صورتك بأقصى صرير الروح وتلف العمامة فوق رؤوس انسامها).. في هذه الجملة تحديدا سنرى إلى أين تقود اللغة الرمزية المبهمة، فالشاعر يخاطب (شخصا غير واضح) ربما هو الشاعر نفسه قائلا إن عمان تعلم بأنك كنت تنحت صورتك باقصى صرير الروح، لنحلل هذه الصورة:الصورة ترمز للشكل والهوية، والروح ترمز للانتماء والوطنية، وما يؤكد هذا المعنى الجملة الأخرى (وتلف العمامة) حيث ترمز العمامة للرجل العماني.. ولكن كيف نستطيع تركيب هذه الصورة في أذهاننا، فصرير الروح، صورة سمعية وهي صورة عسيرة الفهم، وهي بعيدة المنال لصعوبة تخيل أن تأخذ الروح صفة صوت الباب، ولو تجاوزنا هذه الصعوبة فلن نستطيع أن نتصور أن النحت يقع في الصرير، فنحت الصورة، هي صورة شعرية محسوسة نستطيع تخيلها ولكن أن يقع هذا النحت على صرير الروح فهي صورة مبهمة معقدة مغلقة المنافذ، ولو قدرنا أن الشاعر لم يعن أن النحت وقع على أو في: صرير الروح بل قصد أن النحت حدث بواسطة صرير الروح والدليل حرف الباء، فهو يقول بأقصى صرير الروح.. لتشوّه حينها المعنى أكثر وارتبك تركيب الجملة، ولن نستطيع تخيل أقصى صرير الروح كفاعل محسوس.. وكذلك لا نستطيع تخيل الانسام أن لها رؤوسا تلف بها العمائم..إنها صورة مبهمة متكلفة وقد أضرت بالمعنى بسبب تشوش الفكرة في ذهن الشاعر وعدم وضوحها حتى يتمكن نقلها بشكل شعري فني جمالي. وفي الفقرة السابعة نصادف نفس الإبهام حينما نقرأ (يا دفا القيظ استلم ذيك الايادي النابتة ف الغيم وارسلها تبروز صورة أوراق الخريف)، ولا يمكن للمتلقي أن يشكل هذه الصورة المعقدة حيث يستلم دفا القيظ الايادي النابتة في الغيم ليرسلها كي تبروز صورة أوراق الخريف!!، فبداية عبارة دفا القيظ غير مفهومة، فالدفاء لا يكون إلا في الشتاء، يقول بدر شاكر السياب في قصيدة أنشودة المطر: (دفءُ الشتاء فيه وارتعاشة الخريف). ومن الملاحظات على قصيدة (ثامنها) أن كل فقرة لا ترتبط بالفقرة التي تسبقها ولا بالتي تليها، ويستطيع القارئ أن يحذف أي فقرة بدون تأثير على القصيدة، وكأن القصيدة مركبة من عدة أجزاء بدون ضرورة فنية، ويتضح أسلوب التركيب الجامد في الفقرة الثالثة حيث كثّف الشاعر من لغته الرومانسية الحالمة ووظف مفردات حالمة مثل (الوله،الاحلام، النايات، الغربة، الشوق، الوجنتين، ..) والمدقق لهذه الفقرة سيشعر بالروح الرومانسية الحالمة التي تطبق على اللغة (وارسل العطر لجبينك) أو (وانفي النايات للغربة وأسراب النوارس) ، بينما ختم الشاعر الفقرة ببيت شهير لزهيربن أبي سلمى يتضمن الحكمة الخالصة، وهو بذلك انتقل من عالم رومانسي ممتع إلى عالم واقعي عقلي معلوماتي ويكفي أن نقرأ هذا البيت بعد قراءتنا للفقرة: (ومهما تكن عند امرئ من خليقة.. وإن خالها تخفى على الناس تعلم)، فلا توجد أي علاقة ما بين بيت زهير والجمل الشعرية التي استخدمها الشاعر.. كما أضر بالقصيدة الانتقال الموسيقي من إيقاع تفعيلة بحر الرمل (فاعلاتن) الذي استخدمه الشاعر في كل قصيدته إلى تفاعيل الأبيات التي ضمنها من المعلقات كما في بيت زهير الذي جاء على البحر الطويل (فعولن مفاعيلن..فعولن مفاعيلن) وايضا بيت امرئ القيس الذي ضمنه الشاعر في الفقرة الأولى. وبرغم لغة الشاعر الرمزية المكثفة غير أن القصيدة انزلقت عباراتها في الحشو كما في هذا البيت: ( في جبين الشعر ينساب الأنين.. فاعلاتن فاعلاتن فاعلات) فالشطر الثاني من البيت لا يقدم شيئا سوى معلومة عن البحر الذي استخدمه الشاعر في كتابة (قصيدة العازى) في الفقرة السادسة برغم أن الفقرة بدأت ببيت من معلقة عنترة وهي من بحر الكامل وتفعيلته متفاعلن متفاعلن متفاعلن... وكذلك من العبارات التي تعد حشوا العبارة التي وردت في الفقرة الأولى (وانسكاب الفين صبح بألف ليل) .وبرغم هذه الملاحظات غير أن السبب الرئيس في تراجع ثامنها عن المراكز الأولى كان عدم ترابط أجزائها معا، حيث وضح أن كل جزء هو قصيدة مختلفة عن الجزء الآخر، ولم يتضح أن هناك ثيمة واحدة تربط بين الأجزاء جميعا، وحتى الأبيات التي يضمنها الشاعر من المعلقات فهي لا ترتبط بالغرض الوطني الذي وسم الشاعر به الجزء الاول والسادس من قصيدته، لقد كانت القصيدة متمزقة الأفكار ومتفاوتة الإيقاع ومتشتتة في أغراضها الشعرية.. وبانت عليها علامات الصنعة التي أفقدتها نضارة الشعر وانسيابيته وجموحه.
3- شلة العربان للشاعر سليمان الجهوري
قصيدة (شلة العربان)، تتحدث عن القرية وتحديدا عن أهلها الذين لم يعودوا مخلصين لها وأوفياء بل هجروها وباعوها من أجل المادة ويستخدم الشاعر جده كرمز للوفاء والأصالة وحب الحارة..( يا جدي ما تهون سنينك العوده..تعودنا عليك وإيدك البيضاء ..يا جدي ليش راحت شلة العربان ؟ وفيديهم سواد ../و وجوههم حمراء؟) نلاحظ اعتماد الشاعر على الصفات (السنين العوده)،(الأيد البيضاء)،(ووجوههم حمراء)، وهي صفات تثقل كاهل القصيدة وتضعفها كما أن عبارة (سنينك العودة) لا يستقيم معناها وهي صورة خاطئة لا يستسيغها الذوق، فكيف نستطيع تخيل السنين العوده؟ إن لفظة (العوده) تستخدم في معظم اللهجات العمانية ويقصد بها الكبيرة ولكنها جاءت في الجملة السابقة بمعنى الكثيرة. وكأنه يقول يا جدي ما تهون سنينك الكبيرة!!. حتى أن البعض يطلق على الجد اسم العود، أي الكبير في العمر والقدر والمكانة. ولو افترضنا أن الشاعر يقصد بالعودة الرجعة، فإن المعنى سيختلف كليا ولن يتوافق مع حب الشاعر لجده وارتباطه به كما تظهر القصيدة. ومن الملاحظات السلبية على القصيدة استخدام الشاعر لحرف الواو بصورة مبالغ فيها لا تخدم القصيدة حيث كرره (تسع مرات) في القصيدة العمودية. وفي بعض الأشطر قد أضر إيقاع الحرف (الواو) ببحر القصيدة بل أن الوزن قد اختل في هذا الشطر: (ويعسوا من يديهم قافر الوديان). وحتى يستقيم الوزن لابد من حذف الواو وقد تدارك الشاعر هذه النقطة عند الإلقاء بعد أن ناقشته لجنة التحكيم عنها في حلقة العمل. لقد استخدم الشاعر حرف الواو كرابط بين الجمل لا أكثر، لنقرأ:(وحطب لك من ضلوعه موقد البردان) ،(ويموت إللي زرع وردك وريحانك)، (ويبقى لك ظليل نخيلك العوان)، وحتى نبيّن الخلل الموسيقي الذي تسبب به حرف (الواو) فيجب أن نضع الأشطر على ميزان بحر الهزَج (مفاعيلن .. مفاعيلن ..مفاعيلن) ومن الأبيات الصحيحة (غفى طرفي وأنا من داخلي شرهان ..على عينٍ ترابيهم بأحضانك)، وتكتب عروضيا هكذا (غفى طرفي.. ونا من دا.. خلي شرها+ حرف النون)، (//o/o/o) (//o/o/o) (//o/o/o) بينما جاء الشطر الثاني تاما بدون زيادة ( على عي نن.. ترابي هم.. بأح ض انك) (//o/o/o)، (//o/o/o)، (//o/o/o).. بينما لو حاولنا تقطيع هذا الشطر سنكتشف الخلل مباشرة، (ويموت إللي زرع وردك وريحانك) فالتفعيلة الأولى تغيرت عن مفاعيلن ((//o/o/o) (إلى (///o/o/o).. ونفس الحديث ينطبق على هذا الشطر(ويعسوا من يديهم قافر الوديان). وبرغم الملاحظات السابقة غير أن السبب الأول لتراجع القصيدة عن المراكز الأولى تركّز في تكرار الأفكار ودورانها حول معنى واحد، فالقصيدة كلها تختصر في بيتين إثنين وهما (يا حارتنا وإذا خوفك ع ولدانك. ف شيابك بنوا من أصلك العمدان)، (ياجدي لجلهم بيعّت طويانك..وخذلونا وفاحت ريحة العربان)، بينما أتت بقية الأبيات بسيطة لا تنضوي إلا على نفس المعنى كهذا البيت مثلا (يا جدي .. لك يبيعوا ناس حضرانك.. ويعسوا من يديهم قافر الوديان) فشطر (يا جدي لجلهم بيعت طويانك) يتضمن نفس المعنى للشطر الآخر (يا جدي لك يبيعوا ناس حضرانك) فالحضران هي الطويان والعكس صحيح، كما تسبب في استبعاد القصيدة المبالغة في استخدام أسلوب النداء حيث جاء في القصيدة عشر مرات توزعت بين (يا جدي ويا حارتنا ويا ربعي) ، وكان على الشاعر أن يقلل منها ويكثف من لغته ويختصر في بعض الجمل حيث أضعف أسلوب النداء كثيرا قوة الأبيات الشعرية حتى هبطت إلى مستوى الحديث العادي، كهذه الأمثلة ( يا حارتنا يعزك صاحبٍ صانك) أو(يا حارتنا وإذا خوفك ع ولدانك).
4-رسالة عريس: للأمل أمل للشاعر حمود المخيني
من القصائد التي تميزت بعاطفتها المدهشة ولغتها السلسة وكان لها فرصة الحصول على مركز متقدم وبجدارة، لولا الفروقات البسيطة جدا ما بينها وبين الاخريات من القصائد. القصيدة تتحدث عن معاناة شاب يريد االزواج من حبيبته ولكن الظروف المادية بالإضافة إلى تزمت أهل العروسة هي الأسباب التي أفشلت الأحلام، والقصيدة كتبت كأنها رسالة إلى الحبيبة فيها الكثير من الحب والوفاء والحزن، ((مرحبا ...هذي " رسالة " . . معا حب وْ شكر.. جرجري فيها عيونك وَ لا تستعجلي !!يا عرووسة..أعتذر ..لوخذلتك .. أعتذر . !ما قدرتْ أهْديكَ " خاتم " !وَ لبْسْكْ " الحُلي)، للأمانة قد أعجبتني القصيدة كثيرا وهمت في تفاصيلها وشد انتباهي أسلوب الشاعر السلس وأحزنني كثيرا عدم فوزها بمركز متقدم غير أنني مقتنع بالعيوب التي فرضت علينا تأخيرها ومن العيوب تضمين الشاعر للعبارات المستهلكة والدارجة برغم توظيفها بشكل جيد غير أنها كانت كثيرة جدا وأثقلت كاهل القصيدة ومن العبارات (كان حلمي..أسكْنْكْ الْقمر)،( دامَها يبْست " غُصون الأمل)،( " راتِبي " ينتَهي ( نصْف الشّهر)،( احْفِري قبْري اِذا كان ودّك ترْحَلي !)،( طاحت " أوراق الأماني ")( حاولي تفهمي " بوح الحبر ")، لن يختلف اثنان على أن المخيني شاعر قادم للساحة بقوة وسوف يتبوأ مكانا مرموقا وعلى أمثاله من الشعراء الشباب تعوّل ساحتنا الشعبية. فموهبته لافتة وعفويته مدهشة وتنسيقه لأفكاره ولقصيدته رائع جدا. ولو حافظ على براعته في بعض الأبيات لحصد مركزا متقدما جدا في المسابقة، فمن الأبيات التي نادرا ما نقرأها :( من كثر ما ضاق صدري .. تنفّست الشعر !يمكَنْ اْنْفث لك قصيدة ! .. لجل تتأملي) أو هذا البيت(ليت لو فيني بدل " ظهرِيْ الأعوج " صدر ..ع الأقل .. يمكن يخفّف على " الصدر المِلي).
5- تميمة للشاعر حمد البدواوي (المركز الثالث)
إن قراءة الشعر العميق تجلب الكثير من المتعة، ويكفي المتلقي متعة التأويل وصياغة النص من جديد.. ولا شك أن اللغة الشعرية الرمزية غنية بالمعاني العميقة وفي قصيدة تميمة للشاعر حمد البدواوي سنستمتع بلغة تتفجر بينابيع العاطفة ، وتجري كأنها نهر الكوثر. فالقصيدة تتحدث عن الوحدة والحزن والعجز، وتعتمد على الصور السمعية والحركية، ولقد أعطت الأفعال الكثيرة في القصيدة حيوية هائلة لتدفق الصور ذات المعاني المرتبطة مع جو القصيدة الحزين..(ترتل عيني أسفار الرجوع لأخرس البيبان..طلع شوك السهر في محجري وأصفرت أجفاني) (وسط ليل ذبل.. عبرة تغافل قبضة السجان) (وتنزل كنها صوت الحبيبة داخل آذاني)..لغة غير معقدة، وفي المقابل فهي ليست بلغة بسيطة وسطحية. إن المتلقي بإمكانه تشكيل الصورة النفسية التي يهمس بها البيتان السابقان. والرائع في الأمر أن تذوقنا لجمال الصور وتأثرنا بعاطفتها لا يعني أننا نستطيع تفسير اللغة بسهولة.. وحتى نثبت ذلك فلنحاول تحليل البيتين السابقين:
أولا المعنى الأول للشطر الأول : العين ترتل أسفار الرجوع لأخرس البيبان، إن الوحدة التي يعيشها الشاعر مقترنة بالظلام .. حيث لا يرى سوى الأبواب الصامتة، وهذا الصمت يقابله ترتيل العين وهذه العبارة تستعدي في ذاكرتنا عبارة القراءة بالنظر، أي أن العين ترقب الأبواب حتى تنفتح برجوع الغائب، ولكن الأبواب تبقى صامتة.. ويتابع الشاعر في الشطر الثاني: بأن سهر الانتظار والترقب أنبت الشوك في محجر العين وهي صورة بلاغية جميلة تظهر التعب والأرق الذي بان على الجفون المصفرة.. نلاحظ أن الشاعر في البيت بأكمله لم يخرج عن محيط العين. ثم انتقل بسلاسة إلى فكرة مبهرة أخرى بواسطة جملة شعرية مكثفة (وسط ليلٍ ذبل) إن الليل هو موعد العشاق وموعد سكون النفس والهدوء ولكنه للشاعر ليل للمعاناة والسهر لذا فإنه ليل ذابل ليس به حياة ولا بهجة، في وسط هذا الليل تغافل السجان دمعة ساقطة في الأذن كأنها صوت الحبيبة.. نلاحظ تحول نفس الصورة من حركية إلى سمعية، فالدمعة تسقط ثم تتحول إلى صوت كأنه صوت حبيبته.. لقد تهاوت الصور متتالية ومتتابعة، والمتلقي يستطيع أن يتخيلها وربما يكون قد عاش نفس اللحظات التي يعيشها الشاعر، وفي محاولة لتقريب الصورة فإننا نستطيع تخيل الشاعر وهو في غرفته مستلقيا يصارع ذاكرته وخياله. إن الذي يؤكد هيئته هو صورة الدمعة التي تسقط في الأذن، فمن المحال أن تسقط الدمعة في الأذن إلا في وضعية الاستلقاء فقط.. وسيقول أحدكم وماذا يقصد الشاعر بالسجان؟ إن سياق المعنى يدل على أن السجان هو عزة الرجل وكبرياؤه، والدليل أنه لم يكن بكاء بل عبرة واحدة، سقطت بعد سهر أنهك الروح.. لذا فإنني قد ذكرت سابقا بأن القصيدة صعبة الأسلوب وفاتنة المضمون.. ولكن للأسف فإن القصيدة بعد ذلك ضعفت وفقدت طاقتها تدريجيا حتى انطفأ نورها وبدأ الشاعر بتكرار أفكاره، فبعد صورة العين التي كابدت السهر وتحايلت على كبرياء الشاعر بدمعة، فإننا سنجد صورة مكررة ولكنها ضعيفة: وسال الحزن غصبٍ عن عيوني !!، وسنتفاجأ أيضا بجملة شعرية مبهمة سببها التركيب اللغوي الخاطئ وهي: (عجنت بطينتك ماي الضواحي وأزهر الرمان)، فالمعنى يقول إن الشاعر عجن الماء بالطين ومن الاستحالة أن نتصور ذلك فالحقيقة الدامغة هي عجن الطين بالماء.. لذا فلا يمكننا تحليل رموز هذه الجملة حسب الطريقة السابقة، فالمعنى خاطئ .. وهذا البيت يذكرني ببيت للشاعر أحمد مسلط من قصيدة رسالة إلى والدي، فلنلاحظ كيف يشتغل الشاعر على الرموز بطريقة رائعة، يقول مسلط (أوصّيك بعناقيد الفؤاد وزهرة الرمان) ويقصد بعناقيد الفؤاد أبناءه، ويقصد بزهرة الرمان زوجته.. هكذا بكل سهوله أخفى مسلط عائلته في أجمل أشكال الطبيعة، عناقيد العنب وزهرة الرمان.. كما أن الشطر الثاني من البيت الأول بدا أنه ناقص والمتلقي سيشعر بهذا النقص حينما يقرأ (وحيد إلا من الضلما ووجهي وأثمد النسيان.. معي طعم السوالف في غيابك/ فارع أحزاني)، فعبارة (معي طعم السوالف في غيابك) لم تكتمل في ذهن الشاعر وهو يربطها بطعم المرارة في الغياب ولكن هذا الطعم لا يستطيع المتلقي الحصول عليه من البيت بأكمله، فالشاعر انتقل مباشرة إلى (فارع أحزاني). إن جملة (وحيد إلا من الضلما ووجهي وأثمد النسيان)جملة مكتملة ونستطيع تشكيلها في أذهاننا بعد التفكر فيها ولكن جملة (معي طعم الثواني) ستصيبنا بربكة وتشويش يؤثر في تذوقنا الجمالي لها.
6- توبة للشاعر خميس الوشاحي (المركز الثاني)
قصيدة ذاتية تتحدث عن تناقضات الإنسان، عن تردده وغربته وشتاته، عن البحث الدائم للذات.. قصيدة تغوص في أعماق النفس لتكتشف جوهر الإنسان الذي يعيش في عالم من النقائض.. ( كلتني وجوه الناس واحساسي المهزوم.. اولي لوين وزحمة وجوه تتبعني) هكذا بكل عفوية وسلاسة يكتب الوشاحي قصائده، بعيدا عن التكلف والاشتغال الفكري الجامد، فتأتي قصائده مليئة بالعاطفة والشعر وقصيدة توبة هي واحدة من لآلئ الشاعر المرصعة بالشعر الحقيقي،( تلبست دور الزاهد العابد المهموم.. هزمني حكي بنتٍ.. أنا أرجوك تسمعني). يحاول الشاعر اكتشاف نفسه بل تعرية أفكاره، أنه يقرأ ضميره بصوت جهوري عميق، فهو يتلبس دور الزاهد وينهزم مع تجربة أنثى وياخذنا بهذا البيت إلى البيت الشهير للشاعر الأموي (الدارمي)، (قل للمليحة ذي الخمار الأسود.. ماذا فعلت بناسك متعبد) غير أن الشاعر يقلب الصورة ويجلد ذاته حينما يعترف بأنه كان يمثل دور الناسك المتعبد، (سكت ونطق لي صدرها المرهق المزحوم...بآهات حزن ومن تناثرت جمعني)، لم يعد للشاعر سوى الصمت والرؤية لم يعد الحديث مجديا مع أنثى يزدحم صدرها بالتعب والحزن ورغم ذلك فهو القادر على تجميع شتات الشاعر.. (جرف بادية عمري لبحره وذقت العوم....على وين يا موج المقادير تدفعني)، نلاحظ الاستسلام التام والخدر الذي يشل الإرادة، فالشاعر ينتقل من تمثيل دور الزاهد إلى حياة دوره الحقيقي، دور الشاعر الباحث عن عاطفة حقيقية، مجازفة في بحرٍ عميق، سفر نحو المجهول، لينتقل بعدها إلى الارتقاء والسمو بأفكاره ( تسلقت ع أكتافٍ وطاحت علي نجوم.. وانا ما استرقت إلا علومٍ تروعني).. ما أجمل هذه الإحالة الرمزية وما أروع المعنى الذي تنضوي عليه الصورة الشعرية التي تحيلنا مباشرة إلى الآيات الكريمة من سورة الحجر (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيّنّاهَا لِلنّاظِرِينَ (16) (وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلّ شَيْطَانٍ رّجِيمٍ (17) إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مّبِينٌ ).. دون شك فالشاعر له معنى نفسي وعاطفي آخر فهو يقصد أن توحده مع الآخرين وقربه منهم ومساعدتهم له لم تكن بدون مصلحة، فسقوط النجوم عليه تدل على كلام الآخرين عنه ونميمتهم فيه، ويؤكد المعنى هذا البيت الذي يحدد فيه المكان الذي يحدث فيه الشتات والكذب والخداع( هنا في المدن ما يصعب إلا الصدق والنوم.. احس انه ما به مرقدٍ عاد ياسعني)... إن البيت السابق عميق جدا حيث يفضح المدينة ويكشف وجهها الآخر، كما يظهر شعور عدم الامان في المدينة، الذي يعانيه الشاعر وهو يذكرنا بقصيدة الشاعر العربي أحمد عبدالمعطي حجازى والتي عنوانها(رسالة إلى مدينة مجهولة) :(رسوت في مدينة من الزجاج والحجر... الصيف فيها خالد ما بعده فصول.. بحثت فيها عن حديقة فلم أجد لها أثر، وأهلها تحت اللهيب والغبار صامتون.. ودائما على سفر.. لو كلموك يسألون.. كم تكون ساعتك؟)... يعتبر موضوع الوشاحي من المواضيع الجديدة في الشعر الشعبي أي ( غربة الإنسان الريفي في المدينة) وقد برع في تقديمه بطريقة شعرية رائعة أستحق عليها المركز الثاني .
7- (مدى) للشاعر مختار السلامي .. المركز الأول
ما يحسب لقصيدة (مدى) أنها جمعت كل الأساليب الشعرية في عمل مكتمل واحد، وتلافت العيوب التي وقعت فيها بقية القصائد. فمدى تتحدث عن (طلق النوايب) وهو بئر يقع في قرية الشاعر وقد جف ماء البئر منذ فترة طويلة، والشاعر أستحدث أسلوب شعري جميل حيث جعل البئر يتحدث للسماء عن القحط والجفاف، كما أنه تقاطع مع البئر في مقاطع كثيرة وتداخل معه بصورة سلسة، وقد اسقط مشاعره وأحاسيسه على البئر. القصيدة بدأت بالتفعيلة :( بيني وبين الزحام .. باب منقوش بالورد.. مفاتيحه كلام.. وقفله كفوف ونرد) فالشاعر هنا يصور انعزاله عن الناس وابتعاده عنهم وانه بحاجه للحظ وكذلك الحديث معهم، وأشار للناس بالزحام وللعزلة بالباب ومفاتيح هذا الباب هو الكلام معهم .. وقد كثف الشاعر لغته في مقطع التفعيلة وفتح لنا أبوابا كثيرة للتأويل الممتع( يكفيني من الزحمة وردة.. إذا العمر ذابل)، أن الشاعر لا يريد سوى الحب والبهجة من الناس لا يريد سوى الصدق منهم.. أنه يتمنى أن تسقط الفواصل البسيطة وتظهر الحقيقة التي يبحث عنها معهم.. وفي القصيدة العمودية يبدأ موضوع القصيدة بالتكشف أكثر :
(حصدت ما جاد العطا وأنت ثايب.. يجهر بنا ما جاد فوق الثوايب) الشاعر يكلم البئر، والثوايب هي الأداة الجلدية التي يُرفع بها الماء من البئر( يقحك فلاك وعين غيزك تودي.. سوق المطر لأنسام طلق النوايب) نلاحظ صورة الجفاف والقحط ، فالغيز هو المكان الذي يتجمع فيه الماء البسيط، وعين هذا المكان تناظر الغيوم علها تتجه إلى (طلق النوايب) أي البئر، (شديت رجلي صوب نبض الرواجع.. وارتد جسمي وأنت يالشوق عايب) نبض الرواجع أسم المكان الذي يقع فيه البئر، فالشاعر يصور تردده للذهاب إلى هذا البئر، لشعوره المؤلم لمنظر جفاف البئر، لينتقل بعدها ليتوحد مع البئر كليا ( اضما وتشربني فلاج الضواحي... أزعل ويرضيني جفاف الحبايب) أن الشطر الأول يذكرني ببيت يحمل نفس المعنى من قصيدة الشاعر علي الغنبوصي الغيم والحرمان الفائزة بالمركز الخامس ولكن بأسلوب شعري أخر، حيث يقول الغنبوصي( أنا اللي عصرت الغيم سّيلت لك وديان...لجل يرتوي جدبك نشف كل ما فيني).... نلاحظ اختلاف الأساليب وتوحد المعنى غير أن قصيدة(مدى) كانت أكثر إيحاء، فالبئر يسقي الضواحي وهو يعاني من الضمأ، والشاعر لا يقصد البئر مباشرة إنما يقصد ذاته ولكنه وظف البئر للتعبير عن معاناته.. نلاحظ أسلوب الطباق الذي يفيد المعنى ويزيده تجددا وقوة لننظر العلاقة ما بين ( أظما .. يشربني) وكذلك( أزعل ويرضيني) (الفلج والجفاف) أن هذه التراكيب أفادت المعنى كثيرا وقوة من مستوى القصيدة، (مديت شوفي للسما في غروبي.. ما ضاق وجهي غير قحط السحايب)، لا زال الانصهار بين الشاعر والبئر والتداخل بينهما، فالشاعر الذي يترقب السعادة والأمل يقابله البئر الذي يناظر السماء في لحظة الغروب وهي اللحظة الفارقة بين النور والظلام بين الأمل واليأس بين الحياة والموت، ولكنهما لا يحظيان سوى بالضيق والقحط.. يواصل الشاعر حديثه الوجداني مع البئر ومع السماء ليجمع الأبعاد في نقطة واحدة هي الضما :( محتاجها ترمي التعب عن عيوني... وتردني بين الخصب والروايب)، هنا يستذكر الشاعر الماضي الجميل متمنيا أن تأتي السحب ويمتلئ البئر بالحياة لتخضر القلوب وتبتهج الأرواح.. (منعم ويا ليت السحايب تودي.. صوت المطر لأنسام طلق النوايب) هكذا تكتمل القصيدة ويكتمل الحلم ويرتمي الشاعر على وسادة ذكرياته.. منتظرا صبحا يعيد الحياة (لطلق النوايب) منتظرا صوت المطر وأنشودته.. إن أكثر الأسباب التي جعلت من قصيدة مدى صاحبة المركز الأول هي اللغة الموحية العميقة التي تشي ولا تخبر وتشير ولا تصرّح، كما أن الفكرة كانت جديدة ومبتكرة ونادرة في الشعر الشعبي، كما يحسب للقصيدة ترابطها العظيم ووحدتها العضوية، فالقصيدة حملت ثيمة واحدة مترابطة.
حمد الخروصي*


 

أعلى




مدارس الفن الإسلامي (3ـ4)

ما زال حديثنا متواصلاً في هذه السلسلة حول المدارس الفنية الإسلامية التي كان لها الفضل في وضع بصمة مميزة في خارطة الفن وتراثه العالمي، وكان للفنان المسلم اليد الطولى في تقديم فكره وإبداعه الفني الخاص المستمد من القيم الأخلاقية والفضائل والوجدانيات فالفنان المسلم مثلما هو معروف عنه أنه يتمتع بحس وذهن صافي مستمد من نور الإسلام وسماحته وتنظيمه لجميع مظاهر الحياة، وهذه الصفة تساعده إلى حد كبير في تذوق الجمال وتقييمه، لأن الجمال مجاله الحس غير أن الذهن يشترك معه لتقويم الجمال ويضع له معايير متناغمة مع المظاهر الجمالية للكون تكمن في الدقة والتوازن والترابط، وهذا الأمر تميز به الفنان المسلم وسخره في أعماله الفنية التي لا تتعارض مع أهداف العقيدة وأهداف المجتمع الإسلامي الفاضلة في جميع مجالاتها، ولمسنا كيف أن الفنان المسلم لم ير من الضرورة بمكان قيامه بالتعبير مباشرة عن الإسلام والعقيدة، بل كان يعبر عن حقائق جوهرية في الوجود، تفاعل هو معها وأحسها من منطلق إسلامي. واستكمالاً لهذه السلسلة سنتطرق اليوم بالحديث عن المدرستين الفنيتين الأخيرتين في هذه السلسلة وهما المدرسة الهندية والمدرسة التركية العثمانية مختتمين بذلك حديثنا عن المدارس الفنية المؤثرة في خارطة الفنون الإنسانية العالمية التي ظهرت خلال الحقب المنصرمة.
ونبدأ أولا بالمدرسة الهندية: ففي الهند امتدت الحضارة الإسلامية خلال قيام الامبراطورية المغولية التي حكمت الهند من القرن السادس عشر حتى التاسع عشر، فنشأت بذلك مدرستان للتصوير الهندي: الأولى المدرسة الهندية المغولية، والثانية مدرسة راجبوت، أما المدرسة الهندية المغولية فقد تأثرت بأسلوب كمال الدين بهزاد في التصوير، فنبغ المصورون الهنود وبرز منهم: بازوان، ودارم داس، ولال وغيرهم، وتميز الهنود باشتراك أكثر من مصور في إنجاز صورة واحدة، فاحترموا المنظور، واستخدموا الألوان الهادئة والداكنة، وبرعوا في رسم الأشخاص والطيور والحيوان والنبات وكذلك صوروا النُساك ورجال الدين وهم يحادثون الأمراء، أما مدرسة "راجبوت" فقد اختلفت مواضيعها، حيث كانت مستمدة من الأدب الشعبي والملاحم الهندية وقصص الآلهة والقديسين واعتمدت على تقاليد التصوير الهندي القديم.
أما المدرسة التركية العثمانية فقد قدمت فنها في هذا المضمار عندما استدعى سلاطين الأتراك مصورين من إيران، فقامت هذه المدرسة على أكتافهم، ومنهم المصور "شاه قولي" و "ولي جان التبريزي"، كما تأثرت هذه المدرسة بالتصوير الإيراني، وبدأ الفنانون بتقليد الإنتاج التيموري والصفوي مع إظهار الخصائص التركية في السحنة والعمائر والمعارك، كما استخدموا الألوان الزاهية واللون الفضي والذهبي بكثرة. إلا أن التصوير التركي لم يزدهر، بحكم الدين الذي ينظر إلى التصوير نظرة عدائية، ولم ينبغ الفنانون لعدم تشجيع السلاطين لهم، واستدعائهم للمصورين الأجانب، وكذلك بسبب عدم توفر الذوق الفني للسلاطين العثمانيين .
وبهذه المدرسة انتهى حديثنا حول التعريف بملخص مختصر عن المدارس الفنية التشكيلية في عهد الدولة الإسلامية التي أبرزت معها جانب الفلسفة الجمالية عند المسلمين وشكلت فيما بعد مجالاً خصبًا للبحث والدراسة من قبل المهتمين بمجال الإرث الفني التشكيلي القديم، ولمسنا عن قرب من خلال الوصف السريع لبعض الأعمال كيف أن الفنان المسلم نظر إلى الانفعال بأنه شيء لحظي دنيوي لا يستحق التخليد في عمل فني أما الإمتاع في الجمال فهو يجعله في أدنى المراتب ، وذلك لأن الفنان المسلم يطمح إلى مستويات أرقى من إمتاع الرغبات والشهوات، فكان الفن الإسلامي إعلاءً لشهوات الإنسان الدنيوية إلى مستوى يتمثل في تعطشه الدائم للمعرفة، وهكذا افلت الفنان المسلم من الكبت ليصل في مستواه إلى الجمال الأكبر الذي يتجسد في الفضائل ليكون تأثيره في المجتمع إيجابيًّا .
ان الظروف التي صاحبت تطور ونماء الفن الإسلامي من خلال المدارس الفنية ظهرت أثناء فترة الولاية الإسلامية للكثير من بقاع الأرض، وقد تحدثنا في السطور السابقة بشيء من التفصيل عن المدرسة العربية والمدرسة الإيرانية والمدرسة الهندية والمدرسة التركية العثمانية. والسطور التالية سنسلط الضوء على جانبين هامين في هذا الموضوع، الأول يوضح الفكر والنظام الذي اتبعه الفنان المسلم في إبراز القيم الفنية والجمالية لأعماله ، والجانب الثاني سنتطرق من خلاله لأهم الخصائص التي تميز بها الفن الإسلامي عن غيره من المدارس الفنية وكان لها أثرًا بارزًا في خصوصية فنه.
ان العناصر الفنية التشكيلية في الفن الإسلامي التي لم يخل في حقيقة الأمر أي فن تشكيلي منها وهي الخط واللون والمساحة والظل والنور والملمس والحيز، ومعلوم لدى المتخصصين في الفن التشكيلي أن علاقة هذه العناصر مع بعضها البعض وعلاقة فن معين بهذه العناصر وتركيزه على أي منها دون الآخر هو الذي يشكل الدعامة الهامة للمدرسة الفنية . وكذلك الحال مع الفن الإسلامي حيث تعامل مع هذه العناصر بشكل يتميز عن المدارس الفنية المختلفة ، فعندما استعمل الفنان المسلم اللون كشف عن الحس المرهف وأعطى الانطباع الرومانتيكي، وكانت الأشكال والأحجام متقابلة متناظرة تشابه في ذلك التناظر في أوزان الشعر العربي وقوافيه، فاستعملوا الأشكال المبسطة في وحدات زخرفية محورة عن الطبيعة لتعبر عن ذاتية المسلم وتفرده بين الفنانين، وكان اهتمام المسلم بالتقسيم والتصنيف والتحليل واضحًا، خاصة في الفن الإسلامي عندما لجأ إلى التبسيط والتجزئة للوصول إلى الأشكال الأولية للأشياء، كما أثر شعورهم بالأزلية والأبدية في الزمان على فنهم، فتمثل ذلك بتكرار الوحدات الزخرفية بشكل يوحي بالاستمرارية واللانهائية.
ولم يعبر الخط في الفن الإسلامي عن الحركة الديناميكية في الواقع، لكنه عبر عن الحركة بمعناها الجمالي، فاستخدمه لذاته دون أن تكون له دلالة موضوعية. وللخط الإسلامي نمطان يمكن للمطلع على اللوحات المنجزة عبر هذا الفن التمييز بينهما بسهولة وهما: نمط الخط المنحني المنطلق في حدود مساحة معينة كي يوحي بالاستمرارية والانطلاق مثيرًا بذلك لذة جمالية خاصة، ونمط الخط الهندسي الذي يتميز بجمال رياضي يستشعره العقل، ويعطي احساسًا بالاستقرار والثبات والسكون ليقود المتأمل إلى داخل المساحة.
وكذلك الأمر بالنسبة للون فقد استخدمه الفنان المسلم ليؤدي من خلاله وظيفة جمالية، ولذلك فقد كثر استخدام اللون الذهبي لأنه خارق للطبيعة ، أما الألوان الزرقاء والصفراء والحمراء والخضراء، فقد استعملت كي تؤدي وظيفة الضوء، ولم تُعبر الظلال عن البعد الثالث أو التجسيم ، لكن كانت وظيفتها جمالية تشكيلية، كي تعطي الإيقاع والتنوع أو تعبر عن الملامس، ومعروف أن الفن الإسلامي من أغنى الفنون في التنويع بالملامس، وقد استفاد الفنان المسلم من امكانيات الخامة والقيم الملمسية لها لإثراء العمل الفني. وعلى ذلك نجد أن كل من الخط واللون والظل والنور يشكلون بعلاقة بعضهم مع البعض ايقاعًا فريدًا، وكما قال الشيخ محمد قطب فإن الفن الإسلامي يحاكي الإيقاع الذي يحسه المسلم في داخله، متناغمًا مع الإيقاعات الكونية الكبرى المتمثلة في تتابع الفصول الأربعة وظهور الشمس والقمر وتتابع الليل والنهار، والتي تؤثر على نظام حياة الإنسان ، فتدفعه إلى البحث عن الإيقاع في عمله وسلوكه وفنه وكل شيء.
أما فيما يتعلق بخصائص فن التصوير الإسلامي فإن هذا الفن تميز في الحقيقة عن غيره من المدارس الفنية بمميزات عديدة وسنتحدث في هذا السياق عن أهم تسع مميزات وهي:
أولاً : إهمال قواعد المنظور، وسبب ذلك هو تأثر الكثير من الفنانين المسلمين بالفن البيزنطي واستعمالهم ما يسمى بمنظور عين الطائر في رسم الموضوعات. ثانيًا: البعد عن محاكاة الطبيعة والاتجاه إلى التجريد ، وذلك لإرضاء ميولهم في عدم إعطاء الطابع الزماني والمكاني لموضوعاتهم، وهو يشبه في ذلك حركات الفن المعاصر كالفن التجريدي عند "ماتيس" والذي بدا متأثرًا بالفن الإسلامي في أعماله الفنية . ثالثًا: تصوير المُحال من الأشكال الحيوانية المركبة أو الخرافية مستعينًا بخياله الخصب ومتأثرًا بالآية القرانية الكريمة "ويخلق ما لا تعلمون" رابعًا: التهرب من الفراغ في المساحات، بواسطة الزخارف بأسلوب مدروس لحفظ التوازن والإيقاع. خامسًا: التسطيح، وذلك لعدم استخدامهم قواعد المنظور وإهمالهم التظليل الواقعي والتجسيم، الذي اهتم به الفنان الإغريقي في أعماله، واتجاههم إلى الزخرفة بهدف إذابة مادة الجسم وتحطيم وزنه وصلابته وإعطائه الخفة . سادسًا : التكرار ، لعمل إيقاع يرضي شعورهم باللا نهائية في الزمان والمكان والذي يعطي نوعًا من اللذة الجمالية عند تأمله . سابعًا : التنوع والوحدة ، من خلال تقسيم السطوح إلى مساحات هندسية مختلفة يتكرر من خلالها بزخارف متنوعة تكمل بعضها بعضًا، وتشكل بتكرارها وحدة واحدة. ثامنًا: المواجهة: والتي تعد من أصعب ما يصادف المصور المسلم، ولذلك تَهَرَبَ من المواجهة بأن لا يظهر من الشيء إلا ثلاثة أرباعه. تاسعًا: تحويل الخسيس إلى نفيس: وهذه الطريقة ابتدعها الفنان المسلم ليحقق الموازنة بين اتجاه العقيدة الذي يرغب بالتقشف والتوسط في أمور الحياة، وبين امكانيات المجتمع الاقتصادية التي تحسنت في عصور اسلامية عديدة، فظهر على أثر ذلك استعمال الخامات الرخيصة في عمل فني بحيث تبدو وتنافس بجمالها الذهب والفضة، وكمثال على ذلك: ابتكار الخزف ذي البريق المعدني، الذي يُزخرف ويلون بعد الحريق الأول بأكاسيد معدنية، ثم يحرق مرة أخرى على درجات حرارة عالية، ليصبح له بريق يشبه المعادن على اختلافها.
عبدالكريم الميمني

 

أعلى





ظاهرة المخرج المؤلف تقليد جاءنا من الغرب
الباحث المسرحي المغربي عبدالرحمن بن زيدان: لن يمتلك المسرح المغربي خصوصيته إلا إذا اتجه المبدعون إلى إضفاء الخاصيات المحلية على شكله وبنيته
المسرح في المغرب هو مسرح تجريبي بالأساس
بعض النقاد في المغرب متقدمون على مستوى الوعي على بعض التجارب المسرحية العربية

دمشق ـ من وحيد تاجا:
الجمع بين الجانبين الأكاديمي والعلمي هو العنوان الأبرز في تجربة الباحث المغربي د.عبد الرحمن بن زيدان الذي توج معارفه بنيل دكتوراة في "إشكالية المنهج في النقد المسرحي العربي" ، لينتقل الى الحياة العملية فأنتج عددا من المؤلفات الخاصة بالمسرح في المغرب: "من قضايا المسرح المغربي ـ المقاومة في المسرح المغربي" وغيرها، كما اهتم بالمسرح العربي فكتب "أسئلة المسرح العربي ـ قضايا التنظير في المسرح العربي من البداية الى الامتداد ـ إشكالية المنهج في النقد المسرحي العربي ـ المسرح في مجلس التعاون الخليجي ـ رهانات المسرح المصري المعنى والسؤال" وغيرها.
كما قام بوضع وإعداد عدد من الأعمال المسرحية وهو يكتب في عدد من الدوريات العربية المسرحية والثقافية، كما أوكلت إليه مهام تعليمية عديدة وهو عضو لجان التحكيم في عدد من المهرجانات المسرحية العربية.
حصل على عدد من شهادات التقدير من عدد من الجمعيات والمراكز، كما تم تكريمه في عدد من المناسبات والمهرجانات المسرحية .. التقيناه وكان لنا معه الحوار التالي حول المسرح في المغرب وخصوصيته.
* هل يمكن الحديث عن مسرح مغربي أم عن مسرحيات مغربية؟
** إشكالية التعريف هي إشكالية لا تتعلق بالمسرح المغربي، إنما تتعلق بالمسرح العربي ككل، أولاً لأسباب موضوعية تتحكم بالإجابة، على اعتبار أن الإجابة هي المدخل الحقيقي لحل هذا المشكل، ولكن المشكل لا يمكن أن يحل من خلال إصدار أحكام جاهزة، وأنا أقول بوجود مسرح في المغرب، ووجود هذا المسرح يجعل لغته لغة عربية، ويجعل موضوعه موضوعًا مغربيًّا، ويجعل بعده وتجريبه تجريبًا مغربيًّا. أما الانتماء إلى الجغرافيا، فالإبداع لا جغرافية له، ويمتلك هذا الإبداع جغرافيته عندما يتكلم لغته، وعندما يتكلم بقضاياه، بمعنى عندما يتكلم بما يريد تأسيسه. المسرح في المغرب موجود بإشكالياته، فمن بداية تأسيسه سنة (1923م) إلى الآن وكل المسرحيين المغاربة يدعون أنهم امتلكوا ناصية التسمية، وامتلكوا قوانين التسمية لجعل هذا المسرح ينتمي إلى المغرب، هناك مسرح في الوطن العربي كما أن هنالك مسرحا في المغرب.
* متى يمتلك المسرح خصوصيته؟
** يمتلك هذا المسرح خصوصيته في الوقت الذي يتجه فيه المبدعون إلى إضفاء الخاصيات المحلية على شكل المسرح وبنية المسرح. أي عندما يعرف لغته، ويعرف إمكانات خلق الدلالة التي تضفي على هذا المسرح انتماءه إلى جغرافيته اللغوية والإبداعية والذاكرتية والإيديولوجية، وكما قلت المسرح في المغرب متعدد المواهب، ومتعدد التيارات، ومتعدد الاختصاصات، في البداية كان هنالك اعتماد على الاقتباس، وتوجه المقتبسون إلى النصوص الغربية، وأخذوا منها العديد من المسرحيات وبعد جعلها تتناسب مع الواقع المغربي لتوظيف كل ما تم اقتباسه، لخدمة اللحظة التاريخية التي كان يعيشها المغرب. وأقصد باللحظة التاريخية الزمن الاستعماري بكل سياساته العنصرية، وبكل سياساته الاستحواذية، التي أرادت أن تلغي الهوية المغربية، والهوية العربية من الكيان المغربي، وهذا الاقتباس أراد أن يؤسس مسرحًا، ولكنه مسرح بثقافة عربية، بعدها جاءت التجارب الأخرى، فبعد الاستقلال عام 1956 توجه المسرح للتجريب على العديد من التجارب مثلاً إلى المسرح الاجتماعي، والمسرح الكوميدي، ثم المسرح الواقعي، ثم العبثي، وكل هذه التجارب أراد بها العاملون في المسرح أن يسموا هذا المسرح مسرحًا مغربيًّا، لكنه يظل مسرحا في المغرب.
* كيف ترى وضع المسرح في المغرب الآن؟
** وضع المسرح في المغرب لا يختلف عن وضعه الآن في الوطن العربي، مع بعض الاختلافات الجزئية، أولاً هناك غزو فرضته اكراهات الواقع العالمي على الثقافة العربية، هذا الغزو يتمثل بغزو الصورة إلى الوطن العربي عن طريق القنوات الفضائية، وعن طريق المسلسلات والأفلام، التي أخذت الكثير من العاملين في المسرح، فأفقرت المسرح من رواده ومن أهم العاملين فيه. المسرح في المغرب هو مسرح تجريبي بالأساس، كما هو المسرح في الوطن العربي، الا ان الفرق أن المغاربة يعيشون دومًا سؤال التأسيس، كيف يمكن أن نؤسس هذا المسرح.. بأي لغة.. وبأي شكل.. وما هي المرجعيات التي يمكن الاعتماد عليها لتأسيس هذا المسرح؟ هذه الأسئلة هي التي ترافق أزمة المسرح المغربي الآن، كما ترافق المسرح العربي، الكل يريد أن يخرج بأجوبة جاهزة، أو يخرج ببعض الأجوبة التي تقنع بأن هذا المسرح موجود بمبدعيه، لكن الحقيقة إذا كانت هنالك مسرحيات فإنها لا تعتمد على النص المكتوب، بل على السيناريو، وكأننا نشاهد فيلما يقدم الموضوع بصورة وموسيقى في غياب النص المكتوب. وهذه من الأزمات التي يعيشها المسرح العربي، وهناك قصدية واضحة لإقصاء النص المسرحي المكتوب، ولم يبق إلا الصورة وبلاغة الصورة، فأصبحت الفرجة هي فرجة للصورة ولم تعد فرجة كلام مع الصورة ، أو فرجة الصورة مع اللغة المنطوقة التي هي لغة المؤلف المسرحي. المسرح لا يمكن أن يعيش إلا بالكاتب المسرحي، لكن هناك إزاحة للكاتب المسرحي من طرف المخرج. الزمن المغربي المسرحي نفسه هو الزمن المسرحي العربي، هناك المخرج الذي أزاح المهمة الإبداعية أو الوظيفة الإبداعية للمؤلف على حساب ذاكرة العرض وهذه من الإشكاليات التي يعيشها المسرح العربي، العرض ينتهي بانتهاء عرضه خصوصًا إذا كان هذا العرض مبنيا على العلامات الصامتة، وعلى الصورة، وعلى الاستعراضية، وعلى كل ما يلغي النص المكتوب. الآن نحن ندعو أن يعود للنص المسرحي اعتباره ويعود للمسرح العربي اعتباره انطلاقًا من النص المكتوب، لأن هذا النص المكتوب هو الذي يعطي فرصة للمتخيل الإخراجي كي يبدع المخرج بأدوات الإخراج ما كتبه المؤلف، في غياب المؤلف أصبحت السلطة المطلقة هي سلطة المخرج، بمعنى أننا نقوم بقتل اللغة، وقتل المؤلف، قتل الأب من أجل أن يصبح هذا المخرج هو صاحب القرار، هو الديكتاتور الذي يخلق الفرجة، ويوجه الفرجة، ويدعم الفرجة، لكن مهمته تنتهي بانتهاء العرض.
* عرف المغرب قامات مسرحية كبيرة مثل الطيب الصديقي، الطيب العلج، عبد الكريم برشيد، الآن هل هناك مثل هذه القامات؟
** هناك في المسرح المغربي كما هو في المسرح العربي، ما يمكن أن اسميه بـ "صراع الأجيال"، الجيل الجديد يريد أن يتجاوز الجيل القديم و ينسى كل أدواره الطليعية في تأسيس المسرح المغربي، أو العربي، قامات مثل هذه القامات تعتمد على المعرفة فمرجعياتها هي مرجعيات معرفية، رغم اختلاف هذه المرجعيات سواء كانت هذه المرجعيات غريبة كما هو عند الطيب صديقي، أو المرجعيات الشعبية كما هي عند الطيب البلح، أو مرجعيات تراثية عربية إنسانية كما عند محمد المسكي وعبد الكريم برشيق كما هي عند المسكيني الصغير عند عبد المجيد بن يس. هذه المرجعيات هي التي كانت تعطي المشروعية لوجود مسرح مغربي بهذه القامات، وفي غياب مثل هذه القامات نحن نبحث الآن عن مسرح يقوم على المعرفة المسرحية والمعرفة بنظريات المسرح والمعرفة الوظيفية التي يمكن أن يلعبها هذا المسرح لكي ينخرط في السيرورة التاريخية التي يعيشها الوطن العربي.

* في مرحلة سابقة، وضمن البحث عن علاقة بين المنصة والجمهور، وجد الحكواتي في المغرب وفي كثير من الدول العربية. يلاحظ الان غياب الحكواتي بل وغياب البحث عن هذه العلاقة بين الجمهور وخشبة المسرح؟
** إحدى المراحل الهامة في المسرح العربي هي البحث عن إرساء قواعد أو فرجة مسرحية يلتقي فيها الناس بالناس، يلتقي فيها المسرح بالمتلقي ولا تكون هناك فواصل أو حواجز وهمية. الحكواتي هو مسرح يشارك فيه الناس بصنع الفعل المسرحي، ويساهمون بتفعيل الفرجة المسرحية بحيويتها وبحياتها الآنية التي يعيشها الحكواتي وهؤلاء المتلقون، فرقة الحكواتي والاحتفالية أرادت أن ترسي قواعد هذه العلاقة من خلال التركيز على العودة للتراث العربي الذي كان يعطي للكلمة قيمتها المعرفية وقيمتها الدلالية وقيمتها الفرجوية. الآن هناك عزوف أولاً للمتلقي العربي عن كل ما يحكى في المسرح، لأن هذا المسرح صار غامضًا.. واصبح أسلوبا تقريريا لا اكثر وغاب عنه الحكواتي الذي كان يزرع الحيوية في الفرجة ويعطيها لذاتها ويعطيها متعتها، لان المتعة هي التي تخلق هذا التواصل بين المرسل والمتلقي. كل المسرحيات التي قدمت في هذا الإطار استطاعت أن تكسر الجدار الوهمي وأن تستدرج المتلقي كي يدخل في اللعبة المسرحية، واستطاعت أن تجعل من هذا المسرح مسرح فضاء يشارك فيه الكل من أجل الكل، والآن كلما ابتعدنا عن هذا الحكواتي أو عن هذا التراث أو عن الذاكرة الجمعية العربية الا ونكرس هذا الجدار الذي يفرق بين خشبة المسرح والجمهور.
كثيرة هي التجارب في الغرب التي استفادت من تراثنا، مثل الحكواتي، ومن سردياتنا لكتابة زمن العرض، نحن الآن نتساءل: كيف يمكن أن نكتب زمن العرض في غياب المعرفة الصحيحة بكل المكونات الثقافية العربية والإنسانية، هذا هو السؤال الذي طرحته بيانات المسرحيين العرب، مثلاً هناك سعد الله ونوس الذي أراد تسييس المسرح العربي من خلال إدماج المتلقي في هذه العملية التسيسية، وهناك فرقة الحكواتي في لبنان التي كتبت نصوصًا مسرحية أولاً ككتابة جماعية، ثم كاستنطاق للذاكرة الجمعية ثم كتجميع للحقائق والحوادث التي يعيشها الممثلون ثم بناء كل هذه المعطيات في نسق درامي واحد، وتقديمها عن طريق الحكواتي للمتلقي. في المسرح المغربي هناك ما يسمى بالحكواتي، أو الحليقي، وهو فعل إبداعي يقوم به عن طريق السرد باستدراج اللعبة المسرحية كي تصل إلى أفقها المحتمل، وما هو هذا الأفق المحتم؟ هو التواصل سواء عن طريق الواقعي، أو عن طريق المتخيل. نحن الآن نفتقد للحكواتي، ونفتقد إلى العناصر التي تجعل منه حكواتيًّا عربيًّا بلغته العربية وبمقوماته العربية.
* انتقدت في بداية الحوار ظاهرة المخرج المؤلف ودعوت إلى الفصل بين المؤلف والمخرج؟
** هذه التجربة وهذا التقليد جاءنا من الغرب، الذي يعيش سيرورة التغيير في كل فنونه وكل آدابه. سابقا كانت السلطة المطلقة للمؤلف، بعد ذلك جاء دور المخرج ليقلب المفاهيم ويصبح هو الديكتاتور الأوحد الذي يتحكم في اللعبة المسرحية، ويتحكم في إنتاج المسرحية، وفي تسيير الممثلين، وفي التصورات التي تتصدر زمن العرض المسرحي، هذا النوع من المخرجين هو الذي خلق ظاهرة المؤلف المخرج.. والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يؤلف هذا المخرج؟ هل يؤلف النص المكتوب.. أم انه يؤلف مشاهد الفرجة المسرحية كي يصبح مخرجًا؟ تداخلت الاختصاصات مع هذا المؤلف ـ المخرج وصار ينسب لنفسه عددًا من الاختصاصات منها الدراماتيور.. ومنها السنيوغراف .. ومنها الكوليجرافيا، أي تصميم الرقصات، وذلك من أجل كتابة ما يريد إخراجه، وهذا العملية أصبحت مهيمنة وسائدةً في كثير من التجارب المسرحية العربية، حتى إننا عندما نريد أن نحصي عدد المؤلفين المسرحيين في الوطن العربي في العشر سنوات الاخيرة نجد أن عددهم يقل أمام كثرة المؤلفين المخرجين، وأمام السينوغرافيين وهذا ليس عيبًا، لكن العيب هو أن يهيمن عنصر على العناصر الأخرى ليصبح هو محور العملية الإبداعية.
* أشرت الى وجود نشاط ملحوظ للمسرح الجامعي في المغرب؟
** للحديث عن الحركة المسرحية على صعيد الجامعة المغربية يجب الإشارة بداية الى كيفية تكوين هذه الحركة. فقد سبقها اهتمام الدرس النقدي الجامعي بالمسرح وتدريسه كأدب وكنظريات، حتى يتم تقبله من قبل الطلبة، وهذا أدى إلى اهتمام الطلبة المتخرجين من الجامعات بالمسرح، وبتاريخه، ونظرياته، وبكتابه، ونقاده، هذا النوع من الاساس التي وضع الاهتمام بالمسرح هو الذي تدرج إلى تكوين أو تأسيس مهرجانات مسرحية تهتم بالمسرح الجامعي، ففي الدار البيضاء هناك مهرجان مسرح جامعي أصبح تقليدًا في الوطن العربي، وفي فاس مهرجان المسرح الجامعي ايضا، وفي السابق كان هناك مهرجان المسرح الجامعي في جامعة الولي إسماعيل في مكناس والذي كنت منسقًا عامًا له لدورتين متتاليتين، ثم هناك بعض الكليات التي تهتم بالمسرح الجامعي مثل كلية الحقوق، وكلية الاقتصاد، وهذا النوع من الاهتمام له إيجابياته وهي خلق تواصل ما بين الطالب الجامعي وبين التجارب المسرحية، فنجد مثلا سعد الله ونوس يُقدم في العروض المسرحية، ونجد محمد الماغوط ونجد عز الدين المدني وعبد الكريم برشيد صاروا يقدمون على خشبات المسرح الجامعي ،وهذه من إيجابياته. وعندما تابعت الندوة التي أقيمت في دمشق حول مسرح الشباب يمكن أن نعتبر أن العاملين في هذه المهرجانات المسرحية الجامعية هم شباب لهم رؤيتهم في التأليف.. لهم رؤيتهم في الإخراج.. لهم رؤيتهم في التمثيل، وهذا ما يعطي هذا التنوع في الخارطة المسرحية العربية بدءًا من مسرح الطفل.. الى المسرح المدرسي، والمسرح الجامعي، ويمكن أن نصل بهذا المسرح الجامعي إلى استقطاب مجموعة من المسرحيين الكتاب، أو المخرجين الذين يفيدون العملية المسرحية العربية والمغربية.
* النقد المسرحي والنقد الفني عمومًا في المغرب العربي أكثر تقدمًا منه في المشرق، كيف تقيم هذه الحالة؟
** يعود هذا بالأساس إلى الدرس الجامعي الذي أسسه مجموعة من الأساتذة داخل الجامعة المغربية، لأنهم فتحوا الأبواب أمام الطلبة لينهلوا من معين نظريات المسرح العالمي، ويعرفوا مناهج النقد، وان يترجموا العديد من الدراسات النقدية الجديدة والتي تصدر في الغرب. الإيجابيات التي تميز المغرب وتونس في هذا المجال هو تواصلهم مع الثقافة أو المرجعية النقدية الغربية، وغالبًا ما تكون باللغة الفرنسية، ثم هناك العديد من المترجمين المغاربة والتونسيين يترجمون هذه المرجعيات إلى اللغة العربية، ليتمكن الباحثون من معرفة ما يجري في الغرب، ولهذا جل نظريات الدراما، والمناهج النقدية راجت في المغرب وتونس قبل رواجها في المشرق العربي، ولهذا تميز المغرب وتونس بهذه الميزة، لذلك نجد بأن المصطلح النقدي، والمفاهيم النقدية، ونظريات المسرح، والسينوغرافيا، والنظريات الفلسفية والفكرية، كلها كانت تتفاعل لتكوين رؤية الناقد. ورؤية النقد المسرحي لموضوعه، الآن أصبح هناك تواصل ما بين المشرق والمغرب العربي، لكن التميز يبقى تميزًا للنقد المسرحي في المغرب العربي، والتميز الإبداعي يبقى تميزًا في المشرق العربي، وهذا ليس عيبًا بل يعطي تكاملاً معرفيا، يعطي للمسرح العربي تاريخه الحقيقي.
* كيف ترى دور النقد، هل يوازي المسيرة الإبداعية للمسرح أم هو متقدم عليها؟
** بصراحة يمكن القول ان بعض النقاد في المغرب متقدمون على مستوى الوعي على بعض التجارب المسرحية العربية، هم يمتلكون الأدوات النقدية، لهم أجهزة مفاهيمية متعددة، لها مرجعيات مختلفة، لهم فهمهم للعمليات النقدية في الغرب، وعندما يريدون تطبيقها على بعض المسرحيات، يجدون أن هذه المسرحيات لا ترقى إلى مستوى النقد ولهذا يلجأون إلى طوق نجاة أخرى، هي طوق نجاة العروض الجميلة، التي تتوفر على شاعريتها ومستواها الراقي، مثلاً إذا أردنا أن نقرأ الملحمة التاريخية الغنائية "الإلباذة الكنعانية" التي قدمتها فرقة اورنينا للرقص المسرحي في افتتاح مهرجان المسرح، لا يمكن أن تقرأ بعيون مغمضة، أو بأدوات باردة، لأن المسرح هو أرخبيل العلامات، ونص هذه الملحمة فيها هذا الأرخبيل من العلامات لا تتكلم فقط اللغة المنطوقة ولكن تتكلم مجموعة من العلامات حول الرمز، واللون، والحركة، والرقص، بكل ما يؤسس فضاء الفرجة. مثلاً عندما نجد في الرقصة التي كانت بين الصليبيين وبين صلاح الدين الأيوبي سنجد أن العلامة الأساسية على صدر الصليبيين، هو الصليب الذي يدل على الصليبية بشكلها المطلق، ثم الرايات التي كان يحملها المسلمون هي الرايات البيضاء والتي هي دليل على السلم وعلى التعايش والإخاء، وبالمقابل كانت الرايات الحمراء دليل على العنف، وقوة العنف عند الآخر. إذن لا بد أن نقرأ هذه القراءة البصرية لهذه المشاهد البصرية لكي تقول إن هذا العرض قد استوفى شروطه، ولكن يجب على الناقد أن يكون ملمًا بأدوات القراءة ليفكك مغلق النص لإبداع النص.
* كيف هي الحركة المسرحية في المغرب العربي بشكل عام، هل هناك عروض تونسية تعرض في المغرب، أو مغربية تعرض في الجزائر، وما مدى التقبل لمسرح الآخر؟
** هناك علاقة وطيدة بين المسرحيين المغاربيين، أي المغرب وتونس والجزائر، هذا التواصل يلغي جميع الموانع والحواجز التي تريد السياسة أن تفرق بينهم. أنا حضرت إلى الجزائر الشهر الماضي، وكرمت في العاصمة الجزائرية، وشاهدت عروضًا مسرحية، تونسية، وفرنسية، وجزائرية، وهذا يدل على أن حيوية المسرح المغاربي هي حيوية مرجعياته أولاً وكيفية التعامل مع هذه المرجعيات ثانيًا.
* يلاحظ ان الحركة المسرحية في تونس متقدمة أكثر منها في المغرب او الجزائر. ما رأيك؟
** التجربة التونسية هي تجربة فرجة، تعتمد على إخراج المخرج، وتعتمد على جمالية الصورة، وجمالية تموقع العلامات داخل زمن الفرجة. بمعنى أننا نشاهد عرضًا مسرحيًّا يموت بعد عرضه، في حين أن التجربة الجزائرية هي تجربة سياسية على مستوى مضمون العروض التي تقدم في المسرح الجزائري، نظرًا لمجموعة من العوامل التاريخية التي دفعت بالمسرحيين الجزائريين كي يرتبطوا بواقعهم، ويرتبطوا بتاريخهم، ويرتبطوا بكل الإكراهات التي عاشوها في الجزائر، في حين ان المغرب يعيش انفتاحًا آخر.. هو ليس انفتاحًا مزعومًا. بل هو انفتاح حقيقي، حيث يمكن ان نشاهد برتولد بريخت يقدم في المغرب بجانب موليير، وبجانب عبد الكريم بريشد، وبجانب الطبيب الصديقي، وبجانب الطيب العلج .. وبجانب اخرين، أي هناك تنوع في الفرجة المسرحية المغربية، وهنالك تجريب في إنتاج هذه الفرجة المسرحية، هذا التنوع بين سلطة المخرج في المسرح التونسي وسلطة الأيديولوجية في المسرح الجزائري، وسلطة التنوع في المسرح المغربي هو الذي يعطي للمسرح المغاربي قوته.



أعلى





الخداع والأذى

بلى، أرى الحروب الصغيرة والكبيرة الناشبة هنا وهناك بين أهل الثقافة والأدب والفنون البادية على شكل: تنافر، وقطيعة، وتجاهل، وقذف، واتهام، وإقصاء، وتحييد، وغمط، وظلم، ونسيان.. كما أدرك مهدوفية القراءات الجاهلية للمؤلفات، والمؤلفين، والتجارب، والسير الذاتية.. والتي لا تريد سوى تحطيب المنتج الثقافي وتشويهه، وتحطيم الذات المنتجة ومحوها، وتجاهل أي مضايفة إبداعية حقيقية للمشهد الثقافي والوقوف المرضي عند جملة تائهة أو قول قابل للتأويل، وبالتالي السعي الحثيث إلى ما اسماه النقد اليوناني بـ (قتل الأب) معنوياً، أي تحييده عن مركز القرار من جهة، وعن بقع الضوء من جهة ثانية.. وهنا لابدّ للمرء من أن يضحك ملء رأسه لأن من يقوم بفعل التحييد ليس بصاحب قرار، فهو لا يقوى على تحمل المسؤولية، كما أنه ليس بصاحب مصدرية مشعة كونه كتلة صماء.
وأعي جيداً أن هذه الحروب الصغيرة أنتجت ظاهرتين اثنتين في الوسط الثقافي هما: ظاهرة (الجهل النشيط) وأهلها أصحاب حراك اجتماعي، وسياسي، واقتصادي، وبيئي، ومناطقي، وعقائدي، ومذهبي، ومصالحي.. حراك يفور ويغلي بالحضور الشخصي (الجسماني) فوق الأرض وتحت الأرض، وفي الليل والنهار، وفي الصحيفة والمجلة، وفي المنابر الثقافية البادية والمضمرة، وفي الأصبوحات والأمسيات، وفي المواقع الرسمية والخاصة (الصالونات الثقافية)، وفي المواقع الإلكترونية، وفي الإذاعة والتلفزيون، وفي المهرجانات والملتقيات والندوات، وفي المآدب وحفلات التكريم، وفي المآتم وحفلات التأبين.. الخ كائنات خرافية آمنت أن الظهور هنا وهناك، وفي كل مكان، هو السبيل إلى الشهرة الأبدي.
والظاهرة الثانية هي ظاهرة (العزلة المطلقة)، وأهلها عزفوا عن المشاركة، والمخالطة، والحوار، والتعبير في الأمكنة العامة لقناعتهم الأكيدة أن لا جدوى من الظهور العلني في الأنشطة الثقافية، وأن لا جدوى من المشاركة فيها، كما لا جدوى من القيام بالمسؤوليات الثقافية، فالزمن الراهن ما عاد زمنهم، وأن ما يقدر عليه غيرهم لا يقدرون عليه.. وأن الجدوى الحقيقية تتمثل في القراءة والارتواء من تجارب الأفراد والمجتمعات والحضارات، والكتابة الإبداعية الصافية، بقولة أخرى، يرى هؤلاء أهل (العزلة المطلقة) ان كل ما لديهم استودعوه في مؤلفاتهم، وأن أرواحهم وتشوفاتهم الوطنية.. صارت أسطرهم المكتوبة بماء القلب، وأن قناعاتهم مشدودة إلى التأمل والارتواء المعرفي بوصفهما السبيل الأوضح لحفظ النصوص والثقافات في إناء الزمن.
في وهمي أن كلا الظاهرتين على خطأ، فالظاهرة الأولى (الجهل النشيط) تنتج الكثير الكثير، وفي جميع المجالات ولدى أهلها أخبار جديدة على مر السَّاعة، فأصحابها يكتبون الشعر، والرواية، والقصة، والمسرحية، والخاطرة، والسيناريو، والأبراج، والكلمات المتقاطعة، والنشرات الجوية، ومواعيد الصيدليات، ورزنامة المطارات، وأخبار المجتمع، وأين تسهر في هذا المساء، ونجمك المفضل، وما يناسبك من الألوان والأزياء، والأمثال، والأقوال، والحكم، وطبيبك معك، وإعلانات المصارف والشركات، وتاريخ الأعلام، والكواكب والمجرات، والخيال العلمي، وأولانيات التربية، والأحداث الرياضية..الخ، وإن سئل أحدهم عن قراءاته، يقول لك إنه انتهى في ليلة البارحة من قراءة ألف ليلة وليلة، بدأ القراءة عند الغروب وانتهى بها فجراً، فالواجب القرائي عنده أشبه بالصلاة، وأنه مشغول مدة أسبوع بمراجعة فلسفية لاثنين من أهم الفلاسفة العالميين، هما: هيغل وماركس، وأنه سيعد بحثاً في الموازنة بين الفلسفتين، يعتقد بأنه سيكون داوياً. وإن سألته عن الشعر، يقول لك إنه يقرؤه صباحاً مع طعام الإفطار، يقرأ ديوانين أو ثلاثة.. تماماً مثلما يأكل طعام صحنين أو ثلاثة، أما في الظهيرة، وحالما يتحلل من تعب النهار، فإنه يقرأ المخاطبات، والمواقف، والطواسين، والامتاع والمؤانسة، وجمهرة خطب العرب، ومقدمة ابن خلدون، ومذكرات بسمارك، وإن ذكَّرته بالمساء فيقول لك: المساء مقفول على بلزاك، وتشيخوف، وبيتهوفن، وفيفالدي، وإخوان الصفا، ودونكيشوت، وحين تتعدى الساعة منتصف الليل يلتهم روايتين أو أكثر من روايات أميركا اللاتينية.. حين يسمع المرء مثل هذه الإجابة يدرك أن للكذب أهله، تماماً مثلما للصدق أهله.. فهذا المسؤول (من السؤال) والمجيب (من الإجابة) في آن معاً.. لا يعرفه بيته في ليل أو في نهار.. لأنه حاضر في المقهى، والفندق، والجريدة، والمجلة، والتلفزيون، والإذاعة، والصالونات الأدبية، والمؤتمرات الصحفية.. لا بل إنك واجدٌ له في الأسواق العامة..
في حين تأتيك إجابة أهل العزلة إن سألتهم عن مشغولياتهم الثقافية، عبر جملة واحدة عطشى هي: أنهم يحاولون الحياة، وإن أضفت على السؤال سؤالاً، والكتابة؟! فيقولون لك: إنهم يحاولون الكتابة..
أجل، إنهما ظاهرتان تلخصان الحال الثقافية في اعوجاجها البادي، والذي لا بدّ من إصلاحه، أعني (الاعوجاج) وتقويمه.. كي لا يقع أصحاب الظاهرتين في مربعي (الافراط) و(التفريط)، فتكون النتيجة خراب الدورة الدموية الثقافية، ففي حراك أهل (الجهل النشيط) خداع وأذى، خداع للنفس، وأذى للآخرين. وفي تنحي أهل (العزلة المطلقة) خداع وأذى أيضاً، خداع لأنفسهم بأن المجتمع سيأتي إليهم عاجلاً أو آجلاً، وأذى للحياة الثقافية حين تترك لهؤلاء أنصاف المثقفين الذين باتوا يدوسون بأقدامهم الثقيلة مطارح الطهرانية والجمال والغنى السامي.
لا بدّ، وهذا رأي شخصي، من تعديل طرفي المعادلة على نحو يعيد أهل الظاهرتين إلى المواقع التي تليق بهم، أي أن نرى فعالية أهل الثقافية والعلم، وأصحاب التجارب الثقال، والمعارف الضافيات في مواقع المسؤولية إشرافاً وتمثيلاً، وأن نرى أهل (الجهل النشيط) في مقاعد الثقافة ينصتون، بلا حراك، للعارفين بها.. كي تستعيد تراتبية الأجيال عافيتها بعيداً عن الخداع والأذى.
حسن حميد

 

 

 

أعلى





مدينة لا تعرف الليل

تطل كأسطورة أزلية
باريس المدينة
الصاخبة
روسو
بودلير
وآخرون
صخب المساء
على مقاهي
الشانزليزيه
صبايا ايطاليا
بشعرهن الطويل
ضباب الشوارع
وساحات قصر
فرساي
متحف اللوفر
وقوس النصر
عربات البائعين
في الأزقة
والحواري
هكذا عشت
الحلم
وتخيلته على
عتبات مجد أوروبا
تاركا خلفي
عبق الشرق
وسحره.

محمد الرحبي

أعلى




مدن "استهلاكية"
مفاهيم وتصورات اجتماعية نظرية في علاقة نمط الاستهلاك بالشكل الحضري للمدينة

في الوقت الذي تعيش معظم المدن اليوم عصرها الذهبي في علاقتها البنيوية بمفهوم "الاستهلاك" بل وقيام معظمها عليه كفاعل عضوي في تركيبتها الإجتماعية والإقتصادية والترفيهية, تختلف علوم الاجتماع في الفترة التاريخية التي حدثت بها "ثورة الإستهلاك" وتحديدها بشيء من الدقة. ويميل بعض الباحثين لتأريخ "ثورة الاستهلاك" ما بين القرن السادس عشر حتى الوقت المعاصر, وهي "ثورة" غيرت معالم المدينة وأعادت صياغة "المكان" بها إلى غير رجعة. في كتابه "ثقافات المدن" الصادر عام 1938 يشير "لويس ممفورد" إلى نوعين من المدن: "مدن منتجة" و"مدن استهلاكية". واليوم وبعد ثلاثة أرباع قرن من ذلك الكتاب فقد تطور مفهوم الاستهلاك ليصبح جزءا بنيويا أساسيا في حياة المدينة المعاصرة بمجملها إن لم يكن جميعها على الإطلاق.
مدن "الاستهلاك" بالرغم من أنها ظاهريا تمنح المستثمرين والمخططين والمطورين فوائد ومنافع شخصية إلا أنها بالمقابل تطرح أسئلة جوهرية في المنافع التي تقدمها للمستهلكين ـ إذ يطرح المحللون تساؤلات في هذه المنافع التي يدعي بعضهم بأنها "نفعية ايجابية" بطبيعتها على نسق فائدة الأدنى وليس لصالح الأعلى أو (progressive). ومن هنا يرى المحللون أنها تقدم مشاكل أكثر مما تطرح حلولا, وهي مدن متناقضة. والمستهلك على الدوام, برغم نسبية درجة استهدافه من مدينة لأخرى, إلا انه هدف وغاية وليس له خيار سوى ما تقدمه له مدن "الاستهلاك".
وقد طرحت العديد من التساؤلات عن طبيعة العلاقة بين المدينة وبين مفهوم "الإستهلاك", وتحديدا عن أثر الاستهلاك كعملية مباشرة مؤثرة في النسيج الحضري للمدينة. من الباحثين الذين اهتموا بالبحث في هذا الموضوع, نجد مجموعة من علماء الاجتماع, منهم "بيتر سوندرز, و"كامبل" الذين طرحوا فكرة "البعد الاجتماعي للإستهلاك", وكانوا من أوائل من نادى بأهمية رفض المحور المرتبط بالإنتاج لصالح الاستهلاك. فالمنظر "سوندرز" يعتقد, بما يثير الجدل, بأن فرصة الاستهلاك هي عامل أكثر أهمية من "الطبقة الاجتماعية" في تحديد العلاقات الاجتماعية في المدينة. ويرى أن "خصخصة" الاستهلاك له أهمية اجتماعية متزايدة طالما هناك تفاوت اجتماعي أساسي في المجتمع بين الناس الذين يشترون حاجاتهم بشكل منفرد من السوق وبين الطبقات الاجتماعية المعتمدة بشكل كامل على خدمات الدولة ومعونتها. ومن هنا يرى "سوندرز" أن التقسيمات المرتبطة بالإستهلاك يمكن رؤيتها على أنها محور الفصل السياسي والاجتماعي الأساسي في المجتمعات المعاصرة. والمدينة بهذا المعنى هي وحده "فراغية" من الاستهلاك الجماعي/المجموعاتي. ويرى "مانويل كاستيلز" أن المدينة هي تعبير فراغي عن إعادة إنتاج قدرة العمل والتي تعمل على "تجميع" تأطير عملية الاستهلاك بإطار اجتماعي. وبهذا فالعلاقات الجمعية في المدينة, بالناتج, تتحدد بتجربة الإستهلاك الجمعية فيها. وبهذا الإطار, يرى "سوندرز" أن الاستهلاك ليس مرتبطا فقط بالمدينة "كوحدة فراغية", فالمدينة ليست ببساطة مجرد "وحدة فراغية", وبهذا الصدد فالبعد الاجتماعي للاستهلاك يمكن فقط تطويره بعد إعادة قراءة الفراغ الحضري للمدينة قراءة حديثة لما تم تداوله في الدراسات الحضرية حتى اليوم.
ويقدم علماء الاجتماع مقاربة في مفهوم ما يسمى "ايديولوجيا الاستهلاك". فالاستهلاك, بحسب ما يراه علماء الاجتماع, ليس مجرد معلم من معالم الحياة الحضرية, بل هو عامل مهم ورئيس في تصميم طبيعة تلك الحياة. والاستهلاك هو أيديولوجيا, وكما يراها "ستوري" كمفهوم ثقافي حيوي, حيث يلعب, الاستهلاك, دورا مهما في الحفاظ على العلاقات الاجتماعية والعلاقات بين الناس وبين البيئة المحيطة. ودراسة الاستهلاك مهمة بالضرورة لدى دراسة طبيعة البيئة الحضرية لفهمها فهما جيدا وصحيحا. والكيفية التي "نستهلك" بها البيئة الحضرية المحيطة بنا ليست تماما ضمن نطاق سيطرتنا لأننا "المستهلكون" ولسنا "المنتجون" لتلك البيئة. وعلى الرغم من المدى الذي يمكن للمخطط أن يراعيه في البيئات الحضرية بما يحقق مصلحة المستهلك, إلا أن الواقع لا يمكن التنبؤ أو التحكم به تماما. والأيديولوجيا كما يراها "ستوري" مهمة في دراسة البيئات الحضرية, لأننا نعيش في تلك البيئات, الحضرية والثقافية.
والأيديولوجيا, يعرفها "ستوري" على أنها الطريقة التي تقدم بها النصوص والممارسات الثقافية أنماطا/صورا متغيرة/مشوهة/محرّفة عن الواقع. وبهذا المنظور بما يخص مدن الإستهلاك, فتأثير الإستهلاك على المدينة يمكن تقديمه لنا كمواطنين في مجتمعات حديثة بطريقة معينة تدعم طريقة تفكير مجموعة خاصة بالمدينة. وبكلمات أخرى, فالأيديولوجيا مصممة ومركبة لغاية معينة: لتحقيق أهداف مجموعات مسيطرة بالمدينة على حساب مجموعات أخرى أقل قوة وتأثيرا.
بالنسبة لـ"مانويل كاستيللز", أحد أهم المفكرين في مسألة الإستهلاك في المدينة, تمثل المدينة "ساحة للأيديولوجيا" بما فيها من تناقضات والتي تمثل محورا للتساؤل والبحث والتقصي. ومن اللافت أن "كاستيللز" يتبني وجهة نظر "تركيبية" للبعد الإجتماعي\الإقتصادي في المدينة, حيث يعنيه تناقضات العلاقات الرأسمالية وكيفية تمثيلها في المدينة, ولذلك نجده يعرف المدينة على أنها فضاء\ساحة للإستهلاك, مقابل الإنتاج. ومن هنا فهو يعرّف مفهوم "الإستهلاك" على أنه: "العملية الإجتماعية لاختيار المنتُج من قبل الناس\الطبقات الإجتماعية.
ومن هنا فمن منظور الطبقات الإجتماعية يمثل الإستهلاك تعبيرا ووسيلة, وممارسة اجتماعية يتم فهمها وإدراكها بإطار ومحتوى ايديولوجي يكرس على مستوى العلاقات في التوزيع التنازعات والصراعات التي تقررها علاقات الإنتاج". وبهذا المفهوم وهذا التعريف لا يكون الإستهلاك ظاهرة قائمة بذاتها, بل تتقرر وتتحدد معالمه بالأطر والقوانين العامة للإنتاج. والإستهلاك الجمعي يمثل عاملا مهما في التحولات الإجتماعية التي تطرأ طالما كانت السياسات الحضرية متمحورة حول مفهوم الإستهلاك ذاته. ومن هنا يدحض "كاستيللز" محاولات قراءة المدن على أنها "ثقافة" أو "طريقة حياة معينة", وبدلا من ذلك, يزعم أن العلاقات الإجتماعية للإنتاج قد تطورت بطريقة تتطلب إعادة إنتاج العمل\السلطة من خلال الإستهلاك الجمعي. ولذلك يعرّف "كاستيللز" عالم "الإستهلاك الهائل" حيث تنتج البضائع ذات الفائدة العالية, الربحية وبقيمتها, وليس البضائع التي يتم استخدامها لأغراض معينة, لكن المجتمع الإستهلاكي هو نتاج وإفراز ممارسات طبقية اجتماعية متجذرة تاريخيا. والإستهلاك بهذا التصور هو عبارة عن تعبير صادق عن ممارسات الطبقية الإجتماعية وتراكباتها وتركيبة المجتمعات البنيوية.
نفس التصور يكرسه الباحثان "فيلو وكيرنس" حين يعرفا الشكل الحضري على أنه "مشروع أيديولوجي", وأن الثقافة الحضرية هي "مشروع فاعل" للطبقات الإجتماعية الحضرية الذين يستغلون المدينة لتكريس نفوذهم الإجتماعي. وبهذا المنظور, فعملية تقديم تسويق المدينة تتفاعل بإحدى أشكالها الاجتماعية بهدف اقناع عامة الناس بأن المدينة كنموذج به المتطلبات الأساسية للمعيشة الحضرية هو عملية إيجابية تماما, وأن دور الناس في هذا النموذج هو متطلب أساسي موضع اهتمام وتقدير. وبصرف النظر عن أهمية المتطلبات الأساسية في حياة القاطنين, تعتبر هذه العملية حيث تسوق المدينة بهذا الشكل هي عملية تغييب للمجتمعات المحلية. فعلاقات القاطنين بالمدينة غالبا ما تكون متشعبة ومتعددة, وليست أحادية الإتجاه أو ذات طابع اقتصادي محدود كما تفرضه هذه العملية.
كتاب "مدن الإستهلاك", الذي نشرته دار (Palgrave/Macmillan) عام 2004, والذي نقدم الأفكار الأساسية في مقدمته, يطرح تساؤلات عديدة نقدية لمفهوم المدينة الاستهلاكية, وهو يعتبر الاستهلاك وسيلة أساسية يتم من خلالها تحديد هوية المدينة وفي نفس الوقت هو عامل تتحدد معه علاقة القاطنين بالمدينة وطبيعة هذه العلاقة. والتغييرات الحضرية التي تحدث بالمدينة ليست فقط على مستوى النسيج الفيزيائي, بل تشمل التحورات النفسية والعاطفية والمعنوية على مستويات بيئات أخرى غير منظورة حسيا تتضمنها العلاقات والتركيبات المتداخلة للبيئة الحضرية والتجمعات الحضرية. ولا يمكن تناول مفهوم الإستهلاك بمعزل عن "الحضرية", ولذا لم يكن من قبيل الصدفة أن أحد أهم الكتب في هذا المجال عنوانه "الاستهلاك كنمط حياة" على نسق كتاب "لويس ويرث" الذي عنونه "الحضرية كنمط حياة" حيث يقدم تصورا اجتماعيا يفسر منظومة المدينة والتجمعات الحضرية, التي يعيش بها أكثر من نصف سكان العالم حاليا, ويعرّف الحياة بها ـ حيث تقدم المدينة كمنظومة "ثقافية" متكاملة تشمل الأبعاد الحسية والفيزيائية. ويشير "ويرث" إلى بزوغ "الثقافة الحضرية الهائلة" حيث تقدم الخدمات للشخص العادي وليس لأشخاص معينين - وهو ما يشكل الثقافة التجارية المؤدلجة, وبما يشير لطبيعة المدينة المتناقضة ظاهريا, حيث سبرت ثقافة التجارة أغوار المجتمعات المستهلكة ودرست طبيعتها جيدا لأغراضها الخاصة الربحية والبراغماتية.
بعد آخر في علاقة الاستهلاك بالمدينة طرحه "سيمل" من خلال طبيعة العلاقة بين النسيج الحضري الحسي وأثره على النفسية البشرية ـ بما يعرفه على أنه الأثر النفسي/الإجتماعي على الحضرية. وهذا انعكس من خلال دراساته على الطريقة التي تؤثر بها المدن الكبيرة نفسيا وتخلق حالات ذات أثر معين على القاطنين. فمن اللافت أنه وكردة فعل للتكيف مع "التهييج المطرد" الذي تحدثه المدن الكبيرة في نفس القاطن, يتصرف الفرد بطرق محددة تجاه كل فعل, ويرى القاطن\القاطنة المدينة بعقله مقابل رؤية مقابلة بقلبه\قلبها. وحيث تكون المدينة الكبيرة عبارة عن "تعاملات اقتصادية", يتصرف القاطنون تبعا لذلك ويستغلون بعضهم بطريقة تلقائية. وهنا تكون البيئة الحضرية وسطا أقل "فردية" من مقابلها ـ الريف, حيث تلعب "المصالح التجارية والنقد" دورا كمحرك فاعل ورئيس, وتفرغ الكثير من القيم من مضمونها.
مقاربة أساسية أخرى يطرحها الكتاب تتعلق بمركزية مفهوم الاستهلاك في المدينة المعاصرة حيث تتمحور البيئة الحضرية حول هذا المفهوم فيزيائيا ومعنويا. وبدلا من المفهوم الدارج للمواطنة في المدينة, حيث يكون الأفراد مواطنين "يعيشون" في المدينة, أصبح هؤلاء الأفراد يعرفون على أنهم "مستهلكون" في, ومستهلكون للمدينة. وهنا يصبح الدور الثقافي للمدينة أكثر أهمية من بناء النسيج العضوي الفيزيائي للمدينة كما شاع تقليديا.

هوامش:
نقلا عن كتاب:
Consuming Cities
Steven Miles & Malcolm Miles
Publisher: Palgrave/ Macmillan
London & New York 2004

د. وليد أحمد السيد


أعلى





ترجمات شعرية لـ "أوكتافيو باث"

فجر

أيادي باردة سريعة
تسحب الواحدة تلو الأخرى
عصابات الظلام
أفتح عينيّ
لازلت
حياً
في مركز
جرح جديد صامت.


يقين

إن كان حقيقيا
هذا الضوء الأبيض من القنديل
حقيقة هي اليد التي تكتب
هل هي حقيقة
الأعين التي تنظر لما أكتب؟

من كلمة إلى أخرى
كل ما أقوله يختفي
أدرك أني حيّ
بين قوسين.


مقطع من "مسودة من ظلال"

أنا حيث كنت
أمشي وراء الهمهمة
وقع أقدام في داخلي، اسمعها بعينيّ
الهمهمة في العقل
أنا وقع خطواتي
اسمع الأصوات الني أفكر بها
الأصوات الني تفكر بي بينما أفكر بها
أنا الظل الذي تصنعه كلماتي


مقطع من قصيدة "ألا يوجد مخرج؟"

هناك في البعيد
على الجانب الاخر
شطآن تمتد
واسعة كنظرة حب
مكسو في ماء هناك المساء يكشف
هيروغليفيته عن قرب
يندفع النهر مغنياً على امتداد
السهل النائم
ويُرطب جذور كلمة "حرية"
هناك أجساد معقودة تفني أنفسها في غابة
من أشجار شفافة،
تحت أشجار الشمس نمشي،
نحن انعكاسان يتقاطعان كسيفين
فضة تمدّ جسوراً لنا كي نعبر المساء
الحجارة تصنع طرقا لنا
أنتِ الوشم على صدر الحصان الهابط من القمر
قطعة الماس الساهدة تثمر
وفي مركزها الخالي نحن العين التي لا
تطرف أبداً....


مقطع من "مقطوعة حالمة"


بين الرؤية والصنع
التأمل والعمل
أختار عمل الكلمات
لأصنعها، لأسكنها
لكي أعطي اللغة عيونا
الشعر ليس حقيقة
إنما إعادة بعث الحاضر
تاريخ
يعد صياغته في حقيقة وقت غير محدد
الشعر
كالتاريخ، يُصنع
الشعر كالحقيقة
يُرى
.
.
الشعر
جسر متحرك بين التاريخ والحقيقة
هو ليس مسلكا تجاه هذا أو ذاك
هو أن ترى
الهدوء في حركة
يتغير
في هدوء.
التاريخ هو الطريق
المودي إلى اللامكان
جميعنا نسلكه
الحقيقة هي أن تسلكه
نحن لا نذهب ولا نأتي
نحن موجدون في يد الوقت
الحقيقة
هي معروفة لنا
منذ البداية
مُعلقة
كأخوة فوق الهاوية.
.
.
(4)
الأفكار تتبعثر
الأشباح تبقى
حقيقة الذين عاشوا وعانوا
وبالكاد طعم خال يبقى:
الوقت
ـ غضب مشترك ـ
ـ نسيان مشترك ـ
يتحول في النهاية إلى ذاكرة ورؤى .
ما يبقى هو الوقت كجسد مقطّع: اللغة
.
.
في الوراء
بالكاد يشاهد
أبراج النجوم الحقيقية.
بين أبراج الماء وهوائيات التلفاز وأسقف المنازل
عمود سائل
ذهني أكثر من كونه جسدي
شلال من الصمت:
القمر
لا شبح هو ولا فكرة
ذات مرة آلهة
واليوم نقاء متمرد
زوجتي نائمة
هي أيضا قمر
نقاء يسافر
ليس بين شعاب المرجان والسحب
ولكن بين الحجارة وخراب الأحلام
هي أيضا روح
هي تطفو تحت عينيها المطبقتين
موجة صامتة
مندفعة
من جبينها إلى قدميها
تتهاوى من الداخل
تنفجر من الداخل
نبضات قلبها تنحتها
مسافرة من خلالها
هي تعيد صنع نفسها
وما إن تنهي
حتى تنسخها من جديد
هي ذراع البحر
بين جزر صدرها
بطنها بحيرة ماء مالح
حيث الظلام وظلاله الكثيفة
تبهت
هي تجري من خلال جسدها
تعلو
تسقط
تتبعثر في نفسها
تعقد نفسها في جريانها
تختفي في شكلها
هي أيضا جسد
الحقيقة هي
انتفاخ صدرها
الرؤى تحت جفنيها
غموض شخصها القويّ

أوشك الليل على الانجلاء
يبدأ في الاضمحلال
أصبح الأفق مائيا
كي يتهاوى
من أقاصي هذه الساعة
سيموت
هو إما علو أو سقوط
شعور أم وقوف
أطبق جفنيّ
أسمع في جمجمتي
آثار أقدام دمي
أسمع مرور الوقت عبر أصداغي
لا زلت حيا
الغرفة مغطاة بالقمر
امرأة:
نافورة في الليل
أنا معقود إلى جريانها الهادئ.

لهب وكلام

أقرأ في قصيدة:
الكلام مقدّس
ولكن الآلهة لا تتكلم
وإنما تصنع وتعيد صناعة العوالم
بينما يقوم الرجال بالكلام
يلعبون ألعاباً مرعبة
خالية من الكلمات.

الروح تهبط
وترخي ألسنة،
ولكن لا تنطق أي كلمة
تتحدث ناراً
اللغة تصبح
نبوءة
من لهب وبرج
من دخان ينهار
من مقاطع كلمات
رماد بدون معنى

كلمة الإنسان هي
ابنة الموت
نحن نتكلم لأننا فانون
الكلمات ليست إشارات، هي سنوات
تقول ما تود قوله
الكلمات التي نقولها نحن
نقول زمن: يسموننا نحن
نحن أسماء الزمن

أن تتكلم هو بشريّ.

مقطع من "رؤية ولمس"

يمسك الضوء بين يديه
الهضبة البيضاء وأشجار سنديان سوداء،
الطريق الذي يمتد
الشجرة التي تبقى؛

الضوء هو الحجر الذي يتنفس
بالقرب من النهر الجاري في نومه
الضوء: فتاة تتمدد على الأرض
كومة سوداء ينبثق منها الفجر؛

الضوء هو من يرسم النسمة في الستائر،
صانعاً جسداً حيّاً من كل ساعة،
يدخل الغرفة وينسل خارجاً،
عاري القدمين، على حافة سكين؛

يُولد الضوء امرأة في مرآة،
عارياً تحت أوراق الشجر الشفافة
مُقيّداً بنظرة
ذائباً في غمضة عين
هو الوعاء الذي ترشف العين منه النقاء
لهب مقطوع لحظة الثمر، شمعة تنظر
حيث تحترق الفراشة ذات الجناح الأسود؛

الضوء يفتح ثنايا الملاءات
وتجاعيد البلوغ
يضيء في المدفئة، ألهبته تصير ظلالا
تتسلق الجدران، لبلاب متلهف؛

الضوء يهرب عبر مسارات المرايا
ويعود ضوءً:
هو اليد التي تعيد صناعة نفسها،
العين التي ترى نفسها في إعادة تكوينها.

الضوء هو زمن منعكس على زمن.

أنا رجل

أنا رجل
حياتي فانية
والليل كبير.
أرنو إلى السماء:
تخطّ النجوم
غير مدرك أفهم:
أنا أيضا قد خُطّ اسمي،
وفي هذه اللحظة
ثمة شخص ما يقوم بتهجئة اسمي.


هوامش
* شاعر مكسيكي حائز على جائزة نوبل للأدب عام 1990
* مايثونا: مصطلح سنسكريتي يستخدم في التانترا ويترجم إلى الإتحاد الجسدي في سياقه الشعائري أو الطقسي. يُعد واحداً من أهم "الماكرا" الخمسة ويُشكل الجزء الأساسي لطقس التانترا العظيم الذي يُعرف بـ البانشاماكرا.
مصدر القصائد
Selected Poems, Octavio Paz, Edited by Eliot Weinberger, A New Directions Book, 1984.
القصائد مترجمة من الإنجليزية للعربية

ترجمة: أحمد عبدالله العجمي

 


أعلى






أنا وصديقي وأبي مسلم

لم أعرفه إلا صدفة من خلال موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك.. وهذه الصدفة هي التي غيرت مسار حياتي بدون تخطيط مسبق ، فالصدفة أحيانا تلعب في حياة الإنسان إما أدوارا سلبية أو ايجابية.. ولكن هذه المرة الصدفة كانت ايجابية وساقتني إلى التعرف على إنسان رائع لا يمكن نسيانه، فمن خلال الانترنت وخاصة مواقع الدردشة نلتقي بالكثير من الأصدقاء ونتعرف إليهم من بقاع شتى.. ولم أكن أبالي بهؤلاء الأصدقاء فبمجرد غلق الدردشة ينتهي كل شيء ، ولكن هذا الصديق لا يمكن نسيانه فقد ترك أثرا عميقا في نفسي ، ففي كل مرة ألتقي فيها به أو كما يسمونها بالدردشة أخرج بحصيلة كبيرة من المعلومات الثقافية الدسمة عن عمان، وكم هائل من المعلومات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية بتواريخها وأحداثها الدقيقة تختزنها ذاكرة صديقي الذي لم يبخل في البوح بها لي في بداية كل صباح لارتشف مع فنجان الشاي جرعات ثقافية بالمجان في وقت لا مجال فيه للقراءة بسبب ضيق الوقت ، لم يكتم صاحبي سرا إذ أباح لي من أول دردشة بحبه الشديد لأبي مسلم البهلاني والذي بدأ حديثه بهذين البيتين من القصيدة النهروانية اللذين حفظتهما عن ظهر قلب:
سميري وهل للمستهام سمير *** تنام وبرق الأبرقين سهير
تمزق أحشاء الربابة نصاله *** وقلبي بهاتيك النصال فطير
في السابق لم أعر أبي مسلم أي اهتمام حتى أشعاره لم أكن أستسيغها كنت أحفظ أشعار احمد شوقي وايليا أبو ماضي ونزار قباني وأحمد مطر وغيرهم من شعراء الحداثة ، ولكني لم أحفظ من شعر أبي مسلم أي شيء أو بالكاد اسمع اسمه من بعض المثقفين ، ولم اخجل أن أقول له ذلك فغالبية الشباب لا يعرفون عن الأدباء والشعراء والعلماء العمانيين إلا النزر اليسير أما لاعبي الكرة والفنانين فصورهم معلقة في غرف الشباب المراهقين ولكنك لا تجد لديوان أبي مسلم حيزا في مكتباتهم.
ذات يوم بعد السلام والتحايا فاجأني بهذه الأبيات:
تهد العمر رائعة المنون *** وحد الحي إتيان اليقين
ألهواً بالغرور ولا نبالي *** ونؤخذ بالشمال واليمين
إلا جزع لقاصفة أخرى *** تليها للمباين والقرين
ونركن والمهالك عاصفات *** إلى تغرير كاذبة خؤون
على أن الحياة لها حدود *** سنقطعها على رغم الركون
ودون أن يكمل بقية القصيدة قلت له لمن هذه الأبيات الرائعة: وكالمتعارف به في الدردشة قال: هذه أبيات أبي مسلم البهلاني في رثاء الشيخ العلامة سالم بن أحمد الريامي قاضي الجزيرة الخضراء من أعمال زنجبار المتوفي سنة 1337 وكان من أخص أصدقاءه وبدأ يسرد لي حياة أبي مسلم كاملة وأشعاره ورحلاته وأنا أتابع كل حرف يكتبه.
أعجبني صديقي في تحليله لقصائد أبي مسلم وتحليله للأحداث الجارية وربطها بالقصائد ، وأعجبني أيضا حفظه للكم الهائل من القصائد ، وأنا بدوري اكتشفت هذا الجمال الشاعري وهذه الكلمات الرنانة وهذا الحس المرهف في شعر أبي مسلم من خلال صديقي الذي أتحفني بأبيات هزت وجداني ومشاعري ومما قاله:
أشعة الحق لا تخفى عن النظر *** وإنما خفيت عن فاقد البصر
وكلمة الله لم تنزل محجبة *** عن البصائر بين الوهم والفكر
نادى المنادي بها بيضاء نيرة *** حنيفة سمحة لم تعي بالفطر
أقامها الله دينا غير ذي عوج *** جاء البشير بها للجن والبشر
ما أروع هذه الأبيات التي يغدقها علي صديقي من روائع أبي مسلم في كل لقاء .. وكل صباح كنت أنتظر دخوله الانترنت بكل شغف ولهفة.. أنتظر صديقي على أحر من الجمر لأنهل من معين ثقافته وليخبرني المزيد عن أبي مسلم وقصائده ومناسباتها والأحداث المرتبطة بها، كنت أقول له على سبيل المزاح انك موسوعة شعرية متنقلة، ويجيبني انه لا يحب الإطراء كثيرا فهو لا يحفظ إلا القليل ، ولم أنسى أن اسأله إن كان يقرض الشعر ، وأنا اعرف انه مشروع شاعر ناجح لو بدأ في الكتابة وقد أظهر لي بعضا مما كتبه ، ولكنه في كل مرة يقول : لست بشاعر يا عزيزي! لكني أظن انه شاعر بالفطرة حتى وإن لم يعترف لي بذلك.
في كل صباح وعندما نلتقي على الفيسبوك يستشهد بشعر أبي مسلم في كل مناسبة وحادثة حتى عندما أخذنا دفة الحديث عن الشاي قال لي أيضا أن أبي مسلم قد كتب عنه.. ظننت أنه قال ذلك مازحا ولكنه أكد ذلك بقوله:
قد أكثر الناس في الشاهي مدائحهم *** ولست اذكر فيه فوق ما أجد
طعم ولون وتفريج وطيب شفا *** ونشوة حي عنها الروح والجسد
فاشربه صرفا ولا تخلط به لبناً *** فالصرف أولى وذا المخلوط منتقد
كنت طماعا إلى ابعد الحدود في كل بيت اطلب من تفسيرا عن أي كلمة لا اعرف معناها.. وكان نعم المعلم الشارح ولم يكتفي بذلك بل نصحني بالاجتهاد في القراءة قليلا وبالاستعانة بمعاجم اللغة العربية في شرح الكلمات الصعبة وأنا بدوري شكرت له هذه النصائح القيمة التي أفادتني كثيرا في قراءة أمهات الكتب العربية.
قلت له: هل كتب أبي مسلم في شعره أغراضا عدة فقال بالتأكيد ان أبي مسلم لم يكتفي بكتابة القصائد الدينية فقط وإنما كتب أشياء أخرى من فقد تناول في شعره أغراضا عدة منها الشعر الديني الذي يغلب عليه طابع الزهد والورع، تلك الروح نلمسها في قصائد عدة مثل (أشعة الحق) وله الكثير من القصائد الاستنهاضية تدعو إلى الجهاد وتحرير النفس من العبودية لغير الله تعالى ونصر دين الله تعالى ومن هذا القصائد قصيدة النونية المسماة بالفتح ، وأظن أن صاحبي أراد أن يستنهضني ويثير حماستي فقال:
يا للرجال ألم يأن الجهاد لكم *** بلى لقد فات ابان وابان
يا للرجال أقيموا وزن قسطكم *** فما لكم قبل وزن القسط ميزان
يا للرجال أحفظوا أوطان ملتكم *** فما لكم بعد خذل الدين أوطان
يا للرجال أحفظوا أحساب مجدكم *** إن لم تكن فيكم للدين إشجان
يا للرجال اندبوا لله غيرتكم *** فالوقت ضاق والتثبيط خسران
يا للرجال الا لله منتصر *** فناصر الله لا يعروه خذلان
ولا بد من التطرق إلى نوع من الغزل حيث سألته: هل كتب أبي مسلم شيء من القصائد الغزلية ؟ قال نعم خذ هذه القصيدة مثلا وهي بعنوان ساحر الطرف:
ساحر الطرف سقيم جفنه *** قمريٌ الوجه ليليٌ الشعر
ناحل أخصر ثقيل ردفه *** مائس القد ردينيٌّ الخطر
نافر عني وقلبي سكنه *** صفوة الود إذا قال غدر
هل يراعي ذمة من ودنا *** لا وهيهات الوفاء ممن غدر
كان لا بد بعد كل هذه الأيام التي قضيناها في الدردشة أن نتواصل صوتيا من خلال الهاتف والتي قررنا فيها أن نلتقي وجها لوجه ، في الطريق كنت أتخيل صديقي رجلا طاعنا في السن ويلبس نظارة من كثر القراءة هكذا تخيلته.. ولكن عندما قابلته اكتشفت أنه إنسانا آخر شاب في مقتبل العمر ويحمل من الطيبة ودماثة الخلق والروح المرحة الشيء الكثير، أعطاني ظرفا قال لي هذه هداية أول لقاء ففتحته ولم أكن أتوقع ما بداخله فإذا هو ديوان أبي مسلم البهلاني.. فرحت بالديوان كثيرا وها أنا الآن عاكف على قراءته وحفظ بعضا من أبيات قصائده.
رحم الله أبي مسلم وادخله فسيح جناته ووهب صديقي كل الخير والسعة في العلم والحفظ وأقول شكرا للفيسبوك على معرفتي بك يا صديقي.

ناصر بن سالم المجرفي


أعلى






الخوف الملعون

وقف منتصبا كذلك الخط الممتد من الأرض إلى آخر حدود السماء، رافعا رأسه، ومتعاليا كجذع نخلة باسقة. يقف لحظة ثم يعاود حركته التلقائية مرة أخرى حول تلك الأجساد المصطفة كحجارة ملقية من على جبل. يدور حولهم بتأن مدروس. يقلب نظره الحاد بين تلك الصفوف فردا فردا. حتى يكاد يلمح ارتعاشة شفاههم تحت ضوء القمر المستدير. ويسمع بخفوت باك صوت اصتكاك أسناننهم ببعضها... تنتشي حواسه بذلك الصوت، ويثير كالبركان في داخله لعنة الظلم المُسِكِره. تصل خطواته لآخر الصف يلتف بخفة ثم يعود يرطم احافيره على الأرض، فتهتز قلوبهم الوجلة كأن احافيره تطئ قلوبهم دون الثرى.
الظلم كزهق الماء على الرخام إن لم تجعل له حدا انتشر واتسعت مساحته لتنزلق قدمك عند أول تعثر. انتزعت يده ـ المتخمة بالبطش ـ من بين جموعهم فريسته المشبعة بالنعمة واللحم؛ ليتلذذ بطنه المنتفخ بهضمها طول الليل. أنهى مهمتة اليومية ليخرج بفريسته ركضا من فتحة صغيرة صنهعا لنفسه من سياج الحضيرة المتين. انتزعت الظلمة ظله واختفي بعيدا وما زالت الصفوف كما هي تغوص في جو من الفراغ المميت والصمت!. بقي الوضع هكذا طويلا حتى ارتفع من بين الصفوف صوت حمل صغير يلعن نفسه آلف مرة.
لماذا خلقنا أغناماً بلهاء؟ جبناء؟! صمت ثم نظر إلى وجوههم المغروسة في الأرض. بكى... ثم انتحب... ثم سقط في الأرض. بعد وقت من ليلة دامية نام الجميع، ونامت أوجاعهم بجوارهم، ونام الليل على كتف النهار، ونام الموت حتى حين.
في الليلة التي تتبعها جاء الذئب كعادته. يشمر سواعد النهب. يسرق الحياة على ظل القمر. ينهب ما يحلو له في غفلة من أصحابها ويتلاشى في العتمة. حين دخل الذئب الحضيرة اهتز المكان بثغاء الحمل الصغير. وبدأت ضجة عالية تعلو الحضيرة بين ثغاء الماعز وصوت الذئب الغاضب. توقف الضجيج فجأة حين انغرزت رصاصة قاتلة في قمة رأس الذئب.

خلود المقرشية

 


أعلى





تـراثـيـات

خالف تذكر

أول من قال ذلك الحطيئة، وكان ورد الكوفة فلقي رجلاً فقال: دلني على أفتى المصر نائلا، قال: عليك بعتيبة بن النهاس العجلي، فمضى نحو داره. فصادفه، فقال: أنت عتبة؟ قال: لا، قال: فأنت عتّاب؟ قال: لا، قال: ان اسمك لشبيه بذلك، قال: انا عتيبة فمن أنت؟ قال: انا جرول، قال: ومن جرول، قال: ابو مليكة، قال: والله ما ازددت إلا عمى، قال: انا الحطيئة، قال: مرحبا بك، قال الحطيئة: فحدثني عن أشعر الناس من هو، قال: أنت، قال الحطيئة: خالف بذكر ان أشعر مني الذي يقول:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه
يفره، ومن لا يتق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
على قومه يستغن عنه ويذمم
قال: صدقت، فما حاجتك؟، قال: ثيابك هذه فإنها قد أعجبتني، ودفع ثيابه اليه، ثم قال له: ما حاجتك أيضا؟، قال: ميرة أهلي من حب وتمر وكسوة، فدعا عونا له فأمره ان يميره وان يكسو أهله، فقال الحطيئة: العود أحمد ثم خرج من عنده وهو يقول:
سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا
فسيان لا ذم عليك ولا حمد

ـــــــــــــــــ

الحنين للوطن

تزوج معاوية من ميسون المجدلية وكانت بديعة في جمالها فأسكنها القصر منعمة مكرمة، ولكنها اشتاقت الى موطنها وحياتها في البادية فقالت
لبيت تخفق الأرياح فيه
أحب الي من قصر منيف
ولبس عباءة وتقر عيني
أحب الي من لبس الشفوف
وأكل كسيرة من كسر بيتي
احب الي من اكل الرغيف
وأصوات الرياح بكل فج
أحب الي من نقر الدفوف
وكلب ينبح الطراق دوني
أحب الي من قط أليف
وخرق من بني عمي نحيف
أحب الي من علج عليف
خشونة عيشتي في البدو أشهى
الى نفسي من العيش الظريف
فما أبغي سوى وطني بديلاً
فحسبي ذاك من وطن شريف
وحين سمعها معاوية تقول ذلك طلقها ثم سيرها الى أهلها بنجد وكانت حاملاً بابنه يزيد فولدته بالبادية وأرضعته سنتين ثم أخذه معاوية منها بعد ذلك.

ـــــــــــــــــ

يوم الطين

دارت أحداث هذه القصة بين المعتمد بن عباد ملك اشبيلية أشهر ملوك الأندلس أيام الطوائف وبين زوجته وحبيبته اعتماد الرميكية التي عشقها وهي جارية ثم تزوجها وأصبحت ملكة اشبيلية، وذلك انه في يوم من الأيام رأت اعتماد الروميكية الناس يمشون في الطين فاشتهت المشي في الطين، فأمر المعتمد، فسحقت أشياء من الطيب وذرت في ساحة القصر حتى عمته ثم نصبت الغرابيل وصب فيها ماء الورد على أخلاط الطيب وعجنت بالأيادي حتى عادت كالطين وخاضتها الروميكية مع بناتها وجواريها، وغاضبها المعتمد بن عباد في بعضا لأيام، فأقسمت انها لم تر منه خيراً قط، فقال: ولا يوم الطين؟ فاستحت واعتذرت واصبح القول مثلاً بعد ذلك.
وتدور الأيام بابن عباد وينهار ملكه ويتشتت شمل اسرته ويقفع في اسر يوسف بن تاشفين الذي نقله الى أغمات بالمغرب، وفي أول يوم عيد بسجنه بأغمات أفطر على تمرات وقد دخل عليه بناته وعلينه أطمار بالية وأقدامهن حافية، فتأثر المعتمد بن عباد تأثراً كاد ينفطر له قلبه، فأنشد يقول:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأكمار جائعة
يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية
كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
لا خذ إلا ويسكو الجدب ظاهره
وقبل كان بماء الورد مغمورا
لكنه بسيول الحزن مخترق
وليس إلا مع الأنفاس ممطورا
أفطرت في العيد لا عادت مساءته
فكان فكرت للأكباد تفطيرا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً
فردك الدهر منهياً ومأمورا
من بات بعدك في ملك يسر به
فإنما بات بالأحلام مغمورا


ـــــــــــــــــ

ابن القرية

دخل ابن القرية على الحجاج وكان من اكابر اهل زمانه فطنة وعلماً فسأله الحجاج: ما الكفر؟ قال: البطر بالنعمة، واليأس من الرحمة. فقال: ما الرضى؟ قال: الثقة بقضاء الله والصبر على المكاره. فقال ما الحلم؟ قال: اظهار الرحمة عند القدرة والرضى عند الغضب. فقال ما الصبر؟ قال: كظم الغيظ والاحتما لما يراد.


ـــــــــــــــــ

سحر البيان

اجتمع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهثم، فذكر عمرو الزبرقان قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنه إطعام جواد الكف، مطاع في أدانيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنه ليعرف مني أكثر من هذا، ولكنه يحسدني. فقال عمرو: والله يا نبي الله، إن هذا لزمر المروءة، ضيق العطن، لئيم العم، أحمق الخال، فرأى الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اختلف قوله، فقال: يا رسول الله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى، ولكني رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أسوأ ما أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة.

ـــــــــــــــــ


كِلاَنَا يا بُثَيْنَ مريبُ

جميل بثينة

بثينة قالت: يا جميل، أربتني
فقلت: كِلاَنَا يا بُثَيْنَ مريبُ
وأريبنا من لا يُؤدِّي أمانةً
ولا يحفظ الأسرار حين يغيبُ
ألا تلك أَعْلاَمٌ لِبَثْنَةَ قد بدت
كأن ذراها عَمَّمَتْهُ سبيبُ
طَوَامِسُ لي من دُونِهِنَّ عداوةٌ
ولي من وراء الطامسات حبيبُ
بعيدٌ على من ليس يطلب حاجةً
وأما على ذي حاجةٍ فقريبُ

ـــــــــــــــــ

نـوادر
الطفيلي

نظر طفيلي الى قوم سائرين فظن انهم ذاهبون الى وليمة فتبعهم فإذا هم شعراء
قصدوا الامير بمدائح فلما انشد كل واحد قصيدته في حضرة الامير لم يبق الا الطفيلى فقال الامير انشد شعرك قال لست بشاعر قال الامير فمن انت.
قال الطفيلى من الغاوين الذى قال الله فيهم (والشعراء يتبعهم الغاوون) فضحك
الامير وامر له بجائزة

ـــــــــــــــــ


لغة العيون

قيس بن الملوح

إذا نظرت نحوى تكلم طرفها
وجاوبها طرفي ونحن سكوت
فواحدة منها تبشر باللقاء
وأخرى لها نفسي تكاد تموت
اذا مت خوف اليأس أحياني الرجا
فكم مرة قد مت ثم حييت
ولو أحدقوا بي الأنس والجن كلهم
لكي يمنعوني أن أجيك لجيت
ألا يانسيم الريح حكمك جائر
عليّ اذا أرضيتني ورضيت
ألا يانسيم الريح لو أن واحدا
من الناس يبليه الهوى لبليت
ولو خلط السم الزعاف بريقها
تمصصت منه نهلة ورويت

ـــــــــــــــــ

بصير بطيب العيش


أبو خالد المهلبي

قالوا تمن، فقلت: القوتَ فـي دَعة
ببطن مرة لا وحل ولا سـهـك
بطن إذا افترش المسكين تربـتـه
رأيت أنظف فرش يفرش الملـك
لي حرة من عباد اللـه صـالـحة
لا الجار تؤذي ولا الإسلام تنتهكُ
والصقر والكلب إما كنت ذا جلـدٍ
وإن ضعفت فريشي الدبق والشبك
وطائرات على بـرج مـطـوقة
كأنما ريشها السمور والـفـنـك
في منزل لم يكن من مكسب سحت
لا يخاف به مـن عـامـل درك
تسلم النسك للنـسـاك خـلـوتـه
ويستر الفتك من قوم إذا فتـكـوا
يا منزلاً لم يساعدني الزمـان بـه
ولم يدر لي بأن أحيا به الفـلـك
لقد تمنيت عيشـاً لـيس يعـرفـه
إلا بصير بطيب العيش محتـنـك

 

 


أعلى





الأدب الشعبي


سراب

جفت عيون العشق تتبع سرابك
وانت البعيد ومابقى فيني شعور
كم قلك لك والليل واقف عبابك
قلبي عيون وطلتك منبع النور
ياللي احبك لين يرضى عذابك
قلبي غصن واحساسي بحبك طيور
من يوم ما حظي تعنى وجابك
بيني وبينك اشعر جبال وبحور
واشعر باني كنت صفحة بكتابك
واشعر بأن الكون من حولك يدور
اربع سنين ومابها شي تابك
كل الاماكن ترجع وتلعب الدور
اربع سنين ولو رحمني غيابك
ماكنت ابنزف لك من اشعاري سطور
اربع سنين وعطرك اللي وشى بك
وعاش اللقا ما بيننا بدم مهدور
اربع سنين ومالقيت بترابك
بذرة امل ، وش تزرع بارضك البور
عشت لعيونك والطريق ابتدا بك
واهديت لك قلبي ولاني بمجبور
بس ف غيابك مات قلب حيا بك
من صدتك عاش العمر وسط ديجور
ارجع عيون العمر تتبع سرابك
قلبك بعيد ومابقى فيني شعور

يوسف بن علي البلوشي

ـــــــــــــــــ

ظل ..!

ليلك حزين ومغتسل فيه بردك
والريح في جرحك وبــــيبانه تميد
قرية ومقهى و طاولة، روح سهدك
نور الشوارع والمشـاعر مــــشاريد
عتمة مضيئة تنزلق وسط مدّك
تشعل بحزنك عمر وتــــسافر بعيد
تبقى شريد مسمر الدمع وحدك
ذاتك جريدة وكثر كونك تـناهيد
كم ليلتك حبلى بـ ملاذات خلدك
بـ العابرين هناك , حــدس الأساويد
ماتت أساميهم على طول وعدك
والبرد يكتبهم أسامي من جديد
هم وجه سلمى اليوم ,هم أمس شدّك
هم ثرثرة لـ جده بـ مساءات من عيد
هم صبرك المغمي على ظل جلدك
ترسم سوالفهم أسرّه , تهاجيد
شاخ الشغب , طيّر مع الليل سدّك
نامت على جدران قلبك مواعيد
عاد الأنا حادي على ضعن وجدك
ما رد يوم الحلم فـ عيونهم بيد
تدري سروا مع ناهم الموت بعدك
وانته وهواهم فوق رمضا التقاليد
ترموا أغانيهم على ليل ودّك
وتطير من نبش الأغاني تغاريد

عبدالناصر السديري

ـــــــــــــــــ

قصيدة نداء

شيّ في داخل كيانك يا سحابــة أنستـــر
ما بغيتك في جفافي يا سحابــة تمطـــري
يرثم الهمّ الأماني في زماني وأحتضــر
والقهر ترجع غيوم الحلـم تعلا منبــري
كفّ يا برقي رعودي مالها أيّــة ضـــرر
والسبب همسة جروحي يوم يدوي مصدري
آهّ والقصّــة كبيــرة في متاهـات القـــدر
والضياع اللي أسرني منكتب في دفتـري
بعد أبويه صارت أيام العنا تطفـي الفنـــر
والظلام يْزيــد ظلمه والليالــي تحتـــري
أيَه يكـْفي يا السمــا أصفــي دخيلك للقمـــر
وطـْف دمْعاتي يغرّق بسمتي في محجـــري
صاح طيفه يا يتيمـي أرتكـــز خلـّـك قشــر
وضْعنا ما عاد يرحم شخص من فقـْره ثري
صحت مقدر والشرر دمّر قناعات الفكـــر
وأنت أدرى كيف قاعد في حياتي يفتـــري
ما يفارقني مرير الصبْـــر والعلـّة سهــــر
والسّهر ضيّع خشوعي في سجوداً جوهري
ليش يا دنيـــا عذابك فاليتامـــى منهمـــر!
ليش لو نادت همومي دايم الرد أبشــري!
والقهر قلبــي ينادي ينتظـــر لفتت نظـــر
ما درى صمَّ الحجارة ما عجبها منظـري
يا اليتيم اللي تنادي للألـــم، لـو تفتكــــر
أصعب الأوجاع كانت طعنتاً من خنجري
يا اليتيم اللــي تنادي للفــــرح، لا تنتظــر
أنثر الأحزان دامك عايشاً فـي أسطــري
يا اليتيم اللي تنادي للأمـــــل، مالك مفــر
صكـّت الأقدار دربك خفّ عنك هالجري
وين ذاك اللي تكفل ما بغى شهرة بشــر

مكسبه قربه كهاتين القرابــة فـ أشبــري
بس حسافة يا زماني كيف حطوك العــذر
والتهم ترمى على كتفك وخبرك ينطري!
أيه يا قلبي عذابي من ضلوعي لك وشـر
(هالسفينة ) لجْـل يأمر: يالمصايب أبحري
عندك العلـْـم المؤكـّـد يا سحابة بالقهـــر
عاد كيفك لو بغيتي في جفافــي تمطــري

عمر العريمي

ـــــــــــــــــ

صلاة قلوب

إخلاص مع قمة تفاصيل العطا
مع صوت إلا منتهى
مع اخضرار العشب
مع انفطام الجدب
جيتك محب
***
لا فاس يكسر هالقدم
لا ريح تغتال الحلم
لا حرف يعلو فوق حرفك / لا اسم
لا شمس تسطع فوق شمسك / لا نجم
يا ساكنه مابين ضلع وضلع
يا صلاة قلوب
كلهم ضلوا بمحرابك صفوف
يقرئوك إعجاز سيره
في احتراق أجمل مسيره
كلهم جاءوا إلى كرمك صباح
يعصروا عنابك بْكف الفلاح
ما طواهم رجف ثلج
و لاعصفهم طرق وهج
***
يلي يمرك هالعمر وأنتي بريعان الشباب
شاب العمر وأنتي صغيره ما يغرك الدهر
ما كنك إلا للعطايا ألف شباكٍ وباب
و ماكنك إلا للمعالي ألف منطاد وجسر
يا موطن الإقدام والهمة وتذليل الصعاب
علمتني وقت الشدايد كيف أتحدى الخطر
إعجاب جيتك منثمل من يوم ما طاح الحجاب
و إعجاب في حضنك بضل اليوم يفني هالعمر
مري على صوت المطر تورق بها لدنيا سحاب
تخضر بساتين وْهضاب
تنشد حمايم عالغصون
تسد ل جفون
تزهر عناقيد الحياه ..
على صدور الحالمين
تلفي أماني ضايعه
تغدوعوارض قابعه
وإتعمر بْوجه الأماكن ابنيه ..
***
يا طفلتي يلي على شط البحر
الموج مع صبح ومساء
يصطاد لك أجمل صور
ويشدها البوم ذكرى للسفر
للباحثين أبعمق عن سيرة أساطير البحر
يا طفلتي يلي تصفين الحجر
صيغي من أصناف الصدف تحفه لباكر
واقري السنين الطاهره
واستخرجي أروع تذاكر
لجل الدروب الناضره
لجل الليالي الساحره
لجل الفصول الزاهره

عبد العزيز بن عبيد البوسعيدي

ـــــــــــــــــ


رماد الملح

على كثر الهموم اللي رمتنا للطعون ظلال
وعلى كثر الهموم اللي تجف الحب بضلوعي
رجيت الامس رد الامس بدل حالته والحال
وأدور بالتعب قلبٍ يداري همي برجوعي
رماد الملح يا روحي غدالي للعيون كحال
يجمَع ما بقى مني بقايا الاه بدموعي
حسبت ان الزمن عثره..حسبنا تنتهي الامال
وأمشي عل هالارض بتسد من الظمأ جوعي
ارضنا جف منها الزرع نبت فيها الحنين جبال
سواد الليل غطاها يكسر بيتها جذوعي
انا لك يالحنين بدمع يروي هالحزن شلال
وانا لك بالليالي السود اضوَي لهفة شموعي
لبست من الصبر ثوبٍ وغطيته بفراق الشال
وأمشي والسفر يتعب يدور بالعنا خضوعي
نسيت انك سكنت الجرح وانك هاجسي الغربال
ونسيت اني جرح منفى تبلل من كثر طوعي
ايا من تسمع الشكوى انا اشكيلك الترحال
صبرت وهمي يكبرني وأكبَر ربي بركوعي
على درب الشتا مره لقيتك مستريح البال
وقلت اني غريب الوجه،ملامح غربتي خدوعي
كنت امسح انا دموعك بأيدي والربيع اطفال
كبرنا وهمنا يكبر..همومٍ عضة صبوعي
تمنيت العمر يرجع وأصرخ هالزمن محتال
الا يا مركبي الساهر..سهيت وغابت شروعي
حنيني يا منى روحي يجدد للغرام وصال
اذا هبت رياح العمر راح وشابت قنوعي
حبيبي هالجروح تصيح دمعٍ والطعون ظلال
بفرشّ لك دفا هالارض وأضمك بينها ضلوعي

عبدالله بن صالح الرئيسي

 


أعلى


 

بَين القارئ والكاتب (يِفتحْ الله )..


(1)
الكاتب برئٌ حتى يثبت العكس .. وماذا عن القارئ ؟ القارئ أيضا ً بريء حتى تثبت إدانته. ومتى سيكون الحسم وأين ومن سيقلب الطاولة على رأس الآخر وأسئلةٌ كثيرة سيتم تدوينها في ملف القضية الشائكة.. إذاً الإشكالية البسيطة تحولت إلى قضية من دون وجود صراعٍ ظاهريٍ حقيقي بين الطرفين ؟ الصراع موجود والاختلاف بارز بشكلٍ جلي في الآراء فقط.. وبعد أخذٍ ورد ومداولةٍ وشدٍ وجذب امتد حيناً من الوقت ليس بالقصير أصدر القاضي حكمه بتأجيل القضية إلى أن يصدر الحكم بتبرئة هذا أو بإتهام ذاك ..
(2)
وبين البراءة والاتهام ستظل الإثارة حاضرة مع اشتداد حمى الدفاع من قبل محاميي الطرفين وكل طَرفٍ له حجة يَدعي بها على الآخر.. وهل ستكون الأمور مهيأة لعقد اتفاقٍ يُعيد المياه إلى مجاريها.. الإجابة جاءت على طبقٍ من ذهب: لا بديل عن المواجهة .. لكن المواجهة ستكون حاميةً قاسيةً حاسمة. وبعد صدور الحكم ستخرج صحف الصباح بعناوين مدوية ستُسعد البعض وتُحزن البعض الآخر وبين أنصار كلا المعسكرين سيستمر الجدل قائماً حتى إشعارٍ آخر.
(3)
وماذا عن التهمة؟ التهمة جد بسيطة.. ليس فيها قتلٌ ولا سرقةٌ ولا رفع سلاحٍ أو إعتداء بل هي أبسط من ذلك بكثير.. القارئ يتهم الكاتب بأن الفكرة التي أراد التعبير عنها لم تصل أو لم تُفهم لأن أسلوبه بالغ التعقيد وفي ذلك سيتفق البعض ويختلف.. أما الكاتب فيتهم القارئ بأن إنغلاق فكره وقلة إطلاعه سبب عدم تمكنه من فهم ماتم سرده بين السطور.. وفي أروقة المحكمة تعالت الأصوات بين من هو البريء ومن هو المتهم في انتظار أوان إعلان الحكم الفاصل وبين كلا الطرفين (يِفتحْ الله )..
(4)
بعد شهرٍ من الاختلاف وتبادل الاتهامات اتفق الطرفان على هُدنةٍ تُرفع فيها الرايات البيضاء رافعين شعار أصدقاء لا أعداء.


يَعقٌوبْ البُوسعيدي ..


 

أعلى




حكاية الظلال

هيئات كانت تخطر في السكك والطرقات التي كأنها تعج بصور سالبة لبشر غائبين عن ملامحهم أو مسلوبين وكأن بعمل سحري لهذه الملامح، هيئات من ظلال وكأن في استعراض لحياة معفية من ثقل الجسد، ظلال توارت أجسادها أو اختفت بفعل لعنة أصابت إحدى القرى أو سحرا أسود حاق بأهلها ذات يوم، فعند بدايته ذلك اليوم وتحت شمس نهاره المشرقة لم يكن هناك أثر للناس سوى ظلالهم التي كانت ترتسم تحت ضوء الشمس منعكسة على أديم الأرض وفي الطرقات وعلى الجدران بهيئات بشرية خالية من الملامح المعرفة، فلا أحد باستطاعته التعرف على أحد في ذلك النهار سوى بالأصوات التي كأنها أصداء تخرج من جوف الأرض أو من شقوق الجدران، مشكلة هذه الأصوات المعرف الوحيد على أصحابها بعد أن توارت الملامح والأشكال للوجوه والأجساد خلف ظل معتم.
وبعد أن أصبح هذا الوضع الغريب الذي ألمّ بالقرية حالا دائما لا فكاك منه مضى عليه عشرات السنوات، يقال إن الولادات والوفيات أخذت تحدث في القرية بشكل أكثر غرابة، ففي عدة مرات في السنة يقال إنه تخرج سحابة سوداء من جهة المشرق فتغطي بسوادها ضوء الشمس بما يكفي من الوقت لمسح الظلال المنعكسة ومحوها بظلها الواسع الذي يلقي بثقله على القرية، وبعد برهة تتبدد السحابة وكأنها لم تكن، كاشفة عن ضوء الشمس وتحته تعود منعكسة تلك الظلال البائسة مرة أخرى لكن بتغيرا واضحا في أعدادها وأحجامها بما يختلف عما كانت عليه في السابق قبل ظهور السحابة، فكأن الموت بات في واقع هذه القرية مجرد اختفاء وانسلال ظلي يحدث في غمضة عين كذلك فإن الولادات باتت في الواقع مجرد زيادة في مواجهة النقصان الحاصل في أعداد الظلال.
ولقد عرفت القرية بعد مدة طويلة بعد أن شاع خبرها في البلدان والأصقاع بقرية الظلال، فكان المسافرون يتحاشون المرور بها تطيّرا منها كونها قرية ملعونة في نظرهم، إلى جانب الاستحالة في التعامل مع الظلال بأي شكل من الأشكال، فقد ظلت القرية مكانا مهجورا يقع في زاوية قصية من مكان موحش منسي من ذاكرة البشر يمر على حافته طريق للقوافل لا يسلكه سوى الرحالة والتجار الأقوياء القلوب، فلم يكن يقصد لزيارتها إلا شغوف بكل غريب قوي في شغفه فيدفعه إلى اقتحام الأخطار وتحدي الشدائد إلى ذلك، وهم قلة من يحملون مثل هذا الشغف وقوته.
ومع أن الظلال قد تحملت وحدتها لقرون وقرون من الزمن متناسلة جيلا بعد جيل كإصرار قوي منها على البقاء، إلا أن بعد هذه المدة الطويلة التي عانتها من الوحدة والعزلة فاضت هذه الظلال كسيل جارف متدفق لا يوقف فيضانه شي، فاضت في جوف الليل فأغرقته بهيئتها الشبحية، فذات مساء تتلون سماؤه بفضة وضاءة مشعة يسكبها القمر من عليائه على الأشياء في الأسفل ويحيلها كحلية عروس، تدفقت الظلال فغمرت الليل محققة في كنفه خلودا أبديا: طفولة لا يدركها الشباب وشباب لا يدركه المشيب.
منذ ذلك اليوم الذي غمرت فيه الظلال الليل زادت هدهدات الأمهات لأطفالهن التي يطلقنها بصوت شجي في جوف الليل يرجون فيها السلامة لصغارهن والنوم العميق الهادي من منغصات أرواح الظلام التي خرجت من عقالها، وزادت طاقة الخيال واجتراحه لتفاصيل حكاية لا تمل في ليل شتائي طويل، وعم الليل تمتمات تعاويذ وأدعية، وعم الليل هسيس لا يقف أحد على مصدره.
أحمد الرحبي

 


أعلى


 

صفحات من التاريخ العماني

يتسم التاريخ العماني بتعدد عصوره وحقبة الزاخرة بالأحداث والتي تحولت مادة خصبة للباحثين والمؤرخين من العمانيين والعرب والأجانب. وقد صدرت العديد من الدراسات التاريخية عن عمان تناولت التاريخ العماني منذ فجر التاريخ حتى العصور الحديثة. ومن بين تلك الدراسات التاريخية الهامة دراسة للشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة الذي تتميز دراساته وبحوثه بالموضوعية والتجرد والاعتماد على الوثائق والمصادر التاريخية الموثقة.
ومن بين دراساته التاريخية الهامة عن تاريخ عمان كتابه "تقسيم الإمبراطورية العمانية (1156 ـ 1862)" الذي اعتمد فيه على مركز وثائق مومباي والمكتبة الهندية في لندن ومركز وثائق زنجبار الوطني ومتحف بيبودي بأميركا وقسم وثائق الخارجية الفرنسية وغيرها من المصادر التاريخية الموثقة في محاولة منه لاستجلاء الصفحات الغامضة من تاريخ عمان ومنطقة الخليج ومنها إلقاء الضوء على معاناة السيد سعيد بن سلطان من شركة الهند الشرقية.
يتناول الكتاب جهود السيد سعيد بن سلطان الذي اتخذ من زنجبار عاصمة للإمبراطورية العمانية والتي قام بتأسيسها في حقبة صعبة، تلك الإمبراطورية التي امتدت في الممالك الأفريقية لمسافة ألف ومائة ميل على الساحل الشرقي لإفريقيا وفي الداخل إلى البحيرات ، فكانت زنجبار مفتاح شرق أفريقيا ومركزاً من مراكز الثقافة في المحيط الهندي وكان التجار العرب والسواحليون ، حاملو علم السلطان الأحمر اللون يكونون إمبراطورية تجارية امتدت من أوغندا شمالا إلى مالاوي وزامبيا جنوبا والى الكونغو غربا.
ويذكر الدكتور سلطان أن قدوم السيد سعيد إلى زنجبار التي أصبحت عاصمة لإمبراطوريته الأفريقية كان متأخرا ، وكانت أحلامه وطموحاته مستحيلة التحقق في القرن التاسع عشر حيث المستكشفون الأوربيون والإرساليات الذين أفاقوا فجأة على حقيقة أن هناك مكانا مثل أفريقيا وأنها قارة تستحق الامتلاك وهكذا فقد بدأت أمم أوروبا تحاول تقاسم تلك المملكة ، ويتحدى هذا الكتاب الأكذوبة التي ابتدعتها شركة الهند الشرقية والقائلة بأن السيد سعيد قد قسم إمبراطورية، كما يقدم الكتاب تفسيرا شاملا لفترة حيوية على ساحل شرق أفريقيا، ويلقي الضوء على الأسلوب والطريقة التي اتبعتها شركة الهند الشرقية للسيطرة على شرق أفريقيا، كما يجادل بالأدلة والبراهين لدحض تلك المغالطات التاريخية التى حاولت تشويه تاريخ المنطقة وأبطالها.
احتوى الكتاب على خمسة فصول تناول فيها الباحث في الفصل الأول تاريخ زنجبار والسواحل متضمنا الهجرات الإسلامية لشرق أفريقيا وعلاقة كل من البرتغاليين وآل البوسعيد بشرق أفريقيا وعلاقة كل من البرتغاليين وآل بوسعيد بشرق أفريقيا ثم تناول موقف القوى الأجنبية فى الممالك الأفريقية من السيد سعيد بن سلطان.
وفي الفصل الثاني تناول الباحث الخلافات بين الإمام سعيد وحملة السيد ثوينى على زنجبار والخلاف بين السيد ماجد والسيد برغش.
وفي الفصل الثالث تناول بعثة تقصي الحقائق ووضع كل من مسقط وزنجبار السياسي والعسكري قبل وصول البعثة ثم يتناول بعثة العميد كوغلان وتقرير مسقط وتقرير زنجبار أما الفصل الخامس فيتضمن قرار التقسيم وابتلاع أركان الإمبراطورية العمانية واستيلاء القوى الأجنبية على جميع الأراضي التي كانت تابعة للإمبراطورية العمانية على الساحل الشرقي لأفريقيا وجعلت من زنجبار محمية خاصة لهم.
ميزة هذا البحث التاريخي الجيد للشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى أنه يقدم لنا تاريخنا العربي برؤية موضوعية مجردة بعيدة عن الأهواء والمصالح وذلك اعتماداً على الوثائق التاريخية التي لا تكذب والحقائق الموضوعية التى تقدم لنا الحقيقة مجردة بعيدا عن أية أغراض أو تحيز، حيث استعاد لنا حقبة هامة من التاريخ العماني وأمجاد المؤسسين الكبار الذين أقاموا إمبراطورية كبرى في شرق أفريقيا كانت لها من القوة والسطوة والنفوذ والمنعة للإسلام في هذه المنطقة وما حولها لولا تربص قوى التآمر والأطماع التي رأت فى هذه الإمبراطورية خطراً عليها فقامت بتقسيمها وبالتالى ابتلاعها.
******
أنها حلقة من حلقات تاريخنا العماني التي بينت لنا الحقائق الموضوعية بلا تزييف وبلا تشويه.
ليتنا نعيد بقية حلقات تاريخنا العماني في كل مراحله وحقبه حتى نتعرف أكثر على جوانب تاريخنا الحقيقي.
*سالم بن محمد الغيلانى
* من أعمال الفنان عبدالمجيد كاروه

 

أعلى

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept