الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان

نبذة عن الوطن
About Us
اكتشف عمان
اتصل بنا
مواقع تهمك

الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


قضايا



العلاقات الروسية - الإسرائــــــــيلية

وامتاز عهد القيصر الكسندر الثاني بموقفه اللين والليبرالي – نوعاً ما- تجاه اليهود، وخاصة الأثرياء الجدد الذين جنوا أموالاً طائلة لقاء حصولهم على تعهدات ومقاولات مغرية من مشاريع مد الخطوط الحديدية وبناء المؤسسات .بيد أن القيصر الكسندر الثالث وضع عراقيل جديدة أمام تغلغل اليهود في العاصمة بطرسبرج، وموسكو، وغيرهما من المدن الروسية، وأجبر بعضهم على تركها مما اضطر الكثير منهم بعد بروز المنظمات الصهيونية في روسيا في أوائل القرن للهجرة إلى أميركا ثم إلى فلسطين.واكتسبت المسألة اليهودية في فترة لينين بعد انتصار الثورة البلشفية عام 1917 حيزاً خاصاً، ذلك أن لينين لم يكن قريباً في توجهاته الفكرية والسياسية من الحركة الصهيونية رغم تعاطفه الواضح مع اليهود لما تعرضوا له من الكبت حسب اعتقاده، ومعروف أن لينين كان يريد الاستفادة من الشخصيات اليهودية التي تسلمت مراكز حساسة في حزبه في بناء النظام الاشتراكي وتصدير الثورة إلى دول العالم، بينما حث الصهاينة وحلفاؤهم في الحركات الاشتراكية والعمالية اليهود على الانعزال والهجرة والاستيطان في فلسطين، الأمر الذي دفع لينين إلى منع التنظيمات الصهيونية، والحركات القريبة منها في روسيا عامي 1919 و1921 .
على أن اليهود شغلوا أيام لينين وفي العقدين الأولين من الفترة الستالينية، مناصب مهة في الدولة والحزب والأجهزة الأمنية، وكان وجودهم في الوسط الثقافي والإعلامي طاغياً، إلا أن ستالين بدأ يعمل على تحجيم مواقع اليهود في القطاعات المؤثرة في نظام الدولة منذ أواسط الثلاثينيات، وقد زاد غضبه على اليهود بعد إنشاء دولة إسرائيل، عندها أيقن أن الكثير من الشيوعيين اليهود، الذين أرسلوا إلى فلسطين بترتيب من أجهزة ستالين على أمل ايجاد نظام موالٍ لموسكو أصبحوا يخدمون المصالح الصهيونية والأميركية، وتنكروا لوطنهم الأول، وارتكبت الفعاليات اليهودية السوفييتية خطأً مميتاً في أواخر الحرب العالمية الثانية، في عام 1946 بطرحها لمشروع إقامة الإقليم اليهودي الذاتي الحكم في شبه جزيرة القرم وبمساهمة مالية أميركية لتوطين اليهود هناك واعتبر ستالين المشروع مؤامرة تهدف إلى سلخ جزء من الأرض السوفييتية عن الوطن الأم، ما دفعه إلى إصدار أوامر لمعاقبة أصحاب المشروع.
وزادت طلبات الهجرة من روسيا إلى إسرائيل وكذلك الى الولايات المتحدة الأميركية بشكل ملحوظ بعد حرب يونيو عام 1967، وقد حاولت موسكو في تلك الفترة عرقلة حركة الهجرة حيث أدركت أن الهجرة اليهودية إلى إسرائيل تسيء إلى علاقاتها مع الدول العربية والفلسطينيين، بيد أن الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة مارست ضغوطاً قوية على القيادة السوفييتية وشهدت فترة حكم ليونيد بريجنيف تقدما نسبيا في هذا الاتجاه. أما ميخائيل جورباتشوف فقد عرف اليهود في أيام قيادته للاتحاد السوفييتي عصرهم الذهبية يشار في هذا الصدد إلى أن الكسندر ياكلوف وهو أقرب المقربين لجورباتشوف في ذلك والمنظر الحقيقي للبروسترويكا ، عمل سنوات طويلة سفيراً في كندا، وقام بتوثيق العلاقة بين جورباتشوف وإدجار برونجمان الذي كان وقتذاك رئيساً للمؤتمر اليهودي الدولي، وعرفه أيضاً على إسحاق رايخمان الملياردير اليهودي من كندا، وعلى عدد آخر من أثرياء اليهود الذين شرعوا يتوافدون على موسكو وبالرغم من جورباتشوف لم يحصل منهم على أقوال تذكر لدعم البريسترويكا، فقد رفع القيود المتبقية التي كانت تفرض على الهجرة اليهودية، وفتح الباب على مصراعيه أمام انتشار المنظمات الصهيونية في الاتحاد السوفييتي السابق، كما بدأ انفتاح الاتحاد السوفييتي على إسرائيل منذ أواخر الثمانينيات، والمثير للاهتمام في هذا الصدد موافقة وزير خارجية الاتحاد السوفييتي إدوارد شيفرنادزة أواخر عام 1990 على تطوير العلاقة مع إسرائيل، دون أية شروط مسبقة. واللافت للنظر أيضاً موافقة جورباتشوف أثناء لقائه بجورج بوش في مالطة في العام نفسه، على تحقيق برنامج ضخم لهجرة مئات الآلاف من اليهود السوفييت إلى إسرائيل والأراضي العربية المحتلة، وتقرر في حينه استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وجرى تعيين الصحفي المعروف الكسندر بوفين أول سفير لموسكو بناء على طلب ملح من الحكومة الإسرائيلية، إذ كان المذكور معروفاً بدفاعه المستمر عن السياسة الإسرائيلية وبتحامله على الفلسطينيين والدول العربية. وعبر جورباتشوف عن مشاعره الحقيقية تجاه اليهود في برقيته الشهيرة التي وجهها إلى المشاركين في المهرجان الذي أقيم في كييف عاصمة أوكرانيا في سبتمبر عام 1991 أي قبيل خروجه من السلطة، وذلك بمناسبة مرور نصف قرن على مجزرة بابيار التي ارتكبها النازيون ضد سكان مدينة كييف والتي ذهبت ضحيتها الآلاف من اليهود وغير اليهود وأطلق جورباتشوف على اليهود في تلك البرقية صفة أمة عالمية عظيمة، و في فترة بوريس يلتسين شرعت أبواباً جديدة في العلاقة بين السلطة واسرائيل
تاريخ العلاقات الروسية – الإسرائيلية:
بدأت علاقة روسيا بمجريات الأحداث فوق الأراضي الفلسطينية مبكراً منذ عام 1882 حينما هاجر بعض يهود شرق اوروبا ، المعروفين بالأشكنازية من روسيا القيصرية إلى فلسطين ، وقد أطلق على هذه المجموعة البشرية اصطلاح يهود اليديشية وإذا كانت إسرائيل قد اعتمدت على الغرب اقتصادياً وعسكرياً ، فإنها اعتمدت بشريا إلى حد كبير على اليهود السوفيات.وبعد أن قامت الثورة البلشفية في اوائل القرن العشرين وتم إنشاء الاتحاد السوفييتي ، استمر الاتحاد السوفييتي منغلقاً على نفسه حتى قيام الحرب العالمية الثانية، حيث برز كقطب على المسرح الدولي في أعقاب هذه الحرب، ومن ثم تطلع الاتحاد السوفييي إلى إقامة علاقات مع دول منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر من أهم المناطق بالنسبة له بحكم موقعها القريب من حدوده، ونظرا لما تنطوي عليه من ثروات طائلة ، ولكونها كانت منطقة نفوذ مغلقة على الاستعمار البريطاني والفرنسي ، ومن ثم لم يكن له فيها أي تواجد، بل لم يكن له معها أية صلات. أعتبر الاتحاد السوفييتي، بعد الحرب العالمية الثانية، الأقطار العربية متخلفة اقتصاديا و اجتماعيا و فيها حكومات رجعية تابعة للاستعمار الغربي، وموجهة من قبله وتحكم بتوجهاته، ومدينة له بفضل وجودها، بينما أعتبر الحركة الصهيونية حركة تحرر وطني تجسد قوة تقدمية قياساً بالتخلف العربي، ولذلك أقدم في العام 1947 على التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على القرار الأممي المرقم 181 لعام 1947 ، القاضي بتقسيم فلسطين الى دولتين : عربية ويهودية، ولم يتوقف التعاطف السوفييتي مع الحركة الصهيونية عند ذلك الحد، بل تعداه الى الاعتراف السريع رسمياً بدولة إسرائيل بعد قيامها في 15 مايو من العام 1948 ، كما دعم إسرائيل في حربها مع العرب في العام نفسه، وأمدها بالسلاح أثناء مراحل الهدنة وتبادل معها التمثيل الدبلوماسي وقدم لها الدعم في السنوات الأولى من قيامها . وبعدما انكشفت للسوفييت حقيقة ارتباط إسرائيل الوثيق بالغرب وبالذات مع الولايات المتحدة الأميركية، واتضح له بأن القوى الوطنية العربية أخذت تقارع الاستعمار لتثبيت هويتها القومية والتقدمية ، أعادوا النظر بمواقفهم السابقة، وبما يتناسب وتطورات المرحلة وتغير الأوضاع، وبدأت مرحلة جديدة اتسمت بالانفتاح والتعاون مع الحركات التقدمية والتحررية في الوطن العربي والعالم الثالث، كما أبدى الاتحاد السوفييتي استعداده للتعامل مع الحكومات العربية على اختلاف توجهاتها، والتعاون معها في مختلف المجالات رغم التناقض في التوجهات الإيديولوجية معها.وتوترت العلاقات السوفييتية – الإسرائيلية اثر قيام إسرائيل بنشاطات معادية للاتحاد السوفييتي وبلدان أوربا الشرقية الاشتراكية، ووصلت الأمور في العام 1953 الى حد قطع العلاقات الدبلوماسية لأشهر عدّة، كما استخدم السوفييت حق النقض الفيتو في مجلس الأمن ضد قرار لصالح إسرائيل في العام 1954 ، وكان التحول الأبرز في تدهور العلاقات السوفيتية – الإسرائيلية في العام 1956 وذلك بإدانة العدوان الثلاثي ضد مصر والذي شاركت فيه إسرائيل الى جانب بريطانيا وفرنسا، وبعد انتهاء حرب السويس، بدأت مرحلة جديدة تمثلت بتقديم الدعم والإسناد للعرب، وتزويد مصر بالأسلحة من تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية، كما قدم الاتحاد السوفيتي العون والمساعدة لمصر في تمويل وانشاء السد العالي، فضلاً عن تقديم الدعم السياسي للعرب وأمداد بعض الأقطار العربية بالسلاح وتقديم القروض والمساعدات الاقتصادية وزج خبرات خبرائه في المشاريع العربية، وتأييده ودعمه الكامل للقضية الفلسطينية والاعتراف بالحقوق الثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني، ومطالبته بحل ومعالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين على وفق القرارات الدولية . وفي يونيو من العام 1967 ، طالب الاتحاد السوفيتي إسرائيل بوقف القتال والانسحاب الى حدود 4 يونيو، بعدها قرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بسبب رفضها وقف اطلاق النار وهددها باتخاذ إجراءات لفرض عقوبات عليها بالاشتراك مع الدول الأخرى المحبة للسلام . وبقيت العلاقات السوفييتية – الإسرائيلية على هذا الحال حتى تفاقم وتواصل الحملات المضادة للاتحاد السوفييتي التي شنتها إسرائيل والدول الغربية من اجل السماح لليهود السوفييت بالهجرة الى إسرائيل ، وبدأ الاتحاد السوفييتي بتخفيف إجراءاته ضد اليهود السوفييت الراغبين بالهجرة الى إسرائيل، وكان ذلك سبباً لاستئناف الاتصالات بين الجانبين، وعلى البدء في فتح قنوات الاتصال بينهما تمثل بإعادة العلاقات على المستوى القنصلي في العام 1987 . وبقيت العلاقات على هذا المستوى حتى تمت إعادتها بشكل كامل في العام 1991
عودة العلاقات الروسية – الإسرائيلية:
عانى الاتحاد السوفييتي في أيامه الأخيرة من أزمة اقتصادية خانقة ساهمت بشكل كبير في انهياره، وأبدى الرئيس السوفييتي الأخير ميخائيل جورباتشوف تنازلات مهمة من اجل الحصول على مساعدات اقتصادية، وبالرغم من انتهاجه سياستي البروسترويكا و الكلاسنوست( المكاشفة والمصارحة ) والتي كانت تهدف في الجوهر الى إعادة بناء الاتحاد بواسطة دمج الاشتراكية بالديمقراطية، الا ان الأوضاع الداخلية وتفاعلاتها قوضت أسس النظام والبناء القديم وأطاحت بالحزب الشيوعي، وأنهت احتكاره للحياة السياسية كما قوضت نظام الإدارة المركزية للاقتصاد . وكان للحركة الصهيونية واللوبي اليهودي داخل الاتحاد السوفييتي دور بارز في تأجيج الازمة الاقتصادية والسياسية، اذ عملا على تشجيع الهجرة اليهودية وبشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وتأثر جورباتشوف بالطروحات الصهيونية والضغوط الغربية، ففتح ابواب الهجرة على مصراعيها كما كان للحاخام اليهودي الروسي الأكبر أدولف شايفتشسكي دور مهم في دعم العمليات الصهيونية داخل الاتحاد ، وسعى المؤتمر اليهودي الروسي للهيمنة على مواقع القرار في القيادة الروسية ، لتخريب الاقتصاد ونشر الفوضى وتهريب الأموال وتخريب مظاهر الحياة برمتها ، وتحويل روسيا الى بلد مرتبط كلياً بالاحتكارات الغربية .
وبدأت خطوات واضحة في تطبيع العلاقات الروسية – الإسرائيلية باتجاه إعادة العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، وتمثلت هذه الخطوات بإقامة علاقات تجارية مع إسرائيل، وفي إطار التوجه نحو الغرب، وبعد مجيء يلتسين على رأس القيادة الروسية الجديدة، بدأ تعاون عسكري بين البلدين، فضلاً عن التعاون الاقتصادي، اذ باتت رؤوس الأموال الروسية بيد كبار اليهود، وباتت البنوك والبورصات ووسائل الإعلام من الوسائل الضاغطة في تشكيل الموقف الروسي من قضايا الشرق الأوسط عموماً، ولاسيما بعد تعيين اليهودي ايجور جيدار أول قائم بأعمال الحكومة الروسية، والذي عاونه اليهودي اناتولي تشوبايس الذي تولى عملية الخصخصة، وقد ساعدا على تسلل اليهود الى المناصب القيادية في السلطة التنفيذية والأجهزة المالية، كما عملت الحركة الصهيونية، إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية التي تبوأت قمة النظام العالمي، على تخريب كل شيء في روسيا وفي المقدمة المؤسسة العسكرية، ، وأسهما في تخريب الاقتصاد الروسي عن طريق خصخصة القطاع العام وتهريب الأموال الى خارج البلاد، فضلا عن إغراق الدولة بالقروض التي أثقلت الاقتصاد الروسي . وجدير بالإشارة الى ان القيادة السوفييتية وطيلة مدة قطع العلاقات بين عام 1967 و 1991 ، كانت تشدد وباستمرار على انها لا تقف ضد إسرائيل وانما ضد السياسة الإسرائيلية التي كانت ترتكب المجازر الوحشية ضد الفلسطينيين وتعتدي على الدول العربية، ولهذا فان الاتحاد السوفييتي كان يدعم حق إسرائيل في الوجود وبالرغم من تبعيتها الشاملة للإمبريالية الأميركية وتلقيها الدعم الأميركي والتعاون الوثيق معها.
وكان للظروف الداخلية للاتحاد السوفييتي قبل انهياره، الأثر الواضح في السياسة الخارجية السوفييتية، اذ سعت على الصعيد العالمي، التوصل الى تعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت خطوات تسهيل هجرة اليهود السوفييت ، والعمل على توسيع الاتصالات مع إسرائيل وتطبيع العلاقات معها تدريجياً، وبعد اتصالات مكثفة بين موسكو وتل أبيب، تم رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما الى مستوى القنصليتين العامتين في العاصمتين وذلك في 3 يناير من العام 1991 ، وبعد حرب الخليج تحقق لقاء بين رئيسي وزراء البلدين، وفي الاول من اكتوبر من العام نفسه افتتح الاتصال المباشر بين موسكو وتل أبيب، وعادت العلاقات الدبلوماسية في الأيام الأخيرة للاتحاد السوفييتي وقبل عقد مؤتمر مدريد للسلام بأسبوع واحد .ورأت روسيا في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل مصلحة روسية رئيسية في منطقة الشرق الأوسط، وقد عبر عنها السفير الروسي المعين في تل أبيب بعد إعادة العلاقات الكسندر بوفين بأنها مع عدم نشوب حرب في المنطقة، كيلا تجد روسيا نفسها أمام خيار معذب، وفي هذا إشارة إلى أن روسيا، لا يمكنها تجاهل علاقاتها التسليحية مع الدول العربية، وحاجتها للموارد المالية المتأتية من تصدير السلاح، فضلا عن علاقاتها التاريخية المتطورة مع عدد من الدول العربية أولا، وثانياً الاستفادة من الطاقات الذهنية والتكنولوجية المتوافرة لدى إسرائيل بغية تسهيل انتقال الاقتصاد الروسي الى نظام السوق الحرة، والمصلحة الثالثة هي ان في إسرائيل اكثر من مليون مواطن من أصل روسي .
لم يكن الاتحاد السوفييتي ووريثه روسيا الاتحادية هو الراعي المؤيد للقضايا العربية، كما كان متوقعاً اذ اتجه نحو تطبيع علاقاته مع إسرائيل على نحو ملحوظ، منذ منتصف العام 1989 ، بعد فتح باب الهجرة الى إسرائيل امام اليهود السوفييت، وبالرغم من الاحتجاجات والمعارضة العربية لذلك، ووصل عدد المهاجرين حتى العام 1993 حوالي نصف مليون مهاجر يهودي كما تراجعت روسيا الاتحادية عن موقف الاتحاد السوفيتي السابق في الأمم المتحدة باعتبار الصهيونية حركة عنصرية . وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه، تولت روسيا الاتحادية دور الراعي في عملية السلام، فاستضافت في يناير، 1992 ، الجولة الأولى من المفاوضات المتعددة الأطراف للشرق الأوسط في موسكو، كجزء من مسيرة السلام، بهدف إيجاد حلول لقضايا إقليمية مركزية وعدها خطوة لبناء الثقة تساهم في تطبيع العلاقات بين دول الشرق الأوسط، وشارك في مؤتمر موسكو 36 دولة ومنظمة دولية، انقسمت الوفود الى خمس مجموعات عمل، تعالج كل منها مجالات ذات أهمية إقليمية مشتركة هي: البيئة، مراقبة التسلح والأمن الإقليمي، اللاجئون، مصادر المياه والتنمية الاقتصادية، وعقدت مجموعات العمل اجتماعاتها في أماكن مختلفة من المنطقة وفي أزمنة مختلفة، وقامت اللجنة المرشدة لمجموعات العمل، التي تتألف من ممثلين عن الوفود الرئيسة برئاسة الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، بتنسيق المحادثات المتعددة الأطراف، وعقدت آخر اجتماعاتها في موسكو في 31 يناير من العام 2000 ، وفي يناير من العام 1994 ، قام الرئيس الأميركي بيل كلينتون بزيارة موسكو، تم خلالها التأكيد على دور روسيا كراع لعملية السلام في الشرق الأوسط، وأهمية دفع هذه العملية نحو مزيد من التقدم، الا ان الدور الروسي من الناحية الفعلية، بات اقل فاعلية وأكثر هامشية منه في عهد الاتحاد السوفييتي السابق، وبالرغم من التوجهات الروسية مؤخ راً بمحاولة تفعيل هذا الدور، اثر الضغوط الداخلية المفروضة على القيادة الروسية والهادفة الى لعب روسيا دورا اكثر فاعلية وتأثيراً على الصعيد الدولي، ومحاولة استعادة روسيا لمكانتها الدولية، كقوة كبرى تساهم في قضايا السياسة الدولية بقوة، فضلاً عن تفعيل دورها في مختلف القضايا الدولية ومنها قضية السلام في منطقة الشرق الاوسط.
ما مصلحة روسيا في تطوير علاقتها بإسرائيل ؟
انتهجت روسيا بعد انعقاد مؤتمر السلام في مدريد أواخر العام 1991 سياسة جديدة تقوم على دعم الحل السلمي للصراع العربي الاسرائيلي ، وبدأت روسيا تؤدي دور الوسيط حيال القضية الفلسطينية، واستضافت موسكو، كما قلنا سابقا في يناير 1992 ، اجتماعات اللجان المنبثقة عن مؤتمر مدريد للسلام،كما أكدت رفضها العدوان الإسرائيلي المتواصل على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ورفضها لسياسة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة .لقد سعت روسيا الى تفعيل دورها في الشرق الأوسط وتوسيعه، ومواجهة الانفراد الأميركي بالتسوية، وشددت على ضرورة عدم العودة الى نقطة البداية، وضرورة ان يلتزم الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني بالقرارات التي تم توقيعها بشأن التسوية في الشرق الأوسط. وتحاول روسيا من خلال المواقف التي تتبناها تجاه قضية الشرق الأوسط، الى إمساك العصا من الوسط، فهي من جهة تظهر قلقها وتعاطفها تجاه إسرائيل، كون جزء من سكان إسرائيل من أصول روسية، وهي من جهة ثانية تحث إسرائيل على وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية ووقف هدم المنازل في المدن الفلسطينية، مؤكدة ان هذه الممارسات لا تؤدي الا الى زيادة التوتر، كما دعت الى رفع الحصار الاقتصادي المفروض على الضفة الغربية وقطاع غزة، ووقف العنف واستئناف عملية التفاوض وعملية السلام والحوار السياسي . وتضع روسيا في علاقاتها مع إسرائيل اعتبارات عدة يمكن إجمالها في الآتي:
1. اليهود في روسيا: يوجد في روسيا اعداد كبيرة من اليهود الأمر الذي لا يمكن تجاهله في رسم العلاقة مع إسرائيل، لا سيما وان اليهود باتوا يسيطرون على اهم المرافق الاقتصادية، من شركات عملاقة وبورصات، فضلاً عن السيطرة اليهودية على وسائل الإعلام الروسية.
2. الإسرائيليون الروس: يشكل الإسرائيليون الناطقون بالروسية شريحة واسعة في إسرائيل نحو 20 % من السكان ويمثل القاسم الثقافي المشترك بين روسيا وهؤلاء، وله تأثير على مواقف روسيا تجاه إسرائيل.
3. المصالح الاقتصادية: بات العامل الاقتصادي محركاً فعالاً في صياغة وتنشيط العلاقات بين البلدين، ولروسيا مصالح اقتصادية كبيرة من الصعب التضحية بها، ونمت وتوسعت في الأعوام الأخيرة.
4. الموقف من الإرهاب: يؤثر الموقف من الإرهاب في طبيعة العلاقات الروسية الإسرائيلية ،وتحاول روسيا التغاضي عن وصم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، بسبب مواجهتها المعضلة نفسها في مواجهة الأوضاع في الشيشان. وكانت السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط تنطلق من ثلاث مصالح كبرى تحدد سلوك روسيا في الشرق الأوسط وهي :
1. المصلحة الأولى: مزاحمة الولايات المتحدة في المنطقة بالقدر الذي ينهك الأخيرة استراتيجيا ، حينما يأتي الوقت لإعادة حساب موازين القوى العالمية، واذا كانت روسيا تدرك بأنها لا تستطيع معادلة القوة العسكرية، أو الاقتصادية الأميركية، الا انها ترفض ان تظل قوة عالمية من الدرجة الثانية وتصر على ضرورة إعادة تشكيل ميزان القوى العالمية.
2. المصلحة الثانية: وهي مصلحة اقتصادية صريحة تقوم على اساس حسابات الربح والخسارة، وقد استطاعت روسيا، العودة الى المنطقة عبر تنشيط صادراتها العسكرية، ووفق اثمان السوق العالمية ، وليس كما كان يجري في السنوات السابقة خلال سنين الحرب الباردة، واذ كان الدافع الأيديولوجي يتغلب على المنطق الاقتصادي، لذا حصلت موسكو على عقود التسليح مع عدد من بلدان المنطقة، كما وضعت موسكو مسألة تطوير علاقاتها بإسرائيل ضمن أولوياتها في الشرق الأوسط، اذ تضاعف حجم التجارة بين روسيا وإسرائيل للمدة ما بين سنة 2000 الى سنة 2006 في حين وصل في العام 2007 الى 1,5 مليار دولار، إلى جانب مليار دولار أخرى على هيئة صفقات من مواد الطاقة، وباتت روسيا الاتحادية تؤمن لإسرائيل نحو 88 % من احتياجاتها النفطية، والذي كانت تحصل عليه من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، الى جانب اتفاق الجانبين على زيادة حصة إسرائيل من صادرات الغاز الروسي الى 25 % بحلول العام 2025
3. المصلحة الثالثة: وهي المصلحة الأمنية، فالشرق الأوسط أشبه بخاصرة رخوة تحيط بجمهوريات اسيا الوسطى والقوقاز اللتين تعدهما موسكو، جواراً قريباً لها، فيه مصالح حيوية لها، وتعمل بكل طاقاتها من اجل منع التعدي عليها.اذ اهتمت روسيا بكل من تركيا و ايران كونهما اكثر دول الشرق الأوسط رغبة في النفاذ الى هاتين المنطقتين لما يجمع شعوبهما من تشابك عرقي وديني ولغوي، فضلا عن اهتمام روسيا بالشرق الأوسط بعد بروز مسألة ظاهرة الإسلام العابر للحدود، والذي اقترن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بالإرهاب، وهذه المسألة فرضت على موسكو توسيع قاعدة التنسيق مع دول الشرق الأوسط. لذا فقد عملت موسكو على فتح قنوات بين أجهزة الاستخبارات الروسية، ونظيراتها في بلدان الشرق الأوسط العربية، وشمل أيضا إسرائيل التي تجري في روسيا منذ العام 2004 ، تدريبات مشتركة على مكافحة الإرهاب، فضلاً عن قيام مبعوث الرئيس الروسي بعدة زيارات لإسرائيل ، أسفرت عن توقيع عدد من الاتفاقيات بشأن مكافحة الإرهاب، من بينها بيع طائرات إسرائيلية بدون طيار الى روسيا لمراقبة الحدود حول جمهورية الشيشان، وفى سبتمبر 2010 تم التوقيع على اتفاقية التعاون العسكري الاستراتيجي بين وزارتي الدفاع الروسية والإسرائيلية ، وتسلمت روسيا 12 طائرة إسرائيلية الصنع بدون طيار، وتم بحث إمكانية تزويدها بأجهزة تقنية فضائية وليزرية روسية. كما بحثت موسكو مع الخبراء الإسرائيليين فكرة إقامة محطة ليزر لقياس المسافات في إسرائيل تعمل في الفضائية الروسية للإرشاد وتحديد المواقع. وتم أيضا الاتفاق على مشاريع جلوناس إطار منظومة عدة في المجال العسكري التقني وفى مجال النقل العسكري الجوي، وقد عد هذا الاتفاق نقلة نوعية في العلاقات الروسية الإسرائيلي ، إذ عزز التعاون بين البلدين في مجال ما يسمى بمكافحة الإرهاب .
رغم التقارب الروسي الإسرائيلي، الذى تفرضه عوامل مصلحية وبراغماتية، فإن التناقضات الجوهرية تظل حاضرة وبقوة في العلاقات بين البلدين، لتستمر العلاقة بينهما في حالة مد وحذر مستمرة. لقد واجهت العلاقات الروسية الإسرائيلية الكثير من المشاكل لعل من أهمها الملف الإيراني ، والملف السوري، والملف الجورجي .ويشكل التعاطي الروسي مع الملف النووي الإيراني، وقضية صفقة الصواريخ الروسية التي بيعت الى سوريا، مؤشراً كافياً لتوتير العلاقات بين موسكو وتل أبيب، ويرى الإسرائيليون ، بان التعاون الروسي – الايراني ، والتسليح الروسي لسوريا، يشكلان دعماً ومساعدة لأعداء إسرائيل في المنطقة وأنهما يشكلان خطراً على الأمن القومي الإسرائيلي .في حين يؤكد الجانب الروسي وعلى لسان الرئيس الروسي بوتين في مؤتمر صحفي عقد في إسرائيل خلال زيارته يوم 29 ابريل 2005 ، بان الصواريخ الروسية التي وصلت لسوريا، لا تشكل خطراً على إسرائيل فهي قصيرة المدى ومضادة للطائرات ، وخطرها ينحصر فقط اذا دخلت إسرائيل في الأراضي السورية، اما فيما يتعلق بالملف النووي الايراني ، أشار بوتين إلى أن روسيا تساعد إيران في إنتاج الطاقة النووية التي تنحصر في المجال المدني فقط، مؤكداً حرص بلاده على عدم انتشار السلاح النووي في المنطقة، لما له من اثار خطيرة على استقرار المنطقة.
أولاً :الملف النووي الايراني :
ما بين روسيا وإيران حاليا أكبر من مجرد علاقات بين دولتين تمتلكان مصالح استراتيجية في منطقة شائكة، ربما يلعب بحر قزوين دورا كبيرا في هذا التقارب الروسي الإيراني فقد عبر الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف خلال اجتماع عقده مع عدد من المسؤولين الروس ، كان على رأسهم وزيري الخارجية والدفاع، عن قلقه تجاه مشروعات نقل النفط والغاز من منطقة بحر قزوين إلى أوروبا، دون المرور في الأراضي الروسية. ووقع ميدفيديف حينها على وثيقة تحمل اسم «استراتيجية أمن روسيا القومي في فترة ما قبل عام 2020»، وتدعو الوثيقة إلى ضرورة أن تولي روسيا منطقة بحر قزوين كل اهتمامها، لأن هناك دولا خارج هذه المنطقة، تسعى إلى فرض سيطرتها على الثروات الطبيعية المحلية، وبالأخص الثروة النفطية، وهو أمر يعتقد المسؤولون الروس، أن بإمكانية تحالف بين موسكو وطهران، تقليص المطامع الخارجية في ثروات بحر قزوين، ولاسيما مطامع دول الاتحاد الأووربي، التي تعتمد بشكل شبه كامل على واردات الغاز القادم من وسط آسيا، كمصدر رئيسي للطاقة .
يثير التعاون النووي والتكنولوجي العسكري بين روسيا وايران ، اعتراضا عنيفاً من الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل ، ذلك ان واشنطن ترى في ايران دولة داعمة للإرهاب، فيما ترى إسرائيل في ايران دولة تهدد امنها القومي، وتدعم الفصائل والقوى المحاربة لإسرائيل . وينبع الموقف الأميركي من فقدان النفوذ الأميركي في ايران، ففي مرحلة سابقة كانت الشراكة بين الولايات المتحدة الأميركية وايران، وكان التعاون التكنولوجي – العسكري احد الجوانب الرئيسة لتلك الشراكة الا ان هذه الشراكة انفرطت في العام 1979 ، اذ تم ايقاف تصدير التكنولوجيا الحربية الأميركية الى ايران، وفي العام 1989 بدأ التعاون الايراني – السوفيتي في مجال التكنولوجيا العسكرية ، بعدها وقعت عقود كبيرة بلغ مجموعها ما بين 7-9 مليار دولار ، وبعد ضغوط أمريكية توقف التعاون الروسي – الايراني في العام 1999 .وبسبب خسارة روسيا لمليارات الدولارات نتيجة توقف صادراتها الحربية الى ايران ، وبروز رغبة روسية قوية لاستعادة مكانتها الدولية كإحدى الدول المصدرة للسلاح في العالم، وظهور توجيه حقيقي لاستئناف التعاون الروسي السوري، تم انجاز الخطوة الاولى عندما وضعت وكالة الفضاء الروسية، القمر الصناعي الايراني سيناء 1 في مداره، كما وقعت موسكو وطهران بروتوكول تعاون كانت الطاقة النووية إحدى جوانبه، ومنه بناء مفاعل نووي ومحطتي متوسطتي القدرة باستخدام مجمعين مبنيين مسبقاً في بوشهر، كما عادت الشركات الروسية للعمل في ايران وفي مقدمتها الشركات النفطية للعمل في الحقول الايرانية النفطية والغازية . ولا تتوقف مشاريع التعاون الروسي الايراني في مجال الطاقة النووية عند حدود بناء محطة الطاقة النووية في بوشهر، بل تعداه الى تعهد روسيا لإيران بإقامة منشآت نووية أخرى، ولم تمنح الهيئة الدولية للطاقة الذرية وبضغط أمريكي وأوربي ثقتها لإيران فيما يتعلق بالأهداف السلمية للبحوث العلمية الايرانية، وترى ان ايران تطمح الى بناء سلاح نووي، في حين لا تشعر موسكو بالقلق حيال الطموح الايراني لأنها أكثر اهتماماً بما تمثله ايران من ثقل في المنطقة وما تحمله من اوراق ضغط، اذ تسعى لتقوية علاقاتها بطهران وتعزيزا لمصالحها الاقتصادية.وفي مؤتمر صحفي مشترك لوزير الخارجية الروسي لافروف مع نظيره الإسرائيلي الذي زار موسكو في يونيو من العام 2009 ، اكد بان على القيادة الايرانية التأكيد للمجتمع الدولي عن الطبيعة السلمية الحصرية للبرنامج النووي الايراني، وطمأنة المجتمع الدولي بشأن الطبيعة السلمية للبرنامج النووي الايراني، وضرورة اتخاذ موقف بناء تجاه مقترحات الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وشدد على ضرورة تطوير العلاقات الروسية – الإسرائيلية، واكتسابها نوعية. جديدة تستجيب لمصالح الشعبين ولصالح تحريك التعاون الثنائي والدولي أن الملف النووي الايراني يثير قلق الإسرائيليين ؛ لهذا ترغب إسرائيل بمطالبة روسيا في التأثير على ايران ، من أجل التوصل الى حل من شأنه الحيلولة دون حصول أيران على قنبلة نووية.
ثانياً : الملف السوري:
أن موسكو التي توقفت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عن بيع سورية أسلحة حديثة، تمكنها من مواجهة الاختلال الكبير والمتزايد في التوازن العسكري في المنطقة لصالح إسرائيل، باتت اليوم متحمسة لذلك بقوة ليس فقط من الناحية الاقتصادية، حيث يحتاج المجمع الصناعي الروسي إلى الأموال الضرورية للإنفاق على برامج صناعة وتطوير الأسلحة حسبما ما ذكرت مصادر روسية، وأكدت أن موسكو أبلغت سوريا بانتهاء مرحلة التجارب على الأنظمة الصاروخية التي كانت قد أبدت اهتماماً قبل عامين لشرائها، والتي ستدخل في تسليح الجيش الروسي اعتباراً من هذه السنة، بل وأيضا للرد على السياسات الأميركية الإسرائيلية الهادفة إلى تطويق روسيا وتهديد أمنها القومي عبر تغذية ودعم القوى المعارضة لها في جمهوريات آسيا الوسطى والذي بلغ حداً استفزازياً عندما اكتشفت موسكو وجود دعم صهيوني للمعارضة الأوكرانية مما دفع بوتين إلى التحذير علنا من الدور الصهيوني المعادي لروسيا في أوكرانيا التي تشكل بالنسبة لها مجالاً حيوياً لأمنها القومي، خاصة وأن أوكرانيا تمثل أخطر بوابة جيوسياسية يمكن أن تفقدها روسيا في الشرق الأوروبي بعد أن خسرت النافذة الحيوية على بحر البلطيق بانضمام استونيا ولاتفيا وليتوانيا لحلف شمال الأطلسي، بل أن الخسائر ستصل إلى تهديد الأسطول الروسي في مياه البحر السود الأوكرانية، وهذا ما دفع روسيا إلى اعتبار أن الغرب يحول أوكرانيا إلى (ساحة معركة تستحضر الحرب الباردة). تعد سوريا حليفا تقليديا لروسيا فبين عامي 1994 و 2000 اشترت سوريا سلاحاً روسياً بقيمة 500 مليون دولار، وفي يناير من العام 2005 اتفق البلدان على جدولة الديون الروسية المقدرة بحوالي 13,4 مليار دولار، ووعدت روسيا بإطفاء نحو 9,78 مليار دولار أي نحو 73 % من القيمة الإجمالية، وفي زيارة الرئيس السوري بشار الاسد في العام 2005 الى موسكو، اتفق على تزويد سوريا ببطاريات صواريخ ارض – جو روسية، بعدها تعرضت روسيا لضغوط امريكية واحتجاجات إسرائيلية لمنع تنفيذ هذه الصفقة. وذكرت صحيفة الكومرسنت الروسية في مارس 2007 ، قيام روسيا بتزويد سوريا، بطائرات ميغ 31 ، فضلاً عن طائرات ميج 29 المطورة، وعلمت الصحيفة بان ايران تساهم في تمويل عمليات شراء الأسلحة لسوريا من روسيا، وتوترت العلاقات الإسرائيلية– الروسية بعد ورود شائعات بان سوريا عمدت الى نقل أسلحة روسية الصنع الى حزب الله في لبنان، ومنها صواريخ مضادة للدبابات، أثبتت فعاليتها ابان حرب يوليو 2006 ، كما وردت معلومات عن مساعي روسية لاستخدام ميناء طرطوس السوري، كنقطة ارتكاز للأسطول الروسي في البحر المتوسط، وفي مساعي عدت بأنها رغبة وتوجهات روسية لإعادة تنشيط الوجود العسكري الروسي، في مناطق كانت روسيا قد اهملتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولإيجاد قواعد جديدة لأسطولها، لاسيما بعد انضمام رومانيا وبلغاريا الى حلف الأطلسي . وبالرغم من ان العلاقات الروسية – الإسرائيلية سارت خلال حكم الرئيس بوتين في طريق التحسن المستمر، إذ وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين الى 5,1 مليار دولار في العام 2006 ، فضلاً عن استمرار التعاون الاستخباراتي بينهما، وكذلك التنسيق الدائم على مستوى مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع حول القضايا الاستراتيجية والقيام بتدريبات مشتركة لوحدات مكافحة الارهاب، الا ان العلاقات تأزمت بعض الشيء بسبب قيام روسيا بتزويد كلٍّ من ايران وسوريا بالأسلحة والتي تعدها إسرائيل مهددة لأمنها القومي، ومارست الضغوط الشديدة على الجانب الروسي عبر الولايات المتحدة، نجاحات جزئية، كما حصل في العام 2004 ، عندما تم تجميد اتفاق بيع صواريخ متطورة مضادة للدبابات الى سوريا، وتحاول سوريا الحصول على انظمة صواريخ ارض – ارض من نوع اسكندر وصواريخ ارض –جو من نوع أس 300 المطورة الامر الذي يقلق اسرائيل . وحاولت سوريا استثمار فرصة تأزم العلاقات الروسية – الاسرائيلية، اثر حرب جورجيا وانكشاف امر قيام إسرائيل بدعم جورجيا قبل واثناء حربها مع روسيا، اذ امدتها بالسلاح ودعمتها لوجستياً، الامر الذي دفع روسيا بتهديد إسرائيل بأنها اذا لم توقف شحنات الأسلحة الى جورجيا فان موسكو ستقوم بإمداد جيران إسرائيل بالأسلحة، لاسيما سوريا وايران بنظم تسليح هجومية، وقام الرئيس السوري بزيارة موسكو في 20 أغسطس 2008 ، ناقش مع نظيره الروسي مسألة بيع سوريا اسلحة متطورة، ومنها صواريخ اسكندر طويلة المدى، الامر الذي افزع إسرائيل وأقلقها . وفي الجانب الآخر تحاول تل أبيب وبدعم من واشنطن العمل دون تطور العلاقات السورية الروسية، في حين تسعى روسيا الاتحادية تعزيز تعاونها خدمة لمصالحها الوطنية، وفي التقدير الاستراتيجي ، تجد روسيا في سوريا نقطة ارتكاز استراتيجية لعودتها للمنطقة، ولكن على وفق رؤية جديدة وفهم جديد.
ثالثاً : الملف الجورجي:
شهدت العلاقات الروسية . الجورجية تأزماً حاداً، ادى الى نشوب حرب بين البلدين، واصطف الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل الى جانب جورجيا، وانذرت بعودة حرب باردة جديدة بين الغرب وروسيا. ويفسر المراقبون اهتمام إسرائيل بجورجيا، برغبتها في أن تمر خطوط النفط والغاز الطبيعي من حوض بحر قزوين عبر جورجيا وتركيا (على خلاف رغبة موسكو) والسبب هو الاحتمال الذي تدرسه إسرائيل وتركيا وجورجيا وتركمانستان وأذربيجان، في شأن مد خطوط النفط والغاز الطبيعي من ميناء جيهان جنوب تركيا، إلى ميناء عسقلان، حيث مستودعات النفط، لإيصاله في النهاية إلى إيلات، ومن إيلات تنقل الحاملات الإسرائيلية النفط والغاز عبر المحيط الهندي إلى الشرق الأقصى. وتعلم إسرائيل مدى الرفض الروسي لتلك الخطة وهي حاولت في الآونة الأخيرة إقناع موسكو بالتعاون معها لتنفيذها، ولكن محاولاتها باءت بالفشل . ومن جانب أخر يؤكد مراقبون أن إسرائيل ترد على روسيا بتسليح الجيش الجورجي، بالصورة نفسها التي تسلح بها روسيا الجيشين الإيراني والسوري، ولكنها تزعم أن الفارق هو أن الأسلحة التي تبيعها لجورجيا هي أسلحة دفاعية فقط.. وكشفت المساعدات العسكرية الإسرائيلية لجورجيا تسليحاً وتدريباً عن تعارض المصالح بين الطرفين وان ثمة مساحة من الشكوك والهواجس المتبادلة بين موسكو وتل أبيب، وان الحرص الإسرائيلي على الحضور والتواجد المكثف على الساحة الجورجية ، الهدف منه ببساطة هو منع عودة روسيا القوية ، وكان الرد الروسي قوياً ومؤثراً عندما هدد القادة الروس، بان روسيا ستقوم بإمداد أعداء إسرائيل بنظم تسليحية هجومية. وبعد توقف الحرب، سارعت إسرائيل الى إصلاح علاقاتها بروسيا وقام رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت بعد شهرين من انتهاء الحرب، بزيارة موسكو للبحث في كيفية رأب الصدع الذي أصاب العلاقات بين البلدين ، كما زار الرئيس الإسرائيلي موسكو في أغسطس 2009 وكان مفتاح إعادة العلاقات الى طبيعتها هي:
1. طائرات هيرمس وهي طائرات إسرائيلية بدون طيار ترغب روسيا الحصول عليها وكان لها دور مؤثر في الحرب مع جورجيا عندما استخدمها الطيران الجورجي ضد أهداف روسية.
2. صواريخ أس 300 التي أبرمت روسيا اتفاقاً لتصديرها الى ايران ، وترغب إسرائيل في إيقاف هذه الصفقة.وتمت صفقة تزويد موسكو بطائرات إسرائيلية متطورة بدون طيار بمباركة أمريكية، وان تقوم إسرائيل بمساعدة الروس على تحسين قدرات الطائرات الموجهة، وعدت هذه الصفقة من المؤشرات الجديدة لعودة الدفء الى العلاقات الروسية – الإسرائيلية . وتبقى هذه الملفات من العوامل المؤثرة والكأداء في مسيرة العلاقات الروسية – الإسرائيلية ، كون الجانبين يتعاملان بحذر بصددها، فروسيا لا يمكنها التفريط بعلاقاتها مع كل من ايران وسوريا، إذ تعدهما نقطتي ارتكاز في تواجدها الفعلي والمؤثر في المنطقة، و ترى دوائر الشأن السياسي والعسكري في موسكو ان هناك مصلحة روسية في بيع السلاح لسوريا، استناداً إلى سببين رئيسين هما : المال والنفوذ. فروسيا ترغب في تقوية وتمكين وضعها السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط. أما فيما يتعلق بالملف الجورجي، فأن إسرائيل تحاول التأثير على الموقف الروسي بإبقاء علاقاتها مع جورجيا متطورة في محاولة لإضعافه، فإسرائيل لا ترغب بأن تكون روسيا قوية ومؤثرة دولياً.
أين العرب من كل هذا ؟
ما زال العرب ، كما هي عادتهم ، ينتظرون المبادرة من الطرف الأخر. السؤال المهم هل يحتاج العرب روسيا أم العكس؟ عند روسيا ما يكفي من النفط والغاز ولا يملك العرب ما تقدمه أسرائيل، أقصد التقنية المتطورة، والعرب لا يثقون بروسيا ، مثلا تخلى الأتحاد السوفيتي السابق عن حليفه الاستراتيجي العراق في أكثر من مناسبة وبكل بساطة، على سبيل المثال أوقف السوفييت تصدير السلاح الى العراق في السبعينيات لخلافات وقعت بين البعثيين والشيوعين داخل العراق.
كما أن الدور الروسي لم يكن مؤثرا كما يريده العرب ( وهم يقارنون ما يفعله الأميركيون لأسرائيل ) والروس يعتقدون أن العرب لا يملكون الأرادة و القوة لأتخاذ قرارات حاسمة و أستراتيجية .
إن تقدم روسيا إلى سوق الأسلحة الشرق أوسطي يبقى عاملاً يثير حفيظة الإسرائيليين، خاصة تسليح سوريا وإيران. إن بعض الساسة الإسرائيليين، وفي مقدمتهم، منحدرون من الاتحاد السوفياتي السابق، يرون إمكانية تخفيض المخاطر المتصلة بتقوية سوريا وإيران على حساب شرائهما المعدات الحربية الروسية عبر توسيع التعاون العسكري الإسرائيلي - الروسي. وتعليقاً على التوقيع على الاتفاقية الروسية - الإسرائيلية بشأن التعاون العسكري - التقني، صرح زئيف إيلكين عضو الكنيست أحد رئيسي الاتحاد البرلماني المشترك «إسرائيل - روسيا»، ، بأن إسرائيل تسعى لجذب أهتمام روسيا بطرح مشاريع تجربة مشتركة كي تأخذ القيادة الروسية ورجال الأعمال الروس بعين الاعتبار مصالحَ إسرائيل بمزيد من الجدية.
بيد أن غياب الثقة بروسيا بوصفها لاعباً في حلبة الشرق الأوسط مناهضاً ليس لإسرائيل وحدها، بل وللغرب، يدفع الإسرائيليين إلى التشكيك في آفاق الشراكة معها. يعتقد البعض إن روسيا تحاول أستعادة أمجاد الأتحاد السوفيتي ، خاصة في الشرق الأوسط وذلك بواسطة توحيد كتلة بلدان مناهضة للغرب بحكم طبيعتها. فإن جريدة جيروزاليم بوست التي أوردت كل التعاقدات الروسية الأخيرة المبرمة مع سوريا وإيران بشأن إمدادات بعض أنواع الاسلحة، مشيرة إلى احتمال وقوع هذه الأسلحة بأيدي التجمعات الإسلامية الراديكالية التي تحارب إسرائيل مثل حزب الله، وحماس تتوصل إلى استنتاج ، مفاده أن روسيا لا يمكن اعتبارها في الوقت الحاضر شريكاً أميناً فيما يتعلق بمهام السياسة الخارجية والاعتبارات الأمنية. إن بيع الأسلحة إلى البلدان العربية يُعتبر بالنسبة لروسيا صفقة تجارية محضة. مثلما تفعل الولايات المتحدة وغيرها من البلدان الغربية التي تبيع المعدات الحربية والأسلحة إلى دول في الشرق الأوسط معادية لأسرائيل ، خاصة الدول العربية ، إن مثل هذا التعاون لا يتنافى والقانون الدولي، لا سيما أن الطرف الروسي يسعى جاهداً لتحقيق أقصى حد من الشفافية لصفقاتها مع الشركاء الإقليميين، حيث تضمِّن روسيا ( كما تفعل غيرها من الدول الموردة للسلاح) هذه الصفقات تعهداتٍ يأخذها على عاتقه المنتفع النهائي، بعدم تسليم الأسلحة المورَّدة إلى أطراف ثالثة. ومع ذلك تقدِّم موسكو في بعض الحالات تنازلات كبيرة ، قد تبدو غير مبررة ، ففي سبتمبر العام 2010 وقع الرئيس ديمتري ميدفيديف مرسوماً يقضي بحظر بيع صواريخ «إس-300» إلى إيران، بسبب العقوبات المفروضة في مجلس الأمن الدولي على طهران. إن صواريخ إس ـ 300 «تعتبر أحد أكثر منظومات الدفاع الصاروخي فعاليةً في العالم. وكان يمكن لشرائها (لو تمّ) أن يجعل إيران أقلَّ تعرُّضاً لخطر ضربة عسكرية أميركية أو إسرائيلية. وتفيد أنباء وسائل الإعلام بأن القيادة الإسرائيلية أقدمت استجابةً لمطالب موسكو لشراء طائرات أسرائيلية بدون طيار ووقف التعاون مع مع جورجيا .
لم تتراجع روسيا عن عزمها على تزايد دورها في تسوية النزاع العربي - الإسرائيلي. فمن منظور مصالح روسيا الوطنية، تتصدر إقامةُ السلام قائمة المهام ذات الأولوية، وتكتسب العلاقات الجيدة المبنية على الثقة مع إسرائيل، أهميةً خاصة في هذا السياق. ومع ذلك لا يجوز أن يتناسى المرء أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، تمارس بشكل، لم يسبق له مثيل خلال السنوات العشرين الاخيرة، التعنتَ والعنادَ، رافضة أي حل وسط مع الطرف الفلسطيني. وهكذا فإن روسيا تقع في مصيدة مصالح سياسية خارجية متناقضة حيث أن المستوى العالي المنقطع النظير لعلاقاتها مع إسرائيل، يضع روسيا في وضع بلدٍ يشجع في الواقع الزعماء الأقل ميْلاً لخوض مباحثات سياسية.وفي غضون ذلك ليس ثمة أي أساس للاعتماد على مساعي الوساطة الروسية في تسوية النزاع، من جانب الساسة الناطقين بالروسية. فمثلا، صرح أفيغدور ليبرمان، في معرض أقواله الواعدة بشأن آفاق الشراكة بين روسيا وإسرائيل، رداً على سؤال خاص بدور روسيا والرباعية الدولية في تقدم السلام: يحدوني الأمل بأن الرباعية ستتركنا وشأننا وستتناسى وجودنا. ويبدو أن الإسرائيليين الروس لا يعتزمون المساهمة في الترويج لمصالح موسكو السياسية في هذا المجال الحساس.
ان بعض الخبراء الروس الذين تكوَّن بينهم خلال العقود الاخيرة من السنين «اللوبي» الموالي لإسرائيل، يشككون في دور روسيا في التسوية الشرق أوسطية، زاعمين أن مصالح روسيا تكمن في المجال الاقتصادي قبل غيره. إن إقامة الدولة الفلسطينية، من هذا المنظور، لا تحمل في طياتها أية منافع بالنسبة لروسيا، فيما تعتبر العلاقات مع إسرائيل واعدةً جداً من منظور المستقبل. إن مثل هذه الحتمية الاقتصادية من شأنها أن تزيل قضية النزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتُبعد الى المقام الثاني مسألة ضرورة احتواء التناقضات الفلسطينية الإسرائيلية في اثناء المفاوضات السياسية. أما سياسة روسيا الشرق أوسطية، فيبقى أحدَ مكوناتها الرئيسية، التمسكُ بمبدأ تسوية النزاع، وتفهُّم واقع أن تحقيق سلام وطيد في المنطقة مستحيل من دون حل القضية الفلسطينية. لذا فإن الساسة أو الديبلوماسيين الروس لا يرون بديلاً آخر للحوار، مهما كان صعباً وطويلاً ومهما تطلب من القوى والشجاعة، من الطرفين. وفي اثناء مثل هذا الحوار، ينبغي أن تُبنى رؤيةٌ جديدة لتعايش إسرائيل مع جيرانها العرب عل أساس الشرعية الدولية المعترف بها.

محمد نجيب السعد

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 

حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر يونيو 2012 م

 

 




.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept