الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ

نشأ الطفل العربي في ظل وسائط تثقيف محددة، تمثلت في الأسرة والجيران والمسجد والمدرسة وجماعة الأقران، واحتل الأدب مكانة بارزة في عملية التنشئة. وفجأة وفي غفلة منا ودون مقدمات ـ مع شغلها حيزا زمانيا لا بأس به ـ ظهرت وسائط تثقيف عصرية، أثرت في حياة أطفالنا، ففرضت علينا مجموعة من التحديات، واجهتنا في التعامل معها في عالمنا العربي، من بينها إعادة النظر في متطلبات مراحل النمو النفسية والإدراكية، التي حددها الباحثون والمختصون منذ وقت ليس بالقصير، استدعت إعادة النظر في السمات الأساسية لأدب الطفل، فهل انحسر تأثير الوسائط التثقيفية التي اعتدناها في ظل التطور التكنولوجي الهائل، أم أنها لا تزال تحتفظ بدورها الفاعل والمؤثر في حياة الطفل؟، وما مدى تأثير الوسائط العصرية في حياة الطفل؟، وما التحديات الكاملة التي تواجهنا في التعامل مع هذه الوسائط الحديثة في عالمنا العربي؟ وماذا عن تنامى دور أدب الأطفال أو تضاؤله في تثقيفهم، إذا ما قورن بدوره السابق .. تساؤلات حملها "أشرعة" لمختصين وكتاب وأكاديميين في مجال الطفولة وأدبها. فكان استطلاع "في ظل تنامي وسائط التثقيف وظهور وسائط عصرية جديدة ومتطورة .. الحاجات النفسية والإدراكية التي تتطلبها مراحل النمو والسمات الأساسية لأدب الطفل لا تزال تراوح مكانها".
الكاتب كاظم الموسوي يتحدث في العدد الجديد من "أشرعة" عن الشاعر السويدي توماس ترانسترومر، الفائز بجائزة نوبل للآداب لهذا العام 2011، متناولا سيرته وتعليق بعض الكتاب والأدباء على فوزه بجائزة نوبل ومنهم بيتر انغلوند، الأمين العام للأكاديمية السويدية، والمترجم العربي لأغلب شعره، قاسم حمادي.
الكاتب والقاص حسن حميد يتناول موضوعا جديا في عدد "أشرعة" وهو اللغة، حيث هي الوسيلة الأهم والجوهرية للتفكير، والتواصل، والتعبير، والمشاركة مع الآخرين أخذا منهم، وكيف أن اللغة العربية لا تخرج عن هذا النطاق الفكري، والعقلي، والاجتماعي، والتعبيري، ولكنها تمتاز عن اللغات العالمية المعروفة بخصائص عدة، حيث إنها لغة قومية، وهي لغة مقدّسة، فهي لغة القرآن الكريم، ولغة العبادة في الديانة الإسلامية. وهي لغة الشعر الذي لا يدانيه شعر في لغات العالم الأخرى. وقد استوقفته نقطة في غاية الأهمية وهي تعرضها في أزماننا الراهنة، إلى الكثير من العقوق والتجاهل من أبنائها تحت ذرائع وحجج واهية والدعوات المنادية بهجرها والانصراف إلى اللغات الأخرى، مبينا أن حرص العرب على اللغة العربية ليس حرصا تاريخيا، ولا نهجا مشاه الآباء. وإنما هو حرص على الدين أيضا. موضحا أن تعزيز اللغة لدى أبنائنا، والسهر عليها، وتسيير قواعدها، واستنباط الأساليب الجديدة المساعدة على اكتسابها، وترغيب الناشئة بها، من الأمور التي تعزز البنيتين القومية والدينية. لذلك كان الترابط ما بين القومية والدين ولا يزال ترابطا أزليا مجدولا من العقل والعاطفة في آن معا.
وفي العدد الجديد من "أشرعة" موضوعات ثقافية وفنية تستوقفك أيها القارئ، فاحرص على قراءتها.

المحرر

أعلى





صباحُك أحلى

أقولُ لشمسَكِ: يا شمسُ أهلا
لأنَّ صباحكِ ورداً وفُلاَّ
لأنّ صباحكِ يسكُبُ فينا
ضياءً مهيباً، وعزماً وفضلا
لأنَّ سناءكِ في كلِّ شبرٍ
يضوِّعُ عِطراً، ويُزهرُ كُحلا
نسجتُ من النُّورِ منكِ شموخي
ولذتُ بطرفِك؛ غصناً وظلاّ
صباحٌ عمانُّي يندى رفيقاً
ليروي قلوباً وسدراً ونخلا
عمانُ ارتويتُ بحبّكِ حتى
خفقتُ أُغني: صباحك أحلى

د.صالح الفهدي



أعلى






سلسلة شعراء عمانيون

سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني

شاعر وملك وقائد ،عاش في القرن العاشر الهجري من ولاية بهلاء. نشأ نشأة ناعمة فهو من أبناء الملوك، وقد تعلم القراءة والكتابة والحساب في بلده، وأخذ اللغة والأدب عن علماء الرعية النبهانية.
تأثر هذا الشاعر الملك بما قرأه من كتب العرب القديمة ودواوين الشعر للعصرين الجاهلي والعباسي فجاء شعره في غاية الجودة وجزالة اللفظ ورشاقة المعنى، وقد استخدم ألفاظا غريبة ومعاني مبتكرة، يقول الإمام السالمي (وله ـ أي النبهاني ـ رائية تزاحم المعلقات السبع بلاغة وتزيد عليها عذوبة ورشاقة).
وله كذلك مقصورة يعارض فيها مقصورة ابن دريد يذكر فيها شرفه ومناقبه مفتخرا بها ومنها:
إني أنا الإبريز أصلا وعلا
والناس صفر بالدقيق يشترى
أنا ذعار الخيل إن مج القنا
دما وسم الخصم يوما إن عتا
أنا عتيق الطير قلبا في الوغى
والضيغم الورد إذا التف القنا
أنا ربيع الناس في عام القسا
وكعبة الوفد إذا ضن الحيا
أنا المجلي في الفخار والعلى
وكل ملك حيثما سرت ورا
وكذلك له في المعارضات قصيدة يعارض فيها أبا العلاء المعري فيقول:
ألا في سبيل المجدِ ما أنا صانعُ
نَفوع وضَرَّار ومُعطٍ ومانعُ
أعندي وقد أحرزت كلَّ جميلةٍ
يُذَعَّر جار أو يُذعَّر وادعُ
عَطائي لجسمِ المشتكي الفقرَ رائشٌ
وعزّي لأنف الأصيدِ الضخم جادعُ
أجودُ بما أحويهِ والدهرُ عابس
ولم يثنني عن بذلِ ما حزت رادعُ
بضائعُ أهلِ الشعرِ عندي نَوافق
إذا كسدت في الخافِقين البضائعُ
وإني حُسامٌ لم يُفَلَّ غِراره
وشهمُ جَنانٍ لم ترعه الرَّوائع
وكان هذا الشاعر ذا مجون فله كم هائل من قصائد الغزل والخمر، تعكس مدى الترف واللهو اللذان كان يعيشهما
لله أيامنا والشمل مجتمع
وعيشنا من أذى التنغيص قد سلما
أيام لا كاشح نخشى ولا عذل
يغشى هناك ولم نحفل لمن غشما
أيام تفرشني زندا وتلحفني
ردفا وتمطرني من وصلها ديما
وألثم الثغر منها وهي باسمة
والدهر عن ثغر مسرور قد ابتسما
تهوى هواي وأهوى كل ما هويت
وحاكم الحب في أحشائنا حكما
وكان هذا الشاعر يتأرجح بين أعطان المعاصي وألطاف التوبة والندم.
ومما قاله عند توبته وإنابته قصيدة وعظية طويلة صدرها بالتأمل في هذا الكون ويذكر فيها الرجوع إلى الله تعالى واتباع النهج المحمدي ومنها:
أما لَمحتَ البارِق العُلويَّا نآى يَمانياً فشمأليا
حتى إذا آضَ حياً سويَّا سقى التلاعَ المعطِشات رِيَّا
وأخصبَ الأجراز والفليا
ثمَّ استَمرَّ رعدُهُ وبرقُهُ فانهلَّ وشْكاً وبلهُ وودقه
والتجَّ سيلاً غربُه وشرقهُ ثم استنارَ باِسماً مَبعقهُ
ردَّ البصيرَ أكْمَهاً عميَّا
فهكذا ُكل نعيمٍ زائل وهكذا كلُّ سرورٍ حائل
واعْتَبرِ الباقينَ بالأوائل إنْ كنتَ في الأمة عين العاقل
فانَّبع الدينَ المحمديا
أين امرُؤ القيسِ وأين المنذرُ وأين كهلان وأين حمْيرُ
وأين جدي ذو العُلا مظفرُ وأين نبهان الهمام الأفخرُ
أصبحَ منهم ملكهُمْ خليا
وهكذا خلف لنا هذا الشاعر سليمان بن سليمان النبهاني ديوانا زاخرا بأروع القصائد، نشر فيها أزاهير مشاعره، مسطرا بذلك أروع ما جادت به القريحة.. وإلى لقاء جديد مع شعراء عمانيين آخرين.
محمد الحارثي

أعلى





في ظل تنامي وسائط التثقيف وظهور وسائط عصرية جديدة ومتطورة
الحاجات النفسية والإدراكية التي تتطلبها مراحل النمو والسمات الأساسية لأدب الطفل .. لا تزال تراوح مكانها

فاطمة اللواتي: نفتقد للدراسات التربوية التي تساعدنا على الاستفادة من الوسائط العصرية بشكل لا يتعارض مع مفاهيمنا وقيمنا العربية والإسلامية .. ولابد أن نكون أكثر وعيا وفهما لاحتياجات الطفل وكيفية تلبيتها
أحمد الحنشي: سمات أدب الطفل تغيرت في الظاهر وليس بالجوهر ودور الأدب في تثقيف الأطفال لم يتنام ولم يتضاءل
أزهار أحمد: ثورة التكنولوجيا لا تعطي نفس التأثيرات النفسية والإدراكية والتغلب على هذه القضايا يتطلب بحوثا وتجارب تبقي أطفالنا في مدارات مراحلهم الحقيقية

مسقط ـ (أشرعة):
'' نشأ الطفل العربي في ظل وسائط تثقيف محددة تمثلت في الأسرة والجيران والمسجد والمدرسة وجماعة الأقران، وفجأة وفي غفلة منا ودون مقدمات ـ مع شغلها حيزا زمانيا لا بأس به ـ ظهرت وسائط تثقيف عصرية، أثرت في حياة أطفالنا، ففرضت علينا مجموعة من التحديات، واجهتنا في التعامل معها في عالمنا العربي، من بينها إعادة النظر في متطلبات مراحل النمو النفسية والإدراكية، التي حددها الباحثون والمختصون منذ وقت ليس بالقصير، استدعت إعادة النظر في السمات الأساسية لأدب الطفل، فهل انحسر تأثير الوسائط التثقيفية التي اعتدناها في ظل التطور التكنولوجي الهائل، أم أنها لا تزال تحتفظ بدورها الفاعل والمؤثر في حياة الطفل؟، وما مدى تأثير الوسائط العصرية في حياة الطفل؟، وما التحديات الكاملة التي تواجهنا في التعامل مع هذه الوسائط الحديثة في عالمنا العربي؟ وماذا عن تنامى دور أدب الأطفال أو تضاؤله في تثقيفهم، إذا ما قورن بدوره السابق .. تساؤلات حملها "أشرعة" لمختصين وكتاب وأكاديميين في مجال الطفولة وأدبها، فكان هذا الاستطلاع .. ،،

نظريات تربوية في مجال الطفولة المبكرة
ثمة أكثر من مدخل نلج إليه في تحقيقنا، ولكننا آثرنا أن نبدأ بوسائط التثقيف المحددة، والبحث عن تأثيرها، وهل انحسر دورها في ظل التطور التكنولوجي الهائل أم أنها لا تزال تحتفظ بدورها الفاعل والمؤثر في حياة الطفل، وفي هذا الجانب تقول الدكتورة فاطمة بنت أنور اللواتي، المتخصصة في مجال تربية الموهوبين والمبدعين: بناء على النظريات التربوية في مجال الطفولة المبكرة، هناك أربعة أنظمة بيئية تؤثر على نمو الأطفال. وهذه الأنظمة الأربعة تتفاعل فيما بينها وتؤثر بمجموعها على نمو الطفل. فالطفل يقع في محور أو لب عملية التفاعل بين هذه الأنظمة. فلو تصورنا هذه الأنظمة الأربعة على شكل دوائر متداخلة فسيكون الطفل عند النقطة المركزية من هذه الدوائر. فالدائرة الأقرب إلى الطفل تسمى "Microsystem" ، ويركز هذا النظام (الدائرة) على دور العلاقات الاجتماعية والتجارب التي يكونها الطفل من خلال اتصاله المباشر ببيئته. ففي هذه الدائرة يتم التركيز على نوعية العلاقات القائمة بين الطفل ووالديه ومعلميه وأقرانه والآخرين من حوله. أما النظام الثاني أو الدائرة الثانية "Mesosystem" فيظهر فيها التأثير والتأثر المتبادل بين الطفل وبين الجوانب البيئية المتصلة به مثل: المدرسة والأسرة، والجيران أو "الحارة"، والمجتمع، ودُور العبادة. أما النظام الثالث أو الدائرة الثالثة "Exosystem" فتتضمن العلاقات الاجتماعية الأخرى التي ليس لها علاقة مباشرة بالطفل، مثل نوعية عمل الوالدين. فمكان عمل والديّ الطفل قد لا يعني للطفل كثيرا، إلا أنه يتأثر بطبيعة عمل والديه وما يسببه من غيابهما لفترات طويلة أو قصيرة عن البيت أو بالصعوبات التي قد يواجهانها في العمل وانعكاسات تلك الأمور على الأسرة. وأخيرا النظام الرابع أو الدائرة الرابعة "Macrosystem" فهي الدائرة الخارجية التي تعنى بالتفاعل الاجتماعي وبعادات وتقاليد المجتمع. فعادات المجتمع والثقافات المختلفة التي نتبناها ونتفاعل معها تؤثر على نوعية التربية التي يتلقاها الطفل وبالتالي تؤثر على عملية تفـاعله واتصاله بها. من هنا فإننا نجد أن استخدامات التكنولوجيا تؤثر وتتأثر بالدوائر الأربعة بأجمعها. وتأثير التكنولوجيا لا يمكن عده تأثيرا إيجابيا أو سلبيا، كما أن تأثيرها يتفاوت بين الأفراد حسب وعي المجتمع والأسرة ومدى تحملهما لدورهما في عملية نشأة الطفل. ولا يجب أن تشكل التكنولوجيا تخوفا أو قلقا لدينا. فهناك الكثير من العوامل التي تسهم في التأثير على حياة الطفل، بقدر ما تؤثر التكنولوجيا في الوقت الحاضر. إلا أننا لابد أن نكون أكثر وعيا وفهما لاحتياجات الطفل وكيفية تلبيتها. وأود هنا أن أوضح ما أفهمه من مصطلح التكنولوجيا، أنها وسائط تثقيفية بشتى أنواعها سواء الإنترنت أو الاتصالات، وبتعبير آخر، الوسيط الذي أصبح يقرب لك كل بعيد، سواء في مجال العلم أو المعرفة أو في مجال التواصل والاتصال.
توازن .. أدوار .. استفادة
وعن الدور المؤثر لهذه الوسائط التثقيفية العصرية في حياة الطفل تقول الدكتورة فاطمة اللواتي: هذه الوسائل لا تنفصل عن المحيط العام للأسرة والمجتمع، كما أن تأثيرها يعتمد على عملية التوازن مع بقية العوامل والوسائل التي تلعب أيضا دورا في حياة الطفل. وقد تؤدي عملية عدم التوازن بين جميع المؤثرات إلى طغيان مؤثر ما على مؤثر آخر. وهذا هو الحال بالنسبة للمؤثرات التقليدية الأخرى، من قبيل الأقران أو المدرسة أو المسجد. فعدم الموازنة بين المؤثرات الخارجية أو حينما تفقد الأسرة دورها في حياة الطفل، فإن ذلك يجعل إمكانية تغلب وتأثير عامل ما على آخر أمرا واردا بشكل كبير. والجدير بالذكر أن الوسائط العصرية كما أنها فتحت لنا الكثير من الآفاق وساهمت بشكل كبير في مد جسور التواصل مع الغير وجعلت عملية التأثر والتأثير كبيرة بين فئات المجتمعات وبين مختلف الثقافات، فهي بلا شك لعبت دورا إيجابيا وسلبيا في حياة أفراد المجتمع الصغير منهم والكبير. لكن السؤال الأهم هو: هل تمت الاستفادة من هذه الوسائط في مدارسنا ومساجدنا ومراكزنا التربوية بشكل تغدق علينا بعطاءاتها الحميدة. مع الأسف نحن نفتقد للدراسات التربوية التي تساعدنا على فهم كيفية الاستفادة من هذه الوسائط بشكل لا يتعارض أو يتضارب مع مبادئنا ومفاهيمنا وقيمنا العربية والإسلامية.

تحديات ..
الحديث عن التحديات التي تواجهنا في التعامل مع هذه الوسائط الحديثة في عالمنا العربي، يطول خاصة وأنها لا تقتصر علينا كشعوب عربية وإسلامية، وقد أجملتها الدكتورة فاطمة بقولها: هذه الوسائط تكتسحنا بشكل سريع ورهيب شئنا أم أبينا. وهذه التحديات غير مقتصرة علينا فقط كشعوب عربية أو إسلامية وإنما هي تحديات حضارية تشمل المجتمع الإنساني برمته، من حيث إنها تؤثر تارة في التواصل الاجتماعي بين الناس، بحيث تغدو عاملا سلبيا وسببا في الكثير من المشاكل سواء الاجتماعية أو الخلقية. ففي الغرب هناك جهات مهتمة بالشأن الأخلاقي (حسب مفهومهم للأخلاق)، فتقوم بمراقبة هذه الشبكات الاجتماعية. وبذلك تم اكتشاف الكثير من البالغين الذين يحاولون استغلال الأطفال عبر هذه الشبكات. وهذه الظاهرة واحدة من التحديات التي تواجه الأهل، بحيث يصبح من الضرورة القيام بفحص صفحة الإيميل أو الفيسبوك لأبنائهم وبناتهم. إن عملية الحظر ومنع الطفل من مقاربة هذه الوسائط، تعد من الأساليب القديمة التي عفى الزمن عليها ولا تصلح لهذا الجيل. فهم ليسوا بحاجة إلينا لمعرفة كيفية الوصول إلى ما يريدونه من خلال الإنترنت.
وتضيف الدكتورة فاطمة مثالا آخر من التحديات النابعة من زمن الإنترنت فتقول: أما المثال الآخر على هذه التحديات فهو انخفاض مستوى التقارب الاجتماعي الفيزيقي بين أفراد المجتمع بمن فيهم الأطفال، بحيث أصبحوا يستمتعون بالتحدث مع بعضهم البعض عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة، حتى أنني في إحدى المرات كنت جالسة في إحدى حفلات التخرج خارج الوطن مع مجموعة من الفتيات، وجدت أن كل واحدة منهن لديها جهاز "blackberry" ترسل عبره رسائل للأخرى. وهذه العدوى غير منحصرة بالمدرجات الجامعية فهي أيضا ملحوظة داخل مراكزنا العبادية وحفلاتنا وتجمعاتنا بحيث تجد الجميع الكبير منهم والصغير منسجمين مع هواتفهم المختلفة النوع بشكل يلهيهم عن الاستماع إلى محاضرة أو حديث ديني.

وللدكتورة فاطمة اللواتي الكثير من الدراسات العلمية المحكمة، وقدمت محاضرات عدة تعنى بالطفل والمرأة والأسرة، وهي عضوة في عدد من الهيئات والجمعيات المعنية بالطفل والتربية محليا وخارجيا، ولها العديد من الإصدارات في أدب الطفل.
بحث .. أبعاد .. وعي .. معالجة
ومن الحديث عن وسائط التثقيف التي اعتدناها، والوسائط العصرية، والتحديات التي تواجهنا في التعامل معها، إلى ما يتطلبه هذا التطور التكنولوجي الهائل من إعادة النظر في متطلبات مراحل النمو النفسية والإدراكية التي حددها الباحثون والمختصون منذ وقت ليس بالقصير، كان التعليق من كاتبة أدب الأطفال أزهار أحمد، حيث أكدت على دور التكنولوجيا الأساسي في التغيرات الكثيرة بالحياة، فقالت: لا شك أن التكنولوجيا بمختلف أشكالها، تلعب الآن دورا أساسيا في تغيرات كثيرة بالحياة، سواء من الناحية الثقافية أو الاجتماعية، ولا يمكن تجاهل هذه الوسائط أو الاستغناء عنها؛ لأهميتها وطغيانها على جميع المجالات. ومنها التأثير الذي تتركه على الأطفال باعتبارهم أكثر الكائنات قبولا للتأثير والتغير، خاصة وأن الأسر ومؤسسات التعليم في بحث دائم عن أفضل الأساليب المتوافرة لتثقيف الطفل. ومن هذا المنطلق يجب أن يتدخل مختصون ومعالجون في علم النفس لمتابعة أبعاد هذا التطور والتأثر، وإلى أي مدى يمكن صياغته في حياة أطفالنا، دون جوانب سلبية والاستفادة من التكنولوجيا كعامل مساهم في تطور الكون بأكمله، فهي التي تشكل كل خطوة نخطوها وتتحكم في تعاملاتنا ويومياتنا وأوقاتنا ومعارفنا. ولم يعد بالإمكان السيطرة على ما يقدم في هذه التكنولوجيا، سواء من الناحية التثقيفية أو التسلية، لأنها متوافرة للجميع، في كل مكان وزمان. ومن هنا تستدعي إعادة النظر في دراسة تأثير التكنولوجيا بشكل جاد؛ تجنبا لأي عواقب يمكن أن تجعل من أطفالنا متخبطين في عالم هائل تملؤه وسائل كثيرة تفقدهم القدرة على الوعي الحقيقي وحسن التعلم والاختيار. لأن هذا التخبط يبعدهم عن العالم الواقعي، فطفل اليوم غير طفل البارحة، والطفل الذي يبلغ من العمر خمس سنوات، يمكن أن يستخدم الهاتف المحمول والكمبيوتر والألعاب وغيرها ببساطة، وهذه أدوات تفصله عن العالم الحقيقي الذي يعيش، فيمتلئ رأسه بأرقام وأشكال وصور وأصوات تخلق له ارتباكا وانفعالات لا ينبغي لمن هم في مثل سنه أن يتعرضوا لها، لأن نموهم لا يزال غضا وبحاجة لرعاية وتصنيف ومواجهة الواقع ستكون صعبة عليه. وبالرغم من أن التكنولوجيا تقرب الطفل من المعارف والتعرف على عالم جديد ويصبح استقباله للمعرفة أكثر سهولة، إلا أن هذه المعارف قد تكون أكبر من عمره وفي مواضيع لا تختص بتنميته ذهنيا وفكريا ونفسيا، بل إنها قد تشتته وتخلق الاضطراب بداخله بدلا من سعة الإدراك. من هنا فدور المختصين في هذا الأمر مهم جدا وينبغي معالجة جميع الظواهر التي يمكن أن تؤثر في أجيالنا القادمة، وتوفير المناسب قدر الإمكان من هذه الوسائط.
نمو معرفي .. استكشاف
وعندما أردنا تطبيقا على هذا الكلام، على مرحلة ما قبل الكتابة ومرحلة الكتابة والقراءة المبكرة ومرحلة المغامرة ومرحلة المراهقة، قالت الكاتبة أزهار أحمد: لكل مرحلة من مراحل حياة الإنسان، نظام معين في دخول المعلومات وتطبيقها، والمعروف أن جان بياجيه وضع نظرية مراحل النمو المعرفي. فالطفل في مرحلة ما قبل الكتابة يسمع ويبصر ويتعلم بالصورة والصوت، وهذه العملية الأولى أي السمع والبصر، عملية تكوين معرفي تناولها علماء النفس الطفولي واللغوي، فالطفل قبل الكتابة يكون قاموسا معرفيا غير مكتوب، يتمثل إدراكه في تعلم اللغة والتمثيل الرمزي للأشياء كما يستقبلها، وبالتالي فإن قدرته على كسب المعلومات تعتمد على بيئته وطبيعة إدراكه، بناء على الصور واللغة التي تلقاها في هذه المرحلة، فإن كان تدفقها غزيرا وغير منظم، ترتفع نسبة الإدراك لديه لكن بشكل عشوائي، تظهر نتائجه في مرحلة قادمة، ولا بد من رقيب يعينه على التعامل مع التكنولوجيا في هذه المرحلة واستخدامها كي ينمو قاموسه المعرفي بشكل سليم. وفي مرحلة ما بعد الكتابة، فالعملية عبارة عن فهم ما رآه وسمعه ومن ثم يبدأ بتحليل المتغيرات حوله والتفكير فيما يسمعه ويقرأه ويعطيه إياه الآخرون، وهي مرحلة وعي معين في الإنسان وعملية استكشاف معرفي، فلو استخدمت التقنية في تكوين الطفل الشرس، ستتسم آليته في نطاق حياته العملية لاحقا بالصخب والعنف والقوة والتحدي، وهذه المرحلة لازمة لتلقي المعلومات بشكل صحيح. أما المراهق كما يقول جان بياجيه فهو في مرحلة العمليات الشكلية (التفكير المجرد) فتنمو قدرته على التفكير المجرد، فيستطيع أن يعالج القضايا بعزل المتغيرات وتثبيت بعضها؛ للتحقق من عمل البعض الآخر، وبالتالي يبني عالمه بمعزل عن معطيات بيئته ومدرسته، وفي هذا الزمن تصبح التكنولوجيا وسيلته الأولى في تلقي المعرفة والتواصل مع الآخرين؛ لشعوره بأنه ناضج كفاية للعيش دون تدخل، وأنه قادر على الاكتشاف وحل المشاكل والبحث عما يريد. وبما أن أسلوب تفكيره في هذه المرحلة غير متوازن، يمكن أن تكون التكنولوجيا عاملا في غرس أمور تعيده للخلف، وتخلق لديه تناقضا ولا تساعده على تنمية مداركه. إن توافر التكنولوجيا بيد المراهق خطرة وبنفس الوقت مهمة فهي سلاح ذو حدين، فالتركيب الفطري لا يتغير مع الزمن، وإنما أسلوب التطوير والتنمية هو الذي يمكن اختباره. ولا ننسى أن كل طفل له درجة ذكاء مختلفة عن الآخر، وبالتالي فإن ثورة التكنولوجيا لا تعطي نفس التأثيرات النفسية والإدراكية، والتغلب على هذه القضايا يتطلب بحثا واسعا وتجارب مختلفة تقي عقول ونفوس الأطفال من التدخل المقلق وتبقيهم في مدارات مراحلهم الحقيقية.
والكاتبة أزهار أحمد نشرت العديد من القصص للأطفال، ولديها اهتمام كبير بمجال أدب الأطفال، ترجم إلى العديد من حلقات العمل في فن الكتابة للأطفال.
قدرات وإمكانات
تتفق الآراء أو تختلف، ولكل قناعاته بناء على رؤيته التي يوثقها بالمعطيات والشواهد، فالبعض يرى أن متطلبات مراحل النمو النفسية والإدراكية لدى الطفل تغيرت ويسلم بها، ويرى ضرورة تغير سمات أدب الطفل تبعا لذلك، لكن الدكتور أحمد الحنشي، الأكاديمي والمحاضر بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة السلطان قابوس، يطرح في هذا الجانب سؤالا: هل تغيرت متطلبات مراحل النمو النفسية والإدراكية لدى الطفل، في ظل التطور التكنولوجي الهائل؟، ويجيب: لست متأكدا من ذلك، أو هي مسألة تستدعي دراسات علمية دقيقة للحسم في شأنها، والوقوف منها موقفا واضحا، ولكن أعتقد أن هذا التطور التكنولوجي لا يتعدى دوره في توفير الوسائط المتنوعة، المرئية والمسموعة والمنطوقة، والتي يمكن أن توظف في سبيل الوصول بهذا الأدب إلى الأطفال، وهي وسائط مثيرة للغاية ويحبذها الطفل ويدمن عليها. وكثير من هذا الذي يستهلكه الأطفال يمر عبر الأقراص والفيديو والألعاب الإلكترونية، وما يسمى بالعوالم الافتراضية، والطفل اليوم يتعامل أكثر من ذي قبل مع الصورة، ويفكك الخطاب المصور بذكاء كبير، وهذا يتم غالبا على حساب المكتوب ربما؛ مما يدعو المدرسة إلى ضرورة الوقوف والتصدي بالتعديل والموازنة.
وعن ضرورة تغير سمات أدب الطفل، وهل تغيرت بالفعل يقول الدكتور أحمد الحنشي: سمات أدب الطفل تغيرت في الظاهر، ولا أظن أنها تغيرت في الجوهر. في مجتمعاتنا التقليدية كان هذا الأدب يمر عن طريق الرواية، أو عن طريق الألعاب البسيطة (الحكايات، الأحاجي اللغوية، الأناشيد، الألغاز .. ) بمعنى أن أساليبنا كانت تقليدية بحتة، أما اليوم فالكمبيوتر والتليفزيون على سبيل المثال، يفتح أمام أعين الطفل عوالم ومجالات واسعة لاستهلاك هذا الأدب، مما نعجز نحن الكهول عن فهمه. وهذه ليست الإشكالية الحقيقية في رأيي، وإنما الإشكال يكمن في مدى توفر القدرات والإمكانات لتوظيف هذه التكنولوجيا الحديثة لخدمة أدبنا، أي منتوج المتخيل العربي الإسلامي، فلا نكتفي باستهلاك ما يأتينا من الخارج، مما يعد في أستوديوهات هوليوود ونرضى به.
وعن تنامى دور أدب الأطفال في تثقيف الأطفال، إذا ما قورن بدوره السابق، يقول الدكتور أحمد الحنشي: دور الأدب في تثقيف الأطفال، أو في بناء شخصيتهم، لا أظنه يتغير أو يتنامى مثلما جاء السؤال، إلا إذا فهمنا أن الأمر يدور حول مدى إحساسنا اليوم بضرورة إعطاء أدب الطفل دورا أكبر من ذي قبل، دور أدب الطفل ووظيفته شيء ثابت كشفت عنه الدراسات وحللته، فمعروف أنه يساهم بما ينقله من تجارب في توفير فرص التماهي وبناء الشخصية، كما يساعد على بناء الذكاء السردي لدى الطفل ويوسع من آفاق خياله، وهو يعرفه بالقيم الأخلاقية علاوة على تنمية مهارتي القراءة والكتابة لدى هذا المتلقي الصغير، هذا لم يتغير (لم يتنام كما لم يتضاءل) والأدب في جل المجتمعات يقوم بهذا الدور، ويؤدي هذه الوظيفة. فالمسألة تبقى إذا في مدى استغلال هذا الأدب وتوظيفه في واقعنا وعبر مؤسساتنا وتقاليدنا أيضا. صحيح أن فكرة الكتابة للأطفال لم تبدأ عندنا إلا قبل قرن ونصف تقريبا، أما قبل، فقد كان الصغار "عالة على مائدة الكبار" ـ كما يقول أحد النقاد ـ فكانوا يسمعون القصص الشعبي، وهذا يعتبر متأخرا، مقارنة بأوروبا، التي ظهرت فيها الكتابة للأطفال كفن قائم بذاته، منذ بدايات القرن التاسع عشر مع الدانماركي "هانز كريستينسان أندرسن" ثم تواصلت بقوة حتى صرنا نسمع اليوم عن أسماء شهيرة تفرغت للكتابة للأطفال أمثال "روديار كيبلنج" البريطاني و"ج.ر.ر. تولكن" الأميركي و"كلود بونتي" في فرنسا. لا يمكننا أن ننكر اليوم أن هناك وعيا بضرورة الاهتمام بالطفل في الأقطار العربية، لأسباب عدة، منها السبب الديمغرافي المتمثل في ازدياد نسبة الأطفال في المجتمع العربي (بين 45% و50% من مجموع سكان الوطن العربي هم دون سن الخامسة عشرة). من الأسباب أيضا الوعي في أوساطنا الرسمية والثقافية بقيمة حاجات الطفل واهتماماته، فنشطت الكتابات ودور النشر وصرنا نرى كتابنا يتخصصون أكثر في الكتابة للأطفال، ويكفي أن ننظر إلى ما يروج في المعارض من إنتاج غزير ومتنوع.
وللدكتور أحمد الحنشي العديد من البحوث المنشورة أو المقدمة في ندوات وملتقيات علمية منها: (الخصائص التعليمية لأدب الطفل) وهو عبارة عن دراسة صدرت ضمن كتاب بعنوان :"الكتابة للأطفال ومستلزماتها الثقافية والتربوية و الجمالية"، صدر عن وزارة التراث والثقافة، و(لسانيات النص، مستوى الاتساق والانسجام في الخطاب السردي العربي .. نموذج أمثال كليلة ودمنة)، و(أدب الطفل وتعليمية اللغة العربية .. تفاعل المرئي والمنطوق في دروس اللغة العربية)، و(نظرية الكاترسيس، وظيفة التطهير في الأدب، نموذج ألف ليلة وليلة)، و(إشكاليات القراءة والتأويل في الموروث السردي العربي) كتاب تحت الطبع، و(العالم القصصي لزكريا تامر .. الشخصية المرجعية)، و(الأدب والفلسفة)، و(الأدب والأيديولوجية)، وغيرها مما يشمل البحث والترجمة.


 

أعلى




موسيقى الغرفة لجميس جويس

ترجمة: علي سيف الرواحي

أوتار معلقة
بين الأرض والسماء
تجعل الموسيقى
جميلة في كبرياء
أوتارعلى ضفة النهر
حيث يجتمع
الصفصاف ببعضه باشتهاء

على طول النهر تعزف الموسيقى
حيث يتجول الحب
على صفحته
فرشت أزهارا في شحوب
وعلى شعره أوراق داكنة
والجميع لهيبة الموسيقى
في انسجام خاشعون
بينما أطرافهم تعبث بآلة موسيقية

الشفق في عمقه البنفسجي
أعمق من مصباح شاحب التوهج
في انعكاسه على أشجار الحي

اللحن المنبثق من البيانو العتيقة
يبعث على الاسترخاء والسعادة
وحين تثني أصابعها على مفاتيح البيانو الصفراء
تحرك رأسها في خيلاء
بينما تعبرها فكرة خجولة
وتجول عيناها الواسعتان بجدية في أرجاء المكان
لتسجل اللحظة التي يتحول فيها الشفق
إلى أزرق دام
ممتزجا بقرمزية الضوء المتألقه

ضجة فيلق جيش قادمة تملأ سمعي
تثير النقع
خيوله الرعدية تدك الأرض
أرجلها الغائصة في الطمي
يغطي عراقيبها زبد ترابي
ويسوسها فرسان مجللون بالسواد
يمسكون عقالها بكل جبروت
وسياطهم تملأ الجو رعبا

ينادون بعضهم بأسماء مفخمة بأمجاد حربية
في حين أئن أنا في نومي
حين أسمع ضحكاتهم المجلجلة من بعيد
نيرانهم العمياء تحرق أحلامي البائسة
ويقلق مجيئهم قلبي ويصهره أسى
وشعرهم الأخضر الطويل يهتز مزهوا بنصره
ينبثقون من قلب البحر
ويركضون وصراخهم يعلو على الساحل
وأسال قلبي أليس لك من الحكمة
ما يجعلك تنغمس في اليأس
حبيبتي حبيبتي الغالية لماذا تركتيني وحيدا؟

* موسيقى الغرفة Chamber Music: هو نوع من أنواع الموسيقى الكلاسيكية يعزف في القصور والصالونات الخاصة. تتكون الفرقة العازفة لهذا اللون من الموسيقى من عدد صغير من الموسيقيين. ولاختيار جميس جويس هذا الاسم عنوانا لمجموعته الشعرية الوحيدة دلالاته حيث تتكون المجموعة من قصائد بالغة في القصر مع تكثيف في المعنى وانسيابية في الموسيقى.
جميس جويس James Joyce 1882- 1941: هو الروائي الأيرلندي الأكثر شهرة رائد مذهب تيار اللاوعي في الأدب. تعتبر روايته عوليس من أفضل روايات القرن العشرين. والنصوص مأخوذة من مجموعته الشعرية اليتيمة.


أعلى





نوبل وترانسترومر.. الجائزة والشعر

الشاعر السويدي توماس ترانسترومر، فاز بجائزة نوبل للآداب لهذا العام 2011، عازف البيانو بيد واحدة بعد إصابته بشلل الأخرى، المبدع في العديد من الفنون، ومنها الشعر الذي رفعه إلى صدر المشهد الشعري في بلاده. ولد في ستوكهولم في 15 ابريل 1931، وتولت والدته تربيته بعد رحيل والده المبكر.. تخرج في جامعة ستوكهولم متخصصا في علم النفس عام 1956، وعمل باختصاصه في سجن للأحداث ثم مع أشخاص حصلت لديهم إصابات وخيمة في مكان العمل، ومع مدمنين على المخدرات، وقبل أن يصاب بسكتة كان اختصاصيًّا معروفًا في علم النفس.
بدأ كتابة الشعر وهو في الثالثة عشرة، ونشر أول مجموعة شعرية بعنوان "17 قصيدة" عام 1954، ومجموعته الثانية (أسرار في الطريق) عام 1958، ومن خلال هاتين المجموعتين استطاع الشاعر ان يتبوأ مكانة رائدة في أوساط الشعراء الشباب. وحين نشر مجموعته الثالثة "سماء مفتوحة على النصف" عام 1962، وصفها احد الصحفيين بأنها "معجزة" مدافعا عن مكانته الشعرية، بالرغم من هذا وجد الشاعر في فترة من الوقت ان النقاشات والمعاني حول شعره انقسمت في السويد بينما تنامت شهرته خارج الحدود حتى صار شاعرا عالميا. الكاتب بينكت هولم كفيست أشار إلى ذلك عام 1973: "في الرمزية العالمية الآن يُعد الشاعر توماس ترانسترومر من الشعراء المهمين، ترجم إلى بلدان مختلفة ومن قبل زملاء، كان مقبولا في كل مكان كما لو كان واحدا من المجموعة. واصدر 12 كتابًا شعريًّا ونثريًّا، ونثره يشبه الشعر، قبل أن ينشر شعره اشتهر كمترجم لشعر السرياليين الفرنسيين مثل أندريه بريتون".
علق بيتر انغلوند، الأمين العام للأكاديمية السويدية عن فوز توماس بجائزة نوبل: "إن توماس ترانسترومر يتناول الموت والتاريخ والذاكرة التي تحدق بنا وتزيد من قيمتنا، لا يمكننا أبدا أن نشعر بالصغر بعد قراءة شعر ترناسترومر". وأضافت الأكاديمية أن "غالبية دواوين ترانسترومر الشعرية تتسم بالإيجاز والوضوح والاستعارات المعبرة".
وأوضح انغلوند "ليس شاعرا غزير الإنتاج.. إلا أن بساطة قصائده المعبرة جدا سمحت بترجمة أعماله إلى أكثر من ستين لغة انطلق في بداياته بقصائد تقليدية تمحورت حول الطبيعة.. إلا أن أعماله اتخذت رويدا رويدا طابعا أكثر حميمية وحرية بحثا عن الارتقاء بالذات وفهم المجهول.. في دواوينه الأخيرة، ولاسيما آخر عمل له صدر في 2004، وضم 45 قصيدة صغيرة جدا مال ترانسترومر إلى اقتضاب أكبر وإلى درجة أكبر من التركيز".
قال عنه المترجم العربي لأغلب شعره، قاسم حمادي، انه عمل لما يقارب سنتين لترجمة شعره وقد أضاف لها الشاعر ادونيس لمساته الشعرية على الترجمة: علّمني شعر ترانسترومر أن أقترب أكثر من الطبيعة وأفهم تفاصيلها. أدخلني في فك رموز شعر الهايكو الجميل، وأغناني بمعلومات تاريخية يمر فيها الشاعر، علّمني التعامل مع الرموز التي تدخلك إلى أعماق القصيدة. بعد سنوات مع الشعر المقتضب، إنما الكبير بحجم الإنسانية، قطف ترانسترومر أخيراً جائزة "نوبل".
وترجم شعره إلى العربية أكثر من مترجم أو محاول الترجمة وتميزت اغلب أشعاره بالحس الإنساني وبالحداثة الشعرية التي أخذت مسارها الأدبي السويدي والعالمي، فحقق بشعره مكانته وموقعه في الخارطة الشعرية العالمية، وبالجائزة المتميزة استحقاقه.
كاظم الموسوي

أعلى





اللغة العربية

اللغة، وكما عرّفها ابن جني هي: "أصوات يُعبر بها كل قوم عن أغراضهم".
وهذه الأصوات مشدودة إلى العقل، فالمرء لا يتكلم من دون تفكير، من دون غرض، لذلك فإن من المستلزمات الجوهرية للغة هو العقل، وإلا كانت الأصوات إيقاعات لا جدوى منها، ولا أهمية لها، ولا مهدوفية.
وللغة، وحسب ما شخّص علماؤها، بنيتان هما: البنية الأولانية وهي باطنية تسبق الكلام، والكتابة، وهي ذات وعي يناسب عصفها الكامن، والثانية هي البنية الدالة على اللغة، والتي نسميها البنية الظاهرة التي يُعبّر عنها بالأصوات أو الكتابة.. واللغة المنطوقة أو المكتوبة أيّاً كان مستواها هي تعبير عن العصف العقلي وهو في تجلياته الفاعلة.
بهذا المعنى، تصير اللغة هي الوسيلة الأهم والجوهرية للتفكير، والتواصل، والتعبير، والمشاركة مع الآخرين أخذاً منهم.. كما يحدث في حالات التعلم والمثاقفة، ومشاركةً لهم كما يحدث في الحوارات والمناقشات والكتابة.. لذلك فاللغة ليست ظاهرة عقلية وحسب، وإنما هي ظاهرة اجتماعية تحفظ العادات والتقاليد والأعراف والتصورات، فهي هنا أشبه بالوعاء الذي يحفظ خصوصية مجتمع من المجتمعات أو شعب من الشعوب، أو أمّة من الأمم..
واللغة العربية لا تخرج عن هذا النطاق الفكري، والعقلي، والاجتماعي، والتعبيري، ولكنها تمتاز عن اللغات العالمية المعروفة بخصائص عدّة، لعل في طالعها:
أولاً: إن اللغة العربية لغة قومية، فهي أحد أهم المرتكزات القومية التي تشد أبناء العروبة بعضهم إلى بعضهم الآخر، فاللغة رابطة من الروابط القومية وذلك لما تشيعه في نفس الفرد العربي أو الشخصية العربية من اعتزاز ومباهاة لامتلاكها، وما تبديه من أواصر التعاطف والمحبة والوحدة والتآخي بين الناطقين بها. فاللغة العربية هي التعبير الأبدي عن مظاهر القومية العربية.. فهي هنا ليست مجرّد لسان، وإنما هي المعاني والدلالات التي تشد الأفراد كي يشكلوا رابطة قومية من أبرز مظاهرها وتجلياتها اللغة العربية. لذلك بميسورنا القول ان حدود القومية العربية هي حدود اللغة العربية.. أي البقاع والأحياز الجغرافية التي يتداول الناس فيها اللغة ليس بوصفها لغة العلم والمعرفة، وإنما بوصفها لغة التفاهم، والتواصل، والتعبير، والعلم، والمعرفة.. أيضاً.
ثانياً: إن اللغة العربية لغة مقدّسة، فهي لغة القرآن الكريم، ولغة العبادة في الديانة الإسلامية.. فالصلاة، على سبيل المثال، لا تتم إلا باللغة العربية، ومناسك الحج لا تؤدّى إلا باللغة العربية، وقراءة القرآن الكريم لا تتم أصولاً إلا باللغة العربية. إن قداسة اللغة العربية جعلتها جزءاً لا يتجزأ من الدين، والدين مقوم أساسي من مقومات القومية، لذلك فإن الصلة وثيقةٌ جداً ما بين اللغة بوصفها رابطة قومية، وما بين اللغة بوصفها رابطة دينية.
إن قدسية اللغة العربية آتية من تشريف الله عزّ وجلّ لها بأن تكون الحامل لكتاب الله القرآن الكريم، وهي لغة محروسة من الاندثار والضياع والبعثرة والافتئات، لأن الله عزّ وجلّ تعهد بحفظها، وحراسة اللغة تعني حراسة حامل هذه اللغة، وحفظ اللغة العربية يعني حفظ الإنسان العربي.. فكلاهما في حراسة إلهية ما دام الزمان وبقي، لا بل إنه ورد في أحد أحاديث رسولنا الكريم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم أن اللغة العربية هي لغة أهل الجنة.. أوليست هي لغة القرآن الكريم.
ثالثاً: اللغة العربية هي لغة الشعر الذي لا يدانيه شعر في لغات العالم الأخرى.. فقد قرّ في الأذهان أن ما تمتلكه اللغة العربية من شاعرية وقدرة على إبداء العواطف.. هو ما لا تمتلكه لغة أخرى، فاللغة العربية هي لغة الهيف، واللطف، والحساسية، والبهاء، والجمال، والفنون، تماماً مثلما هي لغة العقول، والأفكار، والنظريات، وعلوم المنطق والرياضيات والهندسة.
لذلك يعدّ الشعر العربي ديوان العرب الذي حفظ عاداتهم، وأيامهم، وأنسابهم، وتواريخهم، وتقاليدهم.. وهو كذلك الديوان الذي يقرأ فيه المرء طبائع الإنسان العربي وصفاته.. وذهنيته أيضاً.
.. وبعد فإنني لا أريد هنا أن أشرح وأفصّل في خصائص اللغة العربية وفضلها وتشريفها لأن الحديث في هذا المجال يطول ويطول.. وحسبي القول، إن هذه اللغة الشريفة المقدّسة والقومية التي وسعت العلوم وما أنتجته الحضارات الإنسانية عامة، اليونانية، والرومانية، والفارسية، والهندية، والصينية، والأوروبية، والعربية.. تتعرّض في أزماننا الراهنة، وللأسف الشديد، إلى الكثير من العقوق والتجاهل من أبنائها تحت ذرائع وحجج واهية من أبرزها القول بعجزها، وتخلّفها، وجمودها، وعدم قدرتها على استيعاب المفهومات، والمخترعات، والنظريات، والقولات، والمصطلحات الجديدة.. وهذه الذرائع والحجج هي ذرائع وحجج ليس إلا.. إنها محض عجز وتخلّف وجمود وعدم قدرة أبنائها في أيامنا الراهنة على تحمّل مسؤولية النهوض بها. والمشي بقدسيتها وشرفها، وامتلاكها كي تُمتلك العلوم والنظريات والأفكار والثقافات الأخرى..
إن العجز والجمود والتخلّف إن وُجد فهو موجود في الأبناء الذين قصروا في امتلاك هذه اللغة، وحمل لوائها، ومناددة اللغات العالمية الأخرى.. فالتقصير، والعجز، والعيب.. فينا نحن وليس في اللغة العربية لأن الله عزّ وجلّ قدّسها وشرّفها بحمل رسالة الإسلام.. وحاشا للغةٍ شرّفها الله بالقدسية أن يكون العجز أو التخلّف أو الجمود ماثلاً في بنيتها.. فهذا أمر محال..
إن الدعوات المنادية بهجر اللغة العربية والانصراف إلى اللغات الأخرى، أو اتهامها بالوعورة والصعوبة والجهامة والعبوس، أو عدم قدرتها على النهوض بمتطلبات العلوم والفنون الحديثة..، أو الدعوة للكتابة بالحرف اللاتيني.. كلّها دعوات تعبر عن ضيق أفق المنادين بها أو أنها تعبّر عن أهواء واتجاهات وغايات من يسعون إلى تمكين الأذى من لغتنا.. ولعلّ في طالع هذا الأذى: تفتيت البنيتين القومية، والدينية..
إن حرص العرب على اللغة العربية ليس حرصاًً تاريخياً، ولا نهجاً مشاه الآباء.. فيمشيه الأبناء الآن.. وحسب.. وإنما هو حرص على الدين أيضاً فالخطأ في اللغة يوازي الخطأ في الدين، فممّا روى عن الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم أن أحدهم تكلّم في حضرته فألحن في اللغة.. فقال لمن هم حوله "أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل". لقد عدّ الرسول الكريم الخطأ في اللغة ضلالة تماماً مثلما هو الخطأ في الدين ضلالة.. ذلك لأن اللغة هي عماد البنيتين القومية والدينية، وهذا ما لا يوجد في أي لغة من لغات العالم.
إن تعزيز اللغة لدى أبنائنا، والسهر عليها، وتسيير قواعدها، واستنباط الأساليب الجديدة المساعدة على اكتسابها، وترغيب الناشئة بها.. كلّها من الأمور التي تعزز البنيتين آنفتي الذكر: البنية القومية، والبنية الدينية. لذلك كان الترابط ما بين القومية والدين ولا يزال ترابطاً أزلياً مجدولاً من العقل والعاطفة في آن معاً.
وإن الرد على الدعوات الفئوية، والاقليمية والانعزالية الهادفة إلى دك اللغة العربية أو التقليل من شأنها وأهميتها.. هي دعوات مشبوهة هدفها الرئيس ضرب مقومين أساسييين من مقومات الأمة العربية، هما: القومية، والدين، لذلك فإن التنبه للمخاطر الجسيمة الناجمة عن هذه الدعوات هو واجب وطني وقومي يدعونا إلى التمسك بلغتنا والدفاع عنها.. كونها تشكل مؤيدين اثنين من أهم مؤيدات وجودنا، أولهما مؤيد دنيوي يتمثل في الرابطة القومية، وثانيهما مؤيد سماوي يتمثل في الرابطة الدينية.. من جهة، وكونها اللغة العربية كانت ولا تزال هي التي استوعبت علوم الحضارات السابقة واللاحقة في عصرنا الراهن من جهة ثانية.
إن الحديث عن اللغة العربية هو حديث اعتزاز وافتخار بما قدمته هذه اللغة للأمة العربية من تواصل وترابط وانشداد وتآخٍ بين أفرادها وأحيازها الجغرافية من جهة وما قدمته من خدمات كبرى للآداب، والعلوم، والفنون عامة من جهة ثانية.
حسن حميد

أعلى





كم أحتاج من الوقت..

كم أحتاج من الوقت كي أنسى الجراح
كي أنسى وخز الألم
ورجفة الخوف التي تهزني كلما أوشكتُ على البكاء
كم أحتاج من الوقت كي أقنع الدموع أن سقوطها ضعف
وخروجها من بين الأسوار جريمة
كلما انتعلتْ كلماتي الصمت شعرتُ بارتعاشه أناملي
وفوضى تعم زوايا الروح
فيتملكني إحساسٌ بالهرب
كي أعتق روحي من ذاتها الغارقة في جنون يشبه النهار
أشعر حينها أن الكون من حولي لا يهدأ
وبركة الماء التي جلستُ بجانبها قد امتلأت بالبجع الأبيض
فتنفض ريشها في الماء وأشعر بالضيق
تعودتُ أن أرى الماء منتظما ساكنا
أو ربما تعودتُ أن تكون حياتي كلها ساكنة
بل متاهة صمت
كم أحتاج من الوقت حينها كي أنسى
كل ما مضى
وأمزقُ شريط الذكريات كلما عبر في مخيلتي
وأحشو نفسي في كتاب قديم
اهترأت أوراقه
وأتعلم من حروفه العتيقة لهجات النسيان
تأتأة تخون بوحي كلما قرر أن يطلق كلماته
ويتفوه بحرية البقاء
لا أفهم معنى الموت؟
ولا كيف يبدو طعمه حين تختنق الأنفاس؟
لكني ألمس بياض كفني كل ليلة
وأمعن النظر في وجوه الأحبة كل ليلة
فطقوسي الوداعية لا تنتهي
كي أحفر قبري في داخلي
وتنام عيني للأبد
وارحل كشمس المغيب
لتلتحف السماء شرشف الليل
وتستر الأرواح الراحلة دون ضجيج
دون عويل صاخب
أو آهات نحيب
لا أدري كم أحتاج من الوقت
كي أفهم الوجود ويفهمني
فذنبي أني رفضتُ
أن أذوب كقطعة بسكويت
في كوب شاي من أحب.

فاطمة العميرية


أعلى




منمنمات (2)

مفاهيم مغلوطة

يحتار المرء لأي الفريقين يركن.. فريق بعدما يقرأه / يستقرئه يجده منضويا تحت ظل الاقناع / المصداقية.. بينما الفريق الآخر وهو يعارض الافكار والاتجاهات والجوانب الفكرية للفريق الاول.. يتموضع في أطر التشكيك / التزييف. وبطبيعة الحال ستكون النتيجة عدم الثقة / الكذب / الاصطدام الفكري / لكلا الفريقين لعدم جدية الطرح من جهة واعني بعدم جدية الطرح.. هو التركيز على جانب الاصطدام والعدوانية بمعناه الحقيقي.. وعدم الولوج في اعماق الطرح والاستخلاص بالنتيجة المفيدة لكلا الطرفين. كما ان المراقب للنقاش / الحديث / الطرح / سيحتار لأي الفريقن يميل.. كون الفريقين سيبذلان ما بوسعهما من أجل احقاق منهجهما او قناعاتهما.. ولا غرو ستكون الادلة والقرائن حاضرة بقوة وفق ما تسيس لها نقاط الطرح. وعادة لما تكون المفاهيم مغلوطة بالصورة التي يرسمها المتلقي.. تكون النتيجة مشوشة.. لا سيما ان فرضت نتيجة او نظرية بلون.. وبعد مدة لونت بلون مغاير.. من لدن نفس الالسن ذاتها.. مما يدفع للنفوس المحتارة ان تتقوقع في مفهوم عدم الاقتناع.. بل والتشكيك في مصداقية ما يطرح من أساسه.

عالم الصهللة

الافكار المدعومة بالخطب الرنانة.. والامال المرسومة في خيال الاوهام والاحلام المؤجلة في ليالي الزيف.. كل ذلك يدعو العقول المتمركزة في بساطة التفكير.. وبديهية التفنيد.. الى الانجذاب للهالة.. التي تكون في اوج غموضها.. واعمق اهترائها. فان كان مثل تلك الرؤى الوهمية تغري العقول المبحرة في اعماق المعرفة والمعلومة.. فكيف بالعقول المستسلمة لكل ما هو مستساغ وغير مستساغ من المناهج المعرفية.. كيف لها عدم الميل او النكوص الى بهرجة الكلمة.. وهي التي اوقعت ذاتها في مستنقع البهرجة مذ ارتأت الولوج في عالم (الصهللة). ان الذي يدعو الافكار (الهزيلة) لاستمداد القوة (المجوفة) والنمو في اعماق الاحتدام المعرفي.. هو الرضوخ والاستسلام لافكار وثقافة من يلتفون حول اصوات الزيف المعرفي.. فضلا عن المساندة (البديهية) التي تصدر من قبل بعض العقول البسيطة في التأقلم الفكري.. بالتأكيد سيكون ذلك دون دراية منها. وبما انها لا تعي الثوابت او الاسس التي يبنى عليها اي صرح معرفي.. فانها لا تتوقع ابدا ان تنهار تلك (القوالب الفكرية المجوفة) بمجرد ما تتلقى صفعة من رياح الواقع المعرفي الراسخ بجذوره في اعماق أرضية العلم الواسع.
طرف ثالث
وما الحيرة التي ستنتاب بعض العقول المتابعة لـ(مسرحية) التناطح او التراشق الفكري.. بين معلمين من معالم المعرفة والثقافة.. الا ارهاصة من ارهاصات وتبعات ذلك التشاحن الغريب. وفي مثل هذه الحالات يكون (طرف ثالث) هو المستفيد الاوحد من ذلك التشاحن.. كما انه لا يستبعد ان يكون المحرك الاساسي للحراك المستفز. لذلك نجد المفاجأة تظهر في نهاية الفيلم (البوليسي) يكون بطله عنصر اللاتوقع.. عنصر الدهشة.. الذي يحمل بين طياته غرابة مستغربة.. تاهت الاضواء عن هذا العنصر.. وقد كان يعد كمجرد قطعة اثاث زائدة في منزل مكتمل التأثيث. مما يدفع الحيرة ان تقتات من صروف غرابة الايام واحداثها .. بحيث تشترك معها في اهتراء التقييم والتفنيد للامور المستعصية للفكر.. وعليه فان الحمل الثقيل الذي ستحمله الرهافة سيكون قاسيا وشديدا ينتج عنه (تقوس) ظهر الفطرة / البساطة.. وبذلك ستكون المتضرر الاول وقد يكون الوحيد.. بينما الاطراف المتنازعة بعد فترة من تبادل الادوار فانها ستتبادل كؤوس السخرية!!

ومضة:
الألم الذي لم يقتلني.. يفتح لي أبوابا للنجاح.

ماجد الهادي

أعلى






"كولومبيانا".. القتل مجرد رسائل لمجهول

القاهرة ـ الوطن:
الاطفال ببراءتهم من الطبيعي ان يحيوا طفولة يتمتعون فيها بطفولتهم، يلهون ويلعبون، ويتمتعون برعاية الوالدين، لكن اذا ما اغتيلت هذه البراءة، وشاهدت طفلة صغيرة لا يعدو عمرها ثماني سنوات والديها وهم يقتلون فماذا ننتظر من تلك الطفلة؟
لا شك ستشب هذه الطفلة وهي مشوهة نفسياً ، قد تحمل حقداً وغيظاً ورغبةً في الانتقام تحرق كل من يقف في طريقها، خاصة إذا ما كانت تلك الطفلة هي في الاصل سليلة عائلة تمتهن لها باع في الاجرام والاعمال غير المشروعة. الكلمات السابقة هي توصيف دقيق لفكرة فيلم كولومبينا او "Colombiana" والذي يدور كله حول فتاة تريد ان تنتقم من قاتل والديها.
براءة ضائعة
يبدأ الفيلم مبكراً في سرد قصة الصراع الذي سنعيشه طوال احداث الفيلم حيث كاتاليا الطفلة الكولومبية الصغيرة التي لا تعدو الثامنة من عمرها نراها ووالدها يخبرها بعض التعليمات والنصائح في حالة عما اذا حدث له مكروه، لكن هذا المكروه يأتي سريعاً في نفس المشهد حيث يهجم افراد عصابة (كان والد كاتاليا منتم لها ولكنه أراد التوقف) للنيل منه ويستطيعون قتله ورجاله وزوجته والدة كاتاليا.
ثم في مشهد هادئ يأتي أحد افراد العصابة ويطلب من الطفلة ان تعطيه ما أعطاها لها والدها وهي ببراءة الاطفال توحي له انها ستعيطه له ولكنها فجأة تغرس السكسن الحاد في يد رجل العصابة وتهرب من الشباك لنرى طفلة مختلفة تماماً عما شاهدناه في المشاهد السابقة فكاتاليا الان طفلة مدربة تدريبا جيداً للقفز والمراغة والجري والاختباء، مما يجعلها بسهولة تهرب من افراد العصابة وتذهب الى السفارة الأميركية كما اخبرها والدها وتعطيهم هناك ما سماه والدها جواز مرورها وهو شريحة الكترونية صغيرة، مسجل عليها معلومات خطيرة عن المافيا في كولومبيا.
وتخرج الشريحة بعد ان كانت ابتلعتها اثناء المطاردة ، تخرجها بالقيء على مكتب الضابط الاميركي ثم ما نلبث إلا وترحلها السفارة الى أميركا واثناء ترحيلها تهرب من المسئولة عنها وتذهب الى عنوان اعطاه لها والدها قبل وفاته، هو عنوان عمها في شيكاغو.
وتسطيع ان تصل الى بيت عمها لنشاهد احد افضل مشاهد الفيلم درامياً حيث تدمع عينيها ثم تحتضن عمها وتبكي كثيراً وكأنها لم تشعر بفقدان والديها سوى الان.
الاستعداد للمواجهة
كاتاليا لا تضيع وقت فهي الطفلة العارفة والمحددة ماذا تريد حتى عندما ذهب بها عمها الى مدرسة داخلية رفضت وأصرت على ان تصبح قاتلة محترفة لتنتقم من قاتل والديها، لكن عمها يقنعها انها عليها ان تتعلم العلوم النفسية لتتفوق في هذا المجال الصعب.
تقفز بنا الاحداث لنرى كاتاليا "زو سلدانا" وقد شبت وكبرت وتقوم بعمليات قتل قمة في الاحترافية فنرها تتنكر وتدخل قسم شرطة بعد ان تتظاتهر بالسكر وتصطدم بعربة شرطي مما يدخلها الحبس وهناك نراها فتاة اخرى حيث تغير من هيئتها وتهرب من محبسها لتذهب الى زنزانة اخرى بحركات واساليب محترفة ثم تقتل سجينا بها وترسم على صدره وردة.
تتكرر مشاهد القتل التي نرى كاتاليا تنفذها باحترافية وبتنوع في وسيلة وطريقة القتل فها هي تقتل باستخدام سمك القرش حينما تجبر احدهم ان يقع في حوض لاسماك القرش وهكذا يصل عدد القتلى الى ثلاثة وعشرين قتيلاً على يد كاتاليا وكلهم عليهم نفس رسمة الوردة مما يجعل السلطات تبحث عنها وتقترب كثيراً من تحديد هويتها.
على الجانب الاخر نعرف ان تلك الرسومات على جثث القتلى ما هي إلا رسائل تبعث بها بشكل غير مباشر الى قاتل أبيها لانها تعرف انه سيفهم الراسلة ويأتي ليتخلص منها كما تخلص من والديها، وبالفعل يسعى وراءها قاتل ابيها عن طريق ارسال فريق من عصابته ورائها في أميركا يبحث عن كا من هو كولومبي.

المواجهة والانتقام

من ناحية اخرى تدخل كاتاليا مع صدق لها رسام في علاقة حب، ولكنها علاقة سطحية لا يعرف الرسام عنها أي شيء باستثناء انها طالبة مما يجعله يحاول الاستفسار عن حياتها فيلتقط لها صورة وهي نائمة ثم يعطيها لصديق له الذي بدوره يعطيها لاحد معارفه في ال اف بى آي وتنكشف الحقيقية فبمجرد ان تتطابق الصورة تعرف بها السلطات وتقبض على الصديق وتعرف مكانها بعد ان تتصنت على مكالمة بينها وبين صديقها الرسام.
لكن تستطيع كاتاليا الفرار من الشرطة كما تقرر ان تذهب الى رجل العصابة الذي قتل والديها وتحتال لتعرف مكانه في أميركا وبالفعل تذهب هناك لتقابل جيشا جديدا من المقاتلين الذين تستطيع التغلب عليهم بعد عناء بمن فيهم الرجل الذي غرست السكين في يده وهي صغيرة، وتظفر برجل العصابة الذي قتل والديها وتوقعه في شرك نصبته له وهو سيارة تركتها امام منزله ليهرب بها وما ان يدخلها حتى يجد بعد دقائق عدد من الكلاب المسعورة التي ربتها بنفسها على اكل اللحم لتنهش لحمة وتقتله.
الفيلم كما قدمنا سابقا هو تيمة مكررة للانتقام ولا جديد يذكر فيه من حيث المعالجة فالبطلة خارقة قادرة على اجتياز الصعاب لا يقهرها عدو، تستطيع الافلات من الشرطة، لها خلفية مأساوية، كما انها دخلت في قصة حب عبر الاحداث ، فنحن اذن امام معالجة تقليدية.
فيلم "كولومبيانا" من إخراج أوليفير ميغاتون، وكتب له السيناريو كل من لوك بيسون وروبرت مارك كامين والفيلم يصنف ضمن أفلام الاكشن والدراما والاثارة ومدته (108) دقيقة وهو دخل ضمن قائمة البوكس أوفيس الأميركية لأعلى إيرادات عشر أفلام أميركية.

أعلى






ترجمات شعرية لـ"ناظم حكمت"

ترجمة : أحمد عبدالله العجمي


قصائد الساعة 9ـ10 صباحاً

كم هو جميل التفكير بك:
وسط أنباء الموت والنصر،
في السجن،
وقد تجاوزتُ الأربعين...

كم هو جميل التفكير بك:
يدك ساكنة على الرداء الأزرق،
شعرك وقور وناعم
كتراب أرض اسطنبولي الحبيبة...
بهجة حبك
هو كشخص آخر في داخلي...
رائحة ورق زهر غرنوقي على أصابعي،
هدوء مشمس،
ونداء الجسد:
ظلمة عميقة
دافئة
تتخللها خطوط حمراء ساطعة...

كم هو جميل التفكير بك،
أن أكتب عنك،
أن أتكئ على جدار السجن وأتذكرك:
ما قلت في هذا اليوم أو ذاك
في هذا المكان وذاك،
ليس في الكلمات ذاتها
وإنما العالم في هالتها...

كم هو جميل التفكير بك.
عليّ أن أنقش لك شيئا من الخشب ـ
صندوق،
خاتم
وأنسج لك ستة أذرع من الحرير الناعم.
وأثب على قدميّ
قابضاً قضبان حديد نافذتي،
لأصرخ بكل الأشياء التي أكتبها لك
إلى سماء الحرية البيضاء...

كم هو جميل التفكير بك:
وسط أنباء الموت والنصر،
وقد تجاوزتُ الأربعين...

27 تشرين الأول (أكتوبر)، 1945

نحن نصف تفاحة،
النصف الآخر هو هذا العالم الفسيح.
نحن نصف تفاحة،
النصف الآخر هو شعبنا.
نحن نصف تفاحة،
النصف الآخر هو أنا،
نحن الاثنين..

من صوفيا

دخلتُ صوفيا في يومٍ ربيعي، حبيبتي.
فاح عبق الزيزفون من تراب موطنك.

إنه قدري
أن أهيم على وجه الأرض بدونك،
ماذا عسانا فعله...

في صوفيا، الأشجار تعني أكثر من مجرد أسوار.
هنا تلتف الشجر مع البشر في انسجام
لاسيما شجرة حور
على وشك أن تخطو إلى حجرتي
وتجثم على السجادة الحمراء...

هل صوفيا مدينة كبيرة؟
الشوارع العظيمة لا تجعل المدينة كبيرة، يا وردتي،
وإنما الشعراء المخلّدون في نُصبها التذكارية.
صوفيا مدينة كبيرة...

كل مساء يتدفق البشر إلى شوارعها:
نساء واطفال، شبّان وشيوخ،
أي ضحك، أي ضجيج وصخب،
دويّ الحشود المندفعة من كل صوب،
جنباً إلى جنب، ذراعاً في ذراع، يداً بيد...

ليالي رمضان في اسطنبول،
هكذا كان الناس يتنزهون
لا... هذه الليالي قد ولّت...
لو كنتُ في اسطنبول الآن،
أكان سيجول في بالي حنيني لها؟
لكن بعيداً عن اسطنبول
أحنّ إلى كل شيء،
حتى غرفة الزيارة في سجن أسكودار...

دخلتُ صوفيا في يومٍ ربيعي، حبيبتي.
فاح عبق الزيزفون من تراب موطنك.
أبناء وطنك رحبوا بي وأجزلوا.
مدينتك هي دار أخي الآن.
لكن حتى في دار أخ، لا يمكن نسيان الوطن.

المنفى ليس فنّا من السهل تعلمه.

حبك

حبك كأكل خبز مغموس في الملح،
كالمشي محموماً في الليل
وتضع فمك تحت صنبور الماء،
كفتح طرد ثقيل غير مُعنون
بشغف، بحبور، بحذر.
حبك كالطيران فوق البحر
لأول مرّة، كالشعور بالغسق يهبط
برقّة فوق اسطنبول.
حبك كالقول "أنا حيّ".

ساعي البريد

سواء أكان الفجر أو منتصف الليل،
فإني قد حملتُ للناس أخباراً
ـ عن أناس آخرين، عن العالم، عن موطني،
عن أشجار وطيور ووحوش ـ
في حقيبة قلبي.

لقد كنتُ شاعراً
وهو أشبه بساعي بريد.
مذ كنتُ طفلا رغبتُ ان أكون ساعي بريد،
ليس عبر الشعر أو أي شيء
ولكن ساعي بريد فعليّ ـ ناقل بريد حقيقي.
في كتب الجغرافيا وروايات جول فيرن
أقلامي الملونة رسمت ألف صورة مختلفة
لساعي البريد ذاته ـ ناظم.
ها أنا هنا على مزلجة تجرها الكلاب
فوق الثلج،
طعام مُعلّب ورزم بريد
تومض في الشفق القطبي:
أعبرُ مضيق بيرنغ.
أو هنا، تحت ظل سحب حبلى فوق المنحدر،
أناول البريد لجنود وأحتسي الكفير.
أو هنا، فوق اسفلت المدينة الكبيرة المهمهم،

أحملُ الأخبار السارّة فقط
وأمل.
أو في صحراء، تحت النجوم،
فتاة صغيرة تصارع الحمّى على فراشها،
وعند منتصف الليل يُسمع طرقٌ على الباب:
"ساعي بريد"!
تفتح الفتاة الصغيرة عينيها الزرقاوين الواسعتين:
سيرجع والدها من السجن غداً،
لقد كنتُ أنا من عثر على ذاك البيت في العاصفة الثلجية
وأعطى فتاة الجيران الرسالة.
مذ كنتُ طفلاً رغبت أن أكون ساعي بريد.
إلا انه عمل شاق في بلدي تركيا
في ذلك البلد الجميل
يحملُ ساعي البريد كل صنوف الألم مع البريد
وسطراً عقب سطر من الأسى في الرسائل.
مذ كنت طفلاً رغبت أن أكون ساعي بريد.
لقد تحققت أمنيتي في هنغاريا وأنا في الخمسين.
الربيع في حقيبتي،
رسائل يفيض منها بريق الدانوب،
شدو الطيور،
وشذى العشب النضر ـ
رسائل من أطفال بودابست
إلى أطفال موسكو.
السماء في حقيبتي...
كُتب على ظرف واحد:
"ابن ناظم حكمت،
تركيا".
في موسكو سأقوم بإيصال الرسائل
إلى عناوينها الواحدة تلو الأخرى.
رسالة ابني فقط لن أقدر على إيصالها
أو حتى ارسالها.
ابن ناظم،
رجال يوصدون الطريق ـ
لا يمكن لرسالتك العبور.

مقاطع من شقراء كالقش

كان الفراق على الطاولة بين كوب القهوة وكأسي
أنتِ وضعته هناك

لقد كان الماء في قعر بئر حجري
انحني وأرى
رجلاً عجوزاً يبتسم ببهاتة إلى سحابة
أنادي
صدى صوتي يعود من دونك
كان الفراق في علبة السجائر على الطاولة
جاء به النادل مع الكؤوس ولكن أنتِ طلبته
لقد كان دخاناً يتلوى في عينيك
لقد كان عقب سيجارتك
وفي يدك انتظرَ ليهمس الوداع
كان الفراق على الطاولة حيث استندتِ كوعك
لقد كان ما جال في خاطرك
في ما كتمتي عني وفي ما افصحتي
كان الفراق في هدوئك
في ثقتك بيّ
كان في خوفك العظيم
أن تهيمي في حب شخص فجأة
كما لو أن بابك فُتح على مصراعيه
في الواقع، أنتِ تحبيني ولا تعرفي
كان الفراق في عدم معرفتك...

رسالة من زوجتي

أريد أن أموت قبلك.
أتظن أن اللاحق
يجد من فنى أولاً؟
لا أعتقد ذلك.
من الأفضل أن أُحرق وأُحفظ في جرّة
فوق موقدك.
اصنع الجرّة من زجاج صاف،
كي تراني في الداخل...
أتدرك تضحيتي:
أتخلى كوني تراباً،
أتخلى كوني زهرة،
لأجل أن أكون بقربك.
وأصبح غباراً
لأسكن فيك.
ثم بعد أن تموت،
تأتي إلى جرّتي
لنعيش هناك سوية،
رمادك في رمادي،
وإن يوماً عروس دائخة
أو حفيد عاق
ألقى بنا خارجاً،
إلا أن ساعتها
سنكون ممتزجين
سوية كثيراً
ذراتنا في مدفن القمامة
ستتهاوى جنباً إلى جنب.
سنغوص إلى الأرض سوية.
وإن يوماً ما وردة برّية
وجدت ماء لتزهر من تلك الأرض،
سيحمل غصنها
زهرتين:
واحدة هي أنتِ،
والأخرى أنا.

لستُ على وشك الموت.
أريد أن أنجب طفلا آخر.
كلي حياة.
دمي ثائر.
سأعيش زمناً طويلاً ـ
معكِ.
لا أهاب الموت،
إلا أني لا أجد ترتيبات جنائزنا جذّاباً فحسب.
ومع هذا فإن كل شيء قد يتغير
قبل أن أموت.
أي بصيص من الأمل أن تخرج من السجن قريباً؟
شيء في داخلي يقول:
ربما.

جنازتي

هل ستبدأ جنازتي من فناء داري؟
كيف ستنزلوني من الطابق الثالث؟
لن يسع المصعد نعشي،
والدرج ضيق كثيراً.

ربما سيفيض الفناء ضوء، وحمامات،
ربما ثلج يتقاطر ضحكات أطفال،
ربما مطر تفوح منه رائحة الأسفلت الرطبة.
وستظل سلال القمامة في الفناء كما كانت.

إن، مثلما هي العادة هنا، وضعتُ في عربة مفتوحة،
حمامة قد تلقي شيئاً ما فوق جبيني: هذا فأل حسن.
سواء أكان هناك فرقة موسيقية أم لا،
سيركض الأطفال إليّ ـ
الأموات يثيرون فضولهم.

سترنو إليّ نافذة مطبخنا وأنا أرحل.
ستودعني شرفتنا برفرفة الغسيل المُعلّق.
في هذا الفناء كنتُ سعيداً أكثر من أن تعرفي أبداً.
أيها الجيران، أتمنى لكم جميعاً حياة طويلة.

هوامش:
ناظم حكمت (1902ـ1963) شاعر تركي
مصدر القصائد
Poems of Nazim Hikmet, Translated by Randy Blasing & Mutlu Konuk, Persea Books, New York, 1994.
القصائد مترجمة من الإنجليزية للعربية


أعلى






فن الرحلة في الشعر العماني
النظم المسلي لأبي صالح الشلي أنموذجا

لعبت الرحلة دورا كبيرا فى تطوير معارف وخبرات الحضارات الإنسانية ، ومن بينها الحضارة العمانية وكانت لرحلات بني الإنسان وارتحالهم فى الأرض طوعا أو كرها آثار مباشرة في صياغة تاريخ هذه الأرض وتطور علوم الإنسان.. فمن الرحلات الرعويَة الجماعية ، عرفت الإنسانية الأرض الخصبة الجديرة بالاستقرار وتطورت الزراعة والصناعات الأولى والمعارف البدائية والعلوم ، غير أن الإنسان لم يرض تماما بالاستقرار ، ودفعه شغف الاستكشاف للارتحال ، فقامت مجموعات صغيرة بالرحلة المتوغلة في الأرض المجهولة ، سعيا لاكتشاف المزيد من الآفاق ، وتلبيةً لهذا النزوع الإنساني الأصيل ، الدافع لمعرفة البعيد ، ومع تطور الإنسانية ، صارت الرحلة فردية ، وصارت أهدافها متنوعةً ، فمن البحث عن الرزق وتحسين الأحوال ، إلى متعة التجوال والتعرف إلى الآفاق البعيدة ، ويوجد للشاعر العماني والفقيه الأديب علي بن صالح بن سعود الشلي (1338 ـ 1407 هجرية) ديوان مطبوع بعنوان "النظم المسلي لأبي صالح الشلي" فقد طبع طبعته الأولى على نفقة صاحب السمو السيد أسعد بن طارق بن تيمور آل سعيد 1989م ، ثم الطبعة الثانية على نفقة أبنائه 2004م.

العلامات اللغوية


دأب الإنسان العماني في مختلف العصور على التنقل والترحال بمختلف الوسائل المتوفرة لديه ، فالإنسان العماني كغيره من العرب ينتقل في رحلات داخلية إذ أن البيئة العمانية المتنوعة التضاريس بين الصحراوية والجبلية والواحات الخصبة الجميلة وبين كثافة عمران المدينة ، فقد يكثر التنقل في فترة القيظ وهو موسم سنوي لنضج ثمرة النخيل ، وكذلك الرحلات الخارجية وخاصة بين مختلف دول الخليج العربية ، وإن كانت الكثافة تزداد باتجاه المملكة العربية السعودية ، لما لها من خصوصية إسلامية ليس لدى العمانيين فحسب بل لدى كافة المسلمين.
وللرحلة وسيلة وهي متنوعة ، ومختلفة بين البغال والحمير والخيول والسيارات والسفن والطائرات وغيرها ، وهنا نحاول أن نقترب من الألفاظ التي شكلت وسائل الرحلة عند شاعرنا أبي صالح الشلي.

قال الشاعر:
فقال ما تدري أن العيس قد تركت
وهكذا الخيل ذات السرج واللجب(1)
وقال في موضع آخر:
ركبت سيارة تنقض مسرعة
أتيت حائمة فيها من العجب(2)
وكذلك قال:
لكنما الطائرات الآن مسرعة
في يومها تقض ما قد كان في الحقب(3)
وأيضا جمع وسائل الرحلة فقال:
وعابر البحر ففيه خشبا
والبعض منا يركبن مركبا
وذكر الإله للضوامر
وهو عليم الجهر والسرائر
قد قال في تنزيله وكتبه
يخلق ما لا تعلمون فانتبه(4)

الفضاء الداخلي

بطبيعة الحال عند قيام الشخصية المرتحلة بالرحيل والبدء في انطلاق الرحلة تختلج عوالم نفسية كثيرة فلا تستطيع الذات المرتحلة التعبير إلا بمجموعة من الأفعال والمواقف التي يتم تنفيذها بقصد أو بغير قصد بالشعور أو اللاشعور بالعقل الواعي أو اللاواعي لأنها ممزوجة بالأيديولوجية منها مثلا لحظات الوداع للأهل والأولاد والأماكن قال الشاعر:
ودعت أحبابي مع الأولاد
والصحب والجيران بالوداد
ودعتهم والدمع في الخدود
كالودق يجري أثر الرعود(5)
وكذلك قال مودعا المنازل والديار والأماكن :
وإنني خرجت من بلادي
مودع الجيران والأولاد(6)
وقال أيضا :
خرجت من مساكن الجناة
من بلد الحصن دما الحلاة(7)
والفضاء الداخلي غالبا ما يكون مشحونا بالعاطفة ، وممزوجا بآلام الرحيل وأحزانه وإن كانت الرحلة اختيارية ، وإن كانت الشخصية المرتحلة غير مجبورة على الرحيل ، فقد يغلب طابع الحزن والأسى دائما في هذا الفضاء وفي عولم مكنونات الذات الراحلة والمرتحلة ، وهذا لا تجعلها تفوت الاستعداد للرحلة.
قال الشاعر:
وابتغ الزاد من مال حلال ولا
فيه حراما من المكسوب والغضب
وودع الأهل والأولاد كلهم
مع الأقارب والجيران والصحب(8)
وكذلك لا يجعل الذات المرتحلة لا تحتكم للعقل بل لا بد من الاختيار الأمثل للصاحب والرفيق في السفر قال الشاعر:
وللرفيق كذا قبل الطريق نكن
مصاحبين أولي الإيمان والأدب(9)
وقال أيضا في فضل الرحلة والتنقل والترحال والسفر وفوائده:
لأن في الأسفار من فوائد
كثيرة بصحبة لماجد(10)
إن الشخصية المرتحلة بما تحتويه من نفسيات أثناء السفر والترحال وعند مواجهتا لبعض الشدائد وقطع العذاب المتواتر على الشخصيات المرتحلة حيث أثر عليه الصلاة والسلام أنه قال "السفر قطعة من العذاب" إن هذه الشخصية تشعر بالفرح والسعادة عند الخلاص مما يعترضها وينغص عليها رحيلها قال الشاعر:
منها خرجنا نجد السير في فرح
حتى وصلنا مع الأخوان والصحب
في أرض عاصمة السلطان قائدنا
قاد الجيوش وأحيا العلم بالكتب(11)


الفضاء الخارجي

للرحلة العربية الإسلامية ـ والعمانيون جزء لا يتجزأ من العرب والمسلمين ـ تراث طويل تراكمت خلاله مجموعة نصوص مكتوبة عبر تاريخ الإسلام، تعرف اليوم بأدب الرحلات ، ولعل رحلةَ ابن بطوطة هي أشهر الرحلات القديمة على الإطلاق ، وعند الحديث عن وصف الفضاء الخارجي للرحلة "فالحديث ذو شجون" لأن الرحلة في العالم الخارجي مملوءة ومشحونة بالصور والمواقف خلال فترة الرحلة حتى يكاد نعتقد أن الشاعر يبالغ في الوصف والتخيل ولكن الحقيقة هي ما يبثها غالبا وكل ذلك مرده إلى الثقافة التي ينظر بها الشاعر المرتحل وقدرته على الوصف وكأنه يقرب المشاهد، والحوادث وهي تقع أمامه لينقلها لنا بقوالب فنية رائعة قال الشاعر:
جزنا مناطق سلطان البلاد وقد
بدت (إمارات) أهل الفضل والحسب(12)
الرحلة ووصف فضائها الخارجي يحيلنا دائما إلى ومضات سريعة وخاطفة فيها من التأويل ما تحويه مجلدات كبيرة، وبمشهد سريع نجد صورة قد ارتسمت عن المكان وقاطنيه وعن البلد والشخصيات المرتحلة.
وقال أيضا:
جئنا إلى (سلع) لم نلق من سلع
لكن سئمنا من الترداد والنصب
جئنا إلى ( قطر) كم فيها من قطر
مراكز ملئت بالعجم والعرب
وصلنا (سلوى) ولم نسلو بها أبدا
قد فتشوا الفرش والأثواب كالكتب
منها خرجنا نجد السير في فرح
بعد النكال من التفتيش واللزب (13)
فمن الملاحظ أيها القارئ العزيز في أي مكان وزمان أسلوب شاعرنا وهو يخط لنا سير الرحلة بمشاهد خاطفة فيها ما فيها من الشحن المعرفي والدلالي والرمزي ما يجعله يكثف لنا الوصف والخبر في أبيات بسيطة وهو يقطع مئات الكيلومترات من الرحلة قال الشاعر:
ومن روي هذا الخروج كانا
إلى مطار السيب حتى جينا
خرجنا من جدة إلى المدينة
على وقار وعلى سكينة(14)

العلامات اللغوية

الحدث: هو الفعل المشكل للرحلة زمانا ومكانا ووسيلة ، فالرحلة تنطلق دائما من مكان معين وغالبا عند شاعرنا من الحصن "دما الحلاة" وهو مكان الشاعر وبيته وأهله وأولاده "ويقتضي منطق الرحلة أن يكون الفعل فيها متقدما إلى الأمام" كما يقول: (RAYMAND DEBRAY GENETTE) وهذا التقدم يجعل الرحلة تتحول من طور إلى طور ومن انطلاق إلى توقف ، ثم مواصلة السير ثم بعد ذلك العودة إلى الوطن قال الشاعر:
وقد وصلنا إلى الأوطان أجمعنا
والحمد لله الخالق المنشئ من الترب
عمان صارت بفضل الله زاهرة
بالعدل والجود والإيمان والخصب
عمان أضحت كمثل العقد منتظم
بجود قابوس عالي الجد والرتب(15)
الشخصيات: الشخصيات في الرحلة عند الشاعر شخصيات نموذجية للصحبة والتضحية والكرم والجود والوفاء والإخلاص؛ حيث نجدها دوما في القائمة المثالية وهذا راجع إلى حسن الاختيار سواء للصاحب في الرحلة أم من ينزل في ضيافته قال الشاعر:
ركبت في سيارة لسالم
سليل سيف من بني القواسم
وقد نزلنا في روي في منزل
صديقنا الزكي الكريم الأفضل
خلفان بن سيف بني وهيبي
أكرم به من رجل لبيب
قد جاء بالجواز والتذكرة
بفضله من مكتب الوزارة(16)
البيئة (الزمان والمكان): البيئة عند الشاعر لا تعدو أن تكون سوى محطات سرعان ما تجد لها الشخصية محطات أخرى لعلها تجد فيها غايتها وهكذا فالمكان يتجدد في كل لحظة من الرحلة وتحل وسيلتها في أمكنة مختلفة أما الزمان الغالب لانطلاق الرحلة فقد يكون في الصباح الباكر وهذا حال أغلب الشخصيات المرتحلة عند شاعرنا الشلي
قال الشاعر:
خرجنا من دما نهار الجمعة
لكنها طريقها مضيعة (17)
ونجد الوصف يتعدى الأماكن الطبيعية والأمكنة المرتسمة في الذات المرتحلة وهي ترى وتصف لنا كل الأحداث فتصف لنا أماكن أخرى شكلت معطيات الرحلة ووسيلتها وبيئتها (الزمان والمكان) قال الشاعر:
حتى أتى النداء للطيارة
فحملونا قبل في السيارة
تمضي بسرعة لنا مجدة
حتى نزلنا في مطار جدة
ثلاث ساعات أقمن في الهوا
إلى نزولنا بجدة استوى
مكثنا فيها نرقب الأصحاب
ثم جميعهم أتوا ركابا (18)
وللشخصية المرتحلة حوار باطني يمثل مؤشرا مهما على بلوغها مرحلة الهذيان والهلوسة عندما ترتحل من المكان وهي في ذات المكان إلى عالم آخر تختلف فيه الصورة والمشاهد وتحتدم فيه الأصوات المتنوعة إذ أن الشاعر " لا يجد من الأحاسيس والصور والمشاعر والذكريات واندفاع العواطف ومن صغار الأفعال المقنعة التي لا تعبر عنها أية لغة باطنية وهي تتزاحم على أبواب الوعي وتتجمع في فرق متلاحمة وتنبثق فجأة ثم تتحطم بعد ذلك لتتحد بوجه آخر وتظهر بشكل جديد (NATHALIE SARAUT) ففي الرحلة ليست الغاية في هذا المكان أو ذاك وإنما في تجاوزه وتوقع المكان الذي سيأتي بعده، إن الرحلة لا يمكن أن تتوقف إلا في ذلك المكان الذي يوجد في مخيلة الشخصية ذلك الذي يحقق لها الطمأنينة والراحة (ODILE CARNIER) قال الشاعر:
خرجنا من مدينة منورة
وقد نزلنا بالآبار الزاهرة
ثم رجعنا بعد للسيارة
تجري بنا كأنها طيارة
سارت بنا سيرا إلى أم القرى
وبملاوي قد نزلنا عصرا
وثالث الأيام قد خرجنا
منها وفي طيارة ركبنا
تجري بنا كأنها سهام
من بندق أسفلنا الغمام
خرجت عنهم ورجعت للوطن
والله يدري السر منا والعلن(19)


الهوامش
1ـ النظم المسلي لأبي صالح الشلي.
2ـ النظم المسلي لأبي صالح الشلي.
3ـ السابق.
4ـ السابق.
5ـ السابق.
6ـ السابق.
7ـ النظم المسلي لأبي صالح الشلي.
8ـ السابق.
9ـ السابق.
10ـ السابق.
11ـ السابق.
12ـ النظم المسلي لأبي صالح الشلي.
13ـ السابق.
14ـ السابق.
15ـ النظم المسلي لأبي صالح الشلي.
16ـ السابق.
17ـ النظم المسلي لأبي صالح الشلي.
18ـ السابق.
19ـ السابق.

* ناصر الحسني
*كاتب وباحث

أعلى




مدن "عابرة" و"مختلطة" ومجتمعات "عالقة"

مدن عابر

المعارض الدولية أو (expositions) في القرنين التاسع عشر والعشرين تميزت بطبيعتها "العابرة". فالغالبية الساحقة من المواد الإنشائية, بما فيها المباني والمنشآت, التي استعملت فيها كانت ضمن مخطط يقضي بهدمها بعد انقضاء المعارض والأحداث. وبحسب تعبير "سيمل", كانت مقصودة لغايات مؤقتة فقط.
لكن هذه الصفة المؤقتة للمباني التي احتوتها المعارض لم تمنع احتواءها, بشكل فردي أو جماعي, على مضامين عميقة, وتراث متأصل وصناعة تقاليد في العمارة, والتطوير الحضري وفي التاريخ المعاصر والتواصل عبر الإعلام ـ وكلها عاشت أطول من المعارض نفسها.
المعارض المحلية أو (exhibitions) تحوي أيضا عناصر تشابه لحد كبير نظيراتها في المعارض الدولية, ومن هنا يمكن النظر للاثنتين كعائلة متجانسة, يمكن دراستها وتحليلها بعمق من خلال طبقات زمنية بمعالجة الناتج والنص معا. وباعتماد تعريف قاموس أكسفورد لمصطلحي (Exposition) و (Exhibition) يشير النص في هذا الكتاب لهاتين الكلمتين بطريقة تبادلية ليعني "لمجموعة من العناصر التي تعرض, لفترة محدودة, في مساحة محصورة ضمن المدينة الكبيرة, وغالبا ما تكون هي العاصمة" حيث تستعمل الأولى في الثقافة الفرنسية, بينما تستعمل الأخيرة في الثقافة الإنجليزية, بينما تستعمل كلمة (World's Fair) في التعبيرات الأميركية. وفي هذا الإطار يمكن النظر للمعارض الدولية على أنها محطات انتقالية لكنها "وسائل" إعلامية تعريفية متكررة, هي بالرغم من طبيعتها الانتقالية إلا أنها كرست تقاليد محلية وعالمية ليس فقط على مستوى الوسط الذي تروج له المعارض ولكن على مستوى الموروث الحضري والمدن الكبيرة التي تهدف لعرضها والدعاية لها.
وكظاهرة حضارية وثقافية متميزة, يعتبر الاقتصادي وعالم الاجتماع "ورنر سومبات" أن سيمل كان محقا في توصيفه للمعارض الدولية على أنها "مثيرة للاهتمام بدرجة كبيرة, حيث إنها تحوي معاني ومضامين متباينة يمكن قراءتها بطرق مختلفة ومعايير متعددة وضمن أطر ومحتويات كثيرة". ويمكن اعتبارها بيئات تعليمية مهمة لدراسة الكيفية التي تعبر بها المجتمعات عن نفسها, وتاريخيا شكلت محطات مهمة لإبراز أطروحات حضرية وإقليمية وقومية وعالمية. وشكلت المعارض العالمية فيما بعد القرن التاسع عشر والقرن العشرين في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وأستراليا نقاط تحول وجذب للباحثين والأكاديميين لأكثر من قرن. وبتعدد الامكنة التي أقيمت بها, تعددت الأمم والشعوب التي شاركت بها, وأسهمت المعارض الدولية في تقديم لغة ممنهجة للمعارض بالإضافة إلى جمهور عالمي غفير. وبهذا اعتبرت المعارض من أهم منجزات ومخترعات القرن التاسع عشر وأهم مؤسسات العالم الثقافية الحقيقية.
يقدم الكتاب أمثلة ضمن دراسة تأريخية من خلال توصيف المعارض الدولية لا كمجرد تمثيل لصروح ثقافية فقط, بل أيضا كنتيجة لأستراتيجيات تخطيطية, وعمرانية وتمويلية من قبل القائمين عليها. طول حياة العناصر المستعملة وتزايد تشابه المعارض الدولية مع بعضها يمكن تفسيره بتأثير تنظيم محكم وطبقة متغيرة من البيروقراطيين وخبراء المعارض ومروجو الترفيه, حيث أدى نفوذهم لتعديلات انتقالية متبادلة في المعارض الدولية المتتابعة. فبمجرد نجاح معرض دولي يتم على الفور تناقل المواد الجديدة والعناصر المستعملة لتتخطى الحدود والثقافات وتنتقل عبر المعارض اللاحقة بغض النظر عن محتوياتها الثقافية وخصوصية المكان أو الشعب. ولذلك فقد ازدانت مساحات المعارض الدولية الزائلة بالعديد من العناصر الإيحائية والتي تكرس المقارنة مع ثقافات وإثنيات متعددة وتراثات أصلية ذات جذور ضاربة في القدم, أو إيحاءات محلية واستخدمت استعارات وتسميات ذات مغزى مثل "لندن القديمة" أو (Old London) أو مثلا "باريس القديمة" أو (Vieux Paris) أو (Alt-Berlin) وهكذا, وذلك بسبب أن القائمين على المعارض لم ينقلوا من بعضهم البعض فقط, ولكن لأن أجزاء وعناصر من المدينة, وحتى أحياء كاملة, في بعض الأحيان يتم نقلها من ثقافة لأخرى.
يستعرض الكتاب خمسة أمثلة من معارض عالمية تجسد أطروحات التمازج الثقافي والتجديد الحضري, وهذا المعارض هي: معرض برلين عام 1896 أو (Berliner Gewerbeausstellung), والمعرض العالمي عام 1900 (Exposition Universelle), والمعرض البريطاني الفرنسي عام 1908 (Franco-British Exposition), ومعرض الإمبراطورية البريطانية عام 1924 - 1925 (British Empire Exposition), والمعرض الدولي عام 1931 في برلين (Exposition Coloniale Internationale).
معارض الإمبراطوريات الدولية التي عقدت في لندن وباريس وبرلين كانت عقدا فيما سمي بشبكة دولية, أطلق عليها المحللون المعاصرون ما أسموه "محطات في مسار التاريخ", فالقصر البلوري لم يكن ممكنا العثور عليه في لندن فقط, ولكن أيضا في نيويورك وميونيخ وباريس. وكذلك الحال بالنسبة لما يعرف "بالمدينة البيضاء" أو (White City) حيث يمكن أن تشاهد ليس فقط في شيكاجو ولكن أيضا في لندن, ومثلها ما عرف "بقاهرة في الشوارع" أو (Rue du Caire) والتي يمكن مشاهدتها في أكثر من مكان في باريس, وشيكاغو ولندن وبرلين.
الكتاب يقدم وجهات نظر متباينة ومتعددة يمكن من خلالها قراءة وتحديد وتفسير خمسة نماذج وحالات متميزة في إطار المكان والزمان, محبوكة ضمن شبكة محلية وعالمية. ومن خلال تحليل مفصل لكل من الحالات الخمس يستعرض النص المحددات والأهداف والتطلعات والتحورات في الشكل والناتج بين كل منها. كما يعرض الأثر الذي خلفته هذه المعارض الدولية وتأثيرها على الرأي العام. وبالإضافة لذلك يقدم التحليل ضمن مجموعات من الأسئلة الأساسية التي تشكل الاطر العامة للبحث: من هو المسؤول عن تقديم العناصر وتجميعها ضمن الخلفيات النظرية والفيزيائية للمعارض الدولية, وكيف تم تشكيل التقاطعات البصرية والإيحاءات الفراغية؟ وكيف تم تقبل المعروضات وإدراكها من قبل الجمهور والمجتمعات المحلية والأفراد على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية على حد سواء؟ وما هو الأثر الفعلي الذي خلفته هذه المعارض الدولية؟ وكيف اتخذت هذه المعارض الدولية مكانها في الأطر المحلية للتقاليد والمحيط الإجتماعي الثقافي؟ أسئلة وطروحات أساسية تتمحور حولها الأفكار والأطروحات الغنية التي يحفل بها النص في هذا الكتاب القيم.

مدن "مختلطة" ومجتمعات "عالقة"

الفراغات الحضرية المعاصرة بطبيعتها "مختلطة", كما أشار ويبر عام 1958, ودرفيلد وسنغر من قبله عام 1954. فالبعض يرى أن نجاحها كمشاريع إنسانية وتجارب حضرية متعلقة بهذه الطبيعة المركبة, حيث تمتزج الثقافات, والأصول والأعراق والطبقات المتراكبة الإجتماعية, بما يوفر بيئة تواصل وحراك وتبادل للآراء والخبرات الإنسانية. وهذا الخليط في أي منظومة حضرية إجتماعية تتفاعل ضمن الفراغ الحضري ليست بالضرورة متجانسة. فجزء لا يتجزأ من التجربة الحضرية تكون تفاعل مجموعات أساسية مع مجموعات قد تكون لها صفة "المهمشة", وثانوية من ناحية طبقة إجتماعية, وأحيانا جماعات مغيبة ومعزولة. ومن هنا فالمدينة الحديثة, كما نعرفها اليوم, هي حيوية, ومجموعة من العوامل المتداخلة على الدوام, وبها تعددية وصراع مستمر. ويعبر "سيمل" عام 1903 في مقاله عن "الحياة الفكرية في المدن" عن هذه التعددية, وبأن التعقيد الناشئ عن هذه العوامل المتداخلة في المدينة يؤدي للفردية وحرية الفرد مقابل ما يسميه "سيمل" بالثقافة الموضوعية.
من الأمور الأخرى المرتبطة بالحضرية المعاصرة هو علاقتها مع عنصر مترابط بالمعاصرة هو مفهوم "الأمة". فالشعوب الحديثة ربما تكون قد عرّفت نفسها حول مفاهيم نظرية ومثالية تحنّ للماضي والتراث والحياة الريفية, لكن أساساتها تمحورت حول المجالات السياسية والإقتصادية للمدينة الحديثة, والتي تمثلت في الطاقة البشرية والموارد الطبيعية والزخم السياسي. ويشير "كنغ" 1991 إلى أن التاريخ المعاضر قد شهد نشأة مطردة وسريعة للتجمعات الحضرية وظهور المراكز الحضرية وبالتحديد مدن العواصم, وبعض هذه أنشئت كمدن ضخمة لتخدم اهدافا إستعمارية. فالمركزية الإقتصادية والسياسية للعواصم الحضرية الضخمة ارتبطت بشكل وثيق بأدوارها الرمزية كعلامات لمستقبل الأمة. ويشير الباحثين لأهمية عدم التحيز في دراسة المدن والتجمعات الحضرية بناء على الأيديولوجيا أو الأصول العرقية أو المذهبية, أو التقليل من أهمية المراكز الناشئة والأقل حجما. ومن هذا التحيز مثلا فكرة التركيز على المدينة كموقع للأصالة الدينية, أو المأسسة الثقافية, والتي تطغى في الدراسات القائمة في الشرق الأوسط ـ كما يشير مثلا أولغ غرابار في كتابه "مدن ومواطنون" عام 1976. فبعض المراكز الحضرية في الشرق الأوسط, كما يشير إدوارد سعيد في كتابه "الإستشراق" عام 1978 قد غلفت بأغلفه لها نزعة "القداسة" مثل القدس ومكة ونجف, وتزخر تبعا لذلك بالإفتراضات السائدة في مفاهيم "التراثية" أو الإغراق في الجمود وعدم مواكبة المعاصرة ـ بأحسن التفسيرات.
هذا الكتاب, الذي يستعرض المدن والمراكز الحضرية الناشئة, بعيدا عن المدن الكبيرة أو المدن "المقدسة", يجتهد في تقديم إطار نظري في العلاقة بين المعاصرة وبين مفهوم الأمة والمحركات التي تؤطر عملية التطور والنماء في الفراغات الحضرية. ويستخدم نماذج وأمثلة مبنية على دراسات وإحصائيات وأبحاث في حالات محددة من "المدن المختلطة" في فلسطين - ولاحقا "إسرائيل". المراكز الحضرية في هذا الإقليم, والتي أظهرت نزعة نحو الحضرية والحداثة تحت الحكم العثماني, شهدت فكرة علاقة الأمة بمراكز القوى الاجتماعية والسياسة في نهاية العشرينيات, ولعبت دورا في الأحداث التي تلت في العقود اللاحقة.
وخلافا لمعظم الأقاليم الأوروبية النازعة نحو الحداثة في القرن التاسع عشر, كانت فلسطين تتعرض لمشروعين متنافسين: الأول مشروع وطني لأصحاب الأرض الأصليين, والثاني مشروع إحتلال صهيوني ـ يهودي يهدف للسيطرة ولتهويد الأرض وفرض الشرعية التاريخية على الإحتلال بمزاعم توراتية. وهو أحد الأطر التي يناقش الكتاب ضرورة بحثها بشكل معمق ومستفيض. منطق السيادة الجغرافية للأمة, وكما يشير "روغي" عام 1993, يتمحور حول مظهرين: تعريفات محددة وحدود غير معلنة. لكن الصراع العربي الإسرائيلي, بتركيزه الأساسي على مسائل الحدود, يشهد طرفان يحاول كل منهما الحصول على سيطرة أكبر للأرض مقابل أقل عدد ممكن من ديموغرافيا "الآخر" كحاجة ملحّة وعاجلة. وفي هذا الإطار كانت المستوطنات الصهيونية حول المراكز الحضرية القائمة أصلا بفلسطين هي نمط من أنماط السيطرة الجغرافية والتوسع الإسكاني الديموغرافي لتحقيق فكرة أيديولوجية باحتلال ما تعرفه على أنه "فارغ ومتاح". وبالنتيجة كانت هناك مجموعة من التناقضات, والتداخلات, والصدام بين شعبين على أرض واحدة. ومن هنا كانت العلاقة بين الفلسطينيين وبين اليهود, وضمن علاقة تاريخية متصادمة وعدائية, متداخلة ومتصادمة في شبكة معقدة من الاستيلاء على الأرض والمصادرة والنزاع السيادي. وظهرت منطقة "محاذية" حدودية متاخمة حيث يتجاور نظامان سياسيان لمجموعتين تتصارعان, وحيث توجد مجموعة من الأفراد والفئات التي, أحيانا, تتعاون لمصالح شخصية. وهذه المنطقة "الرمادية" هي محور التحليل النظري لمادة هذا الكتاب.
مفهوم "المدينة المختلطة" التي يطرحها الكتاب يراوح بين فكرتين: الأولى تتضمن بعدا ديموغرافيا اجتماعيا, أما الثاني فله مفهوم ضمني. في الإطار الأول يتمثل نموذج من الخليط الاثني في إسكانات وعلاقات جوار هلامية وتقاربات اجتماعية اقتصادية بحكم الجوار الاجتماعي الجغرافي. في الإطار الثاني تطرح أفكار التواجد الواعي لأفراد وجماعات بين طرفي الصراع حيث "تتمازج" مجموعات من الأهداف وتنتج "مدنا مختلطة" كمسرحا للتفاعلات الارتباط. والكتاب لذلك يميز بين نمطين من المدن: مدن "الفصل" مثل مدينة القدس بعد عام 1967, ومدن "الاختلاط" مثل مدينة حيفا عام 1930. وبلا شك فأطروحات الكتاب يجسد رؤى أيديولوجية وطروحات سياسية يجب البحث وقراءتها بمرجعية تاريخية نقية بعيدا عن الأطروحات المؤدلجة المسيسة التي قد تخالف الحقائق التاريخية للأرض الفلسطينية, وبما قد يحاول إضفاء الشرعية على ما لا شرعية له.
يقسم الكتاب لأربعة أقسام رئيسة: القسم الأول يتناول موضوع التاريخ والتمثيل والذاكرة الجمعية, ويحتوي على خمسة فصول. الفصل الأول يبحث في فكرة حنين النخبة والمدينة المهجورة ويقدمه سالم تماري. اما الفصل الثاني فيعنونه المحرر المشارك بالكتاب "دان رابنوتز" بعنوان "العرب تركوا لتوّهم: بناء حيفا قبل وبعد عام 1948 ضمن محتوى الذات والآخر". أما الفصل الثالث فتطرحه ياسمين حبيب تحت عنوان "نحن كنا نعيش في دولة مختلفة: الفلسطينيون والحنين لمستقبل الماضي". أما الفصل الرابع فيطرحه ديفيد دي فريس تحت عنوان "التدخل الجمعي الدولي المتداخل في مدن فلسطين المختلطة: إضراب عام 1946 المدني". الفصل الخامس والأخير في هذا الجزء الأول يقدمه تامر غورين تحت عنوان "كيف يجب أن تدار المدينة المختلطة: بلدية مدينة حيفا بين عام 1940 ـ 1947".
القسم الثاني من الكتاب يبحث في موضوع الحركية الفراغية, والتمازح الحضري الإثني وتناقضاته. ويحتوي على أربعة فصول تبدأ من الفصل السادس الذي يقدمه حاييم يعقوبي تحت عنوان "التخطيط والسيطرة والاعتراض الفراغي: حالة دراسية مدينة اللد "المختلطة". الفصل السابع يقدمه المحرر المشارك للكتاب دانييل مونتريسكو تحت عنوان "المنطق الحضاري للفراغ الحضري والبعد الاجتماعي لمدينة يافا". الفصل الثامن يناقش فكرة "المدن المختلطة وغير المختلطة: دراسة مشكلات الديمقراطية في الناصرة" للباحثة لوري كنغ ايراني. أما الفصل التاسع فيبحث فيه رائف زريق في "الخروج من المشهد: تأملات في مفهوم الفراغ العام للفلسطينيين في إسرائيل".
القسم الثالث من الكتاب يبحث في "الأبعاد الجندرية (الجنس) في الفضاءات الحضرية المختلطة", ويحوي فصلين. الفصل العاشر تقدمه دبوراه برنشتين حول "السيطرة الاجتماعية في مدينة يافا ما قبل عام 1948", أما الفصل الحادي عشر فتقدمه هانا هيرزوغ حول "المدن المختلطة كمكان للاختيار: من منظور المرأة الفلسطينية".
أما القسم الرابع والأخير فيبحث في العلاقات الحضارية والمجتمع المدني ويحتوي على ثلاثة فصول. الفصل الثاني عشر تقدمه اميليا سعار في "التعاون والصدام في منطقة المجتمع المدني: النشاط العربي الإسرائيلي في يافا". أما الفصل الثالث عشر فيقدمه مارك لي فين حول "القومية والدين والسياسة الحضرية في إسرائيل: الصراع حول الحداثة والهوية في يافا "المعولمة". أما الفصل الرابع عشر والأخير فيقدمه أنطون شماس حول "العربية المتلاشية في مدينة "ثنائية اللغة". هذا الكتاب تم إنتاجه بالتعاون بين قسم الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجي في جامعة وسط أوروبا وبين جامعة تل أبيب وبالتعاون مع مركز الدراسات الفلسطينية بأميركا.

د. وليد أحمد السيد
معماري وأكاديمي


أعلى


 

تـراثـيـات


المجنون الراجز

قال محب المازني:لما قدم سليمان بن علي البصرة والياً عليها قيل له: إن بالمربد رجلاً من بني سعد، مجنوناً سريع الجواب لا يتكلم إلا بالشعر، فأرسل إليه سليمان بن علي قهرمانه، فقال له: أجب الأمير، فامتنع فجره وزبره، وخرق ثوبه، وكان المجنون يستقي على ناقة له فاستاق القهرمان الناقة وأتى بها سليمان بن علي، فلما وقف بين يديه قال له سليمان، حياك الله يا أخا بني سعد، فقال:
حيّاك رب الناس مـن أمـير
يا فاضل الأصل عظيم الخيرِ
إني أتاني الفاسِقُ الجلْـوازُ
والقلب قد طار به اهتزازُ
فقال سليمان: إنما بعثنا إليك لنشتري ناقتك، فقال:
ما قال شيئاً في شراء الناقه
وقد أتى بالجهل والحماقة
فقال: ما أتى؟ فقال:
خرّق سربالي وشقّ بردتـي
وكان وجهي في الملا وزينتي
فقال: أفتعزم على الناقة؟ فقال:
أبيعهـا بـعـد مـا أوكـس
والبيعُ في بعض الأوان أكيس
قال: كم شراؤها عليك؟ فقال:
شراؤها عشرٌ ببطن مكـهْ
من الدنانير القيام السُّكـهْ
ولا أبيع الـدهـر أو أزادُ
إنّي لربحٍ في الورى معتاد
قال: فبكم تبيعها؟ فقال:
خذها بعشرٍ وبخمسٍ وازنهْ
فإنها ناقة صدق مـازنـه
قال: فحطنا، فقال:
تبارك الله العليُّ العالـي
تسألني الحطّ وأنت الوالي
قال: فنأخذها منك ولا نعطيك شيئاً، فقال:
فأين ربي ذو الجلال الأفضل
إن أنتَ لم تخش الإله فافعلِ
قال: فكم أزنُ لك فيها؟ فقال:
والله ما ينعشني ما تـعـطـي
ولا يداني الفقر مني حطّـي
خذه بما أحببت يا بن عـبـاسِ
يا بن الكرام من قريش الرّاسِ
فأمر له سليمان بألف درهم وعشرة أثواب، فقال:
إن رمتني نحوك الفجـاج
أبو عيال معدم محـتـاج
طاوي المعى ضيق المعيشِ
فأنبتَ الله لـديك ريشـي
شرّفتني منك بألف فاخـرة
شرّفك الله بها في الآخرة
وكسوةٍ طاهـرةٍ حـسـان
كساك ربي حلل الجنـانِ

ـــــــــــــــــ

أما فيهم من يتكلم؟!

قيل إنّه لما قتل الحجّاج عبد الرّحمن بن الأشعث، وأسر من معه، أمر بضرب رقابهم. فقال رجلٌ منهم: أيّها الأمير إنّي أتيت إليك بشيءٍ. قال: وما هو؟ قال: إنّي كنت جالساً يوماً عند عبد الرّحمن فأخذ في عرضك، فناضلته عنك. قال: ومن يشهد لك بذلك؟ فقال رجلٌ من الجّماعة يشهد له بما قال فقال: اتركوه. ثمّ قال للرّجل: أفلا كنت مثله؟ قال له: بغضي فيك لم يدعني أتكلّم فيك بمثل ذلك. فقال: واتركوا هذا لصدقه. ثمّ قام رجلٌ آخر فقال: أيّها الأمير لئن كنّا أسأنا في الخطأ لما أحسنت في العفو. فقال الحجّاج: أفٍّ لهذه الجّيف، أما والله لو كان فيكم من يتكلّم والله ما قتل منكم أحد.

ـــــــــــــــــ


عدوان

قال ابن المقفع (الأدب الكبير):على العاقلِ أن يجبنَ عن المضي على الرأي الذي لا يجدُ عليه موافقاً وإن ظن أنهُ على اليقينِ...وعلى العاقلِ أن يعرف أن الرأي والهوى متعاديان، وأن من شأنِ الناسِ تسويفَ الرأي وإسعافَ الهوى، فيخالفَ ذلك ويلتمس أن لا يزال هواهُ مسوفاً ورأيه مسعفاً وعلى العاقل إذا اشتبه عليه أمرانِ فلم يدرِ في أيهما الصوابُ أن ينظر أهواهما عندهُ، فيحذرهُ.


ـــــــــــــــــ

صناعة الكلم

قال عز الدين ابن الأثير (المثل الثائر):اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم و المنثور تفتقر إلى آلات كثيرة وقد قيل‏:‏ ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم حتى قيل‏:‏ كل ذي علم يسوغ له أن ينسب نفسه إليه فيقول‏:‏ فلان النحوي وقلان الفقيه وفلان المتكلم ولايسوغ له أن ينسب نفسه إلى الكتابة فيقول‏:‏ فلان الكاتب وذلك لما يفتقر إليه من الخوض في كل فن‏.‏ وملاك هذا كله الطبع فإنه إذا لم يكن ثم طبع فإنه لا تغني تلك الآلات شيئاً ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد والحديدة التي يقدح بها ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار لا تفيد تلك وكثيراً ما رأينا و سمعنا من غرائب الطباع في تعلم العلوم حتى إن بعض الناس يكون له نفاذ في تعلم علم مشكل المسلك صعب المأخذ فإذا كلف تعلم ما هو دونه من سهل العلوم نكص على عقبتيه ولم يكن فيه نفاذ‏.‏ وأغرب من ذلك أن صاحب الطبع في المنظوم يجيد في المديح دون الهجاء أو في الهجاء دون المديح أو يجيد في المراثي دون التهاني أو في التهاني دون المراثي وكذلك صاحب الطبع في المنثور هذا ابن الحريري صاحب المقامات قد كان على ما ظهر عنه من تنميق المقامات واحداً في فنه فلما حضر ببغداد ووقف على مقاماته قيل‏:‏ هذا يستصلح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة ويحسن أثره فيه فأحضر وكلف كتابة كتاب فأفحم ولم يجر لسانه في طويلة و لا قصيرة فقال فيه بعضهم‏:‏ شيخ لنا من ربيعة الفرس ينتف عثنونه من الهوس أنطقه الله بالمشان و قد ألجمه في بغداد بالخرس وهذا مما يعجب منه‏.‏

ـــــــــــــــــ

ازدحام لفظي

قال عمر بن عتبة لمعلم ولده:‏ ‏ ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت، علـّمهم كتاب الله ولا تملهم فيه فيتركوه ولا تتركهم منه فيهجروه.‏ ‏ روِّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يـُحكموه فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم، وعلمهم سنن الحكماء، وجنبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك، قال الشاعر:
وإن مــن أدبتـــه فــي الصبــا
كالعودِ يُسقى الماء في غرسه
حـتـى تــــراه مورقـاً نـاضــراً
بعـد الـذي أبصـرت مـن يبسـه
مـا تبلــغ الأعـداء مـن جاهـل
مـا يبلــغ الجـاهـل مـن نفسـه


ـــــــــــــــــ


مدح عامرا وهجا علقمة


كان قوم يقدمون الأعشى على سائر الشعراء ويحتجون بكثرة تصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر وليس ذلك لغيره فيما يزعمون،ويقال إنه أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد،وكان يغني في شعره،فكانت العرب تسميه صناجة العرب،ومن أخباره أنه أتى الأسود العنسي وقد امتدحه فاستبطأ جائزته،فقال الأسود:ليس عندنا عين،ولكن نعطيك عرضا،فأعطاه خمسمائة مثقال دهنا ومثلها حللا وعنبرا،فلما مر ببلاد بني عامر خافهم على ما معه،فأتى علقمة بن علاثة فقال: أجرني، فقال قد أجرتك،قال: من الجن والإنس، قال: نعم،قال: ومن الموت، قال: لا، فأتى عامر بن الطفيل، فقال: أجرني، قال: قد أجرتك، قال: من الجن والإنس، قال: نعم،قال: ومن الموت، قال: نعم،قال: وكيف تجيرني من الموت؟ قال إن مت وأنت في جواري بعثت إلى أهلك الدية،فقال: الآن علمت أنك أجرتني من الموت، فمدح عامرا وهجا علقمة، فقال علقمة:لو علمت الذي أراد لكنت أعطيته إياه.


 

أعلى


 

الأدب الشعبي

بوح ..
المرأة .. وردة لن تذبل

تحتفل السلطنة هذه الأيام بيوم "المرأة" العمانية والذي يصادف السابع عشر من شهر أكتوبر من كل عام، هذا اليوم الذي نسعى من خلاله الاحتفاء بالمرأة بمختلف جوانب الحياة، ونسعى من خلال القصيدة أن نحتفي بهذا القلب النقي الرؤوف الذي يحمله جسدها الطاهر أنها المرأة "الأم" و"الجدة" التي ربتنا وتحملت هموم الحياة ومقتضيات الطبيعة بما أريد لها أن تكون سببا في دخول الجنة، المرأة بعلاقتها مع الرجل شريك مباشر في ترقية المجتمع بتكوينها الجدة، والأم، والزوجة، والأخت .. كل لها ثقل اللحظة والمستقبل، تحمل بحنانها روحا عظيمة تبثها في جسد الرجل فتولد الحياة وتنطلق إلى آفاق رحبة لا تنتهي، يحتفي "الشعر" بالمرأة منذ العصور القديمة بمختلف اشكال التعبير، وما زالت المرأة هي الرابط الوحيد الذي لا يختلف عليه اثنان في أغراض القصيدة المتعددة إلا ما ندر من بعض الأغراض التي يتناولها الشاعر في موضوعه الرئيسي والذي ينطلق من المرأة وينتهي بها، أو ينطلق بها ويعرج إلى مواضيع أخرى إلى أن ينتهي بها مرة أخرى .. ففي كل الاتجاهات نجد هذا الكائن العظيم كمساحة بوح من الكلمات ننطلق به لتكون القصيدة، بل هي القصيدة التي لا تتوقف ولن تنتهي.
تسلسلت مكانة المرأة في مجتمعنا بحسب مقتصيات كل مرحلة، ولكنها في أسرع اللحظات توّجت لتكوِّن لها مكانة مرموقة أثبتت فيه أنها شريكة الرجل في مختلف ميادين الحياة، فكانت السياسية والمعلمة والطبيبة والمهندسة والأديبة وغيرها، ولم تتوقف المرأة عند حدود ما كانت بل سعت إلى أن ترتقي بمجالاها لتكون الأفضل ولتنال علامات الامتياز عن جدارة، بل وعززت مكانتها لتكون المسؤولة في الداخل والخارج، وقد نالت الكثير من التتويج في مختلف ميادين الحياة.
ولم تصل المرأة في المجتمع العماني إلى هذه المراتب من فراغ، حيث منحت الثقة من المجتمع نفسه وقد ساهم الرجل معها في بناء هذا التكوين دون النظر إلى الفوارق وانتقاص جزء منها، بل على العكس تماما ساهمت تلك الفوارق في إيجاد بيئة متناسبة مع متطلبات اللحظة، وقد تم تعزيزها بالثقة التي قدمت نتاجا عظيما لم يقدم الرجل على المرأة ولم يؤخر إحداهما عن الآخر إلا بالنتاج فقط، وقد تبادلت المراكز بين الجنسين بما يضمن المساواة وبنا يحقق العدالة الاجتماعية للجميع.
لذا فإن تخصيص يوم السابع عشر من أكتوبر من كل عام يوما للمرأة العمانية أريد له أن يساهم في رفع الروح المعنوية للمرأة والأسرة والمجتمع وذلك بعد ندوة المرأة العمانية التي جاءت تنفيذا للتوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وأقيمت في رحاب المخيم السلطاني بسيح المكارم بولاية صحار "للاهتمام بالمرأة العمانية وتعزيزا وتثمينا لدورها ومشاركتها الفاعلة واحتفاء بما تحقق لها من إنجازات، وإيمانا من جلالته بأهمية الدور الذي تقوم به المرأة العمانية في عملية البناء والنماء وحرصا من جلالته على مواصلة الدعم للمرأة العمانية للمساهمة في دفع عجلة التقدم وتأكيدا على مبدأ الشراكة الحقيقية في بناء الوطن".
وفي الختام نقدم لجداتنا وأمهاتنا وشريكاتنا في المجتمع كل التحية والتقدير والإجلال، فكل عبق جميل نتنشقه في هذا الحياة فهو من ورودكن التي لن تذبل بإذن الله، سنكون شركاء المجتمع جنبا إلى جنب من أجل هدف واحد هو "عُمان" التي تستحق منا الكثير فألف تحية لكن جميعا.
فيصل بن سعيد العلوي*

ـــــــــــــــــ


ضلْع ادم

* الإهداء إلى كل امرأة عمانية وقفت وساهمت في بناء هذا الوطن الغالي.

وجينا .. نقطف الحلم بيدينا .. نستفز النور
بيارق عز ... من كبد الزمان وما كسرناها
على متن الرواسي الشامخات وراية الطابور
وقفنا ... والشموخ اللي عطتنا من عرفناها
عمان المجد ... تاريخ القيم.. والطايلات دهور
عسف تاريخنا بحر البطولات وكتبناها
جسد .. متماسكٍ يبني البلاد ونهجه الدستور
نكمل بعضنا .. نرقى السحاب وما خذلناها
إلى المرأة سلام الله.. وربي ما عليها قصور
ذراع الفخر .. نهج المجد .. أخت رجال شفناها
صعد فوق أجنحتها للفضاء ما يستفز شعور
من الفخر المعلق فالسماء ويمر فشفاها
نساء .. كبر الثقة .. داست دروب المعضلات البور
وصار الشمع من فيض المعارف يشعل أقصاها
يا صاحبة ْ المعالي .. والسعادة والبنات الحور
يا دكتورة فخر .. أستاذة التعليم .. وضياها
يا ضلْع ادم .. يا ورد الرازقي المتفتح المنثور
يا ام أجيال تتربى فيديها .. وافتخرناها
نعم أمي كتاب التربية والعلم والمأثور
تعلمني على شان الوطن .. يا ربي رضاها
نعم هذا الوطن صدرٍ .. يضم المبدع المشهور
رجل ولا مرَه .. كل ٍ يفاخر به ويتـْـباها
وقفنا .. والنساء ضلعٍ .. يساهم منجزات النور
لجل هذي البلاد الطاهرة ... جينا كتبناها !!!

أحمد بن محمد بن شهاب البلوشي


ـــــــــــــــــ

331

قرّب شتاي وصار بردي شايفك
همتي على كامل فضاي ترفرفي
لو يرتعش قلبي، وسافر معطفك
منهـو بيغرينـي بدفـاك وانطفي؟
لو يرتعش جسمي عليك و ينزفك
لا تخنقي صمت الدموع وتذرفي
أنتي مسا مسقط ومسقط تعزفك
وأنتي على شباك حلمي تشرفي
جى موعدك عندي وناوي أنصفك
جمّعتْ لك، كل شي بجفني وانزفي
لون السما في وسط عينٍ تعرفك
فوضى السنين، اللي فـ شقاها توقفي
زفّ العمر حسنك وناوي أقطفك
وأخذ أنـا سكـر شفاتــك واحتفي
أربع جهات اليوم صارت تكشفك
وتعبت أنا أمشي وراك واقتفي
غرفه وتمطر بي جروحك وأسعفك
ليت الوجود اللي احتوانا يكتفي
ما قلت لك ! هـالبرد قارس وارشفك
كلما أنام فـ وسـط حضنك اختفـي
أغرسْ أصابع من دفاي وأخطفك
كلما خذيتك في ضلوعي تلهفي
يا معظمك، وانتي سماي وملطفك
كم قلت لك إنّي فـ حضنك أنتفي

عبدالله المقيمي


ـــــــــــــــــ


وجه الشوق

معذور يا ذا القلب لو تنكسر مرتاح
طاحت زهور الحب يالباقية بصدري
هذا الحزن مكتوب نعمة ألم وجراح
مكسور يا ذا العمر كسرت لي ظهري
كم ناشدت هالقلب ليت التعب ينزاح
يا الساكنة احزاني هذا الحزن قدري
لو للحنين عيون مر القلب ملاح
وصار الهوى أقرب من قلبك لزهري
لفيت هذا الدمع على الحنين وشاح
وأطلقت وجه الشوق يا عل به عذري
بكتب عن الأيام لو في الدروب رماح
وبكتب عن الأحزان لين الجرح يبري
معذور يا ذا القلب لو تنكسر مرتاح
ولو ينطفي هالقلب يالباقية بعمري

عبدالله بن صالح الرئيسي

ـــــــــــــــــ


هذا هو الحال

يا نور شوفي لا تحّسبي ظروفي
إنه إهتمامي قل أو كثرة إهمال
أنا إهتمامي يزيد وانتي تشوفي
وحدك على عرش إهتمامي بلا جدال
إنتي إهتمامي وإنتي همي وخوفي
ولو الفكر مشغول من زود الأعمال
كل ما تغيبي دنيتي تعلن كسوفي
لنّك شمس منها غدى النور شعّال
ومن نشوة الأشواق نار ٍ بجوفي
ما تنطفي من غير هتان لوصال
وساعة أشوفك يمضي وقتي خطوفي
وفبعادكم وقتي معي ساعاته طوال
ونات قلبي فبعدكم سوت رضوفي
والنفس عافت زادها وصابها كسّال
والضيق صاحب مهجتي وشيب طروفي
والصبر مع دمي جرى فْكل الأحوال
فاضت كفوفي وشلت همي بكتوفي
وهذا هو الحال إن نشدتي عن الحال
يا منيتي دقات قلبي الشغوفي
غنت بإسمك كنها لحن موال
غنت حروفي وتستثيرك طيوفي
والود في دنيا العشق كاسف ظلال
هذا أنا وإن مت تبقى حروفي
ذكرى مدى الأيام مهما الزمن طال

أحمد بن حمود بن حميد الحبسي

ـــــــــــــــــ


بداية للنهاية

ياقصيدة بس ممكن نبتدي نحكي الحكاية
نبتديها اليوم يعني مامضى كان النهاية
بس نطرح حسبت الباكر ونسردها رواية
كيف يعني...من يفسر ماأقوله؟
كيف أفهم...هالطفوله والرجوله؟
كيف أصغر لين أصبح من هوى البارح كبير؟
والكبير يموت لحظه ثم يجي طفلٍ صغير؟
الزمن كوره صغيره
مستديره
ثم تدور
بدون شور
وياحليله
هالجدار اللي وقف قدامها
ياحليله
هو طموحي
هو جروحي
هو تطاول مع سنين العمر لكن
ماحسب حسبه لما خلف المساكن
قال دام الريح ماهزت كياني
مستحيل فيوم بآغيرمكاني
شافها
إي نعم هو شافها
شافها تطوي الطريق وماتذهن
حينها
حينها غره نفوذه من تمكن
مادرى انه وقف قدام هالكوره الخطيره!!
مادرى ان العواقب من وراها هي مريره!!
غرته دنياه وشموخه وعرضه
غره المظهر وتثبيته بأرضه
وهي صغيره
ومستديره
بس فعايلها خطيره
وآآآآه يامر العواقب من وراها
هشمت كل الأماني في خطاها
اعفستني
زلزلتني
ماخذت غير الثواني...واطرحتني
بس تدرون الحقيقة
اصفعتني
نهضتني
من سبات أيام وعيوني بصيره
بس يدين العقل لي كانت قصيره
كنت أنا الغرقان في لذت ذنوبي
سارح بدنيا ولابس غير ثوبي
كنت أفاخر
كنت أكابر
كنت أظن اني المميز والمثالي
كنت أبي الأحلام تتحقق توالي
بس يكفي
بس يكفي راح أنسى ما مضالي
راح أنسى وابتدي الصفحة الجديدة
راح أخليها من اللحظة وليده
وياقصيدة
ياقصيدة ودي أختم مابديته
ومابديته تكمله للي نهيته
وعنونيها
واحفظيها
هي بداية للنهاية
هي بداية للنهاية

فيصل محمد البادي

 

أعلى


 

حُلم.. لا يُشبه الحُلم..


(1)
ومن قال بأن الأحلام تتشابه؟.. أنا لم أقل ذلك.. ومن قال بأن الأحلام تختلف؟.. أنا لم أقل ذلك أيضاً.. ربما هي تتشابه وربما هي تختلف وربما ماذا؟ ربما أنها جميعا ليست سوى مشاهد عابرة تعبر فوق السماء حين نغط في نومٍ عميق وكعادتها حين ننام تأتي الأحلام من هنا ومن هناك ومن شتى الجهات من دون تحديد موعد مسبق.. وأنا وأنت وهي وهو وهم وهن وأنتم وأنتن والبقية نقتسم سوية كعكة الأحلام, أحيانا بالتساوي بيننا وأحيانا ينال البعض عددا أكبر من الأحلام..
(2)
وكما نقتسم الأحلام نقتسم كذلك لحظات السعادة التي قد تسودها أو لحظات الكآبة التي قد تعكر صفوها أيضا فالسعادة ستأتي مع الحلم الجميل البديع أما الكآبة ستكون رفيقة الحلم المفزع الذي سيُؤرق مضاجعنا ويُرهق أجفاننا ويُذهب النوم من عيوننا.. وبعد أن تغادرنا أحلام الليالي الفائتة ننهمك جمعا وفرادا في تفسيرها وقد نتفق وقد نختلف في ذلك أيضا.. ويا لها من حيرة تلك التي ستعترينا والسبب هو جمع الأحلام التي قد يُكتب لبعضها التحقيق وقد يُكتب لبعضها كذلك عدم التحقيق وبين تحقيق حلم وعدم تحقيق آخر تعلو آمال وطموحات وتتبخر آمال وتولد آهات..
(3)

وكل ذلك يحدث بسبب الأحلام.. أجل تلك الأحلام التي قد لا يطول أمد مكوثها ولكن توابع عبورها لفضاءتنا ستأتي تباعا.. فهو قد يظل أسيرا لحلمٍ وردي ولا أروع وأنت قد يُباغتك نفس الحلم على حين غرة وأنتِ قد يحصل لكِ ذلك أيضا, وهي قد تظل مطاردةً لليالٍ طوال من حُلمٍ مُروع وضعها في حالةٍ من الفزع والهلع.. وبعد كل ما قيل عن الأحلام التي قد تتشابه وقد تختلف ما الذي تبقى؟ الذي تبقى من كل ما قيل مجرد مفردةٍ واحدة, ثلاثة أحرف تائهة: مجرد بقايا ح ل م حلم.. نعم هو حُلم لا يشبه الحلم ومن يعرف.. ربما هو يُشبه الحلم أيضاً..
(4)
"أنا لا أحلم في الليل, أنا أحلم طوال الوقت, أنا أحلم لكي أعيش" ستيفن سيليبرج..
يَعقُوب البُوسعيدي..

 

أعلى


 

ابن بطوطة والأكاذيب الإسرائيلية

الخطأ كل الخطأ أن يحاول البعض من بني البشر أن يعطوا ظهورهم للحقائق الثابتة بالأدلة والبراهين، وأن يرفضوا الواقع القائم بحكم الأيام والسنين، والخطأ كل الخطأ أن يعتقدوا بأنهم فقط القادرون على طمس الحقيقة، وتجاهل التاريخ بجذوره وحضارته وبرجالاته الذين سطروه بدمائهم وأرواحهم عبر العصور، معتقدين بأن دانات المدافع ونيران الدبابات والطائرات قادرة على إعادة صياغة هذا التاريخ مرة أخرى بما يتفق وأهواءهم وأطماعهم وأحلامهم.
هذه حقيقة كشفت عنها تلك الممارسات الاستيطانية التي تقوم عليها السياسة الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة لتحقيق أهدافها وسياستها الاستعمارية بالقمع والبطش ضد المدنيين العزل تارة وبإقامة المستوطنات اليهودية المقامة على أرض الغير تارة ثانية وبمحاولتهم المستميتة بطمس كل واقع وتغير كل حقيقة تكشف بطلان ادعاءاتهم تارة ثالثة.
وبادئ ذي بدء وقبل الخوض في هذه القضية الشائكة أحب أن أشير هنا إلى أنني دائما وأبداً ما أحاول البعد عن تناول أية قضية سياسية في هذه الزاوية، وخاصة بعد أن أصيب القارئ العزيز بتخمة سياسية من جراء لوغارتمات تلك الدرامية التي باتت الساحة الدولية تعج بها، وأصبحت الإنسانية التي تعيش على ظهر هذه المعمورة من أقصاها لأدناها تئن من صراعاتها هذه الأيام، إلا أنه عندما تتصل هذه القضية بالقدس تلك المدينة التي ترتبط ارتباطا عميقا بديننا وعقيدتنا ومشاعرنا كمسلمين وكعرب فإننا كأصحاب قلم وكمفكرين نصبح أمام مسؤولية تاريخية تفرض علينا تعرية هذه الأكاذيب والادعاءات الباطلة التي حاول قادة إسرائيل منذ نشأة هذه الدولة صبغتها بصيغة الحقيقة المزيفة، وإكسابها بلون الواقع المضلل، بهدف استمرار مسلسل الاحتلال واغتصاب المزيد من الأراضي الفلسطينية ولتنفيذ مخططهم الاستيطاني الذي حددته ورسمته الصهيونية العالمية.
وما دمنا قد ارتضينا بحل ذلك الصراع العربي الإسرائيلي بالوسائل السلمية باعتباره أفضل الحلول لإيجاد سلام عادل ودائم، فإن لغة الحوار والكلمة هما السلاح القادر على دحض هذه الادعاءات وتلك الأكاذيب، ومن هنا فإن مسؤوليتنا كحملة أقلام ستكون أعظم وأضخم باعتبار أن الكاتب هو الأكثر قدرة على التحاور بسلاح القلم لتقديم الأدلة والبراهين التي تؤكد بأن القدس بسماتها وترابها ومياهها وهوائها تتنفس العربية وتتكلم العربية وترتبط بتراثنا العربي وتاريخنا القديم برباط يمتد بجذوره في أعماق تاريخ هذه الأمة.
وفي الحقيقة لن تعوزنا الحاجة ولا القدرة عن كشف هذه الأكاذيب وتلك الادعاءات الباطلة بتقديم الأدلة الثابتة على صدق عروبة هذه المدينة المقدسة وما أكثرها في مخطوطاتنا العربية التي سطرها أجدادنا وآباؤنا منذ آلاف السنين لتكون شاهدة على عروبة هذه المدينة التي تؤكد مقدساتها "الإسلامية والمسيحية" على عمق تلك العلاقة الوثيقة بين هذه المدينة المقدسة وصناديد العرب وقادتهم وأبنائهم الذين دافعوا بشرف واستبسال عن هذه المقدسات لعدة قرون قدموا خلالها كل غال ونفيس من أجل أن تظل القدس عربية بمقدساتها وآثارها وحضارتها.
وإذا كنا سوف نحتكم إلى التاريخ لتأكيد حقوقنا الثابتة والأكيدة في انتماء هذه المدينة المقدسة، فلن نجد أقوى من تلك المخطوطات التاريخية لكشف زيف هذه الادعاءات الإسرائيلية التي حاولت الحركة الصهيونية من خلالها سلب عروبة هذه المدينة المقدسة وتجريد شعبها من قدسيتهم، بعد أن نفت جميعها بالحقائق والمستندات وجود دليل واحد أو أثر ضعيف لوجود اليهود في تلك المدينة قبل القرن الثاني الميلادي بعد أن أكدت بالوقائع التاريخية أن هذه المدينة لم تشهد أي تواجد يهودي إلا بعد أن فقد العرب سيطرتهم على الأندلس حيث بدأ هذا التواجد الهامشي يتحقق بدخول فقراء اليهود لهذه المدينة المقدسة كلاجئين.
ومن أدق هذه المخطوطات التي تزخر بها المكتبة العربية وتثبت بالشواهد والبراهين والأدلة كذب تلك الادعاءات التي يحاول ترويجها الإسرائيليون لإيهام العالم بحقوقهم الباطلة في هذه المدينة المقدسة، تلك المخطوطات التي يروي فيها "ابن بطوطة" رحلتيه إلى فلسطين وزياراته للقدس، التي كان أولها عام 726 هجريا والتي وصف فيها وبدقة متناهية الكثير من المدارس والزوايا والمشاهد والاسبلة والأسواق التي أقامها المسلمون في هذه المدينة المقدسة مشيراً في وصفه إلى السور الذي أقامه بين الحير، ذلك السور الذي يحوي رفات الأنبياء إبراهيم ويعقوب وإسحاق وزوجاتهم والذي يعود تاريخه إلى الثلث الأخير من القرن الأول الميلادي، وحوله العرب بعد الفتح العمري لأول مرة إلى مسجد، كما تطرق في رحلته إلى قبة الصخرة التي ابتناها الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان عام 72 هجريا والتي تعتبر وبحق من أعظم وأجمل وأروع ما خلفته الحضارة الإسلامية على مر العصور، وعندما انتقل في وصفه للمسجد الأقصى أشار إلى المحراب الذي ابتناه صلاح الدين الأيوبي، ومنبر نور الدين زنكي الذي حمله صلاح الدين من حلب عام 1179 احتفالا بتحرير القدس من أيدي الصليبين.
كما تناول في وصفه العديد للأعمال العمرانية التي نفذها العرب في القدس، والتي ما زالت واضحة للعيان، كالأعمال التي أقامها الأمير سيف الدين تنكرْ أمير دمشق سنة 1327هـ كحفرة لقناة السبيل التي كانت تنساب منها المياه من وادي العروب "جنوب بيت لحم" إلى المسجد الأقصى والكثير من المدارس وحمام العين وحمام الشفاء وسوق القطانين والذي يعد من أجمل وأوسع أسواق المدينة.
كما قام ابن بطوطة في رحلته أيضا بزيارة بعض المواقع التاريخية التي تؤكد التواجد العربي الإسلامي بهذه المدينة منذ آلاف السنين حيث زار "وادي جهنم" الذي يقع إلى الشرق من المسجد الأقصى وإلى الشرق من مقابر المسلمين الكائن في باب "الرحمة والتوبة" وموقع مثمن الشكل والذي يقع على قمة جبل الزيتون ويعتقد بأنه مكان صعود سيدنا عيسى عليه السلام وكما قام بزيارة الكنيسة التي يعتقد بأنها تضم قبر السيدة مريم عليها السلام والتي يعود تاريخها إلى القرن الخامس الميلادي، كما تحدث ابن بطوطة عن لقاءاته ببعض رجال الدين والسياسة العرب الذي التقى بهم خلال رحلته لفلسطين وزيارته للقدس الشريفة أمثال عز الدين بن جماعة والإمام خليل كيكدي العلائي وقاضي عزة فضيلة الشيخ بدر الدين السلختي الحوراني.
هكذا قدم ابن بطوطة من خلال هذه الرحلة الكثير من الأدلة والبراهين التي تؤكد عروبة القدس وحق المسلمين في كل شبر من هذه المدينة المقدسة وكل ذرة من تراب هذه المدينة التي تحتضن بين جنباتها المسجد الأقصى الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا، وتلك المدينة التي أكد خاتم الأنبياء في أحاديثه الشريفة بأنه من حج واعتمر وصلى في بيت المقدس فقد استكمل جميع سننه الشريفة.
ومن هنا فإذا كان الجانب الإسرائيلي يؤمن بأن الحلول السلمية هي خير وسيلة لتحقيق الاستقرار والسلام في هذه المنطقة، كما يدعي، فعليه أن يمعن النظر وليحكم العقل في قبول هذا الكم الهائل من التراث الذي يؤكد عروبة القدس عبر العصور المختلفة وإذا كان الجانب الإسرائيلي جادا كل الجد في السعي إلى سلام عادل مع جيرانه كما يروج لذلك من خلال وسائله الإعلامية وفي كل المحافل الدولية فعليه أيضاً أن يتخلى عن أطماعه لهذه المدينة، تلك الأطماع التي دفعته إلى الشروع في إقامة مستعمرة "أبو غنيم" لتكون بمثابة الشرارة التي قد تشعل نار الحرب مرة ثانية في المنطقة بعد أن كشفت عن حقيقة الأطماع الإسرائيلية الحقيقية وكانت سببا مباشراً لتعريض مسيرة السلام للانهيار وللفشل الذي لن يحمد عقباه.
"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعـدائكم وكفـى بالله وليا وكفـى بالله نصيرا" صدق الله العظيم "النساء الآية 44،45.
سالم بن محمد الغيلاني

 

 

أعلى


 

حول القصة ودورها الاجتماعي والأدبي

تأتي القصة اليوم، كأحد العناصر الفاعلة، على صعيد تحقيق الانجاز في بنية الرصيد الاجتماعي والأدبي والثقافي. وقد استطاعت القصة بفضل ما تتضمنه من توجهات ورؤى مجتمعية، ان تؤسس لها كيانا أدبيا مستقلا، ويتمثل ذلك في قدرتها على تحريك الوعي الاجتماعي، لغة وأسلوبا، الامر الذي يعتبر تحولا دراماتيكيا واضافة جديدة في تاريخ الادب العربي. الى جانب الشعر الذي يعتبر النموذج المؤسس، والاكثر رقيا لدى قبائل العرب منذ العصر الجاهلي وحتى اليوم. حيث تعتبر القصة بمثابة النفس والميكنة على صعيد تحقيق الاهداف الانسانية والاجتماعية (حيث اثبتت بأنها الاقرب للفرد، وعليها يقبل القارئ دون ان يمنعه وضعه الاجتماعي، أو تمنعه قدرته الثقافية والعلمية) كما يقول لويس عوض. ومن هنا فإن الكتابة عن عنصر مؤثر في الادب يعتبر من الانجازات الابداعية المهمة، نظرا لكون القصة تتفاعل مع الحدث، ومع الظروف حسب نوعيتها واتجاهاتها. وقد كان لتلك المسارات وإرهاصاتها الاجتماعية الدور الفعال في تحريك ذهنية المبدع، نظرا لما تؤسسه القصة من امكانيات وعوالم رحبة. يقول لويس عوض (الأدب والفن يعتبران ثمرة البيئة الاقتصادية والاجتماعية اللتين تنبت فيهما) وقد كان لكتاب القصة سواء في عالمنا العربي او العالم الخارجي دور رائد فيما يتعلق ببلورة المفهوم البيئوي والاجتماعي على صعيد التأثير والتأثر وبفضل هذه الرؤى والاسس استطاع القاص العربي ان يجعل من القصة عضوا فعالا في المجتمع. حيث نجد تأثير الحراك الاجتماعي من العوامل الرئيسية في اعمال كل من نجيب محفوظ ويوسف ادريس وحيدر حيدر وفؤاد التكرلي ومن الكتاب العالميين ديستوفسكي وماركيز وغرهم. وانطلاقا من هذا المفهوم ونتيجة لهذا الدور الابداعي الجميل والمزدوج الذي اتقنه هؤلاء الادباء الكبار استطاعوا ان يؤسسوا لهم مدرسة وحضورا جماهيريا منقطع النظير تجاوز حدود اوطانهم الى العالمية. ولذلك فإن العمل الابداعي أيا كان نوعه سواء كان ذلك في القصة او الشعر او الرواية يجب ان لا ينفصل عن المجتمع او يبتعد عنه وانما يبقى دائما حلقة اتصال ليؤكد تواصله من ناحية والتزامه وارتباطه بالمجتمع. أي يعايشه بخيره وشره على ان يكون هذا الارتباط بعيدا عن الاستغراق في الرمزية المجانية، فاستغراق الكاتب في الرمزية لا يعني أي دلالة واقعية كما انه لا يعبر عن العوامل والجروح الحقيقية التي يعايشها المجتمع، فبقدر ما اقتربت القصة من المجتمع والتوغل في أصغر جزئياته كلما اقتربت من الفرد ووجهته نحو الافضل خصوصا اذا ابتعد الكاتب عن الغموض. لذلك فان الاعمال القصصية اذا ما اريد لها ان تؤدي دورها بشكل مؤثر على صعيد تحقيق الانجاز الاهم والمؤثر في بلورة المفهوم الادبي والعمل الابداعي والاجتماعي ان تتوسل التعبير والاتجاه الواقعيين في صياغة ايديولوجيتها والا فإن رسالة القصة الحقيقية لا معنى لها. واذا ما ألقينا نظرة على تلك الاعمال الكبيرة التي قدمها كل من ماركيز ويوسف ادريس ونجيب محفوض في بعض اعمالهم لاتضح لنا ذلك القدر الكبير الذي بذلوه في اعمالهم الرائعة نظرا للدقة في رسم الحالة الاجتماعية بالاضافة الى اللغة سواء في عرض سير القصة اوالتعبير المتقن في وصف الحالة الاجتماعية الامر الذي جعل من هذه الاعمال تنال تعاطفا واستحسانا من قبل النخبة المثقفة والنقاد.
والقصة في الواقع محتاجة الى كاتب متمرس وجريء، والكاتب الحقيقي هو الذي يعايش مجتمعه لحظة بلحظة آلام واوجاع مجتمعه بكل مقوماته وارهاصاته. فمن هنا ياتي الاحتراق الحقيقي والعمل الابداعي الخلاق على صعيد تحقيق الانجاز الحضاري للمجتمع، فكما ان الادب محتاج الى الارتقاء به لغة وفكرا وفي اطره ومفاهيمه فان المجتمع ايضا في حاجة الى آلية تحركه حتى يستطيع الصمود امام التحولات والمتغيرات والمؤثرات الثقافية وهذا في الواقع لا يتم تحقيقه إلا عن طريق توظيف الادب في خدمة المجتمع. وكما يقول الكاتب انور ثابت (ان القصة في ادبنا العربي وخصوصا الاجتماعية تمكنت من سبر غور المجتمع ومواكبته في مراحله المتعددة دون ان تغفل عن اية ظاهرة تتفاعل في جنبات هذا المجتمع ولم يقتصر أمرها على فئة دون الاخرى او على منطقة ما من الوطن العربي فهذا الطيب صالح القاص السوداني في رواية موسم الهجرة الى الشمال كان يتابع مجتمعه مشددا على القيم والعادات التي تشد أواصر المجتمع صامدا في وجه التيارات العديدة التي تهب عليه).
محمد الرحبي

 

أعلى

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept