الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 





مبتدأ

يؤكد كتاب "ملامح من التداخل المعرفي بين ربابنة اليمن وعمان" التواصل الثقافي والإنساني والعلمي بين الشعبين الشقيقين، ومدى دور رواد عمان الأوائل في المدونات الفلكية والبحرية، من خلال الرحمانيات "المرشدات البحرية" التي أصبحت سجلا بحريا تاريخيا عالميا. وقد ذكر مؤلفه الأديب اليمني عبدالرحمن عبدالكريم الملاحي، جوانب من الروابط المعرفية بين الربابنة الرواد في اليمن وعمان، الذين أضافوا للمكتبة البحرية العربية معارف دالة على إبداعاتهم. وقد عرض الكاتب سالم الغيلاني، بداية معرفة المؤلف بتاريخ تلك العلاقة المعرفية، وهي اطلاعه على كتاب "علوم العرب البحرية من ابن ماجد إلى القطامي" لمؤلفه صالح شهاب، بالإضافة إلى اطلاعه على عدد من المخطوطات البحرية لربابنة عمانيين امتلكها من بعدهم ربابنة يمانيون، وقدم المؤلف جوانب من الروابط المعرفية بين اليمن وعمان في هذا المجال، من خلال عدة فصول تناول فيها وحدة الجغرافيا والتاريخ بين اليمن وعمان والأهمية التجارية البحرية لموانئ جنوب الجزيرة العربية.
التزم الشعراء الجاهليون بقانون بناء القصيدة العربية قبل الإسلام، وجاء شعرهم خاضعا لترتيب هذا البناء الذي يبدأ غالبا بالوقوف على الطلل، ثم بالنسيب وذكر المحبوبة، ثم وصف الرحلة، ووسيلتها، ثم رحلة الظعائن ومشهد الصيد، ثم الدخول إلى غرض القصيدة من مدح أو هجاء أو رثاء أو فخر، وغير ذلك من الأغراض المألوفة، ثم تنتهي القصيدة غالبا بأبيات من الحكمة. ولم يخرج عن هذا القانون الفني سوى الشعراء (الصعاليك)؛ وكان سبب ذلك تمردهم الاجتماعي الذي اتبعوه بتمرد فني في معظم القصائد بطريقة أو بأخرى.
وقد أوجد عنترة بن شداد لنفسه خطا واضحا ومميزا في هذا النظام الفني وهذا البناء الشكلي، ولعل مطلع معلقته الشهير لا يخلو من هذه النزعة التواقة إلى كسر النمط أو التعجب منه. وإن ظل وفيا للبناء التقليدي، لكننا نبصر خلف هذا الخضوع روحا تواقة للتميز.
الكاتب ناصر الحسني يقدم لنا في هذا العدد من "أشرعة" نماذج من شعر عنترة تؤكد هذا التوجه والتميز وهذه المغايرة. باعتباره مؤسسا لأدب الفروسية.
ليس بمستبعد على الفنان التشكيلي محمد نظام، أن يختط لنفسه منهجا وأسلوبا متفردا، في عالم التشكيل، وهو الذي عرف نفسه من خلاله، ولكن الجديد هو ولوجه إلى عوالم فنية ـ إن كانت لا تبعد كثيرا عما اختطه لنفسه من منهج ـ ولكنها تعتبر عوالم ودروبا أكثر تفردا وخصوصية، إنه عالم تصميم الطوابع، واكتشاف مساحة لامتناهية من الحب، بل والعشق بينه وبين هذا العالم الجديد، باعتباره سفيرا لثقافة بلده، يوثق أحداثه التاريخية ومناسباته، وكل ما يخص تاريخه وتراثه.
وفي العدد الجديد من "أشرعة" حوار مع الفنان محمد نظام، نكتشف من خلاله،
سبب هذا العشق، والمواصفات الخاصة التي يتسم بها مصمم الطوابع، وتغير المفهوم حول الطابع البريدي ودوره منذ نشأته إلى الآن، والآلية التي يتم من خلالها، تصميم طابع معين بالسلطنة، وكيف اكتشفت الفنان محمد نظام ميله لهذا الاتجاه الفني، وأهم الأمور التي يضعها مصمم الطوابع البريدية نصب عينيه، وهو يقوم بعملية التصميم، واختياراته لألوان الطوابع التي يصممها، والتحديات التي تقابل مصمم الطوابع، وقضية الهوس بجمع الطوابع البريدية، الذي يصيب الهواة.
كما نقرأ في العدد الجديد من "أشرعة" العديد من الموضوعات الثقافية الفنية، التي بلا شك ستثري المشهد الثقافي والفني بالسلطنة.
المحرر

أعلى





تلقي النّقاد لديوان "حورية البحر" للشاعر العماني الراحل ناصر بن علي البلال

مَن يطلّع على رحلة النظرية النقدية عبر التاريخ ابتداءً بالمحاكاة عند أرسطو مرورًا بالتجربة الجمالية عند العرب ثم بالاتجاهات السائدة في القرن التاسع عشر كالاتجاه التاريخي والاجتماعي والنفسي وصولاً إلى البنيويّة عند رولان بارت وليفي شتراوس ورومان جاكبسون ثم التفكيكيّة عند جاك دريدا إلى نظرية التلقي عند هانز روبرت ياوس وفولفانج إيزر والأدب النسوي والتناص عند جوليا كريستفا ودراسات الآخر والاستشراق والنقد الثقافي عند إدوارد سعيد وعبدالله الغذامي، يلاحظ انتقال التركيز من التركيز على المرسل (المبدع) كما في الاتجاهات النفسية والتاريخية والاجتماعية إلى التركيز على الرسالة (الأدب) كما في البنيوية والتفكيكية والسيمائية وأخيرًا تم التركيز على المرسل إليه (القارئ) كما في نظرية التلقي والأدب النسوي ودراسات الآخر والنقد الثقافي.
فيتعامل الناقد مع الأدب في المنهج التاريخي مع شخصية الأديب وتاريخ حياته، بينما أسند الاتجاه النفسي التعامل مع الأدب من حيث بحثه عن بواطن الأدباء وحاول أن يستنطق النصوص ويبحث فيه عن "المركبات" أو "العقد النفسية" للأديب. أما المنهج الاجتماعي فبحث عن الذات الجماعية في النص باعتبار الفرد المبدع صوت الجماعة الناطق بقيمها وصفاتها.
في حين بحث الشكلانيون والبنيويون ومن يعلون النص على غيره ويعلنون موت المؤلف قيمةَ النص في صياغته وأسلوبه ودور اللغة فيه، ثم انتقل الاهتمام إلى القارئ أو المتقبل فهو لا يقل عن الأديب أو النص "فالأديب يبدع أثره والجمهور المتقبل يمنح هذا الأثر حياةً أو يحكم عليه بالنسيان أو الموت"(المتنبي والتجربة الجمالية عند العرب، ص:10)
من هنا سادت نظرية التلقي الساحة النقدية خلال النصف الثاني من القرن العشرين على يد هانز روبرت ياوس وفولفانج إيزر وهما أبرز رواد نظرية التلقي حيث أصّلا للنظرية في جامعة كونستانس بألمانيا الغربية، وقد دخلت تلك النظرية الوطن العربي من خلال نصوص مترجمة من مثل كتاب: "نظرية التلقي" تأليف روبرت هولب وترجمة عزالدين إسماعيل أو محاولات تطبيقية تنطلق من نظرية التلقي في دراسة الأدب العربي، كما فعل حسين الواد في كتابه المشهور: "المتنبي والتجربة الجمالية عند العرب"، حيث عرض للمتنبي وشعره وما أثاره من استجابة واسعة في تاريخ الأدب العربي، وتعد هذه الدراسة من أوائل الدراسات التي تنطلق من نظرية التلقي في دراسة الأدب العربي فقد ظهرت في الثمانينيات.
عمومًا تتلخّص نظرية التلقي في رصد استجابة القارئ حول النص، والقارئ هو المركز في النظرية "لذلك تعددت صفاته واختلفت وظائفه من ناقد إلى آخر"،(النص وتجليات التلقي، ص:14)
وولجت النظرية إلى مصطلحات ومفاهيم في الممارسات النقدية كـ"أفق التوقع ومفهوم تغيير الأفق وتاريخ التلقي وظاهراتية القراءة"، ووسعت إلى التفصيل في أنواع القارئ كـ"القارئ النموذجي والقارئ الخبير والقارئ المقصود والقارئ الضمني".
ويهمنا في هذه الدراسة أن نتعامل مع النصوص التي بين يدينا بوحي من نظرية التلقي، فجمعنا ما توفر في يدنا من الدراسات التي كتبت عن الشاعر ناصر البلال وعن شعره وسميناها بـ"المدونة" ثم حاولنا أن نصنفها ورصدنا مواطن الاهتمام لكل دراسة والاستجابة وما تثيره من استجابات أخرى.
فأولى الدراسات، دراسة ضمن كتاب بعنوان: "وردة الشعر وخنجر الأجداد: دراسة في الشعر العماني"، لضياء خضير: وفيها استعرض الناقد شعر البلال في إطار حديثه عن أشكال القصيدة الثلاثة في عمان: العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر، يقول: و"إذا نحن أخذنا شعراء مثل (ناصر البلال) وسالم العريمي وسعيدة خاطر وهلال العامري وسعيد الصقلاوي وحسن المطروشي كنماذج دالة على هذا الطريق، وجدنا أن المشكلة لا تتلخص في شكل القصيدة المتردد بين الكتابة العمودية والحرة، بل في موضوع القصيدة أيضًا.
وهو موضوع لا يعلن أصحابه الانتماء إلى الحاضر إلا بشرط إحساسهم بقدرة هذا الحاضر على التواصل مع الماضي وتعبيره عنه، ولذلك يحلم (ناصر البلال) أن يصنع في شعره "ترنيمة حداثة على وتر التقليد"، ويجعل من مدينة صور التي ولد وعاش فيها (حورية البحر) يتغنى بجمالها وأمجادها البحرية، وبحمد الله على أنه مازال قادرًا على ملامسة شطآنها ورؤية سفنها، حتى إذا كانت هذه السفن بقايا رمزية مجسدة لتاريخ عظيم كان لهذه المدينة في سالف العصر والأوان:
يا صور كم حقبة أهديتني فلقد
ذهلت عن هذه الأحقاب في أمدي
يا صور كم مرة أنجبتني
فلقد نسيت من كثرة عددي
وحين يذهب الشاعر إلى مدينة عمانية أخرى مثل صحار فإن صورة الأعشى صناجة العرب وهو يتجول في سوقها القديم لا تفارق مخيلته ولذلك فلا غرو أن تتزيا القصيدة الجديدة بزي القصيدة القديمة، أعني قصيدة الأعشى اللامية وتنسج على منوالها.
عانق صحار أقام الركب أم رحلوا
والثم ثراها فمنها ترتوي القبل
صناجة العرب ألمم فالنديم هنا
وذي هريرة تهفو نحوها المقل
وإذا كان ناصر البلال أكثر رضا وتفاؤلاً بحاضر مدينته الموصل هكذا بماضيها البحري والشعري، فيشعر بهزة فرح غريب لمجرد حضوره فيها بوصفه حلقة في هذا الوجود المتجدد والمستمر".
مقالات نقدية متتابعة بعنوان ناصر البلال شاعرية لم تقدح بعد، نشرت في أربعة أجزاء ابتداءً من 27/12/2006م. في جريدة الوطن للناقدة سعيدة بنت خاطر الفارسية:
وبدأت الناقدة هذه المقالات بنبذة بسيطة عن حياة الشاعر، ثم حاولت استنطاق الجماد أو "دلالات الغلاف"، وأبانت عن مقدرة واسعة في البيان عن مدلولات فذة يحملها ذلك الورق المقوى في الواجهة، بعد ذلك أحصت عدد القصائد في الديوان.
ثم تحدثت الناقدة عن أبعاد الديوان المختلفة، مثل: البعد العاطفي الوجداني، وأظهرت تأثير مدينة الشاعر في تكوين إبداعه وذكرت ملامح هذا البعد من مثل: التحسر على ماضي المدينة، ومحاولة استحضار أمجاد صور وترى الناقدة أن هذا الاستحضار هو "الترنيمة الكبرى" التي بنى عليها البلال مضمون الديوان، ثم صنفت أهم القصائد المندرجة تحت هذا البعد. وكذلك تحدثت عن أبعاد أخرى مثل البعد اللغوي وما في الديوان من مفردات وأساليب تقترب من الأساليب التراثية في نظم الشعر، وتحدثت عن ظواهر فنية منتشرة في الديوان مثل ظاهرة "التنصيص" وذكرت أمثلة وقدمت تفسيرًا مقنعًا لتلك الظاهرة، وكذلك بحثت ظاهرتي التضمين والتكرار وأيضًا التوازن في بناء العبارات الشعرية. ثم تحدثت عن استلهام الرموز التاريخية العربية والرموز الغربية في ديوان الشاعر وما يحمله هذا الاستدعاء من تمجيد السابقين ورفض الآخر الغربي.
وفي هذا الإطار حاولت الناقدة أن تشير إلى استلهام التراث الشعري عند البلال من خلال التضمين من قصائد سابقة، وكذلك التوظيف التاريخي وعملية التوظيف، وأشارت أيضًا إلى استلهام تراث المدينة صور من خلال مفردات شعبية متعلقة بلهجاتها وكذلك أشارت إلى ظاهرة "تجسيد المكان" وكانت دائمًا ما تقدم الدليل على تلكم الظواهر وتحاول أن تفسرها ثم تقدم تقييمًا نقديًّا لها.
ثم استخلصت مما سبق: ثقافة الشاعر الواسعة التاريخية والمعاصرة، واللغة الجزلة التي تقترب من أساليب القدماء، وكذلك الإتباع في التراث الموسيقي والتدفق النغمي، وأخيرًا رأت بأنه أي البلال "شاعر ملتزم".
بحث بعنوان، الشعر الوطني في الأدب العماني من عام 1970م ـ 2005م، أعده خميس هلال العريمي، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 2010م: وهو عبارة عن دراسة مبتسرة حاولت التركيز على التنوع الموضوعي في قصيدة "درة صور"، التي جمعت "بين الفخر والاعتزاز بالوطن ومدح السلطان وتمجيد القيم والمنجزات".
كما بين البحر الذي بنيت عليه قصيدة "درة صور" وهو البحر البسيط، وأطلق حكمًا عامًا على شعر الشاعر: "عرف عنه كثرة النظم في هذا البحر"، ثم عرض للغة الشاعر في القصيدة حيث "امتازت لغته الشعرية بالقوة والجزالة"، ثم انتقل إلى محور ثالث ألا وهو موضوع القصيدة "فامتاز بالتنوع فتارة يمدح السلطان وتارةً يمجد قيم الوطنية وتارةً يثني على صنيع الشعب"، وتحدثت الدراسة ـ أيضًا ـ عن الخلفية التاريخية التي استعان بها الشاعر وقدمت بيتًا دليلاً على ذلك، وهو:
سل يوم سلوت عن أنباء وقفتنا
واستخبر البحر تعرب صور لبنانا
قال الباحث: "دوّن الشاعر يوم سلوت تلك الواقعة التي دارت بين أزد عمان بقيادة مالك بن فهم والفرس، وكيف انتصر الأزد فيها، وكذلك دون التاريخ البحري الفينيقي والعلاقة بين صور العمانية وصور لبنان، وكأنه يقول: إنّ أثر هذا التاريخ باقٍ وموجود ويحق لي أن أفخر به".

مقال بعنوان ناصر البلال ..عاشق عفية الصواري، لسالم بن حمد الغيلاني ملحق "أشرعة" بجريدة الوطن، بتاريخ 11 من سبتمبر 2011م.
تحدث الناقد في هذا المقال عن بعض ميزات شعر ناصر البلال، فيرى أن شعره نابض بالمعاني الجملية، ويراه أيضًا مجددًا في الشعر العماني، كما يشير إلى مدى ارتباط الشاعر بمدينته "صور"، من خلال التغني بها من منطلق تاريخي وجمالي، وعرض للموضوعات التي طرقها البلال في شعره، مثل: الجمال البحري، وأمجاد صور البحرية، ثم قدم أمثلةً من شعر البلال تظهر في تلك الموضوعات التي أشار إليها، وتحدث عن الخيال الهائم في بعض قصائده ثم يقرر حكمًا بقوله: "إذا تأملنا شعر ناصر البلال وجدنا شعره يحفل بصور البحر والسفن والأمواج ووجدنا عنده تعبيرات متميزة عن عفية الصواري، من مثل: الأمواج، والشطآن، والقلاع، والمحيطات".
ثم تحدث عن صورة صور الحديثة بمنشآتها ومنجزاتها الحضارية في شعره بمعنى أنه بحث عن صورة المدينة في شعره، ويشير إشارات سريعة إلى الصور الشعرية في شعره دون توصيف أو تحديد، في النهاية يصدر حكمًا يتمثل في أن شعر البلال يتميز بالأصالة والعذوبة والجمال دون تحديد تلكم المواضع.
إذًا من خلال رصدنا لبعض محاولات تلقي ديوان "حورية البحر" يظهر لنا اشتراك تلك القراءات في عدة آراء منها: إثبات تأثير مدينة "صور" في إطلاق شاعرية الشاعر، ولذلك لم تجاوز الناقدة سعيدة خاطر الحقيقة حينما رأت أن استحضار المدينة هو الترنيمة الكبرى التي بنى عليها البلال الديوان، وكذلك اشتراكهم في رصد حضور التراث بوضوح في شعره.
أما موضوعات الديوان، فقد سجلّ هؤلاء جميعًا ظاهرة التنوع الموضوعي لديه، وأبرز تلك الموضوعات التي طرقها البلال، هي: التغني بالمدينة وتاريخها، والبحر ومفرداته، وكذلك بحث هؤلاء عن لغة الشاعر وما تميزت به وبعض مفردات المعجم الشعري في الديوان.
وكذلك بحث النقاد عن شكل القصيدة الذي ينتخبه الشاعر قالبًا يسكب فيه ما جادت به قريحته، والموسيقى في شعره لاسيما التركيز على أشهر الأبحر التي ينظم فيها ناصر البلال، ورصد هؤلاء بعضًا من الظواهر الفنية لديه كظاهرة "التضمين" وانفردت الناقدة سعيدة خاطر بتقصي تلكم الظواهر في الديوان، وكذلك انفردت بتسجيل موقف الشاعر من قضايا أمته، واستنطاق دلالات الغلاف التي أعرض عنها الفريق الآخر من هؤلاء النقاد. ويعاب على تلك القراءات مجتمعةً أنها لم تنطلق من منطلق نظري يبيّن النظرية التي وظّفت في قراءة هذا النص، والآليات التي ستوظف في تحقيق أهداف تلك القراءة بشكل جاد.
علي بن حمد الفارسي


أعلى






بَينَ النجاحِ والفشلْ (شَعرةٌ فَاصلة)..


(1)
يَبدو النجاح من بعيد صفحةٌ ناصعة البياض لا تَشوبها شائبة تُعكر صَفو المشهد الفرائحي، وبالنظر مَلياً في مرآة الفرح المرتسم على صفحات وجوهنا ذات نجاح ستتكشف لنا حقيقةً ربما كُنا نَجهلها قبل حِين.. وبعد ذات الحين سترتسم علامة استفهامٍ غريبةٍ مريبةٍ تُشير إلى النجاح يُمثل حَالةً وقتية ستمر مرور الكرام لو لم نَبذل الجُهد الجهيد الذي سيؤدي لدوامها لحينٍ قصير أو ربما كان ببعيد..

(2)
ومن هناك ومن النافذة المطلة إلى الجهة المقابلة سيُلقي الناجحون نظراتٍ تَشوبها السُخرية والاستهزاء للبقية الباقية من الذين ذاقوا مرارة الفشل المرير.. أولئك الذين وفي كل ليلةٍ يَغزو النجاح مناماتهم باعتباره الحلم الأثير الذي يَتمنون لُقياه ولو لمرةٍ واحدةٍ فقط بعد طول انتظار، حينها سيرتسم أمام أعينهم سيناريو النجاح المثير الذي سيُغير أحوالهم لو استطاعوا تحويل فشل الأمس إلى نجاحٍ يُحول الصورة القاتمة إلى فَرحٍ عارم لا يَعرف للحُزن سبيلاً..

(3)
وبين حال من عاش النجاح لحظةً بلحظة وحال من ذاق وبال الفشل يتباين المشهد في مختلف تفاصيله.. البداية والنهاية، الفرحة والحسرة، الفوز والهزيمة، الانتصار والانكسار وما تَبقى من تفاصيل الحكاية.. حِكايةٌ من فصلين، وجهين،أحدهما سيقلب لنا ذات حِين ظهر المجن، فإما نَجاحٌ ليس له مثيل (يُغيضُ العِدا ) وإما فَشلٌ أليم يُسعد الشامتين.. وبينهما مُجرد شَعرةٌ فاصلة تُقربنا ذات حينٍ من أحدهما وتُبعدنا بعد حينٍ عن الآخر، وبينهما ستدور رحى الصراع..

(4)
" النجاحْ مُعلمٌ فَاشلْ، فهو يُغري الناجحين لكي يَظنوا أنهم في مَأمنٍ مِنْ الفشل". بيل جيتس..

يَعقُوبْ البُوسعيدي..


أعلى





ملامح من التداخل المعرفي بين ربابنة اليمن وعمان

يقدم لنا الأديب اليمني عبدالرحمن عبدالكريم الملاحي في هذا الكتاب جوانب من الروابط المعرفية بين الربابنة الرواد في اليمن وعمان الذين أضافوا للمكتبة البحرية العربية معارف دالة على إبداعاتهم، حوتها مصنفاتهم من مرشدات بحرية "رحمانيات" ومدونات يومية "روزنامات" ومرشدات الطريق الشعرية والنثرية.
وكان الدافع الرئيسي لتأريخ هذه الرابطة المعرفية هو رغبة المؤلف فى الوصول إلى الروابط المعرفية بين ربابنة الشعبين، الذين تجمعهم ساحة احتراف واحدة وظروف مشتركة، ومهنة مسترسلة من عهود الأجداد ، بها ربطوا وشائج التداخل الثقافي والتجاري بين شعوب حوض المحيط الهندي، فكان لهم بذلك قصب السبق في إغناء تجاربهم الملاحية ومعارفهم البحرية.
وكانت بداية معرفة المؤلف بتاريخ تلك العلاقة المعرفية هي اطلاعه على كتاب "علوم العرب البحرية من ابن ماجد إلى القطامي" لمؤلفه صالح شهاب تحدث فيه عن رحماني اشترك في وضعه اثنان من الربانية في فترتين متلاحقتين هما الربان سعيد بن أحمد بن خميس بن بريك الذي وضع الجزء الأول وهو من مدينة الشحر بمحافظة حضر موت باليمن أما الجزء الثاني فقد كتبه الربان سعيد بن أحمد بن ماطر التمامي وهو من ربابنة عمان.
لكن التراث البحري العلمي الذي شد انتباه المؤلف ودفعه إلى المضي في دراسته العلمية هو اطلاعه على عدد من المخطوطات البحرية لربابنة عمانيين امتلكها من بعدهم ربابنة يمانيون في ميناء الحامي اليمني على شاطئ بحر العرب منها رحماني "تنبيه الغافل في معرفة علم البحر وقواعده ومجاريه" للربان الصوري العماني ناصر بن على مسعود بن مبارك السعيد الخضوري الذي وضعه عام 1884 للميلاد وهو من أشهر ربابنة ميناء مدينة صور في القرن التاسع عشر وقد آل في فترة لاحقة إلى ملك الربان اليمني أحمد بي على بن بركات الشاطري أشهر ربابنة ميناء الحامي اليمني.
وقد عثر المؤلف أيضاً بنفس المدينة على كتيب مخطوط عن المرشدات البحرية ومجاري السفر للربان العماني أبي أحمد محمد باماجد الظاهري الذي عاش بجزيرة محوت العمانية عام 1875م كما يؤكد ذلك مايلز فى كتاب "الخليج: بلدانه وقبائله" وقد آل هذا الكتاب إلى الربان المعلم محمد عوض عيديد متوفى عام 1938.
أثار هذا التداول للمصنفات البحرية العمانية بين الربابنة اليمنيين بميناء الحامي، اهتمام المؤلف بدراسة الروابط الثقافية والعلمية بين الشعبين العماني واليمني خاصة بين أقاليم المهرة وحضرموت اليمنيتين بحكم التجاور، فعكف على دراستها، وقام بالمقارنة بين ما حوته المصنفات العمانية البحرية ومثيلاتها اليمنية فوجد التوافق يكاد يكون تاماً، ليس فقط في العلوم البحرية ودراسة متغيرات الرياح والأنواء وغيرها من المعارف الفنية الملاحية، بل وفي توحد أسلوب التعبير واستعمال المصطلحات البحرية الواحدة الخاصة أيضا.
ويذكر المؤلف أن هذا التوافق المعرفي يعود إلى عوامل جغرافية واجتماعية وتاريخية، لأن ساحة النشاط الملاحي واحدة وهي حوض المحيط الهندى، ولذلك كان من الطبيعى توحد الملاحظات والاستنتاجات ومن ثم وحدة المعرفة.
وفي هذا الكتاب قدم المؤلف جوانب من الروابط المعرفية بين اليمن وعمان في هذا المجال من خلال عدة فصول تناول فيها وحدة الجغرافيا والتاريخ بين اليمن وعمان والأهمية التجارية البحرية لموانئ جنوب الجزيرة العربية وذكر أن ابن ماجد المهرى كان رائدا لعلوم البحار ومصادر المعرفة البحرية والفلكية للربابنة العرب في القرن التاسع عشر الميلادي.
ثم تناول المؤلف ابرز الربابنة والمصنفات البحرية ذكر منهم: الربان باطايع والمرشدات البحرية والربان الظاهري ودليل البحرين والربان بامعيبد ويوميات الطريق والمعلم الربان الخضوري وتنبيه الغافلين والربان محمد عوض عيديد والربان اليمن مباركوت وعلاقته الحميمة بعمان.

تنبيه الغافلين للخضوري

وحول الربان العماني ناصر بن علي بن ناصر الخضوري يتناول المؤلف دوره الكبير في المصنفات البحرية فيذكر لنا انه من ربابنة مدينة صور المهتمين بالعلوم البحرية وتبدو شخصيته العلمية واضحة في رحمانية "تنبيه الغافل في معرفة علم البحر وقواعده"، الذى انتهى من وضعه عام 1885 حيث يرى المؤلف أن رحماني الربان الخضوري قد حوى معارف تراثية بحرية غزيرة جديرة بالبحث والدراسة، كونها تفصح عن ثقافة جيل من الربابنة سطر أمجاداً على البحار وسجل تاريخا ملاحيا عظيماً.

****

وبعد فإن كتاب "ملامح من التداخل المعرفي بين ربابنة اليمن وعمان" إذا كان يؤكد ذلك التواصل الثقافي والإنساني والعلمي بين الشعبين الشقيقين، فإنه في نفس الوقت يؤكد لنا مدى دور رواد عمان الأوائل في المدونات الفلكية والبحرية، من خلال الرحمانيات "المرشدات البحرية" والتي أصبحت سجلاً بحرياً تاريخياً عالمياً.
سالم بن محمد الغيلاني

 

أعلى




أخشى من مصير "نرسيس"

ما أغرب الحياة وما أسرع تقلباتها .. حينما يداهمنا الفرح ننسى أنفسنا ونستبيح حرمات الذات لتفرح كيفما شاءت وتخطو خطوات غير محسوبة ظناً منا أن ذلك تعبير عن الفرح حتى إذا غشى القلب ضباب تجلى الفرح خلف ذاك الضباب لتعود الروح إلى السكينة وتبدأ بالهذيان الصامت وكأن ثمة من أحرق نيرون غير موسيليني.
عشر سنوات طافت ونام على أيامها الغبار واندفن كوم الجمر تحت الرماد ولم يتبق سوى بقايا ذكريات مؤلمة من أوراق وعلب فارغة وقنينات هي الأخرى فارغة وقصاصات وتفاحة رخامية زال الكلام المكتوب على ظهرها .. عشر سنوات والريح هادئة لا تهب سوى نسائم وقتية تزيح الغبار بهدوء ويعود الغبار ليسكن من جديد .. هكذا لا أمل / لا حلم جميلا / لا فسحة ناظرة لغد مرتقب سعيد .. واعتادت الذات على هكذا حضور شحيح لك وجاء بعدك آخرون وآخرون لكنها الأيام...
لكنها الأيام هي من أرسى سفائن الزمن الغابر وتكسرت على موانئ الروح سفينتك من جديد وكأن بولس الذي تحطمت سفينته على سواحل مالطا قد دخلها مبشراً ، هكذا أنت مداك في ذاتي قد بلغ حده وتعود لأحبك وتختفي.
أيها العائد من رحم الزمان هل طواك الزمان من جديد .. قل لي أيها العائد ما حجم الألم لديك .. ما شعورك وأنت تغرس مديتك كل حين في قلبي .. ألا يشكل لك الدم السائل شيئاً .. أيها العائد من رحم النسيان ما الذي قادك نحوي من جديد .. فكثيرة هي الجراح التي لم تندمل منك بعد .. لا تحرك شيئاً إلا إذا عاهدت نفسك بالبقاء .. لا تنفخ في الكير فثمة جمر تحت الرماد..
كفاك استيلاء على ذاتي .. فقد عاهدت نفسي أن أنساك ولكني فشلت .. ترى ما مدى استيلائك على قلبي أم أن عودتك هي للملمة أشيائك وبقاياك وبعدها يسقط نفوذي حتى على نفسي وتكون أنت القادم لتزول مقاومتي لحبك كما زال حكم أمراء بني نصر على غرناطة.
ليل البارحة الذي وعدتني أن نلتقي فيه طافت عليه ليال عديدة وتدحرجت النجوم مراراً إلى منازلها والقمر يولد صغيرا ًحتى يكتمل ثم يعود متناقصاً وأنت تمارس دور الغياب .. لا تأبه لهذا الذي يجلس على الرصيف .. لا تأبه للبرد القارس الذي يلج إلى مسامات جلدي المهترئ ولا ترحم هذا العذاب في داخلي.
تلتزم الصمت ولا تأتي وكأنك تتلذذ بهذا الاحتراق الداخلي للغير فلماذا أتيت إذن وما سر عودتك وأنت الذي ألهبت مشاعري بكلماتك الجميلة تعبر عن حالة الشوق والحنين الذي قادك نحوي وتسألني ترى ما الذي فرقنا ؟ وها أنت تعود لترحل.
معادلة غير موزونة وأنا الذي كنت أحسب نفسي كبيراً مع وعودي حينما عاهدت ذاتي أن لا أستسلم لعودتك لكنني خنت العهد وخنت ذاتي وفرحت كثيراً كثيرا حتى أنني سيرت مسيرة حاشدة تكونت من الشوق / الحب / الذكريات الجميلة / الحنين / الأحلام الوردية .. إنها حشود توافدت لتشارك مسيرة عودتك وكأنها المسيرة الخضراء التي ضمت بها المغرب الصحراء الغربية بعد أن سيطر عليها الأسبان.
أكاد أختنق .. أكاد أغرق .. أكاد لا أعرف نفسي .. افتح عيني مراراً كي أرى في المرآة غيري فلا أجد سوى وجهي .. أنادي فلا يرد إلا الصدى وحقاً أخشى من الغرق أو أن يقودني هذا الإحساس بأنك عدت ورحلت وكأنني ألقى مصير "نرسيس" حينما أخذ يتأمل جمال وجهه في مياه إحدى البحيرات لدرجة أنه سقط ذات يوم في البحيرة ومات غريقاً فعرف العالم بعده زهرة النرجس المنسوبة إليه.
ترى أي عودة تلك وأي رحيل ذاك ...... يا للألم .

محمد الطويل

أعلى





عنترة العبسي مؤسساً لأدب الفروسية
أمدت بطولات عنترة وقصة حبه لعبلة الأدباء والشعراء فيما بعد ليصوغوا ملحمة شعبية رائعة
تميزت قصائد عنترة بتجاور صور (الحب والحرب) معاً وربط (الحلو والمر) متجاورين تجاوراً نادراً وعجيباً

التزم الشعراء الجاهليون بقانون بناء القصيدة العربية قبل الإسلام، وجاء شعرهم خاضعاً لترتيب هذا البناء الذي يبدأ غالباً بالوقوف على الطلل، ثم بالنسيب وذكر المحبوبة، ثم وصف الرحلة، ووسيلتها، ثم رحلة الظعائن ومشهد الصيد، ثم الدخول إلى غرض القصيدة من مدح أو هجاء أو رثاء أو فخر.. وغير ذلك من الأغراض المألوفة.. ثم تنتهي القصيدة غالباً بأبيات من الحكمة.. ولم يخرج عن هذا القانون الفني سوى الشعراء (الصعاليك)؛ وكان سبب ذلك تمردهم الاجتماعي الذي اتبعوه بتمرد فني في معظم القصائد بطريقة أو بأخرى..وقد بلغ من صرامة هذا "النظام" الذي شاع لدى شعراء العصر الجاهلي على بناء القصيدة الشعرية أن أكثر نقاد الشعر في العصور العربية المختلفة قد اتخذوا منه مقياساً فنياً ثابتاً يقومون على أساسه شعر الشعراء.
وإذا كان بناء القصيدة الجاهلية قد أربك الباحثين والنقاد قديماً وحديثاً حيث تجاوز الأغراض الذي قد يبدو غير منطقي للوهلة الأولى؛ حيث نجد ذكر الطلل والنسيب والغزل مع الهجاء، ونجد وصف الناقة أو الفرس والليل والسيل، ويتجاور فيها شعر الحب الرقيق مع شعر الذم.. وبصرف النظر عن مساءلات النقد القديم والجديد عن فكرة الغرض الشعري علينا الاعتراف بأنها قصيدة تعتمد وتقوم على تعدد الأغراض ، وعلى تجاور الأضداد، وفي ذلك بالضرورة منطق فني.. إذا كان الأمر كذلك فإن عنترة بن شداد وهو أحد اشهر شعراء المعلقات قد وجد لنفسه خطاً واضحاً ومميزاً في هذا النظام الفني وهذا البناء الشكلي، ولعل مطلع معلقته الشهير لا يخلو من هذه النزعة التواقة إلى كسر النمط أو التعجب منه. وإن ظل وفياً للبناء التقليدي، وإن ظل وفياً (للنظام) الفني لكننا نبصر خلف هذا الخضوع روحاً تواقة للتميز .. حيث يقول:
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم؟
أعياك رسم الدار لم يتكلم
حتى تكلم كالأصم الأعجم
ولقد حبست بها طويلاً ناقتي
أشكو إلى سفع رواكد جثم
وإذا كان عنترة قد خضع لهذا النظام الفني، مثلما خضع قبله للنظام الاجتماعي القبلي، فلم يتمرد عليهما، فقد بحث لنفسه عن تميز فني مغاير في كثير من قصائده، حيث تميزت كل قصائده بتجاور صور (الحب والحرب) معاً، وربط (الحلو والمر) متجاورين تجاوراً نادراً وعجيباً!! بل انه افتتح بهذا التجاور باباً فنياً جديداً ستتلقفه أوروبا بعد ذلك في العصور الوسطى، وذلك عبر الترجمات العديدة للسيرة الشعبية (عنترة وعبلة) وتنشئ منه ما سوف يسمى بـ(آداب الفروسية).. ففي أشعار كثيرة ترتبط قصص وصور البطولة والفروسية بصور الحب والغزل مما سيعرف فيما بعد وبخاصة في أوروبا بـ(آداب الفروسية) حيث منحت بطولات عنترة بن شداد العبسي وقصة حبه لابنة عمه عبلة بنت مالك العبسي الأدباء وأمدت الشعراء فيما بعد ليصوغوا ملحمة شعبية رائعة بلغت في إحدى طبعاتها المعنونة بـ(سيرة عنترة) اثنين وثلاثين جزءً.. (يقول و. أ. كلاوستون W.A.Clouston في تقديمه وتعريفه بالشعر العربي) من المحتمل ـ الذي يقترب من الحقيقة ـ أن تكون "سيرة عنترة" هي المسؤولة عن ظهور شعر وآداب الفروسية، ذلك الشعر الذي شاع في أوروبا خلال العصور الوسطى؛ لأنه لو قمنا بمقارنة بعض الأحداث التي وردت في هذه السيرة بمثيلها الذي ورد فيما يسمى بـ Gothic Romance فسوف نجد متشابهات كثيرة لا يمكننا إنكارها.. كما أكد "سير وليام بلنت" Sir William Blunt أن مغامرات عنترة الرومانسية وبطولاته هي الأساس الفني الذي اعتمدته وقامت عليه أشعار المغامرات الرومانس في العصور الوسطى..).
حقا فهذا أكثر ما يميز ديوان عنترة بن شداد عن غيره من شعراء الجاهلية حيث نجد شعر الفروسية في بداياته العربية الزاهرة فنياً يصدر على لسان ذلك الفارس النبيل العاشق المقهور ذلك الشعر المختلط بتصاوير الحب والحرب، وحيث نجد صورة المحبوبة حاضرة في قلب صور الحرب والقتال.. وربما يبدو الأمر منطقياً حينما يستدعي عنترة صورة عبلة في حالة السلم، حيث الراحة من القتال، والتمتع بسبل العيش المتاحة.. مما يجعل استدعاء صورة الحبيبة ممكناً ومتاحاً ومتماشيا مع الموقف.. ولكن هل يبدو الأمر منطقياً حين نجد عنترة الفارس العاشق يستدعي المحبوبة في قلب الحرب، فيبصر خيالها في مواقع القتال، ويذكرها فيتصورها على هذا النحو النادر الذي لم يسبق لشاعر أن صوره حيث تتوحد صورة المحبوبة ببريق ثغرها اللامع في قلب المعركة مع لامع السيوف؛ مما يدفع الفارس العاشق وهو في أتون المعركة لأن يرغب في تقبيل السيوف.
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني
وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المتبسم
حقاً إن الفن كسر للمألوف، وهذا الانقلاب الجذري في تكوين الصورة هو المنطقي في حب من هذا النوع؛ فحب عنترة لعبلة في حد ذاته حالة بطولية في الأساس.. لقد سبق وأوضح البحث أن حب عنترة لعبلة كان خلاصاً على المستويين الفردي والاجتماعي، وكان عذابها راحة له على البعدين الذاتي والموضوعي.. وأن تمسكه بهذا الحب وإن عذبه وعانى منه هو السبيل الوحيد الذي اختاره لأنه بمثابة بهجة الحياة، ووهج الروح، إن عبلة بمثابة السلوى لنفسه المعذبة التي لا تملك قراراً بالبعد عن ظلم القبيلة، ولا التخلي عنها، وهي مكافأته وحقه، وهي سبيله للوجود، وطريقه نحو الاعتراف الاجتماعي به.. إنها بالنسبة له الكون بأكمله في السلم وفي الحرب، وهو حينما ينشد يدخل في خضم هذا الكون ويخلص له، وإن لاقى منه العذاب.
وقد يفسرها لنا كل هذا الشعر وقد احتشد بكافة عناصر التصوير الفني للتعبير عن فكرة اقتران الحب بالعذاب متعدد الأبعاد، تلك اللوحة التي يصورها لنا عنترة دوماً في معلقته وفي قصائده المتفرقة، وارتباط فوز المحب بالمحبوب عبر فوزه في المعارك المختلفة والحروب متعددة الأسلحة والمواقع المتباينة بشهوة النصر على الأعداء.. والترفع عن نيل الغنائم، وتقسيمها على أبطال المعركة، ولا بطل فيها مثل عنترة، لكنه بطل من نوع الفرسان النادرين، ولذا فهو يسعى إلى غنيمة أكثر رفعة هي محبوبته؛ ولذا فعليها أن تعلم. يقول عنترة في معلقته:
يا عبل لو أبصرتني لرأيتني
في الحرب أقدم كالهزبر الضيغم
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك
إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني
أغشى الوغى وأعف عند المغنم
كذلك يقول عنترة مؤكداً ذات المعنى في بيتين مشابهين إلى حد كبير ومتجاورين في الديوان:
أحبك يا ظلوم فأنت عندي
مكان الروح من جسد الجبان
ولو أني أقول مكان روحي
خشيت عليك بادرة الطعان!
هل من مبادرة شعرية سابقة تعلن، وعلى هذا النحو الخاضع، عن أحد أشكال الحب العربي القديم مثل مبادرة أبو الفوارس "عنترة"؟! ويا للعجب فهي مبادرة تعلن ظاهرياً قبول ظلم المحبوب! ولكنها تصدر بروح محب ومن موقع القوة؛ قوة الحب، وشجاعة المحب!! إلى من يوجه عنترة بن شداد هذه الرسالة؟! ولماذا يوجهها؟ ولمن يرسل مثل هذا الخطاب العاطفي المرير سوى لمن يحبها أكثر من نفسه؟! وما الدوافع الخفية المحركة لكل هذه المرارة النابعة في خطابه وكيف نحب من يظلمنا ونخاف عليه أكثر من روحنا؟! إن العاشق يعلم مقدار حبه لعبلة، ومقدار ظلمها له، ويعلم مقدار المظالم والهموم التي يواجهها في هذا الحب المكبل بالقيود مثله، لكنه لا يملك فكاكاً، وهو لا يسلو حبه ولا يملك له السلوان، لكنه مستعد من أجل هذا الحب أن يحارب الدنيا، وهو يعلم تمام العلم وبصفته مدركاً لوضعه القبلي بين بني عبس أن لا سبيل له سوى أن يرتقي في قبيلته ويكون نداً للفوز بها.. يقول:
أيا ابنة مالك كيف التسلي
وعهد هواك من عهد الفطام
وكيف أروم منك القرب يوماً
وحول حماك آسادُ الأجام
وحق هواك لا داويت قلبي
بغير الصبر يا بنت الكرام
إلى أن ألتقي درج المعالي
بطعن الرمح أو ضرب الحسام
على عنترة إذن أن يبرر لعبلة أسباب كل هذا التعلق، وكل هذا الغرام، وعليه أن يبرر لها ولسامعه كذلك ويفسر هذا التضاد المتجانس وأسباب وتفسيرات كل هذه المعاناة لا في الحب فقط، بل حتى في حياته الاجتماعية داخل القبيلة، وكذلك في الحرب والقتال. يقول في واحدة من عشرات القصائد التي تصور لنا هذه المعاناة:
أيا عبل ما كنت لولا هواك
قليل الصديق كثير الأعادي
وحقك لا زال ظهر الجواد
مقيلي، وسيفي ودرعي وسادي
حتى في لحظات الصفاء القليلة التي قد تجمعه بمحبوبته وقرينة روحه عبلة، تظل الجراح والخدوش علامة حاضرة على الحب والشجاعة، وتظل صور الحرب والنزال حاضرة ماثلة بقوة في خطاب عنترة الشعري العاطفي!!، وكأن هذه المداخلات - الحب والحرب/ المعاناة والجراح/ الحياة والموت - لوازمه الحقيقية والفنية الشعرية الأبدية..! يقول:
ضحكت عبيلة إذ رأتني عارياً
خلق القميص وساعدي مخدوش
لا تضحكي مني عبيلة واعجبي
مني إذا التفت عليَ جيوش
ورأيت رمحي في القلوب محكماً
وعليه من فيض الدماء نقوش
ألقى صدور الخيل وهي عوابس
وأنا ضحكوك نحوها وبشوش
لقد التفت بعض المهتمين القدامى إلى الرابط الذي جمع شعر عنترة بالقتال، لكنهم ويا للأسف حصروه فقط في حيز ضيق من شعر الحماسة، ولم يحاولوا أبداً أن يفسروه التفسير الملائم، أو التفسير الذي يليق بهذه الصور الفنية النادرة للفروسية والعشق، للحب والحرب معا! كذلك لم يقوموا بالوقوف على الروابط التي ميزت شعر عنترة عن غيره في شعر الفروسية، والبطولة العربية التي ستمهد للآداب الأوروبية أن تكتشف شعر الفروسية، لاسيما في هذا الجانب المتعلق بحبه الملتهب لعبلة، التي تبدو حاضرة في كل صورة حرب، ودائما بأشكال متنوعة وكأنها وهج الحياة المرتجى. فقط قاموا برصد الظاهرة، ولم يتخطوها بالتحليل الواجب. ذلك الحصر فعله الأصمعي مثلاً كما فعله عدد غيره من أصحاب كتب التصنيف الأدبي.
بينما يذهب بعض الباحثين المعاصرين في قراءاتهم الأمر إلى بعد أكثر عمقاً، وحيز أكثر رحابة؛ ذلك حينما يسعون إلى الوقوف بالتحليل ـ متعدد الأدوات والمعارف ومتسع المناهج ـ أمام هذه الصور، ومن ذلك ما ذهب إليه د. مصطفى ناصف حينما فسر الظاهرة بأنها تضعنا أمام وسيلة فنية مميزة من وسائل مواجهة الموت، وهي وسيلة لا تخلو من استعلاء وتسام.
يقول عنترة في واحدة من هذه الصور:
يا عبل لو أني لقيت كتيبة
سبعين ألفاً ما رهبت لقاها
وأنا المنية وابن كل منية
وسواد جلدي ثوبها ورداها
وقد تبدو الصورة على درجة من المبالغة، لكنها مخيلة عنترة التي ترى في الموت حياة كي ترضى عبلة.. يقول في صورة أخرى مشابهة:
ولقد لقيت الفرس يا ابنة مالك
وجيوشها قد ضاق عنها البيد
وتموج موج البحر إلا أنها
لاقت أسوداً فوقهن حديد
يا عبل كم من جحفل فرقته
والجو أسود والجبال تميد
ويذهب بعض الباحثين في تفسير معاناة عنترة إلى أن هذا الحب المشبوب الذي نشب بين عنترة وعبلة، لم يكن بالحب الموفق أو السعيد، حيث لم تصور قصائد عنترة شيئاً من هذا القبيل، إنما صورت لنا جراء هذا الحب صور المعاناة والعذابات والدموع، وهم يفسرون ذلك بأن عبلة لم تعط عنترة قلبها! بل كانت في بعض الأحيان تبدي سخرية منه، وتضيع عهده، ولذلك كان حبه لها أشبه بحالة مرضية، وكأنه نوع من السقم.
المتأمل لشعر عنترة سيدرك ذلك الارتباط الشديد بين كل هذه البطولات التي يحققها عنترة في الحروب التي يخوضها بشجاعة غير مسبوقة، وبين فكرة (الحرية) الغائبة عنه.. وقد يبدو هذا الارتباط على المستوى النفسي أكثر عمقاً.. فلا معنى لوجود الإنسان بلا حرية ينعم بها .. مثلما هداه حبه لعبلة بأن سبيله في الفوز بقلبها هو شجاعته وإقدامه في الحرب التي قد تكلفه حياته فهي رخيصة من أجل حبه وحريته.. الحرب هي السبيل للحصول على حريته وتقدير عبلة وحبها:
سلي يا ابنة الأعمام عني وقد أتت
قبائل كلب مع غنيٍ وعامرٍ
تموج كموج البحر تحت غمامة
قد انتسجت من وقع ضرب الحوافر
فولوا سراعاً والقنا في ظهورهم
تشك الكلى بين الحشا والخواصر
ومظاهر البطولة والفروسية التي يصفها شعر عنترة بن شداد كثيرة ومتنوعة، وهو يصف في كل معركة كيف جرت الحرب، وكيف يلاقي الموت والعدو بشجاعة نادرة، وكيف ينازل الأبطال والفرسان ببأس شديد، وقلب جريء، فيتركهم خلفه صرعى؛ وذلك من أجل العلا والمجد، من أجل الحب، والحرية، والسيادة الغائبة.. وهو لا يهتم بمن يبارز فكلهم عنده حواجز تعوق تحقيقه أمانيه نحو العلا والسيادة .. ودائماً ما يربط عنترة في تصويره ما بين بطولاته الحربية والحب لعبلة، بين جبن الفوارس منه وخوفهم على حياتهم، بينما يبقى هو مفاخراً ببطولاته مبيناً غاياته العليا.. يقول:
دعني أجد إلى العلياء في الطلب
وأبلغ الغاية القصوى من الرتب
لعل عبلة تضحى وهي راضية
على سوادي وتمحو سورة الغضب
يا عبل قومي انظري فعلي ولا تسلي
عني الحسود الذي ينبيك بالكذب
خلقت للحرب أحميها إذا بردت
واصطلي نارها في شدة اللهب
وقد يشكك بعض المحققين في صحة بعض هذه القصائد كما أشار البحث لذلك من قبل، وقد يكون هذا صحيحاً مع شاعر فحل بحجم عنترة، فهو فارس /شاعر/ وهو عبد شغل الرواة بقضيته النادرة..، وقد تكون السيرة الشعبية التي تجاوزت الآفاق الثقافية والأدبية العربية مسئولة عن ذلك أو عن جزء منه.. لكن البحث ليس في سياق تحقيق هذا الشعر الآن؛ فهذا جهد علمي خاص قام به كثير من الباحثين الجادين.. لكن البحث والباحث الآن في معرض تحليل هذه الصور الشعرية من منظور القضية التي شغلت بال عنترة العبسي، والتنقيب عن الرابط الرئيس الذي تدور حوله كل صور هذه القصائد ـ الصحيحة والمشكوك فيها أو المنسوبة من قبل الرواة لهذا البطل ـ وسوف نكتشف أن الشغل الشاغل الذي يسيطر على كل هذه القصائد هي فكرة "البطولة" الحربية، والنبل الأخلاقي والاجتماعي، والشجاعة والجرأة منقطعة النظير التي يمتلكها عنترة؛ ذلك يؤيد الفكرة الشاغلة والرغبة في تحقيق الحرية وكسر طوق العبودية الذي قيدته به تقاليد القبيلة، وبما يؤهله لأن يكون فارس الفرسان في الحرب وفي الحب.
إن المعارك التي يصورها "عنترة العبسي" الفارس تنتهي كلها بموت الخصم، وانتصاره، ولكن هذه الصور تحمل في الوقت ذاته استعداد عنترة لملاقاة الموت في كل لحظة، فقد آمن عنترة ـ بوصفه مجرباً خبيراً بالحروب ـ أنه كفارس (لابد وأنه ملاق حتفه)، وهو وإن طالت منيته (فلا ريب مقتول)، وهو وفق ما يقتضيه منطق واقع الحرب وتقاليد الفروسية وبوصفه ابن المعارك ورجلها (لابد أن يسقى بكأس المنهل) فإن لم يمت بالسيف مات بغيره، وإن لم يكن هناك قتل فهناك الموت (إني امرؤ سأموت إن لم أقتل) وكأنه يفضل القتل في المعركة على أن يموت كما بعير.. ولعل هذه الصورة كانت مترسخة لدى فرسان العرب ورجال حروبها ولعل ما قاله "خالد بن الوليد" سيف الله المسلول على فراش الموت يؤكد لنا هذه الفكرة.
وعنترة لا يرهب القتل ولا تخيفه المنية..؛ لأنه يعتقد أن نفسه والموت شيء واحد..وكثيراً ما يستغل عنترة فكرة تحذير المرأة للفارس من الموت في الشعر العربي ليعرض من خلالها صورة أخرى مقابلة من صور البطولة؛ ألا وهي عدم الخوف من القتل، بل وتصميمه على دخول الحرب، ومواجهة الموت، وتمثله له فناً وحقيقة .. فهكذا تكتسب الحياة.. ويهزم الخوف والموت.. يقول:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني
أصبحت من غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها أن المنية منهل
لابد أن أسقى بكأس المنهل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي
إني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تمثل مثلت
مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
وإذا حملت على الكريهة لم أقل
بعد الكريهة ليتني لم أفعل
وقد اهتم مؤرخو الأدب والباحثون في الشعر الجاهلي بتصوير عنترة الهائل والفذ للمعارك، وصدقه وبراعته، وإن عمد إلى تصوير بطولاته وقوته، لكنه كان أنجع الشعراء الفرسان الذين تفوقوا على أنفسهم في وصف المعارك، وسوف نقف بالتحليل الفني لبعض هذه الصور في فصل الرؤية والأداة الشعرية وكيف تم التعبير بالأدوات الفنية المختلفة عن شواغل الشاعر وقضاياه.. لكن البحث يفرض علينا أن نقف بشيء من الرصد أمام صور الحروب العاتية التي يدخلها عنترة برمحه وسيفه فكأنه فارس يزف إلى "الحرية" على وقع صليل السيوف وطعن الرماح، وصهيل الخيول وأزورارها.. إن عنترة يصور المعركة وكأنها عرسه الحقيقي.. وكأنه عريس يزف إلى عروس طال لها الاشتياق؛ إنها الحرية، أو الموت بشرف.. وقد افلح عنترة في رسم شخصيات هذه الحروب والمواقع، وجسد حركتهم وهيئتهم، ومشاعرهم، بما في ذلك الخيول، كما صور عنترة الفرسان وهم يصرعون بسيفه، وكأنه يهدم حاجزاً بينه وبين هذه الحرية؛ فالفارس القتيل المصروع على يديه فارس مدجج بالسلاح لكنه ينال منه ويصرعه، جاعلاً من صورة قتل الفارس المنازل صورة للبطولة تبرز في ثنايا المعركة، فهو لقاء الندين المتكافئين.. يقول:
ومدجج كره الكماة نزاله
لا ممعن هرباً ولا مستسلم
جادت يداي له بعاجل طعنة
بمثقف صدق الكعوب مقوم
برحيبة الفرغين يهدي جرسها
بالليل معتس الذئاب الضرم
فشككت بالرمح الأصم ثيابه
ليس الكريم على القنا بمحرم
ناصر الحسني
* كاتب وباحث عماني


أعلى





مؤكدا أن تصميم الطوابع يحتاج لخلفية ثقافية وتاريخية وحضارية
الفنان محمد نظام لـ"أشرعة": الحب والارتباط بين مصمم الطوابع وعالمه يضمن استمراره في مشواره الفني
طابع البريد يعتبر سفيرا لثقافة بلده .. يوثق أحداثه التاريخية ومناسباته وكل ما يخص تاريخه وتراثه
اقتناع المصمم بما يقدم يجعله يفخر بألبومه وإصداراته الفنية
اكتشفت عوالم جديدة في تصميم الطوابع وأصقلتها زياراتي للمعارض التي يقيمها الهواة
نتمنى أن تكون لدينا جمعية مشهرة لهواة جمع الطوابع في السلطنة فتنقل ثقافتنا وتاريخنا وأصالتنا وهويتنا الثقافية إلى شعوب البلدان الأخرى
بداية التصميم اعتمدت على موهبة المصمم الفنية والآن الاعتماد الكبير على التقنية الحديثة
التصوير ساهم بشكل كبير في عملية التصميم
بريطانيا البلد الوحيد في العالم الذي لا يضع اسمه على الطوابع لأنه أول بلد أصدرها
جمع الطوابع يؤصل في الإنسان قيم البحث والنظام والصبر والاكتشاف والمحافظة على ممتلكاته
الطوابع تعتبر وثائق هامة ومصغرة يحتفظ بها الهاوي

حاوره ـ إيهاب مباشر
'' عرفه المتلقي، فنانا تشكيليا، له بصمته الخاصة والمتفردة، في عالم التشكيل العماني، بل يعد من أوائل الفنانين العمانيين، فهو من جيل الرواد، عضو الجمعية العمانية للفنون التشكيلية، وعضو مرسم الشباب، وله العديد من المشاركات بالمعارض والبيناليات الدولية والعربية والخليجية، ولكنه لم يتعرف عليه، مصمما للطوابع البريدية، وأحد الهواة المغرمين بجمع الطوابع، ومشاركا فاعلا في معارض الطوابع على كل المستويات، هو الفنان التشكيلي ومصمم الطوابع، الفنان محمد نظام، التقاه "أشرعة" فكان الثراء الفني، باكتشاف عوالم فنية جديدة، تكمن في تصميم الطوابع، وكمية الحب اللامتناهية بين المصمم وعالمه، والمعلومة الغائبة عن البعض ـ إن لم يكن الكل ـ عن طابع البريد، باعتباره سفيرا لثقافة بلده، يوثق أحداثه التاريخية ومناسباته، وكل ما يخص تاريخه وتراثه .. فإلى تفاصيل اللقاء .. ،،

* عرفناك فنانا تشكيليا، لك بصمتك الفنية الخاصة، فهل لنا أن نعرف متى ولجت إلى عالم تصميم الطوابع ؟
** ولوجي إلى عوالم تصميم الطوابع يعود إلى عام 1985، والسبب يعود إلى التشابه الكبير بين تصميم لوحة كبيرة، وتصميم طابع بريدي، وإن كانت عملية تصميم الطوابع، تحتاج إلى خلفية ثقافية وتاريخية وحضارية كبيرة، وأن يكون المصمم على اتصال بكل ما يدور حوله من مناسبات وأحداث تاريخية، على كل المستويات المحلية والدولية.
* هل من مواصفات خاصة يتسم بها مصمم الطوابع البريدية، وما المراحل التي تمر بها عملية التصميم ؟
** لابد من توافر عنصر الحب والارتباط بين مصمم الطوابع وعالمه، حتى يضمن الاستمرارية في مشواره الفني، وتمر عملية تصميم الطوابع بالعديد من المراحل التي تتطلب الدقة والحساسية الشديدة، بدءا من الفكرة التي تراودني وتختمر في ذهني، مرورا بالطريقة التي أراها مناسبة لتصميم الطابع، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة طباعته.
* هل تغير المفهوم حول الطابع البريدي ودوره منذ نشأته إلى الآن ؟
** بداية وظيفة الطابع، كانت عبارة عن تخليص معاملة، حيث تدفع قيمتها، من خلال الرقم أو المبلغ المدون عليه، ولكن هذا المفهوم تطور إلى مفهوم آخر، وهو أن الطابع يعتبر الآن سفيرا لثقافة البلد الذي يصدر منه، لأنه يوثق أهم الأحداث التاريخية والمناسبات التي يحتفي بها هذا البلد، وكل ما يخص تاريخه وتراثه، ومن هنا جاءت أهميته الحالية.
* ماذا تضيف مشاركة أي دولة، بطوابع بريد من إصدارها، في الأحداث والمناسبات العالمية ؟
** المشاركة في الأحداث العالمية، من خلال طوابع البريد التي تصدر في أي بلد، تؤكد شراكتها فيها، وتعرف بدورها الحيوي في مشاركة العالم مناسباته الهامة، والأهم من ذلك ما تساهم به طوابع البريد في القضايا الإنسانية العالمية، وكذلك ما يخص أمة معينة أو دولة أو شريحة عريضة من شرائح المجتمع، ومثال على ذلك طابع القدس الذي صدر في السلطنة، وهو ما يعتبر بمثابة دعم كبير، يضاف إلى جهود السلطنة لدعم القضية الفلسطينية، لأن هذا الطابع يسمع صوتنا على كل المستويات الخارجية، ويؤكد على عدل وصدق القضية الفلسطينية، هذا عدا المناسبات التي تهم شريحة كبيرة من شرائح المجتمع، وهو طابع الاحتفال بيوم اليتيم، وكذلك الاحتفال باليوم العالمي لمحو الأمية، وهي مناسبات في غاية الأهمية.
* ما الآلية التي يتم من خلالها، تصميم طابع معين بالسلطنة، وهل تنفذ كل الأفكار بشكل مدروس ؟
** إصدار الطوابع في السلطنة، يخضع لبرنامج معد ومدروس، يراعى فيه أهم المناسبات الوطنية في السلطنة، وكذلك المناسبات التي تجمعها بمجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى المناسبات العربية والعالمية، هذا عدا الأفكار التي تراود مصمم الطوابع، ويحاول من خلالها، تجسيد العديد من القيم التي تعن له، سواء كانت هذه القيم اجتماعية، أو ما يخص الطابع الإنساني، وكذلك موضوعات التاريخ والتراث، وموضوعات الطبيعة.
* وكيف اكتشفت ميلك لهذا الاتجاه الفني ؟
** البداية كانت من خلال اكتشاف عوالم جديدة، في تصميم الطوابع، هذا الاكتشاف أصقلته زيارات المعارض التي يقيمها الهواة، والجمعيات والمؤسسات التي ترعاهم، من خلال هذه الزيارات، تجمعت لدي العديد من الرؤى والأفكار التي من خلالها، أقوم بتصميم طابع للبريد.
* وماذا بعد أن تختمر الفكرة لديك ؟
** تتبع هذه المرحلة، مرحلة التنفيذ، وسواء أتت الفكرة من خلال البرنامج المعد لتصميم هذه الطوابع، أو من الأفكار التي تأتيني، فلابد وأن يكون المنطلق نحو كل هذا، البحث والدراسة حول هذا لموضوع، حتى يتجمع لدي أكبر قدر من المعلومات التي تصقل الفكرة، وربما تتجمع لدي أكثر من فكرة، وأحاول دمجها في تصميم واحد، يضم مجموعة من الأعمال، كل هذا يعمل على بلورة الرؤى والأفكار حول هذا الموضوع، أو المناسبة.
* ما أهم الأمور التي يضعها مصمم الطوابع البريدية نصب عينيه وهو يقوم بعملية التصميم ؟
** من الأمور التي يحسب لها المصمم حسابا كبيرا، ويضعه في الاعتبار، الهاوي الذي يتلقى الطابع الذي يصممه، فلابد وأن يكون المصمم مقتنعا بما يقدم؛ حتى يفخر بألبومه الذي يجمع فيه طوابعه التي صممها، وإصداراته الفنية في هذا المجال.
* .. وماذا عن اختياراتك لألوان الطوابع ؟
** بالنسبة لاختيارات الألوان، فإنها تعتمد على موضوع الطابع، وإن كانت هناك أساسيات يضعها المصمم في اعتباره، مثل اختيار الألوان الفاتحة، لإظهار الأشياء الصغيرة والدقيقة، وإن كان لابد من اختيار ألوان غامقة، فتكون في الخلفيات، التي يتم اختيارها بعناية؛ لتظهر الموضوع.
* هل اختلفت طريقة تصميم الطابع البريدي الآن عن السابق، وما الأمور التي استحدثت في هذا المجال ؟
** كانت البداية تعتبر يدوية، وتعتمد على رسم الفنان، فكان لابد وأن يكون المصمم فنانا في الأصل، وعلى دراية كافية بالرسم. أما الآن فالاعتماد بشكل كبير يكون على التقنية الحديثة، التي تحتاج إلى مجهود أقل من السابق، بالنسبة لمحترف التصميم بالحاسوب، وتختلف هذه النسبة من مصمم لآخر، حيث كان الاعتماد كليا في السابق على موهبة الفنان في الرسم والتصوير، أما الآن فالعبء الكبير يتمثل في تطبيق برامج التصميم على الحاسوب.
* وهل كان هناك اعتماد على وسائل أخرى في تصميم الطابع غير لوحة الفنان ؟
** لم يكن يعتمد في السابق على الرسم فقط في تصميم الطوابع، ولكن كانت هناك عملية التصوير أيضا التي ساهمت فيها، من خلال ما يلتقطه الفوتوغرافي لبعض المناظر، ويحاول أن يدخل عليها بعض التعديلات، ولكن هذه الجزئية تتطلب مهارات فنية عالية من المصمم، فلابد وأن يكون رساما في الأساس.
* هل هناك اشتراطات معينة، يتطلبها تصميم الطوابع البريدية، وتعتبر من المسلمات في هذا المجال ؟
** لابد وأن تتوافر في تصميم الطوابع البريدية، العديد من الأساسيات التي لا غنى عنها، وهي قيمة الطابع واسم البلد الذي يصدر منه، وهنا لابد وأن أشير إلى معلومة في غاية الأهمية، وهي أن بريطانيا البلد الوحيد في العالم الذي لا يضع اسمه على الطابع، لأنه أول بلد أصدر الطوابع البريدية، وهناك بعض الدول التي تضيف الشعار بجانب الاسم، وبالإضافة إلى قيمة الطابع والبلد الذي صدر منها، تأتي المناسبة التي من أجلها صمم هذا الطابع، وبعد ذلك يأتي الموضوع، وهو الرسمة التي تعتبر أساسية، حتى وإن كانت مجرد كتابة، فهي تبرز قيمة الطابع وأهميته ومدى الجهد المبذول فيه، وهي كلها من الاعتبارات والاشتراطات التي يضعها المصمم نصب عينيه، وهو يقوم بعملية التصميم.
* المغايرة شيء مهم جدا للفنان، مهما كان نتاجه وجنسه الفني الذي يبدع فيه، فهل نعتبرها من التحديات، التي تواجه مصمم الطوابع البريدية، باعتباره فنانا ؟
** من التحديات التي تقابل مصمم الطوابع، ويجد نفسه أمامها، عملية المغايرة، وكيف يأتي بفكرة جديدة، لم يتطرق إليها أحد، وينفذها بحرفية عالية. وللوصول إلى هذه الجزئية، لابد وأن يكون المصمم مطلعا وبشكل دائم على كل الإصدارات الدولية، وعنده خلفية كبيرة في عالم الطوابع، حتى لا يكرر فكرة تطرق إليها أحد غيره من قبل. ولتأكيد هذه الفكرة، ولإظهار طابع المغايرة في تصميم أحد الطوابع، قمت بتصميم طابع احتفاء باليوم العالمي للمكفوفين، وكان الطابع باللون الأسود، ومكتوبا عليه بلغة برايل التي لا يقرأها إلا المكفوفين، وقمت بوضع الطابع داخل إطار آخر، وعلى كل من يستخدم هذا الطابع، لابد وأن يخرجه من إطاره وبروازه، فلا يتبقى منه إلا المساحة السوداء، التي تتوسطها كتابات برايل، وهنا أحببت أن أوصل للعالم رسالة، مفادها أنه لن يقرأ هذا الطابع إلا المكفوف، أما غيره فإنهم سيعجزون عن ذلك.
* هل تقسم الطوابع البريدية بعد تصميمها، إلى أسماء أو فئات معينة ؟
** بالنسبة لعملية تسمية الطوابع، هناك الطابع التذكاري، وهو الخاص بالمناسبات، والذي يقبل عليه الهواة، وهو ما تطبع منه كمية محدودة، نظرا لسعره المرتفع نسبيا، وهناك الطوابع العادية التي تستخدم في البريد العادي، وتطبع منه كميات كبيرة.
* من أين يأتي الهوس بجمع الطوابع البريدية، الذي يصيب بعض الهواة، إن لم يكن معظمهم ؟
** عملية الهوس بتجميع الطوابع، والتي يتسم بها البعض، لا تأتي من فراغ، ولكنها تحتاج إلى دربة وتأصيل منذ الصغر، وهذا نجده بشكل واضح ومؤثر لدى العديد من شعوب العالم، التي تحرص على تأصيل هذه العادة المحمودة في نفوس أبنائها، وهي تبدأ بشكل أوسع وأشمل من عملية جمع الطوابع، وهو جمع أي شيء، يتمكن الطفل من خلاله، من التدرب على عملية البحث عن الأشياء من حوله، وبعد ذلك تأتي عملية المحافظة على هذه الأشياء المجمعة، ثم يأتي وقت على الطفل، وقد تجمع لديه أكبر قدر ممكن من هذه المنتجات، التي تؤصل في هذا الطفل قيم البحث والنظام والصبر والاكتشاف، وبالتالي قيمة المحافظة على كل الأشياء التي يجمعها، ومن هنا تأتي عملية التدرب على جمع الطوابع البريدية.
* وما المرحلة التي تعقبها ؟
** بعد ذلك تأتي مرحلة إشراك هؤلاء الأبناء في العديد من الجمعيات والمؤسسات، التي تعنى بهذا الجانب، ومن ثم تأتي مرحلة حرص هؤلاء على تجميع أكبر قدر ممكن من الطوابع، التي تعتبر وثائق هامة ومصغرة، يحتفظ بها الهاوي.
* هل كل الهواة يعتمدون على جمع طوابع معينة ؟
** الهواة في هذا الجانب نوعان، نوع يعتمد على شراء الطوابع، وهم من يملكون المال، ونوع آخر يحاول ابتكار أفكار وطرق جديدة، من خلالها تتكون لديه حصيلة لا بأس بها من هذه الطوابع.
* وماذا عن الجمعيات والمؤسسات التي تجمع الهواة ؟
** لابد من وجود مؤسسات لتنظيم معارض لهواة جمع الطوابع، ولابد أيضا من وجود جمعية أو أكثر في كل بلد، لهواة جمع الطوابع، والسلطنة من الدول القلائل التي لا تتوافر بها مثل هذه الجمعيات، التي انتشرت في العديد من بلدان العالم، ونتمنى أن تكون لدينا جمعية مشهرة لهواة جمع الطوابع في عمان.
* وما الذي ينتظره هواة جوع الطوابع من هذه الجمعيات، وما الإسهامات التي يتوقعونها من خلال تواجدها ؟
** لا شك أن وجود مثل هذه الجمعيات أو المؤسسات، يسهم بشكل كبير في تنظيم المعارض وتسهيل إقامتها، ونشر ثقافة جمع الطوابع، التي تستقطب بدورها العديد من الهواة من خارج السلطنة، لعرض إصداراتهم، كما تتيح لهم فرصة الالتقاء بالهواة في الجمعيات المماثلة، إقليميا وعربيا ودوليا؛ حتى تنقل ثقافتنا وتاريخنا وأصالتنا وهويتنا الثقافية، إلى شعوب البلدان الأخرى.

رؤية في المنهجيّة البحثيّة

تتوسّل الدّراسات جميعُها ـ بما فيها الأدبيّة التّحليليّة ـ باستراتيجيّات منتقاة، وآليّات محدّدة، وأدوات مختارة؛ لاستكناه حقول المعرفة الإنسانيّة المختلفة، وسبْر أعماق الموادّ النّصيّة، واستنطاق بِنْياتِها التّكوينيّة المُزمع دراستها؛ وهي بذلك إنّما تتوخّى طريقة محدّدة، تسلك بها الجادّة، راغبة عن بُنَيّات الطّريق الّتي تتباين أشكالها ونظرياتها، وتتفاوت طرائق افتراضاتها؛ فتتوزّع يمنة ويسرة إلى الدّرجة الّتي تسبّب الحَيرة والصّداع للباحث الناشئ.
أمّا الباحث المؤمن بجماليّات التعدّد، والمعترف بثراء الكثرة المنهجيّة وخصوبتها آراءً وأفكارًا، والقارَّ على أهمية إيجاد المنهج المناسب الّذي لا بدّ منه؛ يَصْمُد إلى عمله التّحليليّ مُستهديا بخُطّة نمطيّة تسير على رؤية تعتمد ـ في الأساس ـ على قواعدَ محدّدة، يجتهد الباحث أنْ يترسّم ثوابتَها ومنطلقاتِها؛ وهو مطلب عريق النّسب لا تزال المؤسّسات الأكاديميّة العالميّة تسير عليه في شتّى بلدانها إيمانا بخطير أمره، وأهميّة استنزاله من فضاء سمائه الزّاخرة، إلى ميدان فحص النّصِّ الأدبيِّ مظنّةِ الدّلالات المتجدّدة؛" فالنّصّ موضوع إنسانيّ متعالٍ عن الضّبْط الصّارم والتّحديد المطلق؛ لهذا لزم انتقاء الأدوات الإجرائيّة الكفيلة بالتلاؤم مع نوعيّة الموضوع أو النصّ المراد تحليلُه"(1)؛ لأنّ للموضوع؛ قيدِ الدّراسة علاقةَ تأثير نسبيّة على اختيار المنهج.
يتحتّم على الباحث ـ أيضا ـ أنْ يحدّد الخطوط العامّة لمنهجه؛ لأنّها العنوانات الّتي سينطلق منها إلى تفكيكِ نصٍّ ما مزوّدا بأدوات مِعياريّة؛ للكشف عن حقيقة ما يسعى إليه؛ وحينذاك يسطع فجر العلم، وينفجر ينبوع المعرفة عن تحكيم العلم؛ للتّفريق بين الأشياء؛ بروح البرهان، ونور الدّليل؛ قال قائل لخلف الأحمر:" إذا سمعتُ أنا بالشِّعْرِ أستحسنُه؛ فما أُبالي قلتَ أنتَ فيه وأصحابُك. قال: إذا أخذتَ دِرهمًا؛ فاستحسنتَـه؛ فقال لكَ الصّرّافُ: إنّه ردئ! فهل ينفعُكَ استحسانُك إيّــاه"؟(2).
ومن حُمادَى بعض النَّظريّات الحَداثيّة الجديدة؛ أنّها نظرَتْ إلى الموادّ الأدبيّة باعتبارها جسمًا كثيف الدِّلالة غير شفّاف، بل يكتنز بإمكانيّة التّأويل والتّفسير، وقابليّة التّشظِّي والتّفكيك، وأنّ دلالة الجملة يمكن أنْ تتجاوز حدودها الشّكلية القريبة إذا ما رفدها السِّياق بقرائنَ دالّة، أو تجاوزت الأنا الحيّة حدود الأفق الضّيّق إلى فضاء الاحتمالات الدّلالية المُمْكنة، وليس في ذلك مغبّة تحميل المعنى مالا يحتمل إنّما هي نظرة أدبيّة مفسّرة بسببيّة فنيّة، وعلاقات منتظمة، لا سبيل إلى دفعها بقوانين ثابتة كقوانين الرِّياضيّات الّتي لا يختلف على منطقيَّتها اثنان، بل هي نظرة ممعنة تسعى إلى استلال ومضات الّلذة الأدبيّة الخفيّة من باطن العلاقات الدّاخليّة للمادّة اللُّغويّة الّتي هي بمثابة مادّة ثمينة غنيّة بالمعادن المختلفة والمتعددة الاستعمالات، وهي التفاتات متحريّة يحدوها حماس التماع الفكرة الوقّادة؛ لإعمال الفِكر، وإذكاء الفراسة؛ بحيث تتيح الفرصة أمام الذّات المتلقيّة للمشاركة في التّفاعل مع النّصّ، وجماليّات تلقّيه، والانفعال به، في حركة فيزيائيّة تتنامى بين العلاقات السّطحيّة والضّمنيّة من جهة النّصّ، وبين الإحساس والتّذوق والدّهشة والانبهار من جهة المتلقّي الواعي.
ولو أُتيحَ لنصٍّ مِن النّصوص أنْ يتناوله بالنّقد مجموعة من النّقاد من لُغويّيّن ونحويّيّن، وأدباء وعَروضيّيّن لخرجوا إلى النّاس بشيء كثير متباين، ولو رغب أحد من البَحَثَة أنْ يتوسّع في جمع انطباعات عن نصٍّ ما، يُقدّم على خشبة مسرح، يشهدُه متخصّصون؛ من علماء نفس، ومؤرِّخين، وجغرافيِّين، وحاسوبيِّين، وغيرهم... مِن أصحاب المِهِن المختلفة، وطلَب منهم هذا الباحث أنْ يعلّقوا على النّصّ بما يمتلكون من أدوات مهنتهم، ومعارف حقولهم، لقالوا عجيبا يملأ الدّنيا إحساسا بجمال الأدب، ولذّة نصوصه، وسعة آفاقه.

الهوامش
1ـ محمد أديون. النص والمنهج، ط، ص118.
2ـ الجمحي، ابن سلّام، محمد بن سلّام (ت 231 هـ). طبقات فحول الشعراء،د.ط، تح: محمود محمد شاكر،ج1،ص1، مطبعة المدني، القاهرة ـ مصر، 1974م.
خميس بن ماجد الصّبّاري
جامعة نزوَى

أعلى





إلى رجل ٍ يتقن الغياب

1
دعتني النارُ إلى المبيتِ في حضنِ سعيرِها
عندما أيقظتْ شهوةَ العصيانِ في دمي
وكان قبولي سارياً
حتى ايعازٍ آخرَ بموعدٍ لم أحدده بعد
فلم أنتبه إلى الشركِ المجدولِ في ضفيرةِ الوقت
وها هو اللهيبُ قد التهمَ ثوبَ أحلامي

2
في غاباتِ الغيابِ المنسية
على مدى آخر آهةٍ حرَّى
ينعقُ غرابُ البين
يمسكني الشركُ ثانية
فلا أصغي إلى صوتِ المطر
وهو يغسلُ آثارَ مرورهم
عن انحناءات أوردة الانتظار

3
ينشطرُ غيابكَ على حدِّ وجعي
أنحتُ من ملامحِ شطره الأول
تراتيل الناي والشغف
ومن الشطرِ الآخرِ أيقونةَ لونٍ
لا يمكنُ تشكيله مرتين
أعلقها في حلقِ العصيان
تعويذةَ شتاءاتٍ مطرزةٍ بالصقيع
باردٌ حضورُ غيابكَ حدَّ الصراخ
لكن الصدى يعاندُ صوتَ ألمي
فأقابلُ غيابك بعتابِ صامتٍ
لا صوتَ له ولا ظل

4
بكماء مرآتي
تقابلُ شحوبَ صوتي
بذهولِ بلورها المصقول
تمسحُ حمى أرقي
بنسيجِ الوقتِ الضائع
ما بينَ الصمتِ..والسكون

5
أشرِّع حيرةَ صوتي
لأسئلةٍ لا إجابة لها
أحيلهَا إلى صمتِ المرايا
وأسكبُ خوفي في شغافِ الليل
كيفَ لكَ أن تسمعَ ما يكابدُه أرقي
ووجهكَ حائرٌ بين طيفٍ لم تراه
ولونٍ لم يتشكلْ بعد؟

6
مرافئي مطفأة يا صديقي
وقلبي شظايا بلورٍ مبعثر
على شطآنِ غربةٍ
لا حدودَ لتضاريسِ حزنها
وملامحكَ في آخرِ الكون
تشيحُ عني دونَ أن تلوِّحَ
بما يشبهُ وداعاً أخرسَ

7
هذا مداي
عاريةٌ أوجَاعِي في مهبِّ صَقيعِك
يُحرقُني صَهيلُ البردِ في رئتي
أنا التي ارْتجيتكَ دفءَ ربيعٍ منتظر
فوهبتني كل رياحِ كوانينك
مجدولةً بثلجِ مسافاتِ الضنى
حتى انطفأ ضوءُ قيثارتي
بينما كنت أتشققُ صمتاً
فيتخضبُ ظمئي بطوفانِ جفائك
قطافَ ذبولِ خريفٍ قادم
على شفاهِ غيمٍ لا يسكبُ دموعه
في حضرةِ شحوبِ غيابك

8
ما بين حضورٍ فاحش الغياب
وغيابٍ باذخ الحضور
يحنُّ إلى ظلكَ
صوتُ المرايا المعلقة
على لهاةِ الوقتِ
لا طيفَ للمدى وأنت ضائعٌ
بين غيابين لا شمس لهما
بينما يفتشُ قوسُ قزح
عن حكاياتِ ألوانه التي سرقتها
مغافلاً رائحةَ الياسمينِ
التي تحرسُ أغنياتِ الأرق
لئلا يباغتَ النعاسُ
عيوناً لم ترتدِ عباءةَ الفرحِ بعد
ولم تخلعْ عنها
ثوبَ الانتظارِ الفاحش

9
وحده غيابكَ
يعصمُ قلقَ أوردتي مرتين
عن اقترافِ الفرح
بين وهمٍ تآكلتْ حوافه
وغيظٍ يملأه الدخان عبثاً
أعجزُ عن ارتكابِ ابتسامة الصباح
خطيئة مقدسة
لشفاهٍ ترتجفُ لوعةً

لبنى ياسين
شاعرة وقاصة سورية

أعلى




البعد السياسي والتاريخ والمضمون للساحة الإيطالية

تحتل الساحة في المنظومة الفراغية الحضرية مكانة مهمة لأنها تعمل بمثابة "البوتقة" التي تنساب فيها الأحيزة الفراغية المحيطة من جهة, كما أنها تحتضن الفعاليات والأنشطة الحضرية التي تتفاعل فيها الفئات الاجتماعية والإثنيات وتشكل مسرحا لأنشطتها المختلفة. وبالإضافة لبعدها الاجتماعي هناك بعد آخر أكثر أهمية حيث يمكن قراءة "أيديولوجيات" مرتبطة بالساحة, وكونها مسرحا "سياسيا" للأحداث. ومن هنا فمركزية الساحة في التركيبة الفراغية للمدينة تقابلها مركزية مماثلة مرتبطة بالعاملين السياسي والاجتماعي وعلاقة متلازمة مع الفئات الاجتماعية المستعملة للساحة والمرتبطة بها, والتي تشكل "أحداث" المدينة وتتشكل بعلاقة الساحة في المنظومة التي تحيطها والتي غالبا ما تشكلت وفق رؤى وأجندات سياسية كما تؤكد شواهد التاريخ الحديث والمعاصر. في إطار البحث في أبجديات هذه العلاقة, يقدم الكتاب الذي بين أيدينا مجموعة من الأطروحات في خصوصية الساحة الإيطالية كمثال من التاريخ العمراني والسياسي المحلي الإيطالي.
الفراغات العامة الحضرية بطبيعتها تجسد أمثلة حية تتداخل بشكل مباشر مع التأثيرات السياسية وصناعة القرار, فحجم ونوع الناتج يحتم ضرورة تضافر مجهودات تتجاوز البعد الفردي لتشمل مؤسسات وعقليات والأهم, قرارات إدارية, تضعها في النهاية في المجال السياسي لإتمام ورعاية هذه العملية برمتها. ويقدم هذا الكتاب ضمن مشروع من سلسلة أوسع تبحث في التصميم الحضري والبيئة المبنية. وبالرغم من أن مبحث التصميم الحضري هو علم ومجال لتطبيقات تاريخية وضاربة في القدم, إلا أنه مؤخرا بات يميز من قبل مؤسسات السلطة والباحثين في شؤون البيئة المبنية كمدار مهم يجمع بين النظرية والأكاديميا وبين الواقع المعاش العملي المؤثر والمتأثر بصناعة القرار والعوامل السياسية وسواها.
الكتاب الصادر عن دار (Ashgate) للنشر ببريطانيا عام 2008, يبحث في تاريخ الفراغ الحضري الإيطالي من خلال العلاقة بين النظم السياسية وبين طرق تمثيلها في العمارة. وهي دراسة بها الكثير من التفاصيل التاريخية والأمثلة لفهم العلاقة بين الأنظمة السياسة ويضع الكثير من الساحات الإيطالية في إطار تحليلي وسياق اجتماعي وسياسي, مع توضيح للتحولات في النظام السياسي من "أوتوقراطي" إلى "ديمقراطي" عبر التاريخ وانعكاسات تلك التحولات على طبيعة الفضاء الحضري, أو الساحة الإيطالية تحديدا. كما يحوي النص النظري العديد من الأمثلة, ضمن إطار عام يرواح من الدراسات الأثرية القديمة وحتى اليوم, مع ملاحظة تحولات طبيعة الأنظمة السياسية التي وظفت تمظهرات للفراغ الحضري ونماذج أيقونية شكلت عبر العقود طبيعة المدينة وتشكلت "كأيديولوجية" أصبحت لاحقا ظاهرة عالمية. وبهذا الإطار, فالبحث يرى الساحة كعنصر حضري أوروبي متوارث والذي له خصائص "عاطفية" في المتخيل العامي والرسمي. فهي, أي كلمة "ساحة" (Piazza) كمصطلح استعملت في سياقات مختلفة لتشير "لنوع من الفراغ العام المفتوح", كما استعملت الكلمة بما يعني "نوع من الحياة العامة المعاشة في الفراغ العام" والتي شاعت وسادت في جنوب أوروبا.
أطروحة هذا الكتاب تتمثل في أن الساحة الإيطالية المتوارثة والسائدة حاليا ليست فقط "تاريخا متوارثا" لتطورات مورفولوجية للشكل الحضري لكنها أيضا تمثل قصة "التحور والتواصل" في الحياة السياسية وانعكاس لها في إيطاليا. وبالإضافة لذلك, فالشكل الحضري للساحات المختلفة في إيطاليا, والتي تتضمن تراثا متصلا له مرجعية كأحد التمظهرات القوية للفراغ العام الحضري, تعمل في نفس الوقت كوسيلة يقدم من خلالها النظام الأيديولوجي السائد نفسه.
تركيبة الكتاب تبدأ بتسلسل زمني من الرومان, وتستحضر العديد من الأمثلة من الفراغ الحضري الإيطالي بربطها مع التطورات السياسية لحقبة زمنية معينة في كل فصل من فصوله, برغم أنه في نهاية كل فصل قد تظهر بعض القصص والنماذج غير المنتهية, وهذا بطبيعة أن تاريخ الفراغات الحضرية استمرت عبر فترة زمنية طويلة, والأشكال تطورت وتكيفت عبر نظم سياسية واجتماعية. وبطبيعة الحال فليست العملية هي مطابقة النموذج السياسي مع الفراغ الحضري بطريقة إسقاط "واحد ـ لواحد" وبطريقة حرفية. فالفراغات الحضرية, كما تجدر ملاحظته, هي عناصر في المدينة عموما, والإيطالية في هذا الإطار, والتي استمرت كوعاء ناقل للقيم الاجتماعية, وكمفرزات مباشرة للأنظمة السياسية التي صنعتها - وحتى بعد زوال تلك الأنظمة السياسية وتأثيراتها وبعد فترات زمنية طويلة لاحقا.
وإذا كان هناك ثمة رابط بين الفن وبين السياسة, فذلك يعني قبول الآلية التي يمكن للرمز أن يتمدد وينتقل للفراغ الحضري. فالمعاني التي ترتبط بالأشكال, والأيقونات, التي تكتسب صفة في الفراغات الحضرية الناتجة, كعناصر ثنائية وثلاثية الأبعاد, كنص مستوحى من هذا الأشكال, والأهم كأفكار ضمنية مفهومة يوحيها الشكل الحضري, يمكن استعادتها من الشكل الحضري والتي تكون ظاهرة بسهولة في الفراغات الحضرية وتجد لها في الغالب جمهورا, عاما أو "مؤدلجا", يرتبط بالمعاني الخاصة والمحددة التي توحيها. وتشكيل ذلك الفراغ الحضري هو بحد ذاته "ناتج" لعملية أيديولوجية, ويتجلى في الكثير من الفراغات التي أنتجت بواسطة "أنظمة سلطوية" برغم أن العملية معقدة وليست أحادية أو خطية باتجاه واحد. فالمتأمل في تركيبة المدينة يعي أن قراءة المدينة, إنما هي عبارة عن طبقات متراكمة من التاريخ, وإفرازات لصراعات سياسية وتغيرات ملحوظة عبر الزمن. ولكن إذا كانت المدينة هي عبارة عن "ذاكرة جمعية", كما يصفها "بوير", وتجسد مجالا عاما أصليا وتراكمات من تفاعلات اجتماعية "لحظية", فكيف لنا إذن أن نعرّف الفراغ الحضري حيث تم التلاعب بتاريخه لأغراض سياسية, واستنادا لاتصال فراغي وتاريخي "نخبوي" بدرجة كبيرة ـ إن لم يكن متخيلا وغير حقيقي؟ ومن هنا يتوجب البحث في العوامل التاريخية الثقافية والنمطية وكيف تم استغلالها وتوظيفها لأغراض أيديولوجية, والبحث في العمارة الإيطالية, عموما, والتركيبة الحضرية لها توفر مجالا خصبا للبحث بسبب توظيفها المباشر للتاريخ لدعم الأنظمة السياسة وصعودها للسلطة, وبسبب انتقال هذه التعبيرات والمفاهيم للثقافات الأخرى.
من الأسئلة البدهية التي تطرح لتعريف الفضاء الحضري العام وترتبط ارتباطا مباشرا به هي في حقيقة المدينة وتعريفها؟ هل هي المدينة المتشكلة من عناصرها الفيزيائية, أم هي المدينة كنتاج لنظام سياسي معين أنتجها وتحكم في إدارتها وأثر تأثيرا مباشرا على شكل ونوعية الفراغ الحضري العام بها؟ هل هي مدينة البيوت والمباني العامة الصرحية أم هي مدينة المواطنين كانعكاس للبيئات الاجتماعية التي تتفاعل بها وتقطنها؟ وبتركيز الضوء على الساحة كنمط محدد من الفراغات الحضرية العامة, فهذين المظهرين من المدينة, الفيزيائي والاجتماعي, يمكن رؤيتهما معا في هذا الإطار. والساحة بخصائصها وكعنصر رئيس في أية نظرية حضرية, كانت على الدوام موضوعا للتفسيرات المنطقية ويمكن فهمها ضمن ثلاثة أطر رئيسة والتي تكرس مجموعة من القواعد: تفسير الفراغ الحضري كجزء من منظومة فيزيائية أشمل ومحاولة دمجه في متطلبات المجتمع المعاصر.
الأربعة عشر فصلا التي يضمها الكتاب, تضم مجموعات من الأقسام التي تعالج: التاريخ والمرجعيات, والتطورات في عصر النهضة والباروك, وفترة القرنين التاسع عشر والعشرين, وأخيرا فترة ما بعد عام 1945. وفي الجزء الأول, تمثل دراسة خصائص الفراغ الحضري في المدينة التاريخية حوارا بين المحتوى الفيزيائي والشكل المعماري والفكرة والمحتوى السياسي الذي تمثله. فتأثيرات العمارة اليونانية والتصميم الحضري تشكل نقطة بداية لدراسة ملامح من الثقافات القديمة على العمارة الإيطالية ومتعلقات التأثيرات الرومانية. والتمييز بين الواقع والمثال التاريخي تم من خلال المقارنة بين نمطية الفوروم الرومانية, كما وصفها فيتروفيوس, وبين النموذج المتطور للفراغ المركزي في العمارة الرومانية المتمثل في (Forum Romanum).
في الفصل الثاني مثلا, يتم البحث في الشكل المعماري الذي يمثله التحول من أنماط المباني الرومانية مثل البازيليكا إلى مباني مماثلة في الثقافة المسيحية والتي طبعت ملامح المدينة وشكلت طابعها الحضري وأثرت, سلطويا, في طبيعتها ونمط العمران بها. والدراسات المرجعية التاريخية تراوحت بين نصوص أوجسطين, والتي تشكل كتابات ونظريات "ألبرتي" خلفية لها وإحدى الحقب التاريخية, لكن الأخيرة, كانت الأهم في معرفة الكيفية التي تكرست بها ساحات عصر النهضة وطبعت ملامح الشكل الحضري. وكانت أسس هذه الساحات مستندة لنظريات سياسية من حجم ووزن النظريات "المكيافيلية", وأحيانا الجانب السلبي منها.
يبدأ الجزء الثاني من الكتاب في القرن الخامس عشر, بتشكل الصراع السياسي الذي صبغ العصور الوسطى, والذي شكل خريطة إيطاليا السياسية على شكل مجموعة الولايات المرتبطة بالسلالات الحاكمة مرتبطة الولاء للبابوية أو الحكم الإمبريالي. وبطبيعة الحال كانت هذه الولايات الصغيرة المسيسة, والهلامية الحدود ومتغيرة الولاء السياسي, مجالا لتجارب النخبة الحاكمة وطموحاتهم السياسية وأنظمة السلطة التي فرضتها تلك النخب المسيطرة - وبالتالي فرضت طبيعة النظام الفراغي الحضري, على المستوى التخطيطي العام. وفي الفصل الرابع, يشير النص التحليلي بهذا الكتاب لهذه الأنظمة وأن سيادة هذه الثقافات السياسية المدعومة من النخبة الحاكمة في إيطاليا الوسطى أظهرت نقلة وتحورا في الأنظمة السياسية نحو تشكيل نظم "أوتوقراط", وهذا التحور انعكس على إفراز فراغات حضرية تضمنت أفكار "المدينة الفاضلة", وهذه تجسدت في التماثل في الشكل, وتقليد السوابق التاريخية للحصول على شكل حضري واضح كتمثيل لمجتمع عصر النهضة. وبسيادة هذه الثقافة, شهد القرنان الخامس والسادس عشر إحياء للشكل المعماري الروماني, مما أدى لظهور نماذج حضرية تكرس تقديم الساحة الرومانية "فوروم" , وإعادة تقديم الساحة الإيطالية "بيازا" في سان ماركو بالبندقية وإفراز مجموعات من الفراغات الحضرية والقصور في تلة الكابيتولين في روما. فالمحتوى الثقافي للمرجع الأثري تم استغلاله كشكل حضري محدد لغرض سياسي لمحاورة الحاضر, وكان الاختيار الدقيق والواعي للتركيب البصري عبارة عن أداة تعبيرية مهمة في هذا الإطار. وبدأت ولايات القرن السادس عشر المتأخرة باستخدام نماذج متطورة من "الطقوس" الحضرية لإعطاء الشرعية والمضمون للتركيبة السياسية. في المضمون الحضري تمثل ذلك في زيادة استخدام التعبيرية الشكلية لتعريف وتقديم فراغات جديدة وسائدة, والتي غالبا ما كانت تدعم المنظومة الاجتماعية للولايات التي تضم خليطا من الوظائف البيروقراطية والتجارية والخيرية, كما يلاحظ في مدن فلورنسا وبولونا وأريزو مثلا.
الجزء الثالث تخصص في دراسة وتحليل الفترة المعاصرة من منتصف القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين, تاريخ ميلاد ايطاليا المعاصرة. والاستعارة التاريخية والتمازج بين الحاضر والقديم تم توظيفه لإضافة الشرعية على النظام السياسي السائد. وجاء التحول من مفاهيم عصر النهضة والباروك وقراءتها التجديدية للشكل إلى خلاصات التنوير في مجال البحث الأثري والتي تميزت بالبحث عن الدقة التفصيلية في التركيبة البنائية, والتي واكبت فترة التوجهات الصناعية التي تعرضت لها المدينة في هذه الحقبة وصبغت ملامح المنظومة الاجتماعية - ووضعت الاثنتين على المحكّ. وهو ما عزز الحنين للعناصر الأثرية المتوارثة, سعيا وراء البحث عن الأشكال المعمارية النقية, والتي باتت تشكل عناصر الفضاء الحضري العام. لكن تحليل مثل هذا التوجه النمطي في التفكير بات يحتم البحث في إشكالية دقة العودة للمنظومة الأثرية كسابق تاريخي كمرجعية ذات طابع ثقافي خالِ من شوائب التداخلات السياسية والأنظمة التي لعبت دورا لا يستهان به في تقديم التبرير التاريخي لهذه المرجعية وفي الناتج على حد سواء. محاولات النظريين والتطبيقين التي يذكرها النص كأمثلة تمثل انعكاسات لتفاعلات الأنظمة السياسية, ومنها مثلا استعارات مباشرة من الماضي المعماري الرائد في ساحات إيطالية من تلك الحقبة, كأمثلة محددة, أو كمحاولات لاستحضار الحداثة في مدينة القرن التاسع عشر في حلة أثرية. في إطار آخر انعكست الوحدة الوطنية في "بيت سافوي" على المدن الإيطالية التي شهدت أنماطا جديدة للفراغ الحضري مع الطابع الحديث المتضارب مع أوروبا القرن التاسع عشر. لتحل الدروب الضيقة للمدينة القديمة وتستبدل بالفراغات الجديدة المنحوتة من النسيج التقليدي القائم أو مصممة في أحياء جديدة.
مرحلة ما بعد عام 1945 التي يقدمها الكتاب, تمثلها أفكار المثالية التقدمية, وعمارة فرانك لويد رايت العضوية. كما شكل انهزام الفاشية وقدوم النظام الجديد لحكومة الائتلاف ما عرف "بالواقعية الجديدة", وأبرز مظاهرة التركيز على الإسكان الاجتماعي والاهتمام بالعمارة البيئية, كما شكل النظام السياسي المتوازن تجاه التكنولوجيا تضافرا ضد التركيز على الفضاء الحضري العام. وهذا أدى, وبخاصة لدى الحاجة للتركيز على متطلبات ما بعد الحرب إلى إعادة النظر في الفراغات الحضرية العامة والنسيج الحضري. وجاءت كتابات ألدو روسي في "عمارة المدينة" لتعيد الاهتمام بطبيعة الفراغ الحضري الذي تم إهماله في مرحلة ما بعد الحرب.
الكتاب يقدم نظرية تحليلية وتفصيلية, ضمن قراءة أبعد من متناول ملخص يختزلها في مراجعة وسطور قليلة لا تغني عن تتبع النص الذي ينفرد عبر أربعة عشر فصلا متدرجا يعالج كل منها أطروحة تحليلية ونظرية عميقة مع أمثلة توضيحية بالصور والرسومات المصاحبة للنص.

هوامش

عن كتاب
The Politics of the Piazza: The History and Meaning of the Italian Square
Ashgate Publishing Limited, England and USA
Eamonn Canniffe 2008
د. وليد أحمد السيد
كاتب وباحث معماري


أعلى






الأدب الشعبي
بوح ..
لا يعلمون ولا يعملون!!

حالة الإرباك التي يسببها أي عمل من الطبيعي جدا أنها تصنع الكثير من الخبرة لتقديم مستوى أفضل في المرات القادمة رغم الحرج الذي قد توقعه تلك الحالات في حينها، ولكن ماذا يتعين على المتفرج فعله آنذاك؟
تطالعنا بعض الكتابات الواضحة وضوح الشمس تحاملها على الأشخاص (لا الفعل الثقافي)، هذه الكتابات لا تظهر إلا حينما تجد (ما تراه هي) مبررا لكيل النقد تجاه إما شخص بعينه أو مؤسسة ينتمي إليها ذاك الشخص، وربما يكون عمودها الفقري، وهذه الكتابات في واقع الأمر لا تنتصر إلى الفعل الإيجابي أبدا لأنها لو انتصرت له فلن تحقق مبتغاها الشخصي البحت، هي فقط تنظر إلى الزوايا الضيقة بعين سلبية بحتة لا تعمل أبدا ولا تقدم أي فكرة للعمل ولا تترك الآخرين يعملون، وفي الحقيقة إن هذا النوع من الكتابة الذي أصبحنا نقرأه في الفترات الأخيرة من اشخاص معروفة نواياهم لا يدل إلا على الضعف وعقد النقص التي تملأ كتّابها كونهم لا يدركون الحقيقة والواقع ولا يحاولون الاقتراب لمعرفة ذلك الواقع .. هم فقط يريدون المتخيل مما يعتقدون، وهذه نقطة ضعف لكل من يكتب ولن تقدم في يوم من الأيام تصورا فاعلا لخدمة الساحة والمجتمع عموما.
حالات الإرباك الكثيرة التي تتعرض لها الكثير من المؤسسات بمختلف تخصصاتها تؤكد على أن هناك "من يعمل"، ونتيجة لهذا الجهد يحدث ما يحدث من الإيجابيات والسلبيات وكلاهما ما يعزز من موقف الآخر، فالإيجابيات تمنح الثقة والسلبيات تمهّد الطريق لعمل أكثر إشراقا في المرات القادمة، ولكن كيف ندرك (ونحن بعيدون كل البعد عن المشاركة في العمل والتنفيذ) كل تلك الحالات؟ هذا السؤال يجرنا إلى المؤسسات الثقافية التي تقدم الكثير من الجهود بمختلف توجهاتها ولكنها تُصدم في الأخير بعدم رضا المثقف، وكون أن المثقف بعيد عن موقعة العمل فإنه لا يكترث لما وراء كواليس عملها، فقط يريد الظاهر بما يشتهيه بنفسه، ولكنه حينما يغوص في أعماق التجربة يقع في ذات الإشكالية التي قد لا تعجب الآخرين وباستماتة كبيرة يحاول تبرير فشله بما يراه نجاحا لا يقدمه غيره!! هذه الإشكاليات ظهرت كثيرا في الآونة الأخيرة حينما تولى المثقفون زمام العمل في الحقل الأدبي، وحينما تولى المثقفون زمام العمل لتصحيح العمل الفني، وحينما تولى الشعراء زمام العمل في الساحة الشعرية، وقس على ذلك الكثير من الجوانب المهمة في حياتنا اليومية.
لا نضع في هذه الزاوية بأن ما يحدث هو خرق لقوانين الطبيعية ـ على العكس تماما ـ نحن ندرك بأن ما يحدث أمر طبيعي يحدث في كل مواقع الحياة وفي كل قطر من أقطار العالم، ولكن يجب أن نستفيد جميعا من حالات الخطأ والسلب التي قد يقع فيها من قبلنا، لنبدأ من حيث انتهى الآخرون ولنترك مجالا للآخرين أيضا لتقديم رؤاهم التصحيحية لمسار أي عمل، قد لا نستطيع تنفيذها بحسب الإمكانيات، ولكننا من الضروري أن نستمع لها فقد تقدم لنا جوانب مهمة سيتكون دعامة للعمل مستقبلا.
وها هم منتقدو الأمس يقعون في إشكاليات الأمس نفسها، فاليوم يصنعون مبررات تلك الإخفاقات لصالحهم، نحن هنا نلتمس المرر ونقول إن من يجتهد ويخطئ فأجره على الله، ولكن يجب أن يتعلم هؤلاء الذين خاضوا تجربة أنهم يكونون متحدثين ومستمعين معا ليلتمسوا تبريرات اجتهادات الآخرين أيضا، ولكن ما يشين الوضع في الحقيقة أولئك الذين لا يعلمون ولا يريدون أن يعلموا ولا يعملون ولا يتركون الآخرين يعملون، لديهم نظرة واضحة فاضحة هدفها التنكيل بعمل الآخرين والسعي بأي وسيلة من الوسائل لبث سمومهم بين أفراد الساحة الواحدة وجذب الأنظار لشخوصهم لملء فراغ عقد النقص التي تكتنزهم وبالتالي تحقيق أهدافهم الطامعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه كما يدّعون.
يجب علينا أن نتنبه تماما لهؤلاء وأن نحاول بأي شكل من الأشكال تجاهلهم والعمل بما نراه يتناسب وواقع ساحتنا الشعرية، نحاول أن نقترب من مؤسساتنا لمعرفة وجه القصور، وعلى ضوء هذه المعرفة نقدم رؤانا وتطلعاتنا وأن نساهم في العمل من أجل تحقيق الأهداف من حيث انتهى الآخرون كما ذكرنا سابقا، وبحسب الإمكانيات المتاحة وبقدر ما نستطيع تلافيه من إرباك وقع أمام عملنا في السابق، فما أجمل أن يشد بعضنا بعضا ليس من أجل أنفسنا بل من أجل هدف واحد سام هو "عُمان" فهي تستحق منا الكثير.
فيصل بن سعيد العلوي*

*


ــــــــــــــ

أميرهْ

السنين اللي مضت من عمرنا
كانت اجْمل كلْ سنيني يا أميره
والزمن لي مر ما .. ما بيننا
ما حسبنا كم مضى من عمْر خيره
آآآ كبرنا و اكْبرت احلامنا
واكبرت معنا أمانينا الصغيره
السنين العشْر مرت حسبنا
صار هذا الحب أغصانه كبيره
شوفيْ يكبر مثل طفل وسْطنا
من ملامحنا حمل اشيا كثيره
في شحوبه بعْض من .. من حزننا
و من فرحنا إبتساماته المثيره
آه أحبك كم مضى من عمرنا
واحنا إحنا مثل ما احْنا يا أميره

طاهر بن خميس العميري


ــــــــــــــ


فرصة سجين

أضحك بوجه الكآبة و أغتنم فرصة سجين
نامت عيونٍ تغله و أغتنمها للهرب
لقرب إنسانٍ تحبه أو إلى حضن القرين
المهم أنك تفلسف في شعور المغترب
كل ما حسيت أنة الصبر للصابر عرين
أمتطي ظهر الغظنفر يوم ناوي تقترب
يا مضمر بوش ليله فالك الخمر الثمين
و أشرب اشرب للثمالة دام للجنة درب
هدمك الأصنام يعني انتصار المسلمين
بس من تتعب نصيحة أطلب الرمضاء شرب
الجبال الراسية لو تسمع أصوات الجنين
في بطن أمة تحس و لا نفع ميت ضرب
و الشعور اللي جرفني عكس تيار الحنين
شفت في عينك صلاح الدين في وقت الحرب
ما عرفت النرجسية من فروع الياسمين
تائهٍ تبغي تصلي قبلتك كانت غرب
منحرف عن كل زنقة كل بيتٍ لليمين
ما أنت بمعمر بيوت الشر من طوب الصرب
لو غدا الدولار يعب أنت شين العابدين
و أنت علماني بفصل المال عن ليل الطرب
لو نطق فرعون ليلة في ضريحه مستعين
قبل ما ثارت مياه النيل و الميناء خرب
قال يا ليت المواني أسست في الرافدين
و التقينا في أريحه و أنهدم سد الكرب
لكن الموجه قويه و المراكب من عجين
شكلت للغوص أكثر في معاناة العرب
يا نديمي لو هجوني بطلقك و الله يعين
من رياح الشرق الأوسط و اعتقادات الصرب
لو ينام الحبر ليله يسهر الدفتر حزين
لو أشوفك في الفيافي صارت أوراقي سرب
وزعت كل المشاعر دون لا تسال لمين
تشتكي لو توقوها دام للإنسان رب


خميس السعدي


ــــــــــــــ


الهم..

أتذكر إني كنت سالي مع الهم
وجيتي على بالي و فقت وتبسمت..
يرتاح قلبي لو هجر ساعة الغم
ما يوم في حبك رجعت وتندمت..
أنا الغريق وإنت مبحر على اليم
وأنا الوحيد الي لشخصك تظلمت..
أضمى على حبك ولو مبسمك سم
ومنك دواي إن كان لحظه تسممت..
تآمر علي بالخير قل يا عسى تم
أرخصت لك غالي ولا قد تلومت..
هذا أنا ساعي إلى الجمع واللم
وكلي أمل لرضاك لو قد تألمت..
أصبر على نفسي ولا أشتكي هم
ومنك الوفا شفته ومنك تعلمت..
معذور قلبي لو طلب معك يلتم
يا الي بأشواقي وقلبي تحكمت..
لأضم حبك بالحشا داخلي ضم
وأجمع شتاتي بك وللشوق لملمت..
جرحي أنا ف الحب واضح بلا دم
هات الدوا يا زين علّك تفهمت..
جيتي على بالي وأنا أصرع الهم
والظاهر إن الحلم روح وأنا نمت..

المهند النبهاني

ــــــــــــــ

سؤال..وإجابة

جيت اسألك يا صاحبي وضاح
دام الطبق مكبوت بالملة
ليش الملامه دومها تجتاح
تنسى اساس المشكل واصله؟؟!
يامرحبا عبدالملك يا صاح
درب الإجابة فاز من دله
وهذي البيوت التاليه مفتاح
فيها الاجابه وتحتوي حله
فيها ترى باعلمك بجراح
والفارس وفستان يندهله
في ليلةٍ قلبي بدون سلاح
باغتني الوسواس واحتله
وسلمت له نفسي بدون كفاح
مجبور من طال الصبر طله
من بعدها والقول ماهو مزاح
عال الفرح دربي ونا اصرخ له
وكل ما بغيت من التعب ارتاح
ضاقت على وما بقت علة
وكل ما لبست من الهناء وشاح
هبت هبوب الحزن وتشله
وكل ما صبح في سلتي ارباح
تمسي الخساير داخل السلة
واللوم والذنب القديم اشباح
وسرق النظرمن شرفة الحلة
والنفس تخطي والذنوب رماح
وابليس يرمي الرمح ويسله
وانا الذي عاهدت نفسي ولاح
نور العهد لابعد عباد الله
لو آمرتني غفلة المداح
عندي ضميرٍ يعصي الغلفه
لكنّ هالمره لقيته ساح
في بحرها وتكرارها قلة
الفاتنه يا وجد وجدي طاح
القلب فيها وتلته تلة
يمكن ضعفت برمشها الذباح
واغراني الرمان في شكله
وتساقط مْنَ الكف هالمسباح
وتكسر الفنجال والدلة
إيه وبعدها خاتم الإصلاح
ضاق بْصبعها وقال منحله
والامنيات المقبله برياح
تجري بما لا تشتهي الشلة
قلة يخفض مهرها وينزاح
عنه وعنا هالتعب كلة
والزرع لو ما بلته افراح
مليون فرح يجيه ويبله
والليل لو ما جبتله مصباح
لا تلوم لو ما شفت به ضلة
هذي الأجابه قلتها يا صاح
غلفتها والكلّ مع عقلة
مشكور جدا صاحبي وضاح
فاح الطبق وانكسرت الملة

عبدالملك الراسبي


أعلى






حول الحركة الثقافية والأدبية في الخليج العربي مجلة الدوحة ودبي الثقافية نموذجا

حينما يأتي الحديث اليوم ، عن المستوى الثقافي الذي وصلت إليه دول الخليج ، لايمكن الحديث عنه بمعزل عن الصحافة والمجلات الثقافية ، لماتمثله من واجهة حقيقية لأي نشاط ثقافي وابداعي مؤسس لهذه الدول. وعندما نختار مجلة الدوحة ومجلة دبي الثقافية كنموذج إنما يعني ذلك لماتمثله من دور ريادي ومشرف ، يعرفه ويعيه رجل الشارع وكل من له علاقة بالثقافة والكتابة وغيرهم ممن يمتهنون حرفة الابداع الجميل. والمجلتان حينما تمارس هذا الدور الريادي ، بهذا الحماس والجهد المضني والمكلف ماديا انما تريد بذلك خدمة الثقافة وخدمة الادب في الخليج وايضا وهو الاهم خدمة المثقف والكاتب الخليجي. ومن ثمة الخروج بهذا الحراك من الاقليمية الى العالمية. فمجلة دبي ومجلة الدوحة لاتركنان في خطهما الثقافي للمواضيع والدراسات والتحقيقات الصحفية في اطارها الكلاسيكي اي الدور الذي يمكن ان تقوم به اي مجلة ثقافية، وانما تتبنى فكرة اصدار كتاب مع كل عدد تصدره لكبار الكتاب والشعراء العرب والخليجيين . وربما يكون مستقبلا لاحد الكتاب العالميين ، وعندما تقوم المجلتان بهذا الدور المؤثر والتنويري انما يعتبر ذلك اضافة لنهج متعارف عليه منذ الخمسينيات، حينما كان الكتاب والمثقفون العرب يتداولون مجلات مثلت عصرا ذهبيا في تلك السنوات، وتخرجت واستقطبت تحت عباءتها نخبة يشار اليها اليوم وسط التجمعات والمحافل الثقافية العربية والدولية . وهي مجلة شعر ومجلة الاداب .وعندما تأتي مجلة الدوحة ودبي الثقافية لتمارس هذا الدور اليوم انما يعتبر ذلك انتصارا للثقاقة العربية وانتصارا للارادة المتنورة خصوصا في هذا العصر الذي يعتبر عصر الازمات الاقتصادية وعصر يحاول ان يلغي اي شيء ورقي سواء كان ذلك على صعيد الصحافة او الكتاب . واستبداله بعالم آخر عالم التكنلوجيا والانترنت وغيرها. وكما يقول الدكتور سليمان ابراهيم العسكري (ان عالمنا يمر بطفرة هائلة في وسائط الاتصال جعلت عبارة "الكون قرية صغيرة" تبدو عتيقة بعد ان اصبح العالم شاشة صغيرة وآن لنا التوقف بالبحث والفكر لنحدد موقع ثقافتنا العربية في هذا العالم الشاسع في صمته والصاخب في تحديه) لذلك وفي اطار هذا التحدي الذي مازلنا نواجهه عاما بعد عام وربما يوما بعد يوم لابد من تفكير جدي ووضع استراتيجية للنهوض بالدور الاعلامي ، والعمل الصحفي والثقافي والاهتمام باصدار مجلات متخصصة للطفل والمرأة واي شيء آخر يصب قي المصلحة العليا لدول الخليج. وكما يقول الدكتور جابر عصفور( واتصور ان عائق الحريات هو اهم العوائق التي لاتزال تواجه المجلات الثقافية تستوي في ذلك المجلات المدعومة من حكومات غنية تتيح لمحلاتها دعما ماليا تتيح لها مدى اوسع من الانتشار والتوزيع والمجلات اقل دعما التي لاتصل الى المدى نفسه من الانتشار) وكما يقول الشاعر احمد شوقي ان الاراقم لايطاق لقاؤها ... وتنال من خلف باطراف اليد.
لذلك لابد من تحديد مسار وخط مؤثر من شأنه ان يحتوي اي رياح قادمة تهز اركان المؤسسات الصحفية واي شيء له علاقة بالثقافة .لانها المعقل الوحيد للمحافظة على هويتنا ومكتسباتنا، ونحن مازلنا نعتقد ان دول الخليج ممثلة في حكوماتها ورجال اعمالها يعون ذلك جيدا فيما يتعلق بتقديم الدعم لهذه المؤسسات الصحفية والمجلات الثقافية لتقوم بدورها في تنوير المجتمع وايضا خدمة الثقافة والمثقف الخليجي اينما كان.
محمد الرحبي


أعلى






نافذة لغوية (26)
وسط وواسطة ووساطة

عزيزي القارئ .. ما يدري بعض الناس كيف ينطق لفظة (وسط) : أيقول وَسَط الشيء بالتحريك أم يقول وَسْط الشيء (بإسكان السين)؟. أما ما تقيّده بشأنها كتب اللغة فهو أن الوَسَط بالتحريك اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه، كقولك: قبضت وَسَط الحبل ، وكسرت وَسَط الرمح ، وجلست وَسَط الدار . ولما كان وَسَط الشيء عندهم أفضله وأعدله جاز أن يقع صفة وذلك في مثل قوله تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وَسَطا) أي عدلا ، فهذا تفسير الوَسَط وأنّه اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه . وأما الوَسْط (بسكون السين) فهو ظرف لا اسم ، جاء على وزن نظيره في المعنى وهو بَيْن ، تقول : جلست وَسْط القوم أي بينهم ،
ووَسْط مثل بين أيضاً في أنها لا تكون بعضاً لما يضاف إليها بخلاف الوَسَط الذي هو بعض ما يضاف إليه ، فعندما تقول : وَسَط الدار (بالتحريك) أي جزء منها ، لكن عندما تقول : وَسْط القوم (بالتسكين) أي بينهم ، وعلى ذلك قولهم : وَسَطُ رأسه صُلْب ؛ لأنّ وَسَط الرأس بعضها ، وتقول : وَسْط رأسه دهن ، وليس هو بعض الرأس ، وبذا يظهر الفرق بينهما من جهة المعنى ومن جهة اللفظ، وما مخالفة هذا الحكم فيهما إلا من باب الاتساع والخروج عن الأصل . ومما قالوه في الفرق بين اللفظتين أن الوَسْط مثل الحلقة من الناس والسبحة والعقد ، والوَسَط مثل وَسَط الدار والراحة والبقعة.
وشبيه بما سبق في التباس المعنى والاستخدام قول بعض المحدثين وساطة وواسطة بغير دقة أو مراعاة لأصل المعنى ، يقولون مثلاً: سافرنا بواسطة السيارة ... ولم تعرف العرب الواسطة بمثل هذا الاستخدام ، إنما الوَاسِطة من القِلادة هي الجوهرة الفاخرة التي تجعل وَسَطِها ، أو الجوهرة التي تكون في وَسَط العِقْد المنظوم ، أما في المثالين السابقين فتعني الوسيلة أو الأداة ، وعلى هذا المعنى يمكن القول : سافرنا بالسيارة من غير إقحام لفظة الواسطة على العبارة أصلا . أما إذا أردت للمعنى أن يدل على التوسّط من الناس فهو من الوَسَاطة لا من الواسطة.
ولا يخفى على المتأمل المتتبع كيف استطاعت العربية بالتطور أن تمنح لأصل هذا المعنى قيماً مكانية مغايرة لما ألفناه في القديم ترمي بمدلولها الحالي إلى نوع من التحديد (أو التخصيص الطبقي أو المهني) أو بيان المكانة والمرتبة الاجتماعية إذ يقال: فلان يتتبع أخبار الوسط الفني ، أو تتردد في الوسط الصحفي أخبار جديدة، كما يقال: الأوساط الدبلوماسية ، والأوساط العلمية والاجتماعية التي تعني بالنسبة لبعض الناس نوعاً من الفخر والاعتزاز ، على حين كان فخر العربي قديماً في البحث عن الأقاصي في كل شيء ، دون الوَسَط ، كقول أبي فراس الحمداني:
ونَحْنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ بَيننا
لَنا الصَّدْرُ دُونَ العَالَمِينَ أو القَبْرُ
وإلى لقاء في نافذة لغوية متجددة بمشيئة الله..

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير


أعلى





الخداع والأذى

بلى، أرى الحروب الصغيرة والكبيرة الناشبة هنا وهناك بين أهل الثقافة والأدب والفنون البادية على شكل: تنافر، وقطيعة، وتجاهل، وقذف، واتهام، واقصاء، وتحييد، وغمط، وظلم، ونسيان.. كما أدرك مهدوفية القراءات الجاهلية للمؤلفات، والمؤلفين، والتجارب، والسير الذاتية.. والتي لا تريد سوى تحطيب المنتج الثقافي وتشويهه، وتحطيم الذات المنتجة ومحوها، وتجاهل أي مضايفة إبداعية حقيقية للمشهد الثقافي والوقوف المرضي عند جملة تائهة أو قول قابل للتأويل، وبالتالي السعي الحثيث إلى ما اسماه النقد اليوناني بـ (قتل الأب) معنوياً، أي تحييده عن مركز القرار من جهة، وعن بقع الضوء من جهة ثانية.. وهنا لابدّ للمرء من أن يضحك ملء رأسه لأن من يقوم بفعل التحييد ليس بصاحب قرار، فهو لا يقوى على تحمل المسؤولية، كما أنه ليس بصاحب مصدرية مشعة كونه كتلة صماء.
وأعي جيداً أن هذه الحروب الصغيرة أنتجت ظاهرتين اثنتين في الوسط الثقافي هما: ظاهرة (الجهل النشيط) وأهلها أصحاب حراك اجتماعي، وسياسي، واقتصادي، وبيئي، ومناطقي، وعقائدي، ومذهبي، ومصالحي.. حراك يفور ويغلي بالحضور الشخصي (الجسماني) فوق الأرض وتحت الأرض، وفي الليل والنهار، وفي الصحيفة والمجلة، وفي المنابر الثقافية البادية والمضمرة، وفي الأصبوحات والأمسيات، وفي المواقع الرسمية والخاصة (الصالونات الثقافية)، وفي المواقع الإلكترونية، وفي الإذاعة والتلفزيون، وفي المهرجانات والملتقيات والندوات، وفي المآدب وحفلات التكريم، وفي المآتم وحفلات التأبين.. الخ كائنات خرافية آمنت أن الظهور هنا وهناك، وفي كل مكان، هو السبيل إلى الشهرة الأبدى.
والظاهرة الثانية هي ظاهرة (العزلة المطلقة)، وأهلها عزفوا عن المشاركة، والمخالطة، والحوار، والتعبير في الأمكنة العامة لقناعتهم الأكيدة أن لا جدوى من الظهور العلني في الأنشطة الثقافية، وأن لا جدوى من المشاركة فيها، كما لا جدوى من القيام بالمسؤوليات الثقافية، فالزمن الراهن ما عاد زمنهم، وأن ما يقدر عليه غيرهم لا يقدرون عليه.. وأن الجدوى الحقيقية تتمثل في القراءة والارتواء من تجارب الأفراد والمجتمعات والحضارات، والكتابة الإبداعية الصافية، بقولة أخرى، يرى هؤلاء أهل (العزلة المطلقة) أن كل ما لديهم استودعوه في مؤلفاتهم، وأن أرواحهم وتشوفاتهم الوطنية.. صارت أسطرهم المكتوبة بماء القلب، وأن قناعاتهم مشدودة إلى التأمل والارتواء المعرفي بوصفهما السبيل الأوضح لحفظ النصوص والثقافات في إناء الزمن.
في وهمي أن كلتا الظاهرتين على خطل، فالظاهرة الأولى (الجهل النشيط) تنتج الكثير الكثير، وفي جميع المجالات ولدى أهلها أخبار جديدة على مر السَّاعة، فأصحابها يكتبون الشعر، والرواية، والقصة، والمسرحية، والخاطرة، والسيناريو، والأبراج، والكلمات المتقاطعة، والنشرات الجوية، ومواعيد الصيدليات، ورزنامة المطارات، والنعوات، وأخبار المجتمع، وأين تسهر في هذا المساء، ونجمك المفضل، وما يناسبك من الألوان والأزياء، والأمثال، والأقوال، والحكم، وطبيبك معك، وإعلانات المصارف والشركات، وتاريخ الأعلام، والكواكب والمجرات، والخيال العلمي، وأحكام الصوم والصلاة، وأولانيات التربية، والأحداث الرياضية، ..الخ، وإن سئل أحدهم عن قراءاته، يقول لك إنه انتهى في ليلة البارحة من قراءة ألف ليلة وليلة، بدأ القراءة عند الغروب وانتهى بها فجراً، فالواجب القرائي عنده أشبه بالصلاة، وأنه مشغول مدة أسبوع بمراجعة فلسفية لاثنين من أهم الفلاسفة العالميين، هما: هيغل وماركس، وأنه سيعد بحثاً في الموازنة بين الفلسفتين، يعتقد بأنه سيكون داوياً. وإن سألته عن الشعر، يقول لك إنه يقرؤها صباحاً مع طعام الإفطار، يقرأ ديوانين أو ثلاثة.. تماماً مثلما يأكل طعام صحنين أو ثلاثة، أما في الظهيرة، وحالما يتحلل من تعب النهار، فإنه يقرأ المخاطبات، والمواقف، والطواسين، والامتاع والمؤانسة، وجمهرة خطب العرب، ومقدمة ابن خلدون، ومذكرات بسمارك، وإن ذكَّرته بالمساء فيقول لك: المساء مقفول على بلزاك، وتشيخوف، وبيتهوفن، وفيفالدي، وإخوان الصفا، ودونكيشوت، وحين تتعدى الساعة منتصف الليل يلتهم روايتين أو أكثر من روايات أميركا اللاتينية.. حين يسمع المرء مثل هذه الإجابة يدرك أن للكذب أهله، تماماً مثلما للصدق أهله.. فهذا المسؤول (من السؤال) والمجيب (من الإجابة) في آن معاً.. لا يعرفه بيته في ليل أو في نهار.. لأنه حاضر في المقهى، والفندق، والجريدة، والمجلة، والتلفزيون، والإذاعة، والصالونات الأدبية، والمؤتمرات الصحفية.. لا بل إنك واجدٌ له في الأسواق العامة..
في حين تأتيك إجابة أهل العزلة إن سألتهم عن مشغولياتهم الثقافية، عبر جملة واحدة عطشى هي: أنهم يحاولون الحياة، وإن أضفت على السؤال سؤالاً، والكتابة؟! فيقولون لك: إنهم يحاولون الكتابة..
أجل، إنهما ظاهرتان تلخصان الحال الثقافية في اعوجاجها البادي، والذي لا بدّ من إصلاحه، أعني (الاعوجاج) وتقويمه.. كي لا يقع أصحاب الظاهرتين في مربعي (الافراط) و(التفريط)، فتكون النتيجة خراب الدورة الدموية الثقافية، ففي حراك أهل (الجهل النشيط) خداع وأذى، خداع للنفس، وأذى للآخرين. وفي تنحي أهل (العزلة المطلقة) خداع وأذى أيضاً، خداع لأنفسهم بأن المجتمع سيأتي إليهم عاجلاً أو آجلاً، وأذى للحياة الثقافية حين تترك لهؤلاء أنصاف المثقفين الذين باتوا يدوسون بأقدامهم الثقيلة مطارح الطهرانية والجمال والغنى السامي.
لا بدّ، وهذا رأي شخصي، من تعديل طرفي المعادلة على نحو يعيد أهل الظاهرتين إلى المواقع التي تليق بهم، أي أن نرى فعالية أهل الثقافية والعلم، وأصحاب التجارب الثقال، والمعارف الضافيات في مواقع المسؤولية إشرافاً وتمثيلاً، وأن نرى أهل (الجهل النشيط) في مقاعد الثقافة ينصتون، بلا حراك، للعارفين بها.. كي تستعيد تراتبية الأجيال عافيتها بعيداً عن الخداع والأذى.
حسن حميد

أعلى

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept